مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

عبد الله الزيد

مقدمة

[مقدمة] [كلمة الناشر] مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كلمة الناشر الحمد لله الذي أنزل الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نذيرًا، والصلاة والسلام على النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا اختصار تفسيري اختصره فضيلة الدكتور / عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ علي الزيد، حفظه الله، من تفسير الإمام الحافظ الفقيه المجتهد أبي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ، البغوي المسمى بـ " معالم التنزيل ". وتفسيره الكامل الذي منه هذا الاختصار من أجل كتب التفسير بالمأثور، يسرد فيه التفسير بالقرآن - أي يجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد ليوضح معنى الكلمة التي تضمنتها - ويأتي بالأحاديث مع أسانيدها كما يذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم من أئمة التفسير وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي أم البغوي أو غير هؤلاء؟ فأجاب قائلًا: " وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة - البغوي " وعنه قال: " تفسيره مختصر من تفسير الثعلبي لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة ". فلما كان تفسيره بهذه المكانة العظمى وأثنى على اختصاره غير واحد من أهل العلم، أعدنا طبعه من جديد بعد التنسيق مع المختصر. عملنا في هذا الكتاب: 1 - طبع الكتاب في مجلد واحد لأول مرة بلونين. 2 - وضع المصحف كاملًا، وكذلك أخذ الآيات القرآنية المفسرة برسم المصحف من الحاسب الآلي تجنبًا للأخطاء المطبعية. 3 - تصحيح الأخطاء التي نبه عليها فضيلة الدكتور عبد الله الزيد، فضلًا عن الأخطاء التي استدركها أعضاء لجنة البحث العلمي بدار السلام. 4 - تم طباعة الكتاب على ورق شمواه. ونحن عندما نقدم هذا السفر الجليل بين يدي القارئ الكريم، نتضرع إلى الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم. هذا. . . ونشكر كل من سعى لإخراج هذا العمل في ثوبه الجديد. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. خادم الكتاب والسنة عبد المالك مجاهد

تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان

[تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عبده الكتاب وجعله هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى والفرقان، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، وعلى آله وأصحابه أولي العلم والعرفان. وبعد: فإن تفسير الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي تفسير جيد، شهد العلماء بجودته وإتقانه وتمشيه على مذهب السلف في المنهج والاعتقاد، إلا أنه طويل بالنسبة لحاجة غالب الناس اليوم، فالناس اليوم بحاجة إلى تفسير مختصر موثوق. فلذلك اتجهت همة أخينا الشيخ الدكتور / عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ علي الزيد إلى اختصار هذا التفسير وتقريبه للناس. وقد اطلعت على نموذج من عمله فوجدته عملًا جيدًا ومنهجًا سديدًا، حيث إنه يختار من هذا التفسير ما يوضح الآيات بأقرب عبارة وأسهلها، فهو مختصر جيد مفيد. جزى الله أخانا الشيخ / عبد الله على عمله هذا خيرًا وغفر الله للإمام البغوي ورحمه، جزاء ما ترك للمسلمين من علم نافع ومنهج قويم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبه: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان في (13 / 10 / 1413 هـ)

مقدمة د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد

[مقدمة د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ليكون للعالمين نذيرًا، ولمن استمسك به هدى ونورًا. . . والصلاة والسلام على من أرسله بالهدى والبينات سراجًا منيرًا، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه الذين حفظوا كتاب ربهم وعملوا على جمعه وضبطه وتدوينه ليصل إلى من بعدهم بصورته التي بها نزل. وبعد: فإن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الدالة على صدق رسالة مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والدعوة العظمى من الله تعالى إلى التوحيد الخالص والطريق المستقيم، وقد تولى الله حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والمعارضة كما قال تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وها هو قد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان ولا يزال كما وعد الله محفوظًا كما أنزل لم يتغير فيه عما نزل حرف ولا كلمة، ولا ترتيب، وسيبقى كذلك إلى آخر الدهر. وقد ظهر لي من خلال عملي حاجة الناس إلى تفسير مختصر يجمع بين علمي الرواية والدراية، يكون في متناول الكل، يتميز بخلوه من المخالفات الشرعية والعقدية، وذلك لأن الوقت في هذا العصر أصبح قليلًا جدًّا بسبب تزاحم المعلومات في كل العلوم، فرأيت من المناسب اختيار تفسير مختصر يلبي حاجة من أراد الاطلاع على معاني كلام الله سبحانه وتعالى. وقد اطلعت على كثير من المختصرات فوجدت بعضها يهتم بجانب واحد من جوانب إعجاز القرآن كمباحث الإعراب ونكت البلاغة، والبعض الآخر لا يخلو مما يستوجب النظر، ومنها ما يستطرد لعلوم أخرى لا يُحتاج إليها في فهم القرآن. ولما كان تفسير الإمام البغوي - رحمه الله - المسمى (معالم التنزيل) يجمع بين علمي الرواية والدراية مع وضوح العبارة، وجمعه لكثير من المعاني التي يذكرها المفسرون بأسلوب سهل مقتضب بعيدًا عن الألغاز والتعمية مع ما يتميز به من الالتزام بمذهب السلف الصالح في المجال العقدي وما خص به من ثناء العلماء والأئمة، وما حظي به من القبول لدى الأمة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري؟ أم القرطبي؟ أم البغوي؟ فأجاب في فتواه (ج 2 - ص 193) ما نصه: " أسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة: البغوي ". وقال محمد رشيد رضا في مقدمة طبعته له عام 1343 هجرية: " هذا التفسير من أشهر كتب التفسير في العناية بما رُوي عن مفسري السلف وبيان معاني الآيات وأحكامها ". وهو من أجود التفاسير وأنفعها وأشملها أيضًا، إلا أنه يشتمل على روايات كثيرة وبعض القصص الإسرائيلية والأمور التي يغني بعضها عن بعض، ولم يسبق حسب علمي أن قام أحد باختصاره، لذا قمت بهذا العمل لنفسي أولًا، وحرصًا مني على تقريبه وتسهيله لمن يرغب في تفسير موثق لإمام من أئمة أهل السنة والجماعة، أسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد والقبول.

منهج البغوي في تفسيره: 1 - من المعلوم أن أحسن طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، ثم بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، ثم بأقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك حيث إنهم حضروا التنزيل وشاهدوا من القرائن والأحوال ما لم يعلمه غيرهم، ثم بأقوال التابعين الذين تعلموا على الصحابة وأخذوا عنهم، وهذا ما اتخذه البغوي منهجًا له في تفسيره. 2 - سلك البغوي - رحمه الله - مسلكًا متوسطًا بلفظ موجز وسهل بعيدًا عن الاستطراد والحشو، جاء في مقدمة تفسيره: (جمعت بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ فيما سألوا كتابًا متوسطًا بَيْنَ الطَّوِيلِ الْمُمِلِّ وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ) اهـ. 3 - ما ذكره من الأحاديث النبوية الشريفة فغالبها يسوقها بأسانيدها التي اشترط فيها الصحة أو الحسن، وقد وضح ذلك بقوله: (ما ذَكَرْتُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ - فِي أثناء الكتاب على وفق آيَةٍ أَوْ بَيَانِ حُكْمٍ فَإِنَّ الْكِتَابَ يُطْلَبُ بَيَانُهُ مِنَ السُّنَّةِ، وعليها مَدَارُ الشَّرْعِ وَأُمُورُ الدِّينِ، فَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسْمُوعَةِ لِلْحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ الْمَنَاكِيرِ وَمَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ التَّفْسِيرِ) . 4 - ما ذكره عن الصحابة والتابعين فغالبًا يذكره بلا إسناد وذلك لأنه ذكر في مقدمته إسناده إلى كل من يروي عنهم. 5 - يذكر أقوال السلف في تفسير الآية ولا يرجح بعضها على بعض في كثير من الأحيان إشارة منه - رحمه الله - إلى أن معنى الآية قد يحتمل جميع المعاني أو أكثرها، وهذه ميزة تميز بها تفسير البغوي قلما توجد في غيره. 6 - يتحاشى ذكر المسائل الكلامية ويكتفي بإيراد منهج السلف فيها. 7 - يذكر البغوي بعض الأخبار الإسرائيلية عند تفسير بعض الآيات التي تحكي قصص أهل الكتاب وهو مقل منها بالنسبة لغيره من المفسرين. 8 - يذكر بعضر الأحكام الفقهية والقراءات المشهورة، وأسباب النزول في تفسيره. عملي في التفسير: ما يجده القارئ في هذا المختصر هو كله من كلام البغوي فقد التزمت بنصه التزامًا تامًّا ولم أتصرف فيه بالزيادة إلا ما استدعى السياق إضافته لربط كلام البغوي بعضه ببعض كواو العطف ونحوها، ليبقى التفسير بأسلوبه السهل الميسر وجماله الناصع مع تمام الترابط والانسجام، وقد جعلت ما أضفته بين قوسين تمييرًا له عن كلام البغوي. . . ومن هذا يعلم أن جميع ما في هذا المختصر هو من كلام البغوي، فإذا ورد فيه قوله: (قد روينا أو حدثنا) أو نحو ذلك فالقائل هو: البغوي، وقد حرصت على هذا المنهج لما لكلام الإمام البغوي - رحمه الله - من ميزة لدى العلماء تجعل الاطمئنان إليه أكثر والوثوق به أحرى، وما عملته في الاختصار لا يخرج في الغالب عن أحد الأمور التالية: 1 - استبعاد ما لا ضرورة له في بيان معاني الآيات من الروايات والأسانيد المطولة والأحكام التي لا حاجة لها والاقتصار من سند الحديث عند ذكره على اسم الصحابي الذي روى الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وتركت لمن أراد الاستزادة الرجوع إلى الأصل المختصر. 2 - إذا تعددت الأحاديث التي يوردها المؤلف على وفق معاني الآيات الكريمة اقتصرت على ذكر حديث واحد منها وقد أقتصر على

موضع الشاهد من الحديث إذا كان يؤدي المعنى المقصود. 3 - جرى تخريج الأحاديث الشريفة التي وردت في المختصر. 4 - الإبقاء ما أمكن على الآيات التي استشهد بها المؤلف على طريقته في تفسير القرآن بالقرآن مع جعلها بين قوسين مختلفين عن أقواس الآيات المفسرة. 5 - تجريد المختصر من الإسرائيليات ما أمكن إلا ما روى منها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ أو أقره. 6 - عند تعدد ذكر الآثار أكتفي منها بما يكشف معنى الآية. 7 - جرى حذف بعض القراءات وخاصة إذا لم يترتب على المحذوف منها تغير المعنى. الطبعة التي اعتمدت عليها: اعتمدت في عملي هذا على الطبعة المستقلة الكاملة لتفسير الإمام البغوي في طبعتها الثانية عام (1407) هجرية التي حققها الأستاذان خالد عبد الرحمن العك، ومروان سوار، وقد قابلت ما أشكل فيها على طبعة عام (1343) هجرية التي طبعت على حاشية تفسير الإمام ابن كثير. وبعد فراغي من العمل خرجت الطبعة الجديدة التي حققها الإخوة محمد عبد الله النمر، وعثمان جمعة ضميرية، وسليمان مسلم الحرش فاستفدت منها في مقابلة بعض العبارات المشكلة وفي بعض التخريجات للأحاديث النبوية الشريفة واكتفيت بذلك عن المقابلة على مخطوطة الكتاب وذلك لأن هذه الأخيرة طبعة مقابلة على مخطوطة الكتاب كما جاء في مقدمتها (¬1) . أسأل الله الكريم أن ينفع بعملي هذا وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. وجزى الله خيرًا من ينبهني على خطأ يجده فليراسلني على ص. ب (340655) الرياض (11333) ، ومن ينتفع بما فيه فيدعو لي من وراء الغيب دعوة خير صادقة، والله الموفق وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. الرياض في (22 / 9 / 1422 هجرية) د. عبد الله بن أحمد بن علي الزيد ¬

(¬1) وقد جرى إعادة صف الكتاب في هذه الطبعة الثانية التي استدرك فيها كثير مما فات في الطبعة الأولى وجرى تنقيح الطباعة وتدقيقها.

ترجمة الإمام البغوي

[ترجمة الإمام البغوي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ترجمة الإمام البغوي هو الإمام العلامة الحافظ المفسر المحدث الفقيه محيي السنة أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفراء البغوي من أئمة السلف الصالح المتمسكين بالكتاب والسنة. ولد في بلدة (بغشور أو: بغ) وإليها نسبته وهي من بلاد خراسان، وذلك في أوائل العقد الرابع من القرن الخامس الهجري. ونشأ البغوي شافعي المذهب غير متعصب لإمامه ولا مندد بغيره من العلماء، بل سلك مسلك أهل الاختيار والترجيح والتصحيح. ومنهجه في العقيدة منهج السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم فلم يشغل نفسه بنظريات المتفلسفة وخلافات المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وإنما التزم بمنهج أهل السنة والجماعة ناشرًا له ومدافعًا عنه. وقد تنقل البغوي في كثير من البلاد طلبا للعلم إلى أن استقر في (مروالروذ) الوطن الثاني للبغوي، وبقي فيها إلى أن وافته المنية عن نيف وثمانين سنة فيما بين عام (510 هـ) إلى (516 هـ) على خلاف في ذلك. وقد أجمع علماء أهل السنة على جلالة قدر الإمام البغوي ورسوخ علمه بالكتاب والسنة وعلومهما، وصفه من ترجم له: بشيخ الإسلام ومحيي السنة وعلامة زمانه وأنه دينًا ورعًا عابدًا حافظًا ثبتًا ثقة حجة صحيح العقيدة. وهو من أئمة الحديث الشريف، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله. كما أنه إمام في الفقه والأحكام. وإمام في التفسير وعلوم القرآن الكريم. وقد خلف مؤلفات كثيرة منها شرح السنة، ومصابيح السنة، ومعالم التنزيل وهو أصل هذا المختصر والتهذيب في فقه الإمام الشافعي. وغير ذلك كثير. وأخذ الإمام البغوي العلم عن أئمة عصره وكبار الحفاظ والمحدثين في زمانه منهم: الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ محمد بن أحمد المروزي المتوفى سنة (462 هـ) ، ومحدث مرو عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ الهروي المتوفى سنة (463 هـ) ، والإمام علي بن يوسف الجويني شيخ الحجاز المتوفى (463 هـ) وغيرهم. وقد روى عنه تلاميذ عدة منهم مجد الدين العطاردي الأصولي والمحدث الطائي الهمذاني وآخرون. رحم الله البغوي رحمة واسعة ورحمنا معه بمنه وكرمه إنه على ذلك قدير.

سورة الفاتحة

[سورة الفاتحة] [أسماء سورة الفاتحة] (1) سورة الفاتحة وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى منَّ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الْحِجْرِ: 87] وَالْمُرَادُ مِنْهَا: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. [قوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] [1] قوله: {بِسْمِ اللَّهِ} [الفاتحة: 1] الباء زائدة يخفض مَا بَعْدَهَا، مِثْلَ مِنْ وَعَنْ، والمتعلق به مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ، وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الاسم طلبًا للخفة لكثرة استعمالها، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ: هُوَ تعليم للعباد كيف يستفتحون القراءة. قوله تعالى: {اللَّهِ} [الفاتحة: 1] قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ علم خاص بالله عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ، مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مُشْتَقٌّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ: عَبَدَ عِبَادَةً، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما " ويذرك وإلاهتك " أي: عبادتك. معناه أنه المستحق لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ إِلَهٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 91] قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، يقال: أَلَهْتُ إِلَيْهِ أَيْ: فَزِعْتُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْإِلَهِ وِلَاهٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ، أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ في الشدائد ويلجؤون إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ. قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أرق من الآخر، وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فقهاء الحجاز إلى أنها ليست مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السور، فإنما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سورة إلا سورة التوبة، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيات والآية الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ {صِرَاطَ الَّذِينَ} [الفاتحة: 7] ومن لا يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ: ابْتِدَاؤُهَا {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] [قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرحيم] [2، 3] قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] لفظه خبر كأنه يخبر عن الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، يُقَالُ: حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ من نعمة، وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، والحمد أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ: شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ، فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شاكر حامدا. قوله: {لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ: الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ: {رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2 - 3] فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ، وَيُقَالُ: رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ يُقَالُ: رَبَّ

قوله تعالى مالك يوم الدين

فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وأصلحها، فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا، إِنَّمَا يُقَالُ: ربِّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ. وَالْعَالَمِينَ: جمع عالم والعالم جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، لأنهم مكلفون بِالْخِطَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الْفُرْقَانِ: 1] وَقَالَ قَتَادَةُ ومجاهد والحسن: جميع المخلوقين، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ - قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 23 - 24] [قوله تعالى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] [4] قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ {مَالِكِ} [الفاتحة: 4] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " مَلِكِ " قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ، وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ، يُقَالُ: رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا، وَقِيلَ: الْمَالِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ، وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ والشر جميعًا، كما يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: الدِّينُ الْقَهْرُ، يُقَالُ: دِنْتُهُ فَدَانَ، أَيْ: قَهَرَتْهُ فَذَلَّ، وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ، أَيْ: يَوْمَ الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 26] [قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين] [5] قوله: {إِيَّاكَ} [الفاتحة: 5] إِيَّا كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إلى المضمر. قوله: {نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] أَيْ: نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ: مُذَلَّلٌ، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وعلى جميع أمورنا. [قوله تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] [6] قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] اهْدِنَا: أَرْشِدْنَا، وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، أَيْ: دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ، بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ، لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أهل السنة. {الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6] وصراط قرئ بالسين وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ الصَّادُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: قال ابن عباس وجابر: هُوَ

قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب

الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وَقَالَ ابن مسعود: هُوَ الْقُرْآنُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ " (¬1) . وقال سعيد بن جبير: طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الواضح. [قوله تعالى صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ] عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [7] {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ من النبيين والمؤمنين. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أن يغيروا دينهم، وقال عبد الرحمن: هم النبي وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هم الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، وقال عبد الرحمن بن زيدان: رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَهْلُ بيته. قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] يعني: غير صراط الذين غضبت عليهم. {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] أَيْ: وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هلك وغاب، و " غير " ههنا بِمَعْنَى لَا، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ، وقيل: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [الْمَائِدَةِ: 60] وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} [الْمَائِدَةِ: 77] وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِالْبِدْعَةِ وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ. وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ " آمِين "، مفصولاً عن الفاتحة بسكتة، وهو مخفف ويجوز مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا، وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْمَعْ واستجب. [فصل في فضل فاتحة الكتاب] فصل في فضل فاتحة الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» ، هَذَا حديث حسن صحيح (¬2) . وعن ابن عباس قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وعنده جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فوقه، فرفع جبريل بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ فَقَالَ: " أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لن تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» ، صحيح (¬3) . وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غير تمام» . وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ: " اقرؤوا يَقُولُ الْعَبْدُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ العبد: ¬

(¬1) أخرجه الطبري في التفسير 1 / 172 وضعفه أحمد شاكر في تعليقه عليه. (¬2) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب 8 / 178 - 180، وأحمد في المسند 2 / 412 - 413، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 367، وأخرجه المصنف في شرح السنة 4 / 446، 447. (¬3) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (806) 1 / 554، والنسائي في افتتاح الصلاة 2 / 138 والمصنف في شرح السنة 4 / 466.

سورة البقرة

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] يقول اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَذِهِ الْآيَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] يَقُولُ اللَّهُ: (فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سأل) » ، صحيح (¬1) . [سورة البقرة] [قوله تعالى الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] (2) سورة البقرة [1] {الم} [البقرة: 1] قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: الم وَسَائِرُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَهِيَ سِرُّ الْقُرْآنِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فِي كُلِّ كِتَابٍ سر وسر الله فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ، وَقَالَ علي: إن لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الكتاب حروف التهجي. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي، فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ ابن عباس في {كهيعص} [مريم: 1] الْكَافُ مِنْ كَافِي وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ، وقيل في {المص} [الأعراف: 1] أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الصَّادِقُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي الم: الْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّطِيفِ وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ الْمَجِيدِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه قال: معنى {الم} [البقرة: 1] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَعْنَى المص أنا الله أعلم وأفصل، ومعنى {الر} [يونس: 1] أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمَعْنَى {المر} [الرعد: 1] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا كقولهم: قلت لها قفي فقالت لي قَافْ (¬2) أَيْ: وَقَفْتُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هِيَ أَسْمَاءُ الله تعالى مقطعة لو أحسن النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: {المر} [الرعد: 1] و: {حم} [غافر: 1] و: {ن} [القلم: 1] فيكون الرَّحْمَنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا إِلَّا أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى وَصْلِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَائِلَ إذا قال قرأت {المص} [الأعراف: 1] عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالمص، وَرُوِيَ عَنِ ابن عباس: أَنَّهَا أَقْسَامٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ لِشَرَفِهَا وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة ومبادئ أسمائه الحسنى. [2] قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2] أَيْ: هَذَا الْكِتَابُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وأصل الكتاب الضم والجمع، وَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ جَمْعُ حرف إلى أحرف. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ من عند الله وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ: لَا ترتابوا فيه. قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] أَيْ: هُوَ هُدًى، أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: هَادِيًا، تقديره، لا ريب فيه فِي هِدَايَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ، وَالْهُدَى مَا يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ. لِلْمُتَّقِينَ، أَيْ: للمؤمنين، قال ابن عباس: الْمُتَّقِي مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ وَالْفَوَاحِشَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّقَاءِ، وأصله الحجز بين شيئين، وَمِنْهُ يُقَالُ: اتَّقَى بِتُرْسِهِ أَيْ: جَعَلَهُ حَاجِزًا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ ما يقصده. فَكَأَنَّ الْمُتَّقِي يَجْعَلُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عَمَّا نَهَاهُ حَاجِزًا بينه وبين العذاب وَتَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفٌ لَهُمْ أو لأنهم هم المنتفعون بِالْهُدَى. [3] : قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 3] موضع (الذين) ¬

(¬1) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة رقم (395) 1 / 296، والمصنف في شرح السنة 3 / 47. (¬2) هذا الرجز للوليد بن عقبة انظر تفسير الطبري 1 / 212.

خَفْضٌ؛ نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ، يُؤْمِنُونَ يُصَدِّقُونَ، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يُوسُفَ: 17] أَيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنَا، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ: الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَسُمِّيَ الْإِقْرَارُ وَالْعَمَلُ إِيمَانًا لِوَجْهٍ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِعِهِ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ فَكُلُّ إِيمَانٍ إِسْلَامٌ وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَصْدِيقٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ في الباطن ويكون مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ في الظاهر، والإيمان مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَمَانِ فَسُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْعِبَادَ مِنْ عَذَابِهِ. {بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ما كان مغيبًا من الْعُيُونِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَيْبُ ههنا كُلُّ مَا أُمِرْتَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فيما غاب عن بصرك من الْمَلَائِكَةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالصِّرَاطِ والميزان، وقيل: الغيب ههنا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ وقال الحسن: الآخرة، وقال ابن جريج: الوحي. قوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] أَيْ: يُدِيمُونَهَا وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا بِحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا وَهَيْئَاتِهَا، يُقَالُ: قَامَ بِالْأَمْرِ وَأَقَامَ الْأَمْرَ إِذَا أتى به معطيًا حقوقه، أو المراد بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الواحد. وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التَّوْبَةِ: 103] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ، وَفِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقُعُودٍ وَدُعَاءٍ وَثَنَاءٍ. قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [البقرة: 3] أَيْ: أَعْطَيْنَاهُمْ، وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَتَّى الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: الْحَظُّ والنصيب. {يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] يَتَصَدَّقُونَ، قَالَ قَتَادَةُ: يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَصْلُ الْإِنْفَاقِ: الإخراج عن اليد والملك، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مشركي العرب. [4] قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4] يَعْنِي: الْقُرْآنَ. {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [البقرة: 4] من التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أهل الكتب. قوله: {وَبِالْآخِرَةِ} [البقرة: 4] أي: بالدار الآخرة، سميت الدنيا: دنيا لدنوها من الآخرة، وسميت الآخرة: آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا {هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] أي: يستيقنون أنها كائنة، مِنَ الْإِيقَانِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَقِيلَ: الْإِيقَانُ وَالْيَقِينُ عِلْمٌ عَنِ اسْتِدْلَالٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللَّهُ مُوقِنًا وَلَا عِلْمُهُ يَقِينًا إِذْ لَيْسَ عِلْمُهُ عن استدلال. [5] قوله: {أُولَئِكَ} [البقرة: 5] أي: أهل هذه الصفة {عَلَى هُدًى} [البقرة: 5] أَيْ: رُشْدٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ. {مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] النَّاجُونَ وَالْفَائِزُونَ فَازُوا

قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم

بِالْجَنَّةِ وَنَجَوْا مِنَ النَّارِ، وَيَكُونُ الْفَلَاحُ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ، أَيْ بَاقُونَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَأَصْلُ الْفَلَاحِ: القطع والشق، ومنه سمي الزارع: فلاحًا لأنه يشق الأرض، فهم المقطوع لَهُمْ بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ] أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [6] قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 6] يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْيَهُودَ، وَالْكُفْرُ هُوَ الْجُحُودُ، وأصله: من السَّتْرُ وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ بِظُلْمَتِهِ، وَسُمِّي الزارع كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْحَبَّ بِالتُّرَابِ، فالكافر يَسْتُرُ الْحَقَّ بِجُحُودِهِ، وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: كُفْرُ إِنْكَارٍ، وَكُفْرُ جَحُودٍ، وَكُفْرُ عِنَادٍ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ، فكفر الإنكار هو أَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ أَصْلًا ولا يعترف به، وكفر بِهِ، وَكُفْرُ الْجَحُودِ هُوَ أَنْ يعرف الله بقلبه ولا يعترف بِلِسَانِهِ كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ الْيَهُودِ، وَكُفْرُ الْعِنَادِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَيَعْتَرِفَ بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِينُ بِهِ كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ فَهُوَ أَنَّ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ وَلَا يَعْتَقِدَ بِالْقَلْبِ. وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُغْفَرُ لَهُ. قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] متساو لديهم {أَأَنْذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] خَوَّفْتَهُمْ وَحَذَّرْتَهُمْ، وَالْإِنْذَارُ: إِعْلَامٌ مَعَ تخويف وتحذير، فكل مُنْذِرٍ مُعَلِّمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُعَلِّمٍ منذرًا. {أَمْ} [البقرة: 6] حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، {لَمْ} [البقرة: 6] حرف جزم لا يلي إِلَّا الْفِعْلَ، لِأَنَّ الْجَزْمَ يَخْتَصُّ بالأفعال. {تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي أَقْوَامٍ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشَّقَاوَةِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ فَقَالَ: [7] {خَتَمَ اللَّهُ} [البقرة: 7] أي: طبع الله {عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] فَلَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْهَمُهُ، وَحَقِيقَةُ الْخَتْمِ: الِاسْتِيثَاقُ مِنَ الشَّيْءِ كَيْلَا يَدْخُلَهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجَ عَنْهُ مَا فِيهِ، وَمِنْهُ الْخَتْمُ عَلَى الْبَابِ، قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: أَيْ حَكَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالْكُفْرِ لِمَا سَبَقَ مِنْ علمه الأول فِيهِمْ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ عَلَامَةً تَعْرِفُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِهَا، {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] أَيْ: عَلَى مَوْضِعِ سَمْعِهِمْ فَلَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَأَرَادَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ كَمَا قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَإِنَّمَا وَحَّدَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يجمع. {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ، غِشَاوَةٌ أَيْ: غطاء فلا يرون الحق. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7] أَيْ: فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ الدَّائِمُ فِي الْعُقْبَى، وَالْعَذَابُ: كُلُّ مَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَذَابُ مَا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنْ مُرَادِهِ، وَمِنْهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَطَشَ. [8] قَوْلُهُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] نزلت في المنافقين وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّاسُ:

قوله تعالى وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا

جمع إنسان، وسمي بِهِ لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] وَقِيلَ: لِظُهُورِهِ مِنْ قولهم أَيْ أَبْصَرْتُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُسْتَأْنَسُ به. {وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] أَيْ: بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] [9] {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 9] أي: يخالفون الله، وأصل الخداع فِي اللُّغَةِ الْإِخْفَاءُ، وَمِنْهُ الْمَخْدَعُ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُخْفَى فِيهِ الْمَتَاعُ، فَالْمُخَادِعُ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ. وقيل: أصل الخداع: الْفَسَادُ، مَعْنَاهُ: يُفْسِدُونَ مَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا أَضْمَرُوا مِنَ الكفر {وَالَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 9] أَيْ وَيُخَادِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ إِذَا رَأَوْهُمْ آمَنَّا وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 9] لِأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ لأن الله يُطْلِعُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُفْتَضَحُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْتَوْجِبُونَ الْعِقَابَ فِي الْعُقْبَى، {وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ يَعُودُ عليهم. [10] {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10] شَكٌّ وَنِفَاقٌ، وَأَصْلُ الْمَرَضِ الضَّعْفُ، سمي الشك في الدنيا مَرَضًا لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الدِّينَ كَالْمَرَضِ يُضْعِفُ الْبَدَنَ، {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10] لِأَنَّ الْآيَاتِ كَانَتْ تَنْزِلُ تَتْرَى آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، كُلَّمَا كَفَرُوا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10] مُؤْلِمٌ يَخْلُصُ وَجَعُهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] مَا لِلْمَصْدَرِ، أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ اللَّهَ ورسوله في السر. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا] إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [11] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 11] يَعْنِي: لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ، أَيْ: قَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 11] بِالْكُفْرِ وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكْفُرُوا، وَالْكُفْرُ أَشَدُّ فَسَادًا فِي الدِّينِ، {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] يقول هَذَا الْقَوْلَ كَذِبًا كَقَوْلِهِمْ آمَنَّا وهم كاذبون. [12] {أَلَا} [البقرة: 12] كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ يُنَبَّهُ بِهَا الْمُخَاطَبُ، {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} [البقرة: 12] أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ، وَالنَّاسَ بِالتَّعْوِيقِ عَنِ الإيمان، {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مُفْسِدُونَ، لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِبِطَانِ الْكُفْرِ صَلَاحٌ، وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [13] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 13] أَيْ: لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ: {آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: كَمَا آمَنَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13] أَيِ: الْجُهَّالُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ النِّفَاقُ مَعَ الْمُجَاهَرَةِ. بِقَوْلِهِمْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ؟ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] أنهم كذلك، والسفيه خَفِيفُ الْعَقْلِ رَقِيقُ الْحِلْمِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ أَيْ: رَقِيقٌ، وَقِيلَ: السَّفِيهُ: الْكَذَّابُ الَّذِي يَتَعَمَّدُ بخلاف ما يعلم. [14] {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 14] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ إِذَا لَقُوا المهاجرين والأنصار: {قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14] كإيمانكم {وَإِذَا خَلَوْا} [البقرة: 14] رَجَعُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الخلوة، و {إِلَى} [البقرة: 14] بِمَعْنَى: الْبَاءِ أَيْ: بِشَيَاطِينِهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى بِمَعْنَى مَعَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النِّسَاءِ: 2] أَيْ: مَعَ أموالكم {شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] أي: رؤسائهم وكهنتهم، وَلَا يَكُونُ كَاهِنٌ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ تَابِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ: الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ الْبُعْدُ، يُقَالُ: بِئْرٌ شُطُونٌ، أَيْ: بَعِيدَةُ الْعُمْقِ، سُمِّيَ الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا لِامْتِدَادِهِ فِي الشَّرِّ وَبُعْدِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ والمشركين، {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِمَا نُظهر مِنَ الْإِسْلَامِ.

قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى

[15] {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ} [البقرة: 15] يَتْرُكُهُمْ وَيُمْهِلُهُمْ، وَالْمَدُّ وَالْإِمْدَادُ وَاحِدٌ، وَأَصْلُهُ الزِّيَادَةُ إِلَّا أَنَّ الْمَدَّ كثيرًا مَا يَأْتِي فِي الشَّرِّ، وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدِّ {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [مَرْيَمَ: 79] وَقَالَ فِي الْإِمْدَادِ: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [الْإِسْرَاءِ: 6] {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ} [الطُّورِ: 22] {فِي طُغْيَانِهِمْ} [البقرة: 15] أي: في ضلالتهم، وأصل الطغيان: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ: طَغَى الْمَاءُ {يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] أَيْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرِينَ. [قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى] فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [16] {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16] بالإيمان {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] أي: استبدلوا الكفر، أَيْ: مَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] مِنَ الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: مُصِيبِينَ فِي تجارتهم. [17] {مَثَلُهُمْ} [البقرة: 17] شَبَهُهُمْ، وَقِيلَ: صِفَتُهُمْ، وَالْمَثَلُ قَوْلٌ سَائِرٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُعْرَفُ به منه الشَّيْءِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ السبعة، {كَمَثَلِ الَّذِي} [البقرة: 17] يَعْنِي الَّذِينَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ {اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] أوقد نارًا، {فَلَمَّا أَضَاءَتْ} [البقرة: 17] النار {مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17] أي: حول المستوقد {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، يَقُولُ: مَثَلُهُمْ فِي نِفَاقِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي مَفَازَةٍ فَاسْتَدْفَأَ وَرَأَى مَا حَوْلَهُ فَاتَّقَى مِمَّا يخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفًا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ بِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ أمِنُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَنَاكَحُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَوَارَثُوهُمْ وَقَاسَمُوهُمُ الْغَنَائِمَ، فَذَلِكَ نُورُهُمْ، فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ وَالْخَوْفِ، وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ فِي الْقَبْرِ، وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ بِإِظْهَارِ عَقِيدَتِهِمْ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ، فَضَرَبَ النَّارَ مَثَلًا، ثُمَّ لم يقل: أطفأ الله نورهم لَكِنْ عَبَّرَ بِإِذْهَابِ النُّورِ عَنْهُ، لأن النار نُورٌ وَحَرَارَةٌ فَيَذْهَبُ نُورُهُمْ وَتَبْقَى الْحَرَارَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِضَاءَةُ النَّارِ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْهُدَى، وَذَهَابُ نُورِهِمْ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ والضلالة، وقال عطاء: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَانْتِظَارِهِمْ خُرُوجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَلَمَّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ. ثُمَّ وصفهم الله فقال: [18] {صُمٌّ} [البقرة: 18] أَيْ: هُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقْبَلُونَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلُوا فكأنهم لم يسمعوا، {بُكْمٌ} [البقرة: 18] خُرْسٌ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقُولُونَهُ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا أَبْطَنُوا خِلَافَ مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بالحق، {عُمْيٌ} [البقرة: 18] أَيْ: لَا بَصَائِرَ لَهُمْ، وَمَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ كَمَنْ لَا بَصَرَ لَهُ، {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] عَنِ الضَّلَالَةِ إِلَى الْحَقِّ. [19] {أَوْ كَصَيِّبٍ} [البقرة: 19] أَيْ: كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ، وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ، بمعنى: إِنْ شِئْتَ مَثِّلْهُمْ بِالْمُسْتَوْقَدِ، وَإِنْ شئت بأهل الصيب، وَالصَّيِّبُ: الْمَطَرُ وَكُلُّ مَا نَزَلْ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ فَهُوَ صَيِّبٌ، فَعِيلٌ مِنْ صَابَ يَصُوبُ، أي: نزل {مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] أي: من السحاب، وقيل: هِيَ السَّمَاءُ بِعَيْنِهَا، وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. {فِيهِ} [البقرة: 19] أَيْ: فِي الصَّيِّبِ، وَقِيلَ: فِي السماء، أي: في السحاب {ظُلُمَاتٌ} [البقرة: 19] جمع ظلمة {وَرَعْدٌ} [البقرة: 19] وهو الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحَابِ، {وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] وهو النار التي تخرج منه {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} [البقرة: 19] جَمْعُ صَاعِقَةٍ، وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي يَمُوتُ مَنْ يَسْمَعُهَا أَوْ يُغْشَى عَلَيْهِ، وَيُقَالُ لِكُلِّ عَذَابٍ مُهْلِكٍ: صاعقة. قوله: {حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] أَيْ: مَخَافَةَ الْهَلَاكِ، {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] أَيْ: عَالِمٌ بِهِمْ، وَقِيلَ: جَامِعُهُمْ، قال مُجَاهِدٌ: يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ، وَقَيْلَ: مُهْلِكُهُمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى. {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يُوسُفَ: 66] أَيْ تُهْلَكُوا جميعًا.

قوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم

[20] {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20] أَيْ: يَقْرُبُ، يُقَالُ: كَادَ يَفْعَلُ إِذَا قَرُبَ وَلَمْ يَفْعَلْ، {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] يَخْتَلِسُهَا، وَالْخَطْفُ اسْتِلَابٌ بِسُرْعَةٍ {كُلَّمَا} [البقرة: 20] مَتَى مَا، {أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20] أَيْ: وَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ، فَاللَّهُ تَعَالَى شَبَّهَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ بِقَوْمٍ كانوا في مفازة وسواد فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِيهِ ظُلُمَاتٌ، مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ السَّارِيَ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهَا، وَرَعْدٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَضُمَّ السَّامِعُونَ أَصَابِعَهُمْ إِلَى آذَانِهِمْ مِنْ هَوْلِهِ، وَبَرْقٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ أَنْ يَخْطِفَ أَبْصَارَهُمْ وَيُعْمِيَهَا مِنْ شِدَّةِ تَوَقُّدِهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ، وَصَنِيعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعَهُ، فَالْمَطَرُ: الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ حَيَاةُ الْجِنَانِ كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ حَيَاةُ الْأَبْدَانِ، وَالظُّلُمَاتُ: مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَالرَّعْدُ مَا خُوِّفُوا بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَذِكْرِ النَّارِ، وَالْبَرْقُ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ والوعد، وذكر الجنة، فالكافرون يَسُدُّونَ آذَانَهُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَخَافَةَ مَيْلِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ، وَالْكُفْرُ مَوْتٌ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ أَيِ: الْقُرْآنُ يَبْهَرُ قُلُوبَهُمْ. وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَالْمَطَرُ: الْإِسْلَامُ، وَالظُّلُمَاتُ: مَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ، وَالرَّعْدُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْبَرْقُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ، {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [البقرة: 19] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْإِسْلَامِ بَلَاءً وَشِدَّةً هَرَبُوا حَذَرًا مِنَ الْهَلَاكِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: جَامِعُهُمْ، يَعْنِي: لَا يَنْفَعُهُمْ هَرَبُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ، {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20] يَعْنِي: دَلَائِلَ الْإِسْلَامِ تُزْعِجُهُمْ إِلَى النَّظَرِ لَوْلَا مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ آمَنُوا فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلَّمَا نَالُوا غَنِيمَةً وَرَاحَةً فِي الْإِسْلَامِ ثَبَتُوا وَقَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي: رَأَوْا شِدَّةً وَبَلَاءً تَأَخَّرُوا وَقَامُوا، أَيْ: وقفوا {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} [البقرة: 20] أي: بأسماعهم {وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] الظَّاهِرَةِ، كَمَا ذَهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمُ الْبَاطِنَةِ، وَقِيلَ: لَذَهَبَ بِمَا اسْتَفَادُوا مِنَ الْعِزِّ وَالْأَمَانِ الَّذِي لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] قادر. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ] وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [21] قَوْلُهُ تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] قال ابن عباس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: خِطَابُ أَهَّلِ مَكَّةَ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب أهل المدينة، وهو ههنا عَامٌّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الصِّغَارُ وَالْمَجَانِينُ {اعْبُدُوا} [البقرة: 21] وحدوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ، {رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21] وَالْخَلْقُ اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] أَيْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] لِكَيْ تَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ،

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُونُوا عَلَى رَجَاءِ التَّقْوَى بِأَنْ تَصِيرُوا فِي سَتْرٍ وَوِقَايَةٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مِنْ وَرَائِكُمْ يَفْعَلُ مَا يشاء. [22] {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22] أَيْ بِسَاطًا، وَقِيلَ: مَنَامًا، وَقِيلَ: وِطَاءً، أَيْ: ذَلَّلَهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا حَزْنَةً لَا يُمْكِنُ الْقَرَارُ عَلَيْهَا، والجعل ههنا بمعنى: الخلق، {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22] سقفًا مرفوعًا، {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 22] أي: من السحاب، {مَاءً} [البقرة: 22] وهو الْمَطَرَ، {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 22] من أَلْوَانَ الثَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ، {رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 22] طَعَامًا لَكُمْ وَعَلَفًا لِدَوَابِّكُمْ، {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] أَيْ: أَمْثَالًا تَعْبُدُونَهُمْ كَعِبَادَةِ اللَّهِ، وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: النِّدُّ الضِّدُّ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَرِيءٌ مِنَ الْمِثْلِ وَالضِّدِّ، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أَنَّهُ وَاحِدٌ خَالِقُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. [23] {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة: 23] أَيْ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ شاكون {مِمَّا نَزَّلْنَا} [البقرة: 23] يعني: القرآن، {عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] محمد، {فَأْتُوا} [البقرة: 23] أمر تعجيز، {بِسُورَةٍ} [البقرة: 23] وَالسُّورَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَعْلُومَةُ الأول والآخر. {مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] أَيْ: مِثْلِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ: صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النُّورِ: 30] وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي مَثَلِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، يَعْنِي: مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم أُمِّيٌّ لَا يُحْسِنُ الخط والكتابة، {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة: 23] أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا، {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَاسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم تقوَّلَه مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا تَحَدَّاهُمْ عَجَزُوا، فَقَالَ: [24] {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] فيما مضى {وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] أَبَدًا فِيمَا بَقِيَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْإِعْجَازِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كان معجزة النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم حَيْثُ عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، قوله: {فَاتَّقُوا النَّارَ} [البقرة: 24] أَيْ: فَآمِنُوا وَاتَّقُوا بِالْإِيمَانِ النَّارَ، {الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ التهابًا، وقيل: جمع الحجارة، وهو دليل على عظم تِلْكَ النَّارِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَصْنَامَ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْنَامِهِمْ كَانَتْ مَنْحُوتَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، كَمَا قَالَ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 98] {أُعِدَّتْ} [البقرة: 24] هيئت {لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 25] أَيْ: أَخْبِرْ، وَالْبِشَارَةُ: كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِي الخير أغلب، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] أَيِ: الْفِعْلَاتِ الصَّالِحَاتِ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ قَالَ مُعَاذٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْعِلْمُ وَالنِّيَّةُ وَالصَّبْرُ وَالْإِخْلَاصُ، {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} [البقرة: 25] جَمْعُ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ، سُمِّيَتْ بِهَا لِاجْتِنَانِهَا وَتَسَتُّرِهَا بِالْأَشْجَارِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنَّةُ مَا فِيهِ النَّخِيلُ، وَالْفِرْدَوْسُ مَا فِيهِ الْكَرْمُ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} [البقرة: 25] أَيْ: مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا {الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] أَيِ: الْمِيَاهُ فِي الْأَنْهَارِ، لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يَجْرِي، وَقِيلَ: مِنْ تحتها أي: بأمرهم، وَالْأَنْهَارُ جَمْعُ نَهْرٍ، سُمِّيَ بِهِ لسعته وضيائه، ومنه النهار {كُلَّمَا} [البقرة: 25] متى ما، {رُزِقُوا} [البقرة: 25] أطعموا {مِنْهَا} [البقرة: 25] أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ، {مِنْ ثَمَرَةٍ} [البقرة: 25] أي: ثمرة، ومن: صلة. {رِزْقًا} [البقرة: 25] طَعَامًا، {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] قِيلَ: مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الثِّمَارُ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهَةٌ فِي اللَّوْنِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّعْمِ، فَإِذَا رُزِقُوا ثَمَرَةً بَعْدَ أُخْرَى ظَنُّوا أَنَّهَا الْأُولَى، {وَأُتُوا بِهِ} [البقرة: 25] رزقًا {مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: مُتَشَابِهًا فِي الْأَلْوَانِ مُخْتَلِفًا فِي الطُّعُومِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مُتَشَابِهًا أَيْ: يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْجَوْدَةِ، أَيْ: كُلُّهَا خِيَارٌ لَا رَذَالَةَ فِيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّهَا أَطْيَبُ، وَقِيلَ: مُتَشَابِهًا فِي

قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما

الِاسْمِ مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنه: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الجنة إلا الأسامي. قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا} [البقرة: 25] في الجنان {أَزْوَاجٌ} [البقرة: 25] نساء وجوار، يَعْنِي: مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، {مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ وَكُلُّ قذر، وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] دَائِمُونَ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يخرجون منها. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا] بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [26] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] يذكر شبها، {مَا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] مَا: صِلَةٌ، أَيْ: مَثَلًا بِالْبَعُوضَةِ، وبعوضة: نَصْبُ بَدَلٍ عَنِ الْمَثَلِ، وَالْبَعُوضُ صغار البق، سميت بعوضة لأنها كانت بعض البق، {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] يَعْنِي: الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: فَمَا دُونَهَا، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ جَاهِلٌ، فَيُقَالُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ: وَأَجْهَلُ. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 26] بمحمد والقرآن، {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} [البقرة: 26] يعني: المثل هو {الْحَقُّ} [البقرة: 26] الصِّدْقُ {مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26] أَيْ: بِهَذَا الْمَثَلِ، فَلَمَّا حَذَفَ الألف واللام نصب عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ فقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] من الكفار، وذلك أنهم يكذبون فيزدادون ضلالاً، {وَيَهْدِي بِهِ} [البقرة: 26] أي بهذا المثل {كَثِيرًا} [البقرة: 26] من الْمُؤْمِنِينَ فَيُصَدِّقُونَهُ، وَالْإِضْلَالُ هُوَ الصَّرْفُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَقِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ، {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [الْبَقَرَةِ: 26] الْكَافِرِينَ، وَأَصْلُ الْفِسْقَ: الْخُرُوجُ، يُقَالُ: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: [27] {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ} [البقرة: 27] يُخَالِفُونَ وَيَتْرُكُونَ، وَأَصْلُ النَّقْضِ: الْكَسْرُ، {عَهْدَ اللَّهِ} [البقرة: 27] أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ بِقَوْلِهِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الْأَعْرَافِ: 172] وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 81] الْآيَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم وَيُبَيِّنُوا نَعْتَهُ، {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] تَوْكِيدِهِ، وَالْمِيثَاقُ: الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ، {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [البقرة: 27] يَعْنِي: الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السلام وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْأَرْحَامَ، {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 27] بِالْمَعَاصِي وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم وبالقرآن، {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] الْمَغْبُونُونَ. ثُمَّ قَالَ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ: [28] {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] ؟ بعد نصب الدلائل ووضوح البرهان. ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ فَقَالَ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] نُطَفًا

قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم

في أصلاب آبائكم، {فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] فِي الْأَرْحَامِ وَالدُّنْيَا، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] للبعث، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] أَيْ: تُرَدُّونَ فِي الْآخِرَةِ فَيَجْزِيكُمْ بأعمالكم. [29] قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] لِكَيْ تَعْتَبِرُوا وَتَسْتَدِلُّوا، وَقِيلَ: لِكَيْ تَنْتَفِعُوا، {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ: أَيِ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] خَلَقَهُنَّ مُسْتَوَيَاتٍ لَا فُطُورَ فِيهَا ولا صدوع، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] [30] {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} [البقرة: 30] أَيْ: وَقَالَ رَبُّكَ وَإِذْ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فهذا سبيله، إذ وَإِذَا: حَرْفَا تَوْقِيتٍ إِلَّا أَنَّ إِذْ لِلْمَاضِي وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ يوضع أحدهما موضع الآخر. {لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 30] جمع ملك، وأراد به الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْضِ {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] أي: بدلا منكم، والمراد بالخليفة ههنا آدم {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] بالمعاصي، {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] بغير حق {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] قَالَ الْحَسَنُ: نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمده هو صَلَاةُ الْخَلْقِ وَصَلَاةُ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمَا سوى الآدميين {وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] أَيْ: نُثْنِي عَلَيْكَ بِالْقُدْسِ وَالطَّهَارَةِ عما لا يليق بعظمتك وجلالك، وَقِيلَ: وَنُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لِطَاعَتِكَ، وَقِيلَ: وَنُنَزِّهُكَ، وَاللَّامُ: صِلَةٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ وَالْعُجْبِ بِالْعَمَلِ بَلْ على سبيل التعجب وطلب الْحِكْمَةِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 30] من الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُطِيعُنِي ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَعْصِينِي وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُذْنِبُونَ وَأَنَا أغفر لهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ] عَلَى الْمَلَائِكَةِ [31] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ آدم اللون، فلما خلقه الله عز وجل عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا وإن كان غيرنا أكرم عليه فَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُ لِأَنَّا خُلِقْنَا قَبْلَهُ وَرَأَيْنَا مَا لَمْ يَرَهُ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بالعلم، قال ابن عباس: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقَصْعَةِ وَالْقُصَيْعَةِ، وَقِيلَ: اسْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ، وقيل: صنعة كل شيء {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 31] إنما قال: {عَرَضَهُمْ} [البقرة: 31] وَلَمْ يَقُلْ عَرَضَهَا لِأَنَّ الْمُسَمَّيَاتِ إذا جمعت مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ يُكَنَّى عَنْهَا بِلَفْظِ مَنْ يَعْقِلُ، كَمَا يُكَنَّى عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِلَفْظِ الذُّكُورِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ الْحَيَوَانَ وَالْجَمَادَ ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الشُّخُوصَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، فَالْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الشُّخُوصِ، فَلِذَلِكَ قَالَ عَرَضَهُمْ {فَقَالَ أَنْبِئُونِي} [البقرة: 31] أَخْبَرُونِي {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] أَنِّي لَا أَخْلُقُ خَلْقًا إِلَّا وَكُنْتُمْ أَفْضَلَ وَأَعْلَمَ مِنْهُ. فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِقْرَارًا بِالْعَجْزِ: [32] {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [البقرة: 32] تَنْزِيهًا لَكَ، {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32] معناه: إنك أَجَلُّ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} [البقرة: 32] بخلقك {الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] فِي أَمْرِكَ، وَالْحَكِيمُ لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَاكِمُ وَهُوَ الْقَاضِي الْعَدْلُ، وَالثَّانِي الْمُحْكِمُ لِلْأَمْرِ كَيْ لَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَأَصْلُ الْحِكْمَةِ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ فَهِيَ تَمْنَعُ صاحبها من الباطل. فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ. [33] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} [البقرة: 33] أَخْبِرْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَسَمَّى آدَمُ كُلَّ شيء وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا خُلِقَ، {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ} [البقرة: 33]

اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} [البقرة: 33] يَا مَلَائِكَتِي {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 33] مَا كَانَ مِنْهُمَا وَمَا يَكُونُ {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [البقرة: 33] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي قَوْلَهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا، {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] قَوْلَكُمْ لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا، قَالَ ابْنُ عباس هُوَ: أَنَّ إِبْلِيسَ مَرَّ عَلَى جسد آدم لَا رُوحَ فِيهِ، فَقَالَ: لِأَمْرٍ مَا خُلِقَ هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ فِي فِيهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَاسَكُ لِأَنَّهُ أَجْوَفُ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ فُضِّلَ هَذَا عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِطَاعَتِهِ مَاذَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: نُطِيعُ أَمْرَ رَبِّنَا، فَقَالَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ وَلَئِنْ سُلِّطَ عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّهُ، فَقَالَ اللَّهُ تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [البقرة: 33] يَعْنِي مَا تُبْدِيهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الطاعة، {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] يعني إبليس من المعصية. [34] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34] اختلفوا في هذا الخطاب مع الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الْحِجْرِ: 30] وقوله: {اسْجُدُوا} [البقرة: 34] فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَصَحُّ أَنَّ السُّجُودَ كَانَ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَضَمَّنَ مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وامتثال أَمْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وَتَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، كَسُجُودِ إِخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يُوسُفَ: 100] وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَضْعُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ إِنَّمَا كَانَ انحناء فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34] أَيْ: إِلَى آدَمَ فَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً وَالسُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جُعِلَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ لله عز وجل، {فَسَجَدُوا} [البقرة: 34] يعني: الملائكة، {إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34] وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْحَارِثُ، فَلَمَّا عَصَى غُيِّرَ اسْمُهُ وَصُورَتُهُ، فَقِيلَ: إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ أَبْلَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: يَئِسَ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عباس وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الْكَهْفِ: 50] فَهُوَ أَصْلُ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَالْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَلِأَنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً وَلَا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ خِطَابَ السُّجُودِ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلُهُ: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] أَيْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ: إِنَّ فِرْقَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ خُلِقُوا مِنَ النَّارِ سُمُّوا جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْأَعْيُنِ، وَإِبْلِيسُ كان منهم. قوله: {أَبَى} [البقرة: 34] أَيِ: امْتَنَعَ فَلَمْ يَسْجُدْ، {وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] أَيْ: تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، {وَكَانَ} [البقرة: 34] أي: وصار {مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ:

قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما

وَكَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ وَجَبَتْ لَهُمُ الشقاوة. قَوْلُهُ تَعَالَى: [35] {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} [البقرة: 35] واسعًا كثيرًا، {حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] كَيْفَ شِئْتُمَا وَمَتَى شِئْتُمَا وَأَيْنَ شِئْتُمَا، {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] يعني: بالأكل، قال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَعَ النَّهْيُ عَلَى جِنْسٍ مِنَ الشَّجَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ: على شجرة مخصوصة {فَتَكُونَا} [البقرة: 35] فتصيرا {مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] أي: الضارين أنفسكما بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ في غير موضعه. [قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا] كَانَا فِيهِ [36] {فَأَزَلَّهُمَا} [البقرة: 36] استزل {الشَّيْطَانُ} [البقرة: 36] آدَمَ وَحَوَّاءَ، أَيْ: دَعَاهُمَا إِلَى الزلة {عَنْهَا} [البقرة: 36] عَنِ الْجَنَّةِ {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36] من النعيم {وَقُلْنَا اهْبِطُوا} [البقرة: 36] انْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، يَعْنِي: آدَمَ وحواء وإبليس والحية {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَالْحَيَّةِ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذرية آدم وبين إبليس، وقوله تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} [البقرة: 36] موضع قرار {وَمَتَاعٌ} [البقرة: 36] بلغة ومستمتع {إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] إلى انقضاء آجالكم. [37] {فَتَلَقَّى} [البقرة: 37] التلقي: هُوَ قَبُولٌ عَنْ فِطْنَةٍ وَفَهْمٍ، وَقِيلَ: هُوَ التَّعَلُّمُ، {آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] اختلفوا فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هِيَ قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كعب القرظي: هو قَوْلُهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أنت الغفور الرَّحِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هِيَ أَنَّ آدَمَ قَالَ: يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ مَا أَتَيْتُ، أَشَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي أَمْ شَيْءٌ قدرتَه عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لا بل شيء قدرته عليكم قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَكَمَا قَدَّرْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي فَاغْفِرْ لِي، وَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْحَيَاءُ وَالدُّعَاءُ وَالْبُكَاءُ. قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] فَتَجَاوَزَ عَنْهُ {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} [البقرة: 37] يقبل توبة عباده {الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] بخلقه. [38] قوله تَعَالَى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} [البقرة: 38] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ وَقِيلَ الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدنيا، والهبوط الثاني مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} [البقرة: 38] أَيْ فَإِنْ يَأْتِكُمْ يَا ذُرِّيَّةَ آدم {مِنِّي هُدًى} [البقرة: 38] أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانُ شَرِيعَةٍ، وَقِيلَ: كِتَابٌ وَرَسُولٌ، {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 38] فيما يستقبلهم {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] عَلَى مَا خَلَّفُوا، وَقِيلَ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِي الْآخِرَةِ. [39] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 39] جحدوا {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [البقرة: 39] بالقرآن {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} [البقرة: 39] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا. [40] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40] يَا أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، وَمَعْنَى إِسْرَائِيلَ: عبد الله {اذْكُرُوا} [البقرة: 40] احْفَظُوا، وَالذِّكْرُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشُّكْرَ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الذِّكْرِ، لِأَنَّ فِي الشُّكْرِ ذِكْرًا وَفِي الْكُفْرَانِ نِسْيَانًا، قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا، {نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40] أَيْ: نِعَمِي، لَفْظُهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهَا جمع {الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] أَيْ: عَلَى أَجْدَادِكُمْ وَأَسْلَافِكُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النِّعَمُ الَّتِي خُصَّتْ بها بنو إسرائيل: فلق البحر، وإنجاؤهم مِنْ فِرْعَوْنَ بِإِغْرَاقِهِ، وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ، وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَإِنْزَالِ التَّوْرَاةِ، فِي نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ جَمِيعُ النِّعَمِ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ، {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} [البقرة: 40] بامتثال أمري {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] بالقبول والثواب {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] فخافوني في نقض العهد. [قوله تعالى وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ] وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [41] {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} [البقرة: 41] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [البقرة: 41] أي: موافقًا لما معكم من التَّوْرَاةَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْأَخْبَارِ وَنَعْتِ النَّبِيِّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] أَيْ: بِالْقُرْآنِ، يُرِيدُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا كَفَرَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ بِمَكَّةَ، مَعْنَاهُ وَلَا تَكُونُوا أول من كفر بالقرآن فتتابعكم الْيَهُودُ عَلَى ذَلِكَ فَتَبُوءُوا بِآثَامِكُمْ وآثامهم، {وَلَا تَشْتَرُوا} [البقرة: 41] أي ولا تستبدلوا {بِآيَاتِي} [البقرة: 41] بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، {ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41] أي: عوضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ وَعُلَمَاءَهُمْ كَانَتْ لَهُمْ مأكلة يُصِيبُونَهَا مِنْ سَفَلَتِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ يَأْخُذُونَ كل عام منهم شيئًا معروفًا مِنْ زُرُوعِهِمْ وَضُرُوعِهِمْ وَنُقُودِهِمْ، فَخَافُوا أنهم إن بَيَّنُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم وَتَابَعُوهُ أَنْ تَفُوتَهُمْ تلك المأكلة، فَغَيَّرُوا نَعْتَهُ وَكَتَمُوا اسْمَهُ، فَاخْتَارُوا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] فَاخْشَوْنِي. [42] {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42] أي لَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم بِالْبَاطِلِ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيكُمْ مِنْ تَغْيِيرِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ لَا تَلْبِسُوا الْإِسْلَامَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْيَهُودَ أَقَرُّوا بِبَعْضِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم وَكَتَمُوا بَعْضًا لِيُصَدَّقُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الذي تغيرون بِالْبَاطِلِ، يَعْنِي: بِمَا تَكْتُمُونَهُ، فَالْحَقُّ بَيَانُهُمْ وَالْبَاطِلُ كِتْمَانُهُمْ، {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة: 42] أَيْ: لَا تَكْتُمُوهُ، يَعْنِي: نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. [43] {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمَوَاقِيتِهَا وَحُدُودِهَا، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] أدوا زكاة أموالكم المفروضة، فهي مأخوذة من زكاة الزَّرْعُ إِذَا نَمَا وَكَثُرَ، وَقِيلَ: مِنْ تَزَكَّى، أَيْ تَطَهَّرَ، وَكِلَا المعنيين موجودان في الزكاة لأن فيها تطهير أو تنمية للمال، {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] أَيْ صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم وَأَصْحَابِهِ، وذكر بلفظ الركوع لأن الركوع رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْيَهُودِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ركوع، وكأنه قَالَ صَلُّوا صَلَاةً ذَاتَ رُكُوعٍ، قيل: وإعادته بعد قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] لِهَذَا، أَيْ: صَلُّوا مَعَ الَّذِينَ في صلواتهم رُكُوعٌ، فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ، وَقِيلَ: هَذَا حَثٌّ عَلَى إقام الصَّلَاةِ جَمَاعَةً كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: صلوا مع المصلين الذين سبقوهم بالإيمان. [44] {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} [البقرة: 44] أَيْ: بِالطَّاعَةِ، نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ وَحَلِيفِهِ مِنَ المؤمنين إِذَا سَأَلَهُ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم: اثْبُتْ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ حَقٌّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِأَحْبَارِهِمْ حَيْثُ أَمَرُوا أَتْبَاعَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ خَالَفُوا وَغَيَّرُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّم، {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] أَيْ: تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ فَلَا تَتَّبِعُونَهُ، {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44] تَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ فِيهَا نَعْتُهُ وَصَفْتُهُ، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] أنه

قوله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم

حَقٌّ فتتبعون، وَالْعَقْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ عِقَالِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ رُكْبَةُ البعير فيمنعه عن الشُّرُودِ، فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ من الكفر والجحود. [45] {وَاسْتَعِينُوا} [البقرة: 45] عَلَى مَا يَسْتَقْبِلُكُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَقِيلَ: عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ، {بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] أَرَادَ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وقيل: أراد بالصبر: الصَّبْرَ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ: الصَّوْمُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاةَ تُرَغِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْوَاوُ بِمَعْنَى " عَلَى " أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] {وَإِنَّهَا} [البقرة: 45] ولم يقل وإنهما، رد الكناية إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَيْ وإن كل خصلة مِنْهُمَا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَإِنَّهُ لِكَبِيرٌ، وَبِالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لِكَبِيرَةٌ، فحذف أحدهما اختصارًا، {لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45] أَيْ: لِثَقِيلَةٌ {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْخَائِفِينَ، وَقِيلَ: الْمُطِيعِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الْمُتَوَاضِعِينَ، وَأَصْلُ الْخُشُوعِ: السُّكُونُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108] فَالْخَاشِعُ سَاكِنٌ إِلَى طاعة الله تعالى. [قوله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ] إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [46] {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: 46] يستيقنون، فالظن مِنَ الْأَضْدَادِ يَكُونُ شَكًّا وَيَقِينًا، كالرجاء يكون أمنًا وخوفًا. {أَنَّهُمْ مُلَاقُو} [البقرة: 46] معاينوا {رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ اللِّقَاءِ الصَّيْرُورَةُ إِلَيْهِ، {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46] فَيَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. [47] {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47] أَيْ: عَالَمِي زَمَانِكُمْ، وَذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْآبَاءِ ولكن يحصل به الشرف في حق الأبناء. [48] {وَاتَّقُوا يَوْمًا} [البقرة: 48] وَاخْشَوْا عِقَابَ يَوْمٍ، {لَا تَجْزِي نَفْسٌ} [البقرة: 48] لَا تَقْضِي نَفْسٌ {عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] أَيْ: حَقًّا لَزِمَهَا، وَقِيلَ لَا تُغْنِي، وَقِيلَ لَا تَكْفِي شَيْئًا مِنَ الشَّدَائِدِ {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] إِذَا كَانَتْ كَافِرَةً {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] أي فداء، {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. [49] {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} [البقرة: 49] أي أَسْلَافَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ فَاعْتَدَّهَا مِنَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ نَجَوْا بِنَجَاتِهِمْ، {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] أَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ دِينِهِ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ، وكان من القبط {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: 49] يكلفونكم ويذيقونكم {سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: 49] أَشَدَّ الْعَذَابِ وَأَسْوَأَهُ، وَقِيلَ: يَصْرِفُونَكُمْ في العذاب مرة هَكَذَا كَالْإِبِلِ السَّائِمَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ جَعْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَدَمًا وَخَوَلًا، وَصَنَّفَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ، وَصِنْفٌ يَخْدِمُونَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عَمَلٍ وَضَعَ عليه الجزية، وقيل: تفسير قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: 49] ما بعده وهو قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [البقرة: 49] فهو مَذْكُورٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: 49] يَتْرُكُونَهُنَّ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَتْ بِمِصْرَ وَأَحْرَقَتْ كُلَّ قِبْطِيٍّ فِيهَا، ولم يتعرض لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَالَهُ ذَلِكَ وَسَأَلَ الْكَهَنَةَ عَنْ رُؤْيَاهُ فَقَالُوا: يُولَدُ ولد فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ غُلَامٌ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ هَلَاكُكَ وَزَوَالُ مُلْكِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ كُلِّ غُلَامٍ يولد في بني إسرائيل {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49] قِيلَ: الْبَلَاءُ: الْمِحْنَةُ، أَيْ: فِي سَوْمِهِمْ إِيَّاكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقِيلَ: الْبَلَاءُ: النِّعْمَةُ، أَيْ فِي إِنْجَائِي إِيَّاكُمْ مِنْهُمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْبَلَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَبِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَخْتَبِرُ عَلَى النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، وَعَلَى الشدة بالصبر، قال اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الْأَنْبِيَاءِ: 35] [50] {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} [البقرة: 50] قِيلَ: مَعْنَاهُ فَرَقْنَا

قوله تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم

لَكُمْ، وَقِيلَ: فَرَقْنَا الْبَحْرَ بِدُخُولِكُمْ إِيَّاهُ، وَسُمِّيَ الْبَحْرُ بَحْرًا لِاتِّسَاعِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ: بَحْرٌ إِذَا اتَّسَعَ فِي جَرْيِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَنَا هَلَاكُ فِرْعَوْنَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أن يسير بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ لَيْلًا وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ لَا يَعُدُّونَ ابْنَ الْعِشْرِينَ لِصِغَرِهِ وَلَا ابْنَ السِّتِّينَ لِكِبَرِهِ، وَكَانُوا يَوْمَ دَخَلُوا مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ إِنْسَانًا مَا بَيْنَ رجل وامرأة، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ بَنِي إسرائيل، وعلى مقدمة عسكره هامان في أَلْفِ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ سوى سائر الشيات فَسَارَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَتَّى وَصَلُوا إلى البحر ونظروا فَإِذَا هُمْ بِفِرْعَوْنَ حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ فَقَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَصْنَعُ وَأَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا؟ هَذَا فِرْعَوْنُ خَلْفَنَا إِنْ أَدْرَكَنَا قَتَلَنَا وَالْبَحْرُ أَمَامَنَا إِنْ دَخَلْنَاهُ غَرِقْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشُّعَرَاءِ: 61 - 62] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63] فضربه وَظَهَرَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا لكل سبط طريق حَتَّى عَبَرُوا الْبَحْرَ سَالِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ} [البقرة: 50] مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالْغَرَقِ {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 50] وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَا وَصَلَ إلى البحر فرآه منفلقًا خاض البحر فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَحْرَ أَنْ يأخذهم فالتطم وأغرقهم أجمعين، وَذَلِكَ بِمَرْأًى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50] إِلَى مَصَارِعِهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى إِهْلَاكِهِمْ. [قوله تعالى وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ] الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ [51] : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى} [البقرة: 51] اسم عبري عُرّب وهو بالعبرانية الماء والشجر، وسمي بِهِ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ بَيْنِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الشِّينُ الْمُعْجَمَةُ سِينًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] أي: انقضاءها، ثلاثون من ذي الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا أَمِنُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ وَدَخَلُوا مِصْرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شَرِيعَةٌ يَنْتَهُونَ إِلَيْهِمَا فَوَعَدَ اللَّهُ موسى ينزل عليهم التَّوْرَاةَ، فَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ لِمِيقَاتِ رَبِّكُمْ آتِيكُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا تَأْتُونَ وَمَا تَذْرُوَنَ، وَوَاعَدَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثَلَاثِينَ من ذي الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ هَارُونَ، فَلَمَّا أَتَى الْوَعْدُ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَى فرس لِيَذْهَبَ بِمُوسَى إِلَى رَبِّهِ، فَلَمَّا رَآهُ السَّامِرِيُّ وَكَانَ رَجُلًا صَائِغًا ورأى موضع قدم الفرس تَخْضر من ذلك، وَكَانَ مُنَافِقًا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ من قوم يعبدون البقر فصاغ لهم عجلًا في ثلاثة أيام فَقَالَ السَّامِرِيُّ: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ موسى، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ أَخْلَفُوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين، فلما مضى عِشْرُونَ يَوْمًا وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ، وَقِيلَ: كَانَ مُوسَى قَدْ وَعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ زِيدَتِ الْعَشَرَةَ فَكَانَتْ

فِتْنَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُونَ وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَرَأَوُا العجل وسمعوا قول السامري، فعكف ثَمَانِيَةُ آلَافِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ، وَقِيلَ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَهَذَا أَصَحُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ وَحْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51] أي: إلهًا {مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51] ضَارُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ بِالْمَعْصِيَةِ وَاضِعُونَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. [52] {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} [البقرة: 52] مَحَوْنَا ذُنُوبَكُمْ {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 52] من بَعْدِ عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] لِكَيْ تَشْكُرُوا عَفْوِي عَنْكُمْ وَصَنِيعِي إِلَيْكُمْ، قِيلَ: الشُّكْرُ هُوَ الطَّاعَةُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وقال الحسن: شكر النعمة ذكرها. قَوْلُهُ تَعَالَى: [53] {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [البقرة: 53] يعني التوراة، {وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: 53] قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التَّوْرَاةُ أَيْضًا ذكرها باسمين، قال الْكِسَائِيُّ: الْفُرْقَانُ نَعْتُ الْكِتَابِ، وَالْوَاوُ زائدة، يعني الكتاب الفرقان، أي: الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَالَ يمان بن ريان: أَرَادَ بِالْفُرْقَانِ انْفِرَاقَ الْبَحْرِ كَمَا قَالَ: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ} [البقرة: 50] {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 53] بِالتَّوْرَاةِ. [54] {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة: 54] الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ضررتم بأنفسكم: {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54] إِلَهًا قَالُوا: فَأَيُّ شَيْءٍ نَصْنَعُ؟ قال: {فَتُوبُوا} [البقرة: 54] فارجعوا {إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] خَالِقِكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَتُوبُ؟ قَالَ: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] يَعْنِي: لِيَقْتُلِ الْبَرِيءُ مِنْكُمُ الْمُجْرِمَ، {ذَلِكُمْ} [البقرة: 54] أَيِ: الْقَتْلُ، {خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] فَلَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْقَتْلِ، قَالُوا: نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ محتبين، وقيل لهم: من حل حَبَوْتَهُ أَوْ مَدَّ طَرْفَهُ إِلَى قَاتِلِهِ أَوِ اتَّقَاهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ مَلْعُونٌ مَرْدُودَةٌ تَوْبَتُهُ، وأصلت القوم عليهم الخناجر، وكان الرَّجُلُ يَرَى ابْنَهُ وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ وَقَرِيبَهُ وَصَدِيقَهُ وَجَارَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُضِيُّ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَفْعَلُ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً وَسَحَابَةً سَوْدَاءَ لَا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَانُوا يَقْتُلُونَهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ فَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْلُ دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَبَكَيَا وَتَضَرَّعَا وَقَالَا: يَا رَبُّ هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى السَّحَابَةَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ القتل، فكشف عن ألوف من القتلى فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهِيدًا ومن بقي مكفر عَنْهُ ذُنُوبُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 54] أَيْ: فَفَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ، {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} [البقرة: 54] القابل للتوبة، {الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] بهم. [55] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَاخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قومه من خيارهم فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، وَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَأَسْمَعَهُمُ اللَّهُ أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، فلما فرغ موسى أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً مُعَايَنَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْعِلْمَ بِالْقَلْبِ رُؤْيَةً، فَقَالَ: جَهْرَةً لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ العيان، {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة: 55] أَيِ: الْمَوْتُ، وَقِيلَ: نَارٌ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ، {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 55] أي: ينظر بعضكم لبعض حِينِ أَخَذَكُمُ الْمَوْتُ، وَقِيلَ: تَعْلَمُونَ، وَالنَّظَرُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَلَمَّا هَلَكُوا جَعَلَ مُوسَى يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ وَيَقُولُ: مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إذا أتيتهم وقد هلك خِيَارَهُمْ؟ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء منا، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُ رَبَّهُ حَتَّى أحياهم الله تعالى رجلًا رجلًا، بعدما مَاتُوا يَوْمًا

قوله تعالى وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم

وَلَيْلَةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يُحْيَوْنَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [56] ، {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} [البقرة: 56] أَحْيَيْنَاكُمْ, وَالْبَعْثُ: إِثَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ مَحَلِّهِ، يُقَالُ: بَعَثْتُ الْبَعِيرَ وَبَعَثْتُ النَّائِمَ فَانْبَعَثَ، {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56] قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمْ لِيَسْتَوْفُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَلَوْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ لَمْ يُبعثوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56] [قوله تعالى وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [57] ، {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة: 57] في التيه تقيكم حرَّ الشَّمْسِ والغمامُ مِنَ الْغَمِّ، وَأَصْلُهُ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، سُمي السَّحَابُ غَمَامًا لِأَنَّهُ يُغطي وَجْهَ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي التِّيهِ كُنٌّ يَسْتُرُهُمْ فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى غَمَامًا أَبْيَضَ رَقِيقًا أَطْيَبَ مِنْ غَمَامِ الْمَطَرِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ يُضيء لَهُمُ اللَّيْلَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَمَرٌ، {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57] أي: في التيه، والأكثرون: عن أَنَّ الْمَنَّ هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَيْءٌ كَالصَّمْغِ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ طَعْمُهُ كَالشَّهْدِ، وَقَالَ وَهْبٌ: هُوَ الْخُبْزُ الرُّقَاقُ، قال الزجاج: جملة المنّ من يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تعب {كُلُوا} [البقرة: 57] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا: {مِنْ طَيِّبَاتِ} [البقرة: 57] حلالات، {مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57] وَلَا تَدَّخِرُوا لغدٍ، فَفَعَلُوا فَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، ودوَّد وَفَسَدَ مَا ادَّخَرُوا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] أَيْ: وَمَا بَخَسُوا بِحَقِّنَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِاسْتِيجَابِهِمْ عَذَابِي، وَقَطْعِ مَادَّةِ الرِّزْقِ الَّذِي كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بِلَا مُؤْنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا حِسَابٍ فِي الْعُقْبَى. [58] ، قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} [البقرة: 58] سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ قَرْيَةً لِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَهْلَهَا، وَمِنْهُ الْمِقْرَاةُ لِلْحَوْضِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ أَرِيحَاءُ وَقِيلَ: بَلْقَاءُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرَّمْلَةُ وَالْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ وَتَدْمُرُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِيلِيَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الشَّامُ، {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة: 58] موسعًا عليكم {وَادْخُلُوا الْبَابَ} [البقرة: 58] يَعْنِي: بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ {سُجَّدًا} [البقرة: 58] أَيْ: رُكّعًا خُضَّعًا مُنْحَنِينَ، وَقَالَ وَهْبٌ: فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاسْجُدُوا شُكْرًا لله تعالى، {وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] قَالَ قَتَادَةُ: حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، أمروا بالاستغفار، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، لأنها تحط الذنوب {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58] مِنَ الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ، فَالْمَغْفِرَةُ: تستر الذنوب {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58] ثوابًا من فضلنا. [59] {فَبَدَّلَ} [البقرة: 59] فغير {الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 59] أَنْفُسَهُمْ، وَقَالُوا: {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 59] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا قَوْلَ الْحِطَّةِ بالحنطة استخفافًا بأمر الله تعالى {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 59] قِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَاعُونًا فَهَلَكَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59] يَعْصُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تعالى. [قوله تَعَالَى وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب] بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [60] {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى} [البقرة: 60] طلب السقيا {لِقَوْمِهِ} [البقرة: 60] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَطِشُوا فِي التِّيهِ فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَفَعَلَ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا قَالَ: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ} [البقرة: 60] وكانت مِنْ آسِ الْجَنَّةِ حَمَلَهَا آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فأعطاها موسى عليه السلام، قوله تعالى: {الْحَجَرَ} [البقرة: 60] اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ وَهْبٌ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ أَيَّ حَجَرٍ كَانَ مِنْ عُرْضِ الْحِجَارَةِ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ثُمَّ تُسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إِلَى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ حَجَرًا مُعَيَّنًا بِدَلِيلٍ أنه عرّفه بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَجَرًا خَفِيفًا مُرَبَّعًا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ، كَانَ يَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الماء وضعه وضربه بعصاه، قوله تعالى: {فَانْفَجَرَتْ} [البقرة: 60] أَيْ:

فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَيْ سَالَتْ، {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60] عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] مَوْضِعَ شُرْبِهِمْ، لَا يُدْخِلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ، {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} [البقرة: 60] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ: كُلُوا مِنْ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60] والعثي، أَشَدُّ الْفَسَادِ، يُقَالُ: عَثَى يَعْثِي عثيًا، وعثا يعثوا عثوًا، وعاث يعيث عيثًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: [61] {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} [البقرة: 61] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَسَئِمُوا مِنْ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنِ الواحد بلفظ الاثنين وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فكانا كطعام واحد {فَادْعُ لَنَا} [البقرة: 61] فسل لِأَجْلِنَا {رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} [البقرة: 61] قال ابن عباس: الفوم الْخُبْزُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحِنْطَةُ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤكل كُلُّهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الثوم، {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ} [البقرة: 61] لَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} [البقرة: 61] أخس وأردأ {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] أشرف وأفضل {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61] يَعْنِي: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَانْزِلُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ، {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] من نبات الأرض، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ} [البقرة: 61] جُعلت عليهم، وألزموا: {الذِّلَّةُ} [البقرة: 61] والذل والهوان، قيل: بالجزية {وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] الْفَقْرُ، سُمي الْفَقِيرُ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْفَقْرَ أَسْكَنَهُ وَأَقْعَدَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَتَرَى الْيَهُودَ وَإِنْ كَانُوا مَيَاسِيرَ كَأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ، وَقِيلَ: الذِّلَّةُ هِيَ فَقْرُ الْقَلْبِ فَلَا تَرَى فِي أَهْلِ الْمِلَلِ أَذَلَّ وَأَحْرَصَ عَلَى الْمَالِ مِنَ الْيَهُودِ، {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 61] رجعوا، ولا يقال: باءَ إلّا بالشر، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: احْتَمَلُوا وَأَقَرُّوا بِهِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ أبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبوءُ بِذَنْبِي، أَيْ: أقر، {ذَلِكَ} [البقرة: 61] أَيِ: الْغَضَبُ، {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 61] بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ، وَيَكْفُرُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} [البقرة: 61] تَفَرَّدَ نَافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّ وَبَابِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمُخْبِرُ، مِنْ أَنْبَأَ يُنبئ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ أَيْضًا مِنَ الْإِنْبَاءِ تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالثَّانِي: هُوَ بِمَعْنَى الرَّفِيعِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ (النَّبِيِّينَ) عَلَى الْأَصْلِ، {بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] أي بلا جرم {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] يَتَجَاوَزُونَ أَمْرِي وَيَرْتَكِبُونَ مَحَارِمِي.

[62] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [البقرة: 62] يَعْنِي: الْيَهُودَ، سُمُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّا هُدنا إِلَيْكَ، أَيْ: مِلْنَا إِلَيْكَ، وَقِيلَ. لِأَنَّهُمْ هَادُوا، أَيْ: تَابُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَالنَّصَارَى} [البقرة: 62] سُموا بِهِ لِقَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، وَقِيلَ: لِاعْتِزَائِهِمْ إِلَى نَصِرَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ كَانَ يَنْزِلُهَا عِيسَى عَلَيْهِ السلام {وَالصَّابِئِينَ} [البقرة: 62] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالصَّابِينَ وَالصَّابُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ الْخُرُوجُ، يُقَالُ: صَبَأَ فُلَانٌ أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخر، قال عمر بن الخطاب وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أهل الكتاب، قال عمر: تحل ذبائحهم مثل ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ, وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مناكحتهم، {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 62] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي ابْتِدَاءِ الْآيَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قِيلَ: اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى التَّحْقِيقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَهُمْ طُلَّابُ الدِّينِ، مِثْلَ حَبِيبٍ النَّجَّارِ، وَقُسِّ بْنِ ساعدة، وسلمان الفارسي، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم وتابعه، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقِيلَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالَّذِينَ هَادُوا الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُبَدِّلُوا، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ وَالصَّابِئُونَ زَمَنَ اسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ، مَنْ آمَنَ أَيْ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ بالوفاة، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مُضْمَرًا، أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بَعْدَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَذْكُورِينَ بِالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَالصَّابِئُونَ بَعْضُ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر من هَذِهِ الْأَصْنَافُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، {وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62] وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ (مَن) يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 62] فِي الدُّنْيَا {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] فِي الْآخِرَةِ. [63] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} [البقرة: 63] عَهْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63] وهو الجبل بالسريانية قال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِينَ فَانْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى رؤوسهم، وذلك أن اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ

قوله تعالى فجعلناها نكالا لما بين يديها وما

عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَقْبَلُوهَا وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهَا، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا لِلْآصَارِ والأنفال الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَكَانَتْ شَرِيعَةً ثَقِيلَةً، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَلَعَ جَبَلًا عَلَى قدر عسكرهم فرفعه فوق رؤوسهم مثل قَامَةِ الرَّجُلِ كَالظُّلَّةِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْرَاةَ أَرْسَلْتُ هذا الجبل عليكم {خُذُوا} [البقرة: 63] أَيْ: قُلْنَا لَهُمْ خُذُوا {مَا آتَيْنَاكُمْ} [البقرة: 63] أعطيناكم {بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] بجدّ واجتهاد ومواظبة، {وَاذْكُرُوا} [البقرة: 63] وادرسوا {مَا فِيهِ} [البقرة: 63] وقيل: احفظوا واعملوا {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] لِكَيْ تَنْجَوْا مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي العُقبى، فَإِنَّ قَبِلْتُمْ وَإِلَّا رَضَخْتُكُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ فَلَمَّا رَأَوْا أنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ عَنْهَا قَبِلُوا وَسَجَدُوا، وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وَهُمْ سُجُودٌ فَصَارَ سنة في اليهود لا يَسْجُدُونَ إِلَّا عَلَى أَنْصَافِ وُجُوهِهِمْ وَيَقُولُونَ بِهَذَا السُّجُودِ رُفِعَ الْعَذَابُ عنا. [64] {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة: 64] أعرضتم {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 64] من بعدما قَبِلْتُمُ التَّوْرَاةَ، {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [البقرة: 64] يَعْنِي بِالْإِمْهَالِ وَالْإِدْرَاجِ وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عنكم، {لَكُنْتُمْ} [البقرة: 64] لصرتم {مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] مِنَ الْمَغْبُونِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَذَهَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي الحال كأنه رحمهم بالإمهال. [65] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [البقرة: 65] أَيْ: جَاوَزُوا الْحَدَّ، وَأَصْلُ السَّبْتِ الْقَطْعُ، قِيلَ: سُمي يَوْمُ السَّبْتِ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ فِيهِ الْخَلْقَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْيَهُودَ أُمروا فِيهِ بِقَطْعِ الْأَعْمَالِ وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ دَاوُدَ عليه السلام حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ السَّبْتُ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ فِي البحر إلا اجتمع، فإذا مضى السبت تفرقن ولزمن قعر الْبَحْرِ فَلَا يُرى شَيْءٌ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّمَا نُهيتم عَنْ أَخْذِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَمَدَ رِجَالٌ فَحَفَرُوا الْحِيَاضَ حَوْلَ الْبَحْرِ، وَشَرَّعُوا مِنْهُ إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، فإِذا كَانَتْ عَشِيَّةُ الْجُمْعَةِ فَتَحُوا تِلْكَ الْأَنْهَارَ فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ إِلَى الْحِيَاضِ فَلَا يَقْدِرْنَ عَلَى الْخُرُوجِ لِبُعْدِ عُمْقِهَا وَقِلَّةِ مَائِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ أَخَذُوهَا، وَقِيلَ: كَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَانَ إِلَى الْحِيَاضِ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا يَأْخُذُونَهَا، ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَقِيلَ كَانُوا يَنْصِبُونَ الْحَبَائِلَ وَالشُّخُوصَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ويُخرجونها يَوْمَ الْأَحَدِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَانًا وَلَمْ تنزل عليهم عقوبة، فتجرؤوا على الذنب وقالوا: وَقَدْ أحِلّ لَنَا، فَأَخَذُوا وَأَكَلُوا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا وَكَثُرَ مَالُهُمْ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ - وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا - ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ أَمْسَكَ وَنَهَى، وَصِنْفٌ أَمْسَكَ وَلَمْ يَنْهَ، وَصِنْفٌ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ، وَكَانَ النَّاهُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَبَى الْمُجْرِمُونَ قَبُولَ نُصْحِهِمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُساكِنكم فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَّمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ وَعَبَرُوا بِذَلِكَ سَنَتَيْنِ، فَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَخَرَجَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُجْرِمِينَ أَحَدٌ وَلَمْ يَفْتَحُوا بَابَهُمْ، فلما أبطؤوا تَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَائِطَ فَإِذَا هُمْ جميع قِرَدَةً لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ، قَالَ قَتَادَةُ: صَارَ الشُّبَّانُ قِرَدَةً وَالشُّيُوخُ خَنَازِيرَ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هلكوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: 65] أمر تحويل وتكوين، {خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] مُبعدين مطرودين والخسأ: الطرد والإبعاد. [قوله تعالى فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا] خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ [66] {فَجَعَلْنَاهَا} [البقرة: 66] أَيْ: جَعْلِنَا عُقُوبَتَهُمْ بِالْمَسْخِ {نَكَالًا} [البقرة: 66] أَيْ: عُقُوبَةً وَعِبْرَةً، وَالنَّكَالُ: اسْمٌ لِكُلِّ عُقُوبَةٍ يُنَكَّلُ النَّاظِرُ مِنْ فِعْلِ مَا جُعلت الْعُقُوبَةُ جَزَاءً عَلَيْهِ، وَمِنْهُ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ، وَأَصْلُهُ مِنَ النِّكْلِ وهو القيد {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [البقرة: 66] قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ بِمَا بَيْنَ يديها يعني: ما سبق مِنَ الذُّنُوبِ، أَيْ: جَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً لِما تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ نَهْيِهِمْ عَنْ أَخْذِ الصيد، {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66]

قوله تعالى قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول

: مَا حَضَرَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أُخِذُوا بِهَا، وَهِيَ الْعِصْيَانُ بِأَخْذِ الْحِيتَانِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: عُقُوبَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ وعِبرة لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ، وَ (مَا) الثَّانِيَةُ بِمَعْنَى: مَنْ، وَقِيلَ: جَعَلْنَاهَا أَيْ: جَعَلْنَا قَرْيَةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ عِبرة لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، أَيِ: الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي الْحَالِ، وَمَا خَلْفَهَا وَمَا يَحْدُثُ مِنَ الْقُرَى بعدُ ليتعظوا {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَفْعَلُونَ مثل فعلهم. [67] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] الْبَقَرَةُ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْبَقَرِ، يُقَالُ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَقْرِ وهي الشق، سُميت به لأنها تبقر الأرض، أي: تشقها لِلْحِرَاثَةِ، وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِيٌّ وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَقِيرٌ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ مَوْتُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى وَأَلْقَاهُ بِفِنَائِهِمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَطْلُبُ ثَأْرَهُ وَجَاءَ بِنَاسٍ إِلَى مُوسَى يَدَّعِي عَلَيْهِمُ القتل، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أَمْرُ الْقَتِيلِ عَلَى مُوسَى، قَالَ الكلبي: وذلك قبل نزول قسامة فِي التَّوْرَاةِ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ بِدُعَائِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة: 67] أَيْ: تَسْتَهْزِئُ بِنَا نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ وَتَأْمُرُنَا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يَدْرُوا مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ {قَالَ} [البقرة: 67] موسى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ} [البقرة: 67] أَمْتَنِعُ بِاللَّهِ {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] أَيْ: مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ بِالْجَوَابِ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ جَهْلٌ، فَلَمَّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَوْصَفُوهَا، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لأجزأتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عليهم. [68] {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} [البقرة: 68] أي: ما سنّها {قَالَ} [البقرة: 68] موسى {إِنَّهُ يَقُولُ} [البقرة: 68] يَعْنِي فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ إِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} [البقرة: 68] أَيْ لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ، وَالْفَارِضُ: الْمُسِنَّةُ الَّتِي لَا تَلِدُ، والبكر: الفتية الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ قَطُّ، {عَوَانٌ} [البقرة: 68] وسط نصف {بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] أَيْ: بَيْنِ السِّنِينَ، يُقَالُ: عَوَّنَتِ الْمَرْأَةُ تَعْوِينًا إِذَا زَادَتْ عَلَى الثلاثين {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة: 68] من ذَبْحُ الْبَقَرَةِ وَلَا تُكْثِرُوا السُّؤَالَ. [69] {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: صَافٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الصَّفْرَاءُ السَّوْدَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَسْوَدُ فَاقِعٌ، إِنَّمَا يُقَالُ أَصْفَرُ فَاقِعٌ، وَأَسْوَدُ حَالِكٌ وَأَحْمَرُ قَانِئٌ وَأَخْضَرُ نَاضِرٌ وَأَبْيَضُ بقق للمبالغة، {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 69] إِلَيْهَا يُعْجِبُهُمْ حُسنها وَصَفَاءُ لَوْنِهَا. [70] {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} [البقرة: 70] أَسَائِمَةٌ أَمْ عَامِلَةٌ؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70] وَلَمْ يَقُلْ تَشَابَهَتْ لِتَذْكِيرِ لَفْظِ الْبَقَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [الْقَمَرِ: 20] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ جِنْسُ الْبَقَرِ تَشَابَهَ، أَيِ: الْتَبَسَ وَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَيْنَا فَلَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70] إِلَى وَصْفِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وايْم الله لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيّنتْ لهم إلى آخر الأبد» (¬1) . [قوله تعالى قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ] تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ [71] {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} [البقرة: 71] مُذَلَّلَةٌ بِالْعَمَلِ، يُقَالُ: رَجُلٌ ذَلُولٌ بيِّن الذل ودابة ذلولة بيّنة الذل، {تُثِيرُ الْأَرْضَ} [البقرة: 71] تَقْلِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ، {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} [البقرة: 71] أي: ليست بسانية، {مُسَلَّمَةٌ} [البقرة: 71] بَرِيئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ، {لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71] لَا لَوْنَ لَهَا سِوَى لَوْنِ ¬

(¬1) رواه الإمام الطبري في تفسيره جـ 1 / 275 وابن كثير 1 / 199 وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.

جَمِيعِ جِلْدِهَا، قَالَ عَطَاءٌ: لَا عيب فيها، قال مُجَاهِدٌ: لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ، {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 71] أَيْ: بِالْبَيَانِ التَّامِّ الشَّافِي الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا بِكَمَالِ وَصْفِهَا إِلَّا مَعَ الْفَتَى فَاشْتَرَوْهَا بِمَلْءِ مَسْكها ذَهَبًا {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] مِنْ غَلَاءِ ثَمَنِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وَمَا كَادُوا يَجِدُونَهَا باجتماع أوصافها، وقيل: ما كَادُوا يفعلُونَ مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهَا. [72] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} [البقرة: 72] هذا أول القصة، وإن كان مؤخرًا فِي التِّلَاوَةِ، وَاسْمُ الْقَتِيلِ عَامِيلُ، {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَاخْتَلَفْتُمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تَدَافَعْتُمْ، أَيْ: يُحِيلُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنَ الدَّرْءِ: وَهُوَ الدَّفْعُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نفسه، {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ} [البقرة: 72] أَيْ: مُظْهِرٌ: {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72] فَإِنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَكْتُمُ الْقَتْلَ. [73] قوله عزّ وجلّ: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} [البقرة: 73] يعني: القتيل، {بِبَعْضِهَا} [البقرة: 73] أي: ببعض البقرة فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَامَ الْقَتِيلُ حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْدَاجُهُ، أَيْ: عُرُوقُ الْعُنُقِ تَشْخُبُ دَمًا، وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ ثُمَّ سَقَطَ وَمَاتَ مكانه فحرم قاتله الميراث {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73] كَمَّا أَحْيَا عَامِيلَ، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] قِيلَ: تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي. [74] قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 74] أي يَبِسَتْ وَجَفَّتْ، جَفَافُ الْقَلْبِ: خُرُوجُ الرَّحْمَةِ وَاللِّينُ عَنْهُ، وَقِيلَ: غَلُظَتْ، وَقِيلَ: اسْوَدَّتْ، {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 74] من بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلالات، قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ نَحْنُ لَمْ نَقْتُلْهُ، فَلَمْ يَكُونُوا قَطُّ أَعْمَى قَلْبًا وَلَا أَشَدَّ تَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ منهم عند ذلك، أي {فَهِيَ} [البقرة: 74] فِي الغِلْظَة وَالشِّدَّةِ: {كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] قيل: أو بمعنى الواو، كقوله: {مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصَّافَّاتِ: 147] أي: بل يزيدون. وَإِنَّمَا لَمْ يُشَبِّهْهَا بِالْحَدِيدِ مَعَ أَنَّهُ أَصْلَبُ مِنَ الْحِجَارَةِ لِأَنَّ الْحَدِيدَ قَابِلٌ لِلِّينِ، فَإِنَّهُ يَلِينُ بِالنَّارِ، وَقَدْ لَان لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْحِجَارَةُ لَا تَلِينَ قَطُّ، ثُمَّ فَضَّلَ الْحِجَارَةَ عَلَى الْقَلْبِ الْقَاسِي فَقَالَ: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} [البقرة: 74] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ مُوسَى لِلْأَسْبَاطِ، {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} [البقرة: 74] أَرَادَ بِهِ عُيُونًا دُونَ الْأَنْهَارِ، {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} [البقرة: 74] يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَى أسفله {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] وَقُلُوبُكُمْ لَا تَلِينُ وَلَا تَخْشَعُ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، فَإِنْ قِيلَ: الْحَجَرُ جَمَادٌ لَا يَفْهَمُ فَكَيْفَ يَخْشَى؟ قِيلَ: اللَّهُ يُفْهِمُهُ وَيُلْهِمُهُ فَيَخْشَى بِإِلْهَامِهِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، سِوَى العقلاء لا يقف عليه غير

قوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا

الله، فَلَهَا صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَخَشْيَةٌ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الْإِسْرَاءِ: 44] وَقَالَ: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النُّورِ: 41] وَقَالَ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [الْحَجِّ: 18] الآية، فيجب على المرء الْإِيمَانُ بِهِ وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَوْلُهُ عَزَّ وجلّ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ} [البقرة: 74] بساهٍ {عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَقِيلَ: بِتَارِكِ عُقُوبَةِ مَا تَعْمَلُونَ، بَلْ يُجَازِيكُمْ بِهِ. [75] قوله عزّ وجلّ: {أَفَتَطْمَعُونَ} [البقرة: 75] أَفَتَرْجُونَ، يُرِيدُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة: 75] تُصَدِّقُكُمُ الْيَهُودُ بِمَا تُخْبِرُونَهُمْ بِهِ؟ {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} [البقرة: 75] يعني: التوراة، {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75] يُغَيِّرُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [البقرة: 75] علموه، غَيَّرُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآيَةَ الرَّجْمِ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] أنهم كاذبون. [قوله تعالى وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا] [76ٍ] قوله عزّ وجل: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 76] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي: مُنَافِقِي الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، {قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 76] كإيمانكم، {وَإِذَا خَلَا} [البقرة: 76] رجع {بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [البقرة: 76] كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَوَهْبُ بْنُ يَهُودَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، لِأَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76] بِمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا حَقٌّ وَقَوْلَهُ صدق، والفتاح: القاص، وقال الكسائي: بما بينه لكم من العلم بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: بِمَا أنزل اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَأَعْطَاكُمْ {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ} [البقرة: 76] ليخاصموكم به، ويعني: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَجُّوا بِقَوْلِكُمْ عَلَيْكُمْ، فَيَقُولُوا: قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ فِي كِتَابِكُمْ، ثُمَّ لَا تَتَّبِعُونَهُ؟ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ شَاوَرُوهُمْ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آمِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ بعضهم لبعض: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ليحاجوكم به؟ . ويعني: لِتَكُونَ لَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ. {عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ أَخْبَرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْجِنَايَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَذَابِ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، لِيَرَوُا الْكَرَامَةَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُ يَهُودَ قُرَيْظَةَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، فَقَالُوا: مَنْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا بِهَذَا؟ مَا خَرَجَ هَذَا إِلَّا مِنْكُمْ» (¬1) {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] [77] قوله عزّ وجلّ: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} [البقرة: 77] يخفون، {وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77] يُبْدُونَ، يَعْنِي الْيَهُودَ. [78] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: 78] أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ أُمِّيُّونَ لَا يُحْسِنُونَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ جَمْعُ: أُمّي، ومنسوب إِلَى الْأُمِّ كَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا انْفَصَلَ مِنَ الْأُمِّ لَمْ يعلم كِتَابَةً وَلَا قِرَاءَةً، وَرُوِيَ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» (¬2) أَيْ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ، {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ. (أَماني) ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، كُلَّ الْقُرْآنِ، حَذَفَ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وهو جمع: أمنية وهي التلاوة، وقال اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الْحَجِّ: 52] أَيْ: فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ أَبُو عبيدة: إلا تلاوة وقراءة عن ظهر القلب لا يقرؤونه مِنْ كِتَابٍ، وَقِيلَ: يَعْلَمُونَهُ حِفْظًا وقراءة لا يعرفون معناه، قال ¬

(¬1) أخرجه الطبري 2 / 252 تحقيق أحمد شاكر وذكره ابن كثير 1 / 207 تحقيق الوادعي. (¬2) رواه البخاري في الصوم باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: لا نكتب ولا نحسب 4 / 136، ومسلم في الصيام رقم (1080) 2 / 761 والمصنف في شرح السنة 6 / 228.

ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي غَيْرَ عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكِتَابِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: إِلَّا كَذِبًا وَبَاطِلًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: إلا أماني: الأحاديث المفتعلة وَأَرَادَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أضافوها إلى الله مِنْ تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هِيَ مِنَ التَّمَنِّي وَهِيَ أَمَانِيُّهِمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي يتمنونها عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [الْبَقَرَةِ: 111] وَقَوْلِهِمْ: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [الْبَقَرَةِ: 80] وَقَوْلِهِمْ: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [الْمَائِدَةِ: 18] فَعَلَى هَذَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى (لَكِنْ) ، أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أَشْيَاءَ لَا تَحْصُلُ لهم، {وَإِنْ هُمْ} [البقرة: 78] وما هم {إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] يعني: وما يظنون إلا ظَنًّا وَتَوَهُّمًا لَا يَقِينًا قَالَهُ قتادة والربيع، وقال مجاهد: يكذبون. [79] ، قوله عزّ وجلّ: {فَوَيْلٌ} [البقرة: 79] قال الزجاج: ويل، كلمة تقولها العرب لكل وَاقِعٍ فِي هَلَكَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لانْمَاعتَ ولَذابتْ من شدة حرّها {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 79] وَذَلِكَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ خَافُوا ذهاب مآكلهم وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَاحْتَالُوا فِي تَعْوِيقِ الْيَهُودِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ فَعَمَدُوا إِلَى صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ صِفَتُهُ فِيهَا: حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الشَّعْرِ أَكْحَلُ العينين ربعة القامة فَغَيَّرُوهَا وَكَتَبُوا مَكَانَهَا: طِوَالٌ أَزْرَقُ سَبْطُ الشَّعْرِ، فَإِذَا سَأَلَهُمْ سَفِلَتُهُمْ عن صفته قرؤوا ما كتبوه فيجدونه مخالفًا لصفته ويُكذّبونه، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79] يعني: كتبوه بأنفسهم اختراعًا من تغيير نعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] من الْمَآكِلِ، وَيُقَالُ: مِنَ الْمَعَاصِي. [80] {وَقَالُوا} [البقرة: 80] يَعْنِي الْيَهُودَ {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} [البقرة: 80] لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ، {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80] قَدْرًا مُقَدَّرًا ثُمَّ يَزُولُ عَنَّا العذاب، واختلفوا في هذه الأيام، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْيَهُودُ يقولون: مدة الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: يَعْنُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الَّتِي عَبَدَ فِيهَا آبَاؤُهُمُ الْعِجْلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنْ رَبَّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرِنَا فأقسم الله لَيُعَذِّبُنَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقِسْمِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تكذيبًا لهم، {قُلْ} [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 80] أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الوصل، {عَهْدًا} [البقرة: 80] مُوَثَّقًا أَنْ لَا يُعَذِّبَكُمْ إِلَّا هَذِهِ الْمُدَّةَ {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} [البقرة: 80]

قوله تعالى بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته

وعده {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80] ثم قال: [قوله تعالى بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ] فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [81] {بَلَى} [البقرة: 81] وبلى وبل: حَرْفَا اسْتِدْرَاكٍ، وَمَعْنَاهُمَا نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ الْخَبَرِ الْمُسْتَقْبَلِ، {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81] يَعْنِي الشِّرْكَ {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] وَالْإِحَاطَةُ: الْإِحْدَاقُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ الشِّرْكُ يَمُوتُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: السَّيِّئَةُ الْكَبِيرَةُ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَيَمُوتُ غَيْرَ تَائِبٍ قاله عكرمة والربيع بن خيثم، قال الواحدي رحمه الله في تفسيره الوسيط: المؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة وهي الشرك والمؤمن وإن عمل الكبائر لم يوجد منه الشرك، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الذُّنُوبُ تُحِيطُ بالقلب كلما عمل ذنبًا ارتفعت حتى يغشى القلب، وهي الرين {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] [82] {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82] [83] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 83] فِي التَّوْرَاةِ وَالْمِيثَاقُ الْعَهْدُ الشَّدِيدُ، {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 83] أي: وصيناهم بالوالدين، {إِحْسَانًا} [البقرة: 83] بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا وَنُزُولًا عِنْدَ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، {وَذِي الْقُرْبَى} [البقرة: 83] أَيْ: وَبِذِي الْقَرَابَةِ، وَالْقُرْبَى مَصْدَرٌ كالحسنى، {وَالْيَتَامَى} [البقرة: 83] جَمْعُ يَتِيمٍ وَهُوَ الطِّفْلُ الَّذِي لا أب له {وَالْمَسَاكِينِ} [البقرة: 83] يَعْنِي الْفُقَرَاءَ، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] صِدْقًا وَحَقًّا فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ سَأَلَكُمْ عَنْهُ فَاصْدُقُوهُ وَبَيِّنُوا صِفَتَهُ لا تكتموا أمره، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ: هُوَ اللِّينُ فِي الْقَوْلِ وَالْمُعَاشَرَةُ بِحُسْنِ الخلق، قرأ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (حَسنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ، أَيْ: قَوْلًا حَسَنًا {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة: 83] أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} [البقرة: 83] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ آمَنُوا، {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83] كإعراض آبائكم. [84] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ} [البقرة: 84] أي: لا تريقون {دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84] أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَا تَسْفِكُوا دِمَاءَ غيركم فيسفك دِمَاءَكُمْ فَكَأَنَّكُمْ سَفَكْتُمْ دِمَاءَ أَنْفُسِكُمْ، {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84] لَا يُخرج بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ، وَقِيلَ: لَا تُسِيئُوا جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكُمْ فَتُلْجِئُوهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ بسوء جواركم، {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} [البقرة: 84] بِهَذَا الْعَهْدِ أَنَّهُ حَقٌّ وَقَبِلْتُمْ، {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84] الْيَوْمَ عَلَى ذَلِكَ يَا مَعْشَرَ اليهود وتعترفون بِالْقَبُولِ. [85] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} [البقرة: 85] يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِلتَّنْبِيهِ، {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85] أَيْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 85] تتظاهرون والظهير: العون {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [البقرة: 85] بالمعصية والظلم، {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى} [البقرة: 85] قرأ حَمْزَةُ (أَسْرَى) ، وَهُمَا جَمْعُ أَسِيرٍ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، (تَفْدُوهُمْ) : بِالْمَالِ وَتُنْقِذُوهُمْ، وقرأ أهل المدينة وعاصم {تُفَادُوهُمْ} [البقرة: 85] أَيْ: تُبَادِلُوهُمْ، أَرَادَ مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا يُخرج بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاشْتَرُوهُ بِمَا قَامَ من ثمنه وأعتقوه، وكانت قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبٍ سنين، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم وبنو النضير مع حلفائهم وإذا غلبوا خرّبوا دِيَارَهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ

قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا

مِنْهَا، وَإِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فتعيرهم العرب ويقولون: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟ قَالُوا: إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ، فَيَقُولُونَ فَلِمَ تقاتلوهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تذل حُلَفَاؤُنَا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85] فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكَ الْقِتَالِ وَتَرْكَ الْإِخْرَاجِ وَتَرْكَ الْمُظَاهَرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ وَفِدَاءَ أَسْرَاهُمْ، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْكُلِّ إِلَّا الْفِدَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] قَالَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: إِنْ وَجَدْتَهُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ وَأَنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ، {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ} [البقرة: 85] يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {إِلَّا خِزْيٌ} [البقرة: 85] عَذَابٌ وَهَوَانٌ، {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 85] فكان خزي بني قريظة القتل والسبي، وخزي بني النَّضِيرِ الْجَلَاءَ وَالنَّفْيَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى أَذَرِعَاتٍ وَأَرِيحَاءَ مِنَ الشَّامِ، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85] وهو عَذَابِ النَّارِ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] [قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا] بِالْآخِرَةِ [86] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا} [البقرة: 86] اسْتَبْدَلُوا {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ} [البقرة: 86] يُهَوَّنُ {عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 86] لَا يُمنعون مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عزّ وجلّ. [87] {وَلَقَدْ آتَيْنَا} [البقرة: 87] أعطينا {مُوسَى الْكِتَابَ} [البقرة: 87] التوراة جملة واحدة، {وَقَفَّيْنَا} [البقرة: 87] وأتبعنا، {مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: 87] رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ، {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 87] الدَّلالات الْوَاضِحَاتِ، وَهِيَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْإِنْجِيلَ، {وَأَيَّدْنَاهُ} [البقرة: 87] قويناه {بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 87] اختلفوا فِي رُوحِ الْقُدُسِ، قَالَ الرَّبِيعُ وغيره: أراد الروح الذي لا نُفِخَ فِيهِ، وَالْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ نَحْوَ بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْقُدُسِ: الطِّهَارَةَ، يَعْنِي. الروح الطاهرة، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: رُوحُ القدس جبريل عليه السلام، وقيل: وُصِفَ جِبْرِيلُ بِالْقُدُسِ أَيْ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ وَرُوحُهُ جِبْرِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ اسْمُ الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى، ويري الناس الْعَجَائِبَ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِنْجِيلُ جَعَلَ لَهُ رُوحًا كَمَا جَعْلَ الْقُرْآنَ رُوحًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ. فلما سمعت الْيَهُودُ ذِكْرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَا مثلَ عِيسَى كَمَا تزعُم عملتَ، وَلَا كما يُقص عَلَيْنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَعَلْتَ، فَأْتِنَا بِمَا أَتَى بِهِ عِيسَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ} [البقرة: 87] يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} [البقرة: 87] تَكَبَّرْتُمْ وَتَعَظَّمْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، {فَفَرِيقًا} [البقرة: 87] طائفة {كَذَّبْتُمْ} [البقرة: 87] مِثْلَ عِيسَى

قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا

وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] مثل زكريا ويحيى وشعيب، وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام. [88] {وَقَالُوا} [البقرة: 88] يعني اليهود، {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88] جمع أغلف وهو الذي عليه غشاوة، معناه: عليها غشاوة فلا تسمع ولا تفقه ما يَقُولُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 88] طَرَدَهُمُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ {بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] قال قتادة: معناه لا يُؤْمِنَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ، أَيْ: فقليلاً يؤمنون، وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ وَيَكْفُرُونَ بأكثره، أي: فقليل يُؤْمِنُونَ. [89] {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 89] يعني القرآن {مُصَدِّقٌ} [البقرة: 89] موافق {لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 89] يعني: التوراة، {وَكَانُوا} [البقرة: 89] يعني: اليهود، {مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 89] من قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، {يَسْتَفْتِحُونَ} [البقرة: 89] يستنصرون، {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89] عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كانوا يقولون إذا أحزنهم أَمْرٌ وَدَهَمَهُمْ عَدُوٌّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي نَجِدُ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَانُوا يُنْصَرُونَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لأعدائهم من المشركين: قد أطل زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ مَا قُلْنَا فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَإِرَمَ. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} [البقرة: 89] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَرَفُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، {كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] بَغْيًا وَحَسَدًا، {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] [90] {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] بِئْسَ وَنِعْمَ فِعْلَانِ مَاضِيَانِ وُضعا لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ، لَا يَتَصَرَّفَانِ تَصَرُّفَ الْأَفْعَالِ، مَعْنَاهُ: بِئْسَ الَّذِي اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ حِينَ اسْتَبْدَلُوا الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 90] يعني: القرآن، {بَغْيًا} [البقرة: 90] أَيْ: حَسَدًا، وَأَصْلُ الْبَغْيِ: الْفَسَادُ، يقال: بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ، وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، وَالْبَاغِي طَالِبُ الظُّلْمِ وَالْحَاسِدُ يَظْلِمُ الْمَحْسُودَ جَهْدَهُ طَلَبًا لِإِزَالَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [البقرة: 90] أَيِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة: 90] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَبَاءُوا} [البقرة: 90] رجعوا {بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90] أي مع غَضَبٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْغَضَبُ الْأَوَّلُ بِتَضْيِيعِهِمُ التَّوْرَاةَ وَتَبْدِيلِهِمْ، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَوَّلُ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَالثَّانِي بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَلِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 90] الْجَاحِدِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، {عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90] مخزٍ يُهانون فيه. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا] نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ [91] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 91] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} [البقرة: 91] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، يَكْفِينَا ذَلِكَ {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} [البقرة: 91]

قوله تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن

، أَيْ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ، وقال أبو عبيدة: بما بعده، {وَهُوَ الْحَقُّ} [البقرة: 91] يعني القرآن، {مُصَدِّقًا} [البقرة: 91] نُصب عَلَى الْحَالِ، {لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91] من التوراة، {قُلْ} [البقرة: 91] لهم يا محمد {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} [البقرة: 91] 0 أَيْ قَتَلْتُمْ، {أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 91] بِالتَّوْرَاةِ، وَقَدْ نُهِيتُمْ فِيهَا عَنْ قتل الأنبياء عليهم السلام. [92] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 92] بالدَّلَالات الْوَاضِحَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ} [البقرة: 92] أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل، {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 92] [93] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} [البقرة: 93] أَيِ اسْتَجِيبُوا وَأَطِيعُوا، سُمِّيَتِ الطَّاعَةُ والإجابة: سمعًا على المجاز، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلطَّاعَةِ وَالْإِجَابَةِ، {قَالُوا سَمِعْنَا} [البقرة: 93] قولك، {وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] أمْرَكَ، وَقِيلَ: سَمِعْنَا بِالْأُذُنِ، وَعَصَيْنَا بالقلوب {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] أَيْ: حُبَّ الْعِجْلِ، أَيْ مَعْنَاهُ: أُدخل فِي قُلُوبِهِمْ حُبُّ الْعَجَلِ وَخَالَطَهَا، كَإِشْرَابِ اللَّوْنِ لِشِدَّةِ الْمُلَازَمَةِ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} [البقرة: 93] أَنْ تَعْبُدُوا الْعِجْلَ مِنْ دُونِ الله، أي: بئس إيمان يأمر بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 93] بِزَعْمِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنزل عَلَيْنَا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [94] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 94] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ ادَّعَوْا دَعَاوَى بَاطِلَةً مِثْلَ قَوْلِهِمْ: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [الْبَقَرَةِ: 80] و {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [الْبَقَرَةِ: 111] وَقَوْلِهِمْ: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [الْمَائِدَةِ: 18] فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَلْزَمَهُمُ الحُجة فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ، يَعْنِي: الجنة، {خَالِصَةً} [البقرة: 94] أَيْ خَاصَّةً {مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} [البقرة: 94] أي: فأريدوه أو اسألوه، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ حَنَّ إِلَيْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دُخُولِهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاسْتَعْجَلُوهُ بِالتَّمَنِّي، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] فِي قَوْلِكُمْ، وَقِيلَ: فَتُمَنُّوا الْمَوْتَ، أي: ادعو بالموت على الفرقة الكاذبة. [95] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ كَاذِبُونَ، وأراد بما قدمت أيديهم ما قدموه من الأعمال، وأضاف العمل إلى اليد لِأَنَّ أَكْثَرَ جِنَايَاتِ الْإِنْسَانِ تَكُونُ بِالْيَدِ، فَأُضِيفَ إِلَى الْيَدِ أَعْمَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَدِ فِيهَا عمل، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95] [قوله تعالى وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ] الَّذِينَ أَشْرَكُوا. . . . [96] {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} [البقرة: 96] اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، وَالنُّونُ تَأْكِيدٌ لِلْقِسْمِ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَتَجِدَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي: الْيَهُودَ {أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [البقرة: 96] قيل: هو متصل بالأول، أي: وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ: {عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] ثم ابتدأ {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [البقرة: 96] وأراد بالذين أشركوا المجوس {يَوَدُّ} [البقرة: 96] يُرِيدُ وَيَتَمَنَّى، {أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة: 96] يَعْنِي: تَعْمِيرَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَهِي تحية المجوس فيما بينهم يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْيَهُودُ أَحْرَصُ على الحياة من المجوس الذين يَقُولُونَ ذَلِكَ، {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ} [البقرة: 96] مُباعده {مِنَ الْعَذَابِ} [البقرة: 96] من النار {أَنْ يُعَمَّرَ} [البقرة: 96] أي: طول عمره لا يبعده من العذاب {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] [97] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} [البقرة: 97] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ حِبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ مَلَكٍ يأتيك مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: ذَلِكَ عَدُّونَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ كَانَ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا بِكَ، إِنَّ جبريل ينزل العذاب وَالْقِتَالِ وَالشِّدَّةِ وَإِنَّهُ عَادَانَا مِرَارًا» {فَإِنَّهُ} [البقرة: 97] يعني: جبريل {نَزَّلَهُ} [البقرة: 97] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مذكور، {عَلَى قَلْبِكَ} [البقرة: 97] يا محمد {بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 97] بأمر الله {مُصَدِّقًا} [البقرة: 97] موافقًا {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [البقرة: 97] لِمَا قَبْلَهُ مِنَ

قوله تعالى واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان

الْكُتُبِ، {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: [98] {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ مع دخولها في قوله: {وَمَلَائِكَتِهِ} [البقرة: 98] تفضيلًا وتخصيصًا وَالْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى " أَوْ " يَعْنِي: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكُلِّ، لِأَنَّ الْكَافِرَ بِالْوَاحِدِ كَافِرٌ بِالْكُلِّ، {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98] قال ابْنُ صُورِيَا: مَا جِئْتِنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: [99] {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [البقرة: 99] وَاضِحَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99] الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجلّ. [100] {أَوَكُلَّمَا} [البقرة: 100] واو العطف عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، {عَاهَدُوا عَهْدًا} [البقرة: 100] يَعْنِي: الْيَهُودَ عَاهَدُوا: لَئِنْ خَرَجَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتؤمنن به، فلما خرج إليهم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفروا به، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْيَهُودِ: أَنْ لَا يُعَاوِنُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِهِ، فَنَقَضُوهَا كَفِعْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ} [الأنفال: 56] {نَبَذَهُ} [البقرة: 100] طرحه ونقضه {فَرِيقٌ} [البقرة: 100] طوائف {مِنْهُمْ} [البقرة: 100] ؛ من الْيَهُودُ، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] [101] {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 101] يَعْنِي: مُحَمَّدًا {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَقِيلَ: الْقُرْآنَ، {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101] قال الشعبي: كانوا يقرؤون التوراة ولا يعملون بها. [قوله تعالى وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ] . . . . [102] {وَاتَّبَعُوا} [البقرة: 102] يَعْنِي: الْيَهُودَ {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] أَيْ: مَا تَلَتْ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْمُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الْمَاضِي، وَالْمَاضِي مَوْضِعَ المستقبل، وقيل: ما كانت تَتْلُو، أَيْ: تَقْرَأُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَتَّبِعُ وَتَعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحَدَّثُ وتتكلم به, {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [الْبَقَرَةِ: 102] أَيْ: في ملكه وعهده {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة: 102] بِالسِّحْرِ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ سُلَيْمَانُ كافرًا يسحر وَيَعْمَلُ بِهِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102] معنى لَكِنْ نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ المستقبل، {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102] قِيلَ مَعْنَى السِّحْرِ: الْعِلْمُ وَالْحِذْقُ بِالشَّيْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الزُّخْرُفِ: 49] أَيِ: الْعَالِمُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ السِّحْرَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَالسِّحْرُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَمِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ به كفر. وقوله عر وَجَلَّ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} [البقرة: 102] أَيْ: وَيُعَلِّمُونَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، أَيْ: إِلْهَامًا وَعِلْمًا، فَالْإِنْزَالُ: بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ وَالتَّعْلِيمِ، وَقِيلَ: وَاتَّبَعُوا ما أنزل على الملكين

{هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: 102] هما اسمان سريانيان {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} [البقرة: 102] أَيْ: أَحَدًا وَ (مِنْ) صِلَةٌ {حَتَّى} [البقرة: 102] ينصحاه أولًا، {يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} [البقرة: 102] ابتلاءٌ ومحنة {فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] أَيْ: لَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ فَتَعْمَلَ بِهِ فَتَكْفُرَ، وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِاخْتِبَارُ والامتحان {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] وهو أَنْ يُؤْخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ صَاحِبِهِ وَيُبَغَّضُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ} [البقرة: 102] قِيلَ: أَيِ السَّحَرَةُ. وَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ، {بِضَارِّينَ بِهِ} [البقرة: 102] أي: بالسحر {مِنْ أَحَدٍ} [البقرة: 102] أَيْ أَحَدًا {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102] أَيْ: بِعِلْمِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَالسَّاحِرُ يَسْحَرُ وَاللَّهُ يُكَوِّنُ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} [البقرة: 102] يعني: السِّحْرَ يَضُرُّهُمْ، {وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا} [البقرة: 102] يعني اليهود، {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} [البقرة: 102] أَيِ اخْتَارَ السِّحْرَ، {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ} [البقرة: 102] أي: في الجنة، {مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] مِنْ نَصِيبٍ {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ} [البقرة: 102] باعوا به {أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 102] حظ أنفسهم حيث اختاروا السحر وَالْكُفْرَ عَلَى الدِّينِ وَالْحَقِّ، {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] [103] {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا} [البقرة: 103] بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقرآن، {وَاتَّقَوْا} [البقرة: 103] الْيَهُودِيَّةَ وَالسِّحْرَ، {لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} [البقرة: 103] لَكَانَ ثَوَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ خَيْرًا لهم، {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] [104] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} [البقرة: 104] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنَ الْمُرَاعَاةِ، أَيْ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ، أَيْ: فرّغ سمعك لكل منا وكانت هذه اللفظة سبًّا قَبِيحًا بِلُغَةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: كَانَ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمُ: اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ، وقيل: هي من الرعونة كانوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قالوا: رَاعِنَا، بِمَعْنَى: يَا أَحْمَقُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: كُنَّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَأَعْلِنُوا بِهِ الْآنَ، فَكَانُوا يَأْتُونَهُ وَيَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا مُحَمَّدُ وَيَضْحَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} [البقرة: 104] لكيلا يَجِدَ الْيَهُودُ بِذَلِكَ سبيَلًا إِلَى شَتْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، {وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] أَيِ انْظُرْ إِلَيْنَا، وَقِيلَ: انْتَظِرْنَا وتأنّ بنا {وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104] مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَأَطِيعُوا، {وَلِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 104] يعني: اليهود، {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104] [105] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [البقرة: 105] أي: ما يحب وما يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يعني: اليهود، {وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 105] أي: خير ونبوة، و (مِنْ) ، صلة، {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} [البقرة: 105] بِنُبُوَّتِهِ، {مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105] وَالْفَضْلُ ابْتِدَاءُ إِحْسَانٍ بِلَا عِلَّةٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْإِسْلَامُ وَالْهِدَايَةُ.

قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير

[قَوْلِهِ تَعَالَى مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ] مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. . . . [106] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [الْبَقَرَةِ: 106] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا إِنَّ محمدًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ إِلَّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، يَقُولُ الْيَوْمَ قَوْلًا وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101] قالوا إنما أنت مفتر فأنزل: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] فبين وجه الحكمة في النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّحْوِيلِ وَالنَّقْلِ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ يُحَوَّلَ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ الْقُرْآنِ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ نُسِخَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَالثَّانِي: يَكُونُ بِمَعْنَى الرَّفْعِ، يُقَالُ: نسَخت الشمسُ الظِّلَّ، أَيْ: ذَهَبَتْ بِهِ وَأَبْطَلَتْهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ الْقُرْآنِ نَاسِخًا وَبَعْضُهُ مَنْسُوخًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الآية {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106] أي: ننسها عن قلبك وَقِيلَ: نُنْسِهَا أَيْ نَأْمُرُ بِتَرْكِهَا، يُقَالُ: أَنْسَيْتُ الشَّيْءَ، إِذَا أَمَرْتُ بتركه {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106] أَيْ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ وَأَسْهَلُ عَلَيْكُمْ وَأَكْثَرُ لِأَجْرِكُمْ، لَا أَنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَكُلُّهُ خير، {أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] فِي الْمَنْفَعَةِ وَالثَّوَابِ، فَكُلُّ مَا نُسِخَ إِلَى الْأَيْسَرِ فَهُوَ أَسْهَلُ فِي الْعَمَلِ، وَمَا نُسِخَ إِلَى الْأَشَقِّ فَهُوَ فِي الثَّوَابِ أَكْثَرُ. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] مِنَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ تَقْرِيرٌ، أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ. [107] {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ} [البقرة: 107] يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ عِنْدَ نُزُولِ العذاب، {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 107] مِمَّا سِوَى اللَّهِ {مِنْ وَلِيٍّ} [البقرة: 107] قريب وصديق، وقيل: والٍ، وَهُوَ الْقَيِّمُ بِالْأُمُورِ {وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 107] نَاصِرٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [108] قَوْلُهُ: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} [البقرة: 108] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ جُمْلَةً كَمَا أَتَى مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ تُرِيدُونَ} [البقرة: 108] يَعْنِي: أَتُرِيدُونَ، فَالْمِيمُ صِلَةٌ، وَقِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 108] سَأَلَهُ قَوْمُهُ {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، كَمَا أَنَّ مُوسَى سَأَلَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: أرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، فَفِيهِ مَنْعُهُمْ عَنِ السؤالات المقترحة بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} [البقرة: 108] يَسْتَبْدِلُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108] أَخَطْأَ وَسَطَ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: قَصْدَ السبيل. [109] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [البقرة: 109] أَيْ تَمَنَّى وَأَرَادَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ: {لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} [البقرة: 109] يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا} [البقرة: 109] نُصب عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: يَحْسُدُونَكُمْ حسدًا، {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]

قوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا

أَيْ: مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِدْقٌ ودينه حق، {فَاعْفُوا} [البقرة: 109] فاتركوا {وَاصْفَحُوا} [البقرة: 109] وَتَجَاوَزُوا، فَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ، وَالصَّفْحُ: الْإِعْرَاضُ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الْقِتَالِ، {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109] بِعَذَابِهِ الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ لِبَنِي قُرَيْظَةَ والجلاء والنفي لبني النضير، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ فِي قَوْلِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] إِلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التَّوْبَةِ: 29] {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] [110] {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا} [البقرة: 110] تسلفوا {لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 110] طَاعَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 110] وقيل: أراد بالخير المال مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ حَتَّى الثَّمَرَةَ وَاللُّقْمَةَ مِثْلَ أُحُدٍ {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110] [قوله تعالى وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا] أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ. . . [111] {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} [البقرة: 111] أي يهوديًّا {أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هودًا وَلَا دِينَ إِلَّا دِينُ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَلَا دين إلا دين النصرانية قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111] أَيْ: شَهَوَاتُهُمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، {قُلْ} [البقرة: 111] يا محمد {هَاتُوا} [البقرة: 111] أصله آتوا {بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111] حُجَّتَكُمْ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: [112] {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} [البقرة: 112] أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ الْحُكْمُ لِلْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من أسلم وجهه {لِلَّهِ} [البقرة: 112] أَيْ: أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ لِلَّهِ، وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالْخُضُوعُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ إِذَا جَادَ بِوَجْهِهِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَبْخَلْ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة: 112] فِي عَمَلِهِ، وَقِيلَ: مُؤْمِنٌ، وَقِيلَ: مُخْلِصٌ، {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] [113] قَوْلُهُ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ} [البقرة: 113] نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ لِمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ فَتَنَاظَرُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ، وَقَالَتْ لَهُمُ النَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 113] وكلا الفريقين يقرؤون الكتاب، وقيل: مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ، فَدَلَّ تِلَاوَتُهُمُ الْكِتَابَ وَمُخَالَفَتُهُمْ مَا فِيهِ عَلَى كَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 113] يَعْنِي: آبَاءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا، {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 113] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوَامُّ النَّصَارَى، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، كَذَلِكَ قَالُوا فِي نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ، {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 113] يَقْضِي بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، {فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] من الدين. [114] قَوْلُهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: 114] الآية نزلت في الذين غَزَوْا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوا مُقَاتَلِتَهُمْ وَسَبَوْا ذَرَّارِيهِمْ وَحَرَّقُوا التَّوْرَاةَ وَخَرَّبُوا بيت المقدس فَكَانَ خَرَابًا إِلَى أَنْ بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الخطاب رضي الله عنه (ومن أظلم) أي: أكفر (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) يَعْنِي: بيت المقدس ومحاريبه {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} [البقرة: 114] وَذَلِكَ أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَوْضِعُ حَجِّ النَّصَارَى وَمَحَلُّ

قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له

زِيَارَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمْ يَدْخُلْهَا - يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - بَعْدَ عِمَارَتِهَا رُومِيٌّ إِلَّا خَائِفًا لَوْ عُلِمَ بِهِ قتل {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [البقرة: 114] عَذَابٌ وَهَوَانٌ، قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْقَتْلُ لِلْحَرْبِيِّ وَالْجِزْيَةُ لِلذِّمِّيِّ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: تُفْتَحُ مَدَائِنُهُمُ الثَّلَاثَةُ قُسْطَنْطِينِيَّةُ وَرُومِيَّةُ وَعَمُّورِيَةُ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] وهو النَّارُ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَأَرَادَ بِالْمَسَاجِدِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ حَجِّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَإِذَا مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم من أن يعمره بذكر الله فقد سعوا فِي خَرَابِهَا {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} [البقرة: 114] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: أَفْتَحُهَا عَلَيْكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوهَا وَتَكُونُوا أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ، فَفَتَحَهَا عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ (¬1) فَهَذَا خَوْفُهُمْ، وَثَبَتَ فِي الشَّرْعِ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مُشْرِكٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [البقرة: 114] الذُّلُّ وَالْهَوَانُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ وَالنَّفْيُ. [115] {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 115] مُلْكًا وَخَلْقًا {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ} [البقرة: 115] أَيْ غَنِيٌّ يُعْطِي مِنَ السِّعَةِ، قال الفراء: الواسع الجود الَّذِي يَسَعُ عَطَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ {عَلِيمٌ} [البقرة: 115] بِنِيَّاتِهِمْ حَيْثُمَا صَلَّوْا وَدَعَوْا. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ] مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ. . . . [116] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] قرأ ابن عامر (قالوا) ، بلا واو، وقرأ الآخرون {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ حَيْثُ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَفِي نَصَارَى نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَفِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، {سُبْحَانَهُ} [البقرة: 116] نزه وعظم نفسه، قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 116] عَبِيدًا وَمُلْكًا، {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: مُطِيعُونَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قَائِمُونَ بالشهادة، وأصل القنوت القيام، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ خَاصٌّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ، لأن لفظ " كل " يقتضي الإحاطة بالشيء حيث لا يشذ منه شيء وَقِيلَ: قَانِتُونَ مُذَلَّلُونَ مُسَخَّرُونَ لِمَا خلقوا له. [117] قوله عز وجل: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الصلاة باب ما يستر من العورة 1 / 471 وفي الحج والمغازي، ومسلم في الحج باب لا يحج بالبيت مشرك رقم (1347) 2 / 982 والمصنف شرح السنة 7 / 21.

قوله تعالى يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت

، أَيْ: مُبْدِعُهَا وَمُنْشِئُهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} [البقرة: 117] أي: قدره، وقيل: أحكمه وَأَتْقَنَهُ، وَأَصْلُ الْقَضَاءِ: الْفَرَاغُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَنْ مَاتَ: قُضِيَ عَلَيْهِ لِفَرَاغِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ، لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْهُ تقديرا أو تدبيرا {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ: فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَالْمَعْدُومُ لا يخاطب؟ قيل: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مَعْنَاهُ: فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ، أَيْ لِأَجْلِ تَكْوِينِهِ، فَعَلَى هَذَا ذَهَبَ مَعْنَى الْخِطَابِ، وَقِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا وَلَكِنَّهُ لِمَا قُدِّرَ وُجُودُهُ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ كَانَ كَالْمَوْجُودِ فصح الخطاب. [118] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 118] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْيَهُودُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّصَارَى، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُشْرِكُو الْعَرَبِ، {لَوْلَا} [البقرة: 118] هلا {يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} [البقرة: 118] عيانا بأنك رسوله {أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} [البقرة: 118] دلالة علامة على صدقك، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [البقرة: 118] أَيْ: كُفَّارُ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، {مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] أي: أشبه بعضهم بَعْضًا فِي الْكُفْرِ وَالْقَسْوَةِ وَطَلَبِ الْمُحَالِ، {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118] [119] {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 119] أي: بالصدق، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: بالقرآن وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَاهُ لَمْ نُرْسِلْكَ عبثا إنما أرسلناك بالحق. قوله عز وجل: {بَشِيرًا} [البقرة: 119] أَيْ: مُبَشِّرًا لِأَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي بالثواب الكريم، {وَنَذِيرًا} [البقرة: 119] أَيْ: مُنْذِرًا مُخَوِّفًا لِأَعْدَائِي وَأَهْلِ مَعْصِيَتِي بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَرَأَ نَافِعٌ ويعقوب: {وَلَا تُسْأَلُ} [البقرة: 119] على النهي وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ لا تَسْأَلْ عَنْ شَرِّ فُلَانٍ فَإِنَّهُ فَوْقَ مَا تَحْسَبُ، وَلَيْسَ عَلَى النَّهْيِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {وَلَا تُسْأَلُ} [البقرة: 119] بِالرَّفْعِ، عَلَى النَّفْيِ بِمَعْنَى: وَلَسْتَ بمسئول عنهم {عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119] والجحيم معظم النار. [120] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة: 120] وذلك أنهم يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الهدنة ويطمعونه أَنَّهُ إِنْ أَمْهَلَهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، مَعْنَاهُ أنك وإن هادنتهم فلا يرجون بِهَا، وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَعَلُّلًا وَلَا يَرْضَوْنَ مِنْكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ ملتهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ} [البقرة: 120] إلا باليهودية، {وَلَا النَّصَارَى} [البقرة: 120] إِلَّا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَالْمِلَّةُ الطَّرِيقَةُ، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [البقرة: 120] قِيلَ: الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ كَقَوْلِهِ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزُّمَرِ: 65] {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 120] الْبَيَانِ بِأَنَّ دِينَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالْقِبْلَةَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] [121] {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 121] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ السَّفِينَةِ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ مِنْهُمْ بَحِيرَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ ممن آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ عَبْدُ اللَّهِ بن سلام وشعبة بْنُ عَمْرٍو وَتَمَّامُ بْنُ يَهُودَا وَأَسَدٌ وَأُسَيْدٌ ابْنَا كَعْبٍ وَابْنُ يا مين وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ عَامَّةً، {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: 121] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَصِفُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ حَقَّ صِفَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ عَائِدَةٌ إِلَى الْكِتَابِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ابْنُ مسعود رضي الله عنه: يقرؤونه كَمَا أُنْزِلَ وَلَا يُحَرِّفُونَهُ، وَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ وَيَكِلُونَ عِلْمَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ إِلَى عَالَمِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتباعه {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ] عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. . . .

قوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا

[122] {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 122] [123] {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 123] [124] {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] وهو إبراهيم بن تارخ هو آزر بن ناخور، وَمَعْنَى الِابْتِلَاءِ: الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَالْأَمْرُ، وَابْتِلَاءُ اللَّهِ الْعِبَادَ لَيْسَ لِيَعْلَمَ أَحْوَالَهُمْ بِالِابْتِلَاءِ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ أَحْوَالَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا إبراهيم (فَأَتَمَّهُنَّ) قَالَ قَتَادَةُ: أَدَّاهُنَّ، قَالَ الضحاك: قام بهن، وقال يمان: عَمِلَ بِهِنَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] يُقْتَدَى بِكَ فِي الْخَيْرِ، {قَالَ} [البقرة: 124] إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124] ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمة يقتدى بهم، {قَالَ} [البقرة: 124] الله تعالى: {لَا يَنَالُ} [البقرة: 124] لا يصيب {عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] أَيْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا لَا يُصِيبُهُ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: عَهْدِي رَحْمَتِي، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُبُوَّتِي، وَقِيلَ: الْإِمَامَةُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ لِظَالِمٍ أَنْ يُطَاعَ فِي ظُلْمِهِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَنَالُ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا مِنْ وَلَدِكَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَهْدِ الْأَمَانَ مِنَ النَّارِ، وَبِالظَّالِمِ الْمُشْرِكَ. [125] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} [البقرة: 125] يعني: الكعبة، {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 125] مَرْجِعًا لَهُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بن جبير: يثوبون إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيَحُجُّونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعَاذًا وَمَلْجَأً، وَقَالَ قَتَادَةُ وعكرمة: مجمعا، {وَأَمْنًا} [البقرة: 125] أَيْ: مَأْمَنًا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَيَقُولُونَ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، وَيَتَعَرَّضُونَ لِمَنْ حَوْلَهُ {وَاتَّخِذُوا} [البقرة: 125] قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ، {مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] قال يَمَانٍ: الْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعَ مُشَاهِدِ الْحَجِّ مِثْلَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَسَائِرِ الْمَشَاهِدِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَذَلِكَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عليه إبراهيم عند بناء البيت. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة: 125] أي: أمرناهما وأوصينا إليهما {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} [البقرة: 125] يَعْنِي: الْكَعْبَةَ أَضَافَهُ إِلَيْهِ تَخْصِيصًا وَتَفْضِيلًا، أَيِ: ابْنِيَاهُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: طَهِّرَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالرِّيَبِ وقول الزور {لِلطَّائِفِينَ} [البقرة: 125] الدائرين حوله، {وَالْعَاكِفِينَ} [البقرة: 125] المقيمين المجاورين، {وَالرُّكَّعِ} [البقرة: 125] جمع راكع، {السُّجُودِ} [البقرة: 125] سَاجِدٍ، وَهُمُ الْمُصَلُّونَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ ومقاتل: الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا] آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ. . . . [126] {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا} [البقرة: 126] يَعْنِي

قوله تعالى إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب

مَكَّةَ، وَقِيلَ: الْحَرَمَ، {بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126] أَيْ: ذَا أَمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَهْلُهُ، {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126] إِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ بواد غير ذي زرع {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 126] دعا للمؤمنين خاصة، {قَالَ} [البقرة: 126] اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} [البقرة: 126] أَيْ سَأَرْزُقُ الْكَافِرَ أَيْضًا قَلِيلًا إِلَى مُنْتَهَى أَجَلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الرِّزْقَ لِلْخَلْقِ كَافَّةً مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْقِلَّةِ لِأَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} [البقرة: 126] أَيْ: أُلْجِئُهُ فِي الْآخِرَةِ: {إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126] أي: المرجع يصير إليه. [127] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] يَعْنِي أُسُسَهُ، وَاحِدَتُهَا: قَاعِدَةٌ، وَقَالَ الكسائي: جدر الْبَيْتَ {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [الْبَقَرَةِ: 127] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَيَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا بِنَاءَنَا {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} [البقرة: 127] لدعائنا {الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] بِنِيَّاتِنَا. [128] {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128] مُوَحِّدَيْنِ مُطِيعَيْنِ مُخْلِصَيْنِ خَاضِعَيْنِ لَكَ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} [البقرة: 128] أي: أولادنا، {أُمَّةً} [البقرة: 128] جَمَاعَةً، وَالْأُمَّةُ: أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ، {مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128] خاضعة لك، {وَأَرِنَا} [البقرة: 128] علمنا وعرفنا {مَنَاسِكَنَا} [البقرة: 128] شَرَائِعَ دِينِنَا وَأَعْلَامَ حَجِّنَا، وَقِيلَ: مَوَاضِعَ حَجِّنَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَذَابِحَنَا، وَالنُّسُكُ: الذَّبِيحَةُ، وَقِيلَ: مُتَعَبَّدَاتِنَا، وَأَصْلُ النُّسُكِ: الْعِبَادَةُ، وَالنَّاسِكُ: الْعَابِدُ، فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُمَا فَبَعَثَ جِبْرِيلَ فَأَرَاهُمَا الْمَنَاسِكَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ عَرَفَاتٍ قَالَ: عَرَفْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَسَمَّى الْوَقْتَ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعَ عَرَفَاتٍ. {وَتُبْ عَلَيْنَا} [البقرة: 128] تَجَاوَزْ عَنَّا، {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] [129] {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} [البقرة: 129] أَيْ: فِي الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ ذرية إبراهيم وإسماعيل، وقيل: في أهل مكة، {رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] أَيْ: مُرْسَلًا مِنْهُمْ، أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَتْلُو} [البقرة: 129] يقرأ {عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129] كِتَابَكَ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَالْآيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ إِلَى انْقِطَاعِهِ، وَقِيلَ: هِيَ جَمَاعَةُ حُرُوفٍ، يُقَالُ خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ، أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 129] يعني: القرآن، {وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] قَالَ مُجَاهِدٌ: فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ من الأحكام، قال قُتَيْبَةَ: هِيَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ حَكِيمًا حَتَّى يَجْمَعَهُمَا، وقيل: السنة والأحكام، وقيل: هي القضاء، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ الْفِقْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةٍ وَعَظَتْكَ أَوْ دَعَتْكَ إِلَى مَكْرُمَةٍ أَوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ فَهِيَ حكمة، {وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129] أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالذُّنُوبِ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: يَشْهَدُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَدَالَةِ إِذَا شَهِدُوا لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْبَلَاغِ مِنَ التَّزْكِيَةِ وَهِيَ التَّعْدِيلُ، {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَزِيزُ: الَّذِي لا يوجد مثله. [130] {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 130] أَيْ: يَتْرُكُ دِينَهُ وَشَرِيعَتَهُ، يُقَالُ: رَغِبَ فِي الشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ، وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا تَرَكَهُ، وَقَوْلُهُ: (من) : لفظة استفهام ومعناه التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ، يَعْنِي: مَا يَرْغَبُ من مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ خَسِرَ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ضَلَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَهْلَكَ نَفْسَهُ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ وَالزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ جَهَّلَ نَفْسَهُ، وَالسَّفَاهَةُ: الْجَهْلُ وَضَعْفُ الرَّأْيِ، وَكُلُّ سَفِيهٍ جَاهِلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ جَهَّلَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ اللَّهَ خلقها، {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} [الْبَقَرَةِ: 130] اخْتَرْنَاهُ فِي الدُّنْيَا، {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] يعني: أي مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. [قوله تعالى إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ] الْعَالَمِينَ. . . . [131] {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} [البقرة: 131] أَيِ اسْتَقِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاثْبُتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، قَالَ ابن

عباس: قال له ذلك حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَخْلِصْ دِينَكَ وَعِبَادَتَكَ لِلَّهِ، وقال عطاء: أسلم نفسك إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَوِّضْ أُمُورَكَ إِلَيْهِ، {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] أَيْ: فَوَّضْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ. [132] {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132] معناه: ووصى بها إبراهيم وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ ومقاتل: يعني كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله {يا بَنِيَّ} [البقرة: 132] مَعْنَاهُ أَنْ يَا بَنِيَّ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} [البقرة: 132] اختار {لَكُمُ الدِّينَ} [البقرة: 132] أَيْ: دِينَ الْإِسْلَامِ {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132] مُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ مُخْلِصُونَ، وَقِيلَ مُفَوِّضُونَ، وَالنَّهْيُ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا نُهُوا فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ تَرْكِ الْإِسْلَامِ مَعْنَاهُ: دَاوِمُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يُصَادِفَكُمُ الْمَوْتُ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. [133] قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} [البقرة: 133] يَعْنِي أَكُنْتُمْ شُهَدَاءَ يُرِيدُ مَا كُنْتُمْ شُهَدَاءَ حُضُورًا {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} [البقرة: 133] أَيْ: حِينَ قَرُبَ يَعْقُوبُ مِنَ الْمَوْتِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ مَاتَ أَوْصَى بَنِيهِ بِالْيَهُودِيَّةِ؟ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِمَا دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالنِّيرَانَ، فَجَمَعَ وَلَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133] وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَمًّا لَهُمْ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَمَّ أَبًا كَمَا تُسَمِّي الخالة أما {إِلَهًا وَاحِدًا} [البقرة: 133] نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ، {إِلَهَكَ} [البقرة: 133] وَقِيلَ: نَعْرِفُهُ إِلَهًا وَاحِدًا، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133] [134] {تِلْكَ أُمَّةٌ} [البقرة: 134] جماعة، {قَدْ خَلَتْ} [البقرة: 134] مضت، {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 134] مِنَ الْعَمَلِ، {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] يَعْنِي: يُسْأَلُ كُلٌّ عَنْ عَمَلِهِ لَا عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ. [135] {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رؤساء يهود المدينة وفي نصارى أهل نجران وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَاصَمُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: نَبِيُّنَا مُوسَى أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا التَّوْرَاةُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ، وَكَفَرَتْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى نَبِيُّنَا أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا الْإِنْجِيلُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ وَكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا عَلَى دِينِنَا فَلَا دِينَ إِلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ} [البقرة: 135] يَا مُحَمَّدُ: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 135] بل نتبع ملة إبراهيم {حَنِيفًا} [البقرة: 135] أراد به ملة إبراهيم الحنيف قال مجاهد: الحنيفة اتِّبَاعُ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا أَتَى بِهِ مِنَ

قوله تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما

الشَّرِيعَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا إِمَامًا لِلنَّاسِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَنِيفُ الْمَائِلُ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَنَفِ وَهُوَ مَيْلٌ وَعِوَجٌ يَكُونُ فِي القدم {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135] ثُمَّ عَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ طَرِيقَ الْإِيمَانِ فقال جل ذكره: [قوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا] أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. . . . [136] {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136] وَهُوَ عَشْرُ صُحُفٍ {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [البقرة: 136] يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ سِبْطًا، وَاحِدُهُمْ: سِبْطٌ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَسِبْطُ الرَّجُلِ: حَافِدُهُ، وَالْأَسْبَاطُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَالشُّعُوبِ مِنَ الْعَجَمِ، وَكَانَ فِي الْأَسْبَاطِ أَنْبِيَاءٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] وَقِيلَ: هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ مِنْ صُلْبِهِ صَارُوا كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ. {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى} [البقرة: 136] يعني التوراة، {وَعِيسَى} [البقرة: 136] يعني الإنجيل، {وَمَا أُوتِيَ} [البقرة: 136] أُعْطِيَ {النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة: 136] أَيْ: نُؤْمِنُ بِالْكُلِّ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ والنصارى، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أهل الكتاب يقرؤون التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ» الْآيَةَ. [137] {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} [الْبَقَرَةِ: 137] أَيْ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ، وَكَذَلِكَ كان يقرؤها ابن عباس، و (المثل) صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] أَيْ: لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا بِجَمِيعِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ أَيْ: أَتَوْا بِإِيمَانٍ كَإِيمَانِكُمْ وَتَوْحِيدٍ كَتَوْحِيدِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا مِثْلَ مَا أَمِنْتُمْ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مَرْيَمَ: 25] وَقَالَ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آمَنْتُمْ بِكِتَابِهِمْ: {فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137] أي في خلاف ومنازعة، قال ابن عباس وعطاء: يقال: شَاقَّ مُشَاقَّةً إِذَا خَالَفَ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ آخِذٌ فِي شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} [هُودٍ: 89] أَيْ: خِلَافِي، وَقِيلَ: فِي عَدَاوَةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ} [الْأَنْفَالِ: 13] أَيْ عَادُوا الله {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 137] يَا مُحَمَّدُ، أَيْ يَكْفِيكَ شَرَّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ كُفِيَ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، {وَهُوَ السَّمِيعُ} [البقرة: 137] لأقوالهم {الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] بأحوالهم. [138] {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة: 138] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: دِينَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِبْغَةً لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُ الدِّينِ عَلَى الْمُتَدَيِّنِ، كَمَا يظهر أثر الثوب على الصبغ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُتَدَيِّنَ يَلْزَمُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ كَالصَّبْغِ يَلْزَمُ الثَّوْبَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن

فِطْرَةَ اللَّهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: سُنَّةَ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخِتَانَ لِأَنَّهُ يَصْبُغُ صاحبه بالدم، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَنَّ النَّصَارَى إذا ولد لأحدهم ولد فاتت عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ غَمَسُوهُ فِي مَاءٍ لَهُمْ أَصْفَرُ، يُقَالُ لَهُ المعمودية، وَصَبَغُوهُ بِهِ لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ مَكَانَ الْخِتَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ قَالُوا: الْآنَ صَارَ نَصْرَانِيًّا حَقًّا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ لَا مَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، يَعْنِي الزموا دين اللَّهِ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138] دِينًا وَقِيلَ: تَطْهِيرًا. {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138] مطيعون. [139] {قُلْ} [البقرة: 139] يَا مُحَمَّدُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: {أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} [البقرة: 139] أَيْ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْمُحَاجَّةُ: الْمُجَادَلَةُ فِي اللَّهِ لِإِظْهَارِ الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا مِنَّا وَعَلَى دِينِنَا، وَدِينُنَا أقدم فنحن أولى بالله منكم {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} [البقرة: 139] أَيْ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ فِي اللَّهِ فَإِنَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ، {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [البقرة: 139] أَيْ: لِكُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءُ عَمَلِهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ، {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} [البقرة: 139] وَأَنْتُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْإِخْلَاصُ أَنْ يُخْلِصَ الْعَبْدُ دِينَهُ وَعَمَلَهُ فَلَا يُشْرِكَ بِهِ فِي دِينِهِ وَلَا يُرَائِيَ بعمله. [140] قال الله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} [البقرة: 140] يَعْنِي: أَتَقُولُونَ، صِيغَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَمَعْنَاهُ التوبيخ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ} [البقرة: 140] يا محمد {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} [البقرة: 140] بدينهم {أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140] وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ} [البقرة: 140] أَخْفَى {شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140] وَهِيَ عِلْمُهُمْ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وَرَسُولٌ أشهدهم عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِمْ، {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] [141] {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141] كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا. [قَوْلُهُ تَعَالَى سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن] قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا. . . . [142] قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] الْجُهَّالُ {مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ} [البقرة: 142] أي شيء صَرَفَهُمْ وَحَوَّلَهُمْ {عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَالْقِبْلَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الْمُقَابَلَةِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَمُشْرِكِي مَكَّةَ، طَعَنُوا فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مَكَّةَ فَقَالُوا لِمُشْرِكِي مَكَّةَ: قَدْ تَرَدَّدَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمْرُهُ فَاشْتَاقَ إِلَى مَوْلِدِهِ وَقَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ بَلَدِكُمْ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى دِينِكُمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 142] ملكا وَالْخَلْقُ عَبِيدُهُ، {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] [143] {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أَيْ: كَمَا اخْتَرْنَا إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتَهُ واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمة وسطا، أَيْ: عَدْلًا خِيَارًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [الْقَلَمِ: 28] أَيْ خَيْرُهُمْ وَأَعْدَلُهُمْ، وَخَيْرُ الْأَشْيَاءِ أَوْسَطُهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي أَهْلَ دِينٍ وَسَطٍ بَيْنِ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ لِأَنَّهُمَا مذمومان في الدين قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بلغتهم، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ} [البقرة: 143] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] معدلا مزكيا لكم، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] أي: تحويلها؟ يعني عن بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْجَعْلِ مَحْذُوفًا عَلَى تَقْدِيرِ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا مَنْسُوخَةً، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْكَعْبَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] أَيْ: أَنْتُمْ {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة: 143] فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} [البقرة: 143] وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا قَبْلَ كَوْنِهَا؟ قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ عَالِمٌ بِهِ فِي الْغَيْبِ، إِنَّمَا يتعلق بما يوجد معناه لنعلم الْعِلْمَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَقِيلَ: إِلَّا لِنَعْلَمَ أَيْ: لِنَرَى وَنُمَيِّزَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فِي

الْقِبْلَةِ، {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] فيرتد، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: مَعْنَاهُ إِلَّا لِعِلْمِنَا مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، كَأَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ قَوْمٍ وَضَلَالَةِ قَوْمٍ {وَإِنْ كَانَتْ} [البقرة: 143] أي: وقد كَانَتْ، أَيْ تَوْلِيَةُ الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: الكناية رَاجِعَةٌ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَإِنْ كَانَتِ التحويلة، {لَكَبِيرَةً} [البقرة: 143] ثَقِيلَةً شَدِيدَةً، {إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143] أَيْ: هَدَاهُمُ اللَّهُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: (وإن) تأكيد شبيه باليمين، وَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللَّامُ فِي جَوَابِهَا، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] وَذَلِكَ أَنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْيَهُودِ، قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: أَخْبِرُونَا عَنْ صَلَاتِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِنْ كَانَتْ هُدًى، فَقَدْ تَحَوَّلْتُمْ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ ضَلَالَةً فَقَدْ دِنْتُمُ اللَّهَ بِهَا؟ وَمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَيْهَا فَقَدْ مَاتَ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا الْهُدَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالضَّلَالَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، قَالُوا: فَمَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى مَنْ مات منكم على قبلتنا؟ فَانْطَلَقَ عَشَائِرُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: يَا رسول الله، قد صرفك إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ فَكَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] الرأفة: أَشَدُّ الرَّحْمَةِ. [144] {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي التِّلَاوَةِ فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّهَا رَأْسُ الْقِصَّةِ، وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنْ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمَكَّةَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أمره أَنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِ إِيَّاهُ إِذَا صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ مَعَ مَا يَجِدُونَ مِنْ نعته في التوراة وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةَ أَبِيهِ إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ جِبْرِيلُ بِمَا يُحِبُّ مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} [البقرة: 144] فلنحولنك إلى قبلة {تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] أي: تحبها وتهواها، {فَوَلِّ} [البقرة: 144] أَيْ: حَوِّلْ {وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] أَيْ: نَحْوَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْكَعْبَةَ، والحرام: المحرم، {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} [البقرة: 144] من بر أو نحو شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] عند الصلاة. فَلَمَّا تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ قَالَتِ الْيَهُودُ: لو ثَبَتَّ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، فأنزل الله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} [البقرة: 144] يَعْنِي أَمْرَ الْكَعْبَةِ، {الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 144] ثُمَّ هَدَّدَهُمْ فَقَالَ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] قَرَأَ أَبُو

قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما

جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ تَطْلُبُونَ مَرْضَاتِي وَمَا أَنَا بِغَافِلٍ عَنْ ثَوَابِكُمْ وَجَزَائِكُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: مَا أَنَا بِغَافِلٍ عَمَّا يَفْعَلُ الْيَهُودُ فَأُجَازِيهِمْ فِي الدُّنْيَا وفي الآخرة. [145] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} [البقرة: 145] يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، قَالُوا: ائْتِنَا بآية على ما تقول، قال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} [البقرة: 145] معجزة، {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145] يَعْنِي: الْكَعْبَةَ {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} [البقرة: 145] لِأَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [البقرة: 145] الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 145] من الْحَقِّ فِي الْقِبْلَةِ، {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] [قَوْلُهُ تَعَالَى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا] يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. . . . [146] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 146] يَعْنِي: مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ {يَعْرِفُونَهُ} [البقرة: 146] يَعْنِي: يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] فَكَيْفَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأَيْتُهُ كَمَا عَرَفْتُ ابْنِي، وَمَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدُّ مِنْ مَعْرِفَتِي بِابْنِي، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ أشهد أنه رسول حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ نعته الله في كتابنا، فَقَالَ عُمَرُ: وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ سَلَامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ، {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} [البقرة: 146] يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرَ الْكَعْبَةِ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] [147] ثُمَّ قَالَ: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [البقرة: 147] أي: هذا الحق خير، مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، وَقِيلَ: رُفِعَ بِإِضْمَارِ فعل، أي: جاء الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 147] الشَّاكِّينَ. [148] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} [البقرة: 148] أَيْ: لِأَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ قِبْلَةٌ، وَالْوِجْهَةُ: اسْمٌ لِلْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ {هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] أي: مستقبلها، ومقبل عليها، يُقَالُ: وَلَّيْتُهُ، وَوَلَّيْتُ إِلَيْهِ إِذَا أقبلت عليه، وَوَلَّيْتُ عَنْهُ إِذَا أَدْبَرْتُ عَنْهُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مُوَلِّيهَا وَجْهَهُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الله عز وجل، يعني: مولى الأمم إلى قبلتهم {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] أَيْ: إِلَى الْخَيِّرَاتِ، يُرِيدُ بَادَرُوا بِالطَّاعَاتِ، وَالْمُرَادُ: الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْقَبُولِ، {أَيْنَ مَا تَكُونُوا} [البقرة: 148] أَنْتُمْ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، {يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [البقرة: 148] يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148] [149] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 149] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ. [150] {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150] وإنما كرره لتأييد النَّسْخِ، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الْبَقَرَةِ: 150] اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَوَجْهِ قَوْلِهِ: (إِلَّا) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى غَيْرِهَا، فَيَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَكُمْ قِبْلَةٌ، إِلَّا الَّذِينَ ظلموا وهم قُرَيْشٌ وَالْيَهُودُ، فَأَمَّا قُرَيْشٌ فَتَقُولُ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا الْحَقُّ وَأَنَّهَا قِبْلَةُ آبَائِهِ، فَكَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا، وَأَمَّا الْيَهُودُ فَتَقُولُ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَقٌّ إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِرَأْيِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُخَاصَمَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مَا دَرَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قَبِلَتُهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ نَحْنُ، وَقَوْلُهُ: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150] وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا صُرِفَتْ قَبِلَتُهُمْ إِلَى

قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم

الْكَعْبَةِ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَحَيَّرَ فِي دِينِهِ وَسَيَعُودُ إِلَى مِلَّتِنَا كَمَا عَادَ إِلَى قِبْلَتِنَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَعَلَى هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا، وَقَوْلُهُ: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150] يَعْنِي: لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ إلا مشركو قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ يُحَاجُّونَكُمْ فَيُجَادِلُونَكُمْ وَيُخَاصِمُونَكُمْ بالباطل والظلم وَمَوْضِعُ (الّذِينَ) خَفْضٌ كَأَنَّهُ قَالَ: سوى الذين ظلموا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: نُصِبَ بِالِاسْتِثْنَاءِ. قَوْلُهُ تعالى: {مِنْهُمْ} [البقرة: 150] يَعْنِي: مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، مَعْنَاهُ وَلَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يُجَادِلُونَكُمْ بالباطل قَالَ أَبُو رَوْقٍ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ، يَعْنِي: الْيَهُودَ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الْكَعْبَةَ لإبراهيم، وَوَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مُحَمَّدًا سَيُحَوَّلُ إِلَيْهَا، فَحَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إليها لئلا يكون لهم حجة فيقولوا: إِنَّ النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا سَيُحَوَّلُ إِلَيْهَا وَلَمْ تُحَوَّلْ أَنْتَ، فَلَمَّا حُوِّلَ إِلَيْهَا ذَهَبَتْ حُجَّتُهُمْ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا, يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يَظْلِمُوا فَيَكْتُمُوا مَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 150] لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَلَكِنْ (إِلَّا) فِي مَوْضِعِ وَاوِ الْعَطْفِ، يَعْنِي: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْضًا لَا يَكُونُ لَهُمْ حجة، فَمَعْنَى الْآيَةِ: فَتُوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ لئلا يكون للناس - يعني لليهود - عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ فَيَقُولُوا: لِمَ تَرَكْتُمُ الْكَعْبَةَ وَهِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْتُمْ عَلَى دِينِهِ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَيَقُولُونَ لِمَ تَرَكَ مُحَمَّدٌ قِبْلَةَ جَدِّهِ وَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِلَى قِبْلَةِ الْيَهُودِ؟ {فَلَا تَخْشَوْهُمْ} [البقرة: 150] فِي انْصِرَافِكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَفِي تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكُمْ بِالْمُجَادَلَةِ، فَإِنِّي وَلِيُّكُمْ أُظْهِرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ، {وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150] وَلِكَيْ أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِهِدَايَتِي إِيَّاكُمْ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَتَتِمُّ به لكم الملة الحنيفية {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150] لكي تهتدوا من الضلالة، و (لعلّ وعسى) من الله واجب. [قَوْلُهُ تَعَالَى كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ] آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ. . . . [151] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} [البقرة: 151] هذه الكاف للتشبيه، ويحتاج إِلَى شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَقَالَ بعضهم: يرجع إِلَى مَا قَبِلَهَا، مَعْنَاهُ: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رسولا منكم، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالْكَلْبِيُّ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] مَعْنَاهُ: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ فَاذْكُرُونِي، وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْعَرَبِ، يَعْنِي: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ {رَسُولًا مِنْكُمْ} [البقرة: 151] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} [البقرة: 151] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 151] قِيلَ: الْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَقِيلَ: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ، {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] من الْأَحْكَامَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ.

قوله تعالى الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا

[152] {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أذكركم بمعونتي، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وقيل: اذْكُرُونِي فِي النِّعْمَةِ وَالرَّخَاءِ أَذْكُرْكُمْ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، بَيَانُهُ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] يَعْنِي: وَاشْكُرُوا لِي بِالطَّاعَةِ وَلَا تكفرون بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ كفره. [153] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] بِالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. [154] {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} [البقرة: 154] نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: مَاتَ فَلَانٌ وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] كَمَا قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 169] قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى تُعْرَضُ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَيَصِلُ إِلَيْهِمُ الرَّوْحُ وَالْفَرَحُ، كَمَا تُعْرَضُ النَّارُ عَلَى أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، فيصل إليهم الوجع. [155] قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} [البقرة: 155] أَيْ: وَلَنَخْتَبِرَنَّكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللام لجواب القسم المحذوف، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لِنَبْلُوَنَّكُمْ، وَالِابْتِلَاءُ مِنَ اللَّهِ لِإِظْهَارِ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي، لَا لِيَعْلَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} [البقرة: 155] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي خَوْفَ العدو، {وَالْجُوعِ} [البقرة: 155] يَعْنِي: الْقَحْطَ، {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} [البقرة: 155] بالخسران والهلاك، {وَالْأَنْفُسِ} [البقرة: 155] يَعْنِي: بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ، وَقِيلَ: بِالْمَرَضِ والشيب، {وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155] يَعْنِي: الْجَوَائِحَ فِي الثِّمَارِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْخَوْفُ خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجُوعُ صِيَامُ رَمَضَانَ، وَنَقْصٌ مِنَ الْأَمْوَالِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْأَنْفُسُ الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتُ مَوْتُ الْأَوْلَادِ، لِأَنَّ وَلَدُ الرَّجُلِ ثمرة قلبه، {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] عَلَى الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فقال. [قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا] لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. . . . [156] {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} [البقرة: 156] عَبِيدًا وَمِلْكًا, {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] في الآخرة. [157] {أُولَئِكَ} [البقرة: 157] أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ: {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] أَيْ: رَحْمَةٌ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الله الرحمة، والرحمة ذَكَرَهَا اللَّهُ تَأْكِيدًا، وَجَمِيعُ الصَّلَوَاتِ، أَيْ رَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] إِلَى الِاسْتِرْجَاعِ، وَقِيلَ: إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَقِيلَ: إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ الْعَدْلَانِ وَنِعْمَتِ الْعِلَاوَةُ فَالْعَدْلَانِ: الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية. [158] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] الصَّفَا جَمْعُ: صَفَاةٍ، وَهِي الصَّخْرَةُ الصُّلْبَةُ الْمَلْسَاءُ، يُقَالُ صَفَاةٌ وَصَفَا، مِثْلَ: حَصَاةٌ وَحَصَى وَنَوَاةٌ وَنَوَى، وَالْمَرْوَةُ: الْحَجَرُ الرَّخْوُ، وَجَمْعُهَا: مَرَوَاتٌ، وَجَمْعُ الْكَثِيرِ: مَرْو، مِثْلَ: تَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ وَتَمْرٌ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِمَا الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِمَكَّةَ فِي طَرَفَيِ الْمَسْعَى، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَشَعَائِرُ اللَّهِ أَعْلَامُ دِينِهِ، أَصْلُهَا مِنَ الْإِشْعَارِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ معلما لقربات يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبِيحَةٍ، فَهُوَ شَعِيرَةٌ، فَالْمَطَافُ وَالْمَوْقِفُ وَالنَّحْرُ كُلُّهَا شعائر لله، ومثلها المشاعر، والمراد بالمشاعر هَاهُنَا: الْمَنَاسِكُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَامًا لِطَاعَتِهِ فَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ مِنْهَا حَتَّى يُطَافَ بِهِمَا جَمِيعًا، {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} [البقرة: 158] فَالْحَجُّ فِي

قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك

اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَالْعُمْرَةُ: الزِّيَارَةُ، وَفِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمَشْرُوعَيْنِ: قَصْدٌ وَزِيَارَةٌ، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} [البقرة: 158] أَيْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَحَ، أَيْ: مَالَ عَنِ القصد، {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] أَيْ: يَدُورَ بِهِمَا، وَأَصْلُهُ يَتَطَوَّفُ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ أَسَافُ وَنَائِلَةُ، وَكَانَ أَسَافُ عَلَى الصَّفَا وَنَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمَيْنِ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِمَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَرَّجُونَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأَذِنَ اللَّهُ فِيهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شعائر الله، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة: 158] قال مجاهد: معناه فإن تَطَوَّعَ بِالطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ فَمَنْ تَطَوَّعَ، أَيْ: زَادَ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ الْوَاجِبِ، وَقِيلَ: مَنْ تَطَوَّعَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجَّةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ سَائِرَ الْأَعْمَالِ، يَعْنِي: فِعْلَ غَيْرِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ وَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ} [البقرة: 158] مجازٍ لعبده بعمله، {عَلِيمٌ} [البقرة: 158] بِنِيَّتِهِ، وَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَ لِعَبْدِهِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، يَشْكُرُ الْيَسِيرَ وَيُعْطِي الْكَثِيرَ. [159] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} [البقرة: 159] نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ كَتَمُوا صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةَ الرَّجْمِ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ، {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 159] وَأَصْلُ اللَّعْنِ الطَّرْدُ وَالْبُعْدُ، {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] أَيْ: يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يَلْعَنَهُمْ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ اللَّاعِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَمِيعُ الْخَلَائِقِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ, وَقَالَ الْحَسَنُ: جميع عباد الله ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: [160] {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [البقرة: 160] من الكفر، {وَأَصْلَحُوا} [البقرة: 160] أسلموا أو أصلحوا الْأَعْمَالَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ {وَبَيَّنُوا} [البقرة: 160] مَا كَتَمُوا، {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 160] أَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ وَأَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، {وَأَنَا التَّوَّابُ} [البقرة: 160] الرَّجَّاعُ بِقُلُوبِ عِبَادِي الْمُنْصَرِفَةِ عَنِّي إلي. {الرَّحِيمُ} [البقرة: 160] بهم بعد إقبالهم عليّ. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ] عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. . . . [161] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 161] أَيْ: لَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُوقَفُ الْكَافِرُ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وَالْمَلْعُونُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ، فَكَيْفَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ؟ قِيلَ: يَلْعَنُ نَفْسَهُ فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الْعَنْكَبُوتِ: 25] وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَلْعَنُونَ الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَمَنْ يَلْعَنُ الظَّالِمِينَ

وَالْكَافِرِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ فَقَدْ لَعَنَ نفسه. [162] {خَالِدِينَ فِيهَا} [البقرة: 162] مُقِيمِينَ فِي اللَّعْنَةِ وَقِيلَ: فِي النَّارِ، {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 162] لَا يُمْهَلُونَ وَلَا يُؤَجَّلُونَ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [الْمُرْسَلَاتِ: 36] [163] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ وَانْسُبْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ، وَالْوَاحِدُ: الَّذِي لَا نَظِيرَ له ولا شريك له، قَالَ أَبُو الضُّحَى: لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ إِنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [164] {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] ذَكَرَ السَّمَاوَاتِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْأَرْضَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ كُلَّ سَمَاءٍ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، وَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التُّرَابُ، فَالْآيَةُ فِي السَّمَاوَاتِ: سُمْكُهَا وَارْتِفَاعُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ وَلَا عِلَاقَةٍ، وما يرى فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَالْآيَةُ فِي الْأَرْضِ: مَدُّهَا وَبَسْطُهَا وسعتها وما يرى فِيهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالنَّبَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [البقرة: 164] أَيْ: تَعَاقُبُهُمَا فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، إِذَا ذَهَبَ أحدهما جاء الآخر أَيْ: بَعْدَهُ، نَظِيرُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الْفُرْقَانِ: 62] قَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ اخْتِلَافَهُمَا فِي النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَاللَّيْلُ جَمْعُ لَيْلَةٍ، وَاللَّيَالِي جمع الجمع، والنهار جمع نُهُرٌ، وَقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37] {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} [البقرة: 164] يَعْنِي: السُّفُنَ وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْجَمْعُ يُؤَنَّثُ، وَفِي الْوَاحِدِ يُذَكَّرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَاحِدِ وَالتَّذْكِيرِ: {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصَّافَّاتِ: 140] وَقَالَ فِي الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يُونُسَ: 22] {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} [البقرة: 164] الآية في الفلك: تسخيرها وجريها عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَهِي مُوقَرَةٌ لَا تَرْسُبُ تَحْتَ الْمَاءِ، {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164] يَعْنِي: رُكُوبَهَا وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا فِي التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ وَأَنْوَاعِ الْمُطَالِبِ، {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ} [البقرة: 164] يَعْنِي: الْمَطَرَ، قِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمَاءِ السَّحَابَ، يَخْلُقُ اللَّهُ الْمَاءَ فِي السَّحَابِ ثُمَّ مِنَ السَّحَابِ يَنْزِلُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ الْمَعْرُوفَةَ، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَاءَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّحَابِ ثُمَّ مِنَ السَّحَابِ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، {فَأَحْيَا بِهِ} [البقرة: 164] أَيْ: بِالْمَاءِ {الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164] أي: بعد يبسها وجدوبتها، {وَبَثَّ فِيهَا} [البقرة: 164] أَيْ: فَرَّقَ فِيهَا {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} [البقرة: 164] وَالرِّيحُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَتَصْرِيفُهَا أَنَّهَا يتصرف إِلَى الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، وَالْقَبُولِ وَالدَّبُّورِ وَالنَّكْبَاءِ، وَقِيلَ: تَصْرِيفُهَا أَنَّهَا تَارَةً تَكُونُ لَيِّنًا، وَتَارَةً تَكُونُ عَاصِفًا، وتارة تكون حارة، وتارة بَارِدَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعْظَمُ جُنُودِ اللَّهِ الرِّيحُ وَالْمَاءُ، وَسُمِّيَتِ الرِّيحُ رِيحًا لِأَنَّهَا تُرِيحُ النُّفُوسَ {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ} [البقرة: 164] أَيِ: الْغَيْمِ الْمُذَلَّلِ، سُمِّيَ سَحَابًا لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ، أَيْ يَسِيرُ فِي سُرْعَةٍ كَأَنَّهُ يَسْحَبُ أَيْ يَجُرُّ {بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا وصانعا. [165] قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ} [البقرة: 165] يعني: المشركين، {مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 165] أَيْ أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا، {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] أَيْ: يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُحِبُّونَ الْأَصْنَامَ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوهَا مَعَ اللَّهِ، فَسَوَّوْا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَوْثَانِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] أَيْ: أَثْبَتُ وَأَدُومُ عَلَى

قوله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا

حبه من المشركين؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَارُونَ عَلَى اللَّهِ مَا سِوَاهُ، وَالْمُشْرِكُونَ إِذَا اتَّخَذُوا صَنَمًا ثُمَّ رَأَوْا أَحْسَنَ مِنْهُ، طَرَحُوا الْأَوَّلَ وَاخْتَارُوا الثَّانِيَ، قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُعْرِضُ عَنْ مَعْبُودِهِ فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ وَيُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ فَقَالَ: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 65] وَالْمُؤْمِنُ لَا يُعْرِضُ عَنِ اللَّهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 165] معناه: لو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ رؤية العذاب، أي ولو رَأَوْا شِدَّةَ عَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ، لَعَرَفُوا مَضَرَّةَ الْكُفْرِ، وَأَنَّ مَا اتَّخَذُوا مِنَ الْأَصْنَامِ لَا يَنْفَعُهُمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ يَرَوْنَ} [البقرة: 165] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، {الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165] أَيْ: بِأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا مَعْنَاهُ: لَرَأَوْا وَأَيْقَنُوا أَنَّ الْقُوَّةَ لله جميعا. [قوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا] وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. . . . [166] {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ} [البقرة: 166] هَذَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ حِينَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْقَادَةَ وَالْأَتْبَاعَ، فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الشَّيَاطِينُ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الْإِنْسِ، {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ} [البقرة: 166] أي: عنهم {الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] أَيِ الصِّلات الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، مِنَ الْقَرَابَاتِ وَالصَّدَاقَاتِ، وصارت مخالطتهم عَدَاوَةً، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْأَرْحَامُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [الْمُؤْمِنُونَ: 101] وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا, كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الْفُرْقَانِ: 23] وَأَصْلُ السَّبَبِ مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ ذَرِيعَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ مَوَدَّةٍ وَمِنْهُ، يُقَالُ لِلْحَبْلِ: سَبَبٌ، وَلِلطَّرِيقِ: سبب. [167] {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: 167] يَعْنِي: الْأَتْبَاعَ: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} [البقرة: 167] أَيْ: رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا، {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} [البقرة: 167] أَيْ: مِنَ الْمَتْبُوعِينَ، {كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة: 167] اليوم، {كَذَلِكَ} [البقرة: 167] أَيْ: كَمَا أَرَاهُمُ الْعَذَابَ، كَذَلِكَ {يُرِيهِمُ اللَّهُ} [البقرة: 167] وَقِيلَ: كتبرؤِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، يُرِيهِمُ اللَّهُ: {أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 167] ندامات، جمع حسرة، قيل: يريهم مَا ارْتَكَبُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ فَيَتَحَسَّرُونَ لِمَ عَمِلُوا، وَقِيلَ: يُرِيهِمْ مَا تَرَكُوا مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِهَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ رَجَاءَ أَنْ تُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا عُذِّبُوا عَلَى مَا كَانُوا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ تَحَسَّرُوا وَنَدِمُوا، قَالَ السُّدِّيُّ: تُرْفَعُ لَهُمُ الْجَنَّةُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَإِلَى بُيُوتِهِمْ فِيهَا لَوْ أطاعوا لله فَيُقَالُ لَهُمْ: تِلْكَ مَسَاكِنُكُمْ لَوْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ حِينَ يَنْدَمُونَ وَيَتَحَسَّرُونَ {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] [168] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] نَزَلَتْ فِي ثَقِيفٍ وَخُزَاعَةَ وَعَامِرِ

قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق

ابن صَعْصَعَةَ، وَبَنِي مُدْلِجٍ فِيمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، وَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ، فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ الشَّرْعُ. طَيِّبًا، قِيلَ: مَا يُسْتَطَابُ وَيُسْتَلَذُّ، وَالْمُسْلِمُ يَسْتَطِيبُ الحلال، ويخاف الحرام، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168] آثاره وزلاته، وقيل: هي النذور فِي الْمَعَاصِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُحَقَّرَاتُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طُرُقُهُ، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] بين الْعَدَاوَةِ، وَقَدْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَهُ بِإِبَائِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ وَغُرُورِهِ إِيَّاهُ، حَتَّى أخرجه من الجنة، ثُمَّ ذَكَرَ عَدَاوَتَهُ فَقَالَ: [169] {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} [البقرة: 169] أَيْ: بِالْإِثْمِ، وَأَصْلُ السُّوءِ مَا يَسُوءُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ سَاءَ يسوء سوءًا وَمَسَاءَةً، أَيْ: أَحْزَنَهُ، وسوَّأته فَسَاءَ أي: حزَّنته فحزن، {وَالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 169] الْمَعَاصِي وَمَا قَبُحَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَحْشَاءُ مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَالسُّوءُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا حَدَّ فِيهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الزِّنَا، وَقِيلَ: هِيَ الْبُخْلُ، {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] من تحريم الحرث والأنعام. [170] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا} [البقرة: 170] أَيْ: مَا وَجَدْنَا {عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [البقرة: 170] مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ عائدتان إِلَى النَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا} [البقرة: 168] و (مَا أَلْفَيْنَا) مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، قَالَ تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} [البقرة: 170] أَيْ: كَيْفَ يَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ، وَآبَاؤُهُمْ {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} [البقرة: 170] ؟ الواو فِي (أَوَلَوْ) وَاوُ الْعَطْفِ، وَيُقَالُ لها أيضًا: وَاوُ التَّعَجُّبِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ لِلتَّوْبِيخِ، وَالْمَعْنَى: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، لَفْظُهُ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ، أَيْ: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِلُونَ أمر الدنيا، {وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ جل ذكره. [قوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ] بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. . . [171] {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ} [البقرة: 171] وَالنَّعِيقُ وَالنَّعْقُ: صَوْتُ الرَّاعِي بِالْغَنَمِ، مَعْنَاهُ: مَثَلُكَ يَا مُحَمَّدُ وَمَثَلُ الْكُفَّارِ فِي وَعْظِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَثَلِ الرَّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالْغَنَمِ، وَقِيلَ: مَثَلُ وَاعِظِ الْكُفَّارِ وَدَاعِيهِمْ مَعَهُمْ كَمَثَلِ الرَّاعِي يَنْعِقُ بِالْغَنَمِ وَهِيَ لَا تسمع، {إِلَّا دُعَاءً} [البقرة: 171] صوتا {وَنِدَاءً} [البقرة: 171] فَأَضَافَ الْمَثَلَ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يُوسُفَ: 82] مَعْنَاهُ كَمَا أَنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُ صَوْتَ الرَّاعِي وَلَا تَفْهَمُ وَلَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِوَعْظِكَ إِنَّمَا يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وَفَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، كَمَثَلِ الْمَنْعُوقِ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ مِنَ الْأَمْرِ والنهي إلا الصوت وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَاءِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ وَلَا تَعْقِلُ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ، فَلَا يُنْتَفَعُ مِنْ نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي غِنَاءٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَالنِّدَاءِ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُعَاءِ الْآلِهَةِ وَعِبَادَتِهَا إِلَّا الْعَنَاءُ وَالْبَلَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فَاطِرٍ: 14] وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَاءِ الْأَوْثَانِ، كَمَثَلِ الَّذِي يَصِيحُ فِي جَوْفِ الْجِبَالِ، فَيَسْمَعُ صَوْتًا يقال له الصداء لَا يَفْهَمُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ مِنْهُ النَّاعِقُ إِلَّا دعاء ونداء. {صُمٌّ} [البقرة: 171] تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ ولا يعمل: كأنه أصم، {بُكْمٌ} [البقرة: 171] عَنِ الْخَيْرِ لَا يَقُولُونَهُ، {عُمْيٌ} [البقرة: 171] عَنِ الْهُدَى، لَا يُبْصِرُونَهُ، {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] [172] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} [البقرة: 172]

: حلالات {مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البقرة: 172] عَلَى نِعَمِهِ، {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] ثُمَّ بَيَّنَ الْمُحَرَّمَاتِ فَقَالَ: [173] {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: 173] الميتة: كُلُّ مَا لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ مما يذبح {وَالدَّمَ} [البقرة: 173] أراد به الدم الجاري وَاسْتَثْنَى الشَّرْعُ مِنَ الْمَيْتَةِ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ، وَمِنَ الدَّمِ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ فأحلها، {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173] أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ لِأَنَّهُ مُعْظَمُهُ، {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173] أَيْ: مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَكَانُوا إِذَا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِذِكْرِهَا، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ وَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِالتَّسْمِيَةِ: مُهِلٌّ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) قَالَ: مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ الله، {فَمَنِ اضْطُرَّ} [البقرة: 173] معناه فمن اضطر إلى أكل الميتة، أَيْ: أُحْوِجَ وَأُلْجِئَ إِلَيْهِ، {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة: 173] أَصْلُ الْبَغْيِ: قَصْدُ الْفَسَادِ، يُقَالُ: بَغَى الْجُرْحُ يَبْغِي بَغْيًا إِذَا تَرَامَى إِلَى الْفَسَادِ، وَأَصْلُ الْعُدْوَانِ: الظُّلْمُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، يُقَالُ: عَدَا عَلَيْهِ عَدْوًا وَعُدْوَانًا إِذَا ظَلَمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة: 173] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرَ بَاغٍ أَيْ: غير خَارِجٍ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلَا عَادٍ: متعد، عَاصٍ بِسَفَرِهِ، بِأَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ لِفَسَادٍ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ حَتَّى يتوب، وبه قال الشافعي، لأن إباحة الميتة لَهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَغْيَ وَالْعُدْوَانَ رَاجِعَانِ إِلَى الْأَكْلِ، وَاخْتَلَفُوا في تفصيله، وقال الحسن وقتادة: غير باغ بأكله مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ، وَلَا عَادٍ، أَيْ: لَا يَعْدُو لِشِبَعِهِ، وَقِيلَ: غَيْرَ بَاغٍ أَيْ: غَيْرَ طَالِبِهَا وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهَا، وَلَا عَادٍ أَيْ: غَيْرَ مُتَعَدٍّ مَا حُدَّ له، فيأكل حَتَّى يَشْبَعَ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهَا قُوتًا مِقْدَارَ مَا يَمْسِكُ رَمَقَهُ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: غَيْرَ بَاغٍ أَيْ مُسْتَحِلٍّ لَهَا، وَلَا عَادٍ أَيْ مُتَزَوِّدٍ مِنْهَا، وَقِيلَ: غَيْرَ بَاغٍ أَيْ غَيْرَ مُجَاوِزٍ لِلْقَدْرِ الَّذِي أُحِلَّ لَهُ، وَلَا عَادٍ أَيْ لَا يُقَصِّرُ فِيمَا أبيح له فيدعه {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 173] لِمَنْ أَكَلَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ {رَحِيمٌ} [البقرة: 173] حَيْثُ رَخَّصَ لِلْعِبَادِ فِي ذَلِكَ. [174] قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174] يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ، {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} [البقرة: 174] أي: بالمكتوم {ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 174] أَيْ: عِوَضًا يَسِيرًا، يَعْنِي: الْمَآكِلَ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْ سَفَلَتِهِمْ {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [البقرة: 174] يَعْنِي: إِلَّا مَا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى النَّارِ وَهُوَ الرِّشْوَةُ وَالْحَرَامُ وَثَمَنُ الدِّينِ، فَلَمَّا كَانَ يُفْضِي ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَكَأَنَّهُمْ أَكَلُوا النَّارَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا فِي

قوله تعالى ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق

بُطُونِهِمْ، {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174] أَيْ: لَا يُكَلِّمُهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَبِمَا يَسُرُّهُمْ، إِنَّمَا يُكَلِّمُهُمْ بِالتَّوْبِيخِ، وَقِيلَ: أراد به أن يَكُونُ عَلَيْهِمْ غَضْبَانَ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ غَضْبَانَ، {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 174] أَيْ: لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ الذنوب، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] [175] {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] قَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: هو (ما) الاستفهام مَعْنَاهُ: مَا الَّذِي صَبَّرَهُمْ عَلَى النار؟ وأي شيء صبرهم عَلَى النَّارِ حَتَّى تَرَكُوا الْحَقَّ واتبعوا الباطل؟ قال الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ صَبْرٍ، وَلَكِنْ مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إلى النار؟ وقال الكسائي: فما أصبرهم على أَهْلِ النَّارِ، أَيْ: مَا أَدْوَمَهُمْ عليه. [قوله تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ] وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. . . . [176] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 176] يَعْنِي: ذَلِكَ الْعَذَابَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَأَنْكَرُوهُ وَكَفَرُوا بِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ (ذَلِكَ) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، مَعْنَاهُ: فِعْلُنَا ذَلِكَ بِهِمْ (بِأَنَّ اللَّهَ) ، أَيْ: لِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ذَلِكَ أَيْ فِعْلُهُمُ الذين يَفْعَلُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاخْتِلَافِ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [الْبَقَرَةِ: 6 - 7] {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} [البقرة: 176] فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] أَيْ: فِي خِلَافٍ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ. [177] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177] البر: كُلُّ عَمَلِ خَيْرٍ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَنَى بها اليهود والنصارى، وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، ذلك أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصَلَّى الصَّلَاةَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَتِ الْفَرَائِضُ، وَحُدِّدَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: (لَيْسَ الْبِرَّ) ، أَيْ: كُلُّهُ أَنْ تُصَلُّوا قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا تَعْمَلُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْبِرَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الآية، وقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177] اختلفوا فِي وَجْهِهِ، قِيلَ: لَمَّا وَقَعَ (من) في موقع الْمَصْدَرِ جَعَلَهُ خَبَرًا لِلْبِرِّ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الِاسْمَ خَبَرًا لِلْفِعْلِ وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ [بِرُّ] ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْأَوَّلِ عَنِ الثَّانِي، كَقَوْلِهِمُ: الْجُودُ حَاتِمٌ، أَيِ: الْجُودُ جُودُ حَاتِمٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 163] أَيْ: ذُو [و] ، دَرَجَاتٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] أَيْ: لِلْمُتَّقِي، والمراد من البر ههنا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى، {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 177] كلهم {وَالْكِتَابِ} [البقرة: 177] يعني: الكتب المنزلة، {وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] أجمع، {وَآتَى الْمَالَ} [البقرة: 177] أعطى المال، {عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَالِ، أَيْ: أَعْطَى الْمَالَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ الْمَالَ وقيل: هي عائدة إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ: عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى، {ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177] أهل القرابة {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [البقرة: 177] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ يَمُرُّ عَلَيْكَ، وَيُقَالُ لِلْمُسَافِرِ: ابْنُ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ الطَّرِيقَ، وَقِيلَ: هُوَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ {وَالسَّائِلِينَ} [البقرة: 177] يعني: الطالبين {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177] يَعْنِي: الْمُكَاتِبِينَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: عِتْقُ النَّسَمَةِ وَفَكُّ الرَّقَبَةِ، وَقِيلَ: فِدَاءُ الْأُسَارَى، {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177] وأعطى الزكاة {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} [البقرة: 177] فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، {إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177] يَعْنِي: إِذَا وَعَدُوا أَنْجَزُوا، وَإِذَا حَلَفُوا وَنَذَرُوا أَوْفَوْا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْفَوْا، وَإِذَا قَالُوا صَدَقُوا وَإِذَا ائتُمنوا أدَّوا. وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ قَوْلِهِ: (وَالْمُوفُونَ) ، قِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى خَبَرٍ، مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ، وَقِيلَ تقديره: هم الْمُوفُونَ، كَأَنَّهُ عدَّ أَصْنَافًا ثُمَّ قَالَ: هُمْ وَالْمُوفُونَ كَذَا، وَقِيلَ على رفع الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، يَعْنِي: وَهُمُ الْمُوفُونَ، ثم قال: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ} [البقرة: 177] أي الشدة والفقر {وَالضَّرَّاءِ} [البقرة: 177] المرض والزمانة، {وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177] أي القتال والحرب {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} [البقرة: 177] فِي إِيمَانِهِمْ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] محارم الله. [178] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 178] أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ، {فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] وَالْقِصَاصُ: الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالدِّيَاتِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَصَّ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعَهُ، فَالْمَفْعُولُ بِهِ يَتْبَعُ مَا فُعِلَ بِهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُمَاثَلَةَ فَقَالَ: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة: 178] وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَكَافَأَ الدَّمَانِ مِنَ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْعَبِيدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْأَحْرَارِ مِنَ الْمُعَاهِدِينَ، أَوِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ، قُتِلَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمُ، الذَّكَرُ إِذَا قُتِلَ بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى وَتُقْتَلُ الْأُنْثَى إِذَا قَتَلَتْ بِالْأُنْثَى وَبِالذَّكَرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلَا وَالِدٌ بِوَلَدٍ وَلَا مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بعدهم، وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، وَإِلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] أَيْ تُرِكَ لَهُ وَصُفِحَ عَنْهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَرَضِيَ بِالدِّيَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالُوا: الْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَخِيهِ) أَيْ: مِنْ دَمِ أَخِيهِ، وَأَرَادَ بِالْأَخِ: الْمَقْتُولَ، وَالْكِنَايَتَانِ فِي قَوْلِهِ (له) و (مِنْ أَخِيهِ) ، تَرْجِعَانِ إِلَى (مَنْ) وَهُوَ الْقَاتِلُ، وَقَوْلُهُ: (شَيْءٌ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ إِذَا عَفَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ قَدْ بَطَلَ. قَوْلُهُ تعالى {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178] أَيْ: عَلَى الطَّالِبِ لِلدِّيَةِ أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا يُطَالِبُ بِأَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ، {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] أَيْ: عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَدَاءُ الدِّيَةِ بِالْإِحْسَانِ مِنْ غَيْرِ مُمَاطَلَةٍ، أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِحْسَانِ في ما له وعليه {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ كَانَ حَتْمًا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُ الدِّيَةِ، وَكَانَ فِي شَرْعِ النَّصَارَى الدِّيَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ

قوله تعالى فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه

القصاص، فخيّر الله هَذِهِ الْأُمَّةَ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ تَخْفِيفًا مِنْهُ وَرَحْمَةٌ، {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} [البقرة: 178] فَقَتَلَ الْجَانِيَ بَعْدَ الْعَفْوِ وَقَبُولِ الدية، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] وهو أَنْ يُقْتَلَ قِصَاصًا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ حَتَّى لَا يقبل بعد العفو. [179] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] أَيْ: بَقَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِلْقَتْلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَل يُقتل، يَمْتَنِعُ عَنِ الْقَتْلِ، فَيَكُونُ فِيهِ بَقَاؤُهُ وَبَقَاءُ مَنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ، وَقِيلَ مَعْنَى الْحَيَاةِ: سَلَامَتُهُ مِنْ قِصَاصِ الْآخِرَةِ، فإنه إذا اقتُص منه في الدنيا حيي فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا لَمْ يُقتص مِنْهُ فِي الدُّنْيَا اقتُص مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ، {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] أَيْ تَنْتَهُونَ عَنِ الْقَتْلِ مَخَافَةَ القَود. [180] قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 180] أَيْ: فُرض عَلَيْكُمْ، {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: 180] أي: جاء أَسْبَابُ الْمَوْتِ وَآثَارُهُ مِنَ الْعِلَلِ والأمراض، {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [الْبَقَرَةِ: 180] أَيْ: مَالًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [الْبَقَرَةِ: 272] {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فَرِيضَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ، ثُمَّ نُسخت بآية الميراث قوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180] يُرِيدُ: يُوصِي بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يُوصي لِلْغَنِيِّ وَيَدَعُ الْفَقِيرَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْوَصِيَّةُ لِلْأَخَلِّ فَالْأَخَلِّ، أَيِ: الْأَحْوَجِ فالأحوج {حَقًّا} [البقرة: 180] نُصب عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَفْعُولِ، أَيْ: جعلَ الوصيةَ حَقًّا، {عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] المؤمنين. [قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ] عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. . . [181] قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} [البقرة: 181] أي: غيّر الوصيةَ عن الْأَوْصِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الشُّهُودِ، {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} [البقرة: 181] أي: بعد ما سمع قول الموصي {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181] والميتُ بَرِيءٌ مِنْهُ {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 181] لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي، {عَلِيمٌ} [البقرة: 181] بِتَبْدِيلِ المُبدِّل أَوْ سَمِيعٌ لِوَصِيَّتِهِ عليم بنيته. [182] قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ} [البقرة: 182] أي علم {مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} [الْبَقَرَةِ: 182] أَيْ: جَورًا وَعُدُولًا عَنِ الْحَقِّ، والجنفُ: الميلُ، {أَوْ إِثْمًا} [البقرة: 182] أي: ظلمًا، وقال السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: الجَنَفُ: الْخَطَأُ، والإثم: العمد، فأصلح بينهم، {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 182] وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصي فَرَآهُ يَمِيلُ إِمَّا بِتَقْصِيرٍ أَوْ إِسْرَافٍ أَوْ وَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَاهُ عن الجنف، فينظر للموصَى له والورثة، وقال الآخرون: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ الميتُ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ جَارَ مُتَعَمِّدًا فَلَا حَرَجَ عَلَى وَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ وَالِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصلح بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، وَيَرُدَّ الوصيةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: لا حَرَجَ عَلَيْهِ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 182] [183] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] أي: فُرض وأُوجب الصوم، وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ، يُقال: صَامَ النَّهَارُ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بلغت كبد السماء كأنها وقفت وأمسكت عن السير سريعة، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مَرْيَمَ: 26] أَيْ: صَمْتًا لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: الصَّوْمُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ. {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] من الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّشْبِيهِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبير: كَانَ صَوْمُ مَنْ قَبَلْنَا مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، كَمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَرَادَ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّصَارَى، كَمَا فُرض عَلَيْنَا، فَرُبَّمَا كَانَ يَقَعُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَضُرُّهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ

رَأْيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبِيعِ وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا فَصَارَ أربعين ثم أتموه خمسين يومًا {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] يَعْنِي: بِالصَّوْمِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التَّقْوَى، لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ: (لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) تَحْذَرُونَ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْأَكْلِ والشرب والجماع. [184] {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] قِيلَ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَاجِبًا، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَصَامُوا كَذَلِكَ مِنَ الرَّبِيعِ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ نُسخ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا نُسخ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَمْرُ الْقِبْلَةِ وَالصَّوْمِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) : شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَنَصَبَ (أَيَّامًا) عَلَى الظَّرْفِ، أي: في أيام مَعْدُودَاتٍ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} [البقرة: 184] أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، وَالْعَدَدُ وَالْعِدَّةُ وَاحِدٌ، مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَيْ غير أيام مرضه وسفره {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة: 184] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وحُكمها، فَذَهَبَ أْكثرهم إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مُخيرين بَيْنَ أَنْ يصوموا وبين أن يفطروا أو يفتدوا، خَيّرهم اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يَشُقّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ، ثُمَّ نُسخ التَّخْيِيرَ وَنَزَلَتِ الْعَزِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] قال قَتَادَةُ: هِيَ خَاصَّةٌ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، رُخِّصَ لَهُ فِي أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ، ثُمَّ نُسِخَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا فِي الْمَرِيضِ الَّذِي بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلصَّوْمِ، خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ وبين أن يفطر أو يفدي، ثُمَّ نُسخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وثبتت الرخصةُ للذين يُطيقون، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَمَعْنَاهُ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ فِي حال الشباب فعجزوا عنه في حال الكِبَر فَعَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ بَدَلَ الصَّوْمِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَعَلَي الَّذِين يُطَوَّقُونَه) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ: يُكلّفون الصَّوْمَ، وَتَأْوِيلُهُ: عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرجى زَوَالُ مَرَضِهِ، فَهُمْ يُكلفون الصَّوْمَ وَلَا يُطيقونه، فَلَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا ويُطعموا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبير، وَجَعَلَ الآيةَ مُحْكَمَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مُضَافًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَائِدَةِ: (كَفَّارَةٌ طَعَامُ مساكين) ، أَضَافَ الْفِدْيَةَ إِلَى الطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9] وَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَرَبِيعُ الْأَوَّلِ، وَقَرَأَ الآخرون (فديةٌ، وكفارةٌ) منونة، (وطَعَامُ) رُفِعَ، وَقَرَأَ (مَساكِين) بِالْجَمْعِ هُنَا، أهل المدينة والشام، وآخرون عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمَنْ جَمَعَ نَصَبَ النُّونَ، وَمَنْ وَحَّدَ خَفَضَ النُّونَ وَنَوَّنَهَا، وَالْفِدْيَةُ الْجَزَاءُ وَيَجِبُ أَنْ يُطْعِمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنَ الطَّعَامِ بِمُدّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نصف صاع من قمح أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: مَا كَانَ الْمُفْطِرُ يَتَقَوَّتُهُ يومَهُ الَّذِي أَفْطَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ عشاءَهُ وسُحورَه، {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184] أَيْ زَادَ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فَأَطْعَمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَقِيلَ: مَنْ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَأَعْطَى صَاعًا وَعَلَيْهِ مُدّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] فمن

ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ قَالَ مَعْنَاهُ: الصَّوْمُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْفِدْيَةِ، وَقِيلَ هَذَا فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَيَّامَ الصيام فقال: [185] {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185] رَفْعُهُ عَلَى مَعْنَى: هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ كُتب عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وسُمي الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ، وَأَمَّا رَمَضَانُ فَقَدْ قَالَ مجاهد: هو مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ: شَهْرُ رَمَضَانَ كَمَا يُقَالُ شَهْرُ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ سُمي بِهِ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ، وَهُمْ كَانُوا يَصُومُونَهُ في الحر الشديد، وكانت ترمض فيه الحجارة من الْحَرَارَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] سُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ السُّوَرَ وَالْآيَ وَالْحُرُوفَ، وَجُمِعَ فِيهِ الْقَصَصُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَأَصْلُ القَرْء: الْجَمْعُ، وَقَدْ يُحْذَفُ الهمزة فَيُقَالُ: قَرَيْتَ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إِذَا جَمَعْتَهُ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ القرَان بِفَتْحِ الرَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ الشَّافِعِيُّ، وَيَقُولُ: لَيْسَ هُوَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْكِتَابِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، رُوي عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئل عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] وَقَوْلِهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [الْقَدْرِ: 1] وَقَوْلِهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدُّخَانِ: 3] وَقَدْ نزل في سائر الشهور، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} [الْإِسْرَاءِ: 106] فَقَالَ: أُنْزِلُ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الْوَاقِعَةِ: 75] قَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] أمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ جَبْرَائِيلُ كَانَ يُعَارِضُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - فِي رَمَضَانَ مَا أَنزل الله إِلَيْهِ، فيُحكم اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ ويُنسيه مَا يشاء قوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185] من الضلالة، و (هدًى) في محل النصب عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْرِفَةٌ وَهُدًى نَكِرَةٌ {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى} [البقرة: 185] أَيْ دَلالاتٍ وَاضِحَاتٍ مِنَ الْحَلَالِ والحرام، والحدود والأحكام، {وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] أَيِ: الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] أَيْ: فَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي الحضر فأدركه الشهر. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] أَبَاحَ الْفِطْرَ لِعُذْرِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، أعاد هَذَا الْكَلَامَ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ فِي النَّاسِخِ ثُبُوتَهُ في المنسوخ {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185] بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] قال

قوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب

الشَّعْبِيُّ مَا خُيِّر رجلٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجلّ {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} [البقرة: 185] الواو في قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا وَاوُ النَّسق وَاللَّامُ لَامُ كَيْ، تَقْدِيرُهُ: وَيُرِيدُ لِكَيْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَيْ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ أَيَّامِ الشَّهْرِ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرْتُمْ فِي مَرَضِكُمْ وسفركم، وقال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) ، أي: عدة أيام الشهر، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} [البقرة: 185] وَلِتُعَظِّمُوا اللَّهَ، {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] أرشدكم إلى ما أرضى بِهِ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَصَّكُمْ بِهِ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ تكبيرات ليلة الفطر، وروى الشافعي عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ أنه كَانُوا يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، وَشَبَّهَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِهَا إلا من كان حاجًّا وذكرُه التلبية، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] الله على نعمه. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ] دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [186] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] فيه إِضْمَارٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِ لَا يخفى علي شيء {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البقرة: 186] قِيلَ: الِاسْتِجَابَةُ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ، أَيْ: فليجيبوا إلي بِالطَّاعَةِ، وَالْإِجَابَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ وَإِعْطَاءُ مَا سُئِلَ، فَالْإِجَابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْعَطَاءُ، وَمِنَ الْعَبْدِ: الطاعة: وقيل فليستجيبوا إلي، أَيْ: لِيَسْتَدْعُوا مِنِّي الْإِجَابَةَ، وَحَقِيقَتُهُ فَلْيُطِيعُونِي. {وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] لِكَيْ يَهْتَدُوا، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) وقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وقد ندعو كَثِيرًا فَلَا يُجِيبُ؟ قُلْنَا: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَتَيْنِ، قِيلَ: مَعْنَى الدعاء ههنا: الطَّاعَةُ، وَمَعْنَى الْإِجَابَةِ؟ الثَّوَابُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَتَيْنِ خَاصٌّ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُمَا عَامًّا تَقْدِيرُهُمَا: أجيبُ دَعْوَةَ الداعي إِنْ شِئْتُ، كَمَا قَالَ: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام: 41] وأجيبُ دعوةَ الداع إِنْ وَافَقَ الْقَضَاءَ، أَوْ أُجِيبُهُ إِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ خَيْرًا لَهُ، أَوْ أُجِيبُهُ إِنْ لَمْ يَسْأَلْ محالًا وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُجِيبُ، أَيْ: أَسْمَعُ، وَيُقَالُ. لَيْسَ في الآية أكثر من استجابة الدَّعْوَةِ، فَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمُنْيَةِ فَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِيهَا، وَقَدْ يُجِيبُ السيدُ عَبْدَهُ والوالِدُ وَلَدَهُ ثُمَّ لَا يُعطيه سُؤْلَهُ، فَالْإِجَابَةُ كَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ حُصُولِ الدَّعْوَةِ، وَقِيلَ: معنى الآية أنه يُجيب دعاءَه فَإِنْ قَدَّرَ لَهُ مَا سأل أعطاه وإن لم يُقدِّر لَهُ ادَّخَرَ لَهُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ أَوْ كَفَّ عَنْهُ بِهِ سوءًا. وَقِيلَ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجيب دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ فِي الْوَقْتِ، ويُؤخر إعطاء من يجيب مرادَه لِيَدْعُوَهُ فَيَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَيُعَجِّلُ إِعْطَاءَ مَنْ لَا يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ يَبْغَضُ صَوْتَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ لِلدُّعَاءِ آدَابًا وَشَرَائِطَ وَهِيَ أَسْبَابُ الْإِجَابَةِ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِجَابَةِ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، فلا يستحق الإجابة. [187] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، قَالَ ابن عباس: إن الله حيي كريم يكني، كلما ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ، فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يريده الرجال من النساء، أَيْ: أُبِيحُ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} [البقرة: 187] أَيْ سَكَنٌ لَكُمْ، {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] أيْ: سَكَنٌ لَهُنَّ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الْأَعْرَافِ: 189] وَقِيلَ: لَا يَسْكُنُ شيء إلى شَيْءٌ كَسُكُونِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسًا لِتَجَرُّدِهِمَا عِنْدَ النَّوْمِ وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، حَتَّى يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَالثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُنَّ فِرَاشٌ وَقِيلَ: اللِّبَاسُ اسْمٌ لِمَا يُواري الشَّيْءَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتْرًا لِصَاحِبِهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «منْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» ، {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187]

أَيْ تَخُونُونَهَا وَتَظْلِمُونَهَا بِالْمُجَامَعَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، قَالَ البَراء: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ، كَانُوا لَا يقرَبُون النساء كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 187] تجاوز عنكم {وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة: 187] مَحَا ذُنوبَكم، {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] جَامِعُوهُنَّ حَلَالًا، سُمِّيَتِ الْمُجَامَعَةُ: مُبَاشَرَةً، لملاصقة بشرة كل واحد منهما صاحبه، {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] أَيْ: فَاطْلُبُوا مَا قَضَى اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ: مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، يَعْنِي: الْوَلَدَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتَغُوا الْوَلَدَ إِنْ لَمْ تَلِدْ هَذِهِ فَهَذِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: وَابْتَغُوا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187] يَعْنِي فِي لَيَالِي الصَّوْمِ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] يَعْنِي: بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ: سُمّيا خَيْطَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْدُو فِي الِابْتِدَاءِ ممتدًّا كالخيط، {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فَالصَّائِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَيَمْتَدُّ إِلَى غروب الشمس، وإذا غربت حصل الفطر {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] العكوف هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالِاعْتِكَافُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة: 187] يَعْنِي: تِلْكَ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ حُدُودُ اللَّهِ: أَيْ: مَا مَنَعَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ السُّدِّيُّ: شُرُوطُ اللَّهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: فَرَائِضُ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْحَدِّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ يُقال لِلْبَوَّابِ: حَدَّادٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وَحُدُودُ الله ما يمنع النَّاسَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا، {فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] فلا تأتوها {كَذَلِكَ} [البقرة: 187] هَكَذَا {يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] لِكَيْ يَتَّقُوهَا فَيَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ. [188] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] أَيْ: لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ وَأَصْلُ الْبَاطِلِ: الشَّيْءُ الذَّاهِبُ، وَالْأَكْلُ بِالْبَاطِلِ أَنْوَاعٌ قَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ وَالنَّهْبِ، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللَّهْوِ كالقمار وأجرة المغني، وغيرهما وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ، {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] أَيْ: تُلقوا أُمُورَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَرْبَابِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، وَأَصْلُ الْإِدْلَاءِ إِرْسَالُ الدَّلْوِ، وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْبِئْرِ، يُقال أَدْلَى دَلْوَهُ إِذَا أَرْسَلَهُ، وَدَلَاهُ يَدْلُوهُ إِذَا أَخْرَجَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَجْحَدُ الْمَالَ، ويخاصم فيه الْحَاكِمِ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ أَثِمَ بِمَنْعِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا تُخَاصِمْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ هُوَ أَنْ يُقِيمَ شَهَادَةَ الزُّورِ، وَقَوْلُهُ: (وَتُدْلُوا) فِي مَحَلِّ الْجَزْمِ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ النَّهْيِ، مَعْنَاهُ: وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِالْبَاطِلِ وَتَنْسِبُونَهُ إِلَى الْحُكَّامِ، قَالَ قَتَادَةُ: لَا تُدْلِ بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ ظَالِمٌ فَإِنَّ قضاءَه لَا يُحل حَرَامًا، وَكَانَ شُريح الْقَاضِي يَقُولُ: إِنِّي لَأَقْضِي لَكَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ ظَالِمًا، وَلَكِنْ لَا يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَقْضِيَ لك بِمَا يَحْضُرُنِي مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّ قَضَائِي لَا يُحل لَكَ حَرَامًا، {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا} [البقرة: 188] طَائِفَةً {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 188] بِالظُّلْمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْيَمِينِ الكاذبة يقتطع بِهَا مَالَ أَخِيهِ {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] أنكم مبطلون. [189] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: 189] جَمْعُ هِلَالٍ، مِثْلُ رِدَاءٍ وَأَرْدِيَةٍ، سُمّي هِلَالًا لِأَنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، مِنْ

قوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم

قَوْلِهِمُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَرَخَ حِينَ يُولد، وَأَهَلَّ الْقَوْمُ بِالْحَجِّ إِذَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] جَمْعُ مِيقَاتٍ، أَيْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَوْقَاتَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَآجَالَ الدُّيُونِ وَعَدَدَ النِّسَاءِ وَغَيْرَهَا، فَلِذَلِكَ خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ دَائِمَةٌ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، لَمْ يَدْخُلْ حَائِطًا وَلَا بَيْتًا وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ نَقَبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بيت لِيَدْخُلَ مِنْهُ وَيَخْرُجَ، أَوْ يَتَّخِذَ سُلّمًا فَيَصْعَدَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ وَلَا يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الحُمْسِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وثَقيف وخَثعم وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعة وبنو نضر بن معاوية، سُموا أحمسًا لِتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَالْحَمَاسَةُ الشِّدَّةُ وَالصَّلَابَةُ «فَدَخْلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَدَخْلَ رَجُلٌ من الأنصار عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْبَابِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم: "لمَ دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ " قَالَ: رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم: "إني أحمسي» (¬1) فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنْ كُنْتَ أَحْمَسِيًّا فَإِنِّي أَحْمَسِيٌّ رضيتُ بِهَدْيِكَ وَسَمْتِكَ وَدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآية: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: 189] أَيِ: البِرَّ بِرّ مَنِ اتَّقَى {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189] فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] [190] {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 190] أَيْ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَمَرَ الله تعالى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نزلتْ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يقاتلوا بقوله: (اقتلوا الْمُشْرِكِينَ) ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بها، وقيل: نسخ بقوله: (اقتلوا الْمُشْرِكِينَ) قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ آيَةً. وقوله: {وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] أي لا تبدؤوهم بِالْقِتَالِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم - بِقِتَالِ الْمُقَاتِلِينَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا تَعْتَدُوا، أَيْ: لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالرُّهْبَانَ، وَلَا مَنْ أَلْقَى إليكم السلام (ولاَ تَعتَدُوا) فَتَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ مُحْرِمِينَ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم] مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ. . . . . [191] {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: 191] قيل: نسخت ¬

(¬1) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وأبن المنذر انظر الدر المنثور للسيوطي 1 / 492 وتفسير الطبري 3 / 556.

الْآيَةُ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَصْلُ الثقافة الحِذْقُ والبصر بالأمر، ومعناه: واقتلوهم حيث أبصرتم مُقَاتَلَتَهُمْ وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ، {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة: 191] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ, {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] يَعْنِي: شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ، {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] كان هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، كَانَ لَا يَحِلُّ بِدَايَتُهُمْ بِالْقِتَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: قَوْلُهُ: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) ، أَيْ: حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الحِلّ وَالْحَرَمِ، صَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ فِي بَرَاءَةٌ، فَهِيَ نَاسِخَةٌ مَنْسُوخَةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ، {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191] [192] {فَإِنِ انْتَهَوْا} [البقرة: 192] عَنِ الْقِتَالِ وَالْكُفْرِ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 192] أَيْ غَفُورٌ لِما سلَفَ رَحِيمٌ بالعباد. [193] {وَقَاتِلُوهُمْ} [البقرة: 193] يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] أَيْ شِرْكٌ، يَعْنِي قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْوَثَنِيِّ إِلَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتل، {وَيَكُونَ الدِّينُ} [البقرة: 193] أي: الطاعة والعبادة {لِلَّهِ} [البقرة: 193] وحده فلا يُعبد شيء دونه {فَإِنِ انْتَهَوْا} [البقرة: 193] عَنِ الْكُفْرِ وَأَسْلَمُوا, {فَلَا عُدْوَانَ} [البقرة: 193] فَلَا سَبِيلَ {إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص: 28] أي: فلا سبيل علي، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، أَيْ: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا نَهْبَ وَلَا أَسْرَ وَلَا قَتْلَ، إِلَّا عَلى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الشِّرْكِ، وَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا، وَسَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ المجازات وَالْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشُّورَى: 40] وسُمي الْكَافِرُ ظَالِمًا لِأَنَّهُ يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. [194] {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 194] نزلت هذه الآية فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ بِالْحُدَيْبِيَةِ, فصالَح أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَامَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ الْعَامَ المقبل فَيَقْضِيَ عُمْرَتَهُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَهُ ذَلِكَ، وَرَجَعَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَقَضَى عُمْرَتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ) ، يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ مَكَّةَ، وَقَضَيْتُمْ فِيهِ عُمرتكم سَنَةَ سَبْعٍ, بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، يَعْنِي: ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي صُددتم فِيهِ عَنِ الْبَيْتِ سَنَةَ سِتٍّ {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]

قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله. . . .

جَمْعُ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ وَالْقِصَاصُ: الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ، وَهُوَ أَنْ يُفعل بِالْفَاعِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَقِيلَ: هَذَا فِي أَمْرِ الْقِتَالِ، مَعْنَاهُ إِنْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ قِصَاصٌ بِمَا فَعَلُوا فِيهِ، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] وقاتلوه {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] سُمي الْجَزَاءُ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشُّورَى: 40] {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] [195] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 195] أَرَادَ بِهِ الْجِهَادَ وَكُلَّ خَيْرٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ، {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [الْبَقَرَةِ: 195] قِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِأَيديكُم} [البقرة: 195] زَائِدَةٌ، يُريد: وَلَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، أَيْ: أَنْفُسَكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ عَبَّرَ عن الأنفس بالأيدي، كقوله تعالى: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشُّورَى: 30] أَيْ: بِمَا كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ: الْبَاءُ فِي مَوْضِعِهَا، وفيه، حذف، أي: ولا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَيِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ كُلُّ شَيْءٍ يَصِيرُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ، أَيْ: وَلَا تَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ التَّهْلُكَةُ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْهَلَاكُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلْإِنْسَانِ: ألقَى بِيَدِهِ إِلَّا فِي الشر، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي الْبُخْلِ وَتَرَكِ الْإِنْفَاقِ، يَقُولُ: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أنفقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَهْمٌ أَوْ مِشْقَص، وَلَا يَقُولَنَّ أحدُكم: إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا، وقال السدي فيها: أنفقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ عِقَالًا وَلَا تُلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا تقلْ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا أَمَرَ الله تعالى بالإنفاق قال رجال: أُمِرْنَا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْفَقْنَا أَمْوَالَنَا بَقِينَا فُقَرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مجاهد فيها: لا يمنعكم مِنْ نَفَقَةٍ فِي حَقٍّ خِيفةَ العيلة، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ رِجَالٌ يَخْرُجُونَ فِي الْبُعُوثِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يُقطع بِهِمْ وإما أن يكونوا عِيَالًا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ، فَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوتٍ فيُلقي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَالتَّهْلُكَةُ: أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ أَوْ بِالْمَشْيِ، وَقِيلَ: نزلت الْآيَةُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تعالى لمّا أعزّ وَنَصَرَ رَسُولَهُ، قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ وَنَصَرَ اللَّهُ نبيَّه فلو رجعنا إلى أهلنا وَأَمْوَالِنَا فَأَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [الْبَقَرَةِ: 195] فَالتَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَتُوُفِّيَ هناك وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْإِلْقَاءُ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ قَدْ هَلَكْتُ لَيْسَ لِي تَوْبَةٌ، فَيَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] [قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. . . .] [196] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] اختلفوا في إتمامها فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُتمَّهُمَا بمنَاسِكِهما وحدودِهما وَسُنَنِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ، وأَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ

أو التقصير، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ: تَمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تُحرم بهما مُفردَين مستأنَفَين من دُوَيْرِية أهلك وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَامُ العُمرة أَنْ تعمر فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أقام حتى حج فهي تمتعه، وعليه فيه الهَدي إِنْ وجدَه أَوِ الصِّيَامُ إنْ لَمْ يجِد الهَدْي، وَتَمَامُ الْحَجِّ أَنْ يُؤتي بِمَنَاسِكِهِ كُلِّهَا حتى لا يلزمه عمّا تَركَ دَمٌ بِسَبَبِ قِرَانٍ وَلَا متْعَةِ، وقال الضحاك: إتمامهما أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالًا وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ سفيان الثوري: إتمامهما أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ لَهُمَا، وَلَا تَخْرُجَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ أخرى. وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الإحْصَارِ الَّذِي يُبِيحُ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَانِعٍ يَمْنَعُهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى البيت الحرام والمضي فِي إِحْرَامِهِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ ضَلَالِ رَاحِلَةٍ يُبيح لَهُ التَّحَلُّلَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مسعود، وإبراهيم النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سفيان الثوري وأهل العراق، واحتجوا بما روي عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كُسر أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الحج من قابل» (¬1) وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يباح له التحليل إلَّا بِحَبْسِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لَا حَصْرَ إلا حصر العدو، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. ثُمَّ الْمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ وحلق الرأس، والهدي بشاة وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَمَحِلُّ ذَبْحِهِ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ الْهَدْيَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إِلَى الحَرَم ويُواعد مَنْ يَذْبَحُهُ هُنَاكَ ثُمَّ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ العراق. ومعنى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَيْ: فَعَلَيْهِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَمَحَلُّهُ رَفْعٌ، وَقِيلَ: (مَا) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، أَيْ: فاهد مَا اسْتَيْسَرَ، وَالْهَدْيُ جَمْعُ هَدِيَّةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُهدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ، وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْيُسْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَعْلَاهُ بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] اخْتَلَفُوا فِي الْمَحِلِّ الذيَ يَحِلُّ الْمُحْصَرُ بِبُلُوغِ هَدْيِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ذَبْحُهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الحَرم، وَمَعْنَى (محلَّه) حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحِلُّ هَدْيِ الْمُحْصَرِ: الحَرَم، فَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَمَحِلُّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَمَحِلُّهُ يَوْمَ يَبْلُغُ هَدْيُهُ الْحَرَمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] معناه لا تحلقوا رؤوسكم فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِلَّا أَنْ تَضْطَرُّوا إِلَى حَلْقِهِ لِمَرَضٍ أَوْ لِأَذًى فِي الرَّأْسِ مِنْ هَوَامٍّ أو صُداع {فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فدية يُطعم فَرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أو يهدي شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} [البقرة: 196] أَيْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، {أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] أَيْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ نُسُكٍ، وَاحِدَتُهَا نَسِيكَةٌ، أَيْ: ذَبِيحَةٌ أَعْلَاهَا بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهَا بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهَا شَاةٌ، أَيَّتَهَا شاءَ ذبحَ، فَهَذِهِ الْفِدْيَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ طَعَامٍ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ يَكُونُ بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِلَّا هَدْيًا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ فَإِنَّهُ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ يشاء، قوله تعالى: ¬

(¬1) رواه أبو داود في المناسك باب الإحصار 2 / 368، والترمذي في كتب الحج (96) ، باب ما جاء في الذي يُهل بالحج فيكسر أو يعرج، وأحمد 3 / 450، والمصنف في شرح السنة 7 / 288.

قوله تعالى الحج أشهر معلومات. . . . .

{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} [البقرة: 196] أي: من خوفكم وبرأتم مِنْ مَرَضِكُمْ، {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنْ أُحْصِرَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ فَقَدِمَ مكة يخرج من إحرام بِعَمَلِ عُمرة وَاسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ ذَلِكَ، فتلك العمرة إلى السنة المقبلة ثُمَّ حَجَّ، فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِذَلِكَ الْإِحْلَالِ إِلَى إِحْرَامِهِ الثَّانِي فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ فَإِذَا أَمِنْتُمْ وَقَدْ حَلَلْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ بَعْدَ الْإِحْصَارِ، وَلَمْ تَقْضُوا عمرتكم وَأَخَّرْتُمُ الْعُمْرَةَ إِلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ فَاعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَلَلْتُمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِإِحْلَالِكُمْ إِلَى الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمْتُمْ بِالْحَجِّ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مُعْتَمِرًا من أفق الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ مِنْهَا الْحَجَّ، فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَمَعْنَى التَّمَتُّعِ: هُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْعُمْرَةِ بِمَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ إِلَى إحرامه بالحج. {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [البقرة: 196] الهدي {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] أَيْ: صُومُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ بعدما أحرم بالحج جاز، وَلَا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ صوم الثلاثة في أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، يُروى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] أَيْ صُومُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ وَبَلَدِكُمْ، فَلَوْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] ذَكَرَهَا عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا كَانُوا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحِسَابِ فَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى فَضْلِ شَرْحٍ وَزِيَادَةِ بَيَانٍ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، يَعْنِي: فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، فَهِيَ عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّوْمِ بَدَلَ الهدي، وقيل كاملة شروطها وَحُدُودِهَا، وَقِيلَ: لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ: فَأَكْمِلُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا، {ذَلِكَ} [البقرة: 196] أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ، {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] وَاخْتَلَفُوا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَبِهِ قَالَ طاوس، وَقَالَ ابْنُ جُريج: أَهْلُ عَرَفَةَ والرجيع وضجنان، وقال الشافعي كُلُّ مَنْ كَانَ وَطَنُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْمِيقَاتِ فَمَا دُونَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، ودَمُ القِران كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَالْمَكِّيُّ إِذَا قَرَن أَوْ تمتع فلا هدي عليه {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 196] فِي أَدَاءِ الْأَوَامِرِ، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196] على ارتكاب المناهي. [قَوْلُهُ تَعَالَى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. . . . .] [197] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أَيْ: وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وَهِيَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، ويُروى عَنِ ابْنِ عُمَرَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ غير مختلف فيه، فَمَنْ قَالَ: عَشْرٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ اللَّيَالِي، وَمَنْ قَالَ تِسْعٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْأَيَّامِ، فَإِنَّ آخِرَ أَيَّامِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (أَشهُر) بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهِيَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ لِأَنَّهَا وَقْتٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الوقتَ تامًّا بقليله وكثيره، فيقول أَتَيْتُكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ،

وَإِنَّمَا أَتَاهُ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالْأَشْهُرِ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ وذا الحجة كمالًا لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْحَاجِّ أُمُورٌ بَعْدَ عَرَفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا مِثْلُ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى، فَكَانَتْ فِي حكم الحج، {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] أَيْ: فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الحج بالإحرام والتلبية {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [الْبَقَرَةِ: 197] اختلفوا فِي الرَّفَثِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ من الكلام قال طاوس: الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الرَّفَثُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ، أَمَّا الفسوق فقد قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَعَاصِي كلها، وهو قول طاوس وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ وَالْقُرَظِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مِنْ قتل الصيد وتقليم الأظفار وَأَخْذِ الْأَشْعَارِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ السِّبَابُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ هُوَ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [الْبَقَرَةِ: 197] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِدَالُ أَنْ يُمَارِيَ صَاحِبَهُ وَيُخَاصِمَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمُ: الْحَجُّ اليومَ وَيَقُولَ بَعْضُهُمُ: الْحَجُّ غَدًا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ فِي حَجّة الْوَدَاعِ وَقَدْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ» ، قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهُ عُمرة وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَهَذَا جِدَالُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أن موقفه موقف إبراهيم، فكانوا يجادلون فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَكُلٌّ يَقُولُ: مَا فَعَلْتُهُ فَهُوَ الصَّوَابُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) أَيِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْحَجِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ من بعد ذلك {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197] أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يُطْعِمُنَا، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، وَرُبَّمَا يُفضي بِهِمُ الْحَالُ إِلَى النَّهْبِ وَالْغَصْبِ، فَقَالَ الله جل ذكره: (وَتَزَوَّدُوا) أَيْ: مَا تَتَبَلَّغُونَ بِهِ وَتَكْفُونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ. الْكَعْكُ وَالزَّبِيبُ وَالسَّوِيقُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهَا، {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] مِنَ السُّؤَالِ وَالنَّهْبِ، {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] يَا ذَوِي الْعُقُولِ. [198] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] يعني: التجارة فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} [البقرة: 198] دَفَعْتُمْ، وَالْإِفَاضَةُ: دَفْعٌ بِكَثْرَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفَاضَ الرَّجُلُ ماءَه، أي: صبّه، {مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] هي جمع عرفة، جُمعت عرفة بِمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةً واحدة، كقولهم: ثوب أخلاق {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 198] بِالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ، {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] وهو مَا بَيْنَ جَبَلَيِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ مَرْمَى عَرَفَةَ إِلَى المُحسر، وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ ولا المحسّر من المشعر الحرام، وسُمي مَشْعَرًا مِنَ الشِّعَارِ، وَهِيَ

الْعَلَامَةُ لِأَنَّهُ مِنْ مَعَالِمَ الْحَجِّ، وَأَصْلُ الْحَرَامِ مِنَ الْمَنْعِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ أَنْ يُفْعَلَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤذن فِيهِ، وسُمي الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا لِأَنَّهُ يُجمع فِيهِ بَيْنَ صلاة المغرب والعشاء، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ تَكُونُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طلوعها من يوم النحر {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] أَيْ: وَاذْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ، كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهِدَايَةِ، فَهَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَمَنَاسِكِ حَجِّهِ، {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198] أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ، وَقِيلَ: وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 186] أَيْ: وَمَا نَظُنُّكَ إِلَّا مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: (مِن قَبلِه) رَاجِعَةٌ إِلَى الهُدى، وَقِيلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كناية عن غير مذكور. [199] قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا وَهُمُ الحُمس، يقعون بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ وقُطّان حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ سَائِرِ الْعَرَبِ بِعَرَفَاتٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الحُمس مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وإسماعيل عليهما السلام {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] [200] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] أَيْ: فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُم، أَيْ: ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نَسْكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى، {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 200] بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200] وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فَأَمَرَهُمُ الله بِذِكْرِهِ، وَقَالَ: (فَاذْكُرُونِي) فَأَنَا الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يَلْهَجُ بذكر أبيه لا يذكر غَيْرِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ، كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ، {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200] فَقِيلَ: قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ اليوم لا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] يعني: بل أشد، أي: وأكبر ذِكْرًا، {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} [البقرة: 200] أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إلا الدُّنْيَا {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200] من حَظٍّ وَنَصِيبٍ. [201]

قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات. . .

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الآخرة حسنة الجنة والحور العين، وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الجنة والنظر. وقال السدي وابن حيان: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً المغفرة والثواب، وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً، وَقَالَ عَوْفٌ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وَمَالًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخرة حسنة. [202] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ} [البقرة: 202] حظ {مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 202] من الخير والدعاء بالثواب والجزاء، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202] يعني: إذا حاسب عبده فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عقد يد، ولا وَعْي صدورٍ ولا إلى رُؤيةٍ وَلَا فِكْرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هو آت لا محالة فهو قريب. [قوله تعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ. . .] . . [203] قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 203] يَعْنِي التَّكْبِيرَاتِ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ، يُكَبَّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ، {فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ لِقِلَّتِهِنَّ، كَقَوْلِهِ: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يُوسُفَ: 20] وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ آخِرُهُنَّ يَوْمُ النَّحْرِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، ورُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وهي أيام التشريق وَالتَّكْبِيرُ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ وَغَيْرِ الْحَاجِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] أراد من نَفْرِ الْحَاجِّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وذلك أنه عَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى اللَّيْلَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، عِنْدَ كل جمرة بسبع حَصَيَاتٍ، وَرُخِّصَ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لرعاة الْإِبِلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، ثُمَّ كل من يرمي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ فَيَدَعَ الْبَيْتُوتَةَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ، وَرَمَى يَوْمَهَا فَذَلِكَ لَهُ وَاسِعٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وَمَنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ حَتَّى يَرْمِيَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ ثُمَّ ينفر، وقوله: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] يَعْنِي: لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي تَعْجِيلِهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا إثم عليه في تأخيره، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فَقَدْ تَرَخَّصَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالتَّرَخُّصِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ التَّرَخُّصِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: رَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ تعجل أو تأخر {لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203] أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُصِيبَ فِي حَجِّهِ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّهُ عنها، كَمَا قَالَ: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ» ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا جُعلت مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى فِي حَجِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ: لِمَنِ اتَّقَى الصَّيْدَ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يقتل صيدًا حتى تنقضي أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ذَهَبَ إئمه إِنِ اتَّقَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203] تجمعون في الآخرة يجزيكم بأعمالكم. [204] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شُريق الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، وَاسْمُهُ أُبي، وَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ لِأَنَّهُ خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -

قوله تعالى وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُجَالِسُهُ ويُظهر الْإِسْلَامَ، وَيَقُولُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْنِي مَجْلِسَهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204] أَيْ: تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ، ويُقال فِي الِاسْتِحْسَانِ: أَعْجَبَنِي كَذَا، وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ: عجبتُ مِنْ كَذَا، {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: 204] يعني: قول الأخنس الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] أَيْ: شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ: لددتَ يا هذا وأنت تَلدّ لددًا ولَدَادةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لدًّا وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ، فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ، والخِصام: مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً، قَالَهُ أبو عبيدة، وقال الزجاج: وهو جَمْعُ خَصْمٍ، يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وخُصوم: مِثْلُ: بَحْرٍ وَبِحَارٍ وبُحور، قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصَامِ، أَيْ: كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة. [205] {وَإِذَا تَوَلَّى} [البقرة: 205] أَيْ: أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ، {سَعَى فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 205] أَيْ: عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فيها ومشى، {لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة: 205] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205] وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَإِذَا تَوَلَّى، أَيْ: مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا سعَى فِي الْأَرْضِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ) قَالَ: إذا ولي يعمل بالعدوان والظلم، فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] أي: لا يرضى بالفساد. [قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ] بِالْإِثْمِ. . . . [206] قَوْلُهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} [البقرة: 206] أَيْ: خَف اللَّهَ، {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206] أي: حملته العزة، حمية الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ، أَيْ: بالظلم والعزة والتكبر وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ للِإثم الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ، قَوْلُهُ: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} [البقرة: 206] أي كافيه، {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] أَيِ: الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ لِلْعَبْدِ: اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بنفسك. [207] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207] أَيْ: لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] [208] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ النَّضِيرِيِّ

قوله تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية

وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ السَّبْتَ ويكرهون لحوم الإبل وألبانها بعد ما أَسْلَمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا فِي صَلَاتِنَا بِاللَّيْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَعْمَالِهِمْ كَافَّةً أَيْ: جَمِيعًا، وَقِيلَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِلَى مُنْتَهَى شَرَائِعِهِ كَافِّينَ عَنِ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وأصل السلم من الاستلام وَالِانْقِيَادِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: لِلصُّلْحِ سِلْمٌ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ فَعَدَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالْجِهَادَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: قَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 208] أَيْ: آثَارَهُ فِيمَا زَيَّنَ لَكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَلُحُومِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهِ، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208] [209] {فَإِنْ زَلَلْتُمْ} [البقرة: 209] ضَلَلْتُمْ، وَقِيلَ: مِلتم، يُقَالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ تَزِلُّ زَلَّا وزَلَلًا إِذَا دَحَضَتْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشِّرْكَ، قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ، فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فيه ليكون لديه الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209] أَيِ: الدّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتُ، {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} [البقرة: 209] في نقمته، {حَكِيمٌ} [البقرة: 209] فِي أَمْرِهِ، فَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَالْحَكِيمُ ذُو الْإِصَابَةِ فِي الْأَمْرِ. [210] قَوْلُهُ تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ} [البقرة: 210] أي: هل ينتظرون، التَّارِكُونَ الدخولَ فِي السِّلْمِ والمتّبِعون خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، يُقَالُ نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ بِذِكْرِ الْوَجْهِ أَوْ إِلَى، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ، {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ} [البقرة: 210] جمع ظُلة، {مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] وهو السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ سُمي غَمَامًا لِأَنَّهُ يَغُمُّ، أَيْ يَسْتُرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تيههم، وقال مقاتل: كهيئة الضبابة أَبْيَضُ، قَالَ الْحَسَنُ: فِي سُتْرَةٍ من الغمام، فلا ينظر إليهم أهل الأرض، قوله: {وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ، تَقْدِيرُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَقْبَلَ الْأَمِيرُ فِي الْعَسْكَرِ، أَيْ: مَعَ الْعَسْكَرِ، وَقَرَأَ الباقون الرفع عَلَى مَعْنَى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلل مِنَ الْغَمَامِ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وفيما شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أو يعتقد أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ، عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا مِنَ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفسر، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وأحمد وإسحاق، يقولون فيه وفي أمثاله: أمرها كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، قَالَ سفيان بن عُيينة: كلما وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نفسَه فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ: قراءتُه والسكوتُ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا الله تعالى ورسوله. وقوله تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [البقرة: 210] أَيْ: وَجَبَ الْعَذَابُ وفُرغ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ فَصْلُ اللَّهِ الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الجيم. [قَوْلُهُ تَعَالَى سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ] بَيِّنَةٍ. . . . [211] قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 211] أَيْ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ يَهُودَ المدينة: {كَمْ آتَيْنَاهُمْ} [البقرة: 211] أَعْطَيْنَا آبَاءَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ، {مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211] دَلَالةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِثْلَ الْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: معناه الدلالات التي آَتاهم الله فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَمَنْ يُبَدِّلْ} [البقرة: 211] يعني: يُغير {نِعْمَةَ اللَّهِ} [البقرة: 211] كِتَابَ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَهْدُ اللَّهُ، وَقِيلَ: مَنْ يُنكر الدَّلَالَةَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 211] [212] {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [البقرة: 212] الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ المُزَين هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّزْيِينُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ: أَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ الْحَسَنَةَ وَالْمَنَاظِرَ الْعَجِيبَةَ، فَنَظَرَ الْخَلْقُ بأكثر من قدرها فأعجبهم حسنها فَفُتنوا بِهَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِمَا بَسَطَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَيُكَذِّبُونَ بِالْمَعَادِ، {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 212] أي: يستهزؤون بِالْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَمَّارَ بْنَ يا سر وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَأَمْثَالَهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبي وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَيَقُولُونَ: انظروا إلى هؤلاء الذي يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَغْلِبُ بِهِمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ، سَخِرُوا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لفقرهم، {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} [البقرة: 212] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ، {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 212] لِأَنَّهُمْ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَهُمْ في أسفل السافلين {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] يَعْنِي: كَثِيرًا بِغَيْرِ مِقْدَارٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْحِسَابُ فَهُوَ قَلِيلٌ، يُرِيدُ يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ يَرْزُقُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُحَاسِبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: هَذَا يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، مَعْنَاهُ: يُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَلَا يُعْطِي لكل أَحَدٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ بَلْ يُعْطِي الْكَثِيرَ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلَا يُعطي الْقَلِيلَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَلَا يُعتَرض عَلَيْهِ وَلَا يُحاسَب فِيمَا يَرْزُقُ، وَلَا يُقال: لِمَ أَعْطَيْتَ هَذَا وَحَرَمْتَ هَذَا، ولمَ أَعْطَيْتَ هَذَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتَ ذَاكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يخاف نَفَاذَ خَزَائِنِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِأَنَّ الْحِسَابَ مِنَ الْمُعْطِي إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَخَافُ من نفاذ خَزَائِنِهِ. [213] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ آدَمَ وَحْدَهُ كَانَ أُمَّةً وَاحِدَةً، قَالَ: سُمي الْوَاحِدُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ النَّسْلِ وَأَبُو الْبَشَرِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى منه حَوَّاءَ وَنَشَرَ مِنْهُمَا النَّاسَ فَانْتَشَرُوا، وَكَانُوا مُسْلِمِينَ إِلَى أَنْ قَتَلَ هَابِيلَ فَاخْتَلَفُوا، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} [البقرة: 213] قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: كَانَ النَّاسُ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ آدَمَ إِلَى مَبْعَثِ نُوحٍ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ أَمْثَالَ الْبَهَائِمِ فَبَعَثَ اللَّهُ نُوحًا وَغَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَ النَّاسُ مِنْ وَقْتِ آدَمَ إِلَى مَبْعَثِ نُوحٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي زَمَنِ

نُوحٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا فَكَانَ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعث، ثُمَّ بَعث بَعْدَهُ النَّبِيِّينَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ وَفَاةِ نُوحٍ، ورُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّةً وَاحِدَةً كُفَّارًا كُلُّهُمْ فَبَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَقِيلَ: كَانَ الْعَرَبُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ لعنة الله عليه، ورُوي عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ حِينَ عُرضوا عَلَى آدَمَ وَأُخْرِجُوا مِنْ ظَهْرِهِ، وَأَقَرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ لله تعالى أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطُّ غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ آدَمَ، نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ [آية19] ، {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} [يونس: 19] {مُبَشِّرِينَ} [البقرة: 213] بِالثَّوَابِ مَنْ آَمن وَأَطَاعَ، {وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] مُحَذِّرِينَ بِالْعِقَابِ مَنْ كَفَرَ وَعَصَى، {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: 213] أَيِ: الْكُتُبَ، تَقْدِيرُهُ: وَأَنْزَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْكِتَابَ، {بِالْحَقِّ} [البقرة: 213] بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ، {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 213] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (لِيَحْكُمَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ هَاهُنَا، وَفِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي النُّورِ مَوْضِعَيْنِ، لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَحْكُمُ في الحقيقة إنما يُحكم بِهِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، أَيْ: لِيَحْكُمَ الْكِتَابُ، ذَكَرَهُ عَلَى سِعَةِ الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} [الْجَاثِيَةِ: 29] وَقِيلَ مَعْنَاهُ لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتَابِهِ، {فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} [البقرة: 213] أَيْ: فِي الْكِتَابِ {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} [البقرة: 213] أَيْ: أُعْطُوا الْكِتَابَ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 213] يَعْنِي: أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ الْفِرَّاءُ: وَلِاخْتِلَافِهِمْ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا كُفْرُ بَعْضِهِمْ بِكِتَابِ بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النِّسَاءِ: 150] وَالْآخَرُ: تَحْرِيفُهُمْ كِتَابَ الله قال الله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النِّسَاءِ: 46] وَقِيلَ: الْآيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكِتَابُهُ، اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 213] صِفَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - في كتبهم، {بَغْيًا} [البقرة: 213] ظُلْمًا وَحَسَدًا {بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213] أي: إلى ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، {مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213] بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ فِيهِمْ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اخْتَلَفُوا فِي الْقِبْلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَشْرِقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهَدَانَا اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ فَهَدَانَا اللَّهُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ، فَأَخَذَتِ الْيَهُودُ السَّبْتَ، وَالنَّصَارَى الْأَحَدَ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي عيسى فجعلته اليهود الفِرية، وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا، وَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ فِيهِ، {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] [214] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [البقرة: 214] قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ حِينَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْبَرْدِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَى، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الْأَحْزَابِ: 10] وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي حَرْبِ أُحد، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ، اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الضُّرُّ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِلَا مالٍ وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، واَثروا رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَظْهَرَتِ الْيَهُودُ الْعَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَسَرَّ قَوْمٌ النِّفَاقَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَطْيِيبًا لقلوبهم (أم حَسِبتُم) ، معناه أَحَسِبْتُمْ وَالْمِيمُ صِلَةٌ قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بَلْ حَسِبْتُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تدخلوا الجنة، {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ} [البقرة: 214] أي: ولم يأتكم و (ما) صلة {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا} [البقرة: 214] شَبَّهَ الَّذِينَ مَضَوْا، {مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214] من النبيين والمؤمنين، {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} [البقرة: 214]

قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم.

الفقر والشدة والبلاء، {وَالضَّرَّاءُ} [البقرة: 214] المرض والزَّمَانة، {وَزُلْزِلُوا} [البقرة: 214] أَيْ: حُركوا بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وخُوّفوا، {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214] مَا زَالَ الْبَلَاءُ بِهِمْ حَتَّى استبطأوا النَّصْرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [الْبَقَرَةِ: 214] قَرَأَ نَافِعٌ (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) بِالرَّفْعِ، مَعْنَاهُ: حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ. [215] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215] «نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا مَالٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَاذَا نَتَصَدَّقُ وَعَلَى مَنْ نُنْفِقُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215] » ، وَفِي قَوْلِهِ: (مَاذَا) وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ نَصْبًا بِقَوْلِهِ: (يُنفِقُونَ) ، تَقْدِيرُهُ أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ رفعًا بـ (مَا) وَمَعْنَاهُ: مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215] أَيْ: مِنْ مَالٍ، {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] يُجازيكم بِهِ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ هَذَا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ فَنُسِخَتْ بِالزَّكَاةِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ.] . . . . [216] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: 216] أَيْ: فُرض عَلَيْكُمُ الْجِهَادُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ عَطَاءٌ: الجهادُ تَطَوُّعٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النِّسَاءِ: 95] وَلَوْ كَانَ الْقَاعِدُ تَارِكًا فَرْضًا لَمْ يكن بعده الحُسنى، وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَقَالَ: الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَقَالَ قَوْمٌ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْجِهَادَ فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، مِثْلُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ورَدِّ السَّلَامِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ اللَّهُ الْجِهَادَ عَلَى النَّاسِ غَزُوا أو قعدوا، فَمَنْ غَزَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ قَعَدَ فَهُوَ عُدَّةٌ إِنِ استُعين بِهِ أَعَانَ وَإِنِ استُنفر نَفَر وَإِنِ استُغني عَنْهُ قَعَد، قَوْلُهُ تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] أَيْ: شَاقٌّ عَلَيْكُمْ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: هَذَا الْكُرْهُ مِنْ حَيْثُ نفورُ الطَّبْعِ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُؤْنَةِ الْمَالِ وَمَشَقَّةِ النَّفْسِ وَخَطَرِ الرُّوحِ، لَا أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] يعني: أنهم كرهوا ثُمَّ أَحَبُّوهُ، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] لِأَنَّ فِي الْغَزْوِ إِحْدَى الحُسنيين إِمَّا الظَّفَرُ وَالْغَنِيمَةُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ، {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا} [البقرة: 216] يَعْنِي: الْقُعُودَ عَنِ الْغَزْوِ، {وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216] لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] [217] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217] ؟ يعني: رجبًا، وسُمي بذلك لتحريم القتال فيه، قوله تعالى: {قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] أَيْ: عَنْ قِتَالٍ فِيهِ {قُلْ} [البقرة: 217] يَا مُحَمَّدُ: {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] عَظِيمٌ، تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 217] وصدكم الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ {وَكُفْرٌ بِهِ} [البقرة: 217] أَيْ: كُفْرُكُمْ بِاللَّهِ، {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217] أي: بالمسجد الحرام، وقيل: صدكم عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} [البقرة: 217] أَيْ: إِخْرَاجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ {مِنْهُ أَكْبَرُ} [البقرة: 217] أعظم وزرًا {عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ} [البقرة: 217] أَيِ: الشِّرْكُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] أي: أعظم من القتل في الشهر الحرام {وَلَا يَزَالُونَ} [البقرة: 217] يعني: مشركي مكة {يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217] يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، {حَتَّى يَرُدُّوكُمْ} [البقرة: 217] يَصْرِفُوكُمْ، {عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ} [البقرة: 217] بطلت {أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217] حَسَنَاتُهُمْ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]

[218] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} [البقرة: 218] فَارَقُوا عَشَائِرَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ {وَجَاهَدُوا} [البقرة: 218] المشركين {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 218] طاعة اللَّهِ {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218] أَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَلَى رَجَاءِ الرَّحْمَةِ {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218] [219] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الخطاب ومعاذ بن جبل وَنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فَإِنَّهُمَا مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلبة لِلْمَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى مَا قاله الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعَ آيَاتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَهِيَ: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا} [النَّحْلِ: 67] فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا وَهِيَ حلال يومئذ، ثم نزلت هذه الآية فِي مَسْأَلَةِ عُمْرَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] فَتَرَكَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ {إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] وشربها أقوام لقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] ثم أنزل اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النِّسَاءِ: 43] فَحَرَّمَ السُّكْرَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَهَا قَوْمٌ وَقَالُوا: لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، وَتَرَكَهَا قَوْمٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَشَرِبُوهَا فِي غَيْرِ حِينِ الصلاةَ فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي سورة المائدة إلى قوله تَعَالَى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [الْمَائِدَةِ: 91] فَقَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انتهينا يا رب. قَوْلُهُ تَعَالَى: (والمَيسِر) ، يَعْنِي: الْقِمَارَ وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَنْوَاعُ الْقِمَارِ كلها، قال طاوس وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمَارٌ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لُعب الصِّبْيَانِ بالجَوز وَالْكِعَابِ، ورُوي عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ أَنَّهُمَا مِنَ الميسر، (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) : وِزْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَقَوْلِ الفُحش (ومَنَافع لِلنَّاسِ) ، فَمَنْفَعَةُ الْخَمْرِ اللَّذَّةُ عِنْدَ شُرْبِهَا وَالْفَرَحُ واسْتمرَاء الطَّعَامِ، وَمَا يُصِيبُونَ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، وَمَنْفَعَةُ الْمَيْسِرِ إِصَابَةُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ كَدّ وَلَا تَعَبٍ، وَارْتِفَاقُ الْفُقَرَاءِ بِهِ، وَالْإِثْمُ فِيهِ أنه إذا ذهب ماله عن غَيْرِ عِوَضٍ سَاءَهُ ذَلِكَ فَعَادَى صَاحِبَهُ فَقَصَدَهُ بِالسُّوءِ، {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: إِثْمُهُمَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قَبْلَ التحريم، هو ما يحصل به مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 219] ؟ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالُوا: مَاذَا نُنفق؟ فَقَالَ: {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] قرأ أبو عمرو والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق (العَفو) بالرفع، معناه أي: الَّذِي يُنْفِقُونَ هُوَ الْعَفْوُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى: قُلْ: أَنْفِقُوا الْعَفْوَ,

قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن. .

وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْعَفْوِ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ مَا فَضُلَ عَنِ الْحَاجَةِ، وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَكْتَسِبُونَ الْمَالَ وَيُمْسِكُونَ قَدْرَ النَّفَقَةِ وَيَتَصَدَّقُونَ بالفَضْل بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ نُسخ بِآيَةِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ التَّصَدُّقُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى حَتَّى لَا يَبْقَى كَلًّا على الناس، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ وقال طاوس: مَا يَسُرَ، وَالْعَفْوُ اليُسر مِنْ كل شيء {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] [220] {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 220] قِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ النَّفَقَةِ لَعَلَّكُمْ تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتحسبون مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا يُصلحكم فِي مَعَاشِ الدُّنْيَا، وَتُنْفِقُونَ الْبَاقِيَ فِيمَا يَنْفَعُكُمْ فِي العُقبَى، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَعْنَاهَا: هَكَذَا يُبين اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا والآخرة لعلكم تتفكرون، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُبيّن اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ النَّفَقَةِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا فَتَزْهَدُوا فِيهَا، وَفِي إِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا فَتَرْغَبُوا فِيهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220] أَيِ: الْإِصْلَاحُ لِأَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ وَلَا أَخْذِ عِوض خَيْرٌ وأعظم أجرًا لمالكم فِي ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ، وَخَيْرٌ لَهُمْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَفُّرِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُوسع عليه مِنْ طَعَامِ نَفْسِهِ وَلَا يُوَسِّعُ مِنْ طَعَامِ الْيَتِيمِ، {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} [البقرة: 220] هذه إباحة المخالطة، أي: إن تشاركوهم في أموالهم، وتخلطوا بأموالهم فِي نَفَقَاتِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ وَخَدَمِكُمْ ودَوَابكم، فتُصيبوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عوضَا عَنْ قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم عَلَى مَا تُصِيبُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، {فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَالْإِخْوَانُ يُعين بَعْضُهُمْ بَعْضًا ويُصيب بَعْضُهُمْ مِنْ أَمْوَالِ بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ والرضا، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} [البقرة: 220] لأموالهم {مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220] لَهَا، يَعْنِي: الَّذِي يَقْصِدُ بِالْمُخَالَطَةِ الْخِيَانَةَ وَإِفْسَادَ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنَ الَّذِي يَقْصِدُ الْإِصْلَاحَ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220] أَيْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَمَا أَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَتَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مَوْبِقًا لَكُمْ، وَأَصْلُ الْعَنَتِ: الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ، وَمَعْنَاهُ: كَلَّفَكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ، {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} [البقرة: 220] أي: عزيز في سُلطانه وقدرته على الإعنات {حَكِيمٌ} [البقرة: 220] فِيمَا صَنَعَ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَتَرْكِ الإعنات. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. .] . . . [221] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] قيل: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّاتِ، لقوله تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] وبخبر رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - وبإِجماع الأمة، روى الحسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَطْلَقْتُمُ

اسم الشرك على من لم يُنْكِرُ إِلَّا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ: لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ كَلَامُ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ الْوَثَنِيَّاتِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ تَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ فَرَافِصَةَ وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ تَحْتَهُ، وَتَزَوَّجَ طَلْحَةُ بن عبد الله نصرانية {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] بجمالها ومالها، {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221] هَذَا إِجْمَاعٌ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكِحَ الْمُشْرِكَ، {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ} [البقرة: 221] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [البقرة: 221] أَيْ: إِلَى الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221] أي: بقضائه وقدره وإراداته، {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} [البقرة: 221] أَيْ: أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيهِ، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221] يتعظون. [222] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] أَيْ: عَنِ الْحَيْضِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، كَالسَّيْرِ وَالْمَسِيرِ، وَأَصْلُ الْحَيْضِ الِانْفِجَارُ وَالسَّيَلَانُ، وَقَوْلُهُ: {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] أَيْ: قَذَرٌ، وَالْأَذَى كُلُّ مَا يُكره مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] أَرَادَ بِالِاعْتِزَالِ تَرْكَ الْوَطْءِ، {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222] أَيْ: لَا تُجَامِعُوهُنَّ، أَمَّا الْمُلَامَسَةُ والمضاجعة معها فجائزة {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ، حَتَّى يَغْتَسِلْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الطاء وضم الهاء مخفف، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى يَطْهُرْنَ مِنَ الْحَيْضِ وينقطع دمهن، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: 222] يعني: اغتسلن {فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] أَيْ: فَجَامِعُوهُنَّ، {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] أَيْ: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ أَنْ تعتزلوهن منه وهو الفرج، قال مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَقَالَ ابْنُ عباس: طؤوهنّ فِي الْفَرْجِ وَلَا تَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَيِ: اتَّقُوا الْأَدْبَارَ، وَقِيلَ: من حيث بمعنى فِي حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى وهو الفرج، وقيل: فأتوهن من الْوَجْهَ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَأْتُوهُنَّ وَهُوَ الطُّهْرُ، وَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ قَبَل الْحَلَالِ دُونَ الْفُجُورِ، وَقِيلَ: لَا تَأْتُوهُنَّ صَائِمَاتٍ وَلَا مُعْتَكِفَاتٍ وَلَا مُحْرِمَاتٍ وَأْتُوهُنَّ وغشيانهن لكم حلال {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] قَالَ عَطَاءٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَالْكَلْبِيُّ: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّوَّابِينَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ لَا يَعُودُونَ فِيهَا وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنْهَا لَمْ يُصِيبُوهَا، وَالتَّوَّابُ الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الْإِسْرَاءِ: 25] [223] قَوْلُهُ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، و (أَنى) حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ يَكُونُ سُؤَالًا عَنِ الْحَالِ وَالْمَحَلِّ، مَعْنَاهُ: كَيْفَ شِئْتُمْ وَحَيْثُ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَنَّى شِئْتُمْ: إِنَّمَا هُوَ الْفَرْجُ، ومثله لَكُمْ أَيْ: مَزْرَعٌ لَكُمْ وَمَنْبَتٌ الولد بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَدْبَارِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ هُوَ القُبل لا الدبر {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 223] قَالَ عَطَاءٌ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: إذا أتى أهله فليدْع وَقِيلَ: قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: طَلَبَ الولد وقيل: هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحًا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: الْخَيْرَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223] صَائِرُونَ إِلَيْهِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] [224] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] أي: لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ سَبَبًا مَانِعًا لَكُمْ مِنَ البرِّ وَالتَّقْوَى، يُدعى أَحَدُكُمْ إِلَى صِلَةِ رَحِمٍ

قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة

أَوْ برٍ، فَيَقُولُ: حلفتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَهُ فَيَعْتَلُّ بِيَمِينِهِ فِي تَرْكِ الْبِرِّ، {أَنْ تَبَرُّوا} [البقرة: 224] مَعْنَاهُ: أنْ لَا تَبِرُّوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النِّسَاءِ: 176] أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، {وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224] [225] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] اللغو كل ساقطٍ مُطَّرَح مِنَ الْكَلَامِ لَا يُعتد بِهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي لغو الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَا يَسْبِقُ إِلَى اللِّسَانِ عَلَى عَجَلَةٍ لِصِلَةِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ عقدٍ وَقَصْدٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وكلّا والله، ويُروى عَنْ عَائِشَةَ أَيْمَانُ اللَّغْوِ: مَا كَانَتْ فِي الْهَزْلِ والمراءِ والخُصومة، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَنْ شَيْءٍ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ له خلاف ذلك، وقال عليّ: الغضب، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا يُؤَاخِذُهُ الله بالحنث فيها، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ دعاء الرجل على نفسه، كقول الإنسان: أعمى الله بصري أن أفعل كَذَا، فَهَذَا كُلُّهُ لَغْوٌ لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَوْ آخَذَهُمْ به لعجّل لهم العقوبة {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] أَيْ عَزَمْتُمْ وَقَصَدْتُمْ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَسَبَ الْقَلْبُ: الْعَقْدَ وَالنِّيَّةَ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ فَالْيَمِينُ بِاللَّهِ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِي أَعْبُدُهُ وَالَّذِي أُصَلِّي لَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ بِأَسْمَائِهِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَنَحْوَهُ، وَالْيَمِينُ بِصِفَاتِهِ كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ الله ونحوهما، فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فحنثَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ ماضٍ أَنَّهُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ كَانَ، إنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ حَالَةَ مَا حَلَفَ فَهُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَهُوَ يمين اللغو عندهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ] أَشْهُرٍ. . . . [226] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] أَيْ: يَحْلِفُونَ، وَالْأَلْيَةُ: الْيَمِينُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ وطء المرأة قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضِرَارِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وكان الرَّجُلُ لَا يُحِبُّ امْرَأَتَهُ وَلَا يريد أن يتزوج بها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا أَبَدًا فَيَتْرُكُهَا لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ، وَكَانُوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لَهُ أجلًا في الإسلام قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] ؛ أَيِ: انْتِظَارُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالتَّرَبُّصُ: التثبت والتوقف، {فَإِنْ فَاءُوا} [البقرة: 226] رَجَعُوا عَنِ الْيَمِينِ بِالْوَطْءِ، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 226] وإذا وطئ في الفرج عَنِ الْإِيلَاءِ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَقَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 226] وذلك عند الأكثرين في سقوط العقوبة لا في الكفارة. [227] {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} [البقرة: 227] أَيْ: حَقَّقُوهُ بِالْإِيقَاعِ، {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 227] لقولهم، عَلِيمٌ: بِنِيَّاتِهِمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا زَوْجُهَا، لِأَنَّهُ شرطَ فِيهِ الْعَزْمَ، وَقَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 227] فدل على أنه يقضي مَسْمُوعًا، وَالْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يُسْمَعُ. [228] قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} [البقرة: 228] أَيِ: الْمُخَلَّيَاتُ مِنْ حِبَالِ أَزْوَاجِهِنَّ، {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] ينتظرن {بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فَلَا يَتَزَوَّجْنَ، وَالْقُرُوءُ: جَمْعُ قَرء مثل قرع، وَجَمْعُهُ الْقَلِيلُ: أَقْرُؤٌ، وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ: أَقْرَاءٌ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي القَرء فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْحَيْضُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ

لِلْمُسْتَحَاضَةِ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» ، وَإِنَّمَا تَدَعُ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالزُّهْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطلق لَهَا النِّسَاءُ» (¬1) فَأَخْبَرَ أَنَّ زمان العدة هو الطهر {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي الْحَيْضَ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ الرَّجُلَ مُرَاجَعَتَهَا، فَتَقُولُ قد حضت الثلاثة، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي الْحَمْلَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ كِتْمَانُ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي رَحِمِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ لِتُبْطِلَ حَقَّ الزَّوْجِ مِنَ الرَّجْعَةِ وَالْوَلَدِ. {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 228] مَعْنَاهُ: أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُؤْمِنَةُ وَالْكَافِرَةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءً، كَمَا تَقُولُ: أَدِّ حَقِّي إِنْ كنتَ مُؤْمِنًا، يَعْنِي: أَدَاءَ الْحُقُوقِ مِنْ فعل المؤمنين {وَبُعُولَتُهُنَّ} [البقرة: 228] يَعْنِي: أَزْوَاجَهُنَّ جَمْعُ بَعْلٍ، كَالْفُحُولَةِ جَمْعُ فَحْلٍ، سُمى الزَّوْجُ بَعْلًا لِقِيَامِهِ بِأُمُورِ زَوْجَتِهِ، وَأَصْلُ الْبَعْلِ السيد والمالك {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] أَوْلَى بِرَجْعَتِهِنَّ إِلَيْهِمْ، {فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] أي: في حال العدة، {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] أَيْ: إِنْ أَرَادُوا بِالرَّجْعَةِ الصَّلَاحَ وحُسن الْعِشْرَةِ لَا الْإِضْرَارَ، كَمَا كانوا يفعلونه في الجاهلية كالرجل يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فإِذا قَرُبَ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا مُدَّةً ثم طلقها، فَإِذَا قَرُب انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ طَلَّقَهَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَطْوِيلَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، {وَلَهُنَّ} [البقرة: 228] أَيْ: لِلنِّسَاءِ عَلَى الْأَزْوَاجِ {مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} [البقرة: 228] للأزواج {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَاهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِامْرَأَتِي كَمَا تُحِبُّ امْرَأَتِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] قال ابن عباس: لما سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَالِ وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ: بِالْعَقْلِ، وَقِيلَ: بِالشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: بِالدِّيَةِ، وَقِيلَ: بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ: بِالرَّجْعَةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بِالْإِمَارَةِ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) مَعْنَاهُ: فَضِيلَةٌ فِي الْحَقِّ، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] [229] قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءِ يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عِدَدٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا، ثم طلقها كذلك ¬

(¬1) رواه البخاري في الطلاق9 / 345 ومسلم في الطلاق رقم (1471) 2 / 1093والمصنف في شرح السنة 9 / 202.

ثم راجعها، بقصد مُضَارَّتَهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] يَعْنِي: الطَّلَاقَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَقِيبَهُ مَرَّتَانِ، فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زوجِ آَخر، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] قِيلَ: أَرَادَ بِالْإِمْسَاكِ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، يَعْنِي: إِذَا رَاجَعَهَا بعد الطلقة الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ كُلُّ مَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ مِنْ أداءِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وحُسن الصُّحْبَةِ، {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وهو أَنْ يَتْرُكَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ حَتَّى تنقضي عدتها {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] أعطيتموهنّ شيئًا من الْمُهُورَ وَغَيْرَهَا، ثُمَّ اسْتَثْنَى الْخُلْعَ، فَقَالَ: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229] نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَيُقَالُ في حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ، كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وكانت تبغضه وهو يُحبّها أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا وَقَالَتْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَنَا وَلَا هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ثابت بن قيس، قال ثابت: يا رسول الله قد أعطيتها حديقة فقل لها تردها عَلَيَّ وَأُخَلِّي سَبِيلَهَا، فَقَالَ لَهَا: تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ أَمْرَكِ، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا ثابتُ خُذْ مِنْهَا مَا أَعْطَيْتَهَا، وخلّ سبيلَها» ففعل (¬1) قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا) ، أي: يعلما أن لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ (إِلَّا أَن يخَافَا) بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، يَعْنِي: يَعْلَمُ الْقَاضِي والوالي ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 229] فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ خَافَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَخَافَا) بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: يَعْلَمُ الزوجان من أنفسهما أنْ لا يُقيما حُدُودَ اللَّهِ، تَخَافُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ فِي أَمْرِ زَوْجِهَا، وَيَخَافُ الزَّوْجُ إِذَا لَمْ تُطِعْهُ امْرَأَتُهُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا فَنَهَى اللَّهُ الرجلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَتِهِ شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا إلا يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا، فَقَالَتْ: لَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا وَلَا أَطَأُ لَكَ مَضْجَعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] أَيْ: فِيمَا افتدتْ بِهِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا مِنْهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِمَا) الزَّوْجَ دُونَ الْمَرْأَةِ، فَذَكَرَهُمَا جَمِيعًا لِاقْتِرَانِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الْكَهْفِ: 61] وَإِنَّمَا النَّاسِي فَتَى مُوسَى دُونَ مُوسَى، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لَا جُنَاحَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي النُّشُوزِ إِذَا خَشِيَتِ الْهَلَاكَ وَالْمَعْصِيَةَ، وَلَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَأَعْطَتْ بِهِ الْمَالَ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ من إتلاف المال بغير حق، وعلى الزَّوْجِ فِيمَا أَخَذَ مِنْهَا مِنَ الْمَالِ إِذَا أَعْطَتْهُ طَائِعَةً، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الخلع جائز على أَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا مِنَ الْمَهْرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ ما أعطاها بل يترك شَيْئًا، وَيَجُوزُ الْخُلْعُ عَلَى غَيْرِ حَالِ النُّشُوزِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُكره لِمَا فِيهِ مِنْ قَطع الْوَصْلَةِ بلا سبب. قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة: 229] أَيْ: هَذِهِ أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَحُدُودُ اللَّهِ مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ عَنْهُ، {فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] فَلَا تُجَاوِزُوهَا، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] [230] قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] يَعْنِي: الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ، {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: 230] أَيْ: مِنْ بَعْدِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] أَيْ: غَيْرَ الْمُطَلِّقِ فَيُجَامِعُهَا، وَالنِّكَاحُ يتناول الوطء والعقد جميعًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: 230] يَعْنِي: فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي بَعْدَمَا جَامَعَهَا فَلَا جُناح عَلَيْهِمَا، يَعْنِي: عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَرَاجَعَا، يَعْنِي: بِنِكَاحٍ جديد {إِنْ ظَنَّا} [البقرة: 230] أَيْ: عَلِما، وَقِيلَ: رَجَوَا، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ ¬

(¬1) رواه مختصرًا أبو داود في الطلاق 3 / 143، والنسائي في الطلاق 6 / 186 وابن جرير في التفسير 4 / 554.

قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن

كَائِنٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، {أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 230] أَيْ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاحُ وحُسن الصُّحْبَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ عَلِمَا أن نكاحهما على غير دلسة، وأراد بالدلسة: التحليل، وذهب جماعة إلى أنه إذا لم يُشترط فِي النِّكَاحِ مَعَ الثَّانِي أَنَّهُ يُفَارِقُهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَيَحْصُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ، وَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِذَا كَانَ فِي عزمها ذلك {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] يَعْنِي يَعْلَمُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تعالى به. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ] فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ. . . . [231] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231] أي: أشرفْنَ على أن تبين بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ إِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ إِمْسَاكُهَا، فَالْبُلُوغُ هَاهُنَا بُلُوغُ مُقَارَبَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232] حَقِيقَةُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْبُلُوغُ يَتَنَاوَلُ المعنيين، يقال: بلغت المدينة إذا قربت منها إذا دخلتها، {فَأَمْسِكُوهُنَّ} [البقرة: 231] أي: راجعوهن، {بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] قِيلَ: الْمُرَاجَعَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَأَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْقَوْلِ لَا بِالْوَطْءِ، {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] أَيِ: اتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتهنَّ فيكن أملك لأنفسهن، {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231] أَيْ: لَا تَقْصِدُوا بِالرَّجْعَةِ الْمُضَارَّةَ بِتَطْوِيلِ الْحَبْسِ، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231] أَيْ: أَضَرَّ بِنَفْسِهِ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى. {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الشَّرْعِ فَهُوَ مُتَّخِذٌ آَيات اللَّهِ هُزُوًا، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقُولُ كنتُ لَاعبًا، وَيُعْتِقُ وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَنْكِحُ وَيَقُولُ مِثْلَ ذلك {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 231] بِالْإِيمَانِ {وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 231] يعني: القرآن، {وَالْحِكْمَةِ} [البقرة: 231] يَعْنِي: السُّنَّةَ، وَقِيلَ: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ {يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] [232] {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 232] أَيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] أَيْ: لَا تَمْنَعُوهُنَّ عَنِ النِّكَاحِ، وَالْعَضْلُ: الْمَنْعُ، وَأَصْلُهُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، يُقَالُ: عَضَلَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا نَشِبَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَضَاقَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ، وَالدَّاءُ الْعُضَالُ الَّذِي لَا يُطاق علاجه {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232] بِعَقْدٍ حَلَالٍ وَمَهْرٍ جَائِزٍ، {ذَلِكَ} [البقرة: 232] أي: الَّذِي ذُكر مِنَ النَّهْيِ {يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 232] وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُوَحَّدًا وَالْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُخَاطَبَةِ الجمع ذلكم {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ} [البقرة: 232] أي: خير لكم، {وَأَطْهَرُ} [البقرة: 232] لِقُلُوبِكُمْ مِنَ الرِّيبَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ منهما علاقة حيث لَمْ يؤمن أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَلَمْ يؤمن مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قُلُوبِهِمْ مِنْهُمَا مَا لَعَلَّهُمَا أَنْ يَكُونَا بَرِيئَيْنِ مِنْ ذَلِكَ فَيَأْثَمُونَ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] أَيْ: يَعْلَمُ مِنْ حُبِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا لَا تعلمون أنتم. [233] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [البقرة: 233] أي: الْمُطَلَّقَاتُ اللَّاتِي لَهُنَّ أَوْلَادٌ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ (يُرْضِعْنَ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَا أَمْرُ إِيجَابٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْإِرْضَاعُ إِذَا كَانَ يُوجَدُ مَنْ يرضع الْوَلَدَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطَّلَاقِ: 6] فَإِنْ رَغِبَتِ الْأُمُّ فِي الْإِرْضَاعِ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ غيرها، {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] أَيْ: سَنَتَيْنِ، وَذَكَرَ الْكَمَالَ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [الْبَقَرَةِ: 196] وَقِيلَ. إِنَّمَا قَالَ كَامِلَيْنِ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُسَمِّي بَعْضَ الْحَوَلِ حَوْلًا وَبَعْضَ الشَّهْرِ شَهْرًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وإنّما هي شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَقَالَ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [الْبَقَرَةِ: 203] وَإِنَّمَا يُتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ وَيُقَالُ أَقَامَ

فُلَانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا حَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا أَقَامَ بِهِ حَوْلًا وَبَعْضَ آخَرَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا حَوْلَانِ كاملان أربعة وعشرون شهرًا، {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] أَيْ هَذَا مُنْتَهَى الرَّضَاعَةِ، وَلَيْسَ فِيهَا دُونَ ذَلِكَ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مِقْدَارِ صَلَاحِ الصَّبِيِّ وَمَا يَعِيشُ بِهِ. {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 233] يعني: الأب، {رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233] طعامهن، {وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] لباسهن، {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] أَيْ: عَلَى قَدْرِ الْمَيْسَرَةِ، {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233] أَيْ: طَاقَتَهَا، {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233] فَيُنْزَعُ الْوَلَدُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا بَعْدَ أَنْ رَضِيَتْ بِإِرْضَاعِهِ، {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] أَيْ: لَا تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ إِلَى أَبِيهِ بَعْدَمَا أَلِفَهَا تُضاره بِذَلِكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ فَتُكْرَهُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِذَا كَرِهَتْ إِرْضَاعَهُ، وقَبِلَ الصَّبِيُّ مِنْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، فَيُحْتَمَلُ أن يعطي الْأُمُّ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ لَهَا إذا لم يرتضع الولد من غيرها وعلى هذه الأقوال يرجع الضرار إِلَى الْوَالِدَيْنِ، يُضَارُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضِّرَارُ رَاجِعًا إِلَى الصَّبِيِّ، أَيْ: لَا يُضَارَّ كُلُّ واحد منهما الصبي، ولا تُرضعه الْأُمُّ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ لَا يُنفق الأبُ، أَوْ يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْأُمِّ حَتَّى يُضَرَّ بِالصَّبِيِّ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً، ومعناه: لا تضار والدة ولدَها، ولا أبّ ولدَه، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْوَارِثِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ وَارِثُ الصَّبِيِّ، مَعْنَاهُ: وَعَلَى وَارِثِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَلَهُ مَالٌ وَرِثَهُ مِثْلُ الَّذِي كَانَ عَلَى أَبِيهِ في حال حياته وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَارِثِ هُوَ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ الَّذِي هو وارث أبيه المتوفى، يكون أُجْرَةُ رَضَاعِهِ وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأُمِّ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الصَّبِيِّ إِلَّا الْوَالِدَانِ، وَهُوُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَاقِي مِنْ وَالِدَيِ الْمَوْلُودِ, بَعْدَ وَفَاةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ, مِثْلُ مَا كَانَ عَلَى الْأَبِ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ, وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّفَقَةَ بَلْ مَعْنَاهُ وَعَلَى الْوَارِثِ تَرْكُ الْمُضَارَّةِ, وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، {فَإِنْ أَرَادَا} [البقرة: 233] يعني: الوالدين, {فِصَالًا} [البقرة: 233] فِطَامًا قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا} [البقرة: 233] أي: اتفاق الوالدين, {وَتَشَاوُرٍ} [البقرة: 233] أَيْ: يُشَاوِرُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى يُخْبِرُوا أَنَّ الْفِطَامَ فِي ذلك الوقت لا يضر بالوالد, وَالْمُشَاوَرَةُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ, {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233] أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِي الْفِطَامِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ, {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 233] أَيْ: لِأَوْلَادِكُمْ مَرَاضِعَ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِمْ إِذَا أبت أمهاتهم إرضاعهم, أو تعذر لعلة بهن أو انقطاع لبن أَرَدْنَ النِّكَاحَ, {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ} [البقرة: 233] إلى أمهاتهم, {مَا آتَيْتُمْ} [البقرة: 233] مَا سَمَّيْتُمْ

لَهُنَّ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ، بِقَدْرِ مَا أَرْضَعْنَ، وَقِيلَ: إِذَا سَلَّمْتُمْ أجور المراضع إليهن، {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (مَا آتَيْتُمْ) وَفِي الرُّومِ {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} [الرُّومِ: 39] بِقَصْرِ الْأَلْفِ، وَمَعْنَاهُ: مَا فَعَلْتُمْ، يُقَالُ: أَتَيْتُ جَمِيلًا إِذَا فَعَلْتُهُ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَكُونُ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، لَا بِمَعْنَى تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ، يَعْنِي إِذَا سَلَّمْتُمْ لِأَمْرِهِ وَانْقَدْتُمْ لِحُكْمِهِ، وَقِيلَ: إِذَا سَلَّمْتُمْ لِلِاسْتِرْضَاعِ عَنْ تَرَاضٍ وَاتِّفَاقٍ دُونَ الضِّرَارِ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233] [234] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] آي: يموتون ويتوفى آجَالُهُمْ، وَتَوَفَّى وَاسْتَوْفَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمَعْنَى التَّوَفِّي: أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا، {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234] يتركون أزواجا، {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 234] يَنْتَظِرْنَ، {بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] أي: يعتدون بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالنُّقْلَةِ عَلَى فِرَاقِ أَزْوَاجِهِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ، إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ فَعِدَّتُهُنَّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الِابْتِدَاءِ حَوْلًا كَامِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [الْبَقَرَةِ: 240] ثُمَّ نُسِخَتْ بأربعة أشهر وعشرا وَإِنَّمَا قَالَ عَشْرًا بِلَفْظِ الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّيَالِيَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَبْهَمَتِ الْعَدَدَ بَيْنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ غَلَّبَتْ عَلَيْهَا اللَّيَالِيَ، فَيَقُولُونَ صُمْنَا عَشْرًا، وَالصَّوْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنَّهَارِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّمَا أنث العشر لأنه أراد المدة، أَيْ: عَشْرَ مُدَدٍ، كُلُّ مُدَّةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَإِذَا كَانَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوَّجُهَا حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. أَنَّهَا تَنْتَظِرُ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ أربعة أشهر وعشرا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 234] أَيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 234] خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ، {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} [البقرة: 234] أَيْ: مِنَ اخْتِيَارِ الْأَزْوَاجِ دُونَ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ إِلَى الْوَلِيِّ، وَقِيلَ: فِيمَا فَعَلْنَ مِنَ التَّزَيُّنِ لِلرِّجَالِ زِينَةً لَا يُنْكِرُهَا الشَّرْعُ {بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 234] وَالْإِحْدَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنِ الطلاق ففيها نظر، فإن كانت رجعية لا إِحْدَادَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَضَعَ مَا يُشَوِّقُ قَلْبَ الزَّوْجِ إِلَيْهَا لِيُرَاجِعَهَا، وَفِي البائنة بالخلع والطلقات الثلاث قولان، أحدهما: الْإِحْدَادُ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي: لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وبه قال مالك. [235] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235] أَيِ: النِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ، وَأَصْلُ التَّعْرِيضِ: هو التلويح بالشيء، والتعويض في الكلام بما يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ مُبَاحٌ فِي الْعِدَّةِ,

قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما

وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: رُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، مَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ، إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، وَإِنَّكِ لَصَالِحَةٌ، وَإِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ، وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ مِنْ غَرَضِي أَنْ أَتَزَوَّجَ، وَإِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ بِالْحَلَالِ أَعْجَبَنِي، وَلَئِنْ تَزَوَّجْتُكِ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ أَنْكِحِينِي، وَالْمَرْأَةُ تُجِيبُهُ بِمِثْلِهِ إِنْ رَغِبَتْ فِيهِ وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ الحياة ينظر إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لمن بانت من نِكَاحُهَا كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالْمُبَانَةِ بِاللِّعَانِ والرضاع، فإنه يَجُوزُ خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا، وَإِنْ كَانَتْ ممن يحل لِلزَّوْجِ نِكَاحُهَا كَالْمُخْتَلِعَةِ وَالْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا، يَجُوزُ لِزَوْجِهَا خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ تَعْرِيضًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُعَاوَدَةَ ثابتة لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ كَالرَّجْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ للغير تعريضا بالخطبة، وهو قوله تعالى: (مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) الْتِمَاسُ النِّكَاحِ وَهِيَ مَصْدَرُ خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ يَخْطُبُ خِطْبَةً، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْخِطْبَةُ الذِّكْرُ وَالْخِطْبَةُ التَّشَهُّدُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مَنْ ذِكْرِ النِّسَاءَ عِنْدَهُنَّ {أَوْ أَكْنَنْتُمْ} [البقرة: 235] أضمرتم، {فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] من نِكَاحَهُنَّ، يُقَالُ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ وَكَنَنْتُهُ لُغَتَانِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ، أَيْ: أَخْفَيْتُهُ فِي نَفْسِي وكننتُه سترتُه، قال السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ فَيُسَلِّمَ وَيُهْدِيَ إِنْ شَاءَ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} [البقرة: 235] بِقُلُوبِكُمْ، {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة: 235] اخْتَلَفُوا فِي السِّرِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فقال قوم: هو الزنا، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ: لَا يَنْكِحُهَا سِرًّا فَيُمْسِكُهَا فَإِذَا حلّتْ أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ فَإِنِّي نَاكِحُكِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ والسدي: لا يؤخذ مِيثَاقَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَنْكِحُهَا وَلَا يَخْطُبُهَا فِي الْعِدَّةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: السِّرُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ لَا تَصِفُوا أَنْفُسَكُمْ لَهُنَّ بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، فَيَقُولُ: آتِيكِ الْأَرْبَعَةَ والخمسة، وأشباه ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} [البقرة: 235] هو مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] أَيْ: لَا تُحَقِّقُوا الْعَزْمَ عَلَى عقد النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، أَيْ: حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، وَسَمَّاهَا اللَّهُ: كِتَابًا، لِأَنَّهَا فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235] أَيْ: فَخَافُوا اللَّهَ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] لا يعجل بالعقوبة. [قَوْلُهُ تَعَالَى لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا] لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً. . . . . [236] وقوله تَعَالَى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] أَيْ: وَلَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَلَمْ تَفْرِضُوا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يمسَّها، فَنَزَلَتْ هذه الآية (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) أَيْ: تُوجِبُوا لَهُنَّ صَدَاقًا، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْوَجْهُ فِي نَفْيِ الْجُنَاحِ عَنِ الْمُطَلِّقِ؟ قِيلَ: الطَّلَاقُ قَطْعُ سَبَبِ الْوَصْلَةِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» ، فَنَفَى الْجُنَاحَ عَنْهُ إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ أَرْوَحَ مِنَ الْإِمْسَاكِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا سَبِيلَ لِلنِّسَاءِ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ الْمَسِيسِ، وَالْفَرْضِ بِصَدَاقٍ وَلَا نَفَقَةٍ، وَقِيلَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَطْلِيقِهِنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ حَائِضًا كَانَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ طَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَطْلِيقُهَا فِي حال الحيض، {وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] أَيْ: أَعْطُوهُنَّ مِنْ مَالِكُمْ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وَالْمُتْعَةُ وَالْمَتَاعُ: مَا يُتبلَّغ بِهِ مِنَ الزَّادِ، {عَلَى الْمُوسِعِ} [البقرة: 236] أَيْ: عَلَى الْغَنِيِّ، {قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ} [البقرة: 236] أي: الفقير، {قَدَرُهُ} [البقرة: 236] أي: إمكانه وطاقته (مَتَاعًا) نُصب عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: متعوهن، {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 236] أَيْ: بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ

مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ، {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] [237] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] هَذَا فِي الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَفْرُوضِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) أَيْ: سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مَهْرًا فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أَيْ: لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى، {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] يَعْنِي: النِّسَاءَ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَتْرُكَ الْمَرْأَةُ نَصِيبَهَا فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هو الولي، معناه: أن لا تعفو المرأة بترك نصيبها الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مِنْ أَهْلِ الْعَفْوِ أَوْ يَعْفُو وَلِيُّهَا، فَيَتْرُكُ نَصِيبَهَا إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بكرا، أو غير جائزة العفو فيجوز عفو وليها، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ عَفْوُ الْوَلِيِّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُ وَلِيِّهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هو الزوج وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا تَرْكُ الشَّيْءِ مِنَ الصَّدَاقِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ، كما لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا، وَقَالُوا: مَعْنَى الآية أن لا تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِ نَصِيبِهَا فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ، أَوْ يَعْفُو الزَّوْجُ بِتَرْكِ نَصِيبِهِ فَيَكُونُ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَجْهُ الْآيَةِ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ نِكَاحِ نَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] أي: والعفو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أَيْ: إِلَى التَّقْوَى، وَالْخِطَابُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ إِذَا اجْتَمَعَا، كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُذَكَّرِ، مَعْنَاهُ، وَعَفْوُ بَعْضِكُمْ عَنْ بَعْضٍ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] أَيْ: إِفْضَالَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِإِعْطَاءِ الرَّجُلِ تَمَامَ الصَّدَاقِ أَوْ تَرْكِ الْمَرْأَةِ نَصِيبَهَا، حَثَّهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْإِحْسَانِ، {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237] [238] قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] أَيْ: وَاظِبُوا وَدَاوِمُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ بِمَوَاقِيتِهَا وَحُدُودِهَا، وَإِتْمَامِ أَرْكَانِهَا، ثُمَّ خَصَّ مِنْ بَيْنِهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا دَلَالَةً عَلَى فضلها، ووسطى تَأْنِيثُ الْأَوْسَطِ، وَوَسَطُ الشَّيْءِ: خَيْرُهُ وَأَعْدَلُهُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا صَلَاةُ الظهر وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا صَلَاةُ العصر، رواه جماعة مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وَسَطٌ لَيْسَ بأقلها ولا أكثرها، وقال بعضهم: إنها صلاة العشاء، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا بِعَيْنِهَا أَبْهَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيضًا لِلْعِبَادِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ جَمِيعِهَا، كَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَسَاعَةَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَخْفَى الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ لِيُحَافِظُوا عَلَى جَمِيعِهَا. قَوْلُهُ تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أي: مطيعين، والقنوت: الطاعة، وَقِيلَ: الْقُنُوتُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَاشِعِينَ، وَقَالَ: مِنَ الْقُنُوتِ طُولُ الرُّكُوعِ، وَغَضُّ الْبَصَرِ، والركود وخفض الجناح وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْقُنُوتِ طُولُ القيام وقيل: قانتين أي: داعين وقيل: معناه مصليين. [239] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] مَعْنَاهُ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْكُمْ أَنْ تُصَلُّوا قَانِتِينَ مُوَفِّينَ لِلصَّلَاةِ حَقَّهَا لِخَوْفٍ، فَصَلُّوا مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِكُمْ أَوْ رُكْبَانًا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّكُمْ، وَهَذَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ وَالْمُسَايَفَةِ يُصَلِّي حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبَلِهَا،

قوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على

وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَصَدَهُ سَبُع أَوْ غَشِيَهُ سَيْلٌ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعَدَا أَمَامَهُ مُصَلِّيًا بِالْإِيمَاءِ يَجُوزُ، وَالصَّلَاةُ فِي حَالِ الْخَوْفِ عَلَى أَقْسَامٍ، فهذه أحد أقسام شدة صلاة الخوف {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 239] أَيْ: فَصَلَّوُا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَامَّةً بِحُقُوقِهَا، {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 239] [240] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 240] يا معشر الرجال، {وَيَذَرُونَ} [البقرة: 240] أي: يتركون {أَزْوَاجًا} [البقرة: 240] أي: زوجات، {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} [البقرة: 240] قرأ أهل البصرة وَصِيَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى: فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْوَصِيَّةَ {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] مَتَاعًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا، وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا، وَالْمَتَاعُ: نَفَقَةُ سَنَةٍ لِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَسَكَنِهَا وَمَا تحتاج إليه، {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَقِيلَ: بِنَزْعِ حَرْفٍ عَلَى الصِّفَةِ، أَيْ: مِنْ غير إخراج وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حَوْلًا كَامِلًا وَكَانَ يَحْرُمُ عَلَى الْوَارِثِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْبَيْتِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَكَانَتْ نَفَقَتُهَا وسكنها وَاجِبَةٌ فِي مَالِ زَوْجِهَا تِلْكَ السنة ما لم تخرج، لم يَكُنْ لَهَا الْمِيرَاثُ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا، فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى نَفَقَةَ الْحَوْلِ بِالرُّبْعِ وَالثُّمْنِ، وَنَسَخَ عدة الحول بأربعة أشهر وعشرا. قوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ} [البقرة: 240] يَعْنِي: مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجِ الْوَرَثَةِ، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 240] يَا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ، {فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} [البقرة: 240] يَعْنِي: التَّزَيُّنَ لِلنِّكَاحِ، وَلِرَفْعِ الْجُنَاحِ عَنِ الرِّجَالِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي قَطْعِ النَّفَقَةِ عنهن إِذَا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ وَالْآخَرُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِهِنَّ مِنَ الْخُرُوجِ، لِأَنَّ مُقَامَهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا، خَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ حَوْلًا وَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَبَيْنَ أَنْ تَخْرُجَ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى، إِلَى أَنْ نَسَخَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وعشرا، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 240] [قوله تعالى وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى] الْمُتَّقِينَ. . . . [241] {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] إِنَّمَا أَعَادَ ذِكْرَ الْمُتْعَةِ هَاهُنَا لِزِيَادَةِ مَعْنًى وَذَلِكَ أَنَّ فِي غَيْرِهَا بَيَانَ حُكْمِ غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ فِي الْمُتْعَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] إِلَى قَوْلِهِ: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [الْبَقَرَةِ: 236] قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنْ أَحْسَنْتُ فَعَلْتُ وَإِنْ لَمْ أر ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) ، جَعَلَ الْمُتْعَةَ لهن بلام التمليك، وقال: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ المتقين الشرك.

قوله تعالى ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من

[242] {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242] [243] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [البقرة: 243] (أَلَمْ تَرَ) أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمْ بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ، وَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، وقال أَهْلُ الْمَعَانِي: هُوَ تَعْجِيبٌ يَقُولُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَهُمْ كَمَا تَقُولُ أَلَمْ تَرَ إِلَى مَا يَصْنَعُ فلان {وَهُمْ أُلُوفٌ} [البقرة: 243] جَمْعُ أَلْفٍ، وَقِيلَ: مُؤْتَلِفَةٌ قُلُوبُهُمْ جَمْعُ أُلْف، مِثْلُ قَاعِدٍ وَقَعُودٍ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعَدَدُ، {حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243] أَيْ: خَوْفَ الْمَوْتِ، {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} [البقرة: 243] أمر تحويل، كقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الْبَقَرَةِ: 65] {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] بَعْدَ مَوْتِهِمْ {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 243] قِيلَ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي حق الكافة، وَقِيلَ عَلَى الْخُصُوصِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] أَمَّا الْكُفَّارُ فَلَمْ يَشْكُرُوا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَمْ يَبْلُغُوا غَايَةَ الشُّكْرِ. [244] {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 244] أَيْ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَعْدَاءَ اللَّهِ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 244] قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: هَذَا خِطَابٌ لِلَّذِينِ أُحْيَوْا، أُمِرُوا بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ. [245] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] الْقَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ ليجازَى عَلَيْهِ، فَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَمَلَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلَى رجاء ما عد لهم مِنَ الثَّوَابِ قَرْضًا، لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ لِطَلَبِ ثَوَابِهِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقَرْضُ مَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ، وَأَصْلُ الْقَرْضِ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ، سُمِّيَ بِهِ الْقَرْضُ لأنه يقطع به مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يُعْطِيهِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقِيلَ فِي الْآيَةِ اخْتِصَارٌ مَجَازُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ عِبَادَ اللَّهِ وَالْمُحْتَاجِينَ مِنْ خلقه وقوله عز وجل: (يُقْرِضُ اللَّهَ) أَيْ: يُنْفِقُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ قَرْضًا حَسَنًا، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاقِدِيُّ، يَعْنِي: محتسبا طيبة به نفسه. قال ابْنُ الْمُبَارَكِ: مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، وقال لَا يَمُنُّ بِهِ وَلَا يُؤْذِي {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] قَالَ السُّدِّيُّ: هَذَا التَّضْعِيفُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَقِيلَ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: 245] قِيلَ: يَقْبِضُ بِإِمْسَاكِ الرِّزْقِ وَالنَّفْسِ وَالتَّقْتِيرِ، وَيَبْسُطُ بِالتَّوْسِيعِ وَقِيلَ: يَقْبِضُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَيَبْسُطُ بِالْخَلَفِ وَالثَّوَابِ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ فَمَنْ أَمَاتَهُ فَقَدْ قَبَضَهُ وَمَنْ مَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ فَقَدْ بَسَطَ لَهُ، وَقِيلَ هَذَا فِي الْقُلُوبِ لَمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ، قَالَ يَقْبِضُ بعض القلوب فلا ينشط بالخير وَيَبْسُطُ بَعْضَهَا فَيُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245] أَيْ: إِلَى اللَّهِ تَعُودُونَ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ، الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلى التراب كناية من غَيْرِ مَذْكُورٍ أَيْ: مِنَ التُّرَابِ خلقهم واليه يعودون. [قَوْلُهُ تَعَالَى أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن] بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا. . . . [246] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 246] وَالْمَلَأُ مِنَ الْقَوْمِ: وُجُوهُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَأَصْلُ الْمَلَأِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْجَيْشِ، وَجَمْعُهُ أَمْلَاءٌ، {مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [البقرة: 246] أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِ مُوسَى، {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ} [البقرة: 246] وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ النَّبِيِّ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ افْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ هُوَ إِشْمَوِيلُ وهو بالعبرانية إسماعيل، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِشْمَوِيلَ نَبِيًّا فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً بِأَحْسَنِ حَالٍ، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ جَالُوتَ وَالْعَمَالِقَةِ مَا كَانَ، فَقَالُوا لِإِشْمَوِيلَ: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246] جَزْمٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ، {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} [البقرة: 246] استفهام شك،

يقول: لعلكم {إِنْ كُتِبَ} [البقرة: 246] فُرض {عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: 246] من ذلك الملك، {أَلَّا تُقَاتِلُوا} [البقرة: 246] أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلوا مَعَهُ، {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246] قال الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا لَنَا فِي أن لا تقاتل؛ فَحَذَفَ فِي، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ: وَمَا يَمْنَعُنَا أَنْ لَا نُقَاتِلَ في سبيل الله، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَنْ هَاهُنَا زَائِدَةٌ مَعْنَاهُ: وَمَا لَنَا لَا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: 246] أَيْ: أُخْرِجَ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ظَاهِرُ الْكَلَامِ الْعُمُومُ وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصُ، لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَإِنَّمَا أُخْرِجَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا مُجِيبِينَ لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّمَا كُنَّا نَزْهَدُ فِي الْجِهَادِ إِذْ كُنَّا مَمْنُوعِينَ فِي بِلَادِنَا لَا يَظْهَرُ عَلَيْنَا عَدُوُّنَا، فَأَمَّا إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنَّا فَنُطِيعُ رَبَّنَا فِي الْجِهَادِ، وَنَمْنَعُ نِسَاءَنَا وَأَوْلَادَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} [البقرة: 246] أَعْرَضُوا عَنِ الْجِهَادِ وَضَيَّعُوا أَمْرَ الله، {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 246] وهم الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهْرَ مَعَ طَالُوتَ وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْغُرْفَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] [247] {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] وَذَلِكَ أَنَّ إِشْمَوِيلَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا فَكَانَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} [البقرة: 247] أَيْ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ الملك علينا؟ {وَنَحْنُ أَحَقُّ} [البقرة: 247] أولى {بِالْمُلْكِ مِنْهُ} [البقرة: 247] ؟ إنما قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بني إسرائيل سبطان، سبط النبوة وسبط المملكة وَلَمْ يَكُنْ طَالُوتُ مِنْ أَحَدِهِمَا، إِنَّمَا كَانَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ بن يعقوب فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ذَلِكَ، أَنْكَرُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: هُوَ فَقِيرٌ، {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ} [البقرة: 247] اختاره {عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً} [البقرة: 247] فَضِيلَةً وَسَعَةً {فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247] وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَقْتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَتَاهُ الْوَحْيُ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ، وقال الكلبي: (وَزَادَهُ بَسْطَةً) فَضِيلَةً وَسَعَةً فِي الْعِلْمِ بِالْحَرْبِ، وَفِيِ الْجِسْمِ بِالطُّولِ، وَقِيلَ: الْجِسْمُ بِالْجَمَالِ، وَكَانَ طَالُوتُ أَجْمَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَعْلَمَهُمْ، {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] قِيلَ: الْوَاسِعُ ذُو السَّعَةِ وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي عَنْ غِنًى، وَالْعَلِيمُ الْعَالِمُ، وَقِيلَ: الْعَالِمُ بِمَا كَانَ، وَالْعَلِيمُ بِمَا يَكُونُ، فَقَالُوا لَهُ: فَمَا آيَةُ مُلْكِهِ فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ. [248] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة: 248] وَكَانَتْ قِصَّةُ التَّابُوتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ تَابُوتًا عَلَى آدَمَ فِيهِ

صورة الأنبياء عليهم السلام فَكَانَ عِنْدَ آدَمَ إِلَى أَنْ مات ثُمَّ تَدَاوَلَتْهُ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وكان فيه ما ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 248] اخْتَلَفُوا فِي السَّكِينَةِ مَا هِيَ؟ فقيل هي ريح خجوج هفافة وقيل: شَيْءٌ يُشْبِهُ الْهِرَّةَ لَهُ رَأْسٌ كرأس الهرة فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا صَوْتَهُ تَيَقَّنُوا بالنصرة وقيل: هي طشت من ذهب من الجنة وقيل: هِيَ رُوحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ إذا اختلفوا في شيء يخبرهم ببيان ما يريدون وقيل: هِيَ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ فيسكنون إليها، وقيل: طُمَأْنِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَفِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ التَّابُوتُ اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ وَسَكَنُوا، {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: 248] يعني: موسى وهارون نفسهما، كَانَ فِيهِ لَوْحَانِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَرُضَاضِ الْأَلْوَاحِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ، وَكَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى وَنَعْلَاهُ، وَعِمَامَةُ هارون وعصاه، وقفير مِنَ الْمَنِّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ التَّابُوتُ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تَكَلَّمَ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ قَدَّمُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى عدوهم، فلما عصوا وأفسدوا سلّط الله عليهم العمالقة فغلبهم على التابوت، {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248] أَيْ: تَسُوقُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ التَّابُوتُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ فَلَمَّا وَلِيَ طَالُوتُ الْمُلْكَ حَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلْ كَانَ التَّابُوتُ فِي التِّيهِ خلفه موسى فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ فَأَقَرُّوا بِمُلْكِهِ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [البقرة: 248] لَعِبْرَةً، {لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ التَّابُوتَ وَعَصَا مُوسَى فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَةَ، وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ قبل يوم القيامة. [249] قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} [البقرة: 249] أَيْ: خَرَجَ بِهِمْ، وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْقَطْعُ، يَعْنِي قَطَعَ مُسْتَقَرَّهُ شَاخِصًا إِلَى غَيْرِهِ، فَخَرَجَ طَالُوتُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْجُنُودِ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ ألفا وَكَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ فَشَكَوْا قِلَّةَ الْمَاءِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمِيَاهَ قَلِيلَةٌ لَا تَحْمِلُنَا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَ لنا نهرا، {قَالَ} [البقرة: 249] طالوت: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249] مُخْتَبِرُكُمْ لِيَرَى طَاعَتَكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ، (بِنَهَرٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ نَهْرُ فِلَسْطِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: نَهْرٌ بَيْنَ الْأُرْدُنِ وَفِلَسْطِينَ عَذْبٌ، {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249] أي: مِنْ أَهْلِ دِينِي وَطَاعَتِي، {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} [البقرة: 249] لم يَشْرَبْهُ {فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249] الْغُرْفَةُ بِالضَّمِّ الَّذِي يَحْصُلُ فِي الْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ إِذَا غُرِفَ، وَالْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ: الِاغْتِرَافُ، فَالضَّمُّ اسْمٌ وَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ،

قوله تعالى فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت

{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 249] لما وَصَلُوا إِلَى النَّهْرِ وَقَدْ أُلْقِيَ الله عليهم العطش شرب منه الكل إلا الْقَلِيلَ، فَمَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً كَمَا أَمَرَ اللَّهُ قَوِيَ قَلْبُهُ وَصَحَّ إِيمَانُهُ، وَعَبَرَ النَّهْرَ سَالِمًا وَكَفَتْهُ تِلْكَ الْغُرْفَةُ الْوَاحِدَةُ لِشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ وَدَوَابَّهُ، وَالَّذِينَ شَرِبُوا وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ اسْوَدَّتْ شِفَاهُهُمْ وَغَلَبَهُمُ الْعَطَشُ، فلم يَحْضُرِ الْقِتَالَ إِلَّا الَّذِينَ لَمْ يشربوا، {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} [البقرة: 249] يعني: النهر {هُوَ} [البقرة: 249] يَعْنِي: طَالُوتَ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البقرة: 249] يعني: القليل، {قَالُوا} [البقرة: 249] يَعْنِي: الَّذِينَ شَرِبُوا وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَكَانُوا أَهْلَ شَكٍّ وَنِفَاقٍ، {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: 249] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالسُّدِّيُّ: فَانْحَرَفُوا وَلَمْ يُجَاوِزُوا، {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: 249] يستيقنون {أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} [البقرة: 249] وهم الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ طَالُوتَ {كَمْ مِنْ فِئَةٍ} [البقرة: 249] جَمَاعَةٍ، وَهِيَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ له من لفظه، وجمعها فئات وفؤن، فِي الرَّفْعِ، وَفِئِينَ فِي الْخَفْضِ وَالنَّصْبِ، {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 249] بقضائه وقدره وإرادته، {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] بالنصر والمعونة. [250] {وَلَمَّا بَرَزُوا} [البقرة: 250] يَعْنِي: طَالُوتَ وَجُنُودَهُ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: 250] الْمُشْرِكِينَ، وَمَعْنَى بَرَزُوا: صَارُوا بِالْبِرَازِ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ واستوى منها، {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا} [البقرة: 250] أَنْزَلَ وَاصْبُبْ {صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250] قو قُلُوبَنَا، {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] [قوله تعالى فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ] . . . . . [251] {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 251] أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} [البقرة: 251] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: مَلَكَ دَاوُدُ بَعْدَ قَتْلِ طَالُوتَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَمْ يَجْتَمِعْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى مَلِكٍ وَاحِدٍ إِلَّا عَلَى دَاوُدَ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 251] يَعْنِي: النُّبُوَّةَ، جَمَعَ اللَّهُ لِدَاوُدَ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ كذلك من قبل كَانَ الْمُلْكُ فِي سِبْطٍ وَالنُّبُوَّةُ فِي سِبْطٍ، وَقِيلَ: الْمُلْكُ وَالْحِكْمَةُ هُوَ: الْعِلْمُ مَعَ الْعَمَلِ، قَوْلُهُ تعالى: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة: 251] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي صَنْعَةَ الدُّرُوعِ، وَكَانَ يَصْنَعُهَا وَيَبِيعُهَا وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَقِيلَ: مَنْطِقُ الطَّيْرِ وَكَلَامُ الجعل والنمل والذر وما أشبهها مما لا صوت لها، وَقِيلَ: هُوَ الزَّبُورُ، وَقِيلَ: هُوَ الصوت الطيب والألحان {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [البقرة: 251] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَلَوْلَا دفع الله الناس بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ لَغَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَرْضِ فَقَتَلُوا الْمُؤْمِنِينَ وَخَرَّبُوا الْمَسَاجِدَ وَالْبِلَادَ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْأَبْرَارِ عَنِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ لَهَلَكَتِ الْأَرْضُ بِمَنْ فِيهَا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ عَنِ الْكَافِرِ، وَبِالصَّالِحِ عَنِ الْفَاجِرِ. [252] {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة: 252] [253] {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253] أَيْ: كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَعْنِي: مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [البقرة: 253] أَيْ: مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ} [البقرة: 253] ثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ بِفَضْلِ اللَّهِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} [البقرة: 253] بِخُذْلَانِهِ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [البقرة: 253] أَعَادَهُ تَأْكِيدًا، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ فَضْلًا وَيَخْذُلُ من يشاء عدلا. [254] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254] قَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرَادَ بِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَالنَّفَقَةَ فِي الْخَيْرِ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} [البقرة: 254] أي: لا فداء فيه، سمي بَيْعًا لِأَنَّ الْفِدَاءَ شِرَاءُ نَفْسِهِ،

قوله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من

{وَلَا خُلَّةٌ} [البقرة: 254] ولا صداقة {وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] إلا بإذن الله {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] لِأَنَّهُمْ وَضَعُوا الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ موضعها. [255] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] الباقي الدائم على الا بد وَهُوَ مَنْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ صفة الله تعالى القيوم قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقَيُّومُ الْقَائِمُ عَلَى كل شيء، قال الْكَلْبِيُّ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَائِمُ بِالْأُمُورِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي لَا يَزُولُ {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] السِّنَةُ النُّعَاسُ، وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ، الوسنان بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، يُقَالُ مِنْهُ وَسِنَ يسن وَسَنًا وَسِنَةً، وَالنَّوْمُ هو: الثقل المزيل للقوة والعقل نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ لِأَنَّهُ آفَةٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْآفَاتِ، وَلِأَنَّهُ تُغير وَلَا يجوز عليه التغير {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255] مُلْكًا وَخَلْقًا، {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] بِأَمْرِهِ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255] قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَعْنِي: الْآخِرَةَ لِأَنَّهُمْ يَقْدَمُونَ عَلَيْهَا، وما خلفهم من الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ يُخَلِّفُونَهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: مَا مَضَى أَمَامَهُمْ، وَمَا خَلْفَهُمْ: مَا يَكُونُ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا كان قبل الْمَلَائِكَةِ وَمَا خَلْفَهُمْ، أَيْ: مَا كَانَ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَيْ: مَا قَدَّمُوهُ من خير وشر، وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] أَيْ: مِنْ عِلْمِ اللَّهِ {إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَيْهِ، يَعْنِي: لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ إِلَّا بِمَا شَاءَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرُّسُلَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27] وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] أَيْ: سِعَتُهُ مِثْلُ سِعَةِ السَّمَاوَاتِ والأرض {وَلَا يَئُودُهُ} [البقرة: 255] أَيْ: لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، يُقَالُ: آدَنِي الشَّيْءُ أَيْ أثقلني، {حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] أَيْ: حِفْظُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، {وَهُوَ الْعَلِيُّ} [البقرة: 255] الرَّفِيعُ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَالْمُتَعَالِي عَنِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَقِيلَ: الْعَلِيُّ بِالْمُلْكِ والسلطنة، {الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] الْكَبِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ تَعَالَى لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ] الْغَيِّ. . . . [256] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] لما أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ عَدَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْصَارِ فَأَرَادَتِ الْأَنْصَارُ اسْتِرْدَادَهُمْ، وَقَالُوا: هُمْ أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيِّرُوا أَصْحَابَكُمْ فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَأَجْلُوهُمْ مَعَهُمْ» (¬1) وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ نَاسٌ مُسْتَرْضَعِينَ فِي الْيَهُودِ مِنَ الْأَوْسِ فَلَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ الَّذِينَ كَانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِيهِمْ: لَنَذْهَبَنَّ ¬

(¬1) أخرجه الطبري في التفسير 5 / 409، والبيهقي في السنن 9 / 186.

مَعَهُمْ وَلَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ، فنزلت الآية {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] أَيِ: الْإِيمَانُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} [البقرة: 256] يعني بالشيطان، وَقِيلَ: كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ طَاغُوتٌ، وقيل: مَا يُطغي الْإِنْسَانَ فَاعُولٌ، مِنَ الطُّغْيَانِ زِيدَتِ التَّاءُ فِيهِ بَدَلًا مِنْ لَامِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِمْ: حَانُوتٌ وتابوت، فالتاء فيها مبدل مِنْ هَاءِ التَّأْنِيثِ، {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] أَيْ: تَمَسَّكَ وَاعْتَصَمَ بِالْعَقْدِ الْوَثِيقِ الْمُحْكَمِ فِي الدِّينِ، وَالْوُثْقَى: تَأْنِيثُ الْأَوْثَقِ، وَقِيلَ: الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى السَّبَبُ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى رِضَا اللَّهِ تعالى، {لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] لَا انْقِطَاعَ لَهَا {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} [البقرة: 256] لِدُعَائِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، {عَلِيمٌ} [البقرة: 256] بحرصك على إيمانهم. [257] قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ، وَقِيلَ: مُحِبُّهُمْ، وَقِيلَ: مُتَوَلِّي أُمُورَهُمْ لَا يَكِلُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِيُّ هِدَايَتِهِمْ، {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] أَيْ: مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ غَيْرُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] فَالْمُرَادُ مِنْهُ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، سُمي الْكُفْرُ ظُلْمَةً لِالْتِبَاسِ طَرِيقِهِ، وَسُمِّيَ الْإِسْلَامُ نُورًا لِوُضُوحِ طَرِيقِهِ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} [البقرة: 257] قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي: كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَحُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَسَائِرَ رؤوس الضَّلَالَةِ، {يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] يَدْعُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، وَالطَّاغُوتُ يَكُونُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا وَوَاحِدًا وجمعا {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257] [258] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] مَعْنَاهُ: هَلِ انْتَهَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ خَبَرُ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ خَاصَمَ وَجَادَلَ، وَهُوَ نُمْرُودُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ وَتَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ؟ {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] أَيْ: لِأَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَطَغَى أَيْ: كَانَتْ تِلْكَ الْمُحَاجَّةُ من بطر الملك وطغيانه وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا كَسَّرَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْنَامَ سَجَنَهُ نُمْرُودُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ لِيَحْرِقَهُ بِالنَّارِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ هَذَا بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ نُمْرُودَ، وَكَانَ النَّاسُ يَمْتَارُونَ مِنْ عِنْدِهِ الطَّعَامَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الطَّعَامِ سَأَلَهُ مِنْ رَبُّكَ؟ فَإِنْ قَالَ أَنْتَ بَاعَ مِنْهُ الطَّعَامَ، فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) فَاشْتَغَلَ بِالْمُحَاجَّةِ وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

{إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ: قَالَ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، {قَالَ} [البقرة: 258] نمرود {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: دَعَا نُمْرُودُ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَاسْتَحْيَا الْآخَرَ فجعل القتل إماتة، وترك القتل إحياء، فَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى ليعجزه، فَإِنَّ حُجَّتَهُ كَانَتْ لَازِمَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِحْيَاءِ إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ فَكَانَ له أن يقول فأحيي مَنْ أَمَتَّ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَانْتَقَلَ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى أَوْضَحَ مِنَ الْأُولَى {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] أَيْ: تَحَيَّرَ وَدَهِشَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] [259] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} [البقرة: 259] وهذه الآية مسوقة عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى، تَقْدِيرُهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في ربه، وهل رأيت كالذي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ؟ وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: هل رأيت كالذي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَهَلْ رأيت كالذي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْمَارِّ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيَا، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُوَ أَرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ وَهُوَ الْخَضِرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ كَافِرٌ شَكَّ فِي الْبَعْثِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَقَالَ وَهْبٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الأرض المقدسة وَقِيلَ: هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِيهَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ، وَقِيلَ: هِيَ قَرْيَةُ الْعِنَبِ وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} [البقرة: 259] سَاقِطَةٌ، يُقَالُ: خَوِيَ الْبَيْتُ بِكَسْرِ الْوَاوِ يَخْوِي، خَوًى مَقْصُورًا إِذَا سَقَطَ وَخَوَى الْبَيْتُ بِالْفَتْحِ خَوَاءً مَمْدُودًا إِذَا خَلَا، {عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259] سُقُوفِهَا، وَاحِدُهَا عَرْشٌ، وَقِيلَ: كُلُّ بِنَاءٍ عَرْشٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْحِيطَانُ عَلَيْهَا، {قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 259] أَيْ: أَحْيَاهُ، {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} [البقرة: 259] أَيْ: كَمْ مَكَثْتَ؟ يُقَالُ: لَمَّا أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلِكًا فَسَأَلَهُ: كَمْ لَبِثْتَ {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا} [البقرة: 259] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَاتَهُ ضُحًى فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَأَحْيَاهُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، فَقَالَ كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ، فَقَالَ: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259] بل بعض يوم، {قَالَ} [البقرة: 259] له الْمَلِكُ: {بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ} [البقرة: 259] يعني: التين، {وَشَرَابِكَ} [البقرة: 259] يعني العصير، {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] أَيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَكَانَ التِّينُ كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من سَاعَتِهِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: كَأَنَّهُ لَمْ تأت عليه السنون، وَإِنَّمَا قَالَ: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) وَلَمْ يُثَنِّهِ مَعَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ شيئين ردا للمتغير إلى أقرب اللفظين به، وَهُوَ الشَّرَابُ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْآخَرِ، {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259] فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ بِيضٌ، فَرَكَّبَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِظَامَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَكَسَاهُ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ وأحياه وهو ينظر، {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 259] معناه: ولنجعلك آية: عِبْرَةً وَدَلَالَةً عَلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ عَادَ إِلَى قَرْيَتِهِ شَابًّا وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ شُيُوخٌ وَعَجَائِزُ، وَهُوَ أَسْوَدُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة: 259] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: (نَنْشُرُهَا) بِالرَّاءِ، مَعْنَاهُ: نُحْيِيهَا، يُقَالُ: أَنْشَرَ الله الميت إنشارا وأنشره نشورا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} [عَبَسَ: 22] وَقَالَ فِي اللازم {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15] وقال الْآخَرُونَ بِالزَّايِ، أَيْ نَرْفَعُهَا مِنَ الأرض وَنُرَكِّبُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْشَازُ الشيء: رفعه وإزعاجه قال: أَنْشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أَيْ: رَفَعْتُهُ فَارْتَفَعَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: أَرَادَ بِهِ

قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل

عظام حماره {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [البقرة: 259] ثم كسي العظام لحما فصار حمارا وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِهِ عِظَامَ هذا الرجل، ذلك أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُمِتْ حِمَارَهُ بَلْ أَمَاتَهُ هُوَ: فَأَحْيَا اللَّهُ عَيْنَيْهِ، وَرَأْسَهُ وَسَائِرَ جَسَدُهُ مَيِّتٌ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فَنَظَرَ فَرَأَى حِمَارَهُ قَائِمًا واقفا كهيئة يَوْمَ رَبَطَهُ حَيًّا لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عَامٍ، وَنَظَرَ إِلَى الرُّمَّةِ فِي عُنُقِهِ جَدِيدَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ كيف ننشزها {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} [البقرة: 259] ذلك عيانا، {قَالَ أَعْلَمُ} [البقرة: 259] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مَجْزُومًا مَوْصُولًا عَلَى الْأَمْرِ عَلَى مَعْنَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: اعْلَمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (أَعْلَمُ) بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَرَفْعِ الميم على الخبر عن عزيز أَنَّهُ قَالَ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ: أَعْلَمُ، {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] [260] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260] لِأُعَايِنَ فَأَزْدَادَ يَقِينًا فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} [البقرة: 260] يَا رَبِّ عَلِمْتُ وَآمَنْتُ، {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] أَيْ: لِيَسْكُنَ قَلْبِي إِلَى الْمُعَايَنَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ عَيْنَ الْيَقِينِ، لِأَنَّ الخبر ليس كالمعاينة {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بِكَسْرِ الصَّادِ، أَيْ: قَطِّعْهُنَّ وَمَزِّقْهُنَّ، يُقَالُ: صَارَ يَصِيرُ صَيْرًا، إِذَا قَطَعَ، وَانْصَارَ الشَّيْءُ انْصِيَارًا إذا انقطع، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (فَصُرْهُنَّ) بِضَمِّ الصَّادِ، ومعناه: أملهن إليك ووجههن وَقَالَ عَطَاءٌ مَعْنَاهُ: اجْمَعْهُنَّ وَاضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} [البقرة: 260] أراد بعض الجبال، قال المفسرون: أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ تِلْكَ الطُّيُورَ، وَيَنْتِفَ رِيشَهَا وَيَقْطَعَهَا وَيَخْلِطَ رِيشَهَا وَدِمَاءَهَا وَلُحُومَهَا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَفَعَلَ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يجعل أجزاءها على الجبال ثم دعاهن فقال: تعالين بإذن الله فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260] قِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ الْإِسْرَاعُ وَالْعَدْوُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمَشْيُ دُونَ الطيران وَقِيلَ: السَّعْيُ بِمَعْنَى: الطَّيَرَانِ، {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] [قَوْلُهُ تَعَالَى مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ] اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ. . . . [261] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 261] فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ صَدَقَاتِ الذين ينفقون أموالهم، {كَمَثَلِ} [البقرة: 261] زارع {حَبَّةٍ} [البقرة: 261] وَأَرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ: الْجِهَادَ، وَقِيلَ: جميع أبواب الخير، {أَنْبَتَتْ} [البقرة: 261] أخرجت، {سَبْعَ سَنَابِلَ} [البقرة: 261] جَمْعُ: سُنْبُلَةٍ، {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] قِيلَ: مَعْنَاهُ يُضَاعِفُ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُضَاعِفُ عَلَى هَذَا وَيَزِيدُ لِمَنْ يَشَاءُ {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] غَنِيٌّ يُعْطِي عَنْ سَعَةٍ، عَلِيمٌ بنية من ينفق ماله. [262] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 262] أي: فِي طَاعَةِ اللَّهِ {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا} [البقرة: 262] وَهُوَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِعَطَائِهِ، فَيَقُولَ:

قوله تعالى أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل

أَعْطَيْتُكَ كَذَا، وَيَعُدُّ نِعَمَهُ عَلَيْهِ فيكدرها عليه {وَلَا أَذًى} [البقرة: 262] هو أَنْ يُعَيِّرَهُ فَيَقُولَ: إِلَى كَمْ تَسْأَلُ وَكَمْ تُؤْذِينِي؟ وَقِيلَ: مِنَ الأذى: وهو أَنْ يَذْكُرَ إِنْفَاقَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: {مَنًّا وَلَا أَذًى} [البقرة: 262] هو: أن يقول قد أعطيتك فما شكرت {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 262] أَيْ: ثَوَابُهُمْ، {عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] [263] {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [البقرة: 263] أَيْ: كَلَامٌ حَسَنٌ وَرَدٌّ عَلَى السَّائِلِ جَمِيلٌ، وَقِيلَ، عِدَةٌ حَسَنَةٌ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دُعَاءٌ صَالِحٌ يَدْعُو لأخيه بظهر الغيب {وَمَغْفِرَةٌ} [البقرة: 263] أَيْ: تَسْتُرُ عَلَيْهِ خَلَّتَهُ وَلَا تَهْتِكُ عَلَيْهِ سِتْرَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ والضحاك: يتجاوز عَنْ ظَالِمِهِ، وَقِيلَ: يَتَجَاوَزُ عَنِ الْفَقِيرِ إِذَا اسْتَطَالَ عَلَيْهِ عِنْدَ رده، {خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ} [البقرة: 263] يدفعها إليه، {يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة: 263] أَيْ: مَنٌّ وَتَعْيِيرٌ لِلسَّائِلِ أَوْ قول يؤذيه، {وَاللَّهُ غَنِيٌّ} [البقرة: 263] أَيْ مُسْتَغْنٍ عَنْ صَدَقَةِ الْعِبَادِ {حَلِيمٌ} [البقرة: 263] لَا يُعجّل بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ يَمُنُّ وَيُؤْذِي بِالصَّدَقَةِ. [264] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ} [البقرة: 264] أي: أجور صدقاتكم، {بِالْمَنِّ} [البقرة: 264] عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِالْمَنِّ عَلَى الله تعالى، {وَالْأَذَى} [البقرة: 264] لِصَاحِبِهَا ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فقال: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} [البقرة: 264] أَيْ: كَإِبْطَالِ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ {رِئَاءَ النَّاسِ} [البقرة: 264] أَيْ: مُرَاءَاةً وَسُمْعَةً لِيَرَوْا نَفَقَتَهُ وَيَقُولُوا: إِنَّهُ كَرِيمٌ سَخِيٌّ، {وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 264] يُرِيدُ أَنَّ الرِّيَاءَ يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ، وَلَا تَكُونُ النَّفَقَةُ مَعَ الرِّيَاءِ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا لِلْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ الْكَافِرَ مُعْلِنٌ بِكُفْرِهِ غَيْرُ مرائي، {فَمَثَلُهُ} [البقرة: 264] أَيْ: مَثَلُ هَذَا الْمُرَائِي، {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} [البقرة: 264] وهو الحجر الأملس {عَلَيْهِ} [البقرة: 264] أَيْ عَلَى الصَّفْوَانِ، {تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} [البقرة: 264] وهو الْمَطَرُ الشَّدِيدُ الْعَظِيمُ الْقَطْرِ، {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} [البقرة: 264] أَيْ: أَمْلَسَ، وَالصَّلْدُ: الْحَجَرُ الصُّلْبُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفَقَةِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي وَالْمُؤْمِنَ الَّذِي يَمُنُّ بِصَدَقَتِهِ وَيُؤْذِي، وَيُرِي النَّاسَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ أَعْمَالًا كَمَا يُرَى التُّرَابُ عَلَى هَذَا الصَّفْوَانِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَطَلَ كُلُّهُ وَاضْمَحَلَّ لِأَنَّهُ لَمْ يكن لله، كَمَا أَذْهَبَ الْوَابِلُ مَا عَلَى الصَّفْوَانِ مِنَ التُّرَابِ فَتَرَكَهُ صَلْدًا، {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264] أَيْ: عَلَى ثَوَابِ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَعَمِلُوا فِي الدُّنْيَا {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] [265] وقوله تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 265] أَيْ: طَلَبَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 265] قَالَ قَتَادَةُ: احْتِسَابًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْكَلْبِيُّ تَصْدِيقًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُهُمْ عَلَى يَقِينٍ بِالثَّوَابِ، وَتَصْدِيقٍ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا أَخْرَجُوا خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا تَرَكُوا، وَقِيلَ: عَلَى يَقِينٍ بِإِخْلَافِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} [البقرة: 265] أي: بستان، {بِرَبْوَةٍ} [البقرة: 265] هي الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ الْمُسْتَوِي الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْأَنْهَارُ فَلَا يَعْلُوهُ الْمَاءُ وَلَا يَعْلُو عَنِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بِرَبْوَةٍ لِأَنَّ النَّبَاتَ عَلَيْهَا أحسن وأزكى، {أَصَابَهَا وَابِلٌ} [البقرة: 265] مَطَرٌ شَدِيدٌ كَثِيرٌ، {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265] أَيْ: أَضْعَفَتْ فِي الْحَمْلِ، قَالَ عطاء: حملت في سنة مِنَ الرِّيعِ مَا يَحْمِلُ غَيْرُهَا فِي سَنَتَيْنِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَمَلَتْ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265] أَيْ: فَطَشٌّ وَهُوَ الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الْخَفِيفُ، وَيَكُونُ دَائِمًا قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ النَّدَى، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَمَلِ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصِ، فَيَقُولُ: كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ تربع فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا تَخَلَّفُ سَوَاءٌ قَلَّ الْمَطَرُ أَوْ كَثُرَ، كَذَلِكَ يُضْعِفُ اللَّهُ صَدَقَةَ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصِ الَّذِي لَا يَمُنُّ وَلَا يُؤْذِي سَوَاءٌ قَلَّتْ نَفَقَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلَّ إِذَا كَانَ يَدُومُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْوَابِلِ الشَّدِيدِ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] [قوله تعالى أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ] وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ. . . . [266] {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 266]

يَعْنِي: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ أَيْ: بُسْتَانٌ، مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؟ {لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} [البقرة: 266] أَوْلَادٌ صِغَارٌ ضِعَافٌ عَجَزَةٌ، {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} [البقرة: 266] وهو الرِّيحُ الْعَاصِفُ الَّتِي تَرْتَفِعُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا عَمُودٌ وَجَمْعُهُ أَعَاصِيرُ، {فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [البقرة: 266] هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي، يَقُولُ: عَمَلُهُ فِي حُسْنِهِ كَحُسْنِ الْجَنَّةِ يَنْتَفِعُ بِهِ كَمَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الْجَنَّةِ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا كَبِرَ أَوْ ضَعُفَ وَصَارَ له أولاد ضعاف أصاب جَنَّتَهُ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، فَصَارَ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا وَضَعُفَ عَنْ إِصْلَاحِهَا لِكِبَرِهِ وَضَعْفِ أَوْلَادِهِ عَنْ إِصْلَاحِهَا لِصِغَرِهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ هُوَ مَا يَعُودُ بِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَا أَوْلَادُهُ مَا يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْهِ، فَبَقُوا جَمِيعًا مُتَحَيِّرِينَ عَجَزَةً لَا حِيلَةَ بِأَيْدِيهِمْ، كَذَلِكَ يُبْطِلُ اللَّهُ عَمَلَ هَذَا الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي حِينَ لَا مُغِيثَ لَهُمَا وَلَا تَوْبَةَ وَلَا إِقَالَةَ {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] [267] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} [البقرة: 267] من خيار {مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْكَسْبِ، وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى طيب وخبيث {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] قيل: هذا أمر بِإِخْرَاجِ الْعُشُورِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ {وَلَا تَيَمَّمُوا} [البقرة: 267] معناه: لَا تَقْصِدُوا، {الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] قال الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ بشرار ثمارهم ورزالة أموالهم ويعملون الْجَيِّدَ نَاحِيَةً لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} [البقرة: 267] الرَّدِيءَ {مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} [البقرة: 267] يَعْنِي الْخَبِيثَ، {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: 267] الْإِغْمَاضُ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَأَرَادَ هَاهُنَا: التجويز وَالْمُسَاهَلَةَ، مَعْنَاهُ: لَوْ كَانَ لِأَحَدِكُمْ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَجَاءَهُ بِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهُ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَغْمَضَ لَهُ عَنْ حقه وتركه، قال الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَوْ وَجَدْتُمُوهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ مَا أَخَذْتُمُوهُ بِسِعْرِ الْجَيِّدِ، وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَوْ أُهْدِيَ ذَلِكَ لَكُمْ مَا أَخَذْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صاحبه وغيظ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} [البقرة: 267] عن صدقاتكم، {حَمِيدٌ} [البقرة: 267] مَحْمُودٌ فِي أَفْعَالِهِ. [268] {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [البقرة: 268] أي يخوفكم بالفقر، وَالْفَقْرُ سُوءُ الْحَالِ وَقِلَّةُ ذَاتِ اليد، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُكُمْ بِالْفَقْرِ، وَيَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَإِنَّكَ إِذَا تَصَدَّقْتَ بِهِ افتقرت، {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268] أَيْ: بِالْبُخْلِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلُّ الْفَحْشَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الزِّنَا إِلَّا هَذَا، {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} [البقرة: 268] أي: لذنوبكم، {وَفَضْلًا} [البقرة: 268] أي: رزقا وخلفا، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} [البقرة: 268] غني {عَلِيمٌ} [البقرة: 268]

قوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي. . . .

[269] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269] قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ النُّبُوَّةُ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَتَادَةُ: عِلْمُ الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ وَمَنْسُوخُهُ وَمُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْقُرْآنُ والفهم فيه، وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وفهمها {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} [البقرة: 269] حُكي عن الحسن قَالَ: الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [الْبَقَرَةِ: 269] قال الحسن: من أعطي القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لم يوح إليه (¬1) . {وَمَا يَذَّكَّرُ} [البقرة: 269] يتعظ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269] ذوو العقول. [270] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ} [البقرة: 270] فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ {أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ} [البقرة: 270] أَيْ: مَا أَوْجَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَوَفَّيْتُمْ به {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] يحفظه حتى يجازيكم {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} [البقرة: 270] الْوَاضِعِينَ الصَّدَقَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا بالرياء ويتصدقون من الحرام {مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة: 270] من أعوان أن يَدْفَعُونَ عَذَابَ اللَّهِ عَنْهُمْ، وَهِيَ جمع نصير، مثل شريف أشراف. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ. . . .] [271] قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 271] أي: تظهروها {فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] أي: نعمت الخصلة هي {وَإِنْ تُخْفُوهَا} [البقرة: 271] تسروها, {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ} [البقرة: 271] أَيْ: تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فِي السِّرِّ {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271] وَأَفْضَلُ وَكُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً، وَلَكِنْ صَدَقَةُ السِّرِّ أفضل وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَمَّا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فَالْإِظْهَارُ فِيهَا أَفْضَلُ حَتَّى يَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ، وَالنَّافِلَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ كَانَ الْإِخْفَاءُ فِيهَا خَيْرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْإِظْهَارُ أَفْضَلُ حَتَّى لَا يُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: 271] أي: ويكفر الله وقوله: {مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: 271] قيل: {مِنْ} [البقرة: 271] صِلَةٌ، تَقْدِيرُهُ: نُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ لِلتَّحْقِيقِ وَالتَّبْعِيضِ، يَعْنِي: نُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ مِنَ الذُّنُوبِ {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] [272] {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: 272] فَتَمْنَعُهُمُ الصَّدَقَةَ لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ حَاجَةً مِنْهُمْ إِلَيْهَا {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272] وأراد به هداية التوفيق {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [الْبَقَرَةِ: 272] أي: مال {فَلِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 272] أي: تنفقونه لِأَنْفُسِكُمْ {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272] معناه نَهْيٌ، أَيْ: لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابتعاء وَجْهِ اللَّهِ {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 272] شرط كالأول, ¬

(¬1) روى الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَنْ قَرَأَ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه "، الحديث.

ولذلك حذف النون منهم {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [البقرة: 272] أَيْ يُوَفَّرُ لَكُمْ جَزَاؤُهُ، وَمَعْنَاهُ: يُؤَدِّي إِلَيْكُمْ، وَلِذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ إلى, {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] لَا تُنْقَصُونَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا، وَهَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُوضَعَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَلَا يَجُوزُ وضعها إلا في المسلمين. [273] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ هَذِهِ اللَّامِ، قِيلَ: هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْضِعِ اللام من قوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 272] كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِلْفُقَرَاءِ، وَإِنَّمَا تُنْفِقُونَ لِأَنْفُسِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا الصَّدَقَاتُ الَّتِي سَبَقَ ذكرها، وقيل: خبر مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ كذا حق واجب وهم للفقراء الْمُهَاجِرِينَ، كَانُوا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسَاكِنُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا عَشَائِرُ، وَكَانُوا فِي المسجد يتعلمون القرآن، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِي كُلِّ سَرِيَّةٍ يَبْعَثُهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ، فَحَثَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّاسَ فَكَانَ مَنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ أَتَاهُمْ بِهِ إِذَا أَمْسَى، {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] فيه أقاويل، قال قتادة: هم هؤلاء حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 273] لَا يَتَفَرَّغُونَ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْمَعَاشِ، وَهُمْ أَهْلُ الصُّفَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ، وَقِيلَ: حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَبَسَهُمُ الْفَقْرُ وَالْعُدْمُ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ الله، وقيل: هؤلاء قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَصَارُوا زَمْنَى أَحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ للجهاد، وقيل: مِنْ كَثْرَةِ مَا جَاهَدُوا صَارَتِ الأرض كلها حربا لهم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ من كثرة أعدائهم، {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ} [البقرة: 273] بحالهم، {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] أَيْ: مِنْ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤَالِ وَقَنَاعَتِهِمْ يَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُمْ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَالتَّعَفُّفُ التَّفَعُّلُ مِنَ الْعِفَّةِ وَهِيَ التَّرْكُ، يُقَالُ: عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا كَفَّ عَنْهُ، وَتَعَفَّفَ إِذَا تَكَلَّفَ فِي الإمساك , {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] السِّيمَاءُ وَالسِّيمِيَاءُ وَالسِّمَةُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الشَّيْءُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا هَاهُنَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَثَرُ الْجُهْدِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: صُفْرَةُ أَلْوَانِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَالضُّرِّ، وَقِيلَ: رَثَاثَةُ ثِيَابِهِمْ، {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] قَالَ عَطَاءٌ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ غَدَاءٌ لَا يَسْأَلُونَ عَشَاءً، وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ عَشَاءٌ لَا يَسْأَلُونَ غَدَاءً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا أَصْلًا، لِأَنَّهُ قَالَ: {مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] وَالتَّعَفُّفِ: تَرْكُ السُّؤَالِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ شَأْنِهِمْ لَمَا كَانَتْ إِلَى مَعْرِفَتِهِمْ بِالْعَلَامَةِ حَاجَةٍ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: لَيْسَ لَهُمْ سُؤَالٌ فَيَقَعُ فِيهِ إِلْحَافٌ، وَالْإِلْحَافُ: الإلحاح واللجاج {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [الْبَقَرَةِ: 273] من مَالٍ {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273] وَعَلَيْهِ مَجَازٍ. [274] {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 274] قال الأخفش: جعل جواب الْخَبَرَ بِالْفَاءِ، لِأَنَّ الَّذِينَ بِمَعْنَى (من) وجوابها بالفاء في الخبر، أَوْ مَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ أَنْفَقَ كَذَا فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] [275] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} [البقرة: 275] أي: الذين يُعَامِلُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَالِ {لَا يَقُومُونَ} [البقرة: 275] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ} [البقرة: 275] أي يصرعه {الشَّيْطَانُ} [البقرة: 275] أَصْلُ الْخَبْطِ: الضَّرْبُ وَالْوَطْءُ، وَهُوَ ضَرْبٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ، يُقَالُ: نَاقَةٌ خَبُوطٌ لِلَّتِي تَطَأُ النَّاسَ وتضرب الأرض بقوائمه {مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] أَيِ: الْجُنُونِ، يُقَالُ: مُسَّ الرَّجُلُ

قوله تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات. .

فَهُوَ مَمْسُوسٌ إِذَا كَانَ مَجْنُونًا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ آكِلَ الرِّبَا يُبْعَثُ يوم القيامة كمثل المصروع {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لِقَوْلِهِمْ هَذَا وَاسْتِحْلَالِهِمْ إِيَّاهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا حَلَّ مَالُهُ عَلَى غَرِيمِهِ فطالبه فَيَقُولُ الْغَرِيمُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ: زِدْنِي فِي الْأَجَلِ حَتَّى أَزِيدَكَ فِي الْمَالِ، فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: سَوَاءٌ عَلَيْنَا الزِّيَادَةُ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ بِالرِّبْحِ أَوْ عِنْدَ الْمَحَلِّ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: الزيادة، وَالرِّبَا نَوْعَانِ: رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ، فَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ بِأَنْ بَاعَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهِ، أَوْ بَاعَ مَطْعُومًا بِجِنْسِهِ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا يَثْبُتُ فِيهِ كِلَا نَوْعَيِ الرِّبَا، حَتَّى لَا يَجُوزَ إِلَّا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَيُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِيعَ بِجِنْسِهِ، فَيُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ نُظِرَ إِنْ بَاعَ بِمَا لَا يُوَافِقُهُ فِي وَصْفِ الرِّبَا مِثْلَ: أَنْ بَاعَ مَطْعُومًا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَلَا رِبَا فِيهِ, كَمَا لَوْ بَاعَهُ بغير مال الربا، وإن باعه بما يوافقه في الْوَصْفِ مِثْلَ: أَنْ بَاعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ أَوْ بَاعَ مَطْعُومًا بِمَطْعُومٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ حَتَّى يَجُوزَ متفاضلا أو جزافا وثبت فيه ربا النسأ حَتَّى يُشْتَرَطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275] تَذْكِيرٌ وَتَخْوِيفٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفِعْلَ ردا إلى الوعظ، {فَانْتَهَى} [البقرة: 275] عَنْ أَكْلِ الرِّبَا, {فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] أَيْ: مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ، قَبْلَ النَّهْيِ مَغْفُورٌ لَهُ, {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 275] بَعْدَ النَّهْيِ إِنْ شَاءَ عَصَمَهُ حَيْثُ يَثْبُتُ عَلَى الِانْتِهَاءِ، وَإِنْ شَاءَ خَذَلَهُ حَتَّى يَعُودَ، وَقِيلَ: أمره إِلَى اللَّهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيُحِلُّ لَهُ وَيُحَرُّمُ عَلَيْهِ, وَلَيْسَ إليه من أمر نفسه شئ {وَمَنْ عَادَ} [البقرة: 275] بَعْدَ التَّحْرِيمِ إِلَى أَكْلِ الرِّبَا مُسْتَحِلًّا لَهُ, {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. .] . . [276] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة: 276] أَيْ يَنْقُصُهُ وَيُهْلِكُهُ وَيَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا. يَعْنِي: لَا يَقْبَلُ مِنْهُ صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة, {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] أَيْ: يُثَمِّرُهَا وَيُبَارِكُ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَيُضَاعِفُ بِهَا الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ فِي الْعُقْبَى، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} [البقرة: 276] بتحريم الربا، {أَثِيمٍ} [البقرة: 276] فاجر بأكله. [277] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] [278]

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] [279] {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 279] أَيْ: إِذَا لَمْ تَذَرُوَا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا, {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ (فآذِنوا) بِالْمَدِّ، عَلَى وَزْنِ آمِنُوا، أَيْ: فَأَعْلِمُوا غَيْرَكُمْ أَنَّكُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الأذن، أي: وقعوا فِي الْآذَانِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: {فَأْذَنُوا} [البقرة: 279] مَقْصُورًا بِفَتْحِ الذَّالِ، أَيْ: فَاعْلَمُوا أَنْتُمْ وَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورسوله {وَإِنْ تُبْتُمْ} [البقرة: 279] أَيْ: تَرَكْتُمُ اسْتِحْلَالَ الرِّبَا وَرَجَعْتُمْ عَنْهُ {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} [البقرة: 279] بطلب الزيادة {وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279] بالنقصان عن رأس المال. [280] {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدين مُعسرًا {فَنَظِرَةٌ} [البقرة: 280] أَمْرٌ فِي صِيغَةِ الْخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: فعليه نظرة, {إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] قَرَأَ نَافِعٌ (ميسُرة) بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ (مَيسُرة) بضم السين مضافا، ومعناه: اليسار والسعة، {وَأَنْ تَصَدَّقُوا} [البقرة: 280] أي: تتركوا رؤوس أَمْوَالِكُمْ إِلَى الْمُعْسِرِ، {خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] [281] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ: تَصِيرُونَ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: تُرَدُّونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ] إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. . . . [282] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا أَبَاحَ السَّلم، وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ السَّلم الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية. قوله: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} [البقرة: 282] أَيْ: تَعَامَلْتُمْ بِالدَّيْنِ، يُقَالُ: دَايَنَتْهُ إذا عاملته بالدين {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة: 282] الْأَجَلُ مُدَّةٌ مَعْلُومَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، والأجل يلزم في الثمن والمبيع في السَّلم حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الطَّلَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَفِي الْقَرْضِ لَا يَلْزَمُ الْأَجَلُ عِنْدَ أكثر أهل العلم، {فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] أَيِ: اكْتُبُوا الَّذِي تَدَايَنْتُمْ بِهِ بَيْعًا كَانَ أَوْ سَلَمًا أَوْ قَرْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاجِبَةٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَإِنْ تُرِكَ فَلَا بَأْسَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الْجُمُعَةِ: 10] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ كِتَابَةُ الدَّيْنِ، وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَ الْكُلُّ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] أَيْ: لِيَكْتُبْ كِتَابَ الدَّيْنِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ، أَيْ: بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا تَقْدِيمِ أَجْلٍ وَلَا تأخير، {وَلَا يَأْبَ} [البقرة: 282] أَيْ لَا يَمْتَنِعُ، {كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} [البقرة: 282] وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْكَاتِبِ وَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا إِذَا طُولِبَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ الحسن: يجب إِذَا لَمْ يَكُنْ كَاتِبٌ غَيْرُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى النَّدْبِ والاستحباب، وقال الضحاك: كانت غريمة وَاجِبَةً عَلَى الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ، فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} [البقرة: 282] أَيْ: كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَمَرَهُ، {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: 282] يَعْنِي: الْمَطْلُوبُ يُقرّ عَلَى نَفْسِهِ بِلِسَانِهِ لِيَعْلَمَ مَا عَلَيْهِ، وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ جاء بهما القرآن، فالإملال هنا, وَالْإِمْلَاءُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الْفُرْقَانِ: 5] {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 282] يعني المملي، {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] وأي: وَلَا يَنْقُصْ مِنْهُ أَيْ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} [البقرة: 282] أَيْ: جَاهِلًا بِالْإِمْلَاءِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: طِفْلًا صَغِيرًا، وقال الشافعي: السفيه

المبذر: المفسد لما له أَوْ فِي دِينِهِ، قَوْلُهُ: {أَوْ ضَعِيفًا} [البقرة: 282] أَيْ: شَيْخًا كَبِيرًا، وَقِيلَ: هُوَ ضَعِيفُ الْعَقْلِ لِعَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} [البقرة: 282] لخرس أو عمى أَوْ عُجْمَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غيبة لا يمكنه حصول الكتابة أَوْ جَهْلٌ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} [البقرة: 282] أي: قيّمه، {بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] أَيْ: بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَمُقَاتِلٌ: أَرَادَ بِالْوَلِيِّ صَاحِبَ الْحَقِّ، يَعْنِي إِنْ عَجَزَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ من الإملال فيملل وَلِيُّ الْحَقِّ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْعَدْلِ لأنه أعلم بالحق {وَاسْتَشْهِدُوا} [البقرة: 282] أي: وأشهدوا، {شَهِيدَيْنِ} [البقرة: 282] أي: شاهدين {مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] يَعْنِي: الْأَحْرَارَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْعَبِيدِ والصبيان، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ، {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} [البقرة: 282] أَيْ: لَمْ يَكُنِ الشَّاهِدَانِ رَجُلَيْنِ، {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] أَيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ، واختلفوا في غير الأموال، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي الْعُقُوبَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] يَعْنِي: مَنْ كَانَ مَرْضِيًّا فِي دِيَانَتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَشَرَائِطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ سَبْعَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، والعدالة، والمروءة، وانتفاء التهمة {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ} [البقرة: 282] معنى الْآيَةِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ كَيْ تُذَكِّرَ {إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282] وَمَعْنَى تَضِلُّ أَيْ: تَنْسَى، يُرِيدُ إذا نسيت إحداهما شهادتها فتذكرها الْأُخْرَى، فَتَقُولُ: أَلَسْنَا حَضَرْنَا مَجْلِسَ كذا، وسمعنا كذا، (وذكر) و (وَاذَّكَّرَ) بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا مُتَعَدِّيَانِ، مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النسيان {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] قيل أراد به مَا دُعُوا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةَ، سَمَّاهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ، وَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ قَوْمٌ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ إذا لم يكن غيرهم، فإن وجد غيرهم فهم مخيرون، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ التي تحمّلوها قال الشَّعْبِيُّ: الشَّاهِدُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يشهد {وَلَا تَسْأَمُوا} [البقرة: 282] أَيْ: وَلَا تَمَلُّوا {أَنْ تَكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] الهاء راجعة إلى الحق، {صَغِيرًا} [البقرة: 282] كان الحق، {أَوْ كَبِيرًا} [البقرة: 282] قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، {إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282] إلى محل الحق، {ذَلِكُمْ} [البقرة: 282] أي: الكتاب، {أَقْسَطُ} [البقرة: 282] أعدل {عند الله} [البقرة: 282] لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِهِ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَعْدَلُ مِنْ تَرْكِهِ، {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} [البقرة: 282] لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُذَكِّرُ الشُّهُودَ، {وَأَدْنَى} [البقرة: 282] وَأَحْرَى وَأَقْرَبُ إِلَى، {أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَةِ {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} [البقرة: 282] تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً دَائِرَةً بَيْنَكُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِلَّا أَنْ

تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً يَدًا بِيَدٍ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ لَيْسَ فِيهَا أَجْلٌ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة: 282] يَعْنِي: التِّجَارَةَ. {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِشْهَادُ وَاجِبٌ فِي صغير الحق وكبيره ونقده ونسئه وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] هَذَا نَهْيٌ لِلْغَائِبِ، وَأَصْلُهُ: يُضَارِرْ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى الرَّائَيْنِ فِي الْأُخْرَى ونصبت، لحق التضعيف لالتقاء السَّاكِنَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَصْلُهُ يُضَارِرْ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَجَعْلِ الْفِعْلِ لِلْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ، معناه: لا يضارر الْكَاتِبُ فَيَأْبَى أَنْ يَكْتُبَ وَلَا الشَّهِيدُ فَيَأْبَى أَنْ يَشْهَدَ، وَلَا يُضَارَّ الْكَاتِبُ فَيَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ أَوْ يُحَرِّفُ مَا أُمْلِيَ عَلَيْهِ وَلَا الشَّهِيدُ فَيَشْهَدُ بِمَا لَمْ يستشهد عليه، وهذا قول طاوس وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَصْلُهُ يضار بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، وَجَعَلُوا الْكَاتِبَ وَالشَّهِيدَ مَفْعُولَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ الْكَاتِبَ أَوِ الشَّاهِدَ وَهُمَا عَلَى شُغْلٍ مُهِمٍّ فَيَقُولَانِ نَحْنُ عَلَى شُغْلٍ مُهِمٍّ فَاطْلُبْ غَيْرَنَا، فَيَقُولُ الدَّاعِي إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا وَيَلِحَّ عَلَيْهِمَا فَيَشْغَلُهُمَا عَنْ حَاجَتِهِمَا فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِطَلَبِ غَيْرِهِمَا، {وَإِنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 282] ما نهيتكم عنه من الضرار، {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282] أَيْ: مَعْصِيَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْأَمْرِ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] [283] ، {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] أي: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجدوا كاتبا الآن فَارْتَهِنُوا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ رُهُونًا لِتَكُونَ وثيقة بِأَمْوَالِكُمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لا يتم إلا بالقبض {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة: 283] يَعْنِي: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَمِينًا عِنْدَ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ شَيْئًا لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] أَيْ: فَلْيَقْضِهِ عَلَى الْأَمَانَةِ، {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283] فِي أَدَاءِ الْحَقِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلى خطاب الشهود فقال: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى إِقَامَتِهَا، نَهَى عَنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] أَيْ: فَاجِرٌ قَلْبُهُ، قِيلَ: مَا وعد عَلَى شَيْءٍ كَإِيعَادِهِ عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ قَالَ: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] وَأَرَادَ بِهِ مَسْخَ الْقَلْبِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 283] من بيان الشهادة وكتمانها {عَلِيمٌ} [البقرة: 283] [284] ، {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 284] مُلْكًا وَأَهْلُهَا لَهُ عَبِيدٌ وَهُوَ مَالِكُهُمْ، {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَاصَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ خُصُوصِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْآيَةِ الْأُولَى نزلت في كتمان الشهادة،

معناه: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أيها الشهود من كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ أَوْ تُخْفُوا الْكِتْمَانَ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فيمن يتولى الكافرين من دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: وَإِنْ تُعْلِنُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ وِلَايَةِ الكفار أو تسروه يحاسبكم به الله، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي بعدها وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْآيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَرِدُ عَلَى الْإِخْبَارِ، إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَوْلُهُ: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] خَبَرٌ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّسْخُ، تم اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَلْبِ كَسْبًا فَقَالَ: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] فليس لله عبدا أَسَرَّ عَمَلًا أَوْ أَعْلَنَهُ مِنْ حركة من جوارحه أو همّة فِي قَلْبِهِ إِلَّا يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاسِبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَغْفِرُ مَا يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ بِمَا يَشَاءُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: مَعْنَى الْآيَةِ، أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يُحَاسِبُ خَلْقَهُ بِجَمِيعِ مَا أَبْدَوْا مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ أَخْفَوْهُ وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ مُعَاقَبَتَهُ عَلَى مَا أَخْفَوْهُ مما لم يعملوه بِمَا يَحْدُثُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّوَائِبِ وَالْمَصَائِبِ، وَالْأُمُورِ الَّتِي يحزنون عليها وَقَالَ بَعْضُهُمْ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 284] يَعْنِي: مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِمَّا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَلَا تُبْدُوهُ وَأَنْتُمْ عَازِمُونَ عَلَيْهِ يُحَاسِبُكُمْ بِهِ اللَّهُ فَأَمَّا مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُكُمْ مما لم تعزموا فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَا يؤاخذكم به وَقِيلَ: مَعْنَى الْمُحَاسَبَةِ: الْإِخْبَارُ وَالتَّعْرِيفُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 284] فَتَعْمَلُوا بِهِ أَوْ تُخْفُوهُ مِمَّا أَضْمَرْتُمْ وَنَوَيْتُمْ، يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ويخبركم بِهِ وَيُعَرِّفْكُمْ إِيَّاهُ، ثُمَّ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ إِظْهَارًا لِفَضْلِهِ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ إظهارا لعدله قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 284] فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسألون {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] [285] قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285] أَيْ: صَدَّقَ {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 285] يَعْنِي: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْفِعْلَ، {وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ لَا نُفَرِّقُ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: لَا يُفَرِّقُ، بِالْيَاءِ فَيَكُونُ خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ، أَوْ مَعْنَاهُ: لَا يُفَرِّقُ الْكُلُّ، وَإِنَّمَا قَالَ: {بَيْنَ أَحَدٍ} [البقرة: 285] وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحَادٍ، لِأَنَّ الْأَحَدَ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الْحَاقَّةِ: 47] {وَقَالُوا سَمِعْنَا} [البقرة: 285] قولك {وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] أَمْرَكَ، رُوِيَ عَنْ حَكِيمٍ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهُ، فَسَأَلَ بِتَلْقِينِ اللَّهِ تعالى فقال: {غُفْرَانَكَ} [البقرة: 285] وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: اغفر غفرانك، أو على المفعول به، أي: نَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] [286] ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ظاهر الآية قضاء لحاجة، وَفِيهَا إِضْمَارُ السُّؤَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَالُوا لَا تُكَلِّفُنَا إِلَّا وُسْعَنَا، وَأَجَابَ: أَيْ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أَيْ: طَاقَتَهَا، وَالْوُسْعُ: اسْمٌ لِمَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَطَاءٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ حَدِيثَ النَّفْسِ الَّذِي ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة: 284] كَمَا ذَكَرْنَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ خَاصَّةً وسَّع عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ فِيهِ إِلَّا مَا يَسْتَطِيعُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:

سورة آل عمران

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] قَالَ إِلَّا يُسْرَهَا وَلَمْ يُكَلِّفْهَا فوق طاقتها، وهذا قوله حَسَنٌ، لِأَنَّ الْوُسْعَ، مَا دُونُ الطَّاقَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 286] أَيْ: لِلنَّفْسِ مَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ لَهَا أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] مِنَ الشَّرِّ وَعَلَيْهَا وِزْرُهُ {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: 286] أَيْ: لَا تُعَاقِبْنَا {إِنْ نَسِينَا} [البقرة: 286] جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي هو السهو، أمر اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْأَلُوهُ تَرْكَ مُؤَاخَذَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التَّوْبَةِ: 67] قوله تعالى: {أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] قِيلَ: مَعْنَاهُ الْقَصْدُ وَالْعَمْدُ، يُقَالُ: أَخْطَأَ فُلَانٌ إِذَا تَعَمَّدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الْإِسْرَاءِ: 31] قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، يَعْنِي: إِنْ جَهِلْنَا أَوْ تَعَمَّدْنَا، وَجَعَلَهُ الْأَكْثَرُونَ: مِنَ الْخَطَإِ الَّذِي هُوَ الْجَهْلُ وَالسَّهْوُ، لِأَنَّ مَا كَانَ عَمْدًا مِنَ الذَّنْبِ فَغَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بَلْ هُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَالْخَطَأُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (¬1) ". قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} [البقرة: 286] أي: عهدا ثقيلا وميثاقا ولا نَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ فَتُعَذِّبُنَا بِنَقْضِهِ وَتَرْكِهِ، {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] يَعْنِي: الْيَهُودَ، فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ فعذبتهم، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تُشدّد وَلَا تُغلظ الْأَمْرَ عَلَيْنَا كَمَا شَدَدْتَ عَلَى مَنْ قَبِلْنَا مِنَ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً وَأَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ رُبْعِ أموالهم من الزَّكَاةِ، وَمَنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ قَطَعَهَا، وَمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أَصْبَحَ ذنبه مكتوبا عَلَى بَابِهِ، وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَثْقَالِ والأغلال يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الْأَعْرَافِ: 157] وَقِيلَ: الْإِصْرُ ذَنْبٌ لَا تَوْبَةَ لَهُ، مَعْنَاهُ: اعْصِمْنَا مِنْ مِثْلِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْعَقْلُ وَالْإِحْكَامُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] أَيْ: لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُهُ، وَقِيلَ: هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ، حُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْغُلْمَةُ، قِيلَ: الْغُلْمَةُ: شِدَّةُ الشَّهْوَةِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: هُوَ الْحُبُّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: العشق، وقال ابن جريج: وهو مَسْخُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَقِيلَ: هُوَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، قَوْلُهُ تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا} [البقرة: 286] أَيْ: تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا، {وَاغْفِرْ لَنَا} [البقرة: 286] أي: اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا وَلَا تَفْضَحْنَا، {وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286] فَإِنَّنَا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ إِلَّا بِطَاعَتِكَ، وَلَا نَتْرُكُ مَعْصِيَتَكَ إِلَّا برحمتك، {أَنْتَ مَوْلَانَا} [البقرة: 286] نَاصِرُنَا وَحَافَظُنَا وَوَلِيُّنَا، {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] [سورة آل عمران] [قوله تعالى الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ] . . . (3) سورة آل عمران [1, 2] قوله تعالى: {الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2] قوله تعالى: {اللَّهُ} [آل عمران: 2] ابتداء وما بعده خبره، و {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2] نَعْتٌ لَهُ. [3] {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 3] أي: القرآن، {بِالْحَقِّ} [آل عمران: 3] بِالصِّدْقِ، {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3] لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ فِي التوحيد والنبوة وَالْأَخْبَارِ وَبَعْضِ الشَّرَائِعِ، {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3] [4] {مِنْ قَبْلُ} [آل عمران: 4] وَإِنَّمَا قَالَ: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3] لِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أُنْزِلَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ {نَزَّلَ} [آل عمران: 3] لِأَنَّهُ نَزَلَ مُفَصَّلًا، وَالتَّنْزِيلُ: لِلتَّكْثِيرِ، {هُدًى لِلنَّاسِ} [آل عمران: 4] هَادِيًا لِمَنْ تَبِعَهُ، وَلَمْ يُثَنِّهِ لأنه مصدر، {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4] المفرق بين الحق والباطل {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] [5] {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5] ¬

(¬1) وفي رواية لابن ماجه بلفظ. "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان "، الحديث / كتاب الطلاق / 16 / انظر إرواء الغليل (1 / 123) .

[6] {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6] من الصور المختلفة ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا تَامًّا أَوْ نَاقِصًا. {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] وهذا رد عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ، وكأنه يقول: كيف يكون ولدا وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرحم؟ [7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] مُبَيِّنَاتٌ مُفَصَّلَاتٌ سُمِّيَتْ مُحْكَمَاتٍ مِنَ الْإِحْكَامِ كَأَنَّهُ أَحْكَمَهَا فَمَنَعَ الْخَلْقَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِظُهُورِهَا وَوُضُوحِ معناها، {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] أي: أصله الذي يعول عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا قَالَ: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] وَلَمْ يَقُلْ: أُمَّهَاتِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي تَكَامُلِهَا وَاجْتِمَاعِهَا كالآية الواحدة، وكلام الله تعالى وَاحِدٌ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كُلُّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) ، أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً، {وَأُخَرُ} [آل عمران: 7] جَمْعُ أُخْرَى، وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الْآخَرِ مِثْلَ: عُمَرَ وزفر، {مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ فَرَّقَ هَاهُنَا بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَقَدْ جَعَلَ الله كُلَّ الْقُرْآنِ مُحْكَمًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ فَقَالَ: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] وجعل كله متشابها فَقَالَ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزُّمَرِ: 23] ؟ قِيلَ: حَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُحْكَمًا أَرَادَ أَنَّ الْكُلَّ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ عَبَثٌ وَلَا هَزْلٌ، وَحَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُتَشَابِهًا أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَفِي الْحُسْنِ، وَجَعَلَ هَاهُنَا بَعْضَهُ مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُحْكَمَاتُ هُنَّ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] وَنَظِيرُهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الْإِسْرَاءِ: 23] الْآيَاتِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُتَشَابِهَاتُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُتَشَابِهٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَيُصَدِّقُ بعضه بعضا، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ الَّذِي يُعمل بِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مُحْكَمَاتُ الْقُرْآنِ: نَاسِخُهُ، وَحَلَالُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ، وَيُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهَاتُ: مَنْسُوخُهُ، ومقدِّمه، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمَاتُ مَا أَوْقَفَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْنَاهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تعالى بعلمه، ولا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، نَحْوَ الخبر عن أشراط الساعة، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وقيام الساعة، وفناء الدنيا. قال أحمد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ

واحد، والمتشابه ما يحتمل أَوْجُهًا. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا يُعْرَفُ معناه وتكون حجته واضحة، ودلائله لائحة لا يُشتبه، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الَّذِي يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِالنَّظَرِ، وَلَا يَعْرِفُ الْعَوَامُّ تَفْصِيلَ الْحَقِّ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُحْكَمُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى غيره. {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] أَيْ: مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَقِيلَ: شَكٌّ، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7] وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ الرَّبِيعُ: هُمْ وَفْدُ نَجْرَانَ خَاصَمُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا لَهُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: بلى، قالوا: حسبنا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمُ الْيَهُودُ طَلَبُوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه بِحِسَابِ الْجُمَّلِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْخَوَارِجُ. وَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا الْحَرُورِيَّةَ وَالسَّبَئِيَّةَ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟ وقيل: هم جميع المبتدعة. قوله تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7] طَلَبَ الشِّرْكِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتِغَاءَ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ لِيُضِلُّوا بِهَا جُهَّالَهُمْ، {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] تَفْسِيرِهِ وَعِلْمِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 78] وقيل: ابتغاء عاقبته، وطلب أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حِسَابِ الْجُمَّلِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] أَيْ: عَاقِبَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ الْوَاوُ فِي قوله: {وَالرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] وَاوُ الْعَطْفِ، يَعْنِي: أَنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، وَعَلَى هذا يكون قوله: {يَقُولُونَ} [آل عمران: 7] حَالًا مَعْنَاهُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مع علمهم قائلين آمنا به، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَاوَ في قوله: {وَالرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] وَقَالُوا: لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ في القرآن تأويل استأثر الله بعلمه ولم يُطلع عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَحْوِهَا. وَالْخَلْقُ مُتَعَبِّدُونَ فِي الْمُتَشَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَفِي الْمُحْكَمِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ، وَمِمَّا يُصَدِّقُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ، {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ قَالُوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. وَهَذَا القول أَقْيَسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] أَيِ: الدَّاخِلُونَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي مَعْرِفَتِهِمْ شَكٌّ، وَأَصْلُهُ مِنْ رُسُوخِ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ ثُبُوتُهُ، يُقَالُ: رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، يَرْسُخُ رُسْخَا وَرُسُوخًا، وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مؤمنوا أَهْلِ الْكِتَابِ مَثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} [النساء: 162] يعني: الدارسون علم التوراة والإنجيل، وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِمَا علم المتبع لما علم. وَقِيلَ: الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ مَنْ وُجِدَ فِي عِلْمِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: التَّقْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَالزُّهْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْمُجَاهَدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: بِقَوْلِهِمْ آمَنَّا بِهِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، فَرُسُوخُهُمْ فِي الْعِلْمِ قَوْلُهُمْ آمَنَّا بِهِ، أَيْ: بِالْمُتَشَابِهِ، {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ،

قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون

وَمَا عَلِمْنَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، {وَمَا يَذَّكَّرُ} [آل عمران: 7] ما يَتَّعِظُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] ذوو العقول. [8] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8] أَيْ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا، أَيْ: لَا تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى كَمَا أَزَغْتَ قُلُوبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] وَفَّقْتَنَا لِدِينِكَ وَالْإِيمَانِ بِالْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ، {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ} [آل عمران: 8] أعطنا من عندك، {رَحْمَةً} [آل عمران: 8] توثيقا وَتَثْبِيتًا لِلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَجَاوُزًا ومغفرة، {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ} [آل عمران: 9] أي: لانقضاء يَوْمٍ، وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى: فِي يوم، {لَا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9] أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] وهو مِفْعَالٌ، مِنَ الْوَعْدِ. [10] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ} [آل عمران: 10] لَنْ تَنْفَعَ وَلَنْ تَدْفَعَ، {عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 10] قَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مِنْ بِمَعْنَى عِنْدَ، أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ {شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران: 10] [11] {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [آلِ عِمْرَانَ: 11] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ: كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ وَصَنِيعِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَأَمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ وَشَأْنِهِمْ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، يُرِيدُ عَادَةَ هؤلاء الكفار في تكذيب الرسل وَجُحُودِ الْحَقِّ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [آل عمران: 11] كَفَّارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ، {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 11] فعاقبهم الله، {بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11] وَقِيلَ: نَظْمُ الْآيَةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ عِنْدَ حُلُولِ النِّقْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ، مِثْلَ آلِ فِرْعَوْنَ وَكُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، أَخَذْنَاهُمْ فَلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ عذاب الله شيئا، {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11] [قَوْلُهُ تَعَالَى قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ] إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ. . . . [12] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} [آل عمران: 12] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، أَيْ: أَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَابِ، أَيْ: قُلْ لَهُمْ إِنَّكُمْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ، قَالَ مُقَاتِلٌ. أَرَادَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، مَعْنَاهُ: قُلْ لِكُفَّارِ مَكَّةَ سَتُغْلَبُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَتُحْشَرُونَ إِلَى جهنم في الآخرة، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ اليهود {سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12] تهزمون في الدنيا في قتالكم محمدا {وَتُحْشَرُونَ} [آل عمران: 12] فِي الْآخِرَةِ {إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12] أي: الْفِرَاشُ، أَيْ: بِئْسَ مَا مُهِّدَ لهم، يعني: النار. [13] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} [آل عمران: 13] ولم يقل كانت، وَالْآيَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى البيان، أي: قد كان بَيَانٌ، فَذَهَبَ إِلَى الْمَعْنَى، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا ذُكِّرَ لِأَنَّهُ حَالَتِ الصِّفَةُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالِاسْمِ الْمُؤَنَّثِ فَذُكِّرَ الْفِعْلُ، وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَذَا وَجْهُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} [آل عمران: 13] أَيْ: عِبْرَةٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ مَا أَقُولُ إِنَّكُمْ سَتَغْلِبُونَ، {فِي فِئَتَيْنِ} [آل عمران: 13] فِرْقَتَيْنِ، وَأَصْلُهَا فَيْءُ الْحَرْبِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَفِيءُ إِلَى بَعْضٍ، {الْتَقَتَا} [آل عمران: 13] يَوْمَ بَدْرٍ، {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 13] طَاعَةِ اللَّهِ، وَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وهم كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، قوله تعالى: {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13] أَيْ: فِرْقَةٌ أُخْرَى كَافِرَةٌ، وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رجلا من المقاتلة، يرأسهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَفِيهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ، وَكَانَتْ حَرْبُ بَدْرٍ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ} [آل عمران: 13] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ، يَعْنِي: تَرَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أهل مكة مثل عدد الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ

أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا حَضَرُوا قِتَالَ بَدْرٍ لِيَنْظُرُوا عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَرَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مثلي عدد المسلمين ورأوا النصر مَعَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً وَآيَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الرُّؤْيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَرَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ كَمَا هُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قال {مِثْلَيْهِمْ} [آل عمران: 13] وهم كانوا ثلاثة أمثال؟ قِيلَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَعِنْدَهُ دِرْهَمٌ: أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَيْ هَذَا الدِّرْهَمِ، يَعْنِي: إِلَى مثليه سواء، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ أَنْفُسِهِمْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، حَتَّى رَأَوْهُمْ مِثْلَ عدد أنفسهم، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ عَدَدًا يسيرا أقل من أنفسهم، وقال بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، يَعْنِي: يَرَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ، قَلَّلَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجْتَرِئَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَنْصَرِفُوا، فَلَمَّا أَخَذُوا فِي القتال كثرهم فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، لِيَجْبُنُوا، وَقَلَّلَهُمْ في أعين المؤمنين ليجترؤوا، فذلك قوله تعالى: (وإذا يُرِيكُمُوهُمْ - إِذِ الْتَقَيْتُمْ- فِي أَعْيُنِكُمْ قليلا ويقللكم في أعينهم) . قوله تعالى: {رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13] أَيْ: فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، نُصِبَ بنزع حرف الصفة {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ} [آل عمران: 13] الَّذِي ذَكَرْتُ، {لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] لِذَوِي الْعُقُولِ وَقِيلَ: لِمَنْ أَبْصَرَ الجمعين. [14] قَوْلُهُ تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران: 14] جَمْعُ شَهْوَةٍ، وَهِيَ مَا تَدْعُو النفس إليه، {مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14] بَدَأَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، {وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ} [آل عمران: 14] جَمْعُ قِنْطَارٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، لكل أوقية أربعون درهما. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالضَّحَّاكُ: أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ، وقال أبو نصرة: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. وَسُمِّيَ قِنْطَارًا مِنَ الْإِحْكَامِ، يُقَالُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْمُقَنْطَرَةِ} [آل عمران: 14] قَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُحَصَّنَةُ الْمُحْكَمَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْكَثِيرَةُ الْمُنَضَّدَةُ بَعْضُهَا فوق بعض. وقال يمان: هي المدفونة. وقال السدي: هي الْمَضْرُوبَةُ الْمَنْقُوشَةُ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُضَعَّفَةُ. فَالْقَنَاطِيرُ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ، {مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: 14] قيل: سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَبُ ولا يبقى، والفضة فضة لِأَنَّهَا تَنْفَضُّ، أَيْ: تَتَفَرَّقُ،

{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14] الْخَيْلُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَاحِدُهَا فَرَسٌ، كَالْقَوْمِ والنساء ونحوهما، و {الْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14] قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَسْوِيمُهَا حُسْنُهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الرَّاعِيَةُ، يقال: أسام الخيل وسومها، وقال الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُعَلَّمَةُ من السيماء الْعَلَامَةُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: سِيمَاهَا الشَّبَهُ وَاللَّوْنُ، وَهُوَ قَوْلُ قتادة، وقيل: الكي، {وَالْأَنْعَامِ} [آل عمران: 14] جَمْعُ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ من لفظه، {وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] يعني: الزرع، {ذَلِكَ} [آل عمران: 14] الذي ذكرت، {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 14] يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مَتَاعٌ يَفْنَى، {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] أي: المرجع، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. [15] قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ} [آل عمران: 15] أي: أخبركم {بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15] [16] ، {الَّذِينَ يَقُولُونَ} [آل عمران: 16] إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مَحَلَّ {الَّذِينَ} [آل عمران: 16] خَفْضًا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} [آل عمران: 15] وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا تَقْدِيرُهُ: أَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} [آل عمران: 16] صدقنا، {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 16] اسْتُرْهَا عَلَيْنَا وَتَجَاوَزْ عَنَّا، {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16] [17] ، {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17] إِنْ شِئْتَ نَصَبْتَهَا عَلَى الْمَدْحِ، وَإِنْ شِئْتَ خَفَضْتَهَا عَلَى النَّعْتِ، يعني: الصابرين في أداء الأوامر، وعن ارتكاب النهي، وعن الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ وَالصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ فَصَدَقُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، {وَالْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17] المطيعين المصلين، {وَالْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17] أَمْوَالَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْمُصَلِّينَ بِالْأَسْحَارِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّحَرِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّحَرِ، ثم استغفروا. [18] قَوْلُهُ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَدِمَ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ عَلَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أبصر الْمَدِينَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ عَرَفَاهُ بِالصِّفَةِ، فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَا لَهُ: وَأَنْتَ أَحْمَدُ؟ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ، قَالَا لَهُ: فَإِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهِ آمَنَّا بِكَ وصدقناك، فقال: نعم، قالا: فأخبرنا عَنْ أَعْظَمِ شَهَادَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَسْلَمَ الرَّجُلَانِ. قوله: {شَهِدَ اللَّهُ} [آل عمران: 18] أَيْ بَيَّنَ اللَّهُ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تبيين، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَكَمَ اللَّهُ، وَقِيلَ: علم اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هو. وقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: 18] أَيْ: وَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ، قِيلَ: مَعْنَى شَهَادَةِ اللَّهِ: الْإِخْبَارُ وَالْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار، {وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] يَعْنِي: الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عُلَمَاءُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] أي: بالعدل، وقيل معنى قوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] أَيْ: قَائِمًا بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ، كَمَا يقال: فلان قائم أمر فُلَانٍ أَيْ: مُدَبِّرٌ لَهُ وَمُتَعَهِّدٌ لأسبابه، وفلان قائم بِحَقِّ فُلَانٍ أَيْ: مُجَازٍ لَهُ، فالله تعالى مدبر ورازق ومجاز بِالْأَعْمَالِ، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] [19] {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] يَعْنِي: الدِّينَ الْمَرْضِيَّ الصَّحِيحَ، كَمَا قال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [الْمَائِدَةِ: 3]

وَقَالَ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 85] وَفَتَحَ الْكِسَائِيُّ الْأَلِفَ مِنْ {إِنَّ الدِّينَ} [آل عمران: 19] رَدًّا عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى، تَقْدِيرُهُ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَشَهِدَ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَوْ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَكَسَرَ الْبَاقُونَ الْأَلِفَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الدُّخُولُ فِي السِّلم، وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، يُقَالُ: أَسْلَمَ، أَيْ: دَخَلَ فِي السِّلْمِ، وَاسْتَسْلَمَ، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ أولياءه، فلا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وَلَا يَجْزِي إِلَّا به. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 19] قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ، أَيْ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} [آل عمران: 19] يَعْنِي: بَيَانَ نَعْتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وقال الربيع بن أنس: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاسْتَوْدَعَهُمُ التَّوْرَاةَ وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمَّا مَضَى الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ أَبْنَاءِ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ، حَتَّى أَهْرَقُوا بَيْنَهُمُ الدِّمَاءَ، وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالِاخْتِلَافُ وَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي بَيَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19] أَيْ: طَلَبًا لِلْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَبَابِرَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَعْنَاهَا: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يَعْنِي: الْإِنْجِيلَ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيهِ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَغْيًا بَيْنَهُمْ أَيْ: لِلْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ، {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19] [20] قوله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ} [آل عمران: 20] أَيْ: خَاصَمُوكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قالوا: ألسنا مَا سَمَّيْتَنَا بِهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ نَسَبٌ، وَالدِّينُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَنَحْنُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20] أَيِ: انْقَدْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِقَلْبِي وَلِسَانِي وَجَمِيعِ جَوَارِحِي، وَإِنَّمَا خُصَّ الوجه لأنه أكرم الجوارح للإنسان، وَفِيهِ بَهَاؤُهُ فَإِذَا خَضَعَ وَجْهُهُ للشيء فقد خَضَعَ لَهُ جَمِيعُ جَوَارِحِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ، {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20] أي: ومن اتبعني فأسلم كما أسلمت {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} [آل عمران: 20] يعني: العرب {أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20] لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ أَيْ: وأسلموا، كَمَا قَالَ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [الْمَائِدَةِ: 91] أَيِ: انْتَهُوا، {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران: 20] فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: أَسْلَمْنَا، فَقَالَ

قوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون

لليهود: أتشهدون أن عزيرا عبده ورسوله؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عزير عليه السلام عبدا، وَقَالَ لِلنَّصَارَى: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عِيسَى عَبْدًا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران: 20] أَيْ: تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ الهداية، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20] عَالِمٌ بِمَنْ يُؤْمِنُ وَبِمَنْ لَا يؤمن. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ] النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ. . . . [21] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 21] يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 21] «عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ رَجُلًا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ} [آل عمران: 21] » ، أخبرهم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] وجيع. [22] {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 22] وَبُطْلَانُ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا يقبل، وفي الآخرة أن لا يُجَازَى عَلَيْهِ. [23] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 23] يَعْنِي: الْيَهُودَ، {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} [آل عمران: 23] اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ دُعُوا إِلَى حكم القرآن فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ التوراة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - قال لنعيم والحارث: هلموا هلموا إِلَى التَّوْرَاةِ فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية: {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] [24] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ} [آل عمران: 24] وَالْغُرُورُ: هُوَ الْإِطْمَاعُ فِيمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24] وَالِافْتِرَاءُ: اخْتِلَاقُ الْكَذِبِ. [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} [آل عمران: 25] أَيْ: فَكَيْفَ حَالُهُمْ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ، {لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 25] وهو يوم القيامة {وَوُفِّيَتْ} [آل عمران: 25] وُفِّرَتْ {كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} [آل عمران: 25] أَيْ: جَزَاءَ مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] أَيْ: لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ ولا يزاد على سيئاتهم. [26] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ قُلِ اللَّهُمَّ} [آل عمران: 26] قِيلَ: مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ زِيدَ الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لِلْمِيمِ فيه معنى، ومعناها اللهم أُمَّنَا بِخَيْرٍ، أَيِ: اقْصِدْنَا، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: هَلُمَّ إِلَيْنَا، كَانَ أَصْلُهُ هَلْ أُمَّ إِلَيْنَا، ثُمَّ كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ اسْتِخْفَافًا وَرُبَّمَا خَفَّفُوا أيضا فقالوا لا هم، قوله: {مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26] يَعْنِي: يَا مَالِكَ الْمُلْكِ، أَيْ: مَالِكَ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا، وَقِيلَ: يا ملك السماوات والأرض، {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي مُلْكَ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] أَبِي جَهْلٍ وَصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ: الْعَرَبَ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ: فَارِسَ وَالرُّومَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، آتَى اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ عليهم السلام الملك وَأَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِمْ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، نَزَعَهُ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَأَمَرَ الْعِبَادَ بِخِلَافِهِمْ، وَقِيلَ: تُؤْتِي الملك مَنْ تَشَاءُ: آدَمَ وَوَلَدَهُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ: إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26] قَالَ عَطَاءٌ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ: فَارِسَ وَالرُّومَ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ: مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ، حَتَّى دَخَلُوا مَكَّةَ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ

ظَاهِرِينَ عَلَيْهَا، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ أبا جهل وأصحابه، حتى جزت رؤوسهم وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ: بِالْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ. وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ: بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالطَّاعَةِ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالنَّصْرِ, وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْغِنَى، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْفَقْرِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَى، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بالحرص والطمع، {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آل عمران: 26] أَيْ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] [27] قَوْلُهُ تَعَالَى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} [آل عمران: 27] أَيْ تُدْخِلُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَاللَّيْلُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، {وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [آل عمران: 27] حَتَّى يَكُونَ اللَّيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَالنَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، فَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا زَادَ فِي الْآخَرِ، {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: 27] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَعْنَى الْآيَةِ يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وَيُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وقال عكرمة والكلبي: تخرج الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، أَيِ: الْفَرْخَ من البيضة، وتخرج البيض مِنَ الطَّيْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَيُخْرِجُ الكافر من المؤمن، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُخْرِجُ النَّبَاتَ الْغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الْحَبِّ الْيَابِسِ، وَيُخْرِجُ الْحَبَّ الْيَابِسَ مِنَ النَّبَاتِ الْحَيِّ النَّامِي، {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27] مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ وَلَا تَقْتِيرٍ. [28] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ الْحَجَّاجُ بن عمرو وابن أَبِي الْحُقَيْقِ وَقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ يبطنون بِنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ لَا يَفْتِنُونَكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، فَأَبَى أُولَئِكَ النَّفَرُ إِلَّا مُبَاطَنَتَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانُوا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ وَيَأْتُونَهُمْ بِالْأَخْبَارِ، وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [آل عمران: 28] أَيْ: مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِمْ وَإِظْهَارِهِمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28] أَيْ لَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] يَعْنِي: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ مخافة، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَمُدَاهَنَتِهِمْ وَمُبَاطَنَتِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ

ظَاهِرِينَ أَوْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ يَخَافُهُمْ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ دَمًا حَرَامًا أَوْ مَالًا حَرَامًا أَوْ يُظْهِرَ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ المسلمين، والتقية لا تكودن إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ وَسَلَامَةِ النِّيَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النَّحْلِ: 106] ثُمَّ هَذَا رُخْصَةٌ، فَلَوْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ أَجْرٌ عظيم {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] عَلَى مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ وَمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] [29] {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} [آل عمران: 29] قُلُوبِكُمْ مِنْ مَوَدَّةِ الْكُفَّارِ، {أَوْ تُبْدُوهُ} [آل عمران: 29] من مُوَالَاتُهُمْ، قَوْلًا وَفِعْلًا، {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [آل عمران: 29] قال الْكَلْبِيُّ: إِنْ تُسِرُّوا مَا فِي قُلُوبِكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ التَّكْذِيبِ، أَوْ تُظْهِرُوهُ بِحَرْبِهِ وَقِتَالِهِ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَحْفَظْهُ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ، ثم قال: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 29] يَعْنِي: إِذَا كَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا في الأرض؟ فكيف يخفى عَلَيْهِ مُوَالَاتُكُمُ الْكُفَّارَ وَمَيْلُكُمْ إِلَيْهِمْ بِالْقَلْبِ؟ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29] [30] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} [آل عمران: 30] نصب {يَوْمَ} [آل عمران: 30] بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ أَيْ: فِي يَوْمِ، وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيِ اذْكُرُوا وَاتَّقُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، {مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30] لَمْ يُبْخَسْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الْكَهْفِ: 49] {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} [آل عمران: 30] جعل بعضهم خيرا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، أَيْ تَجِدُ مُحْضَرًا مَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَتُسَرُّ بِمَا عَمِلَتْ مِنَ الخير، وجعل بعضهم خيرا مستأنفا، ودليل هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ وَدَّتْ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا} [آل عمران: 30] أي: بين النفس {وَبَيْنَهُ} [آل عمران: 30] يَعْنِي وَبَيْنَ السُّوءِ {أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30] قَالَ السُّدِّيُّ: مَكَانًا بَعِيدًا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْأَمَدُ الْأَجَلُ، وَالْغَايَةُ الَّتِي يُنْتَهَى إِلَيْهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَسُرُّ أَحَدَهُمْ ألا يَلْقَى عَمَلَهُ أَبَدًا، وَقِيلَ: يَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] [31] {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، حب الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ اتِّبَاعُهُمْ أَمْرَهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ، وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ، وَحُبُّ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ وَثَوَابُهُ لَهُمْ وَعَفْوُهُ عَنْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31] قيل: لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [32] {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 32]

قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم

أَعْرَضُوا عَنْ طَاعَتِهِمَا، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى"، قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ عصاني فقد أبى» (¬1) ". [قوله تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ] وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. . . . [33] قوله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} [آل عمران: 33] الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ. اصْطَفَى: اخْتَارَ، افْتَعَلَ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَهِيَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، آدَمَ أبا الْبَشَرِ وَنُوحًا، {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} [آل عِمْرَانَ: 33] قِيلَ: أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ، إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِمْرَانَ أَنْفُسَهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [الْبَقَرَةِ: 248] يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَالَ آخَرُونَ: آلَ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا آلَ عمران فقد قال مُقَاتِلٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ فَاهَتْ بْنِ لَاوِي بْنِ يعقوب عليه السلام، وآله: مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَوَهْبٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ بْنِ عمون مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عليهما السلام، وآله: مَرْيَمَ وَعِيسَى، وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كُلَّهُمْ مِنْ نسلهم، {عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] [34] {ذُرِّيَّةً} [آل عمران: 34] اشْتِقَاقُهَا مِنْ ذَرَأَ بِمَعْنَى خَلَقَ، وقيل: من الذر لأنه استخرجهم مِنْ صُلْبِ آدَمَ كَالذَّرِّ، وَيُسَمَّى الأولاد والآباء ذرية، فالأولاد ذُرِّيَّةٌ، لِأَنَّهُ ذَرَأَهُمْ، وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ لِأَنَّهُ ذَرَأَ الْأَبْنَاءَ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} [يس: 41] أَيْ: آبَاءَهُمْ، {ذُرِّيَّةً} [آل عمران: 34] نُصِبَ عَلَى مَعْنَى: وَاصْطَفَى ذُرِّيَّةً {بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 34] أَيْ: بَعْضُهَا مِنْ وَلَدِ بَعْضٍ، وَقِيلَ: بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّنَاصُرِ، وَقِيلَ: بَعْضُهَا عَلَى دِينِ بعض، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 34] [35] {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35] وهي حنة بنت فاقوذا أُمُّ مَرْيَمَ، وَعِمْرَانُ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ، وَلَيْسَ بِعِمْرَانَ أَبِي موسى عليه السلام، لأن بينهما ألفا وثمانمائة سنة، وقيل كان بين إبراهيم وموسى عليهما السلام أَلْفُ سَنَةٍ، وَبَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى عليهما السلام ألفا سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ، وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران: 35] أي: جعلت لك الَّذِي فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا نَذْرًا مِنِّي لَكَ، {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35] وَالنَّذْرُ مَا يُوجِبُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مُحَرَّرًا، أَيْ: عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ مُفْرَغًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَلِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ، لَا أَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا أُخْلِصَ فَهُوَ مُحَرَّرٌ، يُقَالُ: حَرَّرْتُ الْعَبْدَ إِذَا أعتقته وخلصته من الرق. [36] {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} [آل عمران: 36] أَيْ: وَلَدَتْهَا، إِذَا هِيَ جَارِيَةٌ، والهاء في قوله: {وَضَعَتْهَا} [آل عمران: 36] راجعة إلى النذيرة لا إلى (ما) ولذلك أنث، {قَالَتْ} [آل عمران: 36] حَنَّةُ وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ غُلَامًا، {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران: 36] اعْتِذَارًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36] بِجَزْمِ التَّاءِ إِخْبَارًا عَنِ اللَّهِ تعالى عز وجل، {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْعِبَادِ الَّذِينَ فيها للينها وَضَعْفِهَا وَمَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الْحَيْضِ والنفاس, {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} [آل عمران: 36] وهي بِلُغَتِهِمُ الْعَابِدَةُ وَالْخَادِمَةُ، وَكَانَتْ مَرْيَمُ من أَجْمَلَ النِّسَاءِ فِي وَقْتِهَا وَأَفْضَلَهُنَّ، {وَإِنِّي أُعِيذُهَا} [آل عمران: 36] أمنعها وأجيرها، {بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} [آل عمران: 36] أولادها {مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] والشيطان الطَّرِيدُ اللَّعِينُ وَالرَّجِيمُ الْمَرْمِيُّ بِالشُّهُبِ. [37] قَوْلُهُ: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران: 37] أي: قبل اللَّهُ مَرْيَمَ مِنْ حَنَّةَ، مَكَانَ الْمُحَرَّرِ، وَتَقَبَّلَ بِمَعْنَى: قَبِلَ وَرَضِيَ، والقبول: مصدر قبل يقبل ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الاعتصام 13 / 249، والمصنف في شرح السنة 1 / 192.

قبولا، مثل الولوغ والوزوغ، وَلَمْ يَأْتِ غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ مَعْنَى التَّقَبُّلِ: التَّكَفُّلُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهَا، {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37] مَعْنَاهُ: وَأَنْبَتَهَا فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا، {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ: أَخَذَتْ حَنَّةُ مَرْيَمَ حِينَ وَلَدَتْهَا، فَلَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمْلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءِ هَارُونَ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنَافَسَ فِيهَا الْأَحْبَارُ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: أَنَا أَحَقُّكُمْ بِهَا، عندي خالتها وكان رَأْسَ الْأَحْبَارِ وَنَبِيَّهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] قرأ حمزة وعاصم والكسائي (وكفَّلها) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، فَيَكُونُ زَكَرِيَّا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ أَيْ: ضَمَنَهَا اللَّهُ وَضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بتخفيف فَيَكُونُ زَكَرِيَّا فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، أَيْ: ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَى نَفْسِهِ وَقَامَ بِأَمْرِهَا، وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنُ آذَنَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ صَدُوقَ مِنْ أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ زَكَرِيَّا مَقْصُورًا، وَالْآخَرُونَ يَمُدُّونَهُ، فَلَمَّا ضَمَّ زَكَرِيَّا مَرْيَمَ إِلَى نَفْسِهِ بَنَى لَهَا بَيْتًا وَاسْتَرْضَعَ لَهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أَمِّ يَحْيَى حَتَّى إِذَا شَبَّتْ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، بَنَى لَهَا مِحْرَابًا فِي الْمَسْجِدِ وَجُعِلَ بَابُهُ فِي وَسَطِهَا لَا يُرْقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِالسُّلَّمِ مِثْلَ بَابِ الْكَعْبَةِ لَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا غَيْرُهُ، وَكَانَ يَأْتِيهَا بِطَعَامِهَا وَشَرَابِهَا وَدُهْنِهَا كُلَّ يَوْمٍ، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} [آل عمران: 37] وَأَرَادَ بِالْمِحْرَابِ الْغُرْفَةَ، وَالْمِحْرَابُ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ وَمُقَدَّمُهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيُقَالُ لِلْمَسْجِدِ أَيْضًا مِحْرَابٌ، وقال الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ الْمِحْرَابُ إِلَّا أَنْ يُرتقى إِلَيْهِ بِدَرَجَةٍ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ زَكَرِيَّا إِذَا خَرَجَ يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أبواب، فإذا دخل عليها فتحها، {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37] أَيْ: فَاكِهَةً فِي غَيْرِ حِينِهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذَا لِأَنَّ (أَنَّى) لِلسُّؤَالِ عَنِ الْجِهَةِ، (وَأَيْنَ) لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَكَانِ، {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 37] أَيْ: من قطف الجنة، وقال أبو الحسن: إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثديها قط بل كَانَ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ لَهَا زَكَرِيَّا أَنَّى لَكِ هذا؟ فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 37] تَكَلَّمَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زَكَرِيَّا قَالَ: إِنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَرْيَمَ بِالْفَاكِهَةِ فِي غَيْرِ حِينِهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ زَوْجَتِي وَيَهَبَ لِي وَلَدًا في غير حينه على الْكِبَرِ، فَطَمِعَ فِي الْوَلَدِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا قَدِ انْقَرَضُوا، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ شَاخَ وأيس من الولد. [38] قال تعالى: {هُنَالِكَ} [آل عمران: 38] أَيْ: عِنْدَ ذَلِكَ. {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38] فدخل المحراب وغلق الأبواب وناجى ربه {قَالَ رَبِّ} [آل عمران: 38] أَيْ: يَا رَبِّ، {هَبْ لِي} [آل عمران: 38] أعطني {مِنْ لَدُنْكَ} [آل عمران: 38] أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ، {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38] أَيْ: وَلَدًا مُبَارَكًا تَقِيًّا صَالِحًا رضيا، والذرية تكون واحدا أو جمعا ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَهُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مَرْيَمَ: 5] وَإِنَّمَا قَالَ: طَيِّبَةً لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذرية، {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38] أَيْ: سَامِعُهُ، وَقِيلَ: مُجِيبُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 25] أَيْ: فَأَجِيبُونِي. [39] {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: 39] أراد بِالْمَلَائِكَةِ هَاهُنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النحل. {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ} [النحل: 2] يعني جبريل بالروح والوحي، وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِمْ. سَمِعْتُ هَذَا الْخَبَرَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْ وَاحِدٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آلِ عِمْرَانَ: 173] يَعْنِي: نُعَيْمَ بن مسعود،

{إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] يَعْنِي: أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: إِذَا كَانَ الْقَائِلُ رَئِيسًا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْجَمْعِ، لِاجْتِمَاعِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَئِيسَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَلَّ مَا يُبْعَثُ إِلَّا وَمَعَهُ جَمْعٌ، فَجَرَى عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران: 39] أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ الْحَبْرَ الْكَبِيرَ الَّذِي يُقَرِّبُ الْقُرْبَانَ فَيَفْتَحُ بَابَ الْمَذْبَحِ، فَلَا يَدْخُلُونَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، يَعْنِي: فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمَذْبَحِ يُصَلِّي وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ شَابٍّ عليه ثياب بيض تلمع فَفَزِعَ مِنْهُ، فَنَادَاهُ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا زَكَرِيَّا {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران: 39] هو الاسم لَا يُجَرُّ لِمَعْرِفَتِهِ، وَلِلزَّائِدِ فِي أوله، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لِمَ سُمِّيَ يحيى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِأَنَّ اللَّهَ أَحْيَا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، قَالَ قَتَادَةُ: لِأَنَّ الله تعالى أحيا به قلبه بالإيمان، وقيل: سمي يحيى لأنه أستشهد، والشهداء أحياء، وقيل: معناه يموت، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يهم بمعصية، {مُصَدِّقًا} [آل عمران: 39] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، {بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 39] يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ عِيسَى كَلِمَةَ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ كُنْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَكَانَ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ اسم الكلمة، وَقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةً لِأَنَّهُ يُهْتَدَى بِهِ كَمَا يُهْتَدَى بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ بِشَارَةُ اللَّهِ تعالى لمريم بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَلَامِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءَ بِكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ يَخْلُقُ نَبِيًّا بِلَا أَبٍ، فَسَمَّاهُ كَلِمَةً لِحُصُولِهِ بِذَلِكَ الْوَعْدِ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَانَا ابْنَيِ خالة، ثُمَّ قُتِلَ يَحْيَى قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، أَيْ: بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْشِدْنِي كَلِمَةَ فُلَانٍ، أَيْ: قَصِيدَتَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَيِّدًا} [آل عمران: 39] هو فعيل مِنْ سَادَ يَسُودُ، وَهُوَ الرَّئِيسُ الَّذِي يُتْبَعُ وَيُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ الْمُفَضَّلُ: أَرَادَ سَيِّدًا فِي الدِّينِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: السَّيِّدُ: الْحَسَنُ الْخُلُقَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: السَّيِّدُ الَّذِي يُطِيعُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: السَّيِّدُ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: سَيِّدٌ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ، وَقِيلَ: الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَرِيمُ عَلَى الله تعالى، وقيل: السيد التقي قاله الضحاك، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الَّذِي لَا يَحْسِدُ، وَقِيلَ: الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي جَمِيعِ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَانِعُ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ له، وقيل: هو السخي، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] والحصور: أصله من الحسر وَهُوَ الْحَبْسُ، وَالْحَصُورُ فِي قَوْلِ ابن مسعود وَابْنِ عَبَّاسٍ

وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَقْرَبُهُنَّ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَحْصُرُ نفسه عن الشهوات، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، هُوَ العنين الذي لا ماء لَهُ فَيَكُونُ الْحَصُورُ بِمَعْنَى الْمَحْصُورِ، يَعْنِي: الْمَمْنُوعَ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ لَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِبَصَرِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّ الْحَصُورَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْوَطْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ قَوْمٌ هَذَا الْقَوْلَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّنَاءِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى اسْتِحْقَاقِ الثَّنَاءِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ أَبْعَدُ من إلحاق الآفة بالأنبياء. [40] قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ} [آل عمران: 40] أَيْ: يَا سَيِّدِي، قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: قَالَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجل: {أَنَّى يَكُونُ} [آل عمران: 40] يعني: أين يكون، {لِي غُلَامٌ} [آل عمران: 40] أي: أين {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} [آل عمران: 40] هَذَا مِنَ الْمَقْلُوبِ، أَيْ: وَقَدْ بلغت الكبر وشخت، كما تقول: بَلَغَنِي الْجَهْدُ، أَيْ: أَنَا فِي الْجَهْدِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَقَدْ نَالَنِيَ الْكِبَرُ وَأَدْرَكَنِي وَأَضْعَفَنِي، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بِالْوَلَدِ ابن اثنتين وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40] أي: عقيم لا تلد، ويقال: رَجُلٌ عَاقِرٌ وَامْرَأَةٌ عَاقِرٌ، وَقَدْ عَقُرَ بِضَمِّ الْقَافِ يَعْقِرُ عُقْرًا وَعُقَارَةً، {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران: 40] [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [آل عمران: 41] أَيْ: عَلَامَةً أَعْلَمُ بِهَا وَقْتَ حَمْلِ امْرَأَتِي فَأَزِيدُ فِي الْعِبَادَةِ شُكْرًا لَكَ، {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} [آل عمران: 41] أي: تَكُفَّ عَنِ الْكَلَامِ، {ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [آل عمران: 41] وَتُقْبِلَ بِكُلِّيَّتِكَ عَلَى عِبَادَتِي لَا أنه يحبس لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَهُوَ صَحِيحٌ سَوِيٌّ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم: 10] يدل على قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] فَأَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَنَهَاهُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَقَلَ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ مَعَ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمْسَكَ لسانه عن الكلام عقوبة لِسُؤَالِهِ الْآيَةَ، بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَوْلُهُ: {إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41] أَيْ: إِشَارَةً وَالْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ باللسان وبالعين واليد، وكانت إشارته بالأصبع المسبحة، قال الْفَرَّاءُ: قَدْ يَكُونُ الرَّمْزُ بِاللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ، وَهُوَ الصوت الخفي شبه الْهَمْسَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ بِهِ صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَامُوا لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا رَمْزًا، {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] قِيلَ: الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلَاةُ وَالْعَشِيُّ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى غروب الشمس، ومنه سميت صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، وَالْإِبْكَارُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى الضُّحَى. [42] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} [آل عمران: 42] يَعْنِي: جِبْرِيلَ، {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} [آل عمران: 42] اختارك {وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42] قِيلَ: مِنْ مَسِيسِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتْ مَرْيَمُ لَا تَحِيضُ، وَقِيلَ: مِنَ الذُّنُوبِ، {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] قِيلَ: عَلَى عَالَمِي زَمَانِهَا، وَقِيلَ: عَلَى جَمِيعِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي أَنَّهَا وَلَدَتْ بِلَا أَبٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ وَقِيلَ: بِالتَّحْرِيرِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ تحرر أنثى. [43] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} [آل عمران: 43] قَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ شَفَاهًا أَيْ: أَطِيعِي رَبَّكِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَطِيلِي الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ لِرَبِّكِ، وَالْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: الْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمَّا قَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ قَامَتْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا وَسَالَتْ دَمًا وقيحا {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [آل عمران: 43] قِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى

قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله

الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ بَلْ لِلْجَمْعِ، {مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] وَلَمْ يَقُلْ مَعَ الرَّاكِعَاتِ لِيَكُونَ أَعَمَّ وَأَشْمَلَ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَعَ المصلين في الجماعة. [44] قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 44] يَقُولُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَمَرْيَمَ وَعِيسَى، على نبينا وعليهم السلام، مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، أَيْ: مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ، {وَمَا كُنْتَ} [آل عمران: 44] يَا مُحَمَّدُ، {لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} [آل عمران: 44] سِهَامَهُمْ فِي الْمَاءِ لِلِاقْتِرَاعِ {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] يَحْضُنُهَا وَيُرَبِّيهَا، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] فِي كَفَالَتِهَا. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ] يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. . . . [45] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45] إنما قال اسمه، ورد الْكِنَايَةَ إِلَى عِيسَى، وَاخْتَلَفُوا فِي أنه لم سمي مسيحا، فمنهم مَنْ قَالَ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، يَعْنِي: أَنَّهُ مُسِحَ مِنَ الْأَقْذَارِ وَطُهِّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقِيلَ: إنه مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَسِيحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمَصَ لَهُ، وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، مِثْلُ عَلِيمٍ وَعَالِمٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: سمي عيسى - عليه السلام - مَسِيحًا لِأَنَّهُ مَا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِأَ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ فِي مَكَانٍ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ، وَيَكُونُ الْمَسِيحُ بِمَعْنَى: الْكَذَّابِ، وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ. وَالْحَرْفُ مِنَ الْأَضْدَادِ، {وَجِيهًا} [آل عمران: 45] أَيْ شَرِيفًا رَفِيعًا ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ، {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] عِنْدَ اللَّهِ. [46] {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 46] صغيرا قبل أوان الكلام، {وَكَهْلًا} [آل عمران: 46] قال مقاتل: يعني إذا اجتمعت قوته قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: وَكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: أَخْبَرَهَا أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَكْتَهِلَ، وكلامه بعد الكهولة إخبار عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُعْجِزَةِ، وَقِيلَ: وَكَهْلًا نَبِيًّا بَشَّرَهَا بِنُبُوَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ مُعْجِزَةٌ وَفِي الْكُهُولَةِ دَعْوَةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَكَهْلًا أَيْ: حَلِيمًا، وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ الْكُهُولَةَ، لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الْوُسْطَى فِي احْتِنَاكِ السِّنِّ وَاسْتِحْكَامِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرأي والتجربة، {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] أَيْ: هُوَ مِنَ الْعِبَادِ الصَّالِحِينَ. [47] {قَالَتْ رَبِّ} [آل عمران: 47] يَا سَيِّدِي، تَقُولُهُ لِجِبْرِيلَ، وَقِيلَ: تَقُولُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] ولم يُصِبْنِي رَجُلٌ، قَالَتْ ذَلِكَ تَعَجُّبًا إِذْ لَمْ تَكُنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يُولَدَ وَلَدٌ لَا أَبَ لَهُ، {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا} [آل عمران: 47] أراد كَوْنَ الشَّيْءِ، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] كما يريد. [48] {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} [آل عمران: 48] أي: الكتابة والخط، {وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 48] العلم والفقه {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48] عَلَّمَهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. [49] {وَرَسُولًا} [آل عمران: 49] أَيْ: وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا {إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 49] قِيلَ: كَانَ رَسُولًا فِي حَالِ الصِّبَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولًا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَكَانَ أَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوسُفَ وَآخِرُهُمْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَلَمَّا بُعِثَ قَالَ: {أَنِّي} [آل عمران: 49] قَالَ الْكِسَائِيُّ إِنَّمَا فَتَحَ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الرِّسَالَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بأني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} [آل عمران: 49] علامة، {مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 49] تُصَدِّقُ قَوْلِي، وَإِنَّمَا قَالَ بِآيَةٍ وَقَدْ أَتَى بِآيَاتٍ لِأَنَّ الْكُلَّ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ صِدْقُهُ فِي الرِّسَالَةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: وَمَا

هي قال: {أَنِّي أَخْلُقُ} [آل عمران: 49] أَيْ: أُصَوِّرُ وَأُقَدِّرُ، {لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران: 49] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ) ، هَاهُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ، وَالْهَيْئَةُ الصُّورَةُ الْمُهَيَّأَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَدَّرْتُهُ وَأَصْلَحْتُهُ، {فَأَنْفُخُ فِيهِ} [آل عمران: 49] أَيْ: فِي الطَّيْرِ {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49] قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِينَ بِالْجَمْعِ، لِأَنَّهُ خَلَقَ طَيْرًا كَثِيرًا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ (فَيَكُونُ طَائِرًا) عَلَى الْوَاحِدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، ذَهَبُوا إِلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الطَّيْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الْخُفَّاشِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْخُفَّاشَ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ الطير خلقا؛ لأن له ثَدْيًا وَأَسْنَانًا، وَهِيَ تَحِيضُ، قَالَ وَهْبٌ: كَانَ يَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ الْخَلْقِ مِنْ فِعْلِ الْخَالِقِ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ عَزَّ وجل، قوله تعالى: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} [آل عمران: 49] أَيْ: أَشْفِيهِمَا وَأُصَحِّحُهُمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الأكمه، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عنهما - وَقَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْأَعْمَى، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْأَعْمَشُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ ولا يبصر بالليل، والأبرص هو الَّذِي بِهِ وَضَحٌ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ لِأَنَّهُمَا دَاءَانِ عَيَاءَانِ، وَكَانَ الْغَالِبُ فِي زَمَنِ عِيسَى - عَلَيْهِ السلام - الطب، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 49] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ أَحْيَا أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ عَازِرَ وَابْنَ الْعَجُوزِ وَابْنَةَ الْعَاشِرِ وَسَامَ بْنَ نُوحٍ، فَأَمَّا عَازِرُ فَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فَأَرْسَلَتْ أُخْتُهُ إِلَى عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ أَخَاكَ عَازِرَ يَمُوتُ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَتَاهُ هُوَ وأصحابه فوجدوه وقد مَاتَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: انْطَلِقِي بِنَا إِلَى قَبْرِهِ، فَانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ إِلَى قَبْرِهِ، فَدَعَا الله تعالى فقام عازر ودكه يَقْطُرُ فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَبَقِيَ وَوُلِدَ لَهُ، وَأَمَّا ابْنُ الْعَجُوزِ فإنه مُرّ بِهِ مَيِّتًا عَلَى عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى سَرِيرٍ يُحْمَلُ فَدَعَا اللَّهَ عِيسَى فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَنَزَلَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَحَمَلَ السَّرِيرَ عَلَى عُنُقِهِ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَبَقِيَ وَوُلِدَ لَهُ، وَأَمَّا ابْنَةُ الْعَاشِرِ فكان والدها رَجُلًا يَأْخُذُ الْعُشُورَ، مَاتَتْ لَهُ بِنْتٌ بِالْأَمْسِ، فَدَعَا اللَّهَ - عَزَّ وجل - فأحياها، وبقيت وولدت، وَأَمَّا سَامُ بْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَاءَ إِلَى قَبْرِهِ فَدَعَا بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ، وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ خَوْفًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَشِيبُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَقَالَ قَدْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّ دَعَوْتُكَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مُتْ، قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ يُعِيذَنِي اللَّهُ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَدَعَا اللَّهَ فَفَعَلَ. قوله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ} [آل عمران: 49] أخبركم {بِمَا تَأْكُلُونَ} [آل عمران: 49] مِمَّا لَمَّ أُعَايِنْهُ، {وَمَا تَدَّخِرُونَ} [آل عمران: 49] ترفعونه، {فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: 49] حَتَّى تَأْكُلُوهُ، وَقِيلَ: كَانَ يُخْبِرُ الرَّجُلَ بِمَا أَكَلَ الْبَارِحَةَ وَبِمَا يَأْكُلُ الْيَوْمَ وَبِمَا ادَّخَرَهُ

قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك

للعشاء. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [آل عمران: 49] الَّذِي ذَكَرْتُ، {لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49] [50] {وَمُصَدِّقًا} [آل عمران: 50] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ {وَرَسُولًا - لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 49 - 50] مِنَ اللُّحُومِ وَالشُّحُومِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَرَادَ بِالْبَعْضِ الْكُلَّ، يَعْنِي: كُلَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ ذكر البعض ويراد به الكل، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 50] يَعْنِي: مَا ذَكَرَ مِنَ الْآيَاتِ، وَإِنَّمَا وَحَّدَهَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50] [51] {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 51] [52] {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى} [آل عمران: 52] أَيْ: وَجَدَ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: رأى، {مِنْهُمُ الْكُفْرَ} [آل عمران: 52] وأرادوا قتله استنصر عليهم، {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، تَقُولُ الْعَرَبُ: الذَّوْدُ إِلَى الذَّوْدِ إِبِلٌ، أَيْ: مَعَ الذود، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النِّسَاءِ: 2] أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ (إِلَى) بِمَعْنَى فِي، أَيْ: مَنْ أَعْوَانِي فِي اللَّهِ، أَيْ: فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَسَبِيلِهِ، وقيل: (إِلَى) في موضعها مَعْنَاهُ: مَنْ يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إِلَى نُصْرَةِ اللَّهِ لِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَوَارِيِّينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانُوا صَيَّادِينَ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، سُمُّوا حَوَارِيِّينَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ، وَقِيلَ: كَانُوا مَلَّاحِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا قَصَّارِينَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ، أي: يبيضونها، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سُمُّوا حَوَارِيِّينَ لِصَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: سُمُّوا بِهِ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ وَنُورِهَا، وَأَصْلُ الْحَوَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَحْوَرُ وَامْرَأَةٌ حَوْرَاءُ أَيْ: شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: الْحَوَارِيُّونَ هُمُ الْأَصْفِيَاءُ، وَهُمْ كَانُوا أَصْفِيَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قَالَ رَوْحُ بن أبي الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، قال: هم الذين تصلح لهم الخلافة، وعنه أيضا أَنَّهُ قَالَ: الْحَوَارِيُّونَ هُمُ الْوُزَرَاءُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَوَارِيُّونَ الْأَنْصَارُ، وَالْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ، وَالْحَوَارِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ خَاصَّةً: الرَّجُلُ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ فيما ينويه {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52] أَعْوَانُ دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ} [آل عمران: 52] يا عيسى، {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] [53] {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} [آل عمران: 53] من كتابك، {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} [آل عمران: 53] عيسى، {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53] الَّذِينَ شَهِدُوا لِأَنْبِيَائِكَ بِالصِّدْقِ، وَقَالَ عَطَاءٌ مَعَ النَّبِيِّينَ لِأَنَّ كُلَّ نبي شاهد أمته، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ للرسل بالبلاغ. [54] قوله تعالى: {وَمَكَرُوا} [آل عمران: 54] يعني: كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر، دبروا فِي قَتْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَعْدَ إِخْرَاجِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ وَأُمَّهُ عَادَ إِلَيْهِمْ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ، وَصَاحَ فِيهِمْ بِالدَّعْوَةِ فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ وَتَوَاطَئُوا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ فَذَلِكَ مَكْرُهُمْ، قال الله تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] فَالْمَكْرُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ الْخُبْثُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْحِيلَةُ، وَالْمَكْرُ مِنَ اللَّهِ اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ وَأَخْذُهُ بَغْتَةً مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، كَمَا قَالَ: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الْأَعْرَافِ: 182] ومكر الله تعالى بهم في هذه الآية هو إِلْقَاؤُهُ الشَّبَهَ عَلَى صَاحِبِهِمُ الَّذِي أَرَادَ قَتْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حتى قتل. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ] إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. . . . [55] {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] اختلفوا في بعض التَّوَفِّي هَاهُنَا، قَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: إِنِّي قَابِضُكَ وَرَافِعُكَ فِي الدُّنْيَا إِلَيَّ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [الْمَائِدَةِ: 117] أَيْ: قَبَضْتَنِي إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَا حَيٌّ,

لِأَنَّ قَوْمَهُ إِنَّمَا تَنَصَّرُوا بَعْدَ رفعه لَا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى هَذَا لِلتَّوَفِّي تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا: إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَافِيًا لَمْ يَنَالُوا مِنْكَ شيئا، من قولهم: توفيت من كذا وكذا وأستوفيه إِذَا أَخَذْتُهُ تَامًّا، وَالْآخَرُ: أَنِّي متسلمك، مِنْ قَوْلِهِمْ تَوَفَّيْتُ مِنْهُ كَذَا، أَيْ: تَسَلَّمْتُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنس: المراد بالتوفي النوم، وَكَانَ عِيسَى قَدْ نَامَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ نَائِمًا إِلَى السَّمَاءِ، مَعْنَاهُ إني منيمك وَرَافِعُكَ إِلَيَّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام: 60] أي: ينيمكم بالليل، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِالتَّوَفِّي الْمَوْتُ، وروى عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّ مَعْنَاهُ: أَنِّي مُمِيتُكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السَّجْدَةِ: 11] فَعَلَى هَذَا لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ وَهْبٌ: تَوَفَّى اللَّهُ عِيسَى ثَلَاثَ سَاعَاتٍ من النهار ثم أحياه ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَفَّاهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ أحياه ورفعه إليه، وَالْآخَرُ: مَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا مَعْنَاهُ: أَنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمُتَوَفِّيكَ بعد إنزالك مِنَ السَّمَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55] أَيْ: مُخْرِجُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَمُنْجِيكَ مِنْهُمْ {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55] قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَالشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا دِينَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، فهم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظَاهِرِينَ قَاهِرِينَ بِالْعِزَّةِ وَالْمَنْعَةِ وَالْحُجَّةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْحَوَارِيِّينَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الرُّومِ، وَقِيلَ: أراد بهم النصارى، أي: فَهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ قَدْ ذَهَبَ مُلْكُهُمْ، وَمُلْكُ النَّصَارَى دَائِمٌ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاتِّبَاعُ بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ وَالْمَحَبَّةِ، لَا اتِّبَاعَ الدِّينِ، {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} [آل عمران: 55] فِي الْآخِرَةِ، {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55] من الدِّينِ وَأَمْرِ عِيسَى. [56] {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا} [آل عمران: 56] بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْجِزْيَةِ وَالذِّلَّةِ، {وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 56] أَيْ: وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 56] [57] {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 57] أي: يوفيهم أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57] أَيْ: لَا يَرْحَمُ الْكَافِرِينَ وَلَا يثني عليهم بالجميل. [58] {ذَلِكَ} [آل عمران: 58] أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى وَمَرْيَمَ والحواريين {نَتْلُوهُ عَليْكَ} [آل عمران: 58] يعني: نُخْبِرُكَ بِهِ بِتِلَاوَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ، {مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 58] يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ ذِي الْحِكْمَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، أَيِ:

قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة

الْمُحْكَمُ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، وَقِيلَ: مِنَ الْآيَاتِ أَيِ من الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا قَارِئُ كتاب الله أَوْ مَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَأَنْتَ أمي لا تقرأ. [59] {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا، قَالَ: وَمَا أَقُولُ؟ قَالُوا: تَقُولُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: " أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ "، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: هَلْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا قَطُّ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 59] فِي كَوْنِهِ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أب {كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ، {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ} [آل عمران: 59] يَعْنِي: لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] يَعْنِي: فَكَانَ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] خلقًا، وَلَا تَكْوِينَ بَعْدَ الْخَلْقِ، قِيلَ: معناه خَلَقَهُ ثُمَّ أَخْبَرَكُمْ أَنِّي قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فِي الْخَلْقِ كَمَا يَكُونُ فِي الْوِلَادَةِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ: أَعْطَيْتُكَ الْيَوْمَ دِرْهَمًا ثُمَّ أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا أَيْ: ثُمَّ أُخْبِرُكَ أَنِّي أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا، وَفِيمَا سَبَقَ مِنَ التَّمْثِيلِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِنَوْعِ شَبَهٍ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ عِيسَى إِلَى آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِنَوْعِ شَبَهٍ. [60] قَوْلُهُ تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [آل عمران: 60] أَيْ: هُوَ الْحَقُّ، وَقِيلَ: جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60] أي: الشاكين، الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، والمراد أمته. [61] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} [آل عمران: 61] أي: جادلك في أمر عيسى وفي الْحَقِّ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران: 61] بِأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، {فَقُلْ تَعَالَوْا} [آل عمران: 61] أصله تَعَالَيُوا تَفَاعَلُوا مِنَ الْعُلُوِّ فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: بِمَعْنَى تَعَالٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ ارتفع، {نَدْعُ} [آل عمران: 61] جُزِمَ لِجَوَابِ الْأَمْرِ، وَعَلَامَةُ الْجَزْمِ سُقُوطُ الْوَاوِ، {أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 61] قيل: أبناءنا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَنِسَاءَنَا فَاطِمَةَ وَأَنْفُسَنَا عَنَى نَفْسَهُ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ عَمِّ الرَّجُلِ نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الْحُجُرَاتِ: 11] يُرِيدُ إِخْوَانَكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى العموم لجماعة أهل الدين، {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} [آلِ عِمْرَانَ: 61] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيْ نَتَضَرَّعُ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَجْتَهِدُ وَنُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وأبو عبيدة: نَبْتَهِلْ، وَالِابْتِهَالُ الِالْتِعَانُ، يُقَالُ عَلَيْهِ بَهْلَةُ الله، أي: لعنته {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي أَمْرِ عِيسَى. [62] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62] النَّبَأُ الْحَقُّ، {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 62] وَ (مِنْ) صِلَةٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62] [63] {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 63] أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ] سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. . . . [64] {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} [آل عمران: 64] وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قِصَّةٍ لَهَا شَرْحٌ (كَلِمَةً) وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَصِيدَةُ (كلمة) {سَوَاءٍ} [آل عمران: 64] عدل {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] مُسْتَوِيَةٍ أَيْ أَمْرٍ مُسْتَوٍ، يُقَالُ دَعَا فَلَانَ إِلَى السَّوَاءِ، أَيْ إِلَى النَّصَفَةِ، وَسَوَاءُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصَّافَّاتِ: 55] وَإِنَّمَا قيل: للنصفة سواء؛ لأن أعدل الأمور أفضلها وأوسطها، سواء نَعْتٌ لِكَلِمَةٍ إِلَّا أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ ولا يؤنث فَإِذَا فَتَحْتَ السِّينَ مَدَدْتَ، وَإِذَا كسرت أو ضمت قَصَرْتَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَكَانًا سُوًى} [طه: 58] ثُمَّ فَسَّرَ الْكَلِمَةَ فَقَالَ. {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} [آل عمران: 64] وَمَحَلُّ (أَنْ) رَفْعٌ عَلَى إِضْمَارِ

(هِيَ) ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصلة، مَعْنَاهُ بِأَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ بَدَلًا مِنَ الْكَلِمَةِ؛ أَيْ: تَعَالَوْا إِلَى كلمة أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، {وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64] كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 31] وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لبعض أي لا نسجد لِغَيْرِ اللَّهِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نُطِيعُ أَحَدًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا} [آل عمران: 64] أي فقولوا أنتم يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لهم: اشهدوا {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] مخلصون بالتوحيد. [65] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 65] تَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِكُمْ، وَإِنَّمَا دِينُكُمُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَقَدْ حَدَثَتِ الْيَهُودِيَّةُ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 65] أي: بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى أَلْفُ سَنَةٍ وَبَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى أَلْفَا سَنَةٍ {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65] بُطْلَانَ قَوْلِكُمْ. [66] قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} [آل عمران: 66] أَصْلُهُ أُولَاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَاءُ التنبيه، وهو مَوْضِعِ النِّدَاءِ يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ أنتم، {حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66] يَعْنِي فِي أَمْرِ مُوسَى وَعِيسَى، وَادَّعَيْتُمْ أَنَّكُمْ عَلَى دِينِهِمَا، وَقَدْ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عَلَيْكُمْ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَلَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَقِيلَ: حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ يَعْنِي: فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا نَعْتَهُ فِي كِتَابِهِمْ، فَجَادَلُوا فِيهِ بِالْبَاطِلِ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ وَلَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66] ثُمَّ بَرَّأَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ عما قَالُوا، فَقَالَ: [67] {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] والحنيف المائل عن الأديان إِلَى الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقِيلَ: الْحَنِيفُ الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ وَهُوَ أَسْهَلُ الْأَدْيَانِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [68] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران: 68] أَيْ مَنِ اتَّبَعَهُ فِي زَمَانِهِ وملته بعده {وَهَذَا النَّبِيُّ} [آل عمران: 68] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {وَالَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 68] يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آلِ عُمْرَانَ: 68] [69] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [آل عمران: 69] نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَمَّارِ بْنِ يا سر حِينَ دَعَاهُمُ الْيَهُودُ إِلَى دِينِهِمْ، فنزلت {وَدَّتْ طَائِفَةٌ} [آل عمران: 69] أي: تَمَنَّتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يعني اليهود، {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} [آل عمران: 69] يستزيلونكم عَنْ دِينِكُمْ وَيَرُدُّونَكُمْ إِلَى الْكُفْرِ، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69]

قوله تعالى وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي

[70] {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 70] يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَبَيَانَ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70] أَنَّ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَذْكُورٌ. [71] {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71] تَخْلِطُونَ الْإِسْلَامَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَقِيلَ: لِمَ تَخْلِطُونَ الْإِيمَانَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الْحَقُّ، بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الباطل. وقيل: لِمَ تخلطون التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بِالْبَاطِلِ الَّذِي حَرَّفْتُمُوهُ وَكَتَبْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ، {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينَهُ حَقٌّ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي] أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ. . . . [72] {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} [آل عمران: 72] أَوَّلَهُ، سُمِّيَ وَجْهًا لِأَنَّهُ أَحْسَنُهُ وَأَوَّلُ مَا يُوَاجِهُ النَّاظِرَ فَيَرَاهُ، {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] فَيَشُكُّونَ وَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ. [73] {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73] هَذَا مُتَّصِلٌ بِالْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَلَا تُؤْمِنُوا أي: ولا تُصَدِّقُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، أي: وافق ملتكم، واللام في (من) صِلَةٌ أَيْ: لَا تُصَدِّقُوا إِلَّا لمن تَبِعَ دِينَكُمُ الْيَهُودِيَّةَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72] أَيْ: رِدْفَكُمْ. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [آل عمران: 73] هذا خبر من الله تعالى أَنَّ الْبَيَانَ بَيَانُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فيه فمنهم من قال: هذا كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلَامَيْنِ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ إِخْبَارٌ عن قول اليهود لِبَعْضٍ، وَمَعْنَاهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَلَا تُؤْمِنُوا {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} [آل عمران: 73] مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَالْآيَاتِ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لِأَنَّكُمْ أَصَحُّ دِينًا مِنْهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لِسَفَلَتِهِمْ، وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ، أَيْ لِئَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ، وَ (لَا) فِيهِ مُضْمَرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النِّسَاءِ: 176] أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، يقولون: لا تصدقوهم لئلا يعلمون مِثْلَ مَا عَلِمْتُمْ فَيَكُونُ لَكُمُ الفضل عليهم في العلم، أو لئلا يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَيَقُولُوا عَرَفْتُمْ أَنَّ دِينَنَا حَقٌّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ (إِنْ يُؤْتَى) بِكَسْرِ الْأَلِفِ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْيَهُودِ تَامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ (إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أَنْ يُؤْتَى (أَنْ) بِمَعْنَى: الْجَحْدِ، أَيْ: مَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 73] يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يُجَادِلَكُمُ الْيَهُودُ بِالْبَاطِلِ فَيَقُولُوا: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عِنْدَ رَبِّكُمْ) ، أي: عند فعل ربكم بكم، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَيَجُوزُ

أَنْ يَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى حَتَّى كَمَا يُقَالُ: تَعَلَّقْ بِهِ أَوْ يُعْطِيَكَ حَقَّكَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ وَالْحُجَّةِ حَتَّى يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ! وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (آنْ يُؤْتَى) بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ تَحْسُدُونَهُ وَلَا تُؤْمِنُونَ بِهِ، هَذَا قول قتادة والربيع، قالا: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ بِأَنْ أَنْزَلَ كِتَابًا مِثْلَ كِتَابِكُمْ وَبَعَثَ نَبِيًّا حَسَدْتُمُوهُ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 73] قَوْلُهُ: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ رُجُوعٌ إِلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكُونُ (أَوْ) بِمَعْنَى (أَنَّ) لِأَنَّهُمَا حَرْفَا شَرْطٍ وَجَزَاءٍ يُوضَعُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، أَيْ: وَإِنْ يُحَاجُّوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ وَنَحْنُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ نَظْمُ الْآيَةِ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسَدُوكُمْ، فَقُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وَإِنْ حَاجُّوكُمْ، فقل: (إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنِ الْيَهُودِ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] وقوله تعالى: (وَلَا تُؤْمِنُوا) من كَلَامُ اللَّهِ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَشُكُّوا عِنْدَ تَلْبِيسِ اليهود وتزويرهم في دينهم، ويقول: لَا تُصَدِّقُوا يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ إلا لمن اتبع دِينَكُمْ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ العلم والدين وَالْفَضْلِ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ في دينكم عند ربكم أي: يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْهُدَى هدى اللَّهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، فَتَكُونُ الْآيَةُ كُلُّهَا خِطَابَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ لئلا يرتابوا. [74] قوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} [آل عمران: 74] أَيْ: بِنُبُوَّتِهِ {مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74] [75] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ أَمَانَةً وَخِيَانَةً، وَالْقِنْطَارُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَالدِّينَارُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الْقَلِيلِ، يَقُولُ: مِنْهُمْ مَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤَدِّيهَا وَإِنْ قَلَّتْ، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ هم مؤمنو أَهْلِ الْكِتَابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَأَصْحَابِهِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] يَعْنِي: كُفَّارَ الْيَهُودِ، كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، أَوْدَعَهُ رَجُلٌ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ فَأَدَّاهَا إِلَيْهِ، (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) يَعْنِي: فِنْحَاصَ بْنَ عَازُورَاءَ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ من قريش دينارًا فخانه، {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آلِ عِمْرَانَ: 75] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُلِحًّا، يُرِيدُ يَقُومُ عَلَيْهِ يُطَالِبُهُ بِالْإِلْحَاحِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مُوَاظِبًا أَيْ تُوَاظِبُ عَلَيْهِ بِالِاقْتِضَاءِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَوْدَعْتَهُ ثُمَّ اسْتَرْجَعْتَهُ وَأَنْتَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ تُفَارِقْهُ رَدَّهُ إِلَيْكَ، فَإِنْ فَارَقْتَهُ وَأَخَّرْتَهُ أَنْكَرَهُ ولم يؤده، {ذَلِكَ} [آل عمران: 75] أَيْ: ذَلِكَ الِاسْتِحْلَالُ وَالْخِيَانَةُ، {بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75] أَيْ: فِي مَالِ الْعَرَبِ إِثْمٌ وَحَرَجٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] وذلك بأن الْيَهُودَ قَالُوا: أَمْوَالُ الْعَرَبِ حَلَالٌ لَنَا، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينِنَا وَلَا حُرْمَةَ لَهُمْ فِي كِتَابِنَا، وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ ظُلْمَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا كَانَتْ لنا فيما فِي يَدِ الْعَرَبِ مِنْهَا فَهُوَ لَنَا، وَإِنَّمَا ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْنَا فِي أَخْذِنَا إِيَّاهُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٌ: بَايَعَ الْيَهُودُ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضُوهُمْ بَقِيَّةَ أَمْوَالِهِمْ

قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب

فَقَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقٌّ، وَلَا عِنْدَنَا قَضَاءٌ لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ وَانْقَطَعَ الْعَهْدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75] ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: [76] {بَلَى} [آل عمران: 76] أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {مَنْ أَوْفَى} [آل عمران: 76] أَيْ: وَلَكِنَّ مَنْ أَوْفَى {بِعَهْدِهِ} [آل عمران: 76] أَيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي عَهْدِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُوفِي {وَاتَّقَى} [آل عمران: 76] الْكَفْرَ وَالْخِيَانَةَ وَنَقْضَ الْعَهْدِ، {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] [77] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77] قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي رُؤُوسِ الْيَهُودِ كَتَمُوا مَا عَهِدَ اللَّهَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَهُ وَحَلَفُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمُ الْمَآكِلُ وَالرِّشَا الَّتِي كَانَتْ لهم من أتباعهم. (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ) أَيْ: يَسْتَبْدِلُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ، وَأَرَادَ الْأَمَانَةَ، وَأَيْمَانِهِمْ الْكَاذِبَةِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} [آل عمران: 77] لَا نَصِيبَ لَهُمْ {فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 77] ونعيمها {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 77] كَلَامًا يَنْفَعُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ غَضِبَ عَلَيْهِ، {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 77] أَيْ: لَا يَرْحَمُهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُنِيلُهُمْ خَيْرًا، {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77] أَيْ: لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] [78] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا} [آل عمران: 78] يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَفَرِيقًا أَيْ: طَائِفَةً، وَهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَحُيَيُّ بن أخطب وأبو يا سر وشعبة بن عمرو الشاعر، {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} [آل عمران: 78] أَيْ: يَعْطِفُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ، وَهُوَ مَا غَيَّرُوا مِنْ صِفَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: لوى لسانه عن كذا أي: غيره، {لِتَحْسَبُوهُ} [آل عمران: 78] أَيْ: لِتَظُنُّوا مَا حَرَّفُوا {مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [آل عمران: 78] عمدًا، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَلْحَقُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. [قَوْلُهُ تَعَالَى مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ] وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ. . . . [79] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} [آل عمران: 79] الْآيَةَ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} [آل عمران: 79] يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ عِيسَى أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا فَقَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ يَعْنِي: عِيسَى {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} [آل عمران: 79] أي الْإِنْجِيلَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} [آل عمران: 79] يَعْنِي مُحَمَّدًا {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} [آل عمران: 79] أَيِ الْقُرْآنَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيَّ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرَّئِيسَ مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَالَا: يَا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ رَبًّا فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أن آمر بعبادة غير الله، وما بذلك أمرني الله، وما بذلك بعثني، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} [آل عمران: 79] أَيْ مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: 16] أَيْ مَا يَنْبَغِي لَنَا، وَالْبَشَرُ: جَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالْجَيْشِ، وَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ} [آل عمران: 79] الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، وَقِيلَ: إِمْضَاءَ الْحُكْمِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَالنُّبُوَّةَ} [آل عمران: 79] المنزلة الرفيعة بالإنباء، {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا} [آل عمران: 79] أَيْ: وَلَكِنْ يَقُولُ كُونُوا، {رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] اختلفوا فِيهِ، قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: كُونُوا فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حُكَمَاءَ وَعُلَمَاءَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:

الْعَالِمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فُقَهَاءَ مُعَلِّمِينَ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قبل كباره، وقال عطاء: حكماء وعلماء ونصحاء لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَجُلًا عَالِمًا يَقُولُ: الرَّبَّانِيُّ الْعَالِمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ والنهي العارف بِأَنْبَاءِ الْأُمَّةِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ فَوْقَ الْأَحْبَارِ، والأحبار فوق الْعُلَمَاءُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ العلم البصائر بِسِيَاسَةِ النَّاسِ، قَالَ الْمُؤَرِّجُ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ تَدِينُونَ لِرَبِّكُمْ، مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، كَانَ فِي الْأَصْلِ رَبِّيٌّ فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ أُدْخِلَتِ النُّونُ لِسُكُونِ الْأَلِفِ، كَمَا قِيلَ: صَنْعَانِيٌّ وَبَهْرَانِيٌّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ، وَيَقُومُونَ بِهِ وَيُرَبُّونَ الْمُتَعَلِّمِينَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا، وَكُلُّ من قام بإصلاح الشيء وَإِتْمَامِهِ فَقَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ، وَاحِدُهَا: ربان كما قالوا: ربان وعطشان وشبعان، ثم ضمت إليه ياء النسبة، كما يقال: الحياني وَرَقَبَانِيٌّ، وَحُكِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الذي يربي علمه بعمله، قال محمد ابن الحنفية يوم مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، {بِمَا كُنْتُمْ} [آل عمران: 79] أَيْ: بِمَا أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] أَيْ: مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ {تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 79] قرأ ابن عامر وعاصم وَالْكِسَائِيُّ تُعَلِّمُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (تَعْلَمُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ: {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] أي: تقرؤون. [80] قوله: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} [آل عمران: 80] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ يَقُولَ) ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى الْبَشَرِ، أَيْ: وَلَا يَأْمُرُ ذَلِكَ الْبَشَرُ، وَقِيلَ: عَلَى إِضْمَارِ (أَنْ) أَيْ: وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ ذَلِكَ الْبَشَرُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، مَعْنَاهُ: وَلَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ مُحَمَّدٌ، {أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80] كَفِعْلِ قُرَيْشٍ وَالصَّابِئِينَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ مَا قَالُوا، {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] قالوا له عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لا يقوله هَذَا. [81] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [آل عمران: 81] قَرَأَ حَمْزَةُ لِمَا بِكَسْرِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ اللَّامَ فَهِيَ لَامُ الْإِضَافَةِ دَخَلَتْ على ما الموصولة، ومعناه: إن الَّذِي يُرِيدُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، أَيْ: أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِأَجْلِ الَّذِي آتاهم من الكتاب والحكمة وأنهم أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَمَنْ فَتَحَ اللَّامَ فَمَعْنَاهُ: لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، أَيْ لَئِنْ آتَيْتُكُمْ وَمَهْمَا آتَيْتُكُمْ، وَجَوَابُ الْجَزَاءِ، قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) قَوْلُهُ (لَمَا آتَيْتُكُمْ) قَرَأَ

نَافِعٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ (آتَيْنَاكُمْ) عَلَى التَّعْظِيمِ كَمَا قَالَ: {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [النِّسَاءِ: 163] {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مَرْيَمَ: 12] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْخَطِّ، وَلِقَوْلِهِ، (وَأَنَا مَعَكُمْ) وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ خَاصَّةً أن يبلغوا كتاب الله ورسالته إِلَى عِبَادِهِ، وَأَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بعضا، وأخذ العهود عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وينصره إن أدركه، فإن لَمْ يُدْرِكْهُ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِنُصْرَتِهِ إِنْ (أَدْرَكُوهُ) ، فَأَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى، وَمِنْ عِيسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بِمَا أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَى هَذَا اختلفوا فمنهم مَنْ قَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَرْسَلَ مِنْهُمُ النَّبِيِّينَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] وَإِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ النَّبِيِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187] وإنما الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} [آل عمران: 81] فَأَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ النبيين أن يأخذوا الميثاق إلى أُمَمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ، إِنْ أَدْرَكُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَأُمَمِهِمْ جَمِيعًا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاكْتَفَى بذكر الأنبياء لأن العهد على الْمَتْبُوعِ عَهْدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه الميثاق والعهد فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ، قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) قال: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ حِينَ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْأَنْبِيَاءُ فِيهِمْ كَالْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آلِ عِمْرَانَ: 81] أَيْ: قَبِلْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ عَهْدِي، وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ الثَّقِيلُ، {قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ} [آل عمران: 81] الله تعالى {فَاشْهَدُوا} [آل عمران: 81] أَيْ: فَاشْهَدُوا أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى أَتْبَاعِكُمْ، {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْهَدُوا، أَيْ فَاعْلَمُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِمْ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ. [82] {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} [آل عمران: 82] الإقرار، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82] العاصون الخارجون عن الإيمان. [83] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} [آل عمران: 83] وَذَلِكَ «أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ} [آل عمران: 83] خَضَعَ وَانْقَادَ، {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آلُ عِمْرَانَ: 83] فَالطَّوْعُ: الِانْقِيَادُ وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ، وَالْكُرْهُ: مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ مِنَ النَّفْسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (طَوْعًا وَكَرْهًا) قَالَ الْحَسَنُ: أَسْلَمَ أَهْلُ السموات طَوْعًا وَأَسْلَمَ مَنْ فِي الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ كَرْهًا خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالسَّبْيِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَوْعًا الْمُؤْمِنُ، وَكَرْهَا ذَلِكَ الْكَافِرُ، وَقِيلَ: هَذَا يَوْمُ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ لَهُمْ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الْأَعْرَافِ: 172] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ: كَرْهًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُؤْمِنُ من أسلم طوعًا فنفعه الإيمان، وَالْكَافِرُ أَسْلَمَ كَرْهًا فِي وَقْتِ اليأس فلم ينفعه الإسلام، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرَارِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 65]

قوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا الَّذِي وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا الَّذِينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يُسْبَى مِنْهُمْ فَيُجَاءُ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] لأن مرجح جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [84] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84] ذَكَرَ الْمِلَلَ وَالْأَدْيَانَ وَاضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يَقُولَ: آمَنَّا بِاللَّهِ الْآيَةَ. [قَوْلُهُ تعالى وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ] مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. . . [85] قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آلِ عمران: 85] نَزَلَتْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا مَكَّةَ كُفَّارًا، مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] [86] {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86] لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَهْدِي اللَّهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَيْفَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86] [87] {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [آل عمران: 87] [88] {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران: 88] وَذَلِكَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ لَمَّا لَحِقَ بِالْكُفَّارِ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ أَنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: [89] {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89] لَمَّا كَانَ مِنْهُ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فقال الحارث: إنك والله فيما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَصْدَقُ مِنْكَ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ، فَرَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. [90] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [آل عمران: 90] قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ. نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَوْهُ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، يَعْنِي: ذُنُوبًا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ أَشْرَكُوا بَعْدَ إقرارهم بأن الله خالقهم، قم ازْدَادُوا كُفْرًا أَيْ: أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى هَلَكُوا عَلَيْهِ، قَالَ الحسن: ثم ازْدَادُوا كُفْرًا كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِهَا، فَازْدَادُوا كُفْرًا وَقِيلَ: ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بِقَوْلِهِمْ: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في أحد عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، لَمَّا رَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْإِسْلَامِ

قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا

أَقَامُوا هُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَكَّةَ وَقَالُوا نُقِيمُ عَلَى الْكُفْرِ مَا بَدَا لَنَا فَمَتَى أَرَدْنَا الرَّجْعَةَ نزل فِينَا مَا نَزَلَ فِي الْحَارِثِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَنَزَلَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ كَافِرًا {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} [آل عمران: 91] الْآيَةَ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَعَدَ اللَّهُ قَبُولَ تَوْبَةِ مَنْ تَابَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90] قِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا رَجَعُوا فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ، كَمَا قَالَ: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] وَقِيلَ: هَذَا فِي أَصْحَابِ الْحَارِثِ بن سويد حيث أعرضوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ريب المنون، فَإِنْ سَاعَدَهُ الزَّمَانُ نَرْجِعُ إِلَى دينه، (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) ، لن يقبل ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُتَرَبِّصُونَ غَيْرُ مُحَقِّقِينَ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آلِ عُمْرَانَ: 90] [91] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ} [آل عمران: 91] أَيْ: قَدْرُ مَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا، {ذَهَبًا} [آل عمران: 91] نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: عِشْرُونَ درهما. {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران: 91] قِيلَ: مَعْنَاهُ لَوِ افْتَدَى بِهِ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ مُقْحَمَةٌ، {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 91] [92] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} [آل عمران: 92] يَعْنِي: الْجَنَّةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: التَّقْوَى، وَقِيلَ: الطَّاعَةَ، وقيل: الخير، وقال الحسن: لن تكونوا أبرارا، {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] أَيْ: مِنْ أَحَبِّ أَمْوَالِكُمْ إِلَيْكُمْ، رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْهَا آيَةُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ إِنْفَاقٍ يَبْتَغِي بِهِ الْمُسْلِمُ وَجْهَ اللَّهِ حَتَّى الثَّمَرَةَ يَنَالُ بِهِ هَذَا الْبِرَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ أَيْ: شَرَفَ الدِّينِ وَالتَّقْوَى حَتَّى تَتَصَدَّقُوا وَأَنْتُمْ أصحاء أشحاء. {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] أي: يعلمه ويجازي به. [قَوْلُهُ تَعَالَى كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا] مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ. . . . [93] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} [آل عمران: 93] سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: «أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: إنك تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا وَأَنْتَ تَأْكُلُهَا، فَلَسْتَ عَلَى مِلَّتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "، فَقَالُوا: كُلُّ مَا نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ حُرْمَةِ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، بَلْ كَانَ الْكُلُّ حَلَالًا لَهُ وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، يَعْنِي: لَيْسَتْ فِي التوراة حرمتها، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ وَلَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمُ اتِّبَاعًا لِأَبِيهِمْ، ثُمَّ أَضَافُوا تَحْرِيمَهُ إِلَى اللَّهِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: {قُلْ} [آل عمران: 93] يَا مُحَمَّدُ {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} [آل عمران: 93] حتى يتبين لكم أنه كما قلت، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] فَلَمْ يَأْتُوا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [94] {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94] [95] {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95] وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ اتِّبَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [96] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ قِبْلَتُنَا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ وَأَقْدَمُ وَهُوَ مُهَاجَرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ المسلمون الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى

هذه الآية. [97] {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: 96] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ عِنْدَ خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ بني في الأرض، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ بَنَاهُ آدَمُ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ مُبَارَكٍ وضع هدى للناس يعبد الله فيه ويحج إليه، وقيل: هو أَوَّلُ بَيْتٍ جُعِلَ قِبْلَةً لِلنَّاسِ، وقال الحسن والكلبي: معناه أنه أَوَّلُ مَسْجِدٍ وَمُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يعبد الله فِيهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: 96] قَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ مَكَّةُ نَفْسُهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ في مكة، وَمَكَّةُ اسْمُ الْبَلَدِ كُلِّهِ وَقِيلَ: بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَطَافِ، سُمِّيَتْ بَكَّةَ: لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا، أَيْ يَزْدَحِمُونَ يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَمُرُّ بَعْضُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ، {مُبَارَكًا} [آل عمران: 96] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ: ذَا بَرَكَةٍ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، لِأَنَّهُ قِبْلَةُ للمؤمنين فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ، قَرَأَ ابْنُ عباس (آية بينة) على الواحد، وَأَرَادَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ، بِالْجَمْعِ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ أثر قدميه فيه، ومن تلك الآيات في البيت الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْحَطِيمُ وَزَمْزَمُ وَالْمَشَاعِرُ كُلُّهَا، وَقِيلَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعُ الحرم، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] من أن يهاج فِيهِ، وَذَلِكَ بِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35] وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ تقديره: ومن دخله فأمنوه، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَنْ دَخَلَهُ مُعَظِّمًا لَهُ مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] أَيْ: وَلِلَّهِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى الناس حج البيت، والحج أحد أركان الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون قادرا مُسْتَطِيعًا بِنَفْسِهِ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِغَيْرِهِ، أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِنَفْسِهِ، فأن يَكُونَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ عَلَى الذِّهَابِ ووجد الزاد والراحلة، أما الاستطاعة بالغير فهي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَاجِزًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ بِهِ مَرَضٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، لَكِنْ لَهُ مَالٌ يُمَكِنُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ به مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ له مال بل بَذَلَ لَهُ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ الطَّاعَةَ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ إِذَا كَانَ يَعْتَمِدُ صِدْقَهُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ يتعلق بالاستطاعة، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 97] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: جَحَدَ فَرْضَ الْحَجِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا: الْحَجُّ إِلَى مَكَّةَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ مَنْ وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ كُفْرٌ بِهِ. [98] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98] [99] {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 99] أَيْ: لِمَ تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ الله، {مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا} [آل عمران: 99] تطلبونها، {عِوَجًا} [آل عمران: 99] زَيْغًا وَمَيْلًا، يَعْنِي: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بَاغِينَ لَهَا عِوَجًا؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعِوَجُ - بِالْكَسْرِ- فِي الدِّينِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالْعَوَجُ - بِالْفَتْحِ - فِي الْجِدَارِ، وَكُلِّ شَخْصٍ قَائِمٍ، {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غيره هو الإسلام. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا] مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. . . . [100] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 100] يعني: مرشاسًا وأصحابه، {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] قَالَ جَابِرٌ: فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ يومًا أقبح، أو لا أحسن مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبَ: [101] {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 101] يَعْنِي: وَلِمَ تَكْفُرُونَ؟ {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} [آل عمران: 101] القرآن {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 101] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ قَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَمَانِ بَيِّنَانِ: كِتَابُ اللَّهِ وَنَبِيُّ اللَّهِ، أَمَّا نَبِيُّ اللَّهِ فَقَدْ مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ ونعمة، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ} [آل عمران: 101] أَيْ: يَمْتَنِعْ بِاللَّهِ وَيَسْتَمْسِكْ بِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ، {فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أَيْ: يُؤْمِنْ بِاللَّهِ، وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ: الْمَنْعُ، فَكُلُّ مَانِعٍ شَيْئًا فَهُوَ عَاصِمٌ لَهُ. [102] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 102] قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالٌ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَافْتَخَرَ بعده منهم رجلان فَغَضِبَا وَأَنْشَدَا الْأَشْعَارَ وَتَفَاخَرَا، فَجَاءَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَمَعَهُمُ السِّلَاحُ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فلا يعصى، وقال مُجَاهِدٌ: أَنْ تُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَلَا تَأْخُذُكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَتَقُومُوا لِلَّهِ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وآبائكم وأبنائكم، قال أهل التفسير: لما نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَقْوَى عَلَى هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التَّغَابُنِ: 16] فَنُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] أَيْ مُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: مُخْلِصُونَ مُفَوِّضُونَ أُمُورَكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِاللَّهِ. [103] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران: 103]

قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس. . . .

{جَمِيعًا} [آل عمران: 103] الْحَبْلُ: السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ، وَسُمِّيَ الْإِيمَانُ حَبْلًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى زَوَالِ الْخَوْفِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ههنا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: بِعَهْدِ اللَّهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هو القرآن، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: بِحَبْلِ اللَّهِ أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، {وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] كما افترقت اليهود والنصارى، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 103] جمع اللَّهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا بِالْإِسْلَامِ وَأَصْلَحَ ذَاتَ بَيْنِهِمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً) قَبْلَ الْإِسْلَامِ (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) بالإسلام، {فَأَصْبَحْتُمْ} [آل عمران: 103] أي: فصرتم، {بِنِعْمَتِهِ} [آل عمران: 103] برحمته وبدينه الإسلام، {إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] فِي الدِّينِ وَالْوِلَايَةِ بَيْنَكُمْ. {وَكُنْتُمْ} [آل عمران: 103] يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ {عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} [آل عمران: 103] أَيْ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِثْلِ شفا البئر، معناه: وكنتم عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْوُقُوعِ فِيهَا إِلَّا أَنْ تَمُوتُوا عَلَى كُفْرِكُمْ، {فَأَنْقَذَكُمْ} [آل عمران: 103] الله {مِنْهَا} [آل عمران: 103] بِالْإِيمَانِ، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] [104] {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران: 104] أي: ولتكونوا أُمَّةً، (مِنْ) صِلَةٌ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الْحَجِّ: 30] لَمْ يُرِدِ اجْتِنَابَ بَعْضِ الْأَوْثَانِ بَلْ أَرَادَ فَاجْتَنِبُوا الْأَوْثَانَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ وَلْتَكُنْ لَامُ الْأَمْرِ، {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] إِلَى الْإِسْلَامِ، {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] [105] {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُبْتَدِعَةُ مِنْ هذه الأمة. [106] {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] (يَوْمَ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ: فِي يَوْمِ، وَانْتِصَابُ الظَّرْفِ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمَفْعُولِ، يُرِيدُ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْكَافِرِينَ، وَقِيلَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ الْمُخْلِصِينَ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ المنافقين، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أنه قَالَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وتسود وجوه أهل البدعة، {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] مَعْنَاهُ: يُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106] فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مؤمنين؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الْإِيمَانَ يَوْمِ الْمِيثَاقِ، حيز قال لهم ربهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ تَكَلَّمُوا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم، وقال عِكْرِمَةَ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ آمَنُوا بِأَنْبِيَائِهِمْ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: هُمُ الْخَوَارِجُ، وَقَالَ قتادة: هم أهل البدع. [107] قَوْلُهُ تَعَالَى {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 107] هَؤُلَاءِ أَهْلُ الطَّاعَةِ، {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} [آل عمران: 107] ففي جَنَّةِ اللَّهِ. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] [108] {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108] [109] {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [آل عمران: 109] [قَوْلِهِ تَعَالَى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . . .] [110] {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ ووهب بن يهود الْيَهُودِيَّيْنِ قَالَا لَهُمْ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَدِينُنَا خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَرَوَى

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] هم الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: هُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً الرُّوَاةُ وَالدُّعَاةُ الَّذِينَ أمر الله المسلمين بطاعتهم وقال الآخرون: جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَوْلُهُ (كُنْتُمْ) أَيْ: أَنْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا} [الْأَعْرَافِ: 86] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} [الْأَنْفَالِ: 26] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وقال قوم: قوله (للناس) صِلَةُ قَوْلِهِ: (خَيْرَ أُمَّةٍ) أَيْ: أنتم خير أمة لِلنَّاسِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعْنَاهُ: كنتم خير الناس للناس، تَجِيئُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فَتُدْخِلُونَهُمْ في الإسلام، وَقِيلَ: لِلنَّاسِ صِلَةُ قَوْلِهِ (أُخْرِجَتْ) مَعْنَاهُ: مَا أَخْرَجَ اللَّهُ لِلنَّاسِ أُمَّةً خَيْرًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] أي: الكافرون. [111] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111] قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ رُؤُوسَ الْيَهُودِ عَمَدُوا إِلَى مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فآذوهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء الجهود إلا أذى باللسان وعيدًا وطغيانًا، وَقِيلَ: كَلِمَةُ كُفْرٍ تَتَأَذَّوْنَ بِهَا {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} [آل عمران: 111] منهزمين، {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111] بل يكون لكم النصر. [112] {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} [آل عمران: 112] حَيْثُ مَا وُجِدُوا {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 112] يَعْنِي: أَيْنَمَا وُجِدُوا اسْتُضْعِفُوا وَقُتِلُوا أو سبوا فلا يأمنون إلا بحبل: عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يسلموا، {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112] من الْمُؤْمِنِينَ بِبَذْلِ جِزْيَةٍ أَوْ أَمَانٍ، يعني: إلا أن يعصموا بحبل الله فَيَأْمَنُوا، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 112] رَجَعُوا بِهِ {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] [113] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 113] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُقَاتِلٌ: لَمَّا آمن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، قَالَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا شِرَارُنَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ وَأُخْرَى غَيْرُ قَائِمَةٍ، فَتَرَكَ الْأُخْرَى اكْتِفَاءً بِذِكْرِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ (لَيْسُوا سَوَاءً) وَهُوَ وَقْفٌ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى ذِكْرُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] ثُمَّ قَالَ: (لَيْسُوا سَوَاءً) يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ وَالْفَاسِقِينَ، ثُمَّ وَصَفَ الْفَاسِقِينَ، فَقَالَ:

قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم

{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111] وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) وَقِيلَ: قَوْلُهُ (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) ابتداء كلام آخَرَ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ جَرَى، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ سَوَاءٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ مسعود رضي الله عنه: لَا يَسْتَوِي الْيَهُودُ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَائِمَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ الثَّابِتَةُ عَلَى الْحَقِّ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مُهْتَدِيَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّعُوهُ وَلَمْ يَتْرُكُوهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَادِلَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُطِيعَةٌ قَائِمَةٌ على كتاب الله وحده. وَقِيلَ قَائِمَةٌ فِي الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: الْأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَيْ ذوو أمة، أي: ذوو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ. {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 113] يقرؤون كِتَابَ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَ، {آنَاءَ اللَّيْلِ} [آل عمران: 113] ساعاته، {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] أَيْ: يُصَلُّونَ، لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي السُّجُودِ،! وَاخْتَلَفُوا فِي معناها، فقال بعضهم: هي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ يُصَلُّونَهَا وَلَا يُصَلِّيهَا مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. [114] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114] [115] {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ فِيهِمَا إِخْبَارٌ عَنِ، الْأُمَّةِ الْقَائِمَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، لِقَوْلِهِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] وَأَبُو عَمْرٍو يَرَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا، ومعنى هذه الْآيَةِ: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُعْدَمُوا ثَوَابَهُ بَلْ يُشْكَرُ لَكُمْ وَتُجَازُونَ عَلَيْهِ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115] بالمؤمنين. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ] وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا. . . . [116] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [آل عمران: 116] أَيْ: لَا تَدْفَعُ أَمْوَالُهُمْ بِالْفِدْيَةِ وأولادهم بالنصرة مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أَيْ: مَنْ. عَذَابِ اللَّهِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَدْفَعُ عَنْ، نَفْسِهِ تَارَةً بِفِدَاءِ الْمَالِ وَتَارَةً بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَوْلَادِ، {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 116] وَإِنَّمَا جَعَلَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُفَارِقُونَهَا، كَصَاحِبِ الرَّجُلِ لَا يُفَارِقُهُ. [117] {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 117] قِيلَ: أَرَادَ نَفَقَاتِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ بِبَدْرٍ وَأُحُدٍ عَلَى عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وقال مقاتل: أراد نَفَقَةُ الْيَهُودِ عَلَى عُلَمَائِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي جَمِيعَ نَفَقَاتِ الْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا وَصَدَقَاتِهِمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْفَاقَ الْمُرَائِي الَّذِي لَا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [آل عمران: 117] حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا السَّمُومُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَقْتُلُ، وَقِيلَ فِيهَا صِرٌّ أَيْ: صَوْتٌ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ، {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} [آل عمران: 117] زرع قوم، {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 117] بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ تعالى، {فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117] فَمَعْنَى الْآيَةِ: مَثَلُ نَفَقَاتِ الْكُفَّارِ وذهابها وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَمَثَلِ زَرْعٍ أَصَابَتْهُ رِيحٌ بَارِدَةٌ فَأَهْلَكَتْهُ أَوْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ أَصْحَابُهُ مِنْهُ بِشَيْءٍ، {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 117] بذلك، {وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117] بالكفر والمعصية. [118] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ الْيَهُودَ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصَّدَاقَةِ وَالْحِلْفِ وَالْجِوَارِ وَالرَّضَاعِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ يَنْهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يُصَافُونَ الْمُنَافِقِينَ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] أي: أولياء أصفياء مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ: خَاصَّتُهُ، تَشْبِيهًا بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ الَّتِي تَلِي بَطْنَهُ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَبْطِنُونَ أَمْرَهُ وَيَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران: 118] أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ

وَلَا يَتْرُكُونَ جُهْدَهُمْ فِيمَا يُورِثُكُمُ الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، وَالْخَبَالُ: الشَّرُّ وَالْفَسَادُ، وَنُصِبَ (خَبَالًا) عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ (يَأْلُو) يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقِيلَ: بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِالْخَبَالِ، كَمَا يُقَالُ أَوْجَعْتُهُ ضَرْبًا {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} [آل عمران: 118] أَيْ يَوَدُّونَ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ مِنَ الضُّرِّ وَالشَّرِّ وَالْهَلَاكِ، وَالْعَنَتُ المشقة، {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ} [آل عمران: 118] أَيِ: الْبُغْضُ، مَعْنَاهُ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ العداوة، {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [آل عمران: 118] بِالشَّتِيمَةِ وَالْوَقِيعَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: بإطلاع المشركين على أسرار المسلمين، {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} [آل عمران: 118] من العداوة والغيظ، {أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] أَعْظَمُ، {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] [119] {هَا أَنْتُمْ} [آل عمران: 119] تَنْبِيهٌ وَأَنْتُمْ كِنَايَةٌ لِلْمُخَاطَبِينَ مِنَ الذكور، {أُولَاءِ} [آل عمران: 119] اسم للمشار إليه، يُرِيدُ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، {تُحِبُّونَهُمْ} [آل عمران: 119] أَيْ: تُحِبُّونَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ، {وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} [آل عمران: 119] لِمَا بَيْنَكُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الدِّينِ، وقال مُقَاتِلٌ هُمُ الْمُنَافِقُونَ يُحِبُّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران: 119] يَعْنِي بِالْكُتُبِ كُلِّهَا وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا} [آل عمران: 119] وَكَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آلِ عمران: 119] يَعْنِي: أَطْرَافَ الْأَصَابِعِ وَاحِدَتُهَا أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، مِنَ الْغَيْظِ، لِمَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَعَضُّ الْأَنَامِلِ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ وَهَذَا مِنْ مَجَازِ الْأَمْثَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَضٌّ، {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران: 119] أَيِ: ابْقَوْا إِلَى الْمَمَاتِ بِغَيْظِكُمْ، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119] أَيْ: بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خير وشر. [120] وقوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ} [آل عمران: 120] أي: تصبكم أيها المؤمنون {حَسَنَةٌ} [آل عمران: 120] بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَغَنِيمَةٍ تَنَالُونَهَا مِنْهُمْ، وَتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِي دِينِكُمْ، وَخِصْبٍ فِي مَعَايِشِكُمْ {تَسُؤْهُمْ} [آل عمران: 120] تحزنهم، {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} [آل عمران: 120] مَسَاءَةٌ بِإِخْفَاقِ سَرِيَّةٍ لَكُمْ أَوْ إصابة عدو منكم، واختلاف يَكُونُ بَيْنَكُمْ أَوْ جَدْبٍ أَوْ نكبة، {يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا} [آل عمران: 120] على أذاهم {وَتَتَّقُوا} [آل عمران: 120] تخافوا ربكم {لَا يَضُرُّكُمْ} [آل عمران: 120] أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ، {كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ (لَا يَضُرُّكُمْ) بِكَسْرِ الضَّادِ خَفِيفَةٍ، يُقَالُ: ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ ضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا مِثْلَ رَدَّ يَرُدُّ رَدًّا وَفِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْجَزْمَ، وَأَصْلُهُ يَضْرُرْكُمْ فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ، وَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الرَّاءِ الْأُولَى إِلَى الضَّادِ وَضُمَّتِ الثَّانِيَةُ اتِّبَاعًا، وَالثَّانِي: أَنْ تكون لَا بِمَعْنَى لَيْسَ وَيُضْمَرُ فِيهِ الْفَاءُ، تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَلَيْسَ

قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين

يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] أي: عَالَمٌ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. . . . [121] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَوْمُ الْأَحْزَابِ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ يَوْمُ أُحُدٍ، وقال مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالْوَاقِدِيُّ: «غَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها يمشي عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى أُحُدٍ فَجَعَلَ يَصُفُّ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ كَمَا يُقَوَّمُ القدح» . فَكَانَ مِنْ حَرْبِ أُحُدٍ مَا كَانَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ) تُنْزِلُ الْمُؤْمِنِينَ (مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) أَيْ: مَوَاطِنَ، وَمَوَاضِعَ لِلْقِتَالِ، يُقَالُ: بَوَّأْتُ الْقَوْمَ إِذَا وَطَّنْتُهُمْ، وَتَبَوَّءُوا هُمْ إذا توطؤوا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) ، وَقَالَ: (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) وَقِيلَ: تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] [122] {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} [آل عمران: 122] أَيْ: تَجْبُنَا وَتَضْعُفَا وَتَتَخَلَّفَا، وَالطَّائِفَتَانِ بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ وَبَنُو حارثة من الأوس، وكانتا جَنَاحَيِ الْعَسْكَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَقِيلَ: فِي تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رجلًا، فلما بلغوا الشوط اتخذ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النَّاسِ وَرَجَعَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَقَالَ عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا وَأَوْلَادَنَا؟ فَتَبِعَهُمْ أَبُو جَابِرٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ فِي نَبِيِّكُمْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، وَهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةُ وَبَنُو حَارِثَةَ بِالِانْصِرَافِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَنْصَرِفُوا فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: 122] نَاصِرُهُمَا وَحَافِظُهُمَا، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] [123] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} [آل عمران: 123] وَبَدْرٌ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ: اسْمٌ لِبِئْرٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ: كَانَتْ بَدْرٌ بِئْرًا لِرَجُلٍ يُقَالُ له بدر، {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] جَمْعُ: ذَلِيلٍ، وَأَرَادَ بِهِ قِلَّةَ الْعَدَدِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ مَعَ قلة عددهم وعددهم، {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] [124] {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} [آل عمران: 124] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قتادة: كان يَوْمَ بَدْرٍ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا قَالَ: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [الْأَنْفَالِ: 9] ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ كَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا، {بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 124] [125] {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] فصبروا يوم بدر واتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف من

الملائكة كَمَا وَعَدَ، قَالَ الْحَسَنُ: وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ آلَافٍ رِدْءُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي المعركة إلا يوم بدر فيما سِوَى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ الْقِتَالَ وَلَا يقاتلون، وإنما يكونون عددا ومددا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ إِنْ صَبَرُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَاتَّقَوْا مَحَارِمَهُ أَنْ يَمُدَّهُمْ أَيْضًا فِي حُرُوبِهِمْ كلها، فلم يصبروا إلا يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة والنضير، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ وَعَدَهُمُ اللَّهُ الْمَدَدَ إِنْ صَبَرُوا فَلَمْ يَصْبِرُوا فَلَمْ يمدوا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} [آل عمران: 124] الإمداد: إعانة الجيش، وَقِيلَ: مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْقُوَّةِ وَالْإِعَانَةِ، يُقَالُ فِيهِ: أُمِدُّهُ إِمْدَادًا، وَمَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الزيادة، ويقال فيه: مده مددا، منه قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ} [لُقْمَانَ: 27] وَقِيلَ: الْمَدُّ فِي الشَّرِّ، وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} [البقرة: 15] وقال في الخير {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [الْإِسْرَاءِ: 6] قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 124] قرأ ابن عامر تشديد الزَّايِ عَلَى التَّكْثِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} [الْأَنْعَامِ: 111] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ} [الْفَرْقَانِ: 21] وَقَوْلُهُ: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التَّوْبَةِ: 26] ثُمَّ قَالَ {بَلَى} [آل عمران: 125] نمدكم {إِنْ تَصْبِرُوا} [آل عمران: 125] لعدوكم {وَتَتَّقُوا} [آل عمران: 125] مخالفة نبيكم {وَيَأْتُوكُمْ} [آل عمران: 125] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} [آلِ عِمْرَانَ: 125] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا رَجَعُوا لِلْحَرْبِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ غَضَبِهِمْ لِيَوْمِ بَدْرٍ، {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [آل عمران: 125] لَمْ يُرِدْ خَمْسَةَ آلَافٍ سِوَى مَا ذَكَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، بَلْ أَرَادَ مَعَهُمْ، وَقَوْلُهُ {مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] أي: معلمين، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْعَلَامَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم: عَمَائِمُ بِيضٌ قَدْ أَرْسَلُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ والكلبي: عليهم عَمَائِمُ صُفْرٌ مُرَخَّاةٌ عَلَى أَكْتَافِهِمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: كَانُوا قَدْ أَعْلَمُوا بِالْعِهْنِ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ وأذنابها. [126] قَوْلُهُ تَعَالِي: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ} [آل عمران: 126] يَعْنِي هَذَا الْوَعْدَ وَالْمَدَدَ، {إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ} [آل عمران: 126] أَيْ: بِشَارَةً لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ {وَلِتَطْمَئِنَّ} [آل عمران: 126] ولتسكن {قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران: 126] فَلَا تَجْزَعُوا مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّكُمْ وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] يَعْنِي: لَا تُحِيلُوا بِالنَّصْرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْجُنْدِ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَعِينُوا بِهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعِزَّ وَالْحُكْمَ لَهُ. [127] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 127] يقول لقد نصركم الله لِيَقْطَعَ طَرَفًا أَيْ: لِكَيْ يُهْلِكَ طَائِفَةً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ لِيَهْدِمَ رُكْنًا مِنْ أركان الشرك بالقتل والأسر، {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} [آل عمران: 127] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَهْزِمَهُمْ، وَقَالَ يَمَانٌ: يَصْرَعُهُمْ لِوُجُوهِهِمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: يَلْعَنُهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُهْلِكُهُمْ، وَقِيلَ: يحزنهم، والمكبوت: الحزين، وقيل: يكبدهم أي: يصب الْحُزْنُ وَالْغَيْظُ أَكْبَادَهُمْ، وَالتَّاءُ وَالدَّالُ يَتَعَاقَبَانِ كَمَا يُقَالُ سَبَتَ رَأْسَهُ وَسَبَدَهُ إِذَا حَلَقَهُ، وَقِيلَ: يَكْبِتُهُمْ بالخيبة، {فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} [آل عمران: 127] لم يَنَالُوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يَرْجُونَ مِنَ الظَّفَرِ بِكُمْ. [128] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] أَيْ: لَيْسَ إِلَيْكَ، فَاللَّامُ بِمَعْنَى (إِلَى) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آلِ عِمْرَانَ: 193] أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ، وقوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [آل عمران: 128] قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حَتَّى يَتُوبَ عليهم: أو إلا أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ نَسَقٌ عَلَى قَوْلِهِ: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا} [آل عمران: 127] وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) اعتراض بين

قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة

الكلامين، وَنَظْمِ الْآيَةِ: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الْأَمْرُ أَمْرِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. [129] ثُمَّ قَالَ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 129] [130] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] أَرَادَ بِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ عند طول أَجَلِ الدَّيْنِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَالِ وتأخير الطلب، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [آل عمران: 130] فِي أَمْرِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130] [131] ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فَقَالَ: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] [132] {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] لكي ترحموا. [قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ] عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. . . . [133] {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] بَادِرُوا وَسَابِقُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: إِلَى التَّوْبَةِ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إِلَى الْهِجْرَةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَى الأعمال الصالحة. وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهَا التكبيرة الأولى، {وَجَنَّةٍ} [آل عمران: 133] أَيْ وَإِلَى جَنَّةٍ {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133] أَيْ: عَرَضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الْحَدِيدِ: 21] أَيْ: سَعَتُهَا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَرْضُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ طُولَ كل شيء في الأكثر والأغلب أَكْثَرُ مِنْ عَرْضِهِ، يَقُولُ هَذِهِ صِفَةُ عَرْضِهَا فَكَيْفَ طُولُهَا؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا وَصَفَ عَرْضَهَا فَأَمَّا طُولُهَا فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا عَلَى التَّمْثِيلِ لَا أَنَّهَا كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا غَيْرَ، مَعْنَاهُ كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ عند ظنكم، {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] [134] {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 134] أَيْ: فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، فَأَوَّلُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَخْلَاقِهِمُ الْمُوجِبَةِ للجنة ذكر السخاوة، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134] أَيِ: الْجَارِعِينَ الْغَيْظَ عِنْدَ امْتِلَاءِ نُفُوسِهِمْ مِنْهُ، وَالْكَظْمُ: حَبْسُ الشَّيْءِ عِنْدَ امْتِلَائِهِ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ أَنْ يَمْتَلِئَ غَيْظًا فَيَرُدُّهُ فِي جَوْفِهِ وَلَا يُظْهِرُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر: 18] {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنِ الْمَمْلُوكِينَ سُوءَ الْأَدَبِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلٌ: عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَأَسَاءَ إِلَيْهِمْ {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] عن الثوري: الإحسان أن تحسن إلى المسيء، فإن الإحسان إلى المحسن تجارة. [135] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [آل عمران: 135] يَعْنِي: قَبِيحَةً خَارِجَةً عَمَّا أَذِنَ الله تعالى فِيهِ، وَأَصْلُ الْفُحْشِ الْقُبْحُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ، قَالَ جَابِرٌ: الْفَاحِشَةُ الزنا {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135] مَا دُونَ الزِّنَا مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: الْفَاحِشَةُ مَا دُونَ الزِّنَا مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسَةٍ أَوْ نَظْرَةٍ فِيمَا لَا يَحِلُّ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ: فَعَلُوا فَاحِشَةَ الْكَبَائِرِ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالصَّغَائِرِ. وَقِيلَ: فَعَلُوا فَاحِشَةً فِعْلًا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَوْلًا {ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135] أي: ذكروا وعيد الله، والله سَائِلُهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: ذَكَرُوا اللَّهَ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الذُّنُوبِ، {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 135] أَيْ وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عمران: 135] أَيْ: لَمْ يُقِيمُوا وَلَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا، وَأَصْلُ الْإِصْرَارِ: الثَّبَاتُ عَلَى الشَّيْءِ، قال الْحَسَنُ: إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا عَمْدًا إِصْرَارٌ حَتَّى يَتُوبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 135] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ

وَالْكَلْبِيُّ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِصْرَارَ ضَارٌّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وقال الحسن بن الفضل: أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ الْعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِنِ اسْتَغْفَرُوا غُفِرَ لَهُمْ. [136] {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136] [137] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137] قَالَ عَطَاءٌ: شَرَائِعُ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَضَتْ لِكُلِّ أُمَّةٍ سُنَّةٌ وَمِنْهَاجٌ إِذَا اتَّبَعُوهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ بِالْهَلَاكِ فِيمَنْ كَذَّبَ قَبْلَكُمْ، وَقِيلَ: سُنَنٌ أَيْ: أُمَمٌ، والسنة: الأمة، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَهْلُ السُّنَنِ، وَالسُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: سَنَّ فُلَانٌ سُنَّةً حَسَنَةً، وَسُنَّةً سَيِّئَةً إِذَا عَمِلَ عَمَلًا اقتدى به فيه مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: قَدْ مَضَتْ وَسَلَفَتْ مِنِّي سُنَنٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْكَافِرَةِ، بِإِمْهَالِي وَاسْتِدْرَاجِي إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ فِيهِمْ أَجَلِي الَّذِي أَجَّلْتُهُ لِإِهْلَاكِهِمْ، وَإِدَالَةِ أَنْبِيَائِي عَلَيْهِمْ {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] أي: آخرنا من الْمُكَذِّبِينَ، وَهَذَا فِي حَرْبِ أُحُدٍ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَنَا أُمْهِلُهُمْ وَأَسْتَدْرِجُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَجَلِي الذي أجلته فِي نُصْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلِيَائِهِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ. [138] {هَذَا} [آل عمران: 138] أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ، {بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138] عامة، {وَهُدًى} [آل عمران: 138] من الضلالة، {وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138] خاصة. [139] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139] هَذَا حَثٌّ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِهَادِ والصبر عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا) أَيْ: لَا تَضْعُفُوا وَلَا تَجْبُنُوا عَنْ جِهَادِ أَعْدَائِكُمْ بِمَا نَالَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسَةٌ مِنْهُمْ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سَبْعُونَ رجلا، {وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139] أي: على ما فاتكم، {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139] بأن يكون لكم العاقبة بالنصر والظفر على أعدائكم، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 139] يعني إذا كنتم، أَيْ: لِأَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ، قَالَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما: «انْهَزَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: اللهم لا يعلوه عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِكَ، وَثَابَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُمَاةٌ فَصَعِدُوا الْجَبَلَ وَرَمَوْا خيل المشركين حتى هزموها» ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139] وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ

قوله تعالى وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين

هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِطَلَبِ الْقَوْمِ بعدما أصابهم من الحرج، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [النِّسَاءِ: 104] [140] {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} [آل عمران: 140] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (قُرْحٌ) بِضَمِّ الْقَافِ حَيْثُ جَاءَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ كَالْجُهْدِ وَالْجَهْدِ، وَقَالَ الفراء: بالفتح اسم للجراحة، وبالضم اسم لألم الْجِرَاحَةِ، هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ انْصَرَفُوا مِنْ أُحُدٍ مَعَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) يَوْمَ أُحُدٍ، {فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140] يَوْمَ بَدْرٍ {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] فَيَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ عَلَيْهِمْ، أُدِيلَ المسلمون من الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ، وَأُدِيلَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى جَرَحُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَقَتَلُوا خمسا وسبعين. {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 140] يَعْنِي. إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَاوَلَةُ ليعلم؛ أَيْ: لِيَرَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فَيُمَيَّزُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْمُنَافِقِ، {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140] يُكْرِمُ أَقْوَامًا بِالشَّهَادَةِ {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140] [قوله تعالى وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ] . . . . [141] {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 141] أي: يطهركم من الذنوب، {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141] يُفْنِيهِمْ وَيُهْلِكُهُمْ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ إِنْ قَتَلُوكُمْ فَهُوَ تَطْهِيرٌ لَكُمْ، وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ فَهُوَ مَحْقُهُمْ وَاسْتِئْصَالُهُمْ. [142] {أَمْ حَسِبْتُمْ} [آل عمران: 142] أي: أَحَسِبْتُمْ؟ {أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} [آل عمران: 142] أَيْ: وَلَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ، {الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] [143] {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} [آل عمران: 143] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَمَنَّوْا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ لِيُقَاتِلُوا وَيُسْتَشْهَدُوا فَأَرَاهُمُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ: (تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) أَيْ: سَبَبَ الْمَوْتِ وَهُوَ الْجِهَادُ مِنْ قَبْلِ أن تلقوه، {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} [آل عمران: 143] يعني: أسبابه، {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143] فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) ، بَعْدَ قَوْلِهِ: (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) ؟ قِيلَ: ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا، وَقِيلَ: الرُّؤْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَقَالَ: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) لِيَعْلَمَ، أَنَّ المراد بالرؤية النظر، وقيل: معناه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [144] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144] محمد هُوَ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَا يَسْتَوْجِبُهُ إِلَّا الْكَامِلُ، وَالتَّحْمِيدُ فَوْقَ الْحَمْدِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْأَمْرِ فِي الْكَمَالِ، وَأَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ بِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ مِنَ اسْمِهِ جَلَّ جلاله (محمد وأحمد) ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] أي: رَجَعْتُمْ إِلَى دِينِكُمُ الْأَوَّلِ، {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} [آل عمران: 144] ويرتد عَنْ دِينِهِ، {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 144] بارتداده وإنما ضر نفسه، {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين

[145] {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} [آل عمران: 145] قَالَ الْأَخْفَشُ: اللَّامُ فِي (لِنَفْسٍ) منقولة من تموت تقديره: وما كان نَفْسٌ لِتَمُوتَ، {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145] بقضائه وَقَدَرِهِ، وَقِيلَ: بِعِلْمِهِ، وَقِيلَ: بِأَمْرِهِ، {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145] أَيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَجَلًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ وتأخيره، ونصب كتابا عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ كِتَابًا، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145] يَعْنِي: مَنْ يُرِدْ بِطَاعَتِهِ الدُّنْيَا وَيَعْمَلْ لَهَا نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا يَكُونُ جَزَاءً لِعَمَلِهِ، يُرِيدُ نُؤْتِهِ منها ما يشاء مما قَدَّرْنَاهُ لَهُ، كَمَا قَالَ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الْإِسْرَاءِ: 18] نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145] أَيْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ الْآخِرَةَ، قِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ أَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قتلوا، {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] أي المؤمنين المطيعين. [146] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146] معناه: وَكَمْ، وَهِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ ضُمَّتْ إِلَى أَيٍّ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ التنوين صُورَةٌ فِي الْخَطِّ إِلَّا فِي هذا الحرف خاصة، (قَاتَلَ) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ بِضَمِّ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (قَاتَلَ) فَمَنْ قَرَأَ (قَاتَلَ) فَلِقَوْلِهِ: (فَمَا وَهَنُوا) وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا بَعْدَمَا قُتِلُوا، لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ نَبِيًّا قُتِلَ فِي الْقِتَالِ، وَلِأَنَّ (قَاتَلَ) أَعَمُّ، قَالَ أبو عبيدة: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَمِدَ مَنْ قَاتَلَ كَانَ مَنْ قُتِلَ دَاخِلًا فِيهِ، وَإِذَا حَمِدَ مَنْ قَتَلَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ (قَاتَلَ) أَعَمُّ، وَمَنْ قَرَأَ (قُتِلَ) فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ رَاجِعًا إِلَى النَّبِيِّ وَحْدَهُ، فَيَكُونُ تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ (قُتِلَ) ، وَيَكُونُ فِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، كَمَا يُقَالُ: قُتِلَ فَلَانٌ مَعَهُ جَيْشٌ كَثِيرٌ، أَيْ: وَمَعَهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ نَالَ النَّبِيَّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ: بَعْضَ مَنْ مَعَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ، وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَيَكُونُ قوله: {فَمَا وَهَنُوا} [آل عمران: 146] رَاجِعًا إِلَى الْبَاقِينَ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ لِلرِّبِّيِّينَ لَا غَيْرَ، وَقَوْلُهُ: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرِّبِّيُّونَ الْأُلُوفُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: عَشْرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: أَلْفٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ وَقِيلَ: هُمُ الْأَتْبَاعُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ والربيون الولاة والرعية، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ وَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، (فَمَا وَهَنُوا) أي: فما جبنوا، {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا} [آل عمران: 146] عَنِ الْجِهَادِ بِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ، وَقَتْلِ الْأَصْحَابِ. {وَمَا اسْتَكَانُوا} [آل عمران: 146] قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمَا اسْتَسْلَمُوا وَمَا خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَمَا ذلوا، وقال عَطَاءٌ: وَمَا تَضَرَّعُوا، وَقَالَ أَبُو العالية: وما جبنوا ولكن صَبَرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِمْ وَجِهَادِ عَدُوِّهِمْ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] [147] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} [آل عمران: 147] نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَالِاسْمُ فِي أَنْ قَالُوا، وَمَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ عِنْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ، {إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147] أَيِ: الصَّغَائِرَ، {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] أي: الكبائر، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] كَيْ لَا تَزُولَ، {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] فيقول: فَهَلَّا فَعَلْتُمْ وَقُلْتُمْ مِثْلَ ذَلِكَ يا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. [148] {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} [آل عمران: 148] النُّصْرَةَ وَالْغَنِيمَةَ، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} [آل عمران: 148] أي الْأَجْرَ وَالْجَنَّةَ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ] كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. . . . [149] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 149] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ: لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ وَادْخُلُوا فِي دينهم،

{يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 149] يرجعوكم إلى أول أمركم من الشرك بالله، {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149] مَغْبُونِينَ. [150] ثُمَّ قَالَ: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ} [آل عمران: 150] ناصركم وحافظكم على دينكم الإسلام، {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150] [151] {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [آل عمران: 151] وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكِينَ لَمَّا ارْتَحَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ، نَدِمُوا وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْنَاهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، حَتَّى رَجَعُوا عما هموا به، فذلك قوله تعالى (سَنُلْقِي) أَيْ: سَنَقْذِفُ فِي قُلُوبِ الذين كفروا الرعب، الخوف {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151] حُجَّةً وَبُرْهَانًا، {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] مَقَامُ الْكَافِرِينَ. [152] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [آل عمران: 152] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى المدينة من أحد، قد أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا؟ وَقَدْ وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [آل عمران: 152] وذلك أن الظفر كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِينَةَ وَجَعَلَ عَيْنَيْنَ وَهُوَ جَبَلٌ عَنْ يَسَارِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الرُّمَاةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُمُ: احْمُوا ظُهُورَنَا فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَّلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَأَخَذُوا فِي الْقِتَالِ فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى وَلَّوْا هَارِبِينَ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) أَيْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِقَضَاءِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو عبيدة: (الحس) : الِاسْتِئْصَالُ بِالْقَتْلِ {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} [آل عمران: 152] أَيْ إِنْ جَبُنْتُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَمَّا فَشِلْتُمْ، {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} [آل عمران: 152] فالواو زائدة في (وَتَنَازَعْتُمْ) يعني: إِذَا فَشِلْتُمْ تَنَازَعْتُمْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ فَشِلْتُمْ، وَمَعْنَى التَّنَازُعِ الِاخْتِلَافُ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ الرُّمَاةَ اخْتَلَفُوا حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْهَزَمَ الْقَوْمُ فَمَا مُقَامُنَا؟ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُجَاوِزُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعَشْرَةِ، فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَى الرُّمَاةِ فَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَصْحَابَهُ، وأقبلوا على المسلمين وجاءت الرِّيحُ

قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة

فَصَارَتْ دَبُوَرًا بَعْدَ مَا كَانَتْ صبا، وانقضت صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَطُوا فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَ عَلَى غَيْرِ شِعَارٍ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا يَشْعُرُونَ مِنَ الدَّهَشِ، وَنَادَى إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قتل، فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، قوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ} [آل عمران: 152] يَعْنِي: الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفْتُمُ أَمْرَهُ {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ} [آل عمران: 152] الله {مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152] يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} [آل عمران: 152] يَعْنِي: الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَأَقْبَلُوا عَلَى النَّهْبِ، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] يَعْنِي: الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} [آل عمران: 152] أَيْ رَدَّكُمْ عَنْهُمْ بِالْهَزِيمَةِ، {لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آل عمران: 152] لِيَمْتَحِنَكُمْ، وَقِيلَ: لُيُنْزِلَ الْبَلَاءَ عَلَيْكُمْ {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} [آل عمران: 152] فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة منكم لأمر نبيكم، {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] [153] {إِذْ تُصْعِدُونَ} [آل عمران: 153] يَعْنِي: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ إِذْ تصعدون هاربين وَالْإِصْعَادُ: السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الْأَرْضِ، وَالصُّعُودُ: الِارْتِفَاعُ عَلَى الْجِبَالِ وَالسُّطُوحِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُقَالُ أَصْعَدْتَ إِذَا مَضَيْتَ حِيَالَ وَجْهِكَ، وَصَعِدْتَ إِذَا ارْتَقَيْتَ فِي جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أَصْعَدَ إِذَا أبعد في الذهاب {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} [آل عمران: 153] أَيْ: لَا تَعْرُجُونَ وَلَا تُقِيمُونَ على أحد، لا يَلْتَفِتُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [آل عمران: 153] أَيْ: فِي آخِرِكُمْ وَمِنْ وَرَائِكُمْ إلي عباد الله أنا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الجنة، {فَأَثَابَكُمْ} [آل عمران: 153] فَجَازَاكُمْ، جَعَلَ الْإِثَابَةَ بِمَعْنَى الْعِقَابِ، وَأَصْلُهَا فِي الْحَسَنَاتِ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا مَوْضِعَ الثَّوَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] جَعَلَ الْبِشَارَةَ فِي الْعَذَابِ، وَمَعْنَاهُ: جعل مكان الثواب الذين كنتم ترجون {غَمًّا بِغَمٍّ} [آل عمران: 153] وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: غَمًّا عَلَى غَمٍّ، وَقِيلَ: غَمَّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، فَالْغَمُّ الْأَوَّلُ: مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالْغَمُّ الثاني: ما نالوا مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، وَقِيلَ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ والجراح، والغم الثاني: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ فَأَنْسَاهُمُ الْغَمَّ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ الْغَمُّ الْأَوَّلُ: إِشْرَافُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: حِينَ أَشْرَفَ عليهم أَبُو سُفْيَانَ، وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى وَقَفُوا بِبَابِ الشِّعْبِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إليهم همهم ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ فَأَنْسَاهُمْ هَذَا مَا نَالَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا اللَّهُمَّ إِنْ تَقْتُلْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ» ، ثُمَّ نَدَبَ أَصْحَابَهُ فَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَنْزَلُوهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ غَمُّوا الرَّسُولَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَجَازَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْغَمَّ غَمَّ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [آل عمران: 153] مِنَ الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ، {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} [آل عمران: 153] أَيْ: وَلَا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] [قوله تعالى ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً] نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ. . . . [154] {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 154] يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، {مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً} [آل عمران: 154] يَعْنِي: أَمْنًا، وَالْأَمْنُ وَالْأَمَنَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ: الْأَمْنُ يَكُونُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِ الْخَوْفِ، وَالْأَمَنَةُ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الْخَوْفِ، وَكَانَ سَبَبُ الخوف هنا قائما، {نُعَاسًا} [آل عمران: 154] بَدَلٌ مِنَ الْأَمَنَةِ {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} [آل عمران: 154] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (تَغْشَى) بِالتَّاءِ رَدًّا إِلَى الْأَمَنَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بالياء ردا إلى النُّعَاسِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَمَّنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ بِنُعَاسٍ يغشاهم، هانما يَنْعَسُ مَنْ يَأْمَنُ، وَالْخَائِفُ لَا ينام (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ) يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154] يعني المنافقين: قيل: أراد تَمْيِيزَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَوْقَعَ النُّعَاسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَمِنُوا، وَلَمْ يُوقِعْ

عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَبَقُوا فِي الْخَوْفِ قد أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، أَيْ: حَمَلَتْهُمْ عَلَى الْهَمِّ يُقَالُ: أَمْرٌ مُهِمٌّ {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} [آل عمران: 154] أَيْ: لَا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا، وَقِيلَ: ظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] أَيْ: كَظَنِّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالشِّرْكِ، {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا} [آل عمران: 154] مَا لَنَا، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ: جحد، {مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154] يَعْنِي: النَّصْرَ، {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِرَفْعِ اللَّامِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي (لِلَّهِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقِيلَ: عَلَى النَّعْتِ، {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ كَانَ لَنَا عُقُولٌ لَمْ نَخْرُجْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يُقْتَلْ رُؤَسَاؤُنَا، وَقِيلَ: لَوْ كُنَّا عَلَى الحق ما قتلنا ههنا، قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، يَعْنِي: التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) ، {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ} [آل عمران: 154] قُضِيَ، {عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154] مصارعهم، {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ} [آل عمران: 154] وَلِيَمْتَحِنَ اللَّهُ، {مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ} [آل عمران: 154] يُخْرِجَ وَيُظْهِرَ {مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وشر. [155] {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 155] انهزموا، {مِنْكُمْ} [آل عمران: 155] يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عمران: 155] جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ وَجَمْعُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَدِ انْهَزَمَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعْلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} [آل عمران: 155] أَيْ: طَلَبَ زَلَّتَهُمْ، كَمَا يُقَالُ: اسْتَعْجَلْتُ فُلَانًا إِذَا طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، وقيل: حملهم الزَّلَةِ وَهِيَ الْخَطِيئَةُ، وَقِيلَ: أَزَلَّ وَاسْتَزَلَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155] أَيْ: بِشُؤْمِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: بِتَرْكِهِمُ الْمَرْكَزَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَسَبُوا هُوَ قَبُولُهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْهَزِيمَةِ، {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] [156] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 156] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبي وأصحابه، {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} [آل عمران: 156] فِي النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ، وَقِيلَ: فِي النَّسَبِ، {إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 156] أَيْ: سَافَرُوا فِيهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ غيرها، {أَوْ كَانُوا غُزًّى} [آل عمران: 156] أَيْ: غُزَاةً جَمْعُ غَازٍ فَقُتِلُوا، {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ} [آل عمران: 156] يعني قولهم وظنهم، {حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يَعْمَلُونَ) بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ. [157] {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} [آل عمران: 157] قَرَأَ

قوله تعالى ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون

نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (مِتَّمْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالضَّمِّ، فَمَنْ ضَمَّهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ، كَقَوْلِكَ: مِنْ قَالَ يَقُولُ قُلْتُ: بِضَمِّ الْقَافِ، وَمَنْ كَسَرَهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمَاتُ، كَقَوْلِكَ مِنْ خَافَ يَخَافُ: خِفْتُ، {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 157] فِي الْعَاقِبَةِ، {وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157] مِنَ الْغَنَائِمِ، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (تَجْمَعُونَ) بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ) وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ (يَجْمَعُونَ) بِالْيَاءِ، يَعْنِي: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُ النَّاسُ. [قوله تعالى وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] . . . . [158] {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] فِي الْعَاقِبَةِ. [159] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 159] أَيْ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَ (مَا) صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ (فَبِمَا نَقْضِهِمْ) {لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] أَيْ: سَهُلَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُكَ، وَكَثْرَةُ احتمالك، ولم تسرع إليهم بالغضب فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} [آل عمران: 159] يَعْنِي: جَافِيًا سَيِّئَ الْخُلُقِ قَلِيلَ الاحتمال، {غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران: 159] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَظًّا فِي الْقَوْلِ غَلِيظَ الْقَلْبِ فِي الْفِعْلِ، {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] أي: نفروا وَتَفَرَّقُوا عَنْكَ يُقَالُ: فَضَضْتُهُمُ فَانْفَضُّوا، أَيْ: فَرَّقْتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا {فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159] تَجَاوَزْ عَنْهُمْ مَا أَتَوْا يَوْمَ أحد عاله {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] حَتَّى أُشَفِّعَكَ فِيهِمْ، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] أَيِ: اسْتَخْرِجْ آرَاءَهُمْ وَاعْلَمْ مَا عِنْدَهُمْ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: شُرْتُ الدابة، وشروتها، إِذَا اسْتَخْرَجْتُ جَرْيَهَا، وَشُرْتُ الْعَسَلَ وَأَشَرْتُهُ إِذَا أَخَذْتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَاسْتَخْرَجْتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لأجله أمر الله نبيه و! سه بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَجَزَالَةِ رَأْيِهِ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ فِيمَا أَحَبُّوا أو كرهوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خَاصٌّ فِي المعنى، أي: وشاورهم فيما لبس عِنْدَكَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عهد، وقال الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي نَاظِرْهُمْ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَمَكَايِدِ الْحَرْبِ عِنْدَ الْغَزْوِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُشَاوَرَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْطَفُ لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَذْهَبُ لِأَضْغَانِهِمْ، فَإِنَّ سَادَاتِ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا لَمْ يُشَاوَرُوا فِي الْأَمْرِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مَا بِهِ إِلَى مُشَاوَرَتِهِمْ حَاجَةٌ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ به من بعده، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] لَا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ، أَيْ: قُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَثِقْ بِهِ وَاسْتَعِنْهُ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] [160] {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 160] يعينكم اللَّهُ وَيَمْنَعْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، {فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160] مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} [آل عمران: 160] يَتْرُكْكُمْ فَلَمْ يَنْصُرْكُمْ كَمَا كَانَ بِأُحُدٍ، وَالْخِذْلَانُ: الْقُعُودُ عَنِ النُّصْرَةِ، وَالْإِسْلَامُ لِلْهَلَكَةِ {فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] أَيْ: مِنْ بَعْدِ خِذْلَانِهِ، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] قيل: التوكل ألا تَعْصِيَ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ رِزْقِكَ، وقيل: ألا

قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن

تَطْلُبَ لِنَفْسِكَ نَاصِرًا غَيْرَ اللَّهِ وَلَا لِرِزْقِكَ خَازِنًا غَيْرَهُ وَلَا لعملك شاهدا غيره. [161] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آلِ عِمْرَانَ: 161] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ (يَغُلَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ، مَعْنَاهُ: أَنْ يَخُونَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأُمَّةَ: وَقِيلَ: اللَّامُ فِيهِ مَنْقُولَةٌ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ النَّبِيُّ لِيَغُلَّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا كَانَ يظن به ذلك ولا يأتي بِهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، وَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أن تكون مِنَ الْغُلُولِ أَيْضًا، أَيْ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُخَانَ، يَعْنِي: أَنْ تَخُونَهُ أُمَّتُهُ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِغْلَالِ، مَعْنَاهُ: ما كان لنبي أن يغل: أَنْ يَخُونَ، أَيْ: يُنْسَبَ إِلَى الْخِيَانَةِ، {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَمْثُلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي النَّارِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: انْزِلْ فَخُذْهُ فَيَنْزِلُ فَيَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَهُ وقع إلى النَّارِ، ثُمَّ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْزِلَ إليه، فيخرجه فيفعل ذلك به {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] [162] {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ} [آل عمران: 162] فترك الْغُلُولَ، {كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 162] فِعْلٌ، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 162] [163] {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آلِ عمران: 163] يعني: ذو دَرَجَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ وَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ مُخْتَلِفُو الْمَنَازِلِ عِنْدَ اللَّهِ، فَلِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ، وَلِمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163] [164] {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَرَبَ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إلا وله فيهم من نسب إلا بني تغلب، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2] وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَالشَّفَقَةِ لَا بالنسب، دليله قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا} [آل عمران: 164] وقد كانوا، {مِنْ قَبْلُ} [آل عمران: 164] أَيْ: مِنْ قَبْلِ بَعْثِهِ {لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] [165] {أَوَلَمَّا} [آل عمران: 165] أي: حين {أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} [آل عمران: 165] بأحد، {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] ببدر، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سبعين، {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} [آل عمران: 165] مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] رَوَى عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ مَا صَنَعَ قَوْمُكَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ مِنَ الْأَسَارَى، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُخَيِّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا، لَا بَلْ تأخذ منهم فداءهم، فنقوى به عَلَى قِتَالِ عَدُوِّنَا وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا عِدَّتُهُمْ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ عَدَدُ أَسَارَى أَهِلِ بَدْرٍ» ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] أَيْ بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ وَاخْتِيَارِكُمُ الْقَتْلَ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] [قوله تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ] اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. . . . [166] {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عمران: 166] بِأُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْهَزِيمَةِ، {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166] أي: بقضاء الله وقدره، {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166] أي: وليميز، وَقِيلَ لِيَرَى. [167] {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 167] أَيْ: لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، {أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران: 167] عَنْ أَهْلِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أي: كثروا سواد المسلمين واربطوا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا يَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167] وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ

انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ} [آل عمران: 167] أَيْ: إِلَى الْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ {مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آلِ عِمْرَانَ: 167] أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ، {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ} [آل عمران: 167] يَعْنِي: كَلِمَةَ الْإِيمَانِ {مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167] [168] {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} [آل عمران: 168] فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ وهم شهداء أحد {وَقَعَدُوا} [آل عمران: 168] يَعْنِي: قَعَدَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ عَنِ الجهاد {لَوْ أَطَاعُونَا} [آل عمران: 168] وَانْصَرَفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ {مَا قُتِلُوا قُلْ} [آل عمران: 168] لهم يا محمد، {فَادْرَءُوا} [آل عمران: 168] فَادْفَعُوا، {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] أن الحذر يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ. [169] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169] الْآيَةَ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لمحي شهداء بئر معونة، وَقِيلَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءَ كَانُوا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ تَحَسَّرُوا عَلَى الشُّهَدَاءِ، وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ) وَلَا تَظُنَّنَّ (الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ (أَمْوَاتًا) كَأَمْوَاتِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 169] قِيلَ: أَحْيَاءٌ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: فِي الذِّكْرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَالْأَحْيَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ، وَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ، {يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَتُحَفِهَا. [170] {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 170] رزقه وثوابه، {وَيَسْتَبْشِرُونَ} [آل عمران: 170] وَيَفْرَحُونَ، {بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} [آل عمران: 170] مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهُمْ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَاهِجِ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتُشْهِدُوا وَلَحِقُوا بِهِمْ وَنَالُوا مِنَ الْكَرَامَةِ مَا نَالُوا، فَهُمْ لِذَلِكَ مُسْتَبْشِرُونَ، {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170] [171] {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ} [آل عمران: 171] أَيْ: وَبِأَنَّ اللَّهَ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، {لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171] [172] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [آل عمران: 172] أَيْ أَجَابُوا، وَمَحَلُّ (الَّذِينَ) خَفْضٌ عَلَى صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ المستجيبين الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، {مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172] أي: نالهم الجرح في أحد، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ} [آل عمران: 172] بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجَابَتِهِ إِلَى

قوله تعالى فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم

الغزو، {وَاتَّقَوْا} [آل عمران: 172] معصيته {أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] [173] {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ، {فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] فَخَافُوهُمْ وَاحْذَرُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لكم بهم، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173] تصديقا ويقينا وقوله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} [آل عمران: 173] أَيْ: كَافِينَا اللَّهُ، {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] أي: الموكل إِلَيْهِ الْأُمُورُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. [قوله تعالى فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ] سُوءٌ. . . . [174] {فَانْقَلَبُوا} [آل عمران: 174] فانصرفوا، {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 174] بِعَافِيَةٍ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا {وَفَضْلٍ} [آل عمران: 174] تجارة وربح، {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174] لم يُصِبْهُمْ أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ، {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} [آل عمران: 174] فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: هَلْ يَكُونُ هذا غزو فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الْغَزْوِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174] [175] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} [آل عمران: 175] يَعْنِي: ذَلِكَ الَّذِي قَالَ لَكُمْ: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ أَلْقَى فِي أفواههم لترهبوهم وتجبنوا عنهم، {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 175] أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَعْنِي: يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكَافِرِينَ، قَالَ السُّدِّيُّ: يُعَظِّمُ أَوْلِيَاءَهُ فِي صُدُورِهِمْ لِيَخَافُوهُمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ) ، {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} [آل عمران: 175] فِي تَرْكِ أَمْرِي {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] مصدقين بوعدي لأني متكفل لكم بالنصر وَالظَّفَرِ. [176] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَحْزُنْكَ} [آل عمران: 176] قَرَأَ نَافِعٌ (يُحْزِنُكَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وكسر الزاي، وكذلك في جَمِيعُ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103] ضِدَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ: حَزِنَ يَحْزُنُ وَأَحْزَنَ يُحْزِنُ، إِلَّا أَنَّ اللُّغَةَ الْغَالِبَةَ حَزِنَ يَحْزُنُ، {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [آل عمران: 176] قَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وقال غيره: الْمُنَافِقُونَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ بِمُظَاهَرَةِ الْكُفَّارِ. {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 176] بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 176] نَصِيبًا فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ حَتَّى سَارَعُوا فِي الْكُفْرِ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176] [177] {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا} [آل عمران: 177] اسْتَبْدَلُوا {الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 177] بمسارعتهم في الكفر وَإِنَّمَا يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 177] [178] {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 178] قَرَأَ حَمْزَةُ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ (فَالَّذِينَ) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِ وَتَقْدِيرُهُ: لا يَحْسَبَنَّ الْكَفَّارُ إِمْلَاءَنَا لَهُمْ خَيْرًا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ يَعْنِي: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَإِنَّمَا نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 178] وَالْإِمْلَاءُ الْإِمْهَالُ وَالتَّأْخِيرُ، يُقَالُ: عِشْتُ طويلا وَتَمَلَّيْتُ حِينًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

قوله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا إن

(واهجرني مليا) أَيْ: حِينًا طَوِيلًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فقال: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} [آل عمران: 178] نُمْهِلُهُمْ {لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي قُرَيْظَةَ والنضير. [179] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] اختلفوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ وَنَظْمِهَا، فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [آل عمران: 179] يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] وَقَالَ قَوْمٌ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ، مَعْنَاهُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِ بِالْمُنَافِقِ، فَرَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ، (حَتَّى يَمِيزَ الخبيث من الطيب) ، وقرأ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وتشديدها وَكَذَلِكَ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ، وَقَرَأَ الباقون بالتخفيف، يُقَالُ: مَازَ الشَّيْءَ يَمِيزُهُ مَيْزًا وَمَيَّزَهُ تَمْيِيزًا إِذَا فَرَّقَهُ فَامْتَازَ، هانما هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو مُعَاذٍ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، قُلْتَ: مِزْتُ مَيْزًا فَإِذَا كَانَتْ أَشْيَاءَ قُلْتَ: مَيَّزْتُهَا تَمْيِيزًا، وَكَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ شَيْئَيْنِ قُلْتَ: فرقت بالتخفيف، ومنه فرقت الشَّعْرِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ أَشْيَاءَ، قُلْتَ: فَرَّقْتُهُ تَفْرِيقًا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى يُمَيِّزَ الْمُنَافِقَ مِنَ الْمُخْلِصِ، فَمَيَّزَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَ أحد حيث أظهروا النفاق فتخلفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَتَّى يَمِيزَ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ يَا مَعْشَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ فِي أَصْلَابِكُمْ وَأَرْحَامِ نِسَائِكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ) وَهُوَ الْمُذْنِبُ (مِنَ الطَّيِّبِ) وهو المؤمن، يعني: حتى تحط الْأَوْزَارَ عَنِ الْمُؤْمِنِ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ نَكْبَةٍ وَمِحْنَةٍ وَمُصِيبَةٍ، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179] لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ أَحَدٌ غير الله، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 179] فَيُطْلِعُهُ عَلَى بَعْضِ عِلْمِ الْغَيْبِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27] وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] [180] {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 180] أَيْ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الْبَاخِلُونَ الْبُخْلَ خيرا لهم، {بَلْ هُوَ} [آل عمران: 180] يَعْنِي: الْبُخْلَ، {شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ} [آل عمران: 180] أَيْ: سَوْفَ يُطَوَّقُونَ، {مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] يَعْنِي: يَجْعَلُ مَا مَنَعَهُ مِنَ الزَّكَاةِ حَيَّةً تُطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْهَشُهُ مِنْ فَوْقِهِ إلى قدمه، هذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وقال إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ يَجْعَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَعْنَاقِهِمْ طَوْقًا مِنَ النَّارِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ، وَأَرَادَ بِالْبُخْلِ كِتْمَانَ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النِّسَاءِ: 37] وَمَعْنَى قَوْلِهِ (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: يَحْمِلُونَ وِزْرَهُ وَإِثْمَهُ، كقوله تعالى: {يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الْأَنْعَامِ: 31] {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 180] يَعْنِي: أَنَّهُ الْبَاقِي الدَّائِمُ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَزَوَالِ أَمْلَاكِهِمْ فَيَمُوتُونَ وَيَرِثُهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} [مَرْيَمَ: 40] {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] قرأ أهل البصرة ومكة بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء. [قَوْلُهُ تَعَالَى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ] اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ. . . . [181] قَوْلُهُ تَعَالَى:

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ يستقرض منا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} [آل عمران: 181] مِنَ الْإِفْكِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ فَنُجَازِيهِمْ بِهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَنَحْفَظُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بِالْكِتَابَةِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181] قَرَأَ حَمْزَةُ (سَيُكْتَبُ) بِضَمِّ الْيَاءِ، (وَقَتْلُهُمْ) بِرَفْعِ اللَّامِ (وَيَقُولُ) بِالْيَاءِ، وَ (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) أَيِ: النَّارِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُحْرِقُ، كَمَا يُقَالُ: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، أَيْ: مُؤْلِمٌ. [182] {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] فَيُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. [183] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183] الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا وَزَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ {أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} [آل عمران: 183] يزعم أنه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} [آل عمران: 183] فإن جئتنا به صدقناك؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا) أَيْ: سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا، وَمَحَلُّ (الَّذِينَ) خَفْضٌ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ الْأَوَّلِ، (إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) أَيْ: أَمَرَنَا وَأَوْصَانَا فِي كُتُبِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنُ بِرَسُولٍ، أَيْ: لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار أضار فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، وَالْقُرْبَانُ، كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسِيكَةٍ وصدقة ملأ وعمل صالح، وهو فُعْلَانٌ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ وَالْغَنَائِمُ لَا تَحِلُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانُوا إِذَا قَرَّبُوا قُرْبَانًا أَوْ غَنِمُوا غَنِيمَةً جَاءَتْ نَارٌ بَيْضَاءُ مِنَ السَّمَاءِ لَا دُخَانَ لَهَا، وَلَهَا دَوِيٌّ وَحَفِيفٌ، فَتَأْكُلُهُ وَتُحْرِقُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ وَتِلْكَ الْغَنِيمَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْقَبُولِ، وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ جَاءَكُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ، فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فَآمِنُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِغَيْرِ قُرْبَانٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إقامة للحجة عليهم، {قُلْ} [آل عمران: 183] يا محمد {قَدْ جَاءَكُمْ} [آل عمران: 183] يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، {رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183] من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [آل عمران: 183] ؟ يَعْنِي: زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافَهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183] معناه تكذيبهم إياك مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، كَقَتْلِ آبَائِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْقُرْبَانِ وَالْمُعْجِزَاتِ،

قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب

ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [184] {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [آل عمران: 184] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (وَبِالزُّبُرِ) أَيْ: بِالْكُتُبِ الْمَزْبُورَةِ، يَعْنِي: الْمَكْتُوبَةَ، وَاحِدُهَا مِثْلَ: رَسُولٍ وَرُسُلٍ، {وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184] الْوَاضِحِ الْمُضِيءِ. [185] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كُلُّ نَفْسٍ} [آل عمران: 185] منفوسة {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} [آل عمران: 185] تُوَفَّوْنَ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فشر، {فَمَنْ زُحْزِحَ} [آل عمران: 185] نحي وَأُزِيلَ، {عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] يَعْنِي مَنْفَعَةٌ وَمُتْعَةٌ كَالْفَأْسِ وَالْقِدْرِ والقصعة، ثم يزول ولا يبقى، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَخُضْرَةِ النَّبَاتِ وَلَعِبِ الْبَنَاتِ لَا حَاصِلَ لَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَتَاعٌ مَتْرُوكَةٌ يُوشِكُ أَنْ تَضْمَحِلَّ بِأَهْلِهَا، فَخُذُوا مِنْ هَذَا الْمَتَاعِ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَا استطعتم، والغرور الباطل. [186] {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186] (لَتُبْلَوُنَّ) لتختبرن، اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وَفِيهِ مَعْنَى الْقَسَمِ، وَالنُّونُ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ (فِي أَمْوَالِكُمْ) بِالْجَوَائِحِ وَالْعَاهَاتِ وَالْخُسْرَانِ (وَأَنْفُسِكُمْ) بِالْأَمْرَاضِ، وَقِيلَ: بِمَصَائِبِ الْأَقَارِبِ وَالْعَشَائِرِ، قَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَرِبَاعَهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هو ما فرض عليهم من أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالزَّكَاةِ، {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [آل عمران: 186] يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [آل عمران: 186] يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ، {أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا} [آل عمران: 186] على أذاهم {وَتَتَّقُوا} [آل عمران: 186] اللَّهَ، {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] مِنْ حَقِّ الْأُمُورِ وَخَيْرِهَا، وَقَالَ عطاء: من حقيقة الإيمان. [قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ] لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ. . . . [187] {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهَا عَلَى إِضْمَارِ القول، {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] أَيْ طَرَحُوهُ وَضَيَّعُوهُ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ، {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 187] يَعْنِي الْمَآكِلَ وَالرُّشَا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. [188] {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} [آل عمران: 188] قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (لَا تَحْسَبَنَّ) بِالتَّاءِ، أَيْ: لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الْفَارِحِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بالياء لا تحسبن الفارحون في فَرَحَهُمْ مُنْجِيًا لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (فلا يحسبنهم) بالياء وضم الياء خَبَرًا عَنِ الْفَارِحِينَ، أَيْ فَلَا يَحْسَبُنَّ أَنْفُسَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَأَعَادَ قَوْلَهُ (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ) تأكيدا قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ وأسيبع وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْبَارِ يَفْرَحُونَ بِإِضْلَالِهِمُ الناس بنسبة النَّاسِ إِيَّاهُمْ إِلَى الْعِلْمِ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْيَهُودُ فَرِحُوا بِإِعْجَابِ النَّاسِ بِتَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ وَحَمْدِهِمْ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الْيَهُودُ فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّهُ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَهُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: أَتَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِفُكَ ونصدقك هانا على رأيك ونحن لك رِدْءٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: عَرَفْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: أَحْسَنْتُمْ هَكَذَا فَافْعَلُوا، فَحَمِدُوهُمْ وَدَعَوْا لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ: (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) قَالَ الْفَرَّاءُ بِمَا فَعَلُوا، كَمَا قَالَ

اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} [مَرْيَمَ: 27] أَيْ: فَعَلْتِ، {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} [آل عمران: 188] بمناجاة {مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] [189] {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 189] يَصْرِفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189] [190] {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] ذَوِي الْعُقُولِ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: [191] {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ: هَذَا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قاعدا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ أَرَادَ بِهِ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الذِّكْرِ فِي عُمُومِ الأحوال لأن الإنسان قلما يَخْلُو مِنْ إِحْدَى هَذِهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ، نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النِّسَاءِ: 103] {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191] وَمَا أَبْدَعَ فِيهِمَا لِيَدُلَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَيَعْرِفُوا أَنَّ لَهَا صَانِعًا قَادِرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: الْفِكْرَةُ تُذْهِبُ الْغَفْلَةَ وَتُحْدِثُ لِلْقَلْبِ الْخَشْيَةَ كَمَا يحدث الماء للزرع النماء، وَمَا جُلِيَتِ الْقُلُوبُ بِمِثْلِ الْأَحْزَانِ، وَلَا اسْتَنَارَتْ بِمِثْلِ الْفِكْرَةِ، {رَبَّنَا} [آل عمران: 191] أَيْ: وَيَقُولُونَ رَبَّنَا {مَا خَلَقْتَ هَذَا} [آل عمران: 191] رَدَّهُ إِلَى الْخَلْقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يقل هذه، {بَاطِلًا} [آل عمران: 191] أَيْ: عَبَثًا وَهَزْلَا بَلْ خَلَقْتَهُ لأمر عظيم، وانتصب (باطلا) بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: بِالْبَاطِلِ، {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] [192] {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192] أَيْ: أَهَنْتَهُ، وَقِيلَ: أَهْلَكْتَهُ، وَقِيلَ: فضحته، لقوله تعالى: {وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي} [هُودٍ: 78] فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التَّحْرِيمِ: 8] وَمِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَقَدْ قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) ، فكيف الجمع؟ قِيلَ: قَالَ أَنَسٌ وَقَتَادَةُ مَعْنَاهُ: إنك من تخلده فِي النَّارِ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ هَذِهِ خَاصَّةٌ لِمَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ قَوْمًا النَّارَ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا» . {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192] [193] ، {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا} [آل عمران: 193] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ، فليس كل واحد يَلْقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] إِلَى الْإِيمَانِ، {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] أَيْ: فِي جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ. [194] {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194] أَيْ:

قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل

عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، {وَلَا تُخْزِنَا} [آل عمران: 194] وَلَا تُعَذِّبْنَا وَلَا تُهْلِكْنَا وَلَا تَفْضَحْنَا وَلَا تُهِنَّا، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ؟ قِيلَ: لَفْظُهُ دُعَاءٌ وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ، أَيْ: لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، تَقْدِيرُهُ: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} [آل عمران: 193] (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَقِيلَ. مَعْنَاهُ رَبَّنَا واجلعنا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَكَ وَتُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا اسْتِحْقَاقَهُمْ لِتِلْكَ الْكَرَامَةِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُسْتَحِقِّينَ لَهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَأَلُوهُ تَعْجِيلَ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وقالوا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَا تُخْلِفُ وعدك من النصر، وَلَكِنْ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى حِلْمِكَ فَعَجِّلْ خِزْيَهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ] عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. . . . [195] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي} [آل عمران: 195] أي: بأني: {لَا أُضِيعُ} [آل عمران: 195] لَا أُحْبِطُ، {عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} [آل عمران: 195] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران: 195] قَالَ مُجَاهِدٌ: «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ وَلَا يَذْكُرُ النِّسَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ» ، {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي الدِّينِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رِجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التَّوْبَةِ: 71] {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي} [آل عمران: 195] أَيْ: فِي طَاعَتِي وَدِينِي، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مكة، {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} [آل عمران: 195] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ (قتلوا) بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي أَنَّهُمْ قُطِّعُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ: (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) يُرِيدُ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْعَدُوَّ ثُمَّ أَنَّهُمْ قُتِلُوا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (قتلوا وَقَاتَلُوا) وَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ وَقَاتَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ (وَقُتِلُوا) أَيْ: قُتِلَ بَعْضُهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ (وَقُتِلُوا) وَقَدْ قَاتَلُوا، {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 195] نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَصْدَرٌ، أَيْ: لَأُثِيبَنَّهُمْ ثَوَابًا، {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آلِ عُمْرَانَ: 195] [196] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} [آل عمران: 196] نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي رَخَاءٍ وَلِينٍ مِنَ الْعَيْشِ يَتَّجِرُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَرَى مِنَ الْخَيْرِ، وَنَحْنُ فِي الْجَهْدِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} [آلِ عمران: 196] وَضَرْبُهُمْ فِي الْأَرْضِ وَتَصَرُّفُهُمْ فِي الْبِلَادِ

سورة النساء

لِلتِّجَارَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ، فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ منه غيره. [197] ، {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران: 197] أي: هو متاع قليل، بلغة فَانِيَةٌ وَمُتْعَةٌ زَائِلَةٌ، {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ} [آل عمران: 197] مصيرهم، {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 197] الْفِرَاشُ. [198] {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا} [آل عمران: 198] جَزَاءً وَثَوَابًا، {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 198] نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نُزُلًا، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] من متاع الدنيا. [199] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [آل عمران: 199] هو الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ ملك الحبشة، وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ نجران أَرْبَعِينَ رَجُلًا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ، كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ، {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} [آل عمران: 199] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 199] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، {خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199] خَاضِعِينَ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ، {لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 199] يَعْنِي: لَا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ وَلَا يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ، كَفِعْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199] [200] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200] قَالَ الْحَسَنُ: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ ولا ندعوه لِشِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: اصبروا على طاعة أدته، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ. على البلاء، وصابروا يعني: على قتال الْكُفَّارَ، وَرَابِطُوا يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، قَالَ أبو عبيدة: أي دافعوا وَاثْبُتُوا، وَالرَّبْطُ الشَّدُّ، وَأَصْلُ الرِّبَاطِ أن يربط خُيُولَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ، ثُمَّ قِيلَ: ذلك لكم مُقِيمٍ فِي ثَغْرٍ يَدْفَعُ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مركب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عليها، ولروحة يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ انْتِظَارُ الصلاة بعد الصلاة، ودليل هذا التأويل قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ وَاتَّقُوا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ. [سُورَةِ النساء] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ] مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا. . . . (4) سورة النساء [1] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] يعني: حواء، {وَبَثَّ مِنْهُمَا} [النساء: 1] نَشَرَ وَأَظْهَرَ، {رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} [النساء: 1] أي: تتساءلون به {وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالنَّصْبِ، أَيْ: وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِالْخَفْضِ، أَيْ: بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ كَمَا يُقَالُ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ وَالْأَرْحَامِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَفْصَحُ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تُنَسِّقُ بِظَاهِرٍ عَلَى مُكَنَّى إلا بعد أَنْ تُعِيدَ الْخَافِضَ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ وَبِزَيْدٍ، إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ قِلَّتِهِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] أَيْ: حَافِظًا.

[2] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] قوله: {وَآتُوا} [النساء: 2] خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ، وَالْيَتَامَى: جَمْعُ يَتِيمٍ، وَالْيَتِيمُ: اسْمٌ لِصَغِيرٍ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَسَمَّاهُمْ يَتَامَى هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَامَى، {وَلَا تَتَبَدَّلُوا} [النساء: 2] لا تستبدلوا، {الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2] أَيْ: مَالُهُمُ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَاخْتَلَفُوا في هذا التبديل، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ أَوْلِيَاءُ الْيَتَامَى يَأْخُذُونَ الْجَيِّدَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ويجعلون مكانه الرديء، فربما كان أحد يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَجْعَلُ مَكَانَهَا الْمَهْزُولَةَ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَجْعَلُ مَكَانَهُ الزَّيْفَ، وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَيَأْخُذُ الْأَكْبَرُ الْمِيرَاثَ، فَنَصِيبُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ طيب، وهذا الذي يأخذه من نصيب غيره خَبِيثٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَتَعَجَّلِ الرِّزْقَ الْحَرَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الْحَلَالُ. {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النِّسَاءِ: 2] أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] مَعَ اللَّهِ، {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] إثما عظيما. [3] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ إِنْ خِفْتُمْ يَا أَوْلِيَاءَ اليتامى ألا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ إِذَا نَكَحْتُمُوهُنَّ فَانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ مِنَ الْغَرَائِبِ مَثْنَى وَثُلَاثَ ورباع وقال الْحَسَنُ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَ أَهْلِ الجاهلية تكون عِنْدَهُ الْأَيْتَامُ وَفِيهِنَّ مَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا لِأَجْلِ مَالِهَا وَهِيَ لَا تُعْجِبُهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يدخل غَرِيبٌ فَيُشَارِكُهُ فِي مَالِهَا، ثُمَّ يسيء صحبتها ويتربص أَنْ تَمُوتَ وَيَرِثَهَا، فَعَابَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَزَوَّجُ الْعَشْرَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَكْثَرَ فَإِذَا صَارَ مُعْدَمًا مِنْ مُؤَنِ نِسَائِهِ مَالَ إِلَى مال يتيمته التي فِي حِجْرِهِ فَأَنْفَقَهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَزِيدُوا عَلَى أَرْبَعٍ حَتَّى لَا يُحْوِجَكُمْ إِلَى أَخْذِ أَمْوَالِ اليتامى، وهذه رواية طاوس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيَتَرَخَّصُونَ فِي النِّسَاءِ، فَيَتَزَوَّجُونَ مَا شَاءُوا وَرُبَّمَا عَدَلُوا وَرُبَّمَا لَمْ يَعْدِلُوا فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْوَالِ اليتامى {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] يقول كما خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فكذلك خافوا في النساء ألا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ فَلَا تَتَزَوَّجُوا أَكْثَرَ مما يمكنكم القيام بحقوقهن، لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الضَّعْفِ كَالْيَتَامَى، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي نِكَاحِ أَرْبَعٍ فَقَالَ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ تَحَرَّجْتُمْ مِنْ وِلَايَةِ الْيَتَامَى وَأَمْوَالِهِمْ إِيمَانًا فَكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا فَانْكِحُوا النِّسَاءَ الْحَلَالَ نِكَاحًا طَيِّبًا ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ عَدَدًا، وَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَا شَاءُوا مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ، فنزل قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أَيْ: مَنْ طاب، وَالْعَرَبُ تَضَعُ (مَنْ) وَ (مَا) كل واحدة موضع الأخرى، وَطَابَ أَيْ: حَلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، مَعْدُولاتٍ عَنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، وَلِذَلِكَ لا يصرفن، وإن الواو بِمَعْنَى أَوْ، لِلتَّخْيِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} [سبأ: 46] وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأُمَّةِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يزيد على أربع نسوة (فَإِنْ خِفْتُمْ) ، خَشِيتُمْ، وَقِيلَ: عَلِمْتُمْ، (أَلَّا تَعْدِلُوا) ، بَيْنَ الْأَزْوَاجِ الْأَرْبَعِ، (فَوَاحِدَةً) أَيْ: فَانْكِحُوا وَاحِدَةً. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (فَوَاحِدَةٌ) بِالرَّفْعِ، {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] يَعْنِي: السَّرَارِيَّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ مَا يَلْزَمُ فِي الْحَرَائِرِ، وَلَا قَسْمَ لَهُنَّ ولا وقف في عددهن، {ذَلِكَ أَدْنَى} [النساء: 3] أقرب {أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] أَيْ: لَا تَجُورَوا وَلَا تَمِيلُوا، يُقَالُ: مِيزَانٌ عَائِلٌ، أَيْ: جَائِرٌ مَائِلٌ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وقال مجاهد: ألا تضلوا، وقال الفراء: ألا تُجَاوِزُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَأَصْلُ الْعَوْلِ: الْمُجَاوَزَةُ، وَمِنْهُ عَوْلُ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ألا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَمَا قَالَهُ أَحَدٌ، إنما يقال: أَعَالَ يُعِيلُ إِعَالَةً إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْلَمَ بلسان العرب منا فله بلغة، وَيُقَالُ: هِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (أَنْ لَا تُعِيلُوا) وَهِيَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ. [4] {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ: هَذَا الْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ كان إذا تزوجها لَمْ يُعْطِهَا مِنْ مَهْرِهَا قَلِيلًا ولا كثيرا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْخِطَابُ لِلْأَزْوَاجِ أُمِرُوا بِإِيتَاءِ نِسَائِهِمُ الصَّدَاقَ، وَهَذَا أَصَحُّ، لِأَنَّ الْخِطَابَ فِيمَا قَبْلُ مَعَ النَّاكِحِينَ، وَالصَّدُقَاتُ: الْمُهُورُ، وَاحِدُهَا صَدُقَةٌ، نِحْلَةً قَالَ قَتَادَةُ: فَرِيضَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا تَكُونُ النِّحْلَةُ إِلَّا مُسَمَّاةً مَعْلُومَةً، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَطِيَّةً وَهِبَةً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: تدينا، {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4] يَعْنِي: فَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُنَّ بِشَيْءٍ من ذلك فوهبن منكم، {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] سائغا طيبا، يقال هنأني الطعام يهنئني بِفَتْحِ النُّونِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا في الغابر، وقيل: الهنيء: الطَّيِّبُ الْمُسَاغُ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ، وَالْمَرِيءُ " الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ التَّامُّ الهضم الذي لا يضر. [5] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ النِّسَاءُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النِّسَاءُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يُؤْتُوا النساء أموالهم وهن سفهاء سواء كُنَّ أَزْوَاجًا أَوْ بَنَاتٍ أَوْ أمهات، وقال الآخرون: هُمُ الْأَوْلَادُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: يَقُولُ لَا تُعْطِ وَلَدَكَ السَّفِيهَ مَالَكَ الَّذِي هُوَ قِيَامُكَ بَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُفْسِدُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ امرأتك السفيهة وابنتك السفيهة، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَعْمَدْ إِلَى مَالِكَ الَّذِي خَوَّلَكَ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأَتَكَ وبنيك فَيَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَيْكَ، ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ أَمْسِكْ مَالَكَ وَأَصْلِحْهُ وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فِي رِزْقِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ امْرَأَتَهُ سَفِيهَةٌ مُفْسِدَةٌ وَأَنَّ وَلَدَهُ سَفِيهٌ مفسد فلا ينبغي له أَنْ يُسَلِّطَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى مَالِهِ فَيُفْسِدَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مَالُ الْيَتِيمِ يَكُونُ عِنْدَكَ، يَقُولُ لَا تُؤْتِهِ إياه وأنفقه عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ: (أَمْوَالَكُمْ) لِأَنَّهُمْ قِوَامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا، وَالسَّفِيهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ

ماله هو المستحق الحجر عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَذِّرًا فِي مَالِهِ أَوْ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) ، أَيْ: الْجُهَّالَ بِمَوْضِعِ الْحَقِّ (أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) ، أصله: قواما، فانقلبت الواو ياء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ مَلَاكُ الْأَمْرِ وَمَا يَقُومُ بِهِ الْأَمْرُ. وَأَرَادَ هَاهُنَا قِوَامَ عَيْشِكُمُ الَّذِي تَعِيشُونَ بِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: بِهِ يُقَامُ الْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَأَعْمَالُ الْبِرِّ وَبِهِ فَكَاكُ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ. {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} [النساء: 5] أي: أطعموهم، {وَاكْسُوهُمْ} [النساء: 5] لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُ وَمُؤْنَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ (فِيهَا) وَلَمْ يَقُلْ: منها، لأنه أراد أنهم جعلوا لَهُمْ فِيهَا رِزْقًا فَإِنَّ الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ الْعَطِيَّةُ مِنْ غَيْرِ حد، ومن العباد أجر مُوَقَّتٌ مَحْدُودٌ، {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5] عِدَةً جَمِيلَةً، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا ربحت أعطيتك وإن غنمت فلك فيه حظ، وَقِيلَ: هُوَ الدُّعَاءُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يجب عليك نفقته، فقل له: عافانا الله وإياك بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَقِيلَ: قَوْلًا تطيب به أنفسهم. [6] قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء: 6] أي: اخْتَبِرُوهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَحِفْظِهِمْ أَمْوَالَهُمْ، {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: 6] أَيْ: مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، {فَإِنْ آنَسْتُمْ} [النساء: 6] أبصرتم، {مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي: عَقْلًا وَصَلَاحًا فِي الدِّينِ وَحِفْظًا لِلْمَالِ وَعِلْمًا بِمَا يُصْلِحُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: لَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا حَتَّى يُؤْنِسَ مِنْهُ رُشْدَهُ، وَالِابْتِلَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَصَرَّفُ فِي السُّوقِ فَيَدْفَعُ الْوَلِيُّ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ وَيَنْظُرُ فِي تَصَرُّفِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِي السوق فيختبره فِي نَفَقَةِ دَارِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى عَبِيدِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَتُخْتَبَرُ الْمَرْأَةُ فِي أمر بيتها وحفظ متاعها، فإذا رأى حسن تدبير، وتصرف فِي الْأُمُورِ مِرَارًا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ رُشْدُهُ، دَفَعَ الْمَالَ إِلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ زَوَالَ الْحَجْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَجَوَازَ دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ: بِالْبُلُوغِ والرشد، والبلوغ يَكُونُ بِأَحَدِ أَشْيَاءَ أَرْبَعَةٍ، اثْنَانِ يَشْتَرِكُ فِيهِمَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَاثْنَانِ مختصان بالنساء، أَحَدُهُمَا السِّنُّ، وَالثَّانِي الِاحْتِلَامُ، أَمَّا السِّنُّ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حُكِمَ بِبُلُوغِهِ غُلَامًا كان أو جارية، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَنَعْنِي بِهِ نُزُولَ الْمَنِيِّ سَوَاءً كَانَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْجِمَاعِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِذَا وَجَدْتَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ حُكْمٌ بِبُلُوغِهِ، أما مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ فَالْحَيْضُ وَالْحَبَلُ، فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا وَلَدَتْ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الْوَضْعِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ. وَأَمَّا الرُّشْدُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا فِي دِينِهِ وماله، والصلاح فِي الدِّينِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَالصَّلَاحُ فِي الْمَالِ هو ألا يَكُونَ مُبَذِّرًا، وَالتَّبْذِيرُ: هُوَ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ مَحْمَدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا مَثُوبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فيها، فيغبن في البيوع، قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا} [النساء: 6] يا معشر الأولياء {إِسْرَافًا} [النساء: 6] بغير حق، {وَبِدَارًا} [النساء: 6] أي: مبادرة، {أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6] و (أَنْ) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، يَعْنِي: لَا تُبَادِرُوا كِبَرَهُمْ وَرُشْدَهُمْ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَبْلُغُوا فَيَلْزَمَكُمْ تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لهم ومن مَالِهِمْ فَقَالَ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: 6] أَيْ لِيَمْتَنِعْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فلا يرزؤه قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَالْعِفَّةُ الِامْتِنَاعُ مِمَّا لَا يَحِلُّ، {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا} [النساء: 6] مُحْتَاجًا إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ يحفظه ويتعهده، {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ القضاء، فذهب بعضهم إلى أن يَقْضِي إِذَا أَيْسَرَ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) ، فَالْمَعْرُوفُ الْقَرْضُ، أَيْ: يَسْتَقْرِضُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أيسر قضاه، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ،

قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون

{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 6] هذا أمر وإرشاد، وليس بِوَاجِبٍ، أَمَرَ الْوَلِيَّ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ إِلَى الْيَتِيمِ بَعْدَمَا بَلَغَ لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ وَتَنْقَطِعَ الخصومة {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6] محاسبا ومجازيا وشاهدا. [قَوْلُهُ تَعَالَى لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ] وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. . . . [7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] يَعْنِي: لِلذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَيِّتِ وَأَقْرِبَائِهِ (نَصِيبٌ) حَظٌّ {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] من الميراث، {وَلِلنِّسَاءِ} [النساء: 7] وللإناث مِنْهُمْ، {نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} [النساء: 7] أَيْ مِنَ الْمَالِ، {أَوْ كَثُرَ} [النساء: 7] منه، {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7] نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ، وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نَصِيبًا فَأَثْبَتَ لَهُنَّ الْمِيرَاثَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ حَتَّى أنزل اللَّهُ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] [8] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} [النساء: 8] يَعْنِي: قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ، {أُولُو الْقُرْبَى} [النساء: 8] الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8] أَيْ: فَارْضَخُوا لَهُمْ مِنَ الْمَالِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: كَانَتْ هَذِهِ قَبْلَ آيَةِ الْمِيرَاثِ، فجعلت الْمَوَارِيثَ لِأَهْلِهَا، وَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ مَا طَابَتْ به أنفسهم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ: إِنَّ هَذَا عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، لا على الحتم والإيجاب. [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} [النساء: 9] أولادا صغارا، {خَافُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 9] الْفَقْرَ، هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيَقُولُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ، انْظُرْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ أَوْلَادَكَ وَوَرَثَتَكَ لَا يُغْنُونَ عَنْكَ شَيْئًا، قَدِّمْ لِنَفْسِكَ، أَعْتِقْ وَتَصَدَّقْ وَأَعْطِ فُلَانَا كَذَا وَفُلَانًا كَذَا، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى عَامَّةِ مَالِهِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ أَنْ يَنْظُرَ لِوَلَدِهِ وَلَا يَزِيدَ فِي وَصِيَّتِهِ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يجحف بورثته كما أنه لَوْ كَانَ هَذَا الْقَائِلُ هُوَ الموصي لسره أَنْ يَحُثَّهُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ لِوَلَدِهِ، وَلَا يَدَعَهُمْ عَالَةً مَعَ ضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا الْخِطَابُ لِوُلَاةِ الْيَتَامَى يَقُولُ: مَنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ يتيم فليحسن إليه وليأت فِي حَقِّهِ مَا يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ بِذَرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9] أَيْ: عَدْلًا، وَالسَّدِيدُ: الْعَدْلُ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا دُونَ الثُّلْثِ ويخلف الباقي لورثته. [10] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] أي: حَرَامًا بِغَيْرِ حَقٍّ، {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] أَخْبَرَ عَنْ مَآلِهِ، أَيْ عَاقِبَتُهُ تكون

قوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن

كذلك، {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: يدخلونه، يقال: صلى النار يصلوها صليا وصلاء، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} [الصَّافَّاتِ: 163] وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يَدْخُلُونَ النَّارَ وَيُحْرَقُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} [النِّسَاءِ: 30] {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26] [11] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] الْآيَةَ، اعْلَمْ أَنَّ الْوِرَاثَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالذُّكُورَةِ وَالْقُوَّةِ فَكَانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانَ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] الْآيَةَ، وَكَانَتْ أَيْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْمُحَالَفَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النِّسَاءِ: 33] ثُمَّ صَارَتِ الْوِرَاثَةُ بِالْهِجْرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الْأَنْفَالِ: 72] فَنُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَصَارَتِ الْوِرَاثَةُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ بالنسب والنكاح أو الولاء، والمعني بِالنَّسَبِ أَنَّ الْقَرَابَةَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] وَالْمَعْنِيُّ بِالنِّكَاحِ: أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ يَرِثُ صَاحِبَهُ، وَبِالْوَلَاءِ: أَنَّ الْمُعْتِقَ وعصباته يرثون المعتق، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) أَيْ: يَعْهَدُ إِلَيْكُمْ وَيَفْرِضُ عَلَيْكُمْ فِي أَوْلَادِكُمْ أَيْ: فِي أَمْرِ أَوْلَادِكُمْ إِذَا مِتُّمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. {فَإِنْ كُنَّ} [النساء: 11] يَعْنِي: الْمَتْرُوكَاتِ مِنَ الْأَوْلَادِ، {نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11] أي: اثنتين فَصَاعِدًا (فَوْقَ) صِلَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الْأَنْفَالِ: 12] {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ} [النساء: 11] يعني: البنت، {وَاحِدَةً} [النساء: 11] قراءة العامة على خبر كان، رفعها أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَعْنَى إِنْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، {فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ} [النساء: 11] يَعْنِي لِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11] أَرَادَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ يَكُونُ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسُ الْمِيرَاثِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ، وَالْأَبُ يَكُونُ صَاحِبَ فَرْضٍ {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] اثنان أو أكثر ذكورا وإناثا {فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَالْبَاقِي يَكُونُ لِلْأَبِ إِنْ كَانَ مَعَهَا أَبٌ، وَالْإِخْوَةُ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ مَعَ الْأَبِ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةُ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا أن يكونوا ثلاثة لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، وَلَا يُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ إِخْوَةٌ، فَنَقُولُ اسْمُ الْجَمْعِ قَدْ يَقَعُ عَلَى التَّثْنِيَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ شَيْءٍ إلى شيء فهو موجود في الِاثْنَيْنِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وأبو بكر (يوصي) فتح الصَّادِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ وَوَافَقَ حَفْصَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الصاد لأنه جرى ذكر لميت مِنْ قَبْلُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوصِينَ} [النساء: 12] و {تُوصُونَ} [النِّسَاءِ: 12] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّكُمْ تقرؤون الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ الْجَمْعُ لَا التَّرْتِيبُ، وَبَيَانُ أَنَّ الْمِيرَاثَ مُؤَخَّرٌ عَنِ الدين والوصية جميعا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إِنْ كَانَتْ أو دين إن كان، والإرث مُؤَخَّرٌ عَنْ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} [النساء: 11] يَعْنِي: الَّذِينَ يَرِثُونَكُمْ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ، {لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [النساء: 11] أَيْ: لَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ أَنْفَعُ لَكُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَمِنْكُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْأَبَ أَنْفَعُ لَهُ، فَيَكُونُ الِابْنُ أَنْفَعَ لَهُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الِابْنَ أَنْفَعُ لَهُ فَيَكُونُ الْأَبُ أَنْفَعَ لَهُ، وَأَنَا الْعَالِمُ بِمَنْ هُوَ أنفع لكم، وقد دبر أَمْرَكُمْ عَلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فاتبعوه، {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 11] أي: ما قدر الله مِنَ الْمَوَارِيثِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا} [النساء: 11] بأمور العباد، {حَكِيمًا} [النساء: 11] بنصب الأحكام. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ] لَهُنَّ وَلَدٌ. . . .

[12] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] هذا ميراث الأزواج، {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ} [النساء: 12] يعني: الزوجات الرُّبُعُ {مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] هذا مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَهُنَّ يَشْتَرِكْنَ فِي الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} [النساء: 12] تُورَثُ كَلَالَةً، وَنَظْمُ الْآيَةِ: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ يُورَثُ كَلَالَةً وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: عَلَى خَبَرٍ مَا لَمْ يسم فاعله، وتقديره: وإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ مَالُهُ كَلَالَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلَالَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ له، وَذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 176] وَبَيَانُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ نُزُولِهَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ، لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الله بن حزام قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَآيَةُ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَارَ شَأْنُ جَابِرٍ بَيَانًا لِمُرَادِ الْآيَةِ لِنُزُولِهَا فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الكلالة اسم لمن؟ فمنهم مَنْ قَالَ: اسْمٌ لِلْمَيِّتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ مَاتَ عَنْ ذَهَابِ طَرَفَيْهِ، فَكَلَّ عَمُودُ نَسَبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّلُونَ الْمَيِّتَ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَلَيْسَ فِي عَمُودِ نَسَبِهِ أَحَدٌ، كَالْإِكْلِيلِ يُحِيطُ بِالرَّأْسِ وَوَسَطَ الرَّأْسِ مِنْهُ خَالٍ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً، أَيْ: يَرِثُنِي وَرَثَةٌ لَيْسُوا بِوَلَدٍ وَلَا وَالِدٍ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الكلالة اسم للمال قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12] أَرَادَ بِهِ الْأَخَ وَالْأُخْتَ مِنَ الْأُمِّ بِالِاتِّفَاقِ، قَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ) وَلَمْ يَقُلْ لهما من ذِكْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ قَبْلُ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا ذَكَرَتِ اسْمَيْنِ ثُمَّ أَخْبَرَتْ عَنْهُمَا، وَكَانَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ رُبَّمَا أَضَافَتْ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَرُبَّمَا أَضَافَتْ إِلَيْهِمَا {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] فيه إجماع أن أبناء الْأُمِّ إِذَا كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا يَشْتَرِكُونَ فِي الثُّلُثِ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12] أَيْ: غَيْرَ مُدْخَلٍ الضَّرَرَ عَلَى الورثة بمجاوزة الثلث في الوصية، {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12] قَالَ قَتَادَةُ: كَرِهَ اللَّهُ الضِّرَارَ فِي الْحَيَاةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ، وَنَهَى عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ. [13] ، {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [النساء: 13] يعني: ما ذكر من

قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا

الفرائض الْمَحْدُودَةِ، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] [14] ، {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ (نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ، وَنُدْخِلْهُ نَارًا) ، وَفِي سُورَةِ الْفَتْحِ (نُدْخِلْهُ) و (نُعَذِّبُهُ) وَفِي سُورَةِ التَّغَابُنِ (نُكَفِّرْ) و (نَدْخِلْهُ) وَفِي سُورَةِ الطَّلَاقِ (نُدْخِلْهُ) بِالنُّونِ فِيهِنَّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ. [قوله تعالى وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا] عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ. . . . [15] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [النساء: 15] يَعْنِي: الزِّنَا، {مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] يَعْنِي: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ، أَيْ: فَاطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً من الشهود، فيه بَيَانُ أَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ. {فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ} [النساء: 15] فَاحْبِسُوهُنَّ، {فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ بِالْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ، وفي حق الثيب بالرجم. [16] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: 16] يَعْنِي الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلى الفاحشة {فَآذُوهُمَا} [النساء: 16] قال عطاء وقتادة: يعني فَعَيِّرُوهُمَا بِاللِّسَانِ: أَمَا خِفْتَ اللَّهَ؟ أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنَ اللَّهِ حَيْثُ زَنَيْتَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سُبُّوهُمَا وَاشْتُمُوهُمَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ يُؤْذَى بِالتَّعْيِيرِ وَضَرْبِ النِّعَالِ، فَإِنْ قِيلَ: ذُكِرَ الْحَبْسُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِيذَاءُ، فَكَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ؟ قِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي النِّسَاءِ وَهَذِهِ فِي الرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي الثَّيِّبِ وَهَذِهِ فِي الْبِكْرِ، {فَإِنْ تَابَا} [النساء: 16] من الفاحشة {وَأَصْلَحَا} [النساء: 16] الْعَمَلَ فِيمَا بَعْدُ، {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: 16] فَلَا تُؤْذُوهُمَا، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 16] وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الحدود، فنسخت بالجلد والرجم، الجلد فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النُّورِ: 2] وَالرَّجْمُ في السنة في «الرجلين اللذين اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ: تَكَلَّمْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا، أي: أجيرا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فأخبروني أن عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عام، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غنمك وجاريتك فرد عليك،

قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج

وأما ابنك فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت، فرجمها» . [17] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 17] قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي التَّوْبَةَ الَّتِي يَقْبَلُهَا، فَيَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى عِنْدَ، وَقِيلَ: مِنَ اللَّهِ، {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] قَالَ قَتَادَةُ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله جميعهم عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ جَهَالَةٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ: الْعَمْدُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يَجْهَلْ أَنَّهُ ذَنْبٌ لَكِنَّهُ جَهِلَ عُقُوبَتَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْجَهَالَةِ: اخْتِيَارُهُمُ اللَّذَّةَ الْفَانِيَةَ عَلَى اللَّذَّةِ الْبَاقِيَةِ. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17] قِيلَ: مَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يُحِيطَ السُّوءُ بِحَسَنَاتِهِ فَيُحْبِطُهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: الْقَرِيبُ أَنْ يَتُوبَ فِي صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قبل معاينة ملك الموت، قَوْلُهُ تَعَالَى {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] [18] ، {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18] يعني: المعاصي ماله {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 18] ووقع النزاع، {قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] وهي حالة السوق حتى يساق بروحه، لَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إِيمَانٌ وَلَا مِنْ عَاصٍ تَوْبَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غَافِرِ: 85] وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعُ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ. {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا} [النساء: 18] أي: هيأنا وأعتدنا، {لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] [19] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: 19] قَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَرْهُ بِالْفَتْحِ مَا أُكْرِهُ عَلَيْهِ، وَبِالضَّمِّ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] أَيْ: لَا تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ ليضجرن فيفتدين ببعض مالهن قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِأَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. هَذَا فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَيُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ وَتَرُدَّ إِلَيْهِ مَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ لَكُمْ إِضْرَارُهَنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَاحِشَةِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ: هِيَ النُّشُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ: هِيَ الزِّنَا، يَعْنِي: الْمَرْأَةُ إِذَا نَشَزَتْ، أَوْ زَنَتْ حَلَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْأَلَهَا الْخُلْعَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَتِ امْرَأَتُهُ فَاحِشَةً أَخَذَ مِنْهَا مَا سَاقَ إليها وأخرجها، فنسخ ذلك في الحدود، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ، قال الحسن: راجع إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، يَعْنِي: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] وَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ: هِيَ الْإِجْمَالُ فِي القول والمبيت والنفقة، وقيل: هي أن يصنع لها كما تصنع لَهُ، {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] قِيلَ: هُوَ وَلَدٌ صَالِحٌ، أَوْ يعطفه الله عليها. [قوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ] وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا. . . . [20] {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} [النساء: 20] أراد بالزوج الزوجة إذا لم يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ وَلَا فاحشة، {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20] وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ صَدَاقًا، {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ} [النساء: 20] من القنطار، {شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ} [النساء: 20] اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ، {بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20] انْتِصَابُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالثَّانِي بِالْإِضْمَارِ تَقْدِيرُهُ: تُصِيبُونَ فِي أَخْذِهِ بُهْتَانًا وَإِثْمًا ثُمَّ قال: [21] {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} [النساء: 21] عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْظَامِ، {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21] أَرَادَ بِهِ الْمُجَامَعَةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ يُكَنِّي، وَأَصْلُ الْإِفْضَاءِ: الْوُصُولُ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالضَّحَّاكُ وقتادة. وهو قَوْلُ الْوَلِيِّ عِنْدَ

الْعَقْدِ: زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» (¬1) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 22] كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَنْكِحُونَ أَزْوَاجَ آبَائِهِمْ، قَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ: تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ فَخَطَبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَقَالَتْ: إِنِّي اتَّخَذْتُكَ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْمِرْهُ، فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: [22] ، {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] قِيلَ: بَعْدَ مَا سَلَفَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَكِنْ مَا سَلَفَ، أَيْ: مَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [النساء: 22] أي: إنه فاحشة، (وكان) فيه صلة، و (الفاحشة) أقبح المعاصي، {وَمَقْتًا} [النساء: 22] أَيْ: يُورِثُ مَقْتَ اللَّهِ، وَالْمَقْتُ. أشد البغض، {وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22] وَبِئْسَ ذَلِكَ طَرِيقًا وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةِ أبيه (مقيت) . [23] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] الْآيَةَ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُحَرَّمَاتِ بِسَبَبِ الْوُصْلَةِ، وَجُمْلَةُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ: سَبْعٌ بِالنَّسَبِ، وَسَبْعٌ بِالسَّبَبِ، فَأَمَّا السَّبْعُ بِالسَّبَبِ فَمِنْهَا اثْنَتَانِ بِالرِّضَاعِ وَأَرْبَعٌ بِالصِّهْرِيَّةِ وَالسَّابِعَةُ الْمُحْصَنَاتُ، وَهُنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَأَمَّا السَّبْعُ بِالنَّسَبِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] وهي جمع أم ويدخل فيه الْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَمِنْ قِبَلِ الْأَبِ، {وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] وهي جمع: البنت، ويدخل فِيهِنَّ بَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ، {وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء: 23] جَمْعُ الْأُخْتِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنْ قبل أحدهما، {وَعَمَّاتُكُمْ} [النساء: 23] جَمْعُ الْعَمَّةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ جَمِيعُ أخوات آبائك وأجدادك وإن علوا، {وَخَالَاتُكُمْ} [النساء: 23] جمع خالة، ويدخل فيهن أَخَوَاتِ أُمَّهَاتِكَ وَجَدَّاتِكَ، {وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} [النساء: 23] وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ بَنَاتَ أَوْلَادِ الْأَخِ والأخت وإن سفلن، جملته: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُصُولُهُ وفصوله وفصول أوله وأول الرَّجُلِ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ، وَالْأُصُولُ هِيَ الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ، وَالْفُصُولُ الْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ هِيَ الْأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ هُنَّ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] ¬

(¬1) رواه مسلم في كتاب الحج / 147، وأبو داود في المناسك / 56، وابن ماجه في المناسك / 84، والدارمي في المناسك / 34، والإمام أحمد في مسنده ج5 / 73.

قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت

وجملته: أنه يحرم من والرضاعة ما يحرم من النسب، وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالصِّهْرِيَّةِ فَقَوْلُهُ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23] وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَقَدَ النكاح على امرأة فتحرم عَلَى النَّاكِحِ أُمَّهَاتُ الْمَنْكُوحَةِ وَجَدَّاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] الربائب جَمْعُ: رَبِيبَةٍ، وَهِيَ بِنْتُ الْمَرْأَةِ، سُمِّيَتْ رَبِيبَةٌ لِتَرْبِيَتِهِ إِيَّاهَا، وَقَوْلُهُ: (فِي حُجُورِكُمْ) أَيْ: فِي تَرْبِيَتِكُمْ، يُقَالُ: فَلَانٌ فِي حِجْرِ فُلَانٍ إِذَا كَانَ فِي تَرْبِيَتِهِ، (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) أَيْ: جَامَعْتُمُوهُنَّ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا بَنَاتُ الْمَنْكُوحَةِ وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا، وَإِنْ سَفَلْنَ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالْمَنْكُوحَةِ، حَتَّى لَوْ فَارَقَ الْمَنْكُوحَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ مَاتَتْ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِنْتَهَا، وَلَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُمَّهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْأُمَّهَاتِ وَقَالَ فِي تَحْرِيمِ الرَّبَائِبِ، {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] يَعْنِي: فِي نِكَاحِ بَنَاتِهِنَّ إِذَا فَارَقْتُمُوهُنَّ أَوْ مِتْنَ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمُّ الْمَرْأَةِ لَا تُحَرَّمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ كَالرَّبِيبَةِ، {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23] يعني: ما أَزْوَاجَ أَبْنَائِكُمْ، وَاحِدَتُهَا: حَلِيلَةٌ، وَالذَّكَرُ حَلِيلٌ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ واحد منها حَلَالٌ لِصَاحِبِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ حَيْثُ يَحِلُّ صَاحِبُهُ مِنَ الْحُلُولِ وَهُوَ النُّزُولُ، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ إِزَارَ صَاحِبِهِ مِنَ الْحَلِّ وَهُوَ ضِدُّ الْعَقْلِ، وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حَلَائِلُ أَبْنَائِهِ وَأَبْنَاءِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا مِنَ الرِّضَاعِ وَالنَّسَبِ، بِنَفْسِ العقد، إنما قَالَ: (مِنْ أَصْلَابِكُمْ) لِيُعْلِمَ أَنَّ حَلِيلَةَ الْمُتَبَنَّى لَا تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَبَنَّاهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ زيد قد تَبَنَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالرَّابِعُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالصِّهْرِيَّةِ حَلِيلَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا، فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مِنَ الرِّضَاعِ أَوْ مِنَ النَّسَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 22] وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْكَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ تَحْرُمُ بِالْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْأُخُوَّةُ بَيْنَهُمَا بِالنَّسَبِ أَوْ بِالرِّضَاعِ، فَإِذَا نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا جَازَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ، فَإِذَا وَطِئَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النِّسَاءِ: 23] يَعْنِي: لَكِنْ مَا مَضَى فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَعْقُوبَ عليه السلام فإنه يجمع بَيْنَ لَيَّا أَمِّ يَهُوذَا وَرَاحِيلَ أَمِّ يُوسُفَ، وَكَانَتَا أُخْتَيْنِ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ] أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. . . . [24] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] يَعْنِي: ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ، لَا يَحِلُّ لِلْغَيْرِ نِكَاحُهُنَّ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْأَزْوَاجِ، وَهَذِهِ السَّابِعَةُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي حرمن بالسبب ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ، يَعْنِي: السَّبَايَا اللَّوَاتِي سُبِينَ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَحِلُّ لِمَالِكِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ بِالسَّبْيِ يَرْتَفِعُ النِّكَاحُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَيْشًا إِلَى أَوَطَاسٍ فَأَصَابُوا سَبَايَا لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَرِهُوا غَشَيَانَهُنَّ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أن تكون أمة فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ فَيَجُوزُ أَنْ ينزعها منه، وقال ابن مسعود: أراد أن يبيع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينهما وبين

زوجها، ويكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها، قَوْلُهُ تَعَالَى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ الله عليكم، وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيْ: الزموا ما كتب اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَيْ فَرْضُ اللَّهُ تَعَالَى، {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] أَيْ: مَا سِوَى ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، {أَنْ تَبْتَغُوا} [النساء: 24] تطلبوا {بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] أن تَنْكِحُوا بِصَدَاقٍ أَوْ تَشْتَرُوا بِثَمَنٍ، {مُحْصِنِينَ} [النساء: 24] أَيْ: مُتَزَوِّجِينَ أَوْ مُتَعَفِّفِينَ {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24] أَيْ: غَيْرُ زَانِينَ، مَأْخُوذٌ مِنْ سَفْحِ الْمَاءِ وَصَبِّهِ وَهُوَ الْمَنِيُّ، {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} [النساء: 24] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ ومجاهد: أراد ما انتفعتم وتلذذتمم بِالْجِمَاعِ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] أَيْ: مُهُورُهُنَّ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ نكاح المتعة وهو أن تنكح امْرَأَةً إِلَى مُدَّةٍ فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ بَانَتْ مِنْهُ بِلَا طلاق، ويستبرئ رَحِمهَا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتيتموهن شيئا» وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ، وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَذْهَبُ إِلَى أن الآية محكمة، وترخص في نكاح المتعة وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَعَدَ الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ؟ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا، لَا أَجِدُ رَجُلًا نَكَحَهَا إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أَيْ: مُهُورَهُنَّ، {فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] فمن حل مَا قَبْلَهُ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أرادوا أنهما إذا عقد إِلَى أَجَلٍ بِمَالٍ فَإِذَا تَمَّ الْأَجَلُ فَإِنْ شَاءَتِ الْمَرْأَةُ زَادَتْ فِي الْأَجَلِ وَزَادَ الرَّجُلُ فِي المال، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا فَارَقَهَا، وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ. قَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ) من الْإِبْرَاءُ عَنِ الْمَهْرِ وَالِافْتِدَاءُ وَالِاعْتِيَاضُ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24] [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} [النساء: 25] أَيْ: فَضْلًا وَسَعَةً، {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25] الحرائر {الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ} [النساء: 25] إمائكم، {الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] أَيْ: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَهْرِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ، فَلْيَتَزَوَّجِ الْأَمَةَ الْمُؤْمِنَةَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلا بشرطين، أحدهما: ألا يَجِدَ مَهْرَ حُرَّةٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَنَتِ، وَهُوَ

قوله تعالى والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين

الزِّنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ: (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) ، جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [الْمَائِدَةِ: 5] أَيْ: الْحَرَائِرُ جَوَّزَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَبِالِاتِّفَاقِ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} [النساء: 25] أَيْ: لَا تَتَعَرَّضُوا لِلْبَاطِنِ فِي الْإِيمَانِ وَخُذُوا بِالظَّاهِرِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ، {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25] قِيلَ: بَعْضُكُمْ إِخْوَةٌ لِبَعْضٍ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، {فَانْكِحُوهُنَّ} [النساء: 25] يعني: الإماء {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25] أي: مواليهن، {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 25] مهورهن، {بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 25] مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَضِرَارٍ، {مُحْصَنَاتٍ} [النساء: 25] عفائف بالنكاح، {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء: 25] أَيْ: غَيْرَ زَانِيَاتٍ، {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] أَيْ: أَحْبَابٍ تَزْنُونَ بِهِنَّ فِي السِّرِّ، قَالَ الْحَسَنُ: الْمُسَافِحَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَاهَا تَبِعَتْهُ، وذات خدن أَيْ: تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ لَا تَزْنِي إِلَّا مَعَهُ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تُحَرِّمُ الْأُولَى وَتُجَوِّزُ الثَّانِيَةِ، {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالصَّادِ، أَيْ: حَفِظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَسْلَمْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (أُحْصِنَّ) بِضَمِّ الْأَلْفِ وكسر الصاد، أي تزويجهن، {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} [النساء: 25] يَعْنِي: الزِّنَا، {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25] أَيْ: مَا عَلَى الْحَرَائِرِ الْأَبْكَارِ إذا زنين، {مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] يَعْنِي: الْحَدَّ فَيُجْلَدُ الرَّقِيقُ إِذَا زَنَى خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَهَلْ يُغَرَّبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا يُغَرَّبُ فَيُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الأصح ولا رجم على العبد قوله تعالى: {ذَلِكَ} [النساء: 25] يَعْنِي: نِكَاحَ الْأَمَةِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ، {لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] يعني: الزنا، يريد المشقة بغلبة الشهوة، {وَأَنْ تَصْبِرُوا} [النساء: 25] عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ مُتَعَفِّفِينَ، {خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء: 25] لِئَلَّا يُخْلَقُ الْوَلَدُ رَقِيقًا {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النساء: 25] [26] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26] أَيْ: أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشُّورَى: 15] أي: أن أعدل وَمَعْنَى الْآيَةِ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، أَيْ: يُوَضِّحَ لَكُمْ شَرَائِعَ دِينِكُمْ وَمَصَالِحَ أُمُورِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُقَرِّبُكُمْ مِنْهُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكُمْ أَنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ خير لكم، {وَيَهْدِيَكُمْ} [النساء: 26] ويرشدكم، {سُنَنَ} [النساء: 26] شرائع، {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 26] فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبِلَكُمْ، وَقِيلَ: وَيَهْدِيَكُمُ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ وَهِيَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26] وَيَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ مَا أَصَبْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِكُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقِيلَ: يُوَفِّقُكُمْ التوبة {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [النساء: 26] بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ ودنياهم، {حَكِيمٌ} [النساء: 26] فيما دبر من أمورهم. [قوله تعالى وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ] يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. . . [27] {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] إِنْ وَقْعَ مِنْكُمْ تَقْصِيرٌ فِي أمر دينكم {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا} [النساء: 27] عن الحق، {مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] بِإِتْيَانِكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَاخْتَلَفُوا في الموصوفين باتباع الشهوات، فقال السُّدِّيُّ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمَجُوسُ لِأَنَّهُمْ يُحِلُّونَ نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الزُّنَاةُ يُرِيدُونَ أَنْ تَمِيلُوا عَنِ الْحَقِّ فَتَزْنُونَ كما يزنون، وقيل: هم كَمَا يَزْنُونَ، وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَاطِلِ. [28] ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] يُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْ سَهَّلَ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ:

{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} [الْأَعْرَافِ: 157] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بعثت بالدين الحنيفية السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» ، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] قَالَ طَاوُسٌ وَالْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي أَمْرِ النِّسَاءِ: لَا يُصْبَرُ عَنْهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا يَسْتَمِيلُهُ هَوَاهُ وَشَهْوَتُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، بَيَانُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} [الرُّومِ: 54] [29] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] بِالْحَرَامِ، يَعْنِي: بِالرِّبَا وَالْقُمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوَهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} [النساء: 29] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (تِجَارَةً) نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] أَيْ بِطِيبَةِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُجِيزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَيَلْزَمُ وَإِلَّا فَلَهُمَا الخيار ما لم لتفرقا {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ لَا تُهْلِكُوهَا، كَمَا قَالَ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [الْبَقَرَةِ: 195] وَقِيلَ: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَتْلَ المسلم نفسه، وَقَالَ الْحَسَنُ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) يَعْنِي: إِخْوَانَكُمْ، أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] [30] ، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [النساء: 30] يَعْنِي: مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ المحرمات، {عُدْوَانًا وَظُلْمًا} [النساء: 30] فَالْعَدُوَّانُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ} [النساء: 30] ندخله في الآخرة، {نَارًا} [النساء: 30] يُصْلَى فِيهَا، {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 30] هَيِّنًا. [31] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] اخْتَلَفُوا فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي جَعَلَ الله اجتنابها تكفيرا للصغائر، ففي حديث عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الغموس» ، وفي آخر «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فقال: أَلَّا وَقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» ، وفي آخر قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذَفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِنْ روح اللَّهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الْكَبَائِرِ: أسبع هي؟ قال: هي إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ إِلَّا أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْهَا فَلْيَسْتَغْفِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّدُ فِي النَّارِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا رَاجِعًا عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ جَاحِدًا فَرِيضَةً أَوْ مُكَذِّبًا بِقَدَرٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) ، فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بن أبي طالب: هِيَ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَدًّا فِي الدُّنْيَا أَوْ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَا سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ كَبِيرًا أَوْ عَظِيمًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النِّسَاءِ: 2] {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الْإِسْرَاءِ: 31] {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لُقْمَانَ: 13] {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يُوسُفَ: 28] {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النُّورِ: 16] {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الْأَحْزَابِ: 53] قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْكَبَائِرُ مَا كَانَ فِيهِ الْمَظَالِمُ بينك وبين عباد الله تعالى، وَالصَّغَائِرُ مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يعفو، وَقَالَ مَالِكُ بْنِ مِغْوَلٍ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالسَّيِّئَاتُ ذُنُوبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْعَمْدِ وَالسَّيِّئَاتُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ الْمَرْفُوعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَحِلِّينَ مِثْلَ ذَنْبِ إِبْلِيسَ وَالصَّغَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَغْفِرِينَ مِثْلَ ذَنْبٍ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْكَبَائِرُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ، وَالسَّيِّئَاتُ مُقَدِّمَاتُهَا وتوابعها مما يجمع فِيهِ الصَّالِحُ وَالْفَاسِقُ، مِثْلَ النَّظْرَةِ واللمسة والقبلة وأشباهها، وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ مَا يَسْتَحْقِرُهُ الْعِبَادُ، وَالصَّغَائِرُ مَا يَسْتَعْظِمُونَهُ فَيَخَافُونَ مُوَاقَعَتَهُ: وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَمَا دُونَ الشِّرْكِ فَهُوَ من السَّيِّئَاتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] أَيْ: حَسَنًا وَهُوَ الْجَنَّةُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ هَاهُنَا وَفِي الْحَجِّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى المصدر بمعنى الإدخال. [32] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32] الْآيَةَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ وَلَا نَغْزُو وَلَهُمْ ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ الْمِيرَاثِ، فَلَوْ كُنَّا رِجَالًا غَزَوْنَا كَمَا غَزَوْا وَأَخَذْنَا مِنَ الْمِيرَاثِ مِثْلَ مَا أَخَذُوا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقِيلَ: لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ، قَالَتِ النِّسَاءُ: نَحْنُ أَحَقُّ وَأَحْوَجُ إِلَى الزِّيَادَةِ مِنَ الرجال، لأنا ضعيفات وَهُمْ أَقْوَى وَأَقْدَرُ عَلَى طَلَبِ الْمَعَاشِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، وَقَالَ قَتَادَةُ والسدي لما أنزل الله قَوْلُهُ: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] قال الرجل إِنَّا لِنَرْجُوَ أَنْ نُفَضَّلَ عَلَى النِّسَاءِ بِحَسَنَاتِنَا فِي الْآخِرَةِ فَيَكُونُ أَجْرُنَا عَلَى الضِّعْفِ مِنْ أَجْرِ النِّسَاءِ كَمَا فُضِّلْنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا} [النساء: 32] مِنَ الْأَجْرِ {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32] مَعْنَاهُ: أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ أن الحسنة تكون بعشرة أَمْثَالِهَا يَسْتَوِي فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ فُضِّلَ الرِّجَالُ فِي الدُّنْيَا عَلَى النِّسَاءِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ مِنْ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] نهى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَاعِي الْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ أن يتمنى الرجل زوال النعمة عن صاحبه سواء تمناها لنفسه أم لا، وَهُوَ حَرَامٌ، وَالْغِبْطَةُ أَنْ يَتَمَنَّى لِنَفْسِهِ مِثْلَ مَا لِصَاحِبِهِ وَهُوَ جَائِزٌ.

قوله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل

قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَتَمَنَّى الرَّجُلُ مَالَ أَخِيهِ وَلَا امْرَأَتِهِ وَلَا خَادِمِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِثْلَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وذلك في القرآن. وقوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) أَيْ مِنْ رِزْقِهِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ عِبَادَتِهِ، فَهُوَ سُؤَالُ التَّوْفِيقِ لِلْعِبَادَةِ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَسْأَلَةِ إِلَّا لِيُعْطِيَ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32] [33] ، {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} [النساء: 33] أَيْ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَعَلْنَا مَوَالِيَ، أَيْ: عُصْبَةً يُعْطُونَ {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 33] الوالدان وَالْأَقْرَبُونَ هُمُ الْمُوَرِّثُونَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أَيْ: وَرَثَةً مِمَّا تَرَكَ أَيْ: مِنَ الَّذِينَ تركوهم وَيَكُونُ (مَا) بِمَعْنَى: (مِنْ) ، ثُمَّ فسر {الْمَوَالِيَ} [مريم: 5] فقال: الوالدان والأقربون، أي: هم الوالدان والأقربون، فعلى هذا القول: الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ، هُمُ الْوَارِثُونَ، {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 33] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (عَقَدَتْ) بِلَا أَلْفٍ، أَيْ: عَقَدَتْ لَهُمْ أَيْمَانُكُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) وَالْمُعَاقَدَةُ: الْمُحَالَفَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ، وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ مِنَ الْيَدِ وَالْقَسَمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ الْمُحَالَفَةِ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ بِيَدِ بَعْضٍ عَلَى الْوَفَاءِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْعَهْدِ. وَمُحَالَفَتُهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دمي دمك وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ وَسِلْمِي سِلْمُكَ وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ (فَيَكُونُ لِلْحَلِيفِ السُّدُسُ مِنْ مال الحليف، وكان ذلك فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33] أَيْ: أَعْطُوهُمْ حَظَّهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفْدِ وَلَا ميراث لهم، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ دُونَ الرَّحِمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَالنَّصِيحَةُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ فَيُوصِي لَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالتَّبَنِّي وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ ثُمَّ نُسِخَ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [النساء: 33] [قَوْلُهُ تَعَالَى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ] اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. . . . [34] {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 34] الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَكَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ وفي امرأته وَذَلِكَ أَنَّهَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ فَلَطَمَهَا، فَانْطَلَقَ أَبُوهَا مَعَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَفْرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِتَقْتَصَّ مِنْ زَوْجِهَا " فَانْصَرَفَتْ مَعَ أَبِيهَا لِتَقْتَصَّ مِنْهُ فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ارْجِعُوا هَذَا جِبْرِيلُ أَتَانِي بِشَيْءٍ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا، وَالَّذِي أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ "، وَرَفَعَ الْقِصَاصَ (¬1) قَوْلُهُ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أَيْ: مُسَلَّطُونَ عَلَى تَأْدِيبِهِنَّ، وَالْقَوَّامُ وَالْقَيِّمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْقَوَّامُ أَبْلَغُ وَهُوَ الْقَائِمُ بِالْمَصَالِحِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّأْدِيبِ، {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34] يَعْنِي: فَضَّلَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ بِزِيَادَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْوِلَايَةِ، وَقِيلَ: بِالشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [الْبَقَرَةِ: 282] وَقِيلَ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ: بِالْعِبَادَاتِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْكِحُ أَرْبَعًا وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا زَوْجٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، وَقِيلَ: بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: بِالدِّيَةِ، وَقِيلَ: بِالنُّبُوَّةِ، {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] يعني: إعطاء المهر والنفقة، قوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} [النساء: 34] أي: مطيعات ¬

(¬1) روى قريبًا من هذا الخبر الإمام الطبري في تفسيره 5 / 37، 38.

{حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} [النساء: 34] أَيْ: حَافِظَاتٌ لِلْفُرُوجِ فِي غَيْبَةِ الْأَزْوَاجِ، وَقِيلَ: حَافِظَاتٌ لِسِرِّهِمْ {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (بِمَا حَفِظَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، أَيْ: يَحْفَظْنَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالرَّفْعِ، أي بما يحفظن اللَّهُ بِإِيصَاءِ الْأَزْوَاجِ بِحَقِّهِنَّ وَأَمْرِهِمْ بِأَدَاءِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ. وَقِيلَ: حَافِظَاتٌ للغيب بحفظ الله {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء: 34] عِصْيَانَهُنَّ وَأَصْلُ النُّشُوزِ: التَّكَبُّرُ وَالِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ النَّشْزُ لِلْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ، {فَعِظُوهُنَّ} [النساء: 34] بِالتَّخْوِيفِ مِنَ اللَّهِ وَالْوَعْظِ بِالْقَوْلِ، {وَاهْجُرُوهُنَّ} [النساء: 34] يَعْنِي: إِنْ لَمْ يَنْزِعْنَ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَاهْجُرُوهُنَّ {فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء: 34] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي الْفِرَاشِ وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْتَزِلُ عَنْهَا إِلَى فَرَّاشٍ آخر، {وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34] يعني: إن لم ينزعن الْهِجْرَانِ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا شَائِنٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: ضَرْبًا بالسواك {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34] أَيْ: لَا تَجْنُوا عَلَيْهِنَّ الذُّنُوبَ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِنَّ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] مُتَعَالِيًا مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ الْعِبَادَ ما لا يُطِيقُونَهُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَجْمَعُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْوَعْظِ وَالْهِجْرَانِ وَالضَّرْبِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِهَا وَقَالَ: إِذَا ظَهَرَ النُّشُوزُ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَحَمَلَ الْخَوْفَ فِي قَوْلِهِ: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) ، عَلَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} [الْبَقَرَةِ: 182] أَيْ: عَلِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْخَوْفَ عَلَى الْخَشْيَةِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58] وقال: هذه الأفعال عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ، فَإِنْ خَافَ نُشُوزَهَا بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَتُهُ مِنْهَا مِنَ الْمُخَاشَنَةِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أصرت على ذلك ضربها. [35] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35] يعني: خلافا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالْخَوْفُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الظَّنِّ يَعْنِي: إِنْ ظَنَنْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ شِقَاقٌ وَاشْتَبَهَ حَالُهُمَا فَلَمْ يَفْعَلِ الزَّوْجُ الصَّفْحَ وَلَا الْفُرْقَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ تَأْدِيَةَ الْحَقِّ وَلَا الْفِدْيَةَ وَخَرَجَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ قَوْلًا وَفِعْلًا بَعَثَ الْإِمَامُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ إِلَيْهِ وَحَكَمًا مَنْ أَهْلِهَا إِلَيْهَا رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ لِيَسْتَطْلِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ رَأْيَ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ إِنْ كانت رغبته في الصلح أَوْ فِي الْفُرْقَةِ ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْحَكَمَانِ فَيُنْفِذَانِ مَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ رَأْيُهُمَا مِنَ الصَّلَاحِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا} [النساء: 35] يَعْنِي: الْحَكَمَيْنِ، {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] يَعْنِي: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقِيلَ: بَيْنَ الْحَكَمَيْنِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35] اختلف الْقَوْلُ فِي جَوَازِ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجَيْنِ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ

قوله تعالى والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس

لَا يَجُوزُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَلَيْسَ لحكم الزوج أن يطلق إلا بإذنه، ولا لحكم المرأة أن يخلع على ما لها إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرأي، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ دون رضاهما، فيجوز لحكم الزوج أدن يُطَلِّقَ دُونَ رِضَاهُ وَلِحَكَمِ الْمَرْأَةِ أن يختلع دُونَ رِضَاهَا، إِذَا رَأَيَا الصَّلَاحَ، كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَفْقِ مُرَادِهِمَا، وبه قال مالك. [36] ، قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} [النساء: 36] أَيْ: وَحِّدُوهُ وَأَطِيعُوهُ، {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ ألا يُعَذِّبَهُمْ، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أفلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: دَعْهُمْ يَعْمَلُونَ» . قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا، {وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36] أَيْ: أَحْسِنُوا بِذِي الْقُرْبَى، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36] أَيْ: ذِي الْقَرَابَةِ، {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] أَيِ: الْبَعِيدُ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وبينه قرابة {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36] يعني: الرفيق في السفر، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَجَمَاعَةٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالنَّخَعِيُّ: هُوَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مَعَهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَصْحَبُكَ رَجَاءَ نَفْعِكَ، {وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36] قِيلَ: هُوَ الْمُسَافِرُ لِأَنَّهُ مُلَازِمٌ السبيل، والأكثرون: على أنه الضيف، {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] أي: المماليك أحسنوا إليهم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36] المختال، المتكبر، والفخور: الذي يفخر عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا، ذَكَرَ هَذَا بَعْدَمَا ذَكَرَ مِنَ الْحُقُوقِ، لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَمْنَعُ الْحَقَّ تكبرا. [37] ، {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [النساء: 37] الْبُخْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: مَنْعُ السَّائِلِ مِنْ فَضْلِ مَا لَدَيْهِ، وَفِي الشَّرْعِ: مَنْعُ الْوَاجِب، {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء: 37] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (بِالْبَخَلِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ بَخِلُوا بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم وكتموها، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذَا فِي كِتْمَانِ الْعِلْمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَابْنُ زَيْدٍ نَزَلَتْ فِي كَرَدْمِ بْنِ زَيْدٍ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَرِفَاعَةَ بن التابوت وأسامة بْنِ حَبِيبٍ وَنَافِعِ بْنِ أَبِي نافع وبحر بْنِ عَمْرٍو كَانُوا يَأْتُونَ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَيُخَالِطُونَهُمْ فَيَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ وَلَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37] يعني: المال، وقيل: يَبْخَلُونَ بِالصَّدَقَةِ {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37] [قوله تعالى وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ] وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. . . . [38] {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 38] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: في المنافقين، وقيل: مشركي مكة المنفقين عَلَى عَدَاوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا} [النساء: 38] صاحبا وخليلا {فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء: 38] أَيْ: فَبِئْسَ الشَّيْطَانُ قَرِينًا وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: عَلَى القطع بإلغاء الْأَلِفِ وَاللَّامِ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ رجلا عبد الله. [39] ، {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 39] أَيْ: مَا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ؟ {لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء: 39] [40] {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] وَنَظْمُهُ: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ أَيْ: لَا يَبْخَسُ وَلَا يُنْقِصُ أَحَدًا مِنْ ثواب عمله مثقال ذَرَّةٍ، وَالذَّرَّةُ: هِيَ النَّمْلَةُ الْحَمْرَاءُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الذَّرُّ أَجْزَاءُ الْهَبَاءِ في الكون وَكُلُّ

جُزْءٍ مِنْهَا ذَرَّةٌ وَلَا يَكُونُ لَهَا وَزْنٌ، وَهَذَا مَثَلٌ يُرِيدُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ شَيْئًا كما قاله فِي آيَةٍ أُخْرَى: إِنَّ اللَّهَ لا يظلم الناس شيئا، وقيل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ لِلْخَصْمِ عَلَى الْخَصْمِ بَلْ أُخِذَ لَهُ مِنْهُ وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ تَبْقَى لَهُ بَلْ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَيُضَعِّفُهَا لَهُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ، أَيْ وَإِنْ تُوجَدُ حَسَنَةٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى: وَإِنْ تَكُ زِنَةُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، أَيْ: يَجْعَلُهَا أَضْعَافًا كَثِيرَةً. {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النِّسَاءِ: 40] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرًا عَظِيمًا فَمَنْ يُقَدِّرُ قَدْرَهُ؟ . [41] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النِّسَاءِ: 41] أَيْ: فَكَيْفَ الْحَالُ وَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، يَعْنِي: بِنَبِيِّهَا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بما عملوا، {وَجِئْنَا بِكَ} [النساء: 41] يَا مُحَمَّدُ، {عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] شاهدا يشهد على جميع الأمة على مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ. [42] ، قوله عز وجل: {يَوْمَئِذٍ} [النساء: 42] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء: 42] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ (تَسَّوَّى) بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ عَلَى مَعْنَى تَتَسَوَّى، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي السِّينِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى حَذْفِ تَاءِ التَّفَعُّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [هود: 105] وقرأ الآخرون بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى الْمَجْهُولِ، أَيْ: لَوْ سُوِّيَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ وَصَارُوا هُمْ وَالْأَرْضُ شَيْئًا واحدا. قال قَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي لَوْ تَخَرَّقَتِ الْأَرْضُ فَسَاخُوا فِيهَا وَعَادُوا إليها كما خرجوا منها ثُمَّ تُسَوَّى بِهِمْ، أَيْ: عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ، وَقِيلَ: وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْعَثُوا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا نُقِلُوا مِنَ التُّرَابِ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ اللَّهُ عز وجل للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كونوا ترابا فتسوى بهم الْأَرْضُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ أَنْ لَوْ كَانَ تُرَابًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النَّبَإِ: 40] {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] قَالَ عَطَاءٌ: وَدُّوا لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْتَهُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، يَعْنِي: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا لأن ما عملوه لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِتْمَانِهِ- وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) لأن جوارحهم تشهد عليهم. [43] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ مِنَ السُّكْرِ: السُّكْرُ مِنَ الْخَمْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوهَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَسَكِرُوا فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدَّمُوا رَجُلًا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأَ {قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الْكَافِرُونَ: 1] أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، بِحَذْفِ (لَا) هَكَذَا إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وكانوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ يَجْتَنِبُونَ السكر أوقات الصلاة حَتَّى نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: أَرَادَ بِهِ سُكْرَ النَّوْمِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عند غلبة النوم، {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا} [النساء: 43] نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، يَعْنِي: وَلَا تقربوا الصلاة جُنُبٌ، يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ وَامْرَأَةٌ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ وَنِسَاءٌ جُنُبٌ، وأصل الجنب: الْبُعْدُ، وَسُمِّيَ جُنُبًا لِأَنَّهُ يَتَجَنَّبُ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ وَبُعْدِهِ مِنْهُمْ، حَتَّى يَغْتَسِلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] واختلفوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالُوا: إِلَّا أَنْ تكونوا مسافرين ولا تجدوا الْمَاءَ فَتَيَمَّمُوا، مَنَعَ الْجُنُبَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْتَسِلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَفَرٍ وَلَا يَجِدُ مَاءً فَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ

عنهم، وقال الآخرون: بل الْمُرَادُ مِنَ الصَّلَاةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الْحَجِّ: 40] وَمَعْنَاهُ: لَا تَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا مُجْتَازِينَ فِيهِ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ يَنَامَ فِي المسجد فيجنب أو يصيبه جَنَابَةٌ وَالْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يكون طريقه عليه، فيمر به وَلَا يُقِيمُ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ أَبْوَابُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَتُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُمْ وَلَا مَمَرَّ لَهُمْ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَرُخِّصَ لَهُمْ فِي الْعُبُورِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43] جمع مريض، وأراد به مرضا يَضُرُّهُ إِمْسَاسُ الْمَاءِ مِثْلَ الْجُدَرِيِّ وَنَحْوَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِ الطهارة جِرَاحَةٌ يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهَا التَّلَفَ أَوْ زِيَادَةَ الْوَجَعِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ صَحِيحًا وَالْبَعْضُ جَرِيحًا غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْهَا وَتَيَمَّمَ لِلْجَرِيحِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا، وَعُدِمَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلِيَمَسَّهُ بشره فإن ذلك خير» (¬1) أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مَرِيضًا وَلَا فِي سَفَرٍ لَكِنَّهُ عَدِمَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعْدَمُ فِيهِ الْمَاءُ غَالِبًا بِأَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ انْقَطَعَ مَاؤُهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ يُعِيدُ إذا قدر على رش الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ مَالِكٍ والأَوْزَاعِيِّ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أبي حنيقة رضي الله عنهما يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] أَرَادَ بِهِ إِذَا أَحْدَثَ، وَالْغَائِطُ اسْمٌ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ إتْيَانَ الْغَائِطِ لِلْحَدَثِ فَكُنِيَّ عَنِ الْحَدَثِ بِالْغَائِطِ، {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النِّسَاءَ: 43] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (لَمَسَتْمُ) ههنا وَفِي الْمَائِدَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ (لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى اللَّمْسِ والملامسة، فقال قوم: هو الْمُجَامَعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَكَنَّيَّ بِاللَّمْسِ عَنِ الْجِمَاعِ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِاللَّمْسِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حكم هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا، ينتقض وضوؤهما، وهو قول ابن مسعود ¬

(¬1) رواه أبو داود في كتاب الطهارة / 123، والترمذي في الطهارة / 92، والنسائي في الطهارة / 203، والإمام أحمد ج 5 / 146، 147، 155، 180. وله شاهد من حديث أبي هريرة.

قوله تعالى والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله

وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ والأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: إِنْ كَانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ نَقَضَ الطُّهْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ فَلَا يَنْتَقِضُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِاللَّمْسِ بِحَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَنْتَقِضُ إلا إذا حدث الانتشار، {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، رَوَى حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلَّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الماء» (¬1) (فَتَيَمَّمُوا) ، أَيْ: اقصُدُوا، {صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] أي: ترابا طيبا طَاهِرًا نَظِيفًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الصَّعِيدُ هُوَ التُّرَابُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ مِمَّا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ غُبَارٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» (¬2) وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ التَّيَمُّمَّ بِالزَّرْنِيخِ وَالْجِصِّ والنَّوْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، حَتَّى قَالُوا: لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى صَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ حَتَّى زال التراب كُلَّهُ فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، وَقَالُوا: الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (¬3) وَهَذَا مُجْمَلٌ، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي تَخْصِيصِ التُّرَابِ مُفَسَّرٌ وَالْمُفَسَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ يَقْضِي عَلَى الْمُجْمَلِ، وَجَوَّزَ بعضهم بِكُلِّ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَنَبَاتٍ، وَنَحْوَهُمَا وَقَالَ: إِنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِمَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْقَصْدُ إِلَى التُّرَابِ، شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (فَتَيَمَّمُوا) ، وَالتَّيَمُّمُ: الْقَصْدُ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ فَأَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ وَنَوى لَمْ يَصِحَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] اعْلَمْ أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَاجِبٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ مَعَ الْمَرْفِقَيْنِ، بِضَرْبَتَيْنِ يَضْرِبُ كَفَّيْهِ على التراب فيمسح بهما جَمِيعَ وَجْهِهِ، وَلَا يَجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى مَا تَحْتَ الشُّعُورِ، ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَمْسَحُ يديه إلى المرفقين، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِنْكَبَيْنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَيَمَّمْنَا إِلَى الْمَنَاكِبِ» . وَذَلِكَ حِكَايَةُ فِعْلِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رُوِيَ أنه قال: «أجنبت فتمكعت فِي التُّرَابِ، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وأحمد وإسحاق. [44] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [النساء: 44] يَعْنِي: يَهُودَ الْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ وَمَالِكِ بن دخشم، كانا إِذَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم لويا لسانهما وَعَابَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآية، {يَشْتَرُونَ} [النساء: 44] يستبدلون، {الضَّلَالَةَ} [النساء: 44] يَعْنِي: بِالْهُدَى، {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [النساء: 44] أَيْ: عَنِ السَّبِيلِ يَا مَعْشَرَ المؤمنين. [قوله تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ] وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا. . . . . [45] {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} [النساء: 45] مِنْكُمْ، فَلَا تَسْتَنْصِحُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاؤُكُمْ، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: 45] ¬

(¬1) قال الحافظ ابن حجر في " تلخيص الحبير ج 1 / 148 ": " مسلم من حديث أبي مالك الأشجعي. . . وابن أبي شيبة في مسنده، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما. . . ". (¬2) تقدم ذكر من خرجه في الحديث السابق. (¬3) رواه الإمام أحمد في مسنده ج 2 / 222.

، قال الزجاج: اكْتَفُوا بِاللَّهِ وَلِيًّا وَاكْتَفُوا بِاللَّهِ نصيرا. [46] ، {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [النساء: 46] قِيلَ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بُقُولِهِ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [النساء: 44] (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) وَقِيلَ: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَعْنَاهُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: 164] أي: ممن له منزلة معلومة، يريد فريق، {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} [النساء: 46] يغيرون الكلم {عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَتِ الْيَهُودُ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الْأَمْرِ فَيُخْبِرُهُمْ فَيَرَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ فَإِذَا انْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ حَرَّفُوا كلامه، {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} [النساء: 46] قولك، {وَعَصَيْنَا} [النساء: 46] أمرك، {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} [النساء: 46] أَيْ: اسْمَعْ مِنَّا وَلَا نَسْمَعُ مِنْكَ، (غَيْرَ مُسْمَعٍ) أَيْ: غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْكَ، وَقِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعْ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: لا سمعت، {وَرَاعِنَا} [النساء: 46] أَيْ: وَيَقُولُونَ رَاعِنَا يُرِيدُونَ بِهِ النِّسْبَةَ إِلَى الرُّعُونَةِ، {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} [النساء: 46] تحريفا، {وَطَعْنًا} [النساء: 46] قدحا {فِي الدِّينِ} [النساء: 46] لأن قولهم: راعنا مِنَ الْمُرَاعَاةِ، وَهُمْ يُحَرِّفُونَهُ، يُرِيدُونَ بِهِ الرُّعُونَةَ، {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا} [النساء: 46] أَيِ: انْظُرْ إِلَيْنَا مَكَانَ قَوْلِهِمْ رَاعِنَا، {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46] أَيْ أَعْدَلَ وَأَصْوَبَ، {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46] إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَمَنْ أسلم معه منهم. [47] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [النساء: 47] يُخَاطِبُ الْيَهُودَ، {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا} [النساء: 47] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ أَحْبَارَ الْيَهُودِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَّا وَكَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لِتَعْلَمُونِ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ» ، قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ، وَأَصَرُّوا عَلَى الكفر، وأنزلت هَذِهِ الْآيَةُ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} [النساء: 47] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَجْعَلُهَا كَخُفِّ الْبَعِيرِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نُعْمِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْعَيْنُ، {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47] أي: نطمس الوجوه فنردها عَلَى الْقَفَا، وَقِيلَ: نَجْعَلُ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ كَوُجُوهِ الْقِرَدَةِ، لِأَنَّ مَنَابِتَ شُعُورِ الْآدَمِيِّينَ فِي أَدْبَارِهِمْ دُونَ وُجُوهِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَمْحُو آثَارَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْفٍ وعين وفم وحاجب ونجعلها كَالْأَقْفَاءِ. وَقِيلَ: نَجْعَلُ عَيْنَيْهِ عَلَى القفاء فيمشي قهقرى، فإن قيل: قد أوعدهم الله بِالطَّمْسِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ؟ قِيلَ: هَذَا الْوَعِيدُ بَاقٍ، ويكون طمس ومسخ في اليهودية قبل قيام الساعة، وقيل: هذا كان وعيد بِشَرْطٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ دَفَعَ ذَلِكَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ في الْقِيَامَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (نَطْمِسَ وُجُوهًا) أَيْ: نَتْرُكَهُمْ فِي الضَّلَالَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ طَمْسَ وَجْهِ الْقَلْبِ، وَالرَّدَّ عَنْ بَصَائِرِ الْهُدَى عَلَى أَدْبَارِهَا فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ، وَأَصْلُ الطَّمْسِ: الْمَحْوُ وَالْإِفْسَادُ وَالتَّحْوِيلُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَمْحُو آثَارَهُمْ من وجوههم ونواصيهم الَّتِي هُمْ بِهَا فَنَرُدُّهَا عَلَى أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه وَهُوَ الشَّامُ، وَقَالَ: قَدْ مَضَى ذَلِكَ وَتَأَوَّلَهُ فِي إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى أَذَرُعَاتٍ وَأَرْيِحَاءَ مِنَ الشَّامِ {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} [النساء: 47] فَنَجْعَلَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] [48] ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ حَمْزَةَ كَانَ قَدْ جُعِلَ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ أَنْ يُعْتَقَ فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ نَدِمَ عَلَى صَنِيعِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى الَّذِي صَنَعْنَا وَأَنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُنَا عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنَّا سَمِعْنَاكَ تَقُولُ وَأَنْتَ بِمَكَّةَ {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] الآيات وَقَدْ دَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ

اللَّهُ وَزَنَيْنَا، فَلَوْلَا هَذِهِ الْآيَاتُ لَاتَّبَعْنَاكَ، فَنَزَلَتْ {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان: 70] الآيتين، فَبَعَثَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا قرؤوا كَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا شَرْطٌ شديد نخاف ألا نعمل صَالِحًا، فَنَزَلَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: إنا نخاف ألا نَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ فَنَزَلَتْ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزَّمْرِ: 53] فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِوَحْشِيٍّ: «أَخْبَرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ، قَالَ: " وَيْحَكَ غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي» ، فَلَحِقَ وَحْشَيٌّ بِالشَّامِ فَكَانَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى} [النساء: 48] اختلق، {إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] [49] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 49] الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ بَحْرِيُّ بن عمر وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَوْفَى وَمَرْحَبُ بْنُ زَيْدٍ، أَتَوْا بِأَطْفَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَلْ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ ذَنْبٍ؟ فَقَالَ: لَا، قَالُوا: وما نَحْنُ إِلَّا كَهَيْئَتِهِمْ، مَا عَمِلْنَا بِالنَّهَارِ يُكَفَّرُ عَنَّا بِاللَّيْلِ، وَمَا عَمِلْنَا بِاللَّيْلِ يُكَفَّرُ عَنَّا بِالنَّهَارِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: كَانُوا يُقَدِّمُونَ أَطْفَالَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ فَتِلْكَ التَّزْكِيَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [الْبَقَرَةِ: 111] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ تزكية بعضهم لبعض، قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي} [النساء: 49] أَيْ: يُطَهِّرُ وَيُبَرِّئُ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُصْلِحُ، {مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49] وَهُوَ اسْمٌ لِمَا فِي شَقِّ النَّوَاةِ، وَالْقِطْمِيرُ اسْمٌ لِلْقِشْرَةِ الَّتِي على النواة، والنقير اسم للنقرة الَّتِي عَلَى ظَهْرِ النَّوَاةِ، وَقِيلَ: الْفَتِيلُ مِنَ الْفَتْلِ وَهُوَ مَا يُجْعَلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ مِنَ الْوَسَخِ عند الفتل. [50] قوله تعالى: {انْظُرْ} [النساء: 50] يَا مُحَمَّدُ، {كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 50] يختلفون على الله، {الْكَذِبَ} [النساء: 50] فِي تَغْيِيرِهِمْ كِتَابَهُ، {وَكَفَى بِهِ} [النساء: 50] بالكذب {إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 50] [51] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] اخْتَلَفُوا فِيهِمَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا صَنَمَانِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمَا كَلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النَّحْلِ: 36] وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: الْجِبْتُ: الْأَوْثَانُ، وَالطَّاغُوتُ: شَيَاطِينُ الْأَوْثَانِ. وَلِكُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ،

قوله تعالى أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن

يُعَبِّرُ عَنْهُ، فَيَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ: الْجِبْتُ: الْكَاهِنُ، وَالطَّاغُوتُ: السَّاحِرُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: الْجِبْتُ: السَّاحِرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْجِبْتُ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَالطَّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى. {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60] وَقِيلَ. الْجِبْتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالطَّاغُوتُ كُلُّ مَا يُطْغِي الْإِنْسَانَ. {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: خَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنَ الْيَهُودِ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْقُضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ كِتَابٍ وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَكْرًا مِنْكُمْ فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ نَخْرُجَ مَعَكُمْ فَاسْجُدُوا لِهَذَيْنَ الصَّنَمَيْنِ وَآمِنُوا بِهِمَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِكَعْبٍ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُ وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ لَا نَعْلَمُ، فَأَيُّنَا أَهْدَى طريقة، نحن أم محمد؟ فَقَالَ كَعْبٌ. أَنْتُمْ وَاللَّهِ أَهْدَى سبيلا مما عليه محمد وأصحابه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) يَعْنِي: كَعْبًا وَأَصْحَابَهُ (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ، يَعْنِي: الصَّنَمَيْنِ (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) : أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ (هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سَبِيلًا ودينا. [قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ] اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا. . . . [52] {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52] [53] {أَمْ لَهُمْ} [النساء: 53] يَعْنِي ألَهُمْ وَالْمِيمُ صِلَةٌ {نَصِيبٌ} [النساء: 53] حظ {مِنَ الْمُلْكِ} [النساء: 53] وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ، {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [النساء: 53] لحسدهم وبخلهم، النقير: النُّقْطَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ وَمِنْهَا تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ أُصْبُعِهِ كَمَا يَنْقُرُ الدرهم: [54] {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} [النساء: 54] يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَيَحْسُدُونَ النَّاسَ قَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْعَرَبُ حَسَدَهُمُ الْيَهُودُ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَمَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: أَرَادَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، حَسَدُوهُ عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالُوا. مَا لَهُ هَمٌّ إِلَّا النِّكَاحُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: {عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النِّسَاءِ: 54] وَقِيلَ: حَسَدُوهُ عَلَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ.

{فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 54] أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وبالكتاب ما أنزل الله إليهم وَبِالْحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ {وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] فَمَنْ فَسَّرَ الْفَضْلَ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ فَسَّرَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ فِي حَقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ ثَلَاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وَسَبْعُمِائَةٍ سُرِّيَّةٍ، وَكَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ سَكَتُوا. [55] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ} [النساء: 55] يَعْنِي: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55] أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 55] وَقُودًا، وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْعَظِيمُ: مُلْكُ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهَاءُ فِي قوله: (من آمن به وصد عَنْهُ) رَاجِعَةٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ زَرَعَ ذَاتَ سَنَةٍ، وَزَرَعَ النَّاسُ فَهَلَكَ زَرْعُ النَّاسِ وَزَكَا زَرْعُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَكَانَ يَقُولُ: مَنْ آمَنَ بِي أَعْطَيْتُهُ فَمَنْ آمَنَ بِهِ أَعْطَاهُ، وَمَنْ لَمْ يؤمن به منعه. [56] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} [النساء: 56] ندخلهم نارا، {كُلَّمَا نَضِجَتْ} [النساء: 56] احْتَرَقَتْ، {جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] غير الجلود المحترقة، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُعَذَّبُ جُلُودٌ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَعْصِهِ؟ قِيلَ: يُعَادُ الْجِلْدُ الْأَوَّلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: {جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56] لتبديل صِفَتِهَا، كَمَا تَقُولُ صَنَعْتُ مِنْ خَاتَمِي خَاتَمًا غَيْرَهُ، فَالْخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الصِّنَاعَةَ والصفة تبدلت، قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] [57] {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57] كَنِينًا لَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ وَلَا يُؤْذِيهِمْ حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ. [58] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النَّسَاءِ: 58] نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَغْلَقَ عُثْمَانُ بَابَ الْبَيْتِ وَصَعَدَ السَّطْحَ فَطَلَبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِفْتَاحَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَعَ عُثْمَانَ فَطَلَبَهُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لم أمنع الْمِفْتَاحُ فَلَوَى عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ الْمِفْتَاحَ وَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلَهُ الْعَبَّاسُ الْمِفْتَاحَ أَنَّ يُعْطِيَهُ وَيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقَايَةِ وَالسِّدَانَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ الْمِفْتَاحَ إِلَى عُثْمَانَ وَيَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَكْرَهْتَ وَآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُقَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِكَ قُرْآنًا وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ، فَقَالَ عُثْمَانِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَ الْمِفْتَاحُ مَعَهُ، فَلَمَّا مَاتَ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ شَيْبَةَ، فَالْمِفْتَاحُ وَالسِّدَانَةُ فِي أَوْلَادِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ جَمِيعَ الْأَمَانَاتِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] أَيْ: بِالْقِسْطِ، {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا} [النساء: 58] أَيْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي {يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] [59] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] اخْتَلَفُوا فِي (أُولِي الْأَمْرِ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ، وَدَلِيلُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النِّسَاءِ: 83] وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ. هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب رضي الله عه. حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى

قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا

الرعية أن يسمعوا ويطيعوا، وقيل: المراد أمراء السرايا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَرَادَ بِأُولِي الْأَمْرِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 100] الآية، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} [النساء: 59] أي: اختلفتم، {فِي شَيْءٍ} [النساء: 59] مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، وَالتَّنَازُعُ: اخْتِلَافُ الْآرَاءِ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّزْعِ فَكَأَنَّ المتنازعان يَتَجَاذَبَانِ وَيَتَمَانَعَانِ، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] أَيْ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَا دَامَ حَيًّا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى سُنَّتِهِ، والرَّدُّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَاجِبٌ إِنْ وُجِدَ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَسَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ. وَقِيلَ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ} [النساء: 59] أَيْ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، {خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] أي: أحسن مآلا وعاقبة. [قَوْلُهُ تَعَالَى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا] بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. . . . [60] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60] الْآيَةَ قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ خُصُومَةٌ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرَّشْوَةَ وَلَا يَمِيلُ فِي الْحُكْمِ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى الْيَهُودِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ وَيَمِيلُونَ فِي الْحُكْمِ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية، {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] [61] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] أَيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا. [62] {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} [النساء: 62] هَذَا وَعِيدٌ، أَيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [النساء: 62] يَعْنِي: عُقُوبَةَ صُدُودِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى مَا سَبَقَ، يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ فقال: {ثُمَّ جَاءُوكَ} [النساء: 62] يَعْنِي: يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ، {ثُمَّ جَاءُوكَ} [النساء: 62] أي: يجيئونك يحلفون {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا} [النساء: 62] ما أردنا بالعدل عنه في المحاكمة {إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62] قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَّا إِحْسَانًا فِي الْقَوْلِ، وَتَوْفِيقًا: صَوَابًا، وَقَالَ ابْنُ كيسان: حقًّا وعدلًا، نظيره: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} [التوبة: 107] وَقِيلَ: هُوَ إِحْسَانُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَقْرِيبُ الْأَمْرِ مِنَ الْحَقِّ، لَا الْقَضَاءُ عَلَى أَمْرِ الْحَكَمِ، وَالتَّوْفِيقُ: هُوَ مُوَافَقَةُ الْحَقِّ، وَقِيلَ: هُوَ التَّأْلِيفُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. [63] {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [النساء: 63] مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ: عَلِمَ أَنَّ مَا فِي قُلُوبِهِمْ

قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم

خِلَافَ مَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 63] أي: عن عقوبتهم. وَقِيلَ: هُوَ التَّخْوِيفُ بِاللَّهِ، وَقِيلَ: أن يوعدهم بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، قَالَ الْحَسَنُ: الْقَوْلُ الْبَلِيغُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّفَاقِ قُتِلْتُمْ لِأَنَّهُ يبلغ من نفوسكم كُلَّ مَبْلَغٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} [النساء: 63] فِي الْمَلَإِ {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] فِي السِّرِّ وَالْخَلَاءِ، وَقَالَ: قِيلَ هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ. [64] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَجَبَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا لِيُطَاعَ كَلَامٌ تَامٌّ كَافٍ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، أَيْ: وُقُوعُ طَاعَتِهِ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ، {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 64] لتحاكمهم إِلَى الطَّاغُوتِ {جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] [65] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} [النساء: 65] (فَلَا) أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ (وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (لَا) فِي قَوْلِهِ (فَلَا) صِلَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ (فَلَا أُقْسِمُ) ، حَتَّى يُحَكِّمُوكَ: أَيْ يَجْعَلُوكَ حكما، {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] أَيْ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} [النساء: 65] قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكًّا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضيقا، {مِمَّا قَضَيْتَ} [النساء: 65] وقال الضحاك: إنما، أَيْ: يَأْثَمُونَ بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] أي: ينقادوا لأمرك انقيادا. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ] أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. . . . [66] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} [النساء: 66] أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا {عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 66] كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ {أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} [النساء: 66] كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْخُرُوجِ من مصر، {مَا فَعَلُوهُ} [النساء: 66] معناه: مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، {إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66] نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ. قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وعمار بن يا سر وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي» ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشام (إلا قليلا) بالنصف عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قوله: (فعلوا) تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} [النساء: 66] يؤمرون بِهِ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] تحقيقا أو تصديقا لِإِيمَانِهِمْ. [67] {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 67] ثَوَابًا وَافِرًا. [68] {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 68] أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. [69] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [النساء: 69] أي: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ) فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، (وَالرَّسُولَ) فِي السُّنَنِ (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ) أَيْ: لَا تَفُوتُهُمْ رؤية الأنبياء ومجالستهم لأنهم يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، {وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69] وَهُمْ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ في الصدق، {وَالشُّهَدَاءِ} [النساء: 69] قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ

عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى الله عليه وسلم، والصديق أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69] سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [الحج: 5] أي: أطفالا {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] أي: الأدبار. [70] {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 70] أي: بثواب الآخرة، وقيل: من أَطَاعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِطَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [71] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] من عدوكم، أي: من عِدَّتِكُمْ وَآلَتِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ، والحَذَر والحِذْر وَاحِدٌ كَالْمِثْلِ وَالْمَثَلِ وَالشِّبْهِ والشبه، {فَانْفِرُوا} [النساء: 71] اخرجوا {ثُبَاتٍ} [النساء: 71] أَيْ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وَالثُّبَاتُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَاحِدَتُهَا ثُبَةٌ، {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] أَيْ مُجْتَمِعِينَ كُلُّكُمْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [72] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72] نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ: (مِنْكُمْ) لِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْجِنْسِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، (لَيُبَطِّئَنَّ) أَيْ: لَيَتَأَخَّرَنَّ، وَلَيَتَثَاقَلَنَّ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ، وَاللَّامُ فِي (لَيُبَطِّئَنَّ) لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّبْطِئَةُ: التَّأَخُّرُ عَنِ الْأَمْرِ، يُقَالُ: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ أَيْ: ما أخرك عنا؟ ويقال: إِبْطَاءً وَبَطَّأَ يُبَطِّئُ تَبْطِئَةً. {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} [النساء: 72] أَيْ: قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ} [النساء: 72] بِالْقُعُودِ، {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} [النساء: 72] أَيْ: حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ. [73] {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 73] فتح وغنيية، {لَيَقُولَنَّ} [النساء: 73] هَذَا الْمُنَافِقُ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَوْلُهُ {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} [النساء: 73] مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} [النساء: 72] تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أَيْ: مَعْرِفَةٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ (تَكُنْ) بِالتَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} [النساء: 73] فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، {فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 73] أَيْ: آخُذَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقَوْلُهُ (فَأَفُوزَ) نُصِبَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ، كَمَا تَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ أَقُومَ فَيَتْبَعُنِي النَّاسُ. [74] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [النساء: 74] قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمَعْنَى يَشْرُونَ أَيْ: يَشْتَرُونَ، يَعْنِي الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، مَعْنَاهُ: آمَنُوا ثُمَّ قَاتَلُوا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ،

قوله تعالى وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين

مَعْنَاهُ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ أَيْ: يَبِيعُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَيَخْتَارُونَ الْآخِرَةَ {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ} [النساء: 74] يعني يستشهد، {أَوْ يَغْلِبْ} [النساء: 74] يظفر {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} [النساء: 74] فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ {أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ] مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. . . . [75] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ} [النساء: 75] لَا تُجَاهِدُونَ {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 75] فِي طَاعَةِ اللَّهِ يُعَاتِبُهُمْ عَلَى ترك الجهاد، {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 75] أَيْ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، وَقِيلَ: فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ، {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} [النساء: 75] يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا، {الَّذِينَ} [النساء: 75] يَدْعُونَ وَ {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75] يَعْنِي: مَكَّةَ، الظَّالِمُ أَيِ: الْمُشْرِكُ، أَهْلُهَا يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي مِنْ صفتها أن أهلها مشركين، وَإِنَّمَا خَفَضَ (الظَّالِمَ) لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَهْلِ، فَلِمَا عَادَ الْأَهْلُ إِلَى القرية صار الْفِعْلَ لَهَا، كَمَا يُقَالُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حُسْنِهِ عَيْنُهُ. {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [النساء: 75] أي: من يلي أمرنا لدنك، {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] أَيْ: مَنْ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ عَنَّا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَلَّى عَلَيْهِمْ عِتَابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ نصيرا ينصف المؤمنين الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ. [76] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 76] أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76] أَيْ: فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، {فَقَاتِلُوا} [النساء: 76] أيها المؤمنون {أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} [النساء: 76] أي: حزبه وجنوده الكفار، {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ} [النساء: 76] مكره، {كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76] كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ خَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَهَرَبَ وَخَذَلَهُمْ. [77] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} [النساء: 77] الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي جماعة كَانُوا يَلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَذًى كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا، وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ آذَوْنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ» ، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77] فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا كُتِبَ} [النساء: 77] فُرِضَ، {عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} [النساء: 77] يَعْنِي يَخْشَوْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، {كَخَشْيَةِ اللَّهِ} [النساء: 77] أَيْ: كَخَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، {أَوْ أَشَدَّ} [النساء: 77] أكبر، {خَشْيَةً} [النساء: 77] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأَشَدَّ خَشْيَةً، {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} [النساء: 77] الجهاد، {لَوْلَا} [النساء: 77] هَلَّا، {أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء: 77] يَعْنِي: الْمَوْتَ، أَيْ: هَلَّا تَرَكْتَنَا حَتَّى نَمُوتَ بِآجَالِنَا؟ وَاخْتَلَفُوا فِي هؤلاء الذين قالوا ذلك، فقيل: قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا

الْقِتَالَ) ، لَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُونُوا رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالُوهُ خَوْفًا وَجُبْنًا لَا اعْتِقَادًا ثُمَّ تَابُوا، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ نَافَقُوا مِنَ الْجُبْنِ وَتَخَلَّفُوا عَنِ الجهاد، {قُلْ} [النساء: 77] يا محمد، {مَتَاعُ الدُّنْيَا} [النساء: 77] أَيْ: مَنْفَعَتُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا {قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ} [النساء: 77] أفضل، {خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: 77] الشِّرْكَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77] [78] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78] أَيْ: يَنْزِلُ بِكُمُ الْمَوْتُ، نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] وَالْبُرُوجُ: الْحُصُونُ وَالْقِلَاعُ، وَالْمُشَيَّدَةُ: الْمَرْفُوعَةُ المطولة، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} [النساء: 78] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ: مَا زِلْنَا نَعْرِفُ النَّقْصَ فِي ثِمَارِنَا وَمَزَارِعِنَا مُنْذُ قَدِمَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ) يَعْنِي: الْيَهُودَ (حَسَنَةٌ) أَيْ خِصْبٌ وَرُخْصٌ فِي السِّعْرِ، {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] لنا، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [النساء: 78] يَعْنِي: الْجَدْبَ وَغَلَاءَ الْأَسْعَارِ {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء: 78] أَيْ: مِنْ شُؤْمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ الظَّفْرُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَبِالسَّيِّئَةِ الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ: أَنْتَ الَّذِي حَمَلَتْنَا عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَى هَذَا يكون من قول المنافقين {قُلْ} [النساء: 78] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] أَيْ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ عَيَّرَهُمْ بِالْجَهْلِ فقال: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ} [النساء: 78] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ، {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ قَوْلًا، وَقِيلَ: الحديث ههنا هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ اللَّامَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا وَأَنَّهُمَا حَرْفٌ واحد، ففصلوا اللام بما بَعْدَهَا فِي بَعْضِهِ، وَوَصَلُوهَا فِي بعضه، والقراءة الاتصال، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى اللَّامِ لِأَنَّهَا لَامٌ خَافِضَةٌ. [79] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} [النساء: 79] خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ {فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} [النساء: 79] بَلِيٍّةٍ أَوْ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ، {فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] أَيْ: بِذُنُوبِكَ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم المراد غَيْرُهُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] وتعلق أَهْلُ الْقَدَرِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالُوا: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى السَّيِّئَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَسَبَهَا إِلَى الْعَبْدِ، فَقَالَ: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الآية حسنات الكسب ولا سيئاته مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْمِحَنِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَنْسِبْهَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: (مَا أَصَابَكَ) وَلَا يُقَالُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ أَصَابَنِي، إِنَّمَا يُقَالُ: أَصَبْتُهَا، ويقال في المحن: أَصَابَنِي، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [الأعراف: 131] فلما ذَكَرَ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَسَيِّئَاتِهِ نَسَبَهَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ عَلَيْهَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، فَقَالَ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الْأَنْعَامِ: 160] وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ يَوْمَ بَدْرٍ فَمِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ: يعني فبذنوب أصحابك، وهو مخالفتهم لك، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] وَبَيْنَ قَوْلِهِ (فَمِنْ نَفْسِكَ) ؟ قِيلَ: قَوْلِهِ {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] أَيِ: الْخِصْبُ وَالْجَدْبُ وَالنَّصْرُ وَالْهَزِيمَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: {فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] أي: وَمَا أَصَابَكَ

قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن

مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ اللَّهِ فَبِذَنْبِ نَفْسِكَ عُقُوبَةً لَكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشُّورَى: 30] يدل عليها مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَرَأَ (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ) . وقال بعضهم: هذه اللام مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - وَأَرْسَلْنَاكَ} [النساء: 78 - 79] يَا مُحَمَّدُ، {لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79] على إرسالك وصدقك، وقيل: كفى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُهُ تَعَالَى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ] تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا. . . . [80] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ " فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رِبًّا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] أَيْ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ {وَمَنْ تَوَلَّى} [النساء: 80] عن طاعته، {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ} [النساء: 80] يا محمد، {عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] أي: حافظا ورقيبا على كل أمورهم، وَقِيلَ: نَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا بِآيَةِ السَّيْفِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. [81] {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا آمَنَّا بِكَ فَمُرْنَا فَأَمْرُكَ طَاعَةٌ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَيْ أَمْرُنَا وَشَأْنُنَا أن نطيعك، {فَإِذَا بَرَزُوا} [النساء: 81] خَرَجُوا، {مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} [النساء: 81] قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: بيَّت أَيْ: غيَّر وَبَدَّلَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ التَّبْيِيتُ بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ قَالُوا وَقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ مَا أَعْطَوْكَ نَهَارًا وَكُلُّ مَا قُدِّرَ بِلَيْلٍ فهو مبيت، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: تَقُولُ العرب للشيء إذا قدر: بُيِّتَ، يُشَبِّهُونَهُ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشِّعْرِ، {وَاللَّهُ يَكْتُبُ} [النساء: 81] أَيْ يُثْبِتُ وَيَحْفَظُ، {مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81] مَا يُزَوِّرُونَ وَيُغَيِّرُونَ وَيُقَدِّرُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَا يُسِرُّونَ مِنَ النِّفَاقِ، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 81] يَا مُحَمَّدُ وَلَا تُعَاقِبْهُمْ، وَقِيلَ: لَا تُخْبِرْ بِأَسْمَائِهِمْ، مُنع الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الْإِخْبَارِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81] أَيْ: اتَّخِذْهُ وَكَيْلًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكَيْلًا وَنَاصِرًا. [82] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] يَعْنِي أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا كَثِيرًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَوَجَدُوا فِيهِ أَيْ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُوا بِعَدَمِ التَّنَاقُضِ فِيهِ وَصِدْقِ مَا يُخْبِرُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ. [83] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء: 83] وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَإِذَا غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا بَادَرَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَخْبِرُونَ عَنْ حَالِهِمْ، فَيُفْشُونَ وَيُحَدِّثُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُضْعِفُونَ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِذَا جَاءَهُمْ) يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ (أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ) أَيِ: الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ (أَوِ الْخَوْفِ) الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ (أَذَاعُوا بِهِ) أَشَاعُوهُ وَأَفْشَوْهُ، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ} [النساء: 83] إلى رأيه ولم يُحَدِّثُوا بِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ، {وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83] أَيْ: ذَوِي الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى، وَالِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الْمَاءَ إِذَا اسْتَخْرَجَهُ،

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَسْتَنْبِطُونَهُ أَيْ: يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَتْبَعُونَهُ، يُرِيدُ الَّذِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الْأَخْبَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا هُوَ، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} [النساء: 83] كلكم، {إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَذَاعُوا بِهِ إلا قليلا لم يفشه، وعنى بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ) كَلَامٌ تَامٌّ، وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ، وَرَحِمْتُهُ: الْقُرْآنُ، يَقُولُ: لَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا، وَهُمْ قَوْمٌ اهْتَدَوْا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمَا، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالتِّلَاوَةِ وَالرِّوَايَةِ وَهُوَ النَّصُّ، وَمِنْهُ مَا يُدْرَكُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَعَانِي المودعة في النصوص. [84] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84] وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدَ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُد مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرَى فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمِيعَادُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84] أَيْ: لَا تَدَعْ جِهَادَ الْعَدُوِّ والاستنصار لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ وَحْدَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكَ النُّصْرَةَ وعاقبهم عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَقَاتِلْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74] فَقَاتِلْ، {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ} [النساء: 84] أَيْ: حُضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَرَغِّبْهُمْ فِي الثَّوَابِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا فَكَفَاهُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {عَسَى اللَّهُ} [النساء: 84] أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ، {أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 84] أي: قتال الْمُشْرِكِينَ و (عَسَى) مِنَ اللَّهِ واجب، {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا} [النساء: 84] أَيْ: أَشَدُّ صَوْلَةً وَأَعْظَمُ سُلْطَانًا، {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84] أي: عقوبة. [85] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء: 85] أَيْ نَصِيبٌ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ هِيَ الْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ حُسْنُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ

قوله تعالى الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى

يَنَالُ بِهِ الثَّوَابَ وَالْخَيْرَ، وَالسَّيِّئَةُ هِيَ: الْغَيْبَةُ وَإِسَاءَةُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ يَنَالُ بِهِ الشَّرَّ، وَقَوْلُهُ (كِفْلٌ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ وِزْرِهَا، وقال مجاهد: على شَفَاعَةُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَيُؤْجَرُ الشَّفِيعُ عَلَى شَفَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يشفع قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: مقتدرا أو مجازيا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَاهِدًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَافِظًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُقِيتًا أَيْ: يُوصِلُ الْقُوتَ إِلَيْهِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقوت ويقيت» (¬1) . [86] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] التحية: دعاء بطول الحياة، والمراد بالتحية هنا السَّلَامُ، يَقُولُ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ مُسلم فَأَجِيبُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوها كَمَا سَلَّمَ، فَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السلام ورحمة الله وبركاته، وَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وبركاته، فردَّ مثله، وَقِيلَ: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) ، مَعْنَاهُ أَيْ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مُسْلِمًا، (أَوْ رُدُّوهَا) بِمِثْلِهَا إِذَا لم يكن مسلما، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86] أَيْ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، حَسِيبًا أَيْ: مُحَاسِبًا مُجَازِيًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَفِيظًا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَافِيًا، يُقَالُ: حَسْبِي هَذَا أي كفاني. [قَوْلُهُ تَعَالَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى] يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. . . . [87] قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ} [النساء: 87] اللَّامُ، لَامُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لِيَجْمَعُنَّكُمْ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْقُبُورِ، {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [النساء: 87] وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ قِيَامَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا} [الْمَعَارِجِ: 43] وَقِيلَ: لِقِيَامِهِمْ إِلَى الْحِسَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الْمُطَفِّفِينَ: 6] {لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] أَيْ: قَوْلًا وَوَعْدًا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ والكسائي (أصدق) ، وكل صَادٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا دَالٌ بِإِشْمَامِ الزَّايِ. [88] {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88] اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُد مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْتُلْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اعْفُ عَنْهُمْ فإنهم تكلموا بالإسلام، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا ثم ندموا على ذلك، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا فِي تِجَارَةٍ لَهُمْ نَحْوَ الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ قَوْمًا عَلَى دِينِكُمْ إن لم يذروا ¬

(¬1) رواه أبو داود في سننه في كتاب الزكاة / 45، والإمام أحمد في مسنده ج2 / 160 ط 193، 195.

دِيَارَهُمْ، وَكَانَ هَذَا بِعَيْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَمْ يُهَاجِرُوا وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ: (فَمَا لَكُمْ) يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ (فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) أَيْ: صِرْتُمْ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ أَيْ: فرقتين {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} [النساء: 88] أَيْ: نكَّسهم وردَّهم إِلَى الْكُفْرِ {بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88] بِأَعْمَالِهِمْ غَيْرِ الزَّاكِيَةِ {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا} [النساء: 88] أي: ترشدوا {مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء: 88] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَتَقُولُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُهْتَدُونَ وَقَدْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} [النساء: 88] أي: وكما كفروا يضلل اللَّهُ عَنِ الْهُدَى، {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88] أي: طريقا إلى الحق. [89] قوله تعالى: {وَدُّوا} [النساء: 89] تمنَّوا، يَعْنِي أُولَئِكَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنِ الدِّينِ تَمَنَّوْا {لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89] فِي الْكُفْرِ، وَقَوْلُهُ (فَتَكُونُونَ) لَمْ يُرَدْ بِهِ جَوَابُ التَّمَنِّي لِأَنَّ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ مَنْصُوبٌ، إِنَّمَا أَرَادَ النَّسَقَ، أَيْ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وَوَدُّوا لَوْ تَكُونُونَ سَوَاءً، مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [الْقَلَمِ: 9] أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ وَوَدُّوا لَوْ تُدْهِنُونَ، {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} [النساء: 89] منع عن مُوَالَاتِهِمْ، {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 89] مَعَكُمْ، قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ هِجْرَةٌ أُخْرَى وَالْهِجْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: هِجْرَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الْحَشْرِ: 8] وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النِّسَاءِ: 100] وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ، وَهِجْرَةُ المؤمنين: وَهِيَ الْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم صابرين محتسبين، كما حكي هاهنا، وفي هذه الآية منع موالاة المؤمنين من موالاة المنافقين حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهجرة سائر المؤمنين ما نهى الله عنه، وَهِيَ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» (¬1) . قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [النساء: 89] أَعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْهِجْرَةِ، {فَخُذُوهُمْ} [النساء: 89] أَيْ خُذُوهُمْ أُسَارَى، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْأَسِيرِ أَخِيذٌ، {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [النساء: 89] فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 89] ثُمَّ اسْتَثْنَى طَائِفَةً مِنْهُمْ فَقَالَ: [90] {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ} [النساء: 90] وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْقَتْلِ لَا إِلَى الْمُوَالَاةِ، لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَمَعْنَى (يَصِلُونَ) أَيْ: يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمْ وَيَتَّصِلُونَ بِهِمْ وَيَدْخُلُونَ فِيهِمْ بالحِلْف وَالْجِوَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما يريدون ويلجأون إِلَى قَوْمٍ، {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90] أَيْ: عَهْدٌ، وَهُمُ الْأَسْلَمِيُّونَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مكة على ألا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هِلَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَلَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ مِثْلَ مَا لِهِلَالٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ بَنِي بَكْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ كَانُوا فِي الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ خُزَاعَةُ، وَقَوْلُهُ: {أَوْ جَاءُوكُمْ} [النساء: 90] أي: يتصلون بقوم جاؤوكم، {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] أَيْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَيَعْقُوبُ (حَصِرَةً) مَنْصُوبَةً مُنَوَّنَةً أَيْ: ضَيِّقَةً صُدُورُهُمْ، يَعْنِي الْقَوْمَ الَّذِينَ جَاءُوكُمْ وَهُمْ بَنُو مُدْلَجٍ، كَانُوا عاهدوا قريشا ألا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا ألا يُقَاتِلُوهُمْ، حَصِرَتْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، {أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ} [النساء: 90] أَيْ: عَنْ قِتَالِكُمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي بينكم، {أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90] يَعْنِي: مَنْ أَمِنَ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، يَعْنِي قُرَيْشًا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ لِذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، أَيْ: حصرت صدورهم عن قتالهم وَالْقِتَالِ مَعَكُمْ، وَهُمْ قَوْمُ هِلَالٍ الأَسْلَمِيُّونَ وَبَنُو بَكْرٍ، نَهَى اللَّهُ ¬

(¬1) رواه البخاري في كتاب الإيمان / 4.

قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا

سُبْحَانَهُ عَنْ قِتَالٍ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا اتَّصَلُوا بِأَهْلِ عَهْدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَنِ انْضَمَّ إِلَى قَوْمٍ ذَوِي عَهْدٍ فَلَهُ حُكْمُهُمْ فِي حقن الدماء. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90] يَذْكُرُ مِنَّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الْمُعَاهِدِينَ، يَقُولُ: إِنَّ ضَيِّقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِكُمْ لِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ وَكَفَّهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ مَعَ قومهم، {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} [النساء: 90] أَيْ: اعْتَزَلُوا قِتَالَكُمْ، {فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} [النساء: 90] وَمَنِ اتَّصَلَ بِهِمْ، وَيُقَالُ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يُقَاتِلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90] أَيْ: الصُّلْحَ فَانْقَادُوا وَاسْتَسْلَمُوا {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90] أي: طريقا بالقتل والقتال. [91] قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} [النساء: 91] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمْ أَسَدٌ وغَطْفَانُ كَانُوا حَاضِرِي الْمَدِينَةِ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ رِيَاءً وَهُمْ غَيْرُ مُسْلِمِينَ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ بِمَاذَا أَسْلَمَتْ؟ فَيَقُولُ: آمَنَتْ بِهَذَا الْقِرْدِ وَبِهَذَا الْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَإِذَا لَقُوا أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْأَمْنَ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ {يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ} [النساء: 91] فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، {وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 91] فلا يتعرضوا لهم، {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} [النساء: 91] أَيْ: دُعُوا إِلَى الشِّرْكِ {أُرْكِسُوا فِيهَا} [النساء: 91] أَيْ: رَجَعُوا وَعَادُوا إِلَى الشِّرْكِ، {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} [النساء: 91] أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى تَسِيرُوا إِلَى مَكَّةَ، {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 91] أي: المفادة والصلح، {وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} [النساء: 91] وَلَمْ يَقْبِضُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، {فَخُذُوهُمْ} [النساء: 91] أسراء، {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [النساء: 91] أي: وجدتموهم، {وَأُولَئِكُمْ} [النساء: 91] أَيْ: أَهَّلُ هَذِهِ الصِّفَةِ، {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 91] أَيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً ظَاهِرَةً بِالْقَتْلِ والقتال. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا] خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ. . . [92] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92] وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} [الْأَحْزَابِ: 53] (إِلَّا خَطَأً) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنْ إِنْ وَقَعَ خَطَأٌ، {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] أَيْ: فَعَلَيْهِ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كفارة، {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} [النساء: 92] كاملة، {إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] أي: إلى أهل القتيل الذين يرثونه، {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] أَيْ: يَتَصَدَّقُوا بِالدِّيَةِ فَيَعْفُوا وَيَتْرُكُوا الدِّيَةَ، {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُنْفَرِدًا مَعَ الْكُفَّارِ فَقَتَلَهُ مَنْ لَمْ يعلم بإسلامه فلا دية عليه، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ نَسَبِ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَقَرَابَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَرْبٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا دِيَةَ لِأَهْلِهِ، وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ قَوْمٍ كُفَّارِ حَرْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ فِيهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دِيَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمِهِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهِدًا فَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالْكَفَّارَةُ تَكُونُ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهِدًا رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا وَتَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] وَالْقَاتِلُ إِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ أَوْ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهَا بِوُجُودِ ثَمَنِهَا فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَحَاجَتِهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَنَحْوِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى الصَّوْمِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِهَا فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ متتابعين، {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 92] أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَوْبَةً القاتل الخطأ {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} [النساء: 92] بمن قتل خطأ {حَكِيمًا} [النساء: 92] فيما حكم به عليكم.

[93] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ صبابة الكندي، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ فَوَجَدَ أَخَاهُ هِشَامًا قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر له ذلك فأرسل لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ إِنْ عَلَّمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَى مِقْيَسِ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ دِيَتَهُ، فَأَبْلَغَهُمُ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ فَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا وَلَكِنَّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعَيْنِ نحو المدينة فيأتي الشَّيْطَانُ مِقْيَسًا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيكَ فَتَكُونُ عَلَيْكَ مَسَبَّةٌ، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَتَكُونَ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلُ الدِّيَةِ، فتغفل الفهري فرماه بصخرة فقتله، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ كَافِرًا فَنَزَلَ فِيهِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] بكفره وارتداده، هو الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، عَمَّنْ أَمَّنَهُ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93] أَيْ: طَرَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] [94] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إلا ليتعوذ منكم فقاموا وقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 94] يَعْنِي إِذَا سَافَرْتُمْ فِي سَبِيلِ الله، يعني: الجهاد، {فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ هَاهُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ بِالتَّاءِ والثاء من التثبت، أَيْ: قِفُوا حَتَّى تَعْرِفُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبَيُّنِ، يُقَالُ: تَبَيَّنْتُ الْأَمْرَ إِذَا تَأَمَّلْتُهُ، {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} [النساء: 94] هكذا قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وحمزة، أي: المعاذة وَهُوَ قَوْلُ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ "، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ السَّلَامَ وَهُوَ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ: السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ، أَيْ: لَا تَقُولُوا لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكُمْ لَسْتَ مُؤْمِنًا، فذلك قوله تعالى: {لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94] يعني: تطلبون الغنم والغنيمة، (عَرْضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) مَنَافِعَهَا وَمَتَاعَهَا {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ} [النساء: 94] أي: غنائم {كَثِيرَةٌ} [النساء: 94] وَقِيلَ: ثَوَابٌ كَثِيرٌ لِمَنِ اتَّقَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 94] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُنْتُمْ ضُلَّالًا مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ

قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير

عليكم بالهداية، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تَأْمَنُونَ فِي قَوْمِكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَلَا تُخِيفُوا مَنْ قَالَهَا فَمَنَّ الله عليكم بالهجرة، {فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] أَنْ تَقْتُلُوا مُؤْمِنًا، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] إِذَا رَأَى الْغُزَاةُ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ شِعَارَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يسمع أغار عليهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ] أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. . . . [95] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] عَنِ الْجِهَادِ {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ بِنَصْبِ الرَّاءِ أَيْ: إِلَّا أُولِي الضَّرَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى نَعْتِ (الْقَاعِدِينَ) يُرِيدُ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ أَولِي الضَّرَرِ، أَيْ: غَيْرُ أُولِي الزَّمَانَةِ وَالضَّعْفِ فِي الْبَدَنِ وَالْبَصَرِ، {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95] أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون والمجاهدون سواء، غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَإِنَّهُمْ يُسَاوُونَ المجاهدين، لأن العذر أقعدهم، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء: 95] أي: فضيلة، وقيل: أراد بالقاعد هَاهُنَا أُولِي الضَّرَرِ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَيْهِمْ دَرَجَةً لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ باشر الجهاد مع النية وأولي الضَّرَرِ كَانَتْ لَهُمْ نِيَّةٌ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا، فَنَزَلُوا عَنْهُمْ بِدَرَجَةٍ، {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النِّسَاءِ: 95] يَعْنِي: الْجَنَّةَ بِإِيمَانِهِمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُجَاهِدَ وَالْقَاعِدَ الْمَعْذُورَ، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] يَعْنِي: عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. [96] {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] قيل: هي سبعون درجة متفاوتة , وَقِيلَ: الدَّرَجَاتُ هِيَ الْإِسْلَامُ وَالْجِهَادُ وَالْهِجْرَةُ وَالشَّهَادَةُ فَازَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ. [97] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يهاجروا فَلَمَّا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَدْرٍ خَرَجُوا مَعَهُمْ فَقُتِلُوا مَعَ الْكُفَّارِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [النساء: 97] أَرَادَ بِهِ مَلَكَ الْمَوْتِ وَأَعْوَانَهُ أَوْ أَرَادَ مَلَكَ الْمَوْتِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السَّجْدَةِ: 11] وَالْعَرَبُ قَدْ تُخَاطِبُ الْوَاحِدَ بلفظ الجمع {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] بِالشِّرْكِ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ: فِي حَالِ ظُلْمِهِمْ، قِيلَ: أي المقام فِي دَارِ الشِّرْكِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، ثُمَّ نَسَخَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» (¬1) وَهَؤُلَاءِ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم، وقالوا لهم: فيما كُنْتُمْ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} [النساء: 97] ¬

(¬1) متفق عليه.

قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم

أَيْ: فِي مَاذَا كُنْتُمْ أَوْ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُمْ؟ أَفِي الْمُسْلِمِينَ؟ أَمْ فِي الْمُشْرِكِينَ؟ سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَعْيِيرٍ فَاعْتَذَرُوا بِالضَّعْفِ عَنْ مقاومة أهل الشرك، {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 97] عاجزين، {فِي الْأَرْضِ} [النساء: 97] يعني أرض مكة، {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: 97] ؟ يَعْنِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الشِّرْكِ؟ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْلَمَنَا بِكَذِبِهِمْ، وقال: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ} [النساء: 97] منزلهم، {جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] أَيْ: بِئْسَ الْمَصِيرُ إِلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى أَهْلَ الْعُذْرِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: [98] {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} [النساء: 98] لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حِيلَةٍ وَلَا على نفقة ولا على قوة الخروج منها، {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98] أَيْ: لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إِلَى الْخُرُوجِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَعْرِفُونَ طريق المدينة. [99] قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} [النساء: 99] يَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ لِلْإِطْمَاعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَطْمَعَ عَبْدًا وَصَلَهُ إِلَيْهِ، {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ، يَعْنِي الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الصلاة. [100] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (مُرَاغَمًا) أَيْ: متحوَّلا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَزَحْزِحًا عَمَّا يَكْرَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُرَاغَمُ: المهاجر، قيل: سميت المهاجرة مراغمة لأن من يهاجر يراغم قومه، وسعة أي: في الرزق، وقيل: سعة من الضلالة إلى الهدى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [النساء: 100] أَيْ: قَبْلَ بُلُوغِهِ إِلَى مُهَاجِرِهِ، {فَقَدْ وَقَعَ} [النساء: 100] أَيْ: وَجَبَ {أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا مِنْهُ، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100] [101] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 101] أَيْ: سَافَرْتُمْ، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [النساء: 101] أَيْ: حَرَجٌ وَإِثْمٌ {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101] يعني من أربعة رَكَعَاتٍ إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعَشَاءِ، {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} [النساء: 101] أَيْ: يَغْتَالَكُمْ وَيَقْتُلَكُمْ {الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] في الصلاة {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101] أي: ظاهر العداوة. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ] طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ. . . . [102] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102] رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ قَامُوا إِلَى الظهر يصلون جميعا ندموا إلا كانوا أكبوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: دَعَوْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ بَعْدَهَا صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَإِذَا قَامُوا فِيهَا فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَنَزَلَ جبريل عليه السلام فَعَلَّمَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا كَانُوا فِي مُعَسْكَرِهِمْ فِي غَيْرِ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ فَيَجْعَلُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ فِرْقَتَيْنِ فَتَقِفُ طَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ تَحْرُسُهُمْ، وَيَشْرَعُ الْإِمَامُ مَعَ طَائِفَةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً قَامَ وَثَبَّتَ قائما حتى أتموا صلاتهم، وذهبوا إِلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ أَتَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةِ فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَثَبَتَ جَالِسًا حَتَّى أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى كذلك بذات الرقاع، قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) أَيْ: شَهِيدًا مَعَهُمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ، {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] أي: فلتقف {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا} [النساء: 102] أَيْ: صَلُّوا، {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102] يُرِيدُ مَكَانَ الَّذِينَ هُمْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} [النساء: 102] وَهْمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] قِيلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْا،

وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا، {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 102] يتمنى الكفار، {لَوْ تَغْفُلُونَ} [النساء: 102] أي: وَجَدُوكُمْ غَافِلِينَ، {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102] فَيَقْصِدُونَكُمْ وَيَحْمِلُونَ عَلَيْكُمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً، {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] رَخَّصَ فِي وَضْعِ السِّلَاحِ فِي حَالِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ، لِأَنَّ السِّلَاحَ يَثْقُلُ حَمْلُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102] أَيْ: رَاقِبُوا الْعَدُوَّ كَيْلَا يَتَغَفَّلُوكُمْ، وَالْحِذْرُ مَا يُتَّقَى بِهِ مِنَ العدو، {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102] يُهانُونَ فِيهِ، والجُناح: الْإِثْمُ، مِنْ جَنَحَتْ إِذَا عَدَلَتْ عَنِ الْقَصْدِ. [103] {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 103] يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَيْ فَرَغْتُمْ منها، {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [النساء: 103] أي: صلوا لله {قِيَامًا} [النساء: 103] في حال الصحة، {وَقُعُودًا} [النساء: 103] فِي حَالِ الْمَرَضِ، {وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] عند الجرح وَالزَّمَانَةِ، وَقِيلَ: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّمْجِيدِ عَلَى كُلِّ حال، {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ} [النساء: 103] أَيْ: سَكَنْتُمْ وَأَمِنْتُمْ، {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 103] أَيْ: أَتِمُّوهَا أَرْبَعًا بِأَرْكَانِهَا، {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] قِيلَ: وَاجِبًا مَفْرُوضًا مُقَدَّرًا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ فَرْضًا مؤقتا وقته الله عليهم. [104] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [النساء: 104] الْآيَةَ، سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ أَبَا سفيان رضي الله عنه وَأَصْحَابَهُ لَمَّا رَجَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةً فِي آثَارِهِمْ فَشَكَوْا أَلَمَ الْجِرَاحَاتِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [النساء: 104] أي: تَضْعُفُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ فِي طلب القوم أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ} [النساء: 104] تَتَوَجَّعُونَ مِنَ الْجِرَاحِ، {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ} [النساء: 104] أَيْ: يَتَوَجَّعُونَ، يَعْنِي الْكُفَّارَ {كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104] أَيْ: وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَأْمُلُونَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا مَا لَا يَرْجُونَ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] [105] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] الآية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ مِنْ بَنِي ظَفْرِ بْنِ الْحَارِثِ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ جَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ له فِيهِ دَقِيقٌ فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِنْ خَرْقٍ فِي الْجِرَابِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّارِ، ثُمَّ خَبَّأَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، فَالْتَمَسْتُ الدِّرْعَ عِنْدَ طُعْمَةَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا أَخَذَهَا وَمَا لَهُ بِهَا مِنْ عِلْمٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ الدِّرْعِ: لَقَدْ رَأَيْنَا أَثَرَ الدَّقِيقِ حَتَّى دَخَلَ دَارَهُ، فَلَمَّا حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُوا أَثَرَ الدَّقِيقِ إِلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ دَفْعَهَا إِلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ،

قوله تعالى واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما

فَجَاءَ بَنُو ظَفْرٍ وَهُمْ قَوْمُ طُعْمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُجَادِلَ عَنْ صَاحِبِهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلِ افْتَضَحَ صَاحِبُنَا، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَاقِبَ اليهودي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: 105] بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْفَصْلِ، {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] بِمَا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَوْحَى إِلَيْكَ، {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ} [النساء: 105] طعمة، {خَصِيمًا} [النساء: 105] معينا مدافعا عنه. [قوله تعالى وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] . . . . [106] {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: 106] مما هممت به مِنْ مُعَاقَبَةِ الْيَهُودِيِّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ جِدَالِكَ عَنْ طُعْمَةَ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 106] [107] {وَلَا تُجَادِلْ} [النساء: 107] لَا تُخَاصِمْ، {عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 107] أَيْ: يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا} [النساء: 107] خائنا، {أَثِيمًا} [النساء: 107] بسرقة الدِّرْعِ، أَثِيمًا فِي رَمْيِهِ الْيَهُودِيِّ، قِيلَ: إِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ به غيره، وَالِاسْتِغْفَارُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: إِمَّا لِذَنْبٍ تَقَدَّمَ عَلَى النُّبُوَّةِ أَوْ لِذُنُوبِ أُمَّتِهِ وَقَرَابَتِهِ، أَوْ لمباح جاء الشرع بتحريمه فَيَتْرُكُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَالِاسْتِغْفَارُ يَكُونُ مَعْنَاهُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ. [108] {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} [النساء: 108] أَيْ: يَسْتَتِرُونَ وَيَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ، يُرِيدُ بَنِي ظَفْرِ بْنِ الْحَارِثِ، {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 108] أَيْ: لَا يَسْتَتِرُونَ وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ، {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ} [النساء: 108] يتقولون وَيُؤَلِّفُونَ، وَالتَّبْيِيتُ: تَدْبِيرُ الْفِعْلِ لَيْلًا، {مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108] وَذَلِكَ أَنْ قَوْمَ طُعْمَةَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: نَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَهُ وَيَمِينَهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَا يَسْمَعُ مِنَ الْيَهُودِيِّ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 108] ثُمَّ يَقُولُ لِقَوْمِ طُعْمَةَ: [109] {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} [النساء: 109] أي: يا هؤلاء، {جَادَلْتُمْ} [النساء: 109] أي: خاصمتم، {عَنْهُمْ} [النساء: 109] يعني: عن طعمة، {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 109] وَالْجِدَالُ: شِدَّةُ الْمُخَاصَمَةِ مِنَ الْجَدْلِ، وهو شدة القتل، فهو يريد قتل الْخِصْمِ عَنْ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الْحِجَاجِ، وَقِيلَ: الْجِدَالُ مِنَ الْجَدَالَةِ، وَهِيَ الْأَرْضُ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ يَرُومُ قَهْرَ صَاحَبَهُ وَصَرْعَهُ على الجدال، {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ} [النساء: 109] يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: 109] إِذَا أَخَذَهُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ، {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 109] كَفِيلَّا، أَيْ: مَنِ الَّذِي يَذُبُّ عَنْهُمْ، وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: [110] {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا} [النساء: 110] يَعْنِي السَّرِقَةَ، {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110] بِرَمْيهِ الْبَرِيءَ، وَقِيلَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَيْ: شِرْكًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ: يَعْنِي إِثْمًا دُونَ الشِّرْكِ، {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: 110] أَيْ: يَتُبْ إِلَيْهِ

قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر

وَيَسْتَغْفِرْهُ، {يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] يَعْرِضُ التَّوْبَةَ عَلَى طُعْمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. [111] {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا} [النساء: 111] يَعْنِي: يَمِينَ طُعْمَةَ بِالْبَاطِلِ، أَيْ: مَا سَرَقْتُهُ إِنَّمَا سَرَقَهُ الْيَهُودِيُّ {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء: 111] فَإِنَّمَا يَضُرُّ بِهِ نَفْسَهُ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} [النساء: 111] بسارق الدرع {حَكِيمًا} [النساء: 111] حَكَمَ بِالْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ. [112] {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً} [النساء: 112] أَيْ: سَرِقَةَ الدِّرْعِ، {أَوْ إِثْمًا} [النساء: 112] بيمينه الكاذبة، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} [النساء: 112] أَيْ: يَقْذِفْ بِمَا جَنَى {بَرِيئًا} [النساء: 112] مِنْهُ وَهُوَ نِسْبَةُ السَّرِقَةِ إِلَى اليهودي {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا} [النساء: 112] الْبُهْتَانُ: هُوَ الْبَهْتُ، وَهُوَ الْكَذِبُ الَّذِي يُتحَيَّرُ فِي عِظَمِهِ، {وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112] أَيْ: ذَنْبًا بَيِّنًا، وَقَوْلُهُ (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ) وَلَمْ يَقُلْ بِهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ الْخَطِيئَةِ وَالْإِثْمِ، رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْإِثْمِ أَوْ جَعَلَ الْخَطِيئَةَ وَالْإِثْمَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ. [113] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 113] يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: {لَهَمَّتْ} [النساء: 113] لِقَدِ هَمَّتْ أَيْ: أَضْمَرَتْ، {طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} [النساء: 113] يَعْنِي: قَوَّمَ طُعْمَةَ، {أَنْ يُضِلُّوكَ} [النساء: 113] يُخَطِّئُوكَ فِي الْحُكْمِ وَيُلْبِسُوا عَلَيْكَ الْأَمْرَ حَتَّى تُدَافِعَ عَنْ طُعْمَةَ، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 113] يعني يرجع وباله عليها، {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 113] يُرِيدُ أَنَّ ضَرَرَهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [النساء: 113] يعني: القرآن، {وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113] يَعْنِي: الْقَضَاءَ بِالْوَحْيِ {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقِيلَ: مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] [قَوْلُهُ تَعَالَى لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ] بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. . . . [114] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} [النساء: 114] يَعْنِي: قَوْمَ طُعْمَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالنَّجْوَى: هِيَ الْإِسْرَارُ فِي التدبير، وقيل: النجوى ما يتفرد بِتَدْبِيرِهِ قَوْمٌ سِرًّا كَانَ أَوْ جَهْرًا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهُمْ، {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} [النساء: 114] أَيْ: إِلَّا فِي نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَالنَّجْوَى تَكُونُ فِعْلًا، وَقِيلَ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، يَعْنِي: لَكِنْ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، وَقِيلَ النَّجْوَى هَاهُنَا: الرِّجَالُ الْمُتَنَاجُونَ، كَمَا قال تَعَالَى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الْإِسْرَاءِ: 47] (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) أَيْ: حث عليها، {أَوْ مَعْرُوفٍ} [النساء: 114] أَيْ: بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُعَرِّفُهُ الشَّرْعُ، وَأَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا مَعْرُوفٌ، لِأَنَّ الْعُقُولَ تَعْرِفُهَا، {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] فعن أم كلثوم بنت عقبة قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيْسَ الكذاب مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا» . قَوْلُهُ تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [النساء: 114] أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا، {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [النساء: 114] أَيْ: طَلَبَ رِضَاهُ، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} [النساء: 114] في الآخرة، {أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ (يُؤْتِيهِ) بِالْيَاءِ، يَعْنِي يُؤْتِيهِ اللَّهُ، وَقَرَأَ الآخرون بالنون. [115] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: 115] نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ وَالْفَضِيحَةِ، فَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ وَارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ، فَقَالَ تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: 115] أَيْ: يُخَالِفُهُ، {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النساء: 115] من التَّوْحِيدُ وَالْحُدُودُ، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] أَيْ: غَيْرَ طَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ، {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115] أَيْ: نَكِلْهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى مَا تَوَلَّى فِي الدُّنْيَا، {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] [116] {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] أَيْ: ذَهَبَ عَنِ الطَّرِيقِ وحُرم الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَيْخٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إني شيخ منهمك فِي الذُّنُوبِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وَآمَنْتُ بِهِ، وَلَمْ أَتَّخِذْ مِنْ دُونِهِ وَلِيًّا وَلَمْ أُوَاقِعِ الْمَعَاصِي جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ، وَمَا تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا وَإِنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ مُسْتَغْفِرٌ فماذا

حَالِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآية. [117] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117] نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: مَا يَعْبُدُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} [غَافِرٍ: 60] أَيْ: اعْبُدُونِي، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غَافِرٍ: 60] قَوْلُهُ: (مِنْ دُونِهِ) أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، (إِلَّا إِنَاثًا) أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ الْإِنَاثِ، فَيَقُولُونَ: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِصَنَمِ كُلِّ قَبِيلَةٍ: أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَالْكَهَنَةَ وَيُكَلِّمُهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء: 117] هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ يَدُلُّ على صحة التأويل: وأن الْمُرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُثُنًا) جَمْعِ الْوَثَنِ فَصَيَّرَ الْوَاوَ هَمْزَةً، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِلَّا إِنَاثًا أَيْ: مَوَاتًا لَا رُوحَ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْنَامَهُمْ كَانَتْ مِنَ الْجَمَادَاتِ سَمَّاهَا إِنَاثًا لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ الْمَوَاتِ، كَمَا يُخْبِرُ عَنِ الْإِنَاثِ، وَلِأَنَّ الْإِنَاثَ أَدْوَنُ الْجِنْسَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمَوَاتَ أَرْذَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْمَلَائِكَةَ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ إِنَاثٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزُّخْرُفِ: 19] (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) ، أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ فَقَدْ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ، وَالْمَرِيدُ: الْمَارِدُ، وَهُوَ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وأراد: إبليس. [118] {لَعَنَهُ اللَّهُ} [النساء: 118] أَيْ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، {وَقَالَ} [النساء: 118] يَعْنِي: قَالَ إِبْلِيسُ، {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 118] أي: حقا مَعْلُومًا، فَمَا أُطِيعَ فِيهِ إِبْلِيسُ فهو مفروضه وَأَصْلُ الْفَرْضِ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْفُرْضَةُ فِي النَّهْرِ وَهِيَ الثُّلْمَةُ تَكُونُ فِيهِ، وَفَرْضُ الْقَوْسِ وَالشِّرَاكِ: لِلشَّقِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَتَرُ وَالْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشراك. [119] {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} [النساء: 119] يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ، أَيْ: لِأُغْوِيَنَّهُمْ، يَقُولُهُ إِبْلِيس، وَأَرَادَ بِهِ التَّزْيِينَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِضْلَالِ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحجر: 39] {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} [النساء: 119] قِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ رُكُوبَ الْأَهْوَاءِ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ أَنْ لَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ وَلَا بَعْثَ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ إِدْرَاكَ الْآخِرَةِ مَعَ رُكُوبِ الْمَعَاصِي {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما والحسن ومجاهد وقتادة وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الرُّومِ: 30] أَيْ: لِدِينِ اللَّهِ، يُرِيدُ وَضْعَ اللَّهِ فِي الدِّينِ بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ بِالْخِصَاءِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الْآذَانِ

قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم

حَتَّى حَرَّمَ بَعْضُهُمُ الْخِصَاءَ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَهَائِمِ، لِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا ظَاهِرًا، وَقِيلَ: تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ فَحَرَّمُوهَا، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحْجَارَ لِمَنْفَعَةِ الْعِبَادِ فَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النساء: 119] أَيْ: رَبًّا يُطِيعُهُ، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 119] [120] {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} [النساء: 120] فوعده وتمنيته ما يوقعه فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ طُولِ الْعُمُرِ وَنَيْلِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ بِالْفَقْرِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [الْبَقَرَةِ: 268] وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنْ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120] أَيْ: بَاطِلًا. [121] {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء: 121] أَيْ: مَفَرًّا وَمَعْدِلًا عَنْهَا. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ] جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا. . . [122] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: 122] أَيْ: مِنْ تَحْتِ الْغُرَفِ وَالْمَسَاكِنِ، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] [123] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} [النساء: 123] الْآيَةَ، قَالَ مَسْرُوقٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: أراد ليس أمانيكم أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ، وَقَدْ آمَنَّا بِكِتَابِكُمْ وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِكِتَابِنَا فنحن أولى. وقال مجاهد: أراد بقوله {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} [النساء: 123] يَا مُشْرِكِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ، وَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80] و {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [الْبَقَرَةِ: 111] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} [النساء: 123] أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ بِالْأَمَانِي وَإِنَّمَا الْأَمْرُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حق كل عامل {وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123] [124] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124] أَيْ: مِقْدَارُ النَّقِيرِ، وَهُوَ النَّقْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ. [125] {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا} [النساء: 125] أَحْكَمُ دِينًا {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [النساء: 125] أَيْ: أَخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125] أَيْ: مُوَحِّدٌ، {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النساء: 125] يَعْنِي: دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {حَنِيفًا} [النساء: 125] أَيْ: مُسْلِمًا مُخْلِصًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَمِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ الصَّلَاةُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَالطَّوَافُ بِهَا وَمَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا

قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو

خُصَّ بها إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُولًا عِنْدَ الْأُمَمِ أَجْمَعَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ بُعث على ملة إبراهيم وزيدت لَهُ أَشْيَاءُ. {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] صفيا، والخلة: صفاء المودة، قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْخَلِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِي مَحَبَّتِهِ خَلَلٌ، وَالْخُلَّةُ: الصَّدَاقَةُ، فَسُمِّيَ خَلِيلًا لِأَنَّ اللَّهَ أحبه واصطفاه. [126] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126] أَيْ: أَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. [127] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [النساء: 127] الآية، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ بِأَقَلَّ مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرَكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِدَمَامَتِهَا وَيَكْرَهَ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثُهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَيَسْتَفْتُونَكَ) أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي النِّسَاءِ، (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) ، {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127] قيل: معناه ويفتيكم فيما يتلى عليكم، وقيل: يريد الله أن يفتيكم فيهن وَكِتَابُهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 127] هَذَا إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَتَامَى النِّسَاءَ، {اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ} [النساء: 127] أَيْ: لَا تُعْطُونَهُنَّ، {مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: 127] مِنْ صَدَاقِهِنَّ، {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] أَيْ: فِي نِكَاحِهِنَّ لِمَالِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِهِنَّ، وَقَالَ الْحَسَنُ وجماعة: أراد لا تُؤْتُونَهُنَّ حَقَّهُنَّ مِنَ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أَيْ: عَنْ نِكَاحِهِنَّ لدمامتهن، {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [النساء: 127] يُرِيدُ: وَيُفْتِيكُمْ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَهُمُ الصِّغَارُ، أَنْ تُعْطُوهُمْ حُقُوقَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُورِّثون الصِّغَارَ، يُرِيدُ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي بَابِ الْيَتَامَى مِنْ قَوْلِهِ {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] يَعْنِي بِإِعْطَاءِ حُقُوقِ الصِّغَارِ، {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} [النساء: 127] أَيْ: وَيُفْتِيكُمْ فِي أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ بِالْعَدْلِ فِي مُهُورِهِنَّ وَمَوَارِيثِهِنَّ، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127] يجازيكم عليه. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ] إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا. . . . [128] {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} [النساء: 128] أي: علمت {مِنْ بَعْلِهَا} [النساء: 128] أي: من زوجها {نُشُوزًا} [النساء: 128] أَيْ: بُغْضًا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي ترك مضاجعتها، {أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128] بِوَجْهِهِ عَنْهَا وَقِلَّةِ مُجَالَسَتِهَا، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [النساء: 128] أَيْ: عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، (أَنْ يَصَّالَحَا) أَيْ يَتَصَالَحَا، وَقَرَأَ أَهْلُ الكوفة {أَنْ يُصْلِحَا} [النساء: 128] من أصلح، {بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء: 128] يعني: في القِسْم وَالنَّفَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لَهَا، إِنَّكِ قَدْ دَخَلْتِ فِي السِّنِّ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً شَابَّةً جَمِيلَةً أَوِثْرُهَا عَلَيْكِ فِي الْقِسْمَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِنْ رضيتِ بِهَذَا فَأَقِيمِي وَإِنْ كَرِهْتِ خلّيتُ سَبِيلَكِ، فَإِنْ رضيتْ كَانَتْ هِيَ الْمُحْسِنَةَ وَلَا تُجبر عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِدُونِ حقها كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا وَوَفَّاهَا حَقَّهَا مَعَ كَرَاهِيَةٍ فَهُوَ مُحْسِنٌ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ فَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فَيَقُولُ لِلْكَبِيرَةِ: أَعْطَيْتُكِ مِنْ مَالِي نَصِيبًا عَلَى أَنْ أَقْسِمَ لِهَذِهِ الشَّابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْسِمُ لَكِ فَتَرْضَى بِمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَرْضَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَنْبُو عَيْنُهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَةٍ أَوْ كِبَرٍ فَتَكْرَهُ فُرْقَتَهُ، فَإِنْ أَعْطَتْهُ مِنْ مَالِهَا فَهُوَ لَهُ حِلٌّ وَإِنْ أَعْطَتْهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَهُوَ حل له، {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] يَعْنِي: إِقَامَتَهَا بَعْدَ تَخْيِيرِهِ إِيَّاهَا وَالْمُصَالَحَةُ عَلَى

تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ والنفقة خير من الفرقة {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] يُرِيدُ شُحَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْآخَرِ، وَالشُّحُّ: أَقْبَحُ الْبُخْلِ، وَحَقِيقَتُهُ: الْحِرْصُ عَلَى منع الخير، {وَإِنْ تُحْسِنُوا} [النساء: 128] أي: تصلحوا {وَتَتَّقُوا} [النساء: 128] الْجَوْرَ، وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الأزواج، أي: تُحْسِنُوا بِالْإِقَامَةِ مَعَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ وَتَتَّقُوا ظُلْمَهَا {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 128] فيجزيكم بأعمالكم. [129] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 129] أَيْ: لَنْ تَقْدِرُوا أَنْ تُسَوُّوا بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْحُبِّ وميل القلب، {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] على العدل، {فَلَا تَمِيلُوا} [النساء: 129] أَيْ: إِلَى الَّتِي تُحِبُّونَهَا، {كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129] فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، أَيْ: لَا تُتبِعوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] أي: فتدعوا الأخرى كالمعلقة لَا أيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَالْمَحْبُوسَةِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَأَنَّهَا مَسْجُونَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ ولا أملك " (¬1) {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا} [النساء: 129] الْجَوْرَ، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129] [130] {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} [النساء: 130] يَعْنِي: الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ، {يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النِّسَاءِ: 130] مِنْ رِزْقِهِ، يَعْنِي: الْمَرْأَةَ بِزَوْجٍ آخَرَ وَالزَّوْجَ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130] وَاسِعَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ حَكِيمًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَجُمْلَةُ حُكم الْآيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي فِعْلِ الْقَسْمِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِلْمَظْلُومَةِ وَالتَّسْوِيَةُ شَرْطٌ فِي الْبَيْتُوتَةِ، أَمَّا فِي الْجِمَاعِ فَلَا، لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى النَّشَاطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. [131] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 131] عَبِيدًا ومُلكا {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 131] يَعْنِي: أَهَّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كُتُبِهِمْ، {وَإِيَّاكُمْ} [النساء: 131] يا أهل القرآن في القرآن، {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131] أَيْ: وَحِّدُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، {وَإِنْ تَكْفُرُوا} [النساء: 131] بِمَا أَوْصَاكُمُ اللَّهُ بِهِ {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 131] قِيلَ: فَإِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هِيَ أَطْوَعُ لَهُ منكم، {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا} [النساء: 131] عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلى طاعتهم، {حَمِيدًا} [النساء: 131] مَحْمُودًا عَلَى نِعَمِهِ. [132] {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 132] قَالَ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَهِيدًا أَنَّ فِيهَا عَبِيدًا، وقيل: دافعا ومُجيرا، فإن ¬

(¬1) رواه أبو داود في كتاب النكاح / 38، والنسائي في كتاب عشرة النساء / 2، وابن ماجه في كتاب النكاح / 47، والدارمي في كتاب النكاح / 25، وهو معل.

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط

قِيلَ: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَكْرَارِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ؟ قِيلَ: لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَمَعْنَاهُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ يُوصِيكُمْ بِالتَّقْوَى فَاقْبَلُوا وَصِيَّتَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَقُولُ: {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا} [النساء: 131] أَيْ: هُوَ الْغَنِيُّ وَلَهُ الْمُلْكُ فَاطْلُبُوا مِنْهُ مَا تَطْلُبُونَ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيَقُولُ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 132] أَيْ: لَهُ الْمُلْكُ فَاتَّخِذُوهُ وَكِيلًا ولا تتوكلوا على غيره. [133] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} [الأنعام: 133] يهلككم {أَيُّهَا النَّاسُ} [النساء: 133] يعني: الكفار، {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [النساء: 133] يَقُولُ بِغَيْرِكُمْ خَيْرٍ مِنْكُمْ وَأَطْوَعَ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء: 133] قَادِرًا. [134] {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النساء: 134] يُرِيدُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ عَرَضا مِنَ الدُّنْيَا وَلَا يُرِيدُ بِهَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ عَرَض الدُّنْيَا أَوْ دَفَعَ عَنْهُ فِيهَا مَا أَرَادَ اللَّهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابٍ، وَمَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَحَبَّ وَجَزَاهُ الْجَنَّةَ في الآخرة. قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ] شُهَدَاءَ لِلَّهِ. . . . [135] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135] يَعْنِي: كُونُوا قَائِمِينَ بِالشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ، أَيْ: بِالْعَدْلِ لِلَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى من كانت له، {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] فِي الرَّحِمِ، أَيْ: قُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِالْإِقْرَارِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَأَقِيمُوهَا عَلَيْهِمْ لِلَّهِ، وَلَا تُحابوا غَنِيًّا لِغِنَاهُ وَلَا تَرْحَمُوا فَقِيرًا لِفَقْرِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135] مِنْكُمْ، أَيْ: أَقِيمُوا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا مِنْكُمْ، أَيْ: كِلوا أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا، {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} [النساء: 135] أي: ولا تَجُورُوا وَتَمِيلُوا إِلَى الْبَاطِلِ مِنَ الْحَقِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا، أَيْ: لِتَكُونُوا عَادِلِينَ كَمَا يُقَالُ: لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى لترضي ربك. {وَإِنْ تَلْوُوا} [النساء: 135] أَيْ: تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ لِتُبْطِلُوا الْحَقَّ {أَوْ تُعْرِضُوا} [النساء: 135] عنها فتكتموها ولا تقيموها، يقال: تَلْوُوا أَيْ تُدَافِعُوا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، يُقَالُ: لَوَيْتَه حَقَّهُ إِذَا دفعتَه وأبطلتَه، وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْحُكَّامِ فِي ليِّهم الْأَشْدَاقَ، يَقُولُ: وَإِنْ تَلْوُوا أَيْ تَمِيلُوا إِلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ (تَلُوا) بِضَمِّ اللَّامِ، قِيلَ: أَصْلُهُ تَلْوُوا، فَحُذِفَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ تَخْفِيفًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَإِنْ تَلُوا الْقِيَامَ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا فَتَتْرُكُوا أَدَاءَهَا {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] [136] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136] الآية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام وأسد وأسيد بني كَعْبٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ قَيْسٍ وَسَلَامِ بْنِ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام، وسلمة ابن أخيه ويامين بن يا مين فهؤلاء مؤمنو أَهْلِ الْكِتَابِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّا نُؤْمِنُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَعُزَيْرٍ وَنَكْفُرُ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم، والقرآن وبكل كتاب كان قَبْلَهُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَبِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [النساء: 136] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 136] مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ الكتب، {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْقُرْآنِ وَبِكُلِّ رَسُولٍ وَكِتَابٍ كَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بهم اليهود والنصارى، وقيل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بِمُوسَى وَعِيسَى (آمِنُوا) بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، وقال مجاهد: أراد بهم الْمُنَافِقِينَ، يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بِاللِّسَانِ (آمِنُوا) بِالْقَلْبِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَجَمَاعَةٌ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) آمِنُوا أَيْ أَقِيمُوا وَاثْبُتُوا عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، أَيِ اثْبُتْ قَائِمًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَهْلَ الشِّرْكِ، يَعْنِي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى (آمِنُوا) بالله ورسوله. [137] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137] قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ آمَنُوا بِمُوسَى ثُمَّ كَفَرُوا مِنْ بَعْدُ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، وَآمَنُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، وَكُفْرُهُمْ بِهِ تَرْكُهُمْ إِيَّاهُ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هَذَا فِي قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا أَيْ مَاتُوا عَلَيْهِ، {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 137] مَا أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ، {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137] أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَدَامَ عَلَيْهِ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ، فَإِنَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ الَّذِي كَانَ، يُغْفَرُ لَهُ لَوْ أنه دَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ. [138] {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} [النساء: 138] أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138] وَالْبِشَارَةُ: كُلُّ خَبَرٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ سَارًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَارٍّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ اجْعَلْ فِي مَوْضِعِ بِشَارَتِكَ لَهُمُ الْعَذَابَ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ وَعِتَابُكَ السَّيْفُ، أَيْ: بَدَلًا لَكَ مِنَ التَّحِيَّةِ، ثُمَّ وَصَفَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: [139] {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [النساء: 139] يَعْنِي يَتَّخِذُونَ الْيَهُودَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا أَوْ بِطَانَةً {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} [النساء: 139] أَيْ الْمَعُونَةَ وَالظُّهُورَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وقيل: أيطلبون عندهم القوة، {فَإِنَّ الْعِزَّةَ} [النساء: 139] أَيْ: الْغَلَبَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْقُدْرَةَ، {لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] [140] {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 140] قَرَأَ عَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ (نَزَّلَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ، أَيْ: نَزَّلَ اللَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (نُزِّلَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ: عَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ} [النساء: 140] يَعْنِي الْقُرْآنَ {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} [النساء: 140] يعني: مع الذين يستهزؤون، {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140] أَيْ: يَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِ الِاسْتِهْزَاءِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَهَذَا

قوله تعالى الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح

إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الْأَنْعَامِ: 68] وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلُّ مُحْدِثٍ فِي الدِّينِ وَكُلُّ مُبْتَدَعٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] أَيْ: إِنْ قَعَدْتُمْ عِنْدَهُمْ وَهُمْ يخوضون ويستهزءون وَرَضِيتُمْ بِهِ فَأَنْتُمْ كُفَّارٌ مِثْلُهُمْ، وَإِنْ خَاضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِالْقُعُودِ مَعَهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ مَعَهُمْ وَإِنْ خَاضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ. وَآيَةُ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ وَهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ وَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى. قوله: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] [قوله تعالى الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ] مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ. . . . [141] {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} [النساء: 141] يَنْتَظِرُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 141] يعني: ظفر وغنيمة، {قَالُوا} [النساء: 141] لكم {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} [النساء: 141] عَلَى دِينِكُمْ فِي الْجِهَادِ كُنَّا مَعَكُمْ فَاجْعَلُوا لَنَا نَصِيبًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} [النساء: 141] يَعْنِي دَوْلَةٌ وَظُهُورٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، {قَالُوا} [النساء: 141] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ لِلْكَافِرِينَ، {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} [النساء: 141] وَالِاسْتِحْوَاذ: هُوَ الِاسْتِيلَاءُ وَالْغَلَبَةُ، قَالَ تَعَالَى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} [الْمُجَادَلَةِ: 19] أَيْ: اسْتَوْلَى وَغَلَبَ، يَقُولُ: أَلَمْ نُخْبِرْكُمْ بِعَوْرَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَنُطْلِعْكُمْ عَلَى سِرِّهِمْ؟ قَالَ الْمُبَرِّدُ: يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لِلْكَفَّارِ أَلَمْ نَغْلِبْكُمْ عَلَى رَأْيِكُمْ {وَنَمْنَعْكُمْ} [النساء: 141] ونصرفكم، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 141] أَيْ: عَنِ الدُّخُولِ فِي جُمْلَتِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَمْ نَسْتَوْلِ عَلَيْكُمْ بِالنُّصْرَةِ لَكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ نَدْفَعُ عَنْكُمْ صَوْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِهِمْ عَنْكُمْ وَمُرَاسَلَتِنَا إِيَّاكُمْ بِأَخْبَارِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، وَمُرَادُ الْمُنَافِقِينَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِظْهَارُ الْمِنَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: 141] يَعْنِي: بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] قَالَ عَلِيُّ: فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَيُّ حُجَّةً، وَقِيلَ: ظُهُورًا عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [142] {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النِّسَاءِ: 142] أَيْ يُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ الْمُخَادِعِينَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، أَيْ: مُجَازِيهِمْ عَلَى خِدَاعِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ نُورًا يَوْمَ القيامة كما للمؤمنين فيمضي المؤمنين بِنُورِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ، وَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ} [النساء: 142] يعني: المنافقين {قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142] أَيْ: مُتَثَاقِلِينَ لَا يُرِيدُونَ بِهَا اللَّهَ فَإِنْ رَآهُمْ أَحَدٌ صَلَّوْا وَإِلَّا انْصَرَفُوا فَلَا يُصَلُّونَ، {يُرَاءُونَ النَّاسَ} [النساء: 142] أَيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ لَا اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ، {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَسَنُ:

قوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول

إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَلَوْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الْقَلِيلِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ كَثِيرًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا قَلَّ ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْهُ وَكُلُّ مَا قَبِلَ اللَّهُ فَهُوَ كَثِيرٌ. [143] {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} [النساء: 143] أَيْ: مُتَرَدِّدِينَ مُتَحَيِّرِينَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} [النساء: 143] أَيْ: لَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَجِبُ لَهُمْ مَا يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسُوا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143] أي: طريقا إلى الهدى. [144] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144] نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ، وَقَالَ: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144] أَيْ حُجَّةً بَيِّنَةً فِي عَذَابِكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَازِلَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: [145] {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النِّسَاءِ: 145] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (فِي الدَّرْك) بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ كالظعْن والظعَن والنهْر والنهَر، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه: {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ} [النساء: 145] فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُقْفَلَةٍ فِي النَّارِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْتٌ مُقْفَلٌ عَلَيْهِمْ تَتَوَقَّدُ فِيهِ النَّارُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، {وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] مَانِعًا مِنَ الْعَذَابِ. [146] {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النساء: 146] من النفاق وآمنوا {وَأَصْلَحُوا} [النساء: 146] عملهم {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} [النساء: 146] وَثِقُوا بِاللَّهِ {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} [النساء: 146] أَرَادَ الْإِخْلَاصَ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّ النِّفَاقَ كُفْرُ الْقَلْبِ، فَزَوَالُهُ يَكُونُ بِإِخْلَاصِ القلب، {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146] قَالَ الْفَرَّاءُ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146] في الآخرة {أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] يَعْنِي: الْجَنَّةَ، وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ (يؤت) فِي الْخَطِّ لِسُقُوطِهَا فِي اللَّفْظِ، وَسُقُوطُهَا فِي اللَّفْظِ لِسُكُونِ اللَّامِ فِي (اللَّهِ) . [147] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ} [النساء: 147] أَيْ: إِنْ شَكَرْتُمْ نَعْمَاءَهُ {وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] بِهِ، فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إِنْ آمَنْتُمْ وَشَكَرْتُمْ، لِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَ عَدَمِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ مَعْنَاهُ إِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ الشَّاكِرَ، فَإِنَّ تَعْذِيبَهُ عِبَادَهُ لَا يَزِيدُ فِي مِلْكِهِ، وَتَرَكَهُ عُقُوبَتَهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ لَا يُنْقِصُ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَالشُّكْرُ: ضِدَّ الْكُفْرِ وَالْكُفْرِ سَتْرُ النِّعْمَةِ، وَالشُّكْرُ إِظْهَارُهَا، {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147] فَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الرِّضَى بِالْقَلِيلِ مِنْ عِبَادِهِ وَإِضْعَافُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَالشُّكْرُ مِنَ الْعَبْدِ الطاعة، ومن الله: الثواب. [قوله تعالى لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ] إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا. . . . [148] قَوْلُهُ: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] يَعْنِي: لَا يُحِبُّ اللَّهَ الْجَهْرَ بِالْقُبْحِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يُخْبِرَ عن الظَّالِمِ وَأَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشُّورَى: 41] قَالَ الْحَسَنُ: دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنْ شُتِمَ جَازَ أَنْ يَشْتُمَ بِمِثْلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) بِفَتْحِ الظَّاءِ وَاللَّامِ، مَعْنَاهُ: لَكِنِ الظَّالِمَ اجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ لكن يجهره من ظلم، والقراءة هِيَ الْمَعْرُوفَةُ، {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا} [النساء: 148] لدعاء المظلوم، {عَلِيمًا} [النساء: 148] بِعِقَابِ الظَّالِمِ. [149] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا} [النساء: 149] يَعْنِي: حَسَنَةً فَيَعْمَلُ بِهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَإِنْ همَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كِتُبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {أَوْ تُخْفُوهُ} [النساء: 149] وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ الْخَيْرِ: الْمَالُ، يُرِيدُ: إِنْ تُبْدُوا صَدَقَةً تُعْطُونَهَا جَهْرًا أَوْ تُخْفُوهَا فَتُعْطُوهَا سِرًّا، {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} [النساء: 149] أَيْ: عَنْ مَظْلَمةٍ، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] فهو أَوْلَى بِالتَّجَاوُزِ عَنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات

[150] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 150] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ وعُزير، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [النساء: 150] أَيْ: دِينًا بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَمَذْهَبًا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ. [151] {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151] حَقَّقَ كُفْرَهُمْ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِهِمْ كَالْكُفْرِ بِجَمِيعِهِمْ {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 151] [152] {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 152] كُلِّهِمْ {وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [النساء: 152] يَعْنِي: بَيْنَ الرُّسُلِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، يَقُولُونَ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، {أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 152] بِإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ (يُؤْتِيهِمْ) بِالْيَاءِ، أَيْ: يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 152] [153] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [النساء: 153] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَفَنْحَاصَ بْنَ عَازُورَاءَ مِنَ الْيَهُودِ قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأْتِنَا بِكِتَابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّمَاءِ كَمَا أَتَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النِّسَاءِ: 153] وَكَانَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْهُمْ سُؤَالَ تَحَكُّمٍ وَاقْتِرَاحٍ، لَا سُؤَالَ انْقِيَادٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُنْزِلُ الْآيَاتِ عَلَى اقْتِرَاحِ الْعِبَادِ. قَوْلُهُ: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} [النساء: 153] أَيْ: أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ، يَعْنِي: السَّبْعِينَ الَّذِي خَرَجَ بِهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْجَبَلِ، {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] أَيْ: عِيَانًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ قَالُوا جَهْرَةً أَرِنَا اللَّهُ، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} [النساء: 153] يَعْنِي إِلَهًا، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ} [النساء: 153] وَلَمْ نَسْتَأْصِلْهُمْ، قِيلَ: هَذَا اسْتِدْعَاءٌ إِلَى التَّوْبَةِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا تَابُوا فَعَفَوْنَا عَنْهُمْ، فَتُوبُوا أَنْتُمْ حَتَّى نَعْفُوَ عَنْكُمْ، {وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 153] أَيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ. [154] {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} [النساء: 154] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْعَيْنِ نَافِعٍ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ وَيَجْزِمُهَا الْآخَرُونَ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْتَدُوا وَلَا تَظْلِمُوا بِاصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِيهِ، {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 154] [قَوْلُهُ تَعَالَى فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ] اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ. . . . [155] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} [النساء: 155] أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، و (مَا) صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 159] وَنَحْوَهَا، {وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] أَيْ: خَتَمَ عَلَيْهَا، {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا} [النساء: 155]

{قَلِيلًا} [النساء: 155] يَعْنِي: مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ، لِأَنَّ مَنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا، وَأَرَادَ بِالْقَلِيلِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. [156] {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء: 156] حِينَ رَمَوْهَا بِالزِّنَا. [157] {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الَّذِي دَلَّ الْيَهُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ حَبَسُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلُوا عَلَيْهِ رَقِيبًا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الرَّقِيبِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النساء: 157] فِي قَتْلِهِ، {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} [النساء: 157] أَيْ: فِي قَتْلِهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى: نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَا قَتَلَهُ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ السُّدِّيُّ: اخْتِلَافُهُمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟ وَإِنَّ كَانَ هَذَا صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} [النساء: 157] مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] لَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ فِي قَتْلِهِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] أَيْ: مَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا. [158] {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] وقيل: قوله {يَقِينًا} [النساء: 157] تَرْجِعُ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ {وَمَا قَتَلُوهُ} [النساء: 157] كَلَامٌ تَامٌّ تَقْدِيرُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَقِينًا، وَالْهَاءُ فِي (مَا قَتَلُوهُ) كِنَايَةٌ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ الله: معناه وما قتلوا الذين ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما معناه: وما قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} [النساء: 158] مَنِيعًا بِالنِّقْمَةِ مِنَ الْيَهُودِ، {حَكِيمًا} [النساء: 158] حكم باللعنة والغضب عليهم. [159] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] أَيْ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ العلم، وقوله {قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْكِتَابِيِّ، وَمَعْنَاهُ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ موته، إذا وقع في اليأس حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ سَوَاءٌ احْتَرَقَ أَوْ غَرَقَ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ أَوْ أَكَلَهُ سَبْعٌ أَوْ مَاتَ فَجْأَةً، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ ابن طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَرَأَيْتَ أن من خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، قَالَ: فَقِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَ عُنُقُ أَحَدِهِمْ؟ قَالَ: يَتَلَجْلَجُ بِهِ لِسَانُهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْهَاءَ فِي (مَوْتِهِ) كِنَايَةٌ عَنْ

قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح

عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعْنَاهُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا آمَنَ بِهِ حَتَّى تَكُونَ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً، مِلَّةُ الْإِسْلَامِ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ، وَيَهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» (¬1) وَقَالَ أبو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] قبل موت عيسى ابن مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَرَوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159] كِنَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: لَا يَمُوتُ كِتَابِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَبْلَ مَوْتِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ} [النساء: 159] يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159] أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [الْمَائِدَةِ: 117] وَكُلُّ نَبِيٍّ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] [160] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [النساء: 160] وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَبُهْتَانِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّا قَتَلَنَا الْمَسِيحَ {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فَقَالَ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الْأَنْعَامِ: 146] وَنَظْمُ الْآيَةِ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادَوْا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، {وَبِصَدِّهِمْ} [النساء: 160] وَبِصَرْفِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ، {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] أَيْ: عَنْ دِينِ اللَّهِ صدًا كَثِيرًا. [161] {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161] فِي التَّوْرَاةِ {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 161] مِنَ الرِّشَا فِي الْحُكْمِ وَالْمَآكِلُ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ، عَاقَبْنَاهُمْ بأن حرمنا عليهم طيبات، وكانوا كُلَّمَا ارْتَكَبُوا كَبِيرَةً حُرِّم عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الْأَنْعَامِ: 146] {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 161] [162] {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} [النساء: 162] يَعْنِي: لَيْسَ كُلُّ أَهْلِ الْكِتَابِ بهذه الصفة، لكن الراسخون المبالغون في العلم منهم أولو البصائر، وَأَرَادَ بِهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام وأصحابه، {وَالْمُؤْمِنُونَ} [النساء: 162] يَعْنِي: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [النساء: 162] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 162] يَعْنِي: سَائِرَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162] اختلفوا في وجه انتصابه، فقيل: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَقِيلَ: نصب على إضمار فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أَعْنِي الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَهُمُ الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ خَفْضٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَمِنَ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَإِلَى الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قوله: {وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النساء: 162] رُجُوعٌ إِلَى النَّسَقِ الْأَوَّلِ، {وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 162] [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ] وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ. . . . [163] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء: 163] هَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النِّسَاءِ: 153] فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ غَضِبُوا وَجَحَدُوا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بشر من شيء، فنزل: ¬

(¬1) متفق عليه.

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 91] وَأَنْزَلَ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] فَذَكَرَ عِدَّةً مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ، وَبَدَأَ بِذِكْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ كَانَ أَبَا الْبَشَرِ مِثْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصَّافَّاتِ: 77] وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَأَوَّلُ نَذِيرٍ عَلَى الشِّرْكِ، وَأَوَّلُ مَنْ عُذِّبَتْ أُمَّتُهُ لِرَدِّهِمْ دَعْوَتَهُ، وَأُهْلِكَ أهل الأرض جميعا بِدُعَائِهِ وَكَانَ أَطْوَلَ الْأَنْبِيَاءِ عُمُرًا وَجُعِلَتْ مُعْجِزَتُهُ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عَمَّرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ سِنٌّ وَلَمْ تَشِبْ لَهُ شعرة ولم ينتقص لَهُ قُوَّةٌ، وَلَمْ يَصْبِرْ نَبِيٌّ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ مَا صَبَرَ هُوَ عَلَى طُولِ عُمُرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [النساء: 163] وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، {وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [النساء: 163] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (زُبُورا) والزُّبور بِضَمِّ الزَّايِ حَيْثُ كَانَ، بِمَعْنَى: جَمْعُ زَبُورٍ، أَيْ آتَيْنَا دَاوُدَ كُتُبًا وَصُحُفًا مَزْبُورَةً، أَيْ: مَكْتُوبَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ اسْمُ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ فِيهِ التَّحْمِيدُ وَالتَّمْجِيدُ وَالثَّنَاءُ على اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [164] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 164] أَيْ: وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وإلى الرسل، (رسلا) نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَقَصَصْنَا عَلَيْكَ رُسُلًا، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ (وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) ، {وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تُسَمِّي مَا يُوصَلُ إِلَى الْإِنْسَانِ كَلَامًا بِأَيِّ طَرِيقِ وَصَلَ، وَلَكِنْ لَا تُحَقِّقُهُ بالمصدر فإذا حقق بالمصدر لم يَكُنْ إِلَّا حَقِيقَةَ الْكَلَامِ كَالْإِرَادَةِ يُقَالُ: أَرَادَ فَلَانٌ إِرَادَةً، يُرِيدُ حَقِيقَةَ الْإِرَادَةِ، وَيُقَالُ: أَرَادَ الْجِدَارُ، وَلَا يُقَالُ أَرَادَ الْجِدَارَ إِرَادَةً لأنه مجاز غير حقيقة. [165] قَوْلُهُ تَعَالَى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] فَيَقُولُوا: مَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَمَا أَنْزَلْتَ إِلَيْنَا كِتَابًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْخَلْقَ قَبْلَ بَعْثِهِ الرَّسُولَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإِسْرَاءِ: 15] {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] [166] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ رُؤَسَاءِ مَكَّةَ أَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ سَأَلْنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَعَنْ صِفَتِكَ فِي كِتَابِهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَكَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي وَاللَّهِ أَعْلَمُ أنكم لتعلمن أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: مَا نعلم ذلك والله، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166] إِنْ

قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا

جَحَدُوكَ وَكَذَّبُوكَ، {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166] » . [167] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 167] بِكِتْمَانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 167] [168] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا} [النساء: 168] قيل: إنما قال (وظلموا) أتبع ظُلْمَهُمْ بِكُفْرِهِمْ تَأْكِيدًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَظَلَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ، {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} [النساء: 168] يَعْنِي: دِينَ الْإِسْلَامِ. [169] {إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [النساء: 169] يَعْنِي: الْيَهُودِيَّةَ {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 169] وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَ حُكْمُهُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. [170] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 170] تَقْدِيرُهُ: فَآمِنُوا يَكُنِ الْإِيمَانُ خَيْرًا لَكُمْ، {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 170] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا] تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ. . . . [171] {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى وَهُمْ أَصْنَافٌ أربعة: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقسية، فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ الْمَلْكَانِيَّةُ، وَقَالَتِ النُّسْطُورِيَّةُ: عِيسَى هو ابن الله، وقالت المرقسية ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَيُقَالُ الْمَلْكَانِيَّةُ يَقُولُونَ: عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ يَقُولُونَ: ابْنُ اللَّهِ والنُّسْطُورِيَّةُ يَقُولُونَ: ثَالِثُ ثلاثة عليهم رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ بَوْلَسُ، سَيَأْتِي فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا غَلَوْا فِي أَمْرِ عِيسَى، فَالْيَهُودُ بالتقصير، والنصارى مجاوزة الْحَدِّ، وَأَصْلُ الْغُلُوِّ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَهُوَ فِي الدِّينِ حَرَامٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا تَغْلُوَا فِي دِينِكُمْ) لَا تُشَدِّدُوا فِي دِينِكُمْ فتفتروا على الله الكذب {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171] لَا تَقُولُوا إِنَّ لَهُ شَرِيكًا وَوَلَدًا {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ} [النساء: 171] وَهِيَ قَوْلُهُ (كُنْ) فَكَانَ بَشَرًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] أَيْ أَعْلَمَهَا وَأَخْبَرَهَا بِهَا، كَمَا يُقَالُ: أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ كَلِمَةً حَسَنَةً، {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] قِيلَ: هُوَ رُوحٌ كَسَائِرِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا، وَقِيلَ: الرُّوحُ هُوَ النَّفْخُ الَّذِي نَفَخَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمْلَتْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، سُمِّيَ النَّفْخُ رُوحًا لِأَنَّهُ رِيحٌ يَخْرُجُ مِنِ الرُّوحِ وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِهِ، وَقِيلَ: رُوحٌ مِنْهُ أَيْ وَرَحْمَةٌ، فَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحْمَةً لِمَنْ تَبِعَهُ وَأَمِنَ بِهِ، وَقِيلَ: الرُّوحُ الْوَحْيُ أَوْحَى إِلَى مَرْيَمَ بِالْبِشَارَةِ وَإِلَى جبريل عليه السلام أَنْ كُنْ فَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النَّحْلِ: 2] يَعْنِي: بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السلام،

معناه كلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أَيْضًا رُوحٌ مِنْهُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا قَالَ: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [الْقَدْرِ: 4] يَعْنِي: جِبْرِيلَ فِيهَا، وَقَالَ: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17] يعني: جبريل. {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} [النساء: 171] أي: ولا تقولوا هم بثلاثة، وَكَانَتِ النَّصَارَى تَقُولُ أَبٌ وَابْنٌ وروح القدس، {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171] تَقْدِيرُهُ: انْتَهُوا يَكُنِ الِانْتِهَاءُ خَيْرًا لَكُمْ، {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171] وَاعْلَمْ أَنَّ التَّبَنِّيَ لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ التَّبَنِّيَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ يُتَصَوَّرُ لَهُ وَلَدٌ، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] [172] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [النساء: 172] وَذَلِكَ «أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَعِيبُ صَاحِبَنَا فتقول إنه عبد الله ورسوله، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِعَارٍ لِعِيسَى عليه السلام أن يكون عبد الله "، فنزل: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ} [النساء: 172] » لَنْ يَأْنَفَ وَلَنْ يَتَعَظَّمَ، وَالِاسْتِنْكَافُ: التَّكَبُّرُ مَعَ الْأَنَفَةِ، {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] وَهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، لَا يَأْنَفُونَ أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ارْتَقَى مِنْ عِيسَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَلَا يُرتقى إِلَّا إِلَى الْأَعْلَى، لَا يُقَالُ: لَا يَسْتَنْكِفُ فُلَانٌ مِنْ هَذَا وَلَا عَبْدُهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ هَذَا وَلَا مَوْلَاهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَامِ الْبَشَرِ، بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَلَائِكَةُ آلِهَةٌ، كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى قَوْلَهُمْ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ رَدًّا عَلَى النَّصَارَى بِزَعْمِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172] قِيلَ: الِاسْتِنْكَافُ هُوَ التَّكَبُّرُ مَعَ الْأَنَفَةِ، وَالِاسْتِكْبَارُ هُوَ الْعُلُوُّ وَالتَّكَبُّرُ مِنْ غَيْرِ أَنَفَةٍ. [173] {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173] من تضعيف مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر، {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا} [النساء: 173] عَنْ عِبَادَتِهِ {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173] [174] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء: 174] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْبُرْهَانُ: الْحُجَّةُ، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] بيِّنًا يَعْنِي الْقُرْآنَ. [175] {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} [النساء: 175] امْتَنَعُوا بِهِ مِنْ زَيْغِ الشَّيْطَانِ، {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} [النساء: 175] يَعْنِي الْجَنَّةَ، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا - يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 175 - 176] [176] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أعقل، وتوضأ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فعقلتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً؟ فَنَزَلَتْ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْكَلَالَةِ وَحُكْمَ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ حُكْمِ مِيرَاثِ الإخوة للأب والأم وللأب، قوله {يَسْتَفْتُونَكَ} [النساء: 176] أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا} [النساء: 176] يَعْنِي إِذَا مَاتَتِ الْأُخْتُ فَجَمِيعُ مِيرَاثِهَا لِلْأَخِ، {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176] فَإِنْ كَانَ لَهَا ابْنٌ فَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا أُنْثَى فَلِلْأَخِ مَا فَضُلَ عَنْ فَرْضِ الْبَنَاتِ، {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176] أَرَادَ اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ أَخَوَاتٌ فَلَهُنَّ الثُّلْثَانِ، {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] قَالَ الْفَرَّاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَبُو

سورة المائدة

عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا تَضِلُّوا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَيَّنُ اللَّهُ لَكُمْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] [سورة المائدة] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ. . . . (5) سورة المائدة بسم الله الرحمن الرحيم [1] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] أَيْ: بِالْعُهُودِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ أَوْكَدُ الْعُهُودِ، يُقَالُ: عاقدتُ فُلَانًا وعقدتُ عَلَيْهِ أَيْ: ألزمتُه ذَلِكَ بِاسْتِيثَاقٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَوَصْلِهِ بِهِ، كَمَا يُعقد الْحَبْلُ بِالْحَبْلِ إِذَا وُصل، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، يَعْنِي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْفُوا بِالْعُهُودِ الَّتِي عهدتُها إِلَيْكُمْ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 187] وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ عام، قال قَتَادَةُ: أَرَادَ بِهَا الْحِلْفَ الَّذِي تعاقدوا عليه في الجاهلية، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هِيَ عُهُودُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [المائدة: 1] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَأَرَادَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ. وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ الْأَجِنَّةُ، وَمِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هِيَ الْأَجِنَّةُ الَّتِي تُوجَدُ مَيْتَةً فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا إِذَا ذُبحت أَوْ نُحِرَتْ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى تحليله، فعن جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (¬1) . وَشَرَطَ بَعْضُهُمُ الْإِشْعَارَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا إِذَا تَمَّ خلقُه وَنَبَتَ شعرُه، وَمِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْجَنِينِ إِذَا خَرَجَ مَيْتًا بَعْدَ ذَكَاةِ الْأُمِّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَحْشِيُّها وَهِيَ الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ وحُمر الْوَحْشِ، سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا أُبهمت عَنِ التَّمْيِيزِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَا نُطْقَ لَهَا، {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1] أَيْ: مَا ذُكر فِي قَوْلِهِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} [المائدة: 1] وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: لَا مُحلّي الصَّيْدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أُحلت لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا فَإِنَّهُ صَيْدٌ لَا يَحِلُ لَكُمْ في حال الإحرام، فلذلك قال تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1] ¬

(¬1) رواه أبو داود في سننه في كتاب الأضاحي باب ما جاء في ذكاة الجنين 4 / 119، والترمذي في كتاب الصيد / 10، وابن ماجه في الذبائح / 15، والدارمي في الأضاحي / 17، والإمام أحمد ج3 / 31، 39، 45، 53. والمصنف في شرح السنة 11 / 229، قال المنذري في إسناده عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ المكي القداح وفيه مقال، وقال الهيثمي: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف، وصححه الألباني في إرواء الغليل 8 / 172 لشواهده.

قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير

[2] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: 2] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما وَمُجَاهِدٌ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ وَيُهْدُونَ، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيروا عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: شَعَائِرُ اللَّهِ هِيَ الْهَدَايَا المُشْعَرة، وَالْإِشْعَارُ مِنَ الشِّعَارِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَإِشْعَارُهَا: إِعْلَامُهَا بِمَا يُعرف أَنَّهَا هَدْي، وَالْإِشْعَارُ هَاهُنَا: أَنْ يَطْعَنَ فِي صَفْحَةِ سَنَامِ الْبَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً أَنَّهَا هَدْيٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ فِي الْهَدَايَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الإبل، وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ هِيَ أَنْ تَصِيدَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ حَرَمَ اللَّهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: شَعَائِرُ اللَّهِ حُرُمَاتُ اللَّهِ وَاجْتِنَابُ سخطه واتباع الطاعة، وقوله: {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] أَيْ: بِالْقِتَالِ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ النَّسِيءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كانوا يُحِلّونه عَامًا ويُحرّمونه عَامًا، {وَلَا الْهَدْيَ} [المائدة: 2] هو كُلُّ مَا يُهدى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أو شاة، {وَلَا الْقَلَائِدَ} [المائدة: 2] أَيِ: الْهَدَايَا الْمُقَلَّدَةُ، يُرِيدُ ذَوَاتَ الْقَلَائِدِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ أَصْحَابَ الْقَلَائِدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَرَمِ قَلَّدُوا أَنْفُسَهُمْ وَإِبِلَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ لِحاء شَجَرِ الْحَرَمِ كَيْلَا يُتعرّض لَهُمْ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنِ اسْتِحْلَالِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هِيَ الْقَلَائِدُ نَفْسُهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ لِحاء شَجَرِ مَكَّةَ ويُتقلدونها فَنُهُوا عَنْ نَزْعِ شَجَرِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] أَيْ: قَاصِدِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، {يَبْتَغُونَ} [المائدة: 2] يطلبون {فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ} [المائدة: 2] يعني الرزق بالتجارة، {وَرِضْوَانًا} [المائدة: 2] أَيْ: عَلَى زَعْمِهِمْ، لِأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الرِّضْوَانِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَنْ يُصْلِحَ معايشهم فِي الدُّنْيَا وَلَا يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِيهَا، وَقِيلَ ابْتِغَاءُ الْفَضْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَامَّةً، وَابْتِغَاءُ الرِّضْوَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ إِلَى هَاهُنَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التَّوْبَةِ: 5] وَبِقَوْلِهِ: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التَّوْبَةِ: 28] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ مُشْرِكٌ وَلَا أَنْ يَأُمَّنَ كَافِرٌ بِالْهَدْيِ وَالْقَلَائِدِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} [المائدة: 2] أي: من إحرامكم، {فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] أَمْرُ إِبَاحَةٍ، أَبَاحَ لِلْحَلَالِ أَخْذَ الصَّيْدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الْجُمُعَةِ: 10] {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} [المائدة: 2] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما وَقَتَادَةُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ، يُقَالُ: جَرَمَنِي فُلَانٌ عَلَى أَنْ صَنَعْتُ كَذَا، أَيْ حَمَلَنِي، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَكْسِبَنَّكُمْ، يُقَالُ: جَرَمَ أَيْ: كَسَبَ، وَفُلَانٌ جَرِيمَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَدْعُوَنَّكُمْ، {شَنَآنُ قَوْمٍ} [المائدة: 2] أَيْ: بُغْضُهُمْ وَعَدَاوَتُهُمْ وَهُوَ مَصْدَرُ شنئت {أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [المائدة: 2] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، أَيْ: لِأَنْ صَدُّوكُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَةُ قَوْمٍ عَلَى الِاعْتِدَاءِ لِأَنَّهُمْ صَدُّوكُمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قضية الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ الصَّدُّ قَدْ تَقَدَّمَ، {أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، {وَتَعَاوَنُوا} [المائدة: 2] أي: ليعنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، {عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] قِيلَ: الْبِرُّ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ، وَالتَّقْوَى مُجَانَبَةُ النَّهْيِ، وَقِيلَ: الْبِرُّ: الْإِسْلَامُ، وَالتَّقْوَى: السُّنَّةُ، {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] قِيلَ: الْإِثْمُ: الْكُفْرُ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ، وَالْعُدْوَانُ: الْبِدْعَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ " (¬1) {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] [قَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ] وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . . . ¬

(¬1) أخرجه مسلم في البر والصلة باب تفسير البر والإثم رقم (2553) 4 / 1980، والمصنف في شرح السنة 13 / 76.

[3] {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] أَيْ: مَا ذُكر عَلَى ذَبْحِهِ اسم غير اسم الله تعالى، {وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة: 3] وهي التي تخنق فَتَمُوتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إذا ماتت أكلوها، {وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] هِيَ الْمَقْتُولَةُ بِالْخَشَبِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا فَإِذَا مَاتَتْ أكلوها، {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} [المائدة: 3] هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ عَالٍ أَوْ فِي بِئْرٍ فَتَمُوتُ، {وَالنَّطِيحَةُ} [المائدة: 3] هي التي تنطحها أخرى فتموت {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: 3] يُرِيدُ مَا بَقِيَ مِمَّا أَكَلَ السَّبْعُ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ، {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] يَعْنِي إِلَّا مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَصْلُ التَّذْكِيَةِ الْإِتْمَامُ، يُقَالُ: ذكّيتُ النارَ إِذَا أتممتُ اشتعالها، وَالْمُرَادُ هُنَا: إِتْمَامُ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَإِنْهَارُ الدَّمِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكل غير السن والظفر» (¬1) {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [الْمَائِدَةِ: 3] قِيلَ: النُّصُبُ جَمْعٌ، وَاحِدُهُ نِصَابٌ، وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ وَجَمْعُهُ أَنْصَابٌ مِثْلُ عُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَنْصُوبُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: كَانَتْ حَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَجَرًا مَنْصُوبَةً، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَهَا ويُعظّمونها وَيَذْبَحُونَ لَهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ بِأَصْنَامٍ إِنَّمَا الْأَصْنَامُ هِيَ المُصوّرة الْمَنْقُوشَةُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ الْأَصْنَامُ الْمَنْصُوبَةُ، وَمَعْنَاهُ: وَمَا ذُبِحَ عَلَى اسْمِ النُّصب، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: هُمَا وَاحِدٌ، قَالَ قُطْرُبٌ: عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: وَمَا ذُبح لِأَجْلِ النُّصب، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} [المائدة: 3] أي: وحرّم عَلَيْكُمُ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ هُوَ طَلَبُ الْقَسْمِ وَالْحُكْمِ مِنَ الْأَزْلَامِ، وَالْأَزْلَامُ هِيَ: الْقِدَاحُ الَّتِي لَا رِيشَ لَهَا وَلَا نَصْل، وَاحِدُهَا: زَلْم، وزُلْم، بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَزْلَامُ حَصًى بِيضٌ كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٍ: هِيَ كِعَابُ فَارِسَ وَالرُّومِ الَّتِي يَتَقَامَرُونَ بِهَا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْأَزْلَامُ لِلْعَرَبِ، وَالْكِعَابُ لِلْعَجَمِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ: هي الشطرنج {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} [المائدة: 3] يَعْنِي: أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِمْ كُفَّارًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي عَوْد الْمُسْلِمِينَ إِلَى دِينِهِمْ فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ يَئِسُوا، وَيَئِسَ وَأَيِسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بِعَرَفَاتٍ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، فَكَادَتْ عَضُدُ النَّاقَةِ تندق من ثقلها فبركت، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَعْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَاشَ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد باب ما أنهر الدم 9 / 631، ومسلم في الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968) 3 / 1558.

بعدها إحدى وثمانين يوما. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] يَعْنِي: يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ وَالْحُدُودَ وَالْجِهَادَ وَالْأَحْكَامَ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَلَمَّ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَلَا شيء من الفرائض والسنن والحدود والأحكام هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، ويروى عَنْهُ أَنَّ آيَةَ الرِّبَا نَزَلَتْ بَعْدَهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَكُمْ مُشْرِكٌ، وَقِيلَ: أَظْهَرْتُ دينكم وأمّنتكم من العدو، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] يعني: وأنجزت وعدي في قوله: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 150] فَكَانَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ أَنْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وَعَلَيْهَا ظَاهِرِينَ، وَحَجُّوا مُطْمَئِنِّينَ لَمْ يُخَالِطْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} [المائدة: 3] أَيْ: أُجهِد فِي مَجَاعَةٍ، وَالْمَخْمَصَةُ خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنَ الْغِذَاءِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَمِيصُ الْبَطْنِ إِذَا كَانَ طَاوِيًا خَاوِيًا، {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة: 3] أَيْ: مَائِلٍ إِلَى إِثْمٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ الشِّبَعِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِمَعْصِيَةٍ فِي مَقْصِدِهِ، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فأَكَله فَإِنَّ الله غفور رحيم. [4] قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة: 4] الْآيَةَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَزَيْدِ بْنِ الْمُهَلْهِلِ الطَّائِيَّيْنِ وَهُوَ زَيْدُ الْخَيْلِ الَّذِي سماه رسول الله زَيْدَ الْخَيْرِ، قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَذِنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا، وَنَهَى عَنْ إِمْسَاكِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي سَبَبِ نِزُولِ الْآيَةِ: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] يَعْنِي: الذَّبَائِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: كُلُّ مَا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ وَتَسْتَلِذُّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِدَ بِتَحْرِيمِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سَنَةٍ {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] يَعْنِي وَأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ الْكِلَابُ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ مَا صَادَهُ غَيْرُ الْكَلْبِ إلا أن تدرِك ذكاتَه، وَهَذَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، بَلْ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أن المراد من الجوارح الكواسب مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْكَلْبِ، وَمِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي والعُقاب وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، فَيَحِلُّ صيدُ جَمِيعِهَا، سُمِّيَتْ جَارِحَةً: لِجَرْحِهَا لِأَرْبَابِهَا أَقْوَاتَهُمْ مِنَ الصَّيْدِ، أَيْ: كَسْبِهَا، يُقَالُ: فُلَانٌ جَارِحَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ، {مُكَلِّبِينَ} [المائدة: 4] وَالْمُكَلِّبُ الَّذِي يُغْرِي الْكِلَابَ عَلَى الصَّيْدِ، وَيُقَالُ لِلَّذِي يُعَلِّمُهَا أَيْضًا: مُكَلِّبٌ، وَالْكَلَّابُ: صَاحِبُ الْكِلَابِ، وَيُقَالُ لِلصَّائِدِ بِهَا أَيْضًا: كَلَّابٌ، وَنَصَبَ مُكَلِّبِينِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: فِي حَالِ تَكْلِيبِكُمْ هَذِهِ الْجَوَارِحَ أَيْ إغرائكم إِيَّاهَا عَلَى الصَّيْدِ، وَذَكَرَ الْكِلَابَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَعَمُّ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ جوارح الصيد {تُعَلِّمُونَهُنَّ} [المائدة: 4] تُؤَدِّبُونَهُنَّ آدَابَ أَخْذِ الصَّيْدِ، {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} [المائدة: 4] أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَكُمُ الله، قال السُّدِّيُّ: أَيْ كَمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، (مِن) بِمَعْنَى الْكَافِ، {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] أَرَادَ أَنَّ الْجَارِحَةَ الْمُعَلَّمَةَ إِذَا خَرَجَتْ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهَا فَأَخَذَتِ الصَّيْدَ وَقَتَلَتْهُ كَانَ حَلَالًا، وَالتَّعْلِيمُ هُوَ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: إِذَا أُشليتْ استشلتْ، وَإِذَا زُجرتْ انزجرتْ، وَإِذَا أَخَذَتِ الصَّيْدَ أَمْسَكَتْ وَلَمْ تَأْكُلْ، وَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ منه مرارا - وأقلها بثلاث مَرَّاتٍ - كَانَتْ مُعَلَّمَةً، يَحِلُّ قَتْلُهَا إذا خرجت بإرسال صاحبها {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4] فيه بَيَانُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الذَّبِيحَةِ شَرْطٌ حالةَ مَا يُذبح، وَفِي الصَّيْدِ حَالَةَ مَا

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة

يرسل الجارحة أو السهم. [5] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5] يَعْنِي: الذَّبَائِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] يُرِيدُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ مِنْ سَائِرِ الأمم، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ شَرَعَ لَهُمْ حِلُّ طَعَامِنَا وَهُمْ كُفَّارٌ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ؟ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ حَلَالٌ لَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ فَيَكُونُ خِطَابُ الحِل مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ عُقَيْبَهُ حُكْمَ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حِلَّ الْمُسْلِمَاتِ لَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَلَالٌ لَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُزَوِّجُوهُمْ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 5] هَذَا رَاجَعٌ إِلَى الْأَوَّلِ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَوْلِهِ: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْمُحْصَنَاتِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُنَّ الْحَرَائِرُ، وَأَجَازُوا نِكَاحَ كُلِّ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً فَاجِرَةً كَانَتْ أَوْ عَفِيفَةً، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لقوله تعالى: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النِّسَاءِ: 25] جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أن تكون الأمة مؤمنة وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ: الْعَفَائِفُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إِمَاءً وَأَجَازُوا نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَحَرَّمُوا الْبَغَايَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِحْصَانُ الْكِتَابِيَّةِ أَنْ تَسْتَعِفَّ مِنَ الزِّنَا وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [المائدة: 5] غَيْرَ مُعَالِنِينَ بِالزِّنَا، {وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] أي: غير مسرّين تسرونهن بِالزِّنَا، قَالَ الزَّجَّاجُ: حَرَّمَ اللَّهُ الْجِمَاعَ عَلَى جِهَةِ السِّفَاحِ وَعَلَى جِهَةِ اتِّخَاذِ الصَّدِيقَةِ، وَأَحَلُّهُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْصَانِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَقُولُ لَيْسَ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُنَّ بِالَّذِي يُخْرِجُهُنَّ مِنَ الْكُفْرِ أَوْ يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا وَهِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ} [المائدة: 5] أَيْ: بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِالْإِيمَانِ أَيْ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِمَا أُنزل عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ أَيْ: يَسْتَحِلُّ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قَالَ ابْنُ عباس: خسر الثواب. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ] فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ. . . . [6] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصلاة، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ يُرِيدُ الْقِيَامَ إلى الصلاة، لكن علمنا بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ طُهر، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (¬1) . وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَيْنَ أَرْبَعِ صلوات بوضوء واحد، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: مَعْنَى الْآيَةِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مِنَ النَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَمْرٌ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ، نَدْبُ مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا طَهَارَتَهُ وَإِنْ كَانَ على طهر، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقْنِ طُولًا وما بين الأذنين عرضا يجب غسل جميعه في الوضوء، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] أَيْ: مَعَ الْمَرَافِقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النِّسَاءِ: 2] أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَقَالَ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] أي: مع الله، قوله تعالى: ¬

(¬1) رواه البخاري في كتاب الحيل باب في الصلاة 12 / 329، ومسلم في الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة رقم (225) 1 / 204.

{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَمَا يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ مَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ قَدْرُ مَا يطلق عليه اسم المسح، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ ويعقوب وحفص {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بِنُصْبِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ وَأَرْجُلِكُمْ بِالْخَفْضِ، فَمَنْ قَرَأَ وَأَرْجُلَكُمْ بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] أَيْ: وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْخَفْضِ فَقَدْ ذَهَبَ قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ على الرجلين، وذهب جماعة أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَالُوا: خَفْضُ اللَّامِ فِي الْأَرْجُلِ عَلَى مُجَاوَرَةِ اللَّفْظِ لَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْحُكْمِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وتعالى: {عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] فَالْأَلِيمُ صِفَةُ الْعَذَابِ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ إِعْرَابَ الْيَوْمِ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَكَقَوْلِهِمْ: جُحْرُ ضب خرب، فالخراب نعت الجحر، وأخذ إعراب الضب للمجاورة، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَأَرْجُلَكُمْ المسح على الخفين. قوله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جانبي القدمين، وهما مجمع مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مَعَ الْقَدَمَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي المرفقين. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أي: اغتسلوا، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ وَهُوَ التُّرَابُ، {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] بِمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوُضُوءِ والغسل والتيمم، {مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ضيق، {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَاتِ وَالذُّنُوبِ، {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِتْمَامُ النِّعْمَةِ تَكْفِيرُ الْخَطَايَا بِالْوُضُوءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الْفَتْحِ: 2] فَجَعَلَ تَمَامَ نِعْمَتِهِ غُفْرَانَ ذنوبه. [7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 7] يَعْنِي: النِّعَمَ كُلَّهَا، {وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} [المائدة: 7] عَهْدَهُ الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [المائدة: 7] وَذَلِكَ حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [المائدة: 7] بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

قوله تعالى والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك

[8] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 8] أي: كونوا له قَائِمِينَ بِالْعَدْلِ قَوَّالِينَ بِالصِّدْقِ، أَمَرَهُمْ بالعدل والصدق في أعمالهم وأقوالهم، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} [المائدة: 8] ولا يحملنكم، {شَنَآنُ قَوْمٍ} [المائدة: 8] بُغْضُ قَوْمٍ، {عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8] أَيْ: عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ لعداوتهم، ثم قال: {اعْدِلُوا} [المائدة: 8] يَعْنِي: فِي أَوْلِيَائِكُمْ وَأَعْدَائِكُمْ، {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] يَعْنِي: إِلَى التَّقْوَى، {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] [9] {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9] وَهَذَا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْوَعْدِ وَاقِعٌ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَرَفْعُهَا عَلَى تَقْدِيرٍ أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. [قَوْلُهُ تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ] أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [10] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 10] [11] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 11] بِالدَّفْعِ عَنْكُمْ، {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] بالقتل {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [الْمَائِدَةِ: 11] [12] {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة: 12] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُورِثَهُ وَقَوْمَهُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وَهِيَ الشَّامُ، وَكَانَ يَسْكُنُهَا الْكَنْعَانِيُّونَ الْجَبَّارُونَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الدَّارُ بِمِصْرَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّيْرِ إِلَى أَرْيَحَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وهي الأرض المقدسة {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} [المائدة: 12] نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْكَلَامَ فَقَالَ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ} [المائدة: 12] يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، {وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} [المائدة: 12] نصرتموهم، وقيل: وقّرتموهم وَعَظَّمْتُمُوهُمْ، {وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المائدة: 12] قِيلَ: هُوَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ، {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [المائدة: 12] لَأَمْحُوَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ , {وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [المائدة: 12] أَيْ: أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ، يُرِيدُ طَرِيقَ الْحَقِّ، وَسَوَاءُ كُلِّ شَيْءٍ: وسطه. [13] {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} [المائدة: 13] أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، و (مَا) صِلَةٌ، {مِيثَاقَهُمْ} [المائدة: 13] قَالَ قَتَادَةُ: نَقَضُوهُ مِنْ وُجُوهٍ لأنهم كذبوا الرسل الذين جاؤوا بَعْدَ مُوسَى وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَنَبَذُوا كِتَابَهُ وَضَيَّعُوا فَرَائِضَهُ، {لَعَنَّاهُمْ} [المائدة: 13] قَالَ عَطَاءٌ: أَبْعَدْنَاهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: عَذَّبْنَاهُمْ بِالْمَسْخِ، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قَسِيَّةً بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الذَّاكِيَةِ وَالذَّكِيَّةِ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قاسية أي: يا بسة، وَقِيلَ: غَلِيظَةٌ لَا تَلِينُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّ قُلُوبَهُمْ لَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ لِلْإِيمَانِ بَلْ إِيمَانُهُمْ مَشُوبٌ

قوله تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم

بِالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَمِنْهُ الدَّرَاهِمُ الْقَاسِيَةُ وَهِيَ الرَّدِيَّةُ الْمَغْشُوشَةُ {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13] قِيلَ: هُوَ تَبْدِيلُهُمْ نَعْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: تَحْرِيفُهُمْ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] أَيْ: وَتَرَكُوا نَصِيبَ أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانِ نعته، {وَلَا تَزَالُ} [المائدة: 13] يَا مُحَمَّدُ، {تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} [المائدة: 13] أَيْ: عَلَى خِيَانَةٍ، فَاعِلَةٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ كَالْكَاذِبَةِ وَاللَّاغِيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ رَوَّايَةٍ وَنَسَّابَةٍ وَعَلَّامَةٍ وَحَسَّابَةٍ، وَقِيلَ: عَلَى فِرْقَةٍ خَائِنَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى خَائِنَةٍ أَيْ: عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمْ نَقْضَهُمُ الْعَهْدِ وَمُظَاهَرَتَهُمُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ وَسَمِّهِ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ خِيَانَاتِهِمُ الَّتِي ظهرت منهم، {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [المائدة: 13] لَمْ يَخُونُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الكتاب، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13] أَيْ: أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَلَا تَتَعَرَّضْ لَهُمْ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. [قَوْلُهُ تعالى وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ] فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. . . . [14] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} [المائدة: 14] قِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ فِي النَّصَارَى خَاصَّةً لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْيَهُودِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ نَصَارَى بِتَسْمِيَتِهِمْ لَا بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] بِالْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي بَيْنَ اليهود والنصارى، وقال الربيع: هُمُ النَّصَارَى وَحْدَهُمْ صَارُوا فِرَقًا مِنْهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ وَكُلُّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14] فِي الْآخِرَةِ. [15] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يا أَهْلَ الْكِتَابِ} [المائدة: 15] يُرِيدُ: يَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ، {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 15] أَيْ: مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِثْلُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [المائدة: 15] أَيْ: يُعْرِضُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا أَخْفَيْتُمْ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِهِ، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ} [المائدة: 15] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ، {وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] أَيْ: بَيِّنٌ، وَقِيلَ: مُبِينٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ. [16] {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} [المائدة: 16] رضاه، {سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16] قِيلَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَسَبِيلُهُ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ طُرُقُ السَّلَامَةِ، {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [المائدة: 16] أَيْ: مِنْ

قوله تعالى وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله

ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، {بِإِذْنِهِ} [المائدة: 16] بِتَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16] وهو الإسلام. [17] قوله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] وَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 17] أَيْ: مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا إِذَا قَضَاهُ؟ {إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17] [قوله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ] وَأَحِبَّاؤُهُ. . . . . [18] {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] قِيلَ: أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَنَا كَالْأَبِ فِي الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ، وَنَحْنُ كَالْأَبْنَاءِ لَهُ فِي الْقُرْبِ والمنزلة، وقال إبراهيم النخغي: إِنَّ الْيَهُودَ وَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ يَا أَبْنَاءَ أَحْبَارِي فَبَدَّلُوا يَا أَبْنَاءَ أَبْكَارِي فَمِنْ ذَلِكَ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نحن أبناء الله يعني أَبْنَاءُ رُسُلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: 18] يُرِيدُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُعَذِّبُ وَلَدَهُ، وَالْحَبِيبَ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ، وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُ مُعَذِّبُكُمْ؟ وَقِيلَ: فلِمَ يُعَذِّبُكُمْ أَيْ: لِمَ عَذَّبَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ؟ {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18] كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ مَجْزِيُّونَ بِالْإِسَاءَةِ والإحسان، {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 18] فضلا، {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 18] عدلا، {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] [19] {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} [المائدة: 19] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {يُبَيِّنُ لَكُمْ} [المائدة: 19] أَعْلَامَ الْهُدَى وَشَرَائِعَ الدِّينِ، {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} [المائدة: 19] أَيِ انْقِطَاعٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَالَ مَعْمَرٌ وَالْكَلْبِيُّ: خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَسُمِّيَتْ فَتْرَةً لِأَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَتْرَى بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ إِلَى زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِوَى رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {أَنْ تَقُولُوا} [المائدة: 19] كَيْلَا تَقُولُوا، {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19] [20] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} [المائدة: 20] أي: منكم أَنْبِيَاءَ، أَيْ: مِنْكُمْ أَنْبِيَاءَ، {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة: 20] أي: فيكم مُلُوكًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَعْنِي أَصْحَابَ خَدَمٍ وَحَشَمٍ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَّ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لمن قبلهم خدم، قَالَ السُّدِّيُّ: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا أَحْرَارًا تَمْلِكُونَ أَمْرَ أَنْفُسِكُمْ بَعْدَمَا كُنْتُمْ في أيدي القبط يستعبدونكم،

قوله تعالى قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما

وقال الضَّحَّاكُ: كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَاسِعَةً فِيهَا مِيَاهٌ جَارِيَةٌ فَمَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ واسعا وفيه نهر جَارٍ فَهُوَ مَلِكٌ {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَرَ وَتَظْلِيلَ الغمام. [21] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21] اخْتَلَفُوا فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِيلِيَّا وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ أَرْيَحَاءُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ دِمَشْقُ وَفِلَسْطِينُ وَبَعْضُ الْأُرْدُنِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الشَّامُ كُلُّهَا، قَالَ كَعْبٌ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ الشَّامَ كَنْزُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَبِهَا أَكْثَرُ عِبَادِهِ، قَوْلُهُ عَزَّ وجل: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21] يَعْنِي: كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهَا مَسَاكِنُ لَكُمْ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ: جعلها لكم، قال السُّدِّيُّ: أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِدُخُولِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: أُمِرُوا بِهَا كَمَا أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ، أَيْ: فَرَضَ عَلَيْكُمْ. {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} [المائدة: 21] أَعْقَابِكُمْ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ، {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21] قَالَ الْكَلْبِيُّ: صَعِدَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَبَلَ لُبْنَانَ فَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ فَمَا أَدْرَكَهُ بَصَرُكَ فَهُوَ مُقَدَّسٌ وَهُوَ مِيرَاثٌ لِذُرِّيَّتِكَ. [22] {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة: 22] وَذَلِكَ أَنَّ النُّقَبَاءَ الَّذِينَ خَرَجُوا يَتَجَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مُوسَى وَأَخْبَرُوهُ بِمَا عَايَنُوا، قَالَ لَهُمْ مُوسَى: اكْتُمُوا شَأْنَهُمْ وَلَا تُخْبِرُوا بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَيَفْشَلُوا، فَأَخْبَرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَرِيبَهُ وَابْنَ عَمِّهِ إِلَّا رجلين وَفَّيَا بِمَا قَالَ لَهُمَا مُوسَى فَعَلِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَقَالُوا يَا لَيْتَنَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، أو ليتنا نَمُوتُ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ وَلَا يُدْخِلُنَا اللَّهُ أَرْضَهُمْ فَتَكُونُ نِسَاؤُنَا وَأَوْلَادُنَا وَأَثْقَالُنَا غَنِيمَةً لَهُمْ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ نَجْعَلُ عَلَيْنَا رَأْسًا وَنَنْصَرِفُ إِلَى مِصْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22] أَصْلُ الْجَبَّارِ: الْمُتَعَظِّمُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْقَهْرِ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ إِذَا كَانَتْ طَوِيلَةٌ مُمْتَنِعَةٌ عَنْ وُصُولِ الْأَيْدِي إِلَيْهَا، وَسُمِّيَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ جَبَّارِينَ لِامْتِنَاعِهِمْ بِطُولِهِمْ وَقُوَّةِ أَجْسَادِهِمْ، وَكَانُوا مِنَ الْعَمَالِقَةِ وَبَقِيَّةَ قَوْمِ عَادٍ، فَلَمَّا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا قَالُوا وَهَمُّوا بِالِانْصِرَافِ إِلَى مِصْرَ خَرَّ مُوسَى وَهَارُونُ سَاجِدِينَ، وَخَرَقَ يُوشَعُ وَكَالِبُ ثِيَابَهُمَا وَهُمَا اللَّذَانِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا في قوله: [23] {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23] أَيْ: يَخَافُونَ اللَّهَ تَعَالَى، قَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (يُخافون) بِضَمِّ الْيَاءِ، وَقَالَ: الرَّجُلَانِ كَانَا مِنَ الْجَبَّارِينَ فَأَسْلَمَا وَاتَّبَعَا مُوسَى، {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23] بِالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ قَالَا: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} [المائدة: 23] يَعْنِي: قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ، {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} [المائدة: 23] لأن الله منجز وعده، وإنا رأيناهم فكانت أجسامهم عَظِيمَةٌ وَقُلُوبُهُمْ ضَعِيفَةٌ، فَلَا تَخْشَوْهُمْ، {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] فَأَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْجُمُوهُمَا بالحجارة وعصوهما. [قوله تعالى قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا] دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ. . . . [24] {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] فَلَمَّا فَعَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا فَعَلَتْ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ غَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَدَعَا عَلَيْهِمْ. [25] {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25] قيل معناه لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يُطِيعُنِي إِلَّا نَفْسِي وأخي، {فَافْرُقْ} [المائدة: 25] فافصل، {بَيْنَنَا} [المائدة: 25] قِيلَ: فَاقْضِ بَيْنَنَا، {وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] العاصين. [26] {قَالَ} [المائدة: 26] اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 26] قِيلَ: هَاهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ مَعْنَاهُ تلك البلد مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَبَدًا لَمْ يُرِدْ بِهِ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْرِيمَ مَنْعٍ،

فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: لَأُحَرِّمَنَّ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ غَيْرَ عَبْدَيَّ يُوشَعُ وَكَالِبُ، وَلَأُتَيِّهَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ {أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة: 26] مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي تُحْبَسُونَ فِيهَا سَنَةٌ وَلَأُلْقِيَنَّ جِيَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ، وَأَمَّا بَنُوهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا الشَّرَّ فَيَدْخُلُونَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ} [المائدة: 26] يَتَحَيَّرُونَ، {فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] أَيْ: لَا تَحْزَنْ عَلَى مِثْلِ هؤلاء القوم. [27] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} [المائدة: 27] وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ، وَيُقَالُ لَهُ قابين، {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا} [المائدة: 27] يَعْنِي هَابِيلَ {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} [المائدة: 27] يَعْنِي قَابِيلَ فَنَزَلُوا عَلَى الْجَبَلِ وَقَدْ غَضِبَ قَابِيلُ لِرَدِّ قُرْبَانِهِ وَكَانَ يُضْمِرُ الْحَسَدَ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ أَتَى آدَمُ مَكَّةَ لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا غَابَ آدَمُ أَتَى قَابِيلُ هَابِيلَ وَهُوَ فِي غنمه، {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: 27] قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ قُرْبَانَكَ وَرَدَّ قُرْبَانِي، وَتَنْكِحُ أُخْتِي الْحَسْنَاءَ وَأَنْكِحُ أُخْتَكَ الدَّمِيمَةَ، فَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي وَيَفْتَخِرُ وَلَدُكَ عَلَى وَلَدِي , {قَالَ} [المائدة: 27] هَابِيلُ: وَمَا ذَنْبِي؟ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] [28] {لَئِنْ بَسَطْتَ} [المائدة: 28] أَيْ: مَدَدْتَ، {إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ إِلَى أَخِيهِ يَدَهُ، وهذا في الشرع جَائِزٌ لِمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ أَنْ يَنْقَادَ وَيَسْتَسْلِمَ طَلَبًا لِلْأَجْرِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال مجاهد: كتب الله فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِذَا أَرَادَ رَجُلٌ قَتْلَ رَجُلٍ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ وَيَصْبِرَ. [29] {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ} [المائدة: 29] ترجع، وقيل تحمل {بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي إِلَى إِثْمِكَ , أَيْ: إِثْمِ مَعَاصِيكَ الَّتِي عَمِلْتَ مِنْ قَبْلُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَعْنَاهُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي الَّتِي عَمِلْتُهَا أَنَا إِذَا قَتَلَتْنِي وَإِثْمُكَ فَتَبُوءُ بِخَطِيئَتِي وَدَمِي جَمِيعًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ تَرْجِعَ بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِ مَعْصِيَتِكَ الَّتِي لَمْ يُتَقَبَّلْ لِأَجْلِهَا قُرْبَانُكَ، أَوْ إِثْمِ حَسَدِكَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَإِرَادَةُ الْقَتْلِ وَالْمَعْصِيَةِ لَا تَجُوزُ؟ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ إِرَادَةٍ وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ لَا مَحَالَةَ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مُرِيدًا لِقَتْلِهِ مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا حَقِيقَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بعقاب قتلي فيكون إِرَادَةً صَحِيحَةً لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَكُونُ هَذَا إِرَادَةً لِلْقَتْلِ بَلْ لِمُوجِبِ الْقَتْلِ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ، {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29]

قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل

[30] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} [المائدة: 30] أَيْ: طَاوَعَتْهُ وَشَايَعَتْهُ وَعَاوَنَتْهُ، {قَتْلَ أَخِيهِ} [المائدة: 30] فِي قَتْلِ أَخِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَشَجَّعَتْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فَزَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَقَالَ يَمَانٌ: سَهَّلَتْ لَهُ ذَلِكَ، أَيْ: جَعَلَتْهُ سَهْلًا، تَقْدِيرُهُ: صَوَّرَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّ قَتْلَ أَخِيهِ طَوْعٌ لَهُ أَيْ سَهْلٌ عليه، فقتله، قِيلَ: قُتِلَ وَهُوَ مُسْتَسْلِمٌ، وَقِيلَ: اغْتَالَهُ وَهُوَ فِي النَّوْمِ فَشَدَخَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30] وَكَانَ لِهَابِيلَ يَوْمَ قُتل عِشْرُونَ سنة فَلَمَّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَيِّتٍ عَلَى وَجْهِ الأرض من بني آدم فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ حَفَرَ لَهُ بِمِنْقَارِهِ وَبِرَجُلِهِ حَتَّى مَكَّنَ لَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الْحُفْرَةِ، وَوَارَاهُ، وَقَابِيلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [31] {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31] فَلَمَّا رَأَى قَابِيلُ ذَلِكَ {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة: 31] أَيْ: جِيفَتَهُ، وَقِيلَ: عَوْرَتَهُ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَبَ ثِيَابَهُ، {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] عَلَى حَمْلِهِ عَلَى عَاتِقِهِ لَا عَلَى قَتْلِهِ، وَقِيلَ: عَلَى فِرَاقِ أَخِيهِ، وَقِيلَ: نَدِمَ لِقِلَّةِ النَّفْعِ بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ، وَمَا انْتَفَعَ بِقَتْلِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ نَدَمُهُ عَلَى الْقَتْلِ وَرُكُوبِ الذَّنْبِ. [قوله تعالى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ] أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. . . . [32] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} [المائدة: 32] أَيْ: مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الْقَاتِلِ وَجِنَايَتِهِ، يُقَالُ: أَجَلَ يَأْجَلُ أَجَلًا، إِذَا جَنَى، مِثْلُ أَخَذَ يَأْخُذُ أَخْذًا {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} [المائدة: 32] قَتَلَهَا فَيُقَادُ مِنْهُ، {أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 32] يُرِيدُ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَبِغَيْرِ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] اختلفوا في تأويله، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ: مَنْ قتل نبيا أو إمام عدل فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدَّ عَضُدَ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامٍ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً يَصْلَى النَّارَ بِقَتْلِهَا، كَمَا يصلى لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا مَنْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِهَا فَقَدْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِ النَّاسِ جميعا، قال قتادة: أعظم اللَّهُ أَجْرَهَا وَعَظَّمَ وِزْرَهَا، مَعْنَاهُ مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حقه فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا فِي الْإِثْمِ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْهُ {وَمَنْ أَحْيَاهَا} [المائدة: 32] وَتَوَرَّعَ عَنْ قَتْلِهَا، {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] فِي الثَّوَابِ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْهُ، قَالَ الْحَسَنُ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهَا مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، ومن أحياها أي عفا عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَهُ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أهي لَنَا كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي

قوله تعالى يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين

لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا كَانَتْ دِمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا، {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] [33] {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] وَعُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ فِي أَمْرِ الْمُحَارِبِينَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالصَّلْبِ وَالنَّفْيِ كَمَا هو ظاهر الآية، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ لَا على التخيير {ذَلِكَ} [المائدة: 33] الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْحَدِّ، {لَهُمْ خِزْيٌ} [المائدة: 33] عَذَابٌ وَهَوَانٌ وَفَضِيحَةٌ {فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] [34] {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34] فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، قَالَ مَعْنَاهُ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَصَابُوا فِي حَالِ الْكُفْرِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُحَارِبُونَ فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ - وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ الْإِمَامُ - تَسْقُطُ عَنْهُ كُلُّ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ، وَلَا يَسْقُطُ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ العباد. [35] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا} [المائدة: 35] اطلبوا {إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] أَيِ: الْقُرْبَةَ، فَعَيْلَةٌ مِنْ تَوَسَّلَ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا، أَيْ: تَقَرَّبَ إِلَيْهِ وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ، {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35] [36] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} [المائدة: 36] أَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا ثُمَّ فَدَى بِذَلِكَ نَفْسَهُ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِدَاءُ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36] [قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ] مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ. . . . . [37] {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37] فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ وَيَطْلُبُونَ الْمَخْرَجَ مِنْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يخرجوا منها) ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} [الْمُؤْمِنُونَ: 107] {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: 37] [38] {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] أَرَادَ بِهِ أَيْمَانَهُمَا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود، وجملة الحكم أَنَّ مَنْ سَرَقَ نِصَابًا مِنَ الْمَالِ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى من الرسغ {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، وَمِثْلُهُ: {نَكَالًا} [المائدة: 38] أَيْ: عُقُوبَةً، {مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]

قوله تعالى سماعون للكذب أكالون للسحت فإن

[39] {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} [المائدة: 39] أي: سرقته، {وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39] الْعَمَلَ، {فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 39] هذا فيما بينهم وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: قَطْعُ السَّارِقِ تَوْبَتُهُ فَإِذَا قُطِعَ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَطْعَ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْجِنَايَةِ، كَمَا قَالَ: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدُ، وَتَوْبَتُهُ النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ مَا سَرَقَ مِنَ الْمَالِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَبِالِاتِّفَاقِ إِنْ كَانَ المسروق قائما عِنْدَهُ يُسْتَرَدَّ، وَتُقْطَعْ يَدُهُ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغُرْمَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الآخر، كاسترداد العين. [40] {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [المائدة: 40] الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمِيعُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا الإنسان فيكون خطابا لكل واحد مِنَ النَّاسِ {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 40] قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ ويغفر لمن يشاء مَنْ تَابَ مِنْ كُفْرِهِ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى الْكَبِيرَةِ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 40] [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] أَيْ: فِي مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُعْجِزُوا اللَّهَ، {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 41] يعني اليهود، {سَمَّاعُونَ} [المائدة: 41] أي: قوم سماعون، {لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] أي: قابلون لِلْكَذِبِ، كَقَوْلِ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، أَيْ: قَبِلَ اللَّهُ، وقيل: معناه: سَمَّاعُونَ لِأَجْلِ الْكَذِبِ، أَيْ: يَسْمَعُونَ مِنْكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا مِنْهُ كَذَا وَلَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} [المائدة: 41] أَيْ هُمْ جَوَاسِيسُ، يَعْنِي: بَنِي قريظة لقوم آخرين هم أهل خيبر قَوْلُهُ: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] قِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى، وَقِيلَ: هِيَ لَامُ كَيْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ لِكَيْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وَاللَّامُ فِي قوله {لِقَوْمٍ} [المائدة: 41] أَيْ: لِأَجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ وَهُمْ أَهْلُ خَيْبَرَ {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} [المائدة: 41] جَمْعُ كَلِمَةٍ، {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] أَيْ: مِنْ بَعْدِ وَضْعِهِ مَوَاضِعَهُ، وإنما ذَكَرَ الْكِنَايَةَ رَدًّا عَلَى لَفْظِ الْكَلِمِ، {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] أَيْ: إِنْ أَفْتَاكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَاقْبَلُوا، {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} [المائدة: 41] كُفْرَهُ وَضَلَالَتَهُ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابَهُ، {فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41] فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَى دَفْعِ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْقَدَرَ {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [المائدة: 41] أَيْ: لِلْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، فَخِزْيُ الْمُنَافِقِينَ الْفَضِيحَةُ وَهَتْكُ السِّتْرِ بِإِظْهَارِ نِفَاقِهِمْ، وخزي اليهود الجزية أو القتل أو السبي أو النفي، وَرُؤْيَتُهُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِيهِمْ مَا يَكْرَهُونَ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41] الخلود في النار. [قَوْلُهُ تَعَالَى سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ] جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. . . . [42] {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكِسَائِيُّ (للسُّحُت) بِضَمِّ الْحَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ الْحَرَامُ، وأصله الهلاك والشدة، وقال اللَّهُ تَعَالَى: {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61] نَزَلَتْ فِي حُكَّامِ الْيَهُودِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَمْثَالِهِ، كَانُوا يَرْتَشُونَ وَيَقْضُونَ لِمَنْ رَشَاهُمْ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْحَاكِمُ مِنْهُمْ إِذَا أَتَاهُ أَحَدٌ بِرُشْوَةٍ جَعَلَهَا فِي كُمِّهِ فَيُرِيهَا إِيَّاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى خَصْمِهِ، فَيَسْمَعُ الْكَذِبَ وَيَأْكُلُ الرُّشْوَةَ، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَكَمِ إِذَا رَشَوْتَهُ لِيُحِقَّ لَكَ باطلا أو يبطل عنك

حقك، فَأَمَّا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الْوَالِيَ يَخَافُ ظُلْمَهُ لِيَدْرَأَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ، فَالسُّحْتُ هُوَ الرُّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَمُقَاتِلٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الرُّشْوَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا أَوْ يَدْفَعَ بِهَا ظُلْمًا فَأُهْدِيَ لَهُ فَقَبِلَ فَهُوَ سُحْتٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَرَى ذَلِكَ إِلَّا الْأَخْذَ عَلَى الْحُكْمِ، فَقَالَ: الْأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ كُفْرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وَالسُّحْتُ كُلُّ كَسْبٍ لَا يَحِلُّ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} [المائدة: 42] خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شاء ترك. قَوْلُهُ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] أَيْ بِالْعَدْلِ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] أي: العادلين. [43] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ} [المائدة: 43] هَذَا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ، أَيْ: وكيف يَجْعَلُونَكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فَيَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ؟ {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: 43] وَهُوَ الرَّجْمُ، {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43] أَيْ: بِمُصَدِّقِينَ لَكَ. [44] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44] أَيْ: أَسْلَمُوا وَانْقَادُوا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الْبَقَرَةِ: 131] وَكَمَا قَالَ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آلِ عِمْرَانَ: 83] وَأَرَادَ بِهِمُ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ بُعِثُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَحْكُمُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَحَكَمُوا بِهَا، فَإِنَّ مِنَ النَّبِيِّينَ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ منهم عيسى عليه السلام {لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44] قِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ لِلَّذِينِ هَادَوْا ثُمَّ قَالَ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَمَعْنَاهُ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى الَّذِينَ هَادَوْا، كَمَا قَالَ: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أي: فعليها، وكما قال: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ كَأَنَّهُ قَالَ: لِلَّذِينِ هَادَوْا وَعَلَى الَّذِينَ هَادَوْا فَحَذَفَ أَحَدَهُمَا اخْتِصَارًا. {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [المائدة: 44] يعني العلماء، واحدها حَبْرٌ وَحِبْرٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُحْكِمُ للشيء، قال الكسائي وأبو عبيدة: هُوَ مِنَ الْحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وَقَالَ قُطْرُبٌ: هُوَ مِنَ الْحِبْرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْجَمَالِ بفتح الحاء وكسرها وَمِنْهُ التَّحْبِيرُ وَهُوَ التَّحْسِينُ، فَسُمِّيَ الْعَالِمُ حِبْرًا لِمَا عَلَيْهِ مِنْ جَمَالِ الْعِلْمِ وَبَهَائِهِ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ هَاهُنَا مِنَ النَّصَارَى، وَالْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ} [المائدة: 44]

قوله تعالى وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم

{اللَّهِ} [المائدة: 44] أَيِ: استُودعوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44] أَنَّهُ كَذَلِكَ، {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي الْيَهُودِ دُونَ مَنْ أَسَاءَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهَا فِي الْكَافِرِينَ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، بَلْ إِذَا فَعَلَهُ فَهُوَ بِهِ كَافِرٌ، وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَاحِدًا بِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. وَسُئِلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: إِنَّهَا تَقَعُ عَلَى جَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا عَلَى بَعْضِهِ، وكل مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ، فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَتَرْكِ الشرك، ثم لم يحكم ببعض مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَّرَائِعِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا إِذَا رَدَّ نَصَّ حُكْمِ اللَّهِ عِيَانًا عَمْدًا، فَأَمَّا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَوْ أخطأ في تأويل فلا. [45] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة: 45] أَيْ: أَوْجَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ، {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] يعني: من نَفْسَ الْقَاتِلِ بِنَفْسِ الْمَقْتُولِ وَفَاءً يقتل به، {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة: 45] تُفقأ بها {وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ} [المائدة: 45] يُجدع به، {وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ} [المائدة: 45] تُقطع بِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحُكْمِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ واحدة بواحدة إِلَى آخِرِهَا، فَمَا بَالُهُمْ يُخَالِفُونَ فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقؤون بالعين العينين {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] تُقْلَعُ بِهَا وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ قِيَاسٌ عَلَيْهَا فِي الْقِصَاصِ، {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] فَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَيْنَ وَالْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ، ثم قال: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] أَيْ: فِيمَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَاللِّسَانِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ مِنْ كَسْرِ عَظْمٍ أَوْ جَرْحِ لَحْمٍ كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ على نهايته {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} [المائدة: 45] أَيْ: بِالْقِصَاصِ {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] قِيلَ: الْهَاءُ فِي لَهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَجْرُوحِ وَوَلِيِّ الْقَتِيلِ، أَيْ: كفارة للمصدق وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وقتادة، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهُ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ» (¬1) وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَارِحِ وَالْقَاتِلِ، يَعْنِي إِذَا عَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنِ الْجَانِي فَعَفْوُهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِ الْجَانِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ الْقِصَاصَ كَفَّارَةٌ لَهُ، فَأَمَّا أَجْرُ الْعَافِي فَعَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشُّورَى: 40] رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ] مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ. . . . [46] {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} [المائدة: 46] أَيْ: عَلَى آثَارِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، {بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ} [المائدة: 46] أَيْ: فِي الْإِنْجِيلِ {هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا} [المائدة: 46] يَعْنِي الْإِنْجِيلَ، {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46] [47] {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (ولِيَحْكُمَ) بِكَسْرِ اللام ونصب ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في الديات 4 / 650 وقال غريب، وابن ماجه في الديات رقم (2693) 2 / 898، والإمام أحمد في المسند 5 / 316، 6 / 448، قال المنذري في الترغيب والترهيب 3 / 305 رجاله رجال الصحيح.

الْمِيمِ، أَيْ: لِكَيْ يَحْكُمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ اللَّامِ وَجَزَمَ الْمِيمِ عَلَى الْأَمْرِ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانِ: أَمَرَ اللَّهُ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارَ أن يحكموا بما أنزل الله فِي التَّوْرَاةِ، وَأَمَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي الْإِنْجِيلِ، فَكَفَرُوا وَقَالُوا: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجل. [48] قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [المائدة: 48] يا محمد {الْكِتَابَ} [المائدة: 48] الْقُرْآنَ، {بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48] أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ قبل، {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالْكِسَائِيِّ، قَالَ حَسَّانُ: إِنَّ الْكِتَابَ مُهْيَمِنٌ لِنَبِيِّنَا ... وَالْحَقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ يُرِيدُ: شَاهِدًا وَمُصَدِّقًا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: دَالًّا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مُؤْتَمِنًا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَمِينًا، وَقِيلَ: أَصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ مُفَيْعِلٌ مِنْ أَمِينٍ، كَمَا قَالُوا: مُبيطر مِنَ الْبَيْطَارِ، فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً كَمَا قَالُوا: أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ، وَإِيهَاتَ وَهَيْهَاتَ، وَنَحْوَهَا. وَمَعْنَى أَمَانَةَ الْقُرْآنِ مَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَمَا أَخْبَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْ كِتَابِهِمْ فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ فَصَدِّقُوا وَإِلَّا فَكَذِّبُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: قَاضِيًا، وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَقِيبًا وَحَافِظًا، وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَمَعْنَى الْكُلِّ: أن كل كتاب يشهد بصدق الْقُرْآنُ فَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وإلا فلا {فَاحْكُمْ} [المائدة: 48] يا محمد {بَيْنَهُمْ} [المائدة: 48] بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا تَرَافَعُوا إليك، {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48] تعالى بِالْقُرْآنِ، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48] أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ، {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ سَبِيلًا وَسُنَّةً، فَالشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَكُلُّ مَا شَرَعَتْ فِيهِ فَهُوَ شَرِيعَةٌ وَشِرْعَةٌ، وَمِنْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ لِشُرُوعِ أَهْلِهَا فِيهَا، وَأَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الشَّرَائِعَ مُخْتَلِفَةٌ، وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ شَرِيعَةٌ، قَالَ قَتَادَةُ: الْخِطَابُ لِلْأُمَمِ الثَّلَاثِ أُمَّةِ مُوسَى وَأُمَّةِ عِيسَى وَأُمِّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ أجمعين، فالتوراة شريعة والإنجيل شريعة والفرقان شَرِيعَةٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّوْحِيدُ. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] أَيْ: عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ} [المائدة: 48] ليختبركم، {فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة: 48] مِنَ الْكُتُبِ وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الشَّرَائِعِ فَيَتَبَيَّنُ الْمُطِيعُ مِنَ الْعَاصِي وَالْمُوَافِقُ مِنَ الْمُخَالِفِ، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48] فَبَادِرُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود

[49] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] إليك {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: قال كعب بن أسيد وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَأَشْرَافُهُمْ وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ لَمْ يُخَالِفْنَا الْيَهُودُ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ خُصُومَاتٍ فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ نُؤْمِنُ بِكَ، وَيَتْبَعُنَا غَيْرُنَا. وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ الْإِيمَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّلْبِيسَ وَدَعْوَتَهُ إِلَى الْمَيْلِ فِي الْحُكْمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْآيَةَ {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [المائدة: 49] أَيْ: أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ وَالْحُكْمِ بِالْقُرْآنِ، {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49] أَيْ: فَاعْلَمْ أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 49] يعني اليهود {لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] [50] {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50] قرأ ابن عامر تبغون وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَطْلُبُونَ، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ] وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. . . . [51] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا لجميع المؤمنين {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ وَيَدُهُمْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} [المائدة: 51] فيوافقهم ويعينهم، {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] [52] {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [المائدة: 52] أَيْ: نِفَاقٌ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبي وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُوَالُونَ الْيَهُودَ، {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} [المائدة: 52] فِي مَعُونَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52] دَوْلَةٌ، يَعْنِي: أَنْ يَدُولَ الدَّهْرُ دولته فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْرِهِمْ إِيَّانَا، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: معناه: نخشى ألا يَتِمَّ أَمْرُ مُحَمَّدٍ فَيَدُورُ الْأَمْرُ عَلَيْنَا، وَقِيلَ: نَخْشَى أَنْ يَدُورَ الدَّهْرُ عَلَيْنَا بِمَكْرُوهٍ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ فَلَا يُعْطُونَا الْمِيرَةَ وَالْقَرْضَ، {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} [المائدة: 52] قال قتادة ومقاتل: بالقضاء مِنْ نَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَتْحُ قُرَى الْيَهُودِ مِثْلُ خَيْبَرَ وَفَدَكَ، {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: 52] قِيلَ: بِإِتْمَامِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم، وقيل: عَذَابٌ لَهُمْ، وَقِيلَ: إِجْلَاءُ بَنِي النضير، {فَيُصْبِحُوا} [المائدة: 52] يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ، {عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ} [المائدة: 52] مِنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَدَسِّ الْأَخْبَارِ إليهم {نَادِمِينَ} [المائدة: 52] [53] (وَ) حينئذ، (يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: {وَيَقُولُ} [المائدة: 53] بالواو والرفع على الاستئناف، وَقَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِالْوَاوِ وَنَصْبِ اللَّامِ عَطْفًا عَلَى {أَنْ يَأْتِيَ} [المائدة: 52] أَيْ: وَعَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ اللَّامِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْعَالِيَةِ، اسْتِغْنَاءً عَنْ حرف العطف لملابسة هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا، يَعْنِي يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا فِي وَقْتِ إِظْهَارِ اللَّهِ تَعَالَى نِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ} [المائدة: 53] حلفوا بالله، {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 53] أَيْ: حَلَفُوا بِأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} [المائدة: 53] أي: إنهم لمؤمنون، يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَحَلِفِهِمْ بِالْبَاطِلِ. قَالَ الله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [المائدة: 53] بَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ، {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 53] خَسِرُوا الدُّنْيَا بِافْتِضَاحِهِمْ، وَالْآخِرَةَ بِالْعَذَابِ وَفَوَاتِ الثَّوَابِ. [54] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ (يَرْتَدِدْ) بِدَالَيْنِ عَلَى إِظْهَارِ التَّضْعِيفِ {عَنْ دِينِهِ} [المائدة: 54] فَيَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ، قَالَ الْحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الردة ومانعي الزكاة، وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] هَمُ الْأَشْعَرِيُّونَ، رُوِيَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هُمْ قَوْمُ هَذَا "، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ» (¬1) وَكَانُوا مِنَ اليمن. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 54] يَعْنِي: أَرِقَّاءَ رُحَمَاءَ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْهَوَانَ، بَلْ أراد أَنَّ جَانِبَهُمْ لَيِّنٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وقيل: هو الذُّلِّ مِنْ قَوْلِهِمْ دَابَّةٌ ذَلُولٌ، يعني أنهم متواضعون. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] أَيْ: أَشِدَّاءَ غِلَاظٍ عَلَى الْكُفَّارِ يُعَادُونَهُمْ وَيُغَالِبُونَهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَزَّهُ أَيْ غَلَبَهُ. قَالَ عَطَاءٌ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: كَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ: كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَتِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54] يَعْنِي: لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ الْكُفَّارَ وَيَخَافُونَ لَوْمَهُمْ، وَرُوِّينَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بالحق حيث ما كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (¬2) . {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54] أَيْ: مَحَبَّتُهُمْ لِلَّهِ وَلِينُ جَانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَشِدَّتُهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ، مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] [55] {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ حِينَ تَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَالَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] يَعْنِي عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمَنَا قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ قَدْ هَجَرُونَا وَفَارَقُونَا وَأَقْسَمُوا أَنْ لَا يُجَالِسُونَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءَ» ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أراد بقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] صَلَاةَ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، قَالَهُ ابن عباس، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَوْلُهُ {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] ¬

(¬1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 313 وصححه على شرط مسلم، والطبراني ورجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد 7 / 16، والطبري في التفسير 10 / 414. (¬2) أخرجه البخاري في الأحكام 13 / 193، ومسلم في الإمارة برقم (1709) 3 / 1470.

قوله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا

أَرَادَ بِهِ: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ (¬1) وَقَالَ جُويبر عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعض. [56] {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 56] يَعْنِي: يَتَوَلَّى الْقِيَامَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ} [المائدة: 56] يَعْنِي أَنْصَارَ دِينِ اللَّهِ، {هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] [57] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 57] الآية، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ ثُمَّ نَافَقَا، وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 57] بِإِظْهَارِ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلًا وَهُمْ مُسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ، {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 57] يعني: اليهود {وَالْكُفَّارَ} [المائدة: 57] قرأ أهل البصرة والكسائي وَالْكُفَّارِ بِخَفْضِ الرَّاءِ، يَعْنِي: وَمِنَ الْكُفَّارِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا الْكُفَّارَ، {أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا] وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ. . . . [58] {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَادَى إِلَى الصَّلَاةِ وَقَامَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا قَالَتِ الْيَهُودُ: قَدْ قاموا لا قاموا، قَامُوا وَصَلَّوْا لَا صَلَّوْا، عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَضَحِكُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: حُرق الْكَاذِبُ، فَدَخَلَ خَادِمُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِنَارٍ - وَهُوَ وَأَهْلُهُ نِيَامٌ - فَتَطَايَرَتْ مِنْهَا شَرَارَةٌ فَاحْتَرَقَ الْبَيْتُ وَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا سَمِعُوا الْأَذَانَ حَسَدُوا الْمُسْلِمِينَ فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لِقَدْ أَبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَإِنْ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَقَدْ خَالَفْتَ فِيمَا أَحْدَثْتَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَكَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ صِيَاحٌ كَصِيَاحِ العير؟ فَمَا أَقْبَحَ مِنْ صَوْتٍ وَمَا أَسْمَجَ مِنْ أَمْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: 33] الْآيَةَ. [59] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} [المائدة: 59] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ من اليهود، أبو يا سر بْنُ أَخْطَبَ وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَغَيْرُهُمَا، فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ به من الرسل، فقال: ¬

(¬1) أخرجه الطبري 10 / 425.

" أؤمن بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ " إِلَى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84] » ، فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ، وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} [المائدة: 59] أَيْ: تَكْرَهُونَ مِنَّا {إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] أَيْ: هَلْ تَكْرَهُونَ مِنَّا إِلَّا إِيمَانَنَا وَفِسْقَكُمْ، أَيْ: إِنَّمَا كَرِهْتُمْ إِيمَانَنَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّا عَلَى حَقٍّ، لِأَنَّكُمْ فَسَقْتُمْ بِأَنْ أَقَمْتُمْ عَلَى دِينِكُمْ لِحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَحُبِّ الأموال، ثم قال: [60] {قُلْ} [المائدة: 60] يا محمد، {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} [المائدة: 60] أخبركم، {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} [المائدة: 60] الَّذِي ذَكَرْتُمْ، يَعْنِي قَوْلَهُمْ: لَمْ نَرَ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَذَكَرَ الْجَوَابَ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يكن الابتداء شرا لقوله تعالى: {أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ} [الحج: 72] {مَثُوبَةً} [المائدة: 60] ثَوَابًا وَجَزَاءً، نُصب عَلَى التَّفْسِيرِ، {عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} [المائدة: 60] أَيْ: هُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] يَعْنِي: الْيَهُودَ، {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} [المائدة: 60] فَالْقِرَدَةُ أَصْحَابُ السَّبْتِ، وَالْخَنَازِيرُ كُفَّارُ مائدة عيسى عليه السلام {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] أَيْ: جُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أَيْ: أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِيمَا سول له {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60] عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ. [61] {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا} [المائدة: 61] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} [آل عمران: 72] دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وقالوا: {آمَنَّا} [المائدة: 61] بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا قُلْتَ، وَهُمْ يُسرّون الْكُفْرَ، {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61] يَعْنِي: دَخَلُوا كَافِرِينَ وَخَرَجُوا كَافِرِينَ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} [المائدة: 61] [62] {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} [المائدة: 62] يَعْنِي: مِنَ الْيَهُودِ {يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 62] قِيلَ: الْإِثْمُ الْمَعَاصِي وَالْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ مَا كَتَمُوا مِنَ التوراة، والعدوان ما زادوا فيها، {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} [المائدة: 62] الرِّشَا، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62] [63] {لَوْلَا} [المائدة: 63] هلّا، {يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [المائدة: 63] يَعْنِي: الْعُلَمَاءَ، قِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى وَالْأَحْبَارُ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، {عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63] [64] {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ بَسَطَ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى كَانُوا مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مَالًا وَأَخْصَبِهِمْ نَاحِيَةً فَلَمَّا عَصَوُا اللَّهَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوا بِهِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أي: محبوسة مقبوضة من الرزق نسبوه إلى البخل، قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِنْحَاصٌ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ الْآخَرُونَ وَرَضُوا بِقَوْلِهِ أَشْرَكَهُمُ اللَّهُ فِيهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يَدُ اللَّهِ مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذَابِنَا فَلَيْسَ يُعَذِّبُنَا إلا ما يبر بِهِ قَسَمُهُ قَدْرَ مَا عَبَدَ آبَاؤُنَا الْعِجْلَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} [المائدة: 64] أَيْ: أُمسكت أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: أَنَا الْجَوَّادُ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ وَأَيْدِيهِمْ هِيَ الْمَغْلُولَةُ الْمُمْسِكَةُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْغَلِّ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ} [غَافِرِ: 71] {وَلُعِنُوا} [المائدة: 64] عُذّبوا {بِمَا قَالُوا} [المائدة: 64] فَمِنْ لَعْنِهِمْ أَنَّهُمْ مُسخوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ويد الله صفة من صفات ذاته كَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْوَجْهِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» (¬1) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَاتِهِ، فَعَلَى الْعِبَادِ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ. وَقَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ من ¬

(¬1) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة رقم (1827) 3 / 1458.

قوله تعالى ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا

أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ: " أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ "، {يُنْفِقُ} [المائدة: 64] يَرْزُقُ، {كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64] أي: كلما أنزل آية كفروا بها فازدادوا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 64] يَعْنِي: بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ، وَقِيلَ بَيْنَ طَوَائِفِ الْيَهُودِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ مُخْتَلِفِينَ فِي دِينِهِمْ مُتَبَاغِضِينَ {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] يَعْنِي: الْيَهُودَ أَفْسَدُوا وَخَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْطُوسَ الرُّومِيُّ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ لِيُفْسِدُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْقَدُوا نَارَ الْمُحَارَبَةِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، فَرَدَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَنَصَرَ نَبِيَّهُ وَدِينَهُ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَرْبٍ طَلَبَتْهُ الْيَهُودُ فَلَا تَلْقَى اليهود في بلد إِلَّا وَجَدْتَهُمْ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ، {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا] عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. . . . [65] {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا} [المائدة: 65] بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَاتَّقَوْا} [المائدة: 65] الْكُفْرَ، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [المائدة: 65] [66] {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة: 66] يَعْنِي: أَقَامُوا أَحْكَامَهُمَا وَحُدُودَهُمَا وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِمَا، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} [المائدة: 66] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: كُتُبُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66] قِيلَ: مِنْ فَوْقِهِمْ هُوَ الْمَطَرُ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ نَبَاتُ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَأَنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الْقَطْرَ وَأَخْرَجْتُ لهم من نبات الأرض. قال الْفِرَاءُ: أَرَادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ فِي الرِّزْقِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي الْخَيْرِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} [المائدة: 66] يَعْنِي: مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، مُقْتَصِدَةٌ أَيْ عَادِلَةٌ غَيْرُ غَالِيَةٍ، وَلَا مُقَصِّرَةٍ جَافِيَةٍ. وَمَعْنَى الِاقْتِصَادِ فِي اللُّغَةِ: الِاعْتِدَالُ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة: 66] كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ، {سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] بئس مَا يَعْمَلُونَ، بِئْسَ شَيْئًا عَمَلُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: عملوا بالقبيح مَعَ التَّكْذِيبِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [67] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [الْمَائِدَةِ: 67] قالت عائشة: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مما أنزل الله عليه فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] (¬1) رَوَى الْحَسَنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ رَسُولَهُ ضَاقَ ذَرْعًا وَعَرَفَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يكذبه، ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 275، ومسلم في الإيمان رقم (177) 1 / 159.

قوله تعالى وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (¬1) وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَيْبِ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: أَسْلَمْنَا قبلك وجعلوا يستهزؤون بِهِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: تُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَكَ حَنَانًا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عيسى حَنَانًا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ سَكَتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المائدة: 68] الْآيَةَ. وَقِيلَ: بَلِّغَ مَا أُنزل إِلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَنِكَاحِهَا، وَقِيلَ: فِي الْجِهَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَرِهُوهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمد: 20] كرهه بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} [النساء: 77] الآية. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْسِكُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ عَنِ الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَأَبُو بكر ويعقوب رِسَالاته عَلَى الْجَمْعِ وَالْبَاقُونَ رِسَالَتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِنْ لَمْ تُبَلِّغِ الْجَمِيعَ وَتَرَكْتَ بَعْضَهُ فَمَا بَلَّغْتَ شَيْئًا، أَيْ: جُرْمُكَ فِي تَرْكِ تَبْلِيغِ الْبَعْضِ كَجُرْمِكَ في ترك تبليغ الكل , وَقِيلَ: بَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَيْ: أَظْهِرْ تَبْلِيغَهُ، كَقَوْلِهِ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الْحِجْرِ: 94] وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنْ لَمْ تُظْهِرْ تَبْلِيغَهُ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مُجَاهِرًا مُحْتَسِبًا صَابِرًا، غَيْرَ خَائِفٍ، فَإِنْ أخفيتَ مِنْهُ شَيْئًا لِخَوْفٍ يَلْحَقُكَ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] يَحْفَظُكَ وَيَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ شُجَّ رَأْسُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَأُوذِيَ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَذَى؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الْقَتْلِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَى قَتْلِكَ. وقيل: نزلت هذه الآية بعد ما شُجَّ رَأْسُهُ لِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: وَاللَّهُ يَخُصُّكَ بِالْعِصْمَةِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] [68] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] أَيْ: تُقِيمُوا أَحْكَامَهُمَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِيهِمَا، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ} [المائدة: 68] فَلَا تَحْزَنْ، {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [الْمَائِدَةِ: 68] [69] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} [المائدة: 69] قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ: بِاللِّسَانِ. وقوله: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [المائدة: 69] أَيْ: بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) ، أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْإِيمَانِ، {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69] [70] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 70] فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا} [المائدة: 70] عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليهما، {وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] يحيى وزكريا. [قوله تعالى وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا] ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ. . . . [71] {وَحَسِبُوا} [المائدة: 71] ظنوا، {أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة: 71] أَيْ: عَذَابٌ وَقَتْلٌ، وَقِيلَ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ، أَيْ: ظَنُّوا أَنْ لَا يُبتلوا ولا يُعذبهم الله، {فَعَمُوا} [المائدة: 71] عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ يُبْصِرُوهُ، {وَصَمُّوا} [المائدة: 71] عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، يَعْنِي عَمُوا وَصَمُّوا بَعْدَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 71] بِبَعْثِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [الْمَائِدَةِ: 71] بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 71] [72] {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72] وهم الملكانية واليعقوبية منهم، ¬

(¬1) أسباب النزول للواحدي ص (232 - 233) ، الدر المنثور (3 / 116-117) .

قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم

{وَقَالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] [73] {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] يَعْنِي: الْمُرْقُوسِيَّةَ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: ثَالِثُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْإِلَهِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَرْيَمَ وَعِيسَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَهٌ فَهُمْ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ، يُبَيِّنُ هَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَسِيحِ: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ؟ ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ} [المائدة: 73] لِيُصِيبُنَّ، {الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73] خَصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لِعِلْمِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُؤْمِنُونَ. [74] {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} [المائدة: 74] قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا أَمْرٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [الْمَائِدَةِ: 91] أَيِ: انْتَهُوا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 74] [75] {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} [المائدة: 75] مضت، {مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [المائدة: 75] أَيْ: لَيْسَ هُوَ بِإِلَهٍ بَلْ هُوَ كَالرُّسُلِ الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ يكونوا آلهة، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] أَيْ: كَثِيرَةُ الصِّدْقِ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صِدِّيقَةً لِأَنَّهَا صَدَّقَتْ بِآيَاتِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصْفِهَا: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} [التَّحْرِيمِ: 12] {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] أَيْ: كَانَا يَعِيشَانِ بِالطَّعَامِ وَالْغِذَاءِ كَسَائِرِ الْآدَمِيِّينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَنْ لَا يُقِيمُهُ إِلَّا أَكْلُ الطَّعَامِ؟! وَقِيلَ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدَثِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟ ثُمَّ قَالَ: {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75] أَيْ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ. [76] {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76] [قَوْلُهُ تَعَالَى قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ] غَيْرَ الْحَقِّ. . . . [77] {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة: 77] أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ وَالْغُلُوُّ وَالتَّقْصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَذْمُومٌ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: {غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة: 77] أَيْ: فِي دِينِكُمُ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْحَقَّ فِي دِينِهِمْ، ثُمَّ غَلَوْا فِيهِ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ، {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ} [المائدة: 77] وَالْأَهْوَاءُ جَمْعُ الْهَوَى وَهُوَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ شَهْوَةُ النَّفْسِ {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} [المائدة: 77] يَعْنِي: رُؤَسَاءَ الضَّلَالَةِ مِنْ فَرِيقَيِ اليهود والنصارى، والخطاب للذين كَانُوا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُهُوا عَنِ اتِّبَاعِ أَسْلَافِهِمْ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ بِأَهْوَائِهِمْ، {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} [المائدة: 77] يَعْنِي: مَنِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى أَهْوَائِهِمْ، {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ، أَيْ: بِالْإِضْلَالِ، فَالضَّلَالُ الْأَوَّلُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَالثَّانِي بإضلال من اتبعهم. [78] {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ} [المائدة: 78] يَعْنِي: أَهْلَ أَيْلَةَ لَمَّا اعْتَدَوْا فِي

قوله تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى

السَّبْتِ، وَقَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ وَاجْعَلْهُمْ آيَةً؛ فَمُسِخُوا قردة وخنازير، {وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78] أَيْ: عَلَى لِسَانِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعْنِي كُفَّارَ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، لَمَّا لَمْ يُؤْمِنُوا، قَالَ عِيسَى: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ وَاجْعَلْهُمْ آيَةً؛ فَمُسِخُوا خَنَازِيرَ، {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78] [79] {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79] أَيْ: لَا يَنْهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] [80] قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} [المائدة: 80] قِيلَ: مِنَ الْيَهُودِ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ، {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [المائدة: 80] مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا إِلَيْهِمْ يُجَيِّشُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: مِنْهُمْ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ، {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [المائدة: 80] بِئْسَ مَا قَدَّمُوا مِنَ الْعَمَلِ لِمَعَادِهِمْ فِي الْآخِرَةِ؟ {أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 80] غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، {وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80] [81] {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ} [المائدة: 81] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} [المائدة: 81] يعني القرآن، {مَا اتَّخَذُوهُمْ} [المائدة: 81] يَعْنِي الْكُفَّارَ، {أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 81] أَيْ: خَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. [82] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82] لَمْ يُرِدْ بِهِ جَمِيعَ النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ فِي عَدَاوَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ كَالْيَهُودِ فِي قَتْلِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْرِهِمْ وَتَخْرِيبِ بِلَادِهِمْ وَهَدْمِ مَسَاجِدِهِمْ وَإِحْرَاقِ مَصَاحِفِهِمْ، لا وَلَا كَرَامَةَ لَهُمْ، بَلِ الْآيَةُ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِثْلُ النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِ وَجَمِيعِ النَّصَارَى، لِأَنَّ الْيَهُودَ أَقْسَى قَلْبًا وَالنَّصَارَى أَلْيَنُ قَلْبًا مِنْهُمْ، وَكَانُوا أَقَلَّ مُظَاهَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ من اليهود {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} [المائدة: 82] أَيْ: عُلَمَاءَ، قَالَ قُطْرُبٌ: الْقَسُّ وَالْقِسِّيسُ الْعَالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ، {وَرُهْبَانًا} [المائدة: 82] الرُّهْبَانُ الْعُبَّادُ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ وَاحِدُهُمْ رَاهِبٌ، مِثْلُ فَارِسٍ وَفُرْسَانٍ وَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعُهُ رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينٍ، {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] لَا يَتَعَظَّمُونَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ للحق. [قوله تعالى وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى] أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ. . . . [83] {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} [المائدة: 83] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ} [المائدة: 83] تَسِيلُ، {مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: يُرِيدُ النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرٌ بِالْحَبَشَةِ كهيعص، فَمَا زَالُوا يَبْكُونَ حَتَّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ. {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الْبَقَرَةِ: 143] [84] {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 84] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ عَيَّرُوهُمْ وَقَالُوا لَهُمْ: لِمَ آمَنْتُمْ؟ فَأَجَابُوهُمْ بِهَذَا، {وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 84] أَيْ: فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيَانُهُ {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 105] [85] {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ} [المائدة: 85] أَعْطَاهُمُ اللَّهُ، {بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [المائدة: 85] وَإِنَّمَا أَنْجَحَ قَوْلَهُمْ وَعَلَّقَ الثَّوَابَ بِالْقَوْلِ لِاقْتِرَانِهِ بِالْإِخْلَاصِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85] يعني: الموحدين المؤمنين، وقوله: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ وَالْمَعْرِفَةَ بِالْقَلْبِ مَعَ الْقَوْلِ يَكُونُ إِيمَانًا. [86] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 86] [87] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] يَعْنِي: اللَّذَّاتَ الَّتِي تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ مما أحل الله لَكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ الطَّيِّبَةِ وَالْمُشَارِبِ اللذيذة، {وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة: 87] وَلَا تُجَاوِزُوا الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ , {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] [88] {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [المائدة: 88] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: الْحَلَالُ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ وَجْهِهِ، وَالطَّيِّبُ مَا غَذَّى وَأَنْمَى، فَأَمَّا الْجَوَامِدُ كَالطِّينِ وَالتُّرَابِ وَمَا لَا يُغَذِّي فَمَكْرُوهٌ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88] [89] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (عَقَدْتُمُ) بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (عَاقَدْتُمْ) بِالْأَلْفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {عَقَّدْتُمُ} [المائدة: 89] بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: وَكَّدْتُمْ، وَالْمُرَادُ مِنَ الآية قصدتم وتعمدتم {فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89] أَيْ: كَفَّارَةُ مَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ إِذَا حَنِثْتُمْ، {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] أَيْ: مِنْ خَيْرِ قُوتِ عِيَالِكُمْ، وَقَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْأَوْسَطُ الْخُبْزُ وَالْخَلُّ، وَالْأَعْلَى الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ، وَالْأَدْنَى الخبز البحت والكل مُجْزٍ، قوله تعالى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَهُوَ فِيهَا مُخَيَّرٌ: إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةً مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ شَاءَ كَسَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رقبة. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89] إِذَا عَجَزَ الَّذِي لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ اليمين عن الطعام وَالْكُسْوَةِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالْعَجْزُ أَنْ لَا يَفْضُلَ مِنْ مَالِهِ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَحَاجَتِهِ مَا يُطْعِمُ أَوْ يَكْسُو أَوْ يُعْتِقُ فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا مَلَكَ مَا يُمْكِنُهُ الْإِطْعَامَ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كفايته فليس له

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر

الصيام {ذَلِكَ} [المائدة: 89] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ، {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] وَحَنِثْتُمْ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلا بعد الحنث. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ تَرْكَ الْحَلِفِ، أَيْ: لَا تَحْلِفُوا، وَقِيلَ - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: أَرَادَ بِهِ إِذَا حَلَفْتُمْ فَلَا تَحْنَثُوا، فَالْمُرَادُ مِنْهُ حِفْظُ الْيَمِينِ عَنِ الْحِنْثِ هَذَا إِذَا لم يكن يَمِينُهُ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فَإِنْ حَلِفَ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحنث نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ] وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. . . . [90] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] أي: القمار، {وَالْأَنْصَابُ} [المائدة: 90] يعني: الأوثان، وسميت بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَهَا، وَاحِدُهَا نَصْبٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَنُصْبٌ بِضَمِّ النُّونِ مُخَفَّفًا وَمُثْقَلًا، {وَالْأَزْلَامُ} [المائدة: 90] يعني: القِداح التي يستقسمون بها واحدها زلم وزلم، {رِجْسٌ} [المائدة: 90] خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ، {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] من تزيينه، {فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الرِّجْسِ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الْمَائِدَةِ: 90] [91] {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 91] أما العداوة فِي الْخَمْرِ فَإِنَّ الشَّارِبِينَ إِذَا سَكِرُوا عَرْبَدُوا وَتَشَاجَرُوا، كَمَا فَعَلَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي شَجَّ سَعْدَ بْنَ أبي وقاص بلحي الجمل، وأما الْعَدَاوَةُ فِي الْمَيْسِرِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الرَّجُلُ يُقَامِرُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ ثُمَّ يَبْقَى حَزِينًا مَسْلُوبَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ مُغْتَاظًا عَلَى حُرَفَائِهِ، {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91] وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشُرْبِ الخمر والقمار أَلْهَاهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَشَوَّشَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ كَمَا فَعَلَ بِأَضْيَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وتقدم رَجُلٌ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا شَرِبُوا فَقَرَأَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الْكَافِرُونَ: 1] أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، بِحَذْفِ لا، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [الْمَائِدَةِ: 91] أَيِ: انتهوا، لفظه اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 80] ؟ [92] {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} [المائدة: 92] الْمَحَارِمَ وَالْمَنَاهِيَ، {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] [93] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآية، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالُوا لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ مِنْ مَالِ الْمَيْسِرِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] وَشَرِبُوا مِنَ الْخَمْرِ وَأَكَلُوا مِنْ مَالِ الْمَيْسِرِ {إِذَا مَا اتَّقَوْا} [المائدة: 93] الشرك، {وَآمَنُوا} [المائدة: 93] وَصَدَّقُوا، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا} [المائدة: 93] الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِمَا، {وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا} [المائدة: 93] مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ،

{وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ إِذْ مَا اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وَآمَنُوا وَصَدَّقُوا ثُمَّ اتَّقَوْا، أَيْ: دَاوَمُوا عَلَى ذَلِكَ التقوى، وآمنوا وازدادوا إِيمَانًا، ثُمَّ اتَّقَوُا الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا وَأَحْسَنُوا، وَقِيلَ: أَيِ: اتَّقَوْا بِالْإِحْسَانِ وَكُلُّ مُحْسِنٍ مُتَّقٍ، وَاللَّهُ يُحِبُّ المحسنين. [94] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} [المائدة: 94] الْآيَةَ، نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ، وَكَانَتِ الْوُحُوشُ تَغْشَى رِحَالَهُمْ مِنْ كَثْرَتِهَا فَهَمُّوا بِأَخْذِهَا فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ} [المائدة: 94] لِيَخْتَبِرَنَّكُمُ اللَّهُ، وَفَائِدَةُ الْبَلْوَى إِظْهَارُ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى الْبَلْوَى بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا بعَّض فَقَالَ {بِشَيْءٍ} [المائدة: 94] لِأَنَّهُ ابْتَلَاهُمْ بِصَيْدِ الْبَرِّ خَاصَّةً. {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} [المائدة: 94] يَعْنِي: الْفَرْخَ وَالْبَيْضَ وَمَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ صِغَارِ الصيد، {وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94] يَعْنِي: الْكِبَارَ مِنَ الصَّيْدِ، {لِيَعْلَمَ اللَّهُ} [المائدة: 94] لِيَرَى اللَّهُ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ، {مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: 94] أَيْ: يَخَافُ اللَّهَ وَلَمْ يَرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الْأَنْبِيَاءِ: 49] أَيْ: يَخَافُهُ فَلَا يَصْطَادُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} [المائدة: 94] أَيْ: صَادَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 94] [95] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] أَيْ: مُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهُوَ جَمْعُ حَرَامٍ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَامٌ وَامْرَأَةٌ حَرَامٌ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، يُقَالُ: أَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ، وَأَحْرَمَ إِذَا دخل الحرم {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْعَمْدِ فَقَالَ قوم: هو العمد لقتل الصَّيْدِ مَعَ نِسْيَانِ الْإِحْرَامِ، أَمَّا إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِإِحْرَامِهِ فَلَا حُكْمَ عَلَيْهِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أن يكون له كفارة، هذا قول مجاهد والحسن، وقال الآخرون: هُوَ أَنْ يَعْمِدَ الْمُحْرِمُ قَتْلَ الصَّيْدِ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قَتَلَهُ خَطَأً، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ سَوَاءٌ فِي لُزُومِ الكفارة، وقال الزُّهْرِيُّ: عَلَى الْمُتَعَمِّدِ بِالْكِتَابِ وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا تَجِبُ كَفَّارَةُ الصَّيْدِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِالْعَمْدِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ، وَأَرَادَ بِهِ مَا يَقْرُبُ مِنَ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ شَبَهًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةِ، {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] أَيْ: يَحْكُمُ بِالْجَزَاءِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ يَنْظُرَانِ إِلَى أَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ النَّعَمِ فيحكمان به {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] أَيْ: يُهْدِي تِلْكَ الْكَفَّارَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَيَذْبَحُهَا بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] قَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ: العِدْل بِالْكَسْرِ: الْمِثْلُ مِنْ جِنْسِهِ، والعَدْل بِالْفَتْحِ: الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَرَادَ بِهِ أَنَّهُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ فَيَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا وَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمَسَاكِينِ. وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمِثْلَ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ ثُمَّ يَجْعَلُ الْقِيمَةَ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يَصُومُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَجِبُ الْمِثْلُ مِنَ النَّعم بَلْ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ، فَإِنْ شَاءَ صَرَفَ تِلْكَ الْقِيمَةَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعم، وَإِنْ شَاءَ إِلَى الطَّعَامِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ يَوْمًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ جَزَاءُ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّخْيِيرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95] أَيْ: جَزَاءَ مَعْصِيَتِهِ، {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] يَعْنِي: قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَنُزُولِ الْآيَةِ، قَالَ السُّدِّيُّ: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،

قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا

{وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] فِي الْآخِرَةِ. {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95] وَإِذَا تَكَرَّرَ مِنَ الْمُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ فَيَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ عامة أهل العلم. [قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا] لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمًا. . . . [96] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] وَالْمُرَادُ بِالْبَحْرِ جَمِيعُ الْمِيَاهِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطَعَامُهُ مَا رُمِيَ بِهِ ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: طَعَامُهُ مَا قَذَفَهُ الْمَاءُ إِلَى السَّاحِلِ مَيْتًا. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْمَالِحُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَيْدُهُ: طَرِيُّهُ، وَطَعَامُهُ: مَالِحُهُ، مَتَاعًا لَكُمْ أَيْ: مَنْفَعَةً لَكُمْ، وَلِلسَّيَّارَةِ يَعْنِي: الْمَارَّةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 96] صَيْدُ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ، كَمَا هُوَ حَلَالٌ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا صَيْدُ الْبَرِّ فَحَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ، وَالصَّيْدُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ الَّذِي يَحِلُّ أَكْلُهُ، أَمَّا مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَا يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، وَلِلْمُحْرِمِ أَخْذُهُ وقتله. [97] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97] قَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَرْبِيعِهَا وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ كَعْبَةً، قَالَ مُقَاتِلٌ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِانْفِرَادِهَا مِنَ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِارْتِفَاعِهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْخُرُوجِ وَالِارْتِفَاعِ، وَسُمِّيَ الْكَعْبُ كَعْبًا لِنُتُوئِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْ جَانِبَيِ الْقَدَمِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجَارِيَةِ إِذَا قَارَبَتِ الْبُلُوغَ وَخَرَجَ ثَدْيُهَا: تَكَعَّبَتْ، وَسُمِّيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ وَعَظَّمَ حُرْمَتَهُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يوم خلق السماوات والأرض» (¬1) {قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المائدة: 97] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (قِيَمًا) بِلَا أَلْفٍ وَالْآخَرُونَ قِيَامًا بِالْأَلْفِ، أَيْ: قَوَامًا لَهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَمَّا الدِّينُ لِأَنَّ بِهِ يَقُومُ الْحَجُّ وَالْمَنَاسِكُ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فِيمَا يُجْبَى إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وكانوا يأمنون فيه من النهب وَالْغَارَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] ؟ {وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97] أَرَادَ بِهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَهِيَ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، أَرَادَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ فِيهَا القتال، {وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} [المائدة: 97] أراد أنهم كانوا يأمنون بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ، فَذَلِكَ الْقَوَامُ فِيهِ، {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97] فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ اتِّصَالٍ لِهَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبْلَهُ؟ قِيلَ: أَرَادَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْكَعْبَةَ قياما للناس لأن الله تعالى يَعْلَمُ صَلَاحَ الْعِبَادِ كَمَا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قَدْ سَبَقَ ¬

(¬1) رواه البخاري في المغازي 8 / 26، ومسلم (1353) بنحوه في الحج، والمصنف في شرح السنة 7 / 294.

قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله

فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْغُيُوبِ وَالْكَشْفُ عَنِ الْأَسْرَارِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} [المائدة: 41] وَمِثْلُ إِخْبَارِهِ بِتَحْرِيفِهِمُ الْكُتُبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 97] راجع إليه. [98] {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98] [99] {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [المائدة: 99] التَّبْلِيغُ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة: 99] [100] {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [المائدة: 100] أَيِ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} [المائدة: 100] سرَّك، {كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 100] وَلَا تَتَعَرَّضُوا لِلْحُجَّاجِ وَإِنْ كَانُوا مشركين {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100] [101] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] أَيْ: إِنْ تَظْهَرْ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، أَيْ: إِنْ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ بِهَا {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101] مَعْنَاهُ صَبَرْتُمْ حَتَّى يَنْزِلَ الْقُرْآنُ بِحُكْمٍ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ حُكْمٍ، وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ شَرْحُ مَا بِكُمْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ وَمَسَّتْ حَاجَتُكُمْ إِلَيْهِ، فَإِذَا سَأَلْتُمْ عنها حينئذ تُبْدَ لَكُمْ، {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101] [102] {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 102] كَمَا سَأَلَتْ ثَمُودُ صَالِحًا النَّاقَةَ وَسَأَلَ قَوْمُ عِيسَى الْمَائِدَةَ، {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 102] فأُهلكوا، قَالَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا. [103] {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} [المائدة: 103] أَيْ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ، {وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103] قال ابن عباس: الْبَحِيرَةُ هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ بَحَرُوا أُذُنَهَا، أَيْ: شَقُّوهَا وَتَرَكُوا الْحَمْلَ عليها ولم يركبوها، وَلَمْ يَجُزُّوا وَبَرَهَا، وَلَمْ يَمْنَعُوهَا الماء والكلأ، وقال أبو عبيدة: السَّائِبَةُ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسَيَّبُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كان إذا مرض أو غاب لَهُ قَرِيبٌ نَذَرَ فَقَالَ: إِنْ شَفَانِي اللَّهُ تَعَالَى أَوْ شُفي مَرِيضِي أَوْ عَادَ غَائِبِي فَنَاقَتِي هَذِهِ سَائِبَةٌ، ثُمَّ يُسَيِّبُهَا فَلَا تُحْبَسُ عَنْ رَعْيٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا يَرْكَبُهَا أَحَدٌ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ البحيرة، وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ: فَمِنَ الْغَنَمِ كَانَتِ الشَّاةُ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ نظروا فإن كَانَ السَّابِعُ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ فَأَكَلَ مِنْهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تَرَكُوهَا فِي الْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى اسْتَحْيَوُا الذَّكَرَ مِنْ أَجْلِ الْأُنْثَى، وَقَالُوا: وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَمْ يَذْبَحُوهُ، وَكَانَ لَبَنُ الْأُنْثَى حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنْ مَاتَ مِنْهَا شَيْءٌ أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا، وَأَمَّا الْحَامُ: فَهُوَ الْفَحْلُ إِذَا رُكب وَلَدُ وَلَدِهِ، وَيُقَالُ: إِذَا نَتَجَ مِنْ صُلْبِهِ عَشْرَةُ أَبْطُنٍ، قَالُوا: حُمي ظَهْرُهُ فَلَا يُرْكَبُ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ كَلَأٍ وَلَا مَاءٍ، فَإِذَا مَاتَ أَكَلَهُ الرِّجَالُ والنساء {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة: 103] فِي قَوْلِهِمُ اللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، {وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ] وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. . . . [104] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} [المائدة: 104] فِي تَحْلِيلِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَبَيَانِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ، {قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104] مِنَ الدِّين، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] [105] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَلَا تَدْرُونَ مَا هِيَ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ» (¬1) وفي رواية: «لتأمُرنَّ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في الملاحم 6 / 187، والترمذي في الفتن 6 / 388 وقال حسن صحيح، والمصنف في شرح السنة 14 / 344، وصححه ابن حبان ص 455.

بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ ليسلطن اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فليسومونكم سُوءَ الْعَذَابِ، ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خيارُكم فَلَا يُسْتَجَابُ لكم» (¬1) قال أبو عبيدة: خَافَ الصِّدِّيقُ أَنْ يَتَأَوَّلَ النَّاسُ الآية غَيْرِ مُتَأَوَّلِهَا فَيَدْعُوهُمْ إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَأَنَّ الَّذِي أُذِنَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ تَغْيِيرِهِ مِنَ الْمُنْكَرِ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الْمُعَاهَدُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ، وَقَدْ صُولحوا عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ وَالرَّيْبُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَعْنِي: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَخُذُوا مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ وَاتْرُكُوهُمْ، وعن ابن عباس قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مَا قُبِلَ مِنْكُمْ فَإِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ فعليكم أنفسكم، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 105] الضَّالُّ وَالْمُهْتَدِي، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105] [106] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ} [المائدة: 106] أَيْ: لِيَشْهَدِ اثْنَانِ، لَفْظُهُ خَبَرٌ ومعناه أمر، وقيل: إن مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ فِيمَا بَيْنَكُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ اثْنَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَشْهَدَانِ على وصية الموصي، وقال الآخرون: هما الوصيان ولا يلزم الشاهد يمين، وَجُعِلَ الْوَصِيُّ اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ كَقَوْلِكَ: شهدتُ وَصِيَّةَ فُلَانٍ، بِمَعْنَى حَضَرْتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النُّورِ: 2] يريد الحضور، {ذَوَا عَدْلٍ} [المائدة: 106] أي: أمانة وعقل، {مِنْكُمْ} [المائدة: 106] أَيْ: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] أَيْ: مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ في قول أكثر المفسرين ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْآيَةِ، فَقَالَ النَّخَعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَكَانَتْ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةً فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ نُسِخَتْ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا ثَابِتَةٌ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ نَجِدْ مُسْلِمَيْنِ فَنُشْهِدُ كَافِرَيْنِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ كَانَ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشهده عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ كَافِرَيْنِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَا مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا عَلَى وَصِيَّةٍ فِي سَفَرٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106] أَيْ: مِنْ حَيِّ الْمُوصِي أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ حَيِّكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ، وقالوا: لا ¬

(¬1) ذكره الحافظ السيوطي في الجامع الصغير، وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، وأشار لحسنه، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 13 / 92.

تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ} [المائدة: 106] سِرْتُمْ وَسَافَرْتُمْ، {فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106] فَأَوْصَيْتُمْ إِلَيْهِمَا وَدَفَعْتُمْ إِلَيْهِمَا مَالَكُمْ فاتهمتهما بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً فالحكم فيه أنْ {تَحْبِسُونَهُمَا} [المائدة: 106] أَيْ: تَسْتَوْقِفُونَهُمَا، {مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 106] أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَ (مِنْ) صِلَةٌ يُرِيدُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَيَجْتَنِبُونَ فِيهِ الْحَلِفَ الكاذب، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ أَهْلِ دِينِهِمَا وَمِلَّتِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَا يباليان بصلاة العصر، {فَيُقْسِمَانِ} [المائدة: 106] يحلفان، {بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} [المائدة: 106] أَيْ: شَكَكْتُمْ وَوَقَعَتْ لَكُمُ الرِّيبَةُ فِي قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَصِدْقِهِمَا، أَيْ: فِي قَوْلِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا} [المائدة: 106] أَيْ: لَا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ عَلَى عِوَضٍ نَأْخُذُهُ أَوْ مَالٍ نَذْهَبُ بِهِ أَوْ حَقٍّ نَجْحَدُهُ، {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [المائدة: 106] وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرَابَةٍ مِنَّا، {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} [المائدة: 106] أَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا وَنَهَى عَنْ كِتْمَانِهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (شَهَادَةً) ، بِتَنْوِينٍ، (اللَّه) ممدود، وجعل الاستفهام عوضا من حَرْفِ الْقَسَمِ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي جعفر (شَهَادَةً) منونة (اللَّهِ) بِقَطْعِ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ عَلَى ابْتِدَاءِ الْيَمِينِ، أَيْ: وَاللَّهِ، {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106] أَيْ: إِنْ كَتَمْنَاهَا كُنَّا مِنَ الآثمين. [107] {فَإِنْ عُثِرَ} [المائدة: 107] أَيِ: اطُّلِعَ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، وَأَصْلُ الْعُثُورِ: الْوُقُوعُ عَلَى الشَّيْءِ، {عَلَى أَنَّهُمَا} [المائدة: 107] يعني: الوصيين {اسْتَحَقَّا} [المائدة: 107] استوجبا، {إِثْمًا} [المائدة: 107] بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة، {فَآخَرَانِ} [المائدة: 107] مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} [المائدة: 107] يَعْنِي: مَقَامَ الْوَصِيَّيْنِ، {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ} [المائدة: 107] بضم التاء على المجهول، هذا قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، يَعْنِي: الَّذِينَ اسْتَحَقَّ، {عَلَيْهِمُ} [المائدة: 107] أَيْ: فِيهِمْ وَلِأَجْلِهِمُ الْإِثْمَ وَهُمْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ اسْتَحَقَّ الْحَالِفَانِ بِسَبَبِهِمُ الْإِثْمَ، وَ (عَلَى) بِمَعْنَى فِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] وقرأ حفص {اسْتَحَقَّ} [المائدة: 107] بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، أَيْ: حَقٌّ وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِثْمُ، يُقَالُ: حَقَّ وَاسْتَحَقَّ بمعنى واحد، {الْأَوْلَيَانِ} [المائدة: 107] نَعْتٌ لَلْآخَرَانِ، أَيْ: فَآخَرَانِ الْأَوْلَيَانِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ وَ {الْأَوْلَيَانِ} [المائدة: 107] مَعْرِفَةٌ وَالْآخَرَانِ نَكِرَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا وصف الآخران فَقَالَ (مِنَ الَّذِينَ) صَارَ كَالْمَعْرِفَةِ في المعنى وَ (الْأَوْلَيَانِ) تَثْنِيَةُ الأَولى، والأَولى هُوَ الْأَقْرَبُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ (الأَوْلَيْنَ) بِالْجَمْعِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ أَيْضًا أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْحَالِفِينَ يَقُومُ اثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} [المائدة: 107] يَعْنِي: يَمِينَنَا أَحَقُّ مِنْ يَمِينِهِمَا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النُّورِ: 6] وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَيْمَانُ، فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَيْ: أقسم بالله، {وَمَا اعْتَدَيْنَا} [المائدة: 107] فِي أَيْمَانِنَا وَقَوْلِنَا أَنَّ شَهَادَتَنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 107] وَالْوَصِيُّ إِذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَقَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى لِي بِهِ حَلَفَ الْوَارِثُ إِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ سِلْعَةً فِي يَدِ رَجُلٍ فَاعْتَرَفَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْمُدَّعِي، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لم يبعها منه. [108] {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} [المائدة: 108] ذَلِكَ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ أَجْدَرُ وَأَحْرَى أَنْ يَأْتِيَ الْوَصِيَّانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَسَائِرُ النَّاسِ أَمْثَالُهُمْ، أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا كَانَتْ، {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 108] أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَخَافُوا رَدَّ الْيَمِينِ بَعْدَ يَمِينِهِمْ عَلَى الْمُدَّعِي، فَيَحْلِفُوا عَلَى خِيَانَتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فَيُفْتَضَحُوا وَيَغْرَمُوا فَلَا يَحْلِفُونَ كَاذِبِينَ إِذَا خَافُوا هَذَا الْحُكْمَ،

قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 108] أَنْ تَحْلِفُوا أَيْمَانًا كَاذِبَةً أَوْ تخونوا الأمانة , {وَاسْمَعُوا} [المائدة: 108] الْمَوْعِظَةَ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 108] [قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ] قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. . . . [109] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} [المائدة: 109] وهو يوم القيامة، {فَيَقُولُ} [المائدة: 109] لهم، {مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109] أَيْ: مَا الَّذِي أَجَابَتْكُمْ أُمَّتُكُمْ؟ وَمَا الَّذِي رَدَّ عَلَيْكُمْ قَوْمُكُمْ حِينَ دَعَوْتُمُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَطَاعَتِي؟ {قَالُوا} [المائدة: 109] أَيْ: فَيَقُولُونَ، {لَا عِلْمَ لَنَا} [المائدة: 109] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا الْعِلْمَ الَّذِي أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، وَقِيلَ: لَا عِلْمَ لَنَا بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ عَنْ سُؤَالِكَ إِيَّانَا عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا عِلْمَ لَنَا بِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَبِمَا أَحْدَثُوا مِنْ بَعْدُ، دَلِيلُهُ أَنَّهُ قَالَ: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] أَيْ: أَنْتَ الَّذِي تَعْلَمُ مَا غَابَ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ إِلَّا ما نشاهد. [110] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} [المائدة: 110] قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ (نِعْمَتِي) أَيْ: نِعَمِي، لَفْظُهُ وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ جَمْعٌ، كَقَوْلِهِ تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] {وَعَلى وَالِدَتِكَ} [المائدة: 110] مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ النِّعَمَ فَقَالَ: {إِذْ أَيَّدْتُكَ} [المائدة: 110] قويتك، {بِرُوحِ الْقُدُسِ} [المائدة: 110] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {تُكَلِّمُ النَّاسَ} [المائدة: 110] يَعْنِي: وَتُكَلِّمُ النَّاسَ، {فِي الْمَهْدِ} [المائدة: 110] صبيا، {وَكَهْلًا} [المائدة: 110] نَبِيًّا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرْسَلَهُ الله وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ فِي رِسَالَتِهِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ} [المائدة: 110] يعني الخط، {وَالْحِكْمَةَ} [المائدة: 110] يَعْنِي: الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ، {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ} [المائدة: 110] تَجْعَلُ وَتُصَوِّرُ، {مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [المائدة: 110] كَصُورَةِ الطَّيْرِ، {بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا} [المائدة: 110] حيًّا يطير، {بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ} [المائدة: 110] وَتُصَحِّحُ، {الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى} [المائدة: 110] مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً، {بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ} [المائدة: 110] منعت وصرفت، {بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 110] يعني اليهود، {عَنْكَ} [المائدة: 110] حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِكَ، {إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [المائدة: 110] يعني: بالدلالات الواضحات والمعجزات، وهي التي ذكرنا، وسميت بالبينات لأنها مما يعجز عنها سائر الخلق الذين ليسوا بمرسلين، {فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا} [المائدة: 110] ما هذا، {إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [المائدة: 110] يَعْنِي: مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (سَاحِرٌ مُبِينٌ) هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ هُودٍ وَالصَّفِّ، فَيَكُونُ رَاجِعًا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي هُودٍ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [111] {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111] أَلْهَمْتُهُمْ وَقَذَفْتُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي أَمَرْتُ وَ (إِلَى) صِلَةٌ، وَالْحَوَارِيُّونَ خَوَاصُّ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] عيسى، {قَالُوا} [المائدة: 111] حِينَ وَفَّقْتُهُمْ {آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] [112] {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} [المائدة: 112]

قوله تعالى قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل

قَرَأَ الْكِسَائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتَّاءِ، (ربَّك) بِنَصْبِ الْبَاءِ وَهُوَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْعُوَ وتسأل ربك، وقرأ الآخرون (يَسْتَطِيعُ) بِالْيَاءِ وَ (ربُّك) بِرَفْعِ الباء، ولم يقولوه شاكين بقدرة اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ أَمْ لَا؟ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْهَضَ مَعِي؟ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَقِيلَ: يَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى يُطِيعُ، يُقَالُ: أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقوله: أجاب واستجاب، معناه: هل يعطيك رَبُّكَ بِإِجَابَةِ سُؤَالِكَ؟ وَفِي الْآثَارِ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَطَاعَهُ اللَّهُ، وَأَجْرَى بَعْضُهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: غَلَطَ الْقَوْمُ، وَقَالُوهُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الْمَعْرِفَةِ وَكَانُوا بَشَرًا، فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْغَلَطِ اسْتِعْظَامًا لِقَوْلِهِمْ: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 112] أَيْ: لَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَتِهِ، {أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112] الْمَائِدَةُ: الْخِوَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ، وَهِيَ فَاعِلَةٌ مِنْ: مادَهُ يُمِيدُهُ إِذَا أَعْطَاهُ وَأَطْعَمَهُ، كَقَوْلِهِ مَارَهُ يميره، وامتار افْتَعَلَ مِنْهُ، وَالْمَائِدَةُ هِيَ الْمُطْعِمَةُ لِلْآكِلِينَ الطَّعَامَ، وَسُمِّيَ الطَّعَامُ أَيْضًا مَائِدَةً عَلَى الْجَوَازِ، لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: سُمِّيَتْ مَائِدَةً لِأَنَّهَا تَمِيدُ بِالْآكِلِينَ، أَيْ: تَمِيلُ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: فاعلة بمعنى المفعولة، يعني ميد بِالْآكِلِينَ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] أي: مرضية، {قَالَ} [المائدة: 112] عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مُجِيبًا لَهُمْ: ": {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 112] فَلَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَتِهِ، وَقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَسْأَلُوهُ شَيْئًا لَمْ يَسْأَلْهُ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ، فَنَهَاهُمْ عَنِ اقْتِرَاحِ الْآيَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ. [113] {قَالُوا نُرِيدُ} [المائدة: 113] أَيْ: إِنَّمَا سَأَلْنَا لِأَنَّا نُرِيدُ، {أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} [المائدة: 113] أَكْلَ تَبَرُّكٍ لَا أَكْلَ حَاجَةٍ فنستيقن قدرته، {وَتَطْمَئِنَّ} [المائدة: 113] وَتَسْكُنَ، {قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} [المائدة: 113] بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أَيْ: نَزْدَادُ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى عليه السلام أَمَرَهُمْ أَنْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا فإذا فطروا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ، فَفَعَلُوا وَسَأَلُوا الْمَائِدَةَ، وَقَالُوا: وَنَعْلَمُ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا فِي قَوْلِكَ، إِنَّا إِذَا صُمْنَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَانَا، {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 113] لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَكَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقِيلَ: وَنَكُونُ مِنَ الشَّاهِدَيْنَ لَكَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رجعنا إليهم. [قوله تعالى قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ] عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا. . . . [114] {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 114] عِنْدَ ذَلِكَ، {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} [المائدة: 114] أَيْ: عَائِدَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْنَا حُجَّةً وَبُرْهَانًا، وَالْعِيدُ: يَوْمُ السُّرُورِ، سُمِّيَ بِهِ لِلْعَوْدِ مِنَ التَّرَحِ إِلَى الْفَرَحِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا اعْتَدْتَهُ وَيَعُودُ إِلَيْكَ، وَسُمِّيَ يَوْمُ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى عِيدًا لِأَنَّهُمَا يَعُودَانِ في كُلَّ سَنَةٍ، قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ نَتَّخِذُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا، أَيْ: نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ: نُصَلِّي فِيهِ، قَوْلُهُ (لِأَوَّلِنَا) أَيْ: لِأَهْلِ زَمَانِنَا، وَآخِرِنَا أَيْ: لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَأْكُلُ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أكل منها أولهم، {وَآيَةً مِنْكَ} [المائدة: 114] دَلَالَةً وَحُجَّةً، {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة: 114] [115] {قَالَ اللَّهُ} [المائدة: 115] تَعَالَى مُجِيبًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة: 115] يَعْنِي الْمَائِدَةَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَّةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ (مُنَزِّلُهَا) بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّاتٍ وَالتَّفْعِيلُ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ لِقَوْلِهِ أَنْزِلْ عَلَيْنَا، {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} [المائدة: 115] أَيْ: بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا} [المائدة: 115] أَيْ: جِنْسَ عَذَابٍ، {لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 115] يَعْنِي: عَالَمِي زَمَانِهِ، فَجَحَدَ الْقَوْمُ وَكَفَرُوا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةَ فمُسخوا قردة وخنازير. [116] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ} [المائدة: 116]

{مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَتَى يَكُونُ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْقَوْلَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّ حَرْفَ (إِذْ) يَكُونُ لِلْمَاضِي، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّمَا يَقُولُ اللَّهُ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} [المائدة: 109] وقال من بعد هَذَا: {يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [الْمَائِدَةَ: 119] وَأَرَادَ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَجِيءُ إِذْ بِمَعْنَى إِذَا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا} [سبأ: 51] أَيْ: إِذَا فَزِعُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْقِيَامَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدُ وَلَكِنَّهَا كَالْكَائِنَةِ لِأَنَّهَا آتِيَةٌ لَا مَحَالَةَ، قَوْلُهُ: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ هَذَا السؤال عنه مَعَ عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْهُ؟ قِيلَ هَذَا السُّؤَالُ عَنْهُ لِتَوْبِيخِ قَوْمِهِ وَتَعْظِيمِ أَمْرِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: أَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ إِعْلَامًا وَاسْتِعْظَامًا لَا اسْتِخْبَارًا وَاسْتِفْهَامًا، وَأَيْضًا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقِرَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَيَسْمَعُ قومه منه وَيَظْهَرُ كَذِبُهُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو رَوْقٍ: وَإِذَا سَمِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الخطاب أرعدت مفاصله ثُمَّ يَقُولُ مُجِيبًا لِلَّهِ عَزَّ وجل: {قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116] تَنْزِيهًا وَتَعْظِيمًا لَكَ , {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. [117] {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] وَحِّدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117] وأقمت، {فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117] قَبَضْتَنِي وَرَفَعْتَنِي إِلَيْكَ، {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117] وَالْحَفِيظَ عَلَيْهِمْ تَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ، {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] [118] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ؟ وَكَيْفَ قَالَ: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ؟ قِيلَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَعْنَاهُ إِنَّ تُعَذِّبْهُمْ بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بَعْدَ الإيمان وهذا يستقيم بعد الإيمان. وقيل: هذا في الفريقين مِنْهُمْ مَعْنَاهُ إِنْ تُعَذِّبْ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْأَمْرِ وَتَفْوِيضِهِ إِلَى مُرَادِهِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَعْرُوفَةِ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

سورة الأنعام

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ فِي الْمُلْكِ الْحَكِيمُ فِي الْقَضَاءِ لَا يَنْقُصُ مِنْ عِزِّكَ شَيْءٌ، وَلَا يَخْرُجُ مَنْ حُكْمِكَ شَيْءٌ، وَيُدْخِلُ فِي حِكْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ الْكُفَّارَ، ولكنه أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ وَهُوَ لا يخلف خبره. [119] {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] قَرَأَ نَافِعٌ (يَوْمَ) بِنَصْبِ الْمِيمِ، يَعْنِي: تَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي يَوْمٍ، فَحَذَفَ فِي فَانْتَصَبَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ (هَذَا) ، أَيْ: يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ كَذَبُوا خَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَنَطَقَتْ بِهِ جَوَارِحُهُمْ فَافْتُضِحُوا، وَقِيلَ: أراد بِالصَّادِقِينَ النَّبِيِّينَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانُهُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: مُتَكَلِّمَانِ لَا يُخْطِئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مَا قَصَّ الله، وَعَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} [إبراهيم: 22] الْآيَةَ. فَصَدَقَ عَدُوُّ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَاذِبًا فَلَمْ يَنْفَعْهُ صِدْقُهُ، وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ صَادِقًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَنَفَعَهُ صِدْقُهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا دَارَ عَمَلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ ثَوَابَهَمْ فَقَالَ: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119] [120] ثُمَّ عَظَّمَ نَفْسَهُ فَقَالَ: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120] [سورة الأنعام] [قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. . . . (6) سورة الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1] قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ فِي التَّوْرَاةِ، وَآخِرُ آية في التوراة قوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111] الْآيَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: افْتَتَحَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِالْحَمْدِ فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1] وَخَتَمَهُ بِالْحَمْدِ فَقَالَ: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} [الزمر: 75] أَيْ: بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَقِيلَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزُّمَرِ: 75] قَوْلُهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) حَمَدَ اللَّهُ نَفْسَهُ تَعْلِيمًا لِعِبَادِهِ، أَيِ: احْمِدُوا اللَّهَ الذي خلق السماوات وَالْأَرْضَ، خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَرَى الْعِبَادُ وَفِيهِمَا الْعِبَرُ وَالْمَنَافِعُ لِلْعِبَادِ، {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] والجعل بمعنى الخلق، وقال الْوَاقِدِيُّ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فَهُوَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهِمَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ يَعْنِي الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بالظلمات الجهل والنور الْعِلْمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ خَلَقَ اللَّهُ السماوات وَالْأَرْضَ، وَقَدْ جَعَلَ

الظلمات والنور، لأنه قد خلق الظلمة والنور قبل السماوات وَالْأَرْضِ، قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ السماوات قبل الأرض، وخلق الظلمة قَبْلَ النُّورِ، وَالْجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ، {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] أَيْ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أَيْ: يُشْرِكُونَ، وَأَصْلُهُ مِنْ مُسَاوَاةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَمِنْهُ الْعَدْلُ، أَيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ: عَدَلْتُ هَذَا بِهَذَا إِذَا سَاوَيْتُهُ، وَبِهِ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ عَنْ رَبِّهِمْ، يَعْدِلُونَ أَيْ يَمِيلُونَ وَيَنْحَرِفُونَ من العدول. [2] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} [الأنعام: 2] يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَاطَبَهُمْ بِهِ إِذْ كَانُوا مِنْ وَلَدِهِ، {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام: 2] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: الْأَجَلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْوِلَادَةِ إِلَى الْمَوْتِ، وَالْأَجَلُ الثَّانِي مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ، وَهُوَ الْبَرْزَخُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لِكُلِّ أحد أجلان أجل من الولادة إِلَى الْمَوْتِ وَأَجَلٌ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ، فَإِنْ كَانَ بَرًّا تَقِيًّا وَصُولا لِلرَّحِمِ زِيدَ لَهُ مِنْ أَجَلِ الْبَعْثِ فِي أَجَلِ الْعُمْرِ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا قَاطِعًا لِلرَّحِمِ نَقُصَ مِنْ أَجَلِ الْعُمْرِ وَزِيدَ فِي أَجَلِ الْبَعْثِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَجَلُ الْأَوَّلُ أَجَلُ الدُّنْيَا، وَالْأَجَلُ الثَّانِي أجل الآخرة، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} [الأنعام: 2] يَعْنِي: النَّوْمَ تُقْبَضُ فِيهِ الرُّوحُ ثُمَّ تَرْجِعُ عِنْدَ الْيَقَظَةِ، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام: 2] هو أَجْلَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ مَعْنَاهُ: ثُمَّ قَضَى أَجَلًا يَعْنِي جُعِلَ لِأَعْمَارِكُمْ مُدَّةً تَنْتَهُونَ إِلَيْهَا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يَعْنِي: وَهُوَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُهُ غيره، {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] تَشُكُّونَ فِي الْبَعْثِ. [3] قَوْلُهُ عَزَّ وجل: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3] يعني: وهو إله السماوات وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] وقيل: هو المعبود في السماوات، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ وهو الله في السماوات يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وتقدير: وَهُوَ اللَّهُ، {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: 3] فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] تَعْمَلُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. [4] {وَمَا تَأْتِيهِمْ} [الأنعام: 4] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، {مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 4] مِثْلُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام: 4] لَهَا تَارِكِينَ بِهَا مُكَذِّبِينَ. [5] {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 5] بِالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 5] أَيْ: أَخْبَارُ اسْتِهْزَائِهِمْ وَجَزَاؤُهُ، أَيْ: سَيَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ اسْتِهْزَائِهِمْ إِذَا عُذّبوا. [6] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} [الأنعام: 6] يَعْنِي: الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقَرْنُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَجَمْعُهُ قُرُونٌ، وَقِيلَ: الْقَرْنُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ، يُقَالُ: ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَيُقَالُ: مِائَةُ سَنَةٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ الْمَازِنِيِّ: «إِنَّكَ تَعِيشُ قَرْنًا» (¬1) . فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مِنْ أَهْلِ قَرْنٍ، {مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} [الأنعام: 6] أَيْ: أَعْطَيْنَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمْهَلْنَاهُمْ فِي الْعُمْرِ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، يُقَالُ: مَكَّنْتُهُ وَمَكَّنْتُ لَهُ، {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} [الأنعام: 6] يَعْنِي: الْمَطَرَ، مِفْعَالٌ مِنَ الدَّرِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِدْرَارًا أَيْ: مُتَتَابِعًا فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَاتِ، وَقَوْلُهُ: {مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} [الأنعام: 6] مِنْ خِطَابِ التَّلْوِينِ، رَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِهِ: (أَلَمْ يَرَوْا) إِلَى خِطَابٍ، كَقَوْلِهِ: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يُونُسَ: 22] وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةَ: أَخْبَرَ عنهم بقوله (ألم يروا) ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير ص 93، وانظر الإصابة 4 / 23 وأسد الغابة 3 / 125.

قوله تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا

وَفِيهِمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ خَاطَبَهُمْ مَعَهُمْ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَهُ، وَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَكَ، {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا} [الأنعام: 6] خَلَقْنَا وَابْتَدَأْنَا، {مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6] [7] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 7] الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّكَ رَسُولُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 7] مكتوبا من عنده، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] أَيْ: عَايَنُوهُ وَمَسُّوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَذَكَرَ اللَّمْسَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُعَايَنَةَ لِأَنَّ اللَّمْسَ أَبْلَغُ فِي إِيقَاعِ الْعِلْمِ من المعاينة، فَإِنَّ السِّحْرَ يَجْرِي عَلَى الْمَرْئِيِّ وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمَلْمُوسِ، {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام: 7] معناه: أنه لَا يَنْفَعُ مَعَهُمْ شَيْءٌ لِمَا سَبَقَ فِيهِمْ مِنْ عِلْمِي. [8] {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ} [الأنعام: 8] عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} [الأنعام: 8] أَيْ: لَوَجَبَ الْعَذَابُ، وَفُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ، وَهَذَا سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ مَتَى اقْتَرَحُوا آيَةً فَأُنْزِلَتْ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بالعذاب، {ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} [الأنعام: 8] أَيْ: لَا يُؤَجَّلُونَ وَلَا يُمْهَلُونَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لعُجّل لَهُمُ الْعَذَابُ وَلَمْ يُؤَخَّرُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أَيْ لَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَوْ أَتَاهُمْ مَلَكٌ فَى صُورَتِهِ لَمَاتُوا. [قوله تعالى وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا] عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ. . . . [9] {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} [الأنعام: 9] يَعْنِي: لَوْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا، {لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} [الأنعام: 9] يَعْنِي فِي صُورَةِ رَجُلٍ آدَمِيٍّ، لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَجَاءَ الْمَلَكَانِ إِلَى دَاوُدَ فِي صُورَةِ رَجُلَيْنِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] أَيْ: خَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ وَشَبَّهْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا يَدْرُونَ أمَلَك هو أو آدَمِيٌّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ شَبَّهُوا عَلَى ضُعَفَائِهِمْ فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَلَبَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا لَبَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ (وَلَلَبَّسْنَا) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ. [10] {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} [الأنعام: 10] كَمَا اسْتُهْزِئَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ - يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم {فَحَاقَ} [الأنعام: 10] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: فَنَزَلَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: حَلَّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَحَاطَ، {بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 10] أَيْ: جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ والنقمة. [11] {قُلْ} [الأنعام: 11] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 11] مُعْتَبِرِينَ، يُحْتَمَلُ هَذَا: السَّيْرُ بِالْعُقُولِ وَالْفِكْرِ، وَيُحْتَمَلُ السَّيْرُ بِالْأَقْدَامِ، {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11] أي: جزاء أَمْرِهِمْ وَكَيْفَ أُورِثُهُمُ الْكُفْرَ وَالتَّكْذِيبَ الهلاك، يحذر كُفَّارَ مَكَّةَ عَذَابَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. [12] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 12] فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَـ {قُلْ} [الأنعام: 12] أنت، {لِلَّهِ} [الأنعام: 12] أَمْرَهُ بِالْجَوَابِ عَقِيبَ السُّؤَالِ لِيَكُونَ أبلغ في التأكيد وآكد في الحجة، {كَتَبَ} [الأنعام: 12] أَيْ: قَضَى، {عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 12] هَذَا اسْتِعْطَافٌ مِنْهُ تَعَالَى لِلْمُتَوَلِّينَ عنه إلى الإقبال عليه وإخبار بِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ لَا يُعَجِّلُ بالعقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة، {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} [الأنعام: 12] اللَّامُ فِيهِ لَامُ الْقَسَمِ وَالنُّونُ نُونُ التَّأْكِيدِ مَجَازُهُ: وَاللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنعام: 12] أَيْ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ فِي قُبُورِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا} [الأنعام: 12] غَبِنُوا {أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 12]

[13] {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنعام: 13] أَيِ: اسْتَقَرَّ، قِيلَ: أَرَادَ مَا سَكَنَ وَمَا تَحَرَّكَ، كَقَوْلِهِ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النَّحْلِ: 81] أَيِ: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا خَصَّ السُّكُونَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وقال مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: كُلُّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ فَهُوَ مِنْ سَاكِنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ وقيل: معناه: وله مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، {وَهُوَ السَّمِيعُ} [الأنعام: 13] لأصواتهم، {الْعَلِيمُ} [الأنعام: 13] بأسرارهم. [14] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: 14] ؟ وَهَذَا حِينَ دُعِيَ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، رَبًّا وَمَعْبُودًا وَنَاصِرًا وَمُعِينًا؟ ، {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14] أَيْ: خَالِقِهِمَا وَمُبْدِعِهِمَا وَمُبْتَدِيهِمَا، {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الأنعام: 14] أَيْ: وَهُوَ يَرزق وَلَا يُرزق، كَمَا قَالَ: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} [الأنعام: 14] يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْإِسْلَامُ بِمَعْنَى الْاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أسلم أخلص، {وَلَا تَكُونَنَّ} [الأنعام: 14] يَعْنِي: وَقِيلَ لِي وَلَا تَكُونَنَّ، {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14] [15] {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [الأنعام: 15] فَعَبَدْتُ غَيْرَهُ، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15] يَعْنِي عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [16] {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ} [الأنعام: 16] يَعْنِي: مَنْ يُصرف الْعَذَابُ عَنْهُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ (يَصْرِف) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: مَنْ يصرف الله عنه العذاب فَقَدْ رَحِمَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الياء وفتح الراء، {يَوْمَئِذٍ} [الأنعام: 16] يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام: 16] أَيِ: النَّجَاةُ الْبَيِّنَةُ. [17] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ} [الأنعام: 17] لا رافع، {لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} [الأنعام: 17] عَافِيَةٍ وَنِعْمَةٍ، {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17] من الخير والضر. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةٌ، أَهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَارَ بِي مَلِيًّا ثُمَّ الْتَفَتَ إليَّ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يعرفْك فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلَتْ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، قد مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ جَهِدَ الْخَلَائِقُ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِمَا لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ جَهِدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِمَا لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ، مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خيرا كثيرا، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا» (¬1) . ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 307، والترمذي في القيامة 7 / 219 وقال حديث حسن صحيح.

قوله تعالى قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد

[18] وهو {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 18] الْقَاهِرُ الْغَالِبُ، وَفِي الْقَهْرِ زِيَادَةُ مَعْنًى عَلَى الْقُدْرَةِ، وَهِيَ مَنْعُ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِ الْمُرَادِ، وَقِيلَ: هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على مراده {وَهُوَ الْحَكِيمُ} [الأنعام: 18] في أمره، {الْخَبِيرُ} [الأنعام: 18] بأعمال عباده. [قوله تَعَالَى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ] بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. . . . [19] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} [الأنعام: 19] الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَتَى أَهْلُ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَرِنَا مَنْ يَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّا لَا نَرَى أَحَدًا يُصَدِّقُكَ، وَلَقَدْ سَأَلَنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَزَعَمُوا أنه ليس عِنْدَهُمْ ذِكْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} [الأنعام: 19] فَإِنْ أَجَابُوكَ، وَإِلَّا {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19] عَلَى مَا أَقُولُ، وَيَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ وَعَلَيْكُمْ بِالْبَاطِلِ، {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} [الأنعام: 19] لِأُخَوِّفَكُمْ بِهِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] وَمَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ إِلَى يَوْمِ القيامة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار» (¬1) . قال مقاتل: ومن بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَكَأَنَّمَا رَأَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَ مِنْهُ، {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} [الأنعام: 19] وَلَمْ يَقُلْ أُخَرَ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَلْحَقُهُ التَّأْنِيثُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الْأَعْرَافِ: 180] وَقَالَ: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] {قُلْ} [الأنعام: 19] يَا مُحَمَّدُ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْتُمْ، فـ {لَا أَشْهَدُ} [الأنعام: 19] أَنَا أَنَّ مَعَهُ إِلَهًا {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] [20] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الأنعام: 20] يعني: التوراة والإنجيل، {يَعْرِفُونَهُ} [الأنعام: 20] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} [الأنعام: 20] مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ. {الَّذِينَ خَسِرُوا} [الأنعام: 20] غَبِنُوا {أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ آدَمِيٍّ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلًا في النار، فإذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ، وَلِأَهْلِ النَّارِ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ الْخُسْرَانُ. [21] ، قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} [الأنعام: 21] أكفر {مِمَّنِ افْتَرَى} [الأنعام: 21] اختلق {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21] فَأَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [الأنعام: 21] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] الكافرون. [22] ، {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} [الأنعام: 22] أَيِ: الْعَابِدِينَ وَالْمَعْبُودِينَ، يَعْنِي: يَوْمَ القيامة، قرأ يعقوب (يحشرهم) هنا، وَفِي سَبَأٍ بِالْيَاءِ، وَوَافَقَ حَفْصٌ فِي سَبَأٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22] أنها تشفع ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الأنبياء 6 / 496 والمصنف في شرح السنة 1 / 243.

لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. [23] {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} [الأنعام: 23] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (يَكُنْ) بِالْيَاءِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِمَعْنَى الِافْتِتَانِ، فَجَازَ تَذْكِيرُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْفِتْنَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ (فِتْنَتُهُمْ) بِالرَّفْعِ جَعَلُوهُ اسْمَ كَانَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، فَجَعَلُوا الِاسْمَ قَوْلَهُ: (أَنْ قَالُوا) ، وَفِتْنَتُهُمُ الْخَبَرُ، ومعنى فِتْنَتُهُمْ أَيْ: قَوْلُهُمْ وَجَوَابُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْذِرَتُهُمْ وَالْفِتْنَةُ التَّجْرِبَةُ، فَلَمَّا كَانَ سُؤَالُهُمْ تَجْرِبَةً لِإِظْهَارِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قِيلَ له: فتنة، وقال الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} [الأنعام: 23] مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يَفْتَتِنُ بِمَحْبُوبٍ ثُمَّ يُصِيبُهُ فِيهِ مِحْنَةٌ فَيَتَبَرَّأُ مِنْ مَحْبُوبِهِ، فَيُقَالُ: لم تكن فتنتي إِلَّا هَذَا، كَذَلِكَ الْكُفَّارُ فُتِنُوا بِمَحَبَّةِ الْأَصْنَامِ وَلَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ تَبَرَّأُوا مِنْهَا، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} [الأنعام: 23] في محبتهم للأصنام، {إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (رَبَّنَا) بِالنَّصْبِ عَلَى نِدَاءِ الْمُضَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَلَى نَعْتِ وَاللَّهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَاوُزَهُ عَنْ أهل التوحيد، قالوا لبعضهم البعض: تَعَالَوْا نَكْتُمُ الشِّرْكَ لَعَلَّنَا نَنْجُوا مَعَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِالْكُفْرِ. [24] ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الْأَنْعَامِ: 24] بِاعْتِذَارِهِمْ بِالْبَاطِلِ وَتَبَرِّيهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24] أي: زَالَ وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ شَفَاعَتَهَا وَنُصْرَتَهَا، فَبَطُلَ كله في ذلك اليوم. [25] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الأنعام: 25] وَإِلَى كَلَامِكَ {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الأنعام: 25] أَغْطِيَةً، جَمْعُ كِنَانٍ، كَالْأَعِنَّةِ جَمْعُ عنان، {أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] أَنْ يَعْلَمُوهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَفْقَهُوهُ، وَقِيلَ: كَرَاهَةَ أَنْ يفقهوه، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الأنعام: 25] صمما وثقلا، وهذا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ فَيَشْرَحُ بَعْضَهَا لِلْهُدَى، وَيَجْعَلُ بَعْضَهَا فِي أَكِنَّةٍ فَلَا تَفْقَهُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَا تُؤْمِنُ، {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ} [الأنعام: 25] مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالدِّلَالَاتِ، {لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25] يَعْنِي أَحَادِيثَهُمْ وَأَقَاصِيصَهُمْ، وَالْأَسَاطِيرُ جَمْعُ: أسطورة، وإسطارة، وقيل: الأساطير هِيَ التُّرَّهَاتُ وَالْأَبَاطِيلُ، وَأَصْلُهَا مِنْ سَطَرْتُ، أَيْ: كَتَبْتُ. [26] ، {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] أَيْ: يَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ بِأَنْفُسِهِمْ، نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ مَكَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ ابن الْحَنَفِيَّةِ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَنْهَوْنَ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنْ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَمْنَعُهُمْ وَيَنْأَى عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، أَيْ: يبعد {وَإِنْ يُهْلِكُونَ} [الأنعام: 26] أَيْ: مَا يُهْلِكُونَ، {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: 26] أَيْ: لَا يَرْجِعُ وَبَالُ فِعْلِهِمْ إِلَّا إِلَيْهِمْ، وَأَوْزَارُ الَّذِينَ يَصُدُّونَهُمْ عليهم، {وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26] [27] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27] يَعْنِي: فِي النَّارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [الْبَقَرَةِ: 102] أَيْ: فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: عُرِضُوا عَلَى النَّارِ، وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ مَعْنَاهُ: لَوْ تَرَاهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَرَأَيْتَ عَجَبًا، {فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} [الأنعام: 27] يَعْنِي: إِلَى الدُّنْيَا: {وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27] قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ كُلُّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى معنى. يا ليتنا نرد نحن ولا نَكُذِّبُ وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ {وَلَا نُكَذِّبَ} [الأنعام: 27] بِنَصْبِ الْبَاءِ وَالنُّونِ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، أَيْ: لَيْتَ رَدَّنَا وَقَعَ، وَأَنْ لَا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ، وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْوَاوِ كَمَا تَنْصِبُّ بِالْفَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ

قوله تعالى بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو

عَامِرٍ (نُكَذِّبُ) بِالرَّفْعِ وَ (نَكُونَ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ إن ردوا إلى الدنيا. [قوله تعالى بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ] رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. . . . [28] ، {بَلْ بَدَا لَهُمْ} [الأنعام: 28] أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا إِنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا بَلْ بَدَا لَهُمْ: ظَهَرَ لَهُمْ، {مَا كَانُوا يُخْفُونَ} [الأنعام: 28] يسرون، {مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 28] فِي الدُّنْيَا مِنْ كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ، وَقِيلَ: مَا كَانُوا يُخْفُونَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الْأَنْعَامِ: 23] فَأَخْفَوْا شِرْكَهُمْ وَكَتَمُوا حَتَّى شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِمَا كَتَمُوا وَسَتَرُوا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُخْفُونَ كُفْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْآيَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: بَلْ بَدَا لَهُمْ جَزَاءُ مَا كَانُوا يُخْفُونَ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: بَلْ بَدَا لهم بَدَا عَنْهُمْ. ثُمَّ قَالَ، {وَلَوْ رُدُّوا} [الأنعام: 28] إلى الدنيا {لَعَادُوا لِمَا} [الأنعام: 28] يَعْنِي إِلَى مَا، {نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28] من الكفر {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ رُدِدْنَا إِلَى الدُّنْيَا لَمْ نُكَذِّبْ بِآيَاتِ رَبِّنَا ونكون مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. [29] ، {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29] وهذا إِخْبَارٌ عَنْ إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ ردوا لقالوه. [30] ، قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30] أَيْ: عَلَى حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، وَقِيلَ: عُرِضُوا عَلَى رَبِّهِمْ، {قَالَ} [الأنعام: 30] لَهُمْ، وَقِيلَ: تَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ: {أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 30] يَعْنِي: أَلَيْسَ هَذَا الْبَعْثُ وَالْعَذَابُ بالحق؟ {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} [الأنعام: 30] إِنَّهُ حَقٌّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي مَوْقِفٍ، وَقَوْلُهُمْ: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فِي مَوْقِفٍ آخَرَ، وَفِي الْقِيَامَةِ مَوَاقِفُ، فَفِي مَوْقِفٍ يُقِرُّونَ، وَفِي مَوْقِفٍ يُنْكِرُونَ. {قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30] [31] {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} [الأنعام: 31] أَيْ: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَكْذِيبِهِمُ الْمَصِيرَ إلى الله والبعث بَعْدَ الْمَوْتِ، {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ} [الأنعام: 31] أي: القيامة {بَغْتَةً} [الأنعام: 31] أَيْ: فَجْأَةً، {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا} [الأنعام: 31] نَدَامَتَنَا، ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ النِّدَاءِ للمبالغة، قال سِيبَوَيْهِ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيَّتُهَا الْحَسْرَةُ هَذَا أَوَانُكِ، {عَلَى مَا فَرَّطْنَا} [الأنعام: 31] أي: قصرنا {فِيهَا} [الأنعام: 31] أَيْ: فِي الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: تَرَكْنَا فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ، وقال مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الصَّفْقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ خُسْرَانُ صَفْقَتِهِمْ بِبَيْعِهِمُ الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا قَالُوا: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا، أَيْ: فِي الصَّفْقَةِ، فَتُرِكَ ذِكْرُ الصَّفْقَةِ اكتفاء بذكر قوله {قَدْ خَسِرَ} [الأنعام: 31] لِأَنَّ الْخُسْرَانَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي صَفْقَةِ بَيْعٍ، وَالْحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدَمِ، حَتَّى يَتَحَسَّرَ النَّادِمُ، كَمَا يَتَحَسَّرُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ دَابَّتُهُ فِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ، {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} [الأنعام: 31] أثقالهم وآثامهم، {عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31] قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذْ أُخْرِجَ مِنْ قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَطْيَبُهُ رِيحًا فَيَقُولُ: هَلْ

تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَارْكَبْنِي، فَقَدْ طَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مَرْيَمَ: 85] أَيْ رُكْبَانًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَسْتَقْبِلُهُ أَقْبَحُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَنْتَنُهُ رِيحًا، فَيَقُولُ: هل تعرفني؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ طَالَمَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْكَبُكَ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الْأَنْعَامِ: 31] {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] يحملون قال ابن عباس. أي بِئْسَ الْحِمْلُ حَمَلُوا. [32] ، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الأنعام: 32] بَاطِلٌ وَغُرُورٌ لَا بَقَاءَ لَهَا {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} [الأنعام: 32] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) مُضَافًا أَضَافَ الدَّارَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَيُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى نَفْسِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) ، وَقَوْلِهِمْ: رَبِيعُ الْأَوَّلِ وَمَسْجِدُ الْجَامِعِ، سُمِّيَتِ الدُّنْيَا لِدُنُوِّهَا، وَقِيلَ: لِدَنَاءَتِهَا، وَسُمِّيَتِ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا، {خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 32] الشرك، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32] أي: أَنَّ الْآخِرَةَ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ ويعقوب (أفلا تعقلون) بالتاء ها هنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، وَوَافَقَ أَبُو بَكْرٍ فِي سُورَةِ يُوسُفَ، وَوَافَقَ حَفْصٌ إِلَّا فِي سُورَةِ يس، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ فِيهِنَّ. [33] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} [الأنعام: 33] قَالَ السُّدِّيُّ: الْتَقَى الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ الْأَخْنَسُ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ بن عبد الله أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ "؟ فَإِنَّهُ ليس ها هنا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامَكَ غَيْرِي، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالنَّدْوَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نَتَّهِمُكَ وَلَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنَّا نُكَذِّبُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} [الأنعام: 33] (¬1) . بِأَنَّكَ كَاذِبٌ، {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام: 33] قَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَالتَّكْذِيبُ هُوَ أَنْ تَنْسُبَهُ إِلَى الْكَذِبِ، وَتَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، وَالْإِكْذَابُ هُوَ أَنْ تَجِدَهُ كَاذِبًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَجْدَبْتُ الْأَرْضَ وَأَخْصَبْتُهَا إِذَا وَجَدْتُهَا جَدْبَةً وَمُخَصَّبَةً، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] يَقُولُ: إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ فِي السِّرِّ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا صِدْقَكَ فِيمَا مَضَى، وَإِنَّمَا يُكْذِّبُونَ وحْيي وَيَجْحَدُونَ آيَاتِي، كَمَا قَالَ. {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النَّمْلِ: 14] [34] ، {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [الأنعام: 34] كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ كَمَا كَذَّبَتْكَ قُرَيْشٌ، {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} [الأنعام: 34] بِتَعْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُمْ، {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام: 34] لَا نَاقِضَ لِمَا حَكَمَ بِهِ، وَقَدْ حَكَمَ فِي كِتَابِهِ بِنَصْرِ أَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَالَ: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصَّافَّاتِ: 171 - 173] وَقَالَ. {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا} [غَافِرٍ: 51] وَقَالَ: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [الْمُجَادَلَةِ: 21] وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَا خُلْفَ لِعِدَتِه، {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] وَ (مِنْ) صِلَةٌ كَمَا تَقُولُ: أَصَابَنَا مِنْ مَطَرٍ. [35] ، {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} [الأنعام: 35] أَيْ: عَظُمَ عَلَيْكَ وَشَقَّ أَنْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِكَ، وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِصُ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِهِ أَشَدَّ الْحِرْصِ، وَكَانُوا إِذْ سَأَلُوا آيَةً أَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ طَمَعًا فِي إِيمَانِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا} [الأنعام: 35] تطلب وتتخذ نفقا سربا {فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 35] وَمِنْهُ نَافَقَاءُ الْيَرْبُوعِ وَهُوَ أَحَدُ جحريه فتذهب فيه، {أَوْ سُلَّمًا} [الأنعام: 35] أَيْ: دَرَجًا وَمِصْعَدًا، {فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 35] فتصعد فيه، {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} [الأنعام: 35] ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في التفسير 8 / 437 والحاكم في المستدرك 2 / 315 وقال صحيح على شرط الشيخين.

قوله تعالى إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى

فَافْعَلْ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] فَآمَنُوا كُلُّهُمْ، {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35] أَيْ: بِهَذَا الْحَرْفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] وَأَنَّ مَنْ يَكْفُرْ لِسَابِقِ عِلْمِ الله فيه. [قوله تعالى إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى] يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. . . . . [36] ، {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام: 36] يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ فَيَتَّبِعُونَهُ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ مَنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى سَمْعِهِ، {وَالْمَوْتَى} [الأنعام: 36] يَعْنِي الْكُفَّارَ، {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] فيخزيهم بِأَعْمَالِهِمْ. [37] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالُوا} [الأنعام: 37] يعني: رؤساء قريش، {لَوْلَا} [الأنعام: 37] هَلَّا {نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] مَا عَلَيْهِمْ فِي إِنْزَالِهَا. [38] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] قَيَّدَ الطَّيَرَانَ بِالْجَنَاحِ تَأْكِيدًا كَمَا يُقَالُ نَظَرْتُ بِعَيْنِي وَأَخَذْتُ بِيَدِي {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَصْنَافٌ مُصَنَّفَةٌ تُعْرَفُ بِأَسْمَائِهَا، يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الْحَيَوَانِ أُمَّةٌ، فَالطَّيْرُ أُمَّةٌ، والهوام أمة، والذباب أُمَّةٌ، وَالسِّبَاعُ أُمَّةٌ، تُعْرَفُ بِأَسْمَائِهَا مِثْلُ بَنِي آدَمَ، يُعَرَفُونَ بِأَسْمَائِهِمْ, يقال: الإنس والناس، وَقِيلَ: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ يَفْقَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: أَمَّمَ أَمْثَالُكُمْ فِي الْخَلْقِ وَالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أممٌ أَمْثَالُكُمْ فِي الْغِذَاءِ وَابْتِغَاءِ الرِّزْقِ وَتَوَقِّي الْمَهَالِكِ، {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ} [الأنعام: 38] أَيْ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، {مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: حَشْرُهَا مَوْتُهَا، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَهَائِمَ وَالدَّوَابَّ وَالطَّيْرَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فيقتص لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرَابًا فَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتُرَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجماء من القرناء» (¬1) . [39] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ} [الأنعام: 39] لَا يَسْمَعُونَ الْخَيْرَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ به، {فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 39] فِي ضَلَالَاتِ الْكُفْرِ، {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] هو الْإِسْلَامُ. [40] ، قَوْلُهُ تَعَالَى. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} [الأنعام: 40] هَلْ رَأَيْتُمْ؟ وَالْكَافُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وقال الفراء رحمه الله: الْعَرَبُ تَقُولُ أَرَأَيْتَكَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَخْبِرْنَا، كَمَا يَقُولُ: أَرَأَيْتَكَ إِنْ فَعَلَتُ كَذَا مَاذَا تَفْعَلُ؟ أَيْ: أَخْبِرْنِي، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (أَرَايْتَكُمْ، وَأَرَايْتُمْ، وَأَرَايْتَ) بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْكِسَائِيُّ بِحَذْفِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أرأيتكم، ¬

(¬1) أخرجه مسلم في البر والصلة (4 / 1997 / رقم 2582) .

قوله تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد

{إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} [الأنعام: 40] قَبْلَ الْمَوْتِ، {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} [الأنعام: 40] يعني: يوم القيامة، {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40] فِي صَرْفِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 40] وَأَرَادَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَدْعُونَ اللَّهَ فِي أَحْوَالِ الِاضْطِرَارِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لُقْمَانَ: 32] [41] ، ثُمَّ قَالَ: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 41] أَيْ: تَدْعُونَ اللَّهَ وَلَا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام: 41] قَيَّدَ الْإِجَابَةَ بِالْمَشِيئَةِ وَالْأُمُورُ كُلُّهَا بمشيئته، {وَتَنْسَوْنَ} [الأنعام: 41] وتتركون، {مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 41] [42] {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ} [الأنعام: 42] بالشدة والجوع، {وَالضَّرَّاءِ} [الأنعام: 42] المرض والزمانة، {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42] أَيْ: يَتُوبُونَ وَيَخْضَعُونَ، وَالتَّضَرُّعُ: السُّؤَالُ بالتذلل. [43] ، {فَلَوْلَا} [الأنعام: 43] فهلا، {إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} [الأنعام: 43] عذابنا، {تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 43] آمنوا فيكشف عَنْهُمْ، أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى قَوْمٍ بَلَغُوا مِنَ الْقَسْوَةِ إِلَى أَنَّهُمْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا وَلَمْ يَتَضَرَّعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. [44] ، {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} [الأنعام: 44] تَرَكُوا مَا وُعِظُوا وَأُمِرُوا بِهِ، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (فتَّحنا) بِالتَّشْدِيدِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ عُقَيْبَهُ جمعًا، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَهَذَا فَتْحُ اسْتِدْرَاجٍ وَمَكْرٍ، أَيْ: بَدَّلْنَا مَكَانَ الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ الرَّخَاءَ وَالصِّحَّةَ، {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} [الأنعام: 44] وَهَذَا فَرَحُ بَطَرٍ مِثْلُ فَرَحِ قَارُونَ بِمَا أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا، {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44] فَجْأَةً آمَنَ مَا كَانُوا وَأَعْجَبَ مَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَيْهِمْ {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُبْلِسُ النَّادِمُ الْحَزِينُ، وَأَصْلُ الْإِبْلَاسِ: الْإِطْرَاقُ مِنَ الْحُزْنِ والندم، روى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ» (¬1) . " ثُمَّ تَلَا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذكروا به) الآية. [قوله تعالى فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ] لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. . . . . [45] ، {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنعام: 45] أَيْ: آخِرُهُمْ الَّذِينَ بِدُبُرِهِمْ، يُقَالُ: دَبَرَ فُلَانٌ الْقَوْمَ يَدْبُرُهُمْ دَبْرًا وَدُبُورًا إِذَا كَانَ آخِرَهُمْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالْعَذَابِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ، {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] حَمِدَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ قَطَعَ دَابِرَهُمْ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَى رسله، فَذَكَرَ الْحَمْدَ لِلَّهِ تَعْلِيمًا لَهُمْ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِمْ، أَنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى كِفَايَتِهِ شَرَّ الظَّالِمِينَ، وَلِيَحْمَدَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَبَّهُمْ إِذَا أَهْلَكَ الْمُكَذِّبِينَ. [46] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} [الأنعام: 46] أيها ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 145 وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وانظر مجمع الزوائد (10 / 245) .

قوله تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء

الْمُشْرِكُونَ، {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ} [الأنعام: 46] حَتَّى لَا تَسْمَعُوا شَيْئًا أَصْلًا {وَأَبْصَارَكُمْ} [الأنعام: 46] حتى لا تبصروا شيئا أصلا، {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} [الأنعام: 46] حَتَّى لَا تَفْقَهُوا شَيْئًا وَلَا تعرفوا من أمور الدنيا شيئا، {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} [الأنعام: 46] وَلَمْ يَقُلْ بِهَا مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاءَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ يَأْتِيكُمْ بِمَا أُخِذَ مِنْكُمْ، وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى السَّمْعِ الَّذِي ذُكِرَ أَوَّلًا وَيَنْدَرِجُ غَيْرُهُ تَحْتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التَّوْبَةِ: 62] فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الله، ورِضا رسوله يندرج في رضا اللَّهِ تَعَالَى، {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} [الأنعام: 46] أَيْ: نُبَيِّنُ لَهُمُ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 46] يُعْرِضُونَ عَنْهَا مُكَذِّبِينَ. [47] {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً} [الأنعام: 47] فجأة، {أَوْ جَهْرَةً} [الأنعام: 47] مُعَايَنَةً تَرَوْنَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 47] الْمُشْرِكُونَ. [48] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} [الأنعام: 48] العمل، {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 48] حِينَ يَخَافُ أَهْلُ النَّارِ، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48] إِذَا حَزِنُوا. [49] ، {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ} [الأنعام: 49] يُصِيبُهُمْ، {الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأنعام: 49] يَكْفُرُونَ. [50] ، {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} [الأنعام: 50] نَزَلَ حِينَ اقْتَرَحُوا الْآيَاتِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: {لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} [الأنعام: 50] أَيْ: خَزَائِنُ رِزْقِهِ فَأُعْطِيكُمْ مَا تريدون، {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50] فَأُخْبِرُكُمْ بِمَا غَابَ مِمَّا مَضَى وَمِمَّا سَيَكُونُ، {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50] قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَكَ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآدَمِيُّ وَيُشَاهِدُ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْآدَمِيُّ، يُرِيدُ لَا أَقُولُ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتُنْكِرُونَ قَوْلِي وَتَجْحَدُونَ أَمْرِي، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] أَيْ: مَا آتِيكُمْ بِهِ فَمِنْ وَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ فِي الْعَقْلِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الأنعام: 50] قَالَ قَتَادَةُ: الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الضَّالُّ وَالْمُهْتَدِي، وَقِيلَ: الْجَاهِلُ والعالم، {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] أي: أنهما لا يستويان. [51] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْذِرْ بِهِ} [الأنعام: 51] خَوِّفْ بِهِ أَيْ: بِالْقُرْآنِ، {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا} [الأنعام: 51] يجمعوا ويبعثوا، {إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51] وَقِيلَ: يَخَافُونَ أَيْ: يَعْلَمُونَ، لِأَنَّ خَوْفَهُمْ إِنَّمَا كَانَ مِنْ عِلْمِهِمْ، {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ} [الأنعام: 51] من دون الله، {وَلِيٌّ} [الأنعام: 51] قريب ينفعهم، ماله {وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] يشفع لهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51] فَيَنْتَهُونَ عَمَّا نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّمَا نفَى الشَّفَاعَةَ لِغَيْرِهِ- مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ يَشْفَعُونَ- لِأَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا بِإِذْنِهِ. [52] {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام: 52] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (بالغُدْوة) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَوَاوٍ بَعْدَهَا ها هنا وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بفتح الغين والدال وألف بعدها، (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ وصلاة العصر. ويروى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْفُقَرَاءِ كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْأَشْرَافِ: إِذَا صَلَّيْنَا فَأَخِّرْ هَؤُلَاءِ فَلْيُصَلُّوا خَلْفَنَا، فنزلت هذه الآية، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي يَذْكُرُونَ رَبَّهُمْ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ: حَقِيقَةُ الدعاء، {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] أَيْ: يُرِيدُونَ اللَّهَ بِطَاعَتِهِمْ. قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَطْلُبُونَ ثَوَابَ اللَّهِ فَقَالَ: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 52] أَيْ: لَا تُكَلَّفُ أَمْرَهُمْ وَلَا يَتَكَلَّفُونَ أَمْرَكَ، وَقِيلَ: لَيْسَ رِزْقُهُمْ عليك فتملهم {فَتَطْرُدَهُمْ} [الأنعام: 52] وَلَا رِزْقُكَ عَلَيْهِمْ، قَوْلُهُ {فَتَطْرُدَهُمْ} [الأنعام: 52] جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 52] وقوله: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] جَوَابٌ لِقَوْلِهِ (وَلَا تَطْرُدِ) أَحَدُهُمَا جَوَابُ النَّفْيِ وَالْآخَرُ جَوَابُ النَّهْيِ. [قوله تعالى وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ] مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا. . . . . [53] ، {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا} [الأنعام: 53] أي ابتلينا، {بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53]

أراد ابتلى الْغَنِيِّ بِالْفَقِيرِ وَالشَّرِيفِ بِالْوَضِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْوَضِيعِ قَدْ سَبَقَهُ بِالْإِيمَانِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِهِ فَكَانَ فِتْنَةً لَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] فَهُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] فَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، أَيِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ شَكَرَ الْإِسْلَامَ إِذْ هَدَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [54] ، {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54] قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَآهُمْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ (¬1) . وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَبِلَالٍ وَسَالِمٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَعَمَّارِ بْنِ يا سر وَالْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] أَيْ: قَضَى عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} [الأنعام: 54] قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَعْلَمُ حَلَالًا مِنْ حَرَامٍ فَمِنْ جَهَالَتِهِ رَكِبَ الذَّنْبَ، وَقِيلَ: جَاهِلٌ بِمَا يُورِثُهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ، وَقِيلَ: جَهَالَتُهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ آثَرَ الْمَعْصِيَةَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعَاجِلَ الْقَلِيلَ عَلَى الْآجِلِ الْكَثِيرِ، {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ} [الأنعام: 54] رجع عن ذنبه، {وَأَصْلَحَ} [الأنعام: 54] عمله، وقيل: أَخْلَصَ تَوْبَتَهُ، {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ (أنه من عمل) (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، بِفَتْحِ الْأَلِفِ فِيهِمَا بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، أَيْ: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَنْ عَمَلِ مِنْكُمْ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّانِيَةَ بَدَلًا عَنِ الْأُولَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 35] وَفَتَحَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا وكسر الثَّانِيَةَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَكَسَرَهُمَا الْآخَرُونَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. [55] ، {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [الأنعام: 55] أَيْ: وَهَكَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَكَمَا فَصَّلْنَا لَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ دَلَائِلَنَا وَإِعْلَامَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَذَلِكَ نَفْصِلُ الْآيَاتِ، أَيْ: نُمَيِّزُ وَنُبَيِّنُ لَكَ حُجَّتَنَا فِي كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ، {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] أَيْ: طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ، وَقَرَأَ أَهْلُ المدينة (ولتستبين) بالتاء (سبيل المجرمين) نُصِبَ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ: وَلِتَعْرِفَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ، يُقَالُ: اسْتَبَنْتُ الشَّيْءَ وَتَبَيَّنْتُهُ إِذَا عَرَفْتُهُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (وَلِيَسْتَبِينَ) بِالْيَاءِ (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ الآخرون (ولتستبين) بالتاء {سَبِيلُ} [الأنعام: 55] رفع: أي: ليظهر وليتضح السَّبِيلُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَدَلِيلُ التَّذْكِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الْأَعْرَافِ: 146] ودليل التأنيث قوله تعالى: ¬

(¬1) انظر أسباب النزول ص 252 والطبري 11 / 380.

قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم

{لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا} [آلِ عُمْرَانَ: 99] [56] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} [الأنعام: 56] فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَطَرْدِ الْفُقَرَاءِ، {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 56] يَعْنِي: إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكْتُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَسَلَكْتُ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى. [57] ، {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ} [الأنعام: 57] أَيْ: عَلَى بَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ وَبُرْهَانٍ {مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} [الأنعام: 57] أَيْ: مَا جِئْتُ بِهِ، {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: 57] قيل: أراد به استعجالهم بالعذاب، كَانُوا يَقُولُونَ: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً} [الأنفال: 32] الآية، وقيل. أَرَادَ بِهِ الْقِيَامَةَ، قَالَ اللَّهُ: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} [الشُّورَى: 18] {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ} [الأنعام: 57] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَقْضِي) بِسُكُونِ الْقَافِ وَالضَّادُ مَكْسُورَةٌ، مِنْ قَضَيْتُ، أَيْ: يَحْكُمُ بِالْحَقِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] وَالْفَصْلُ يَكُونُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا حَذَفُوا الْيَاءَ لِاسْتِثْقَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (صَالِ الْجَحِيمِ) وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَقُلْ بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْحَقَّ صِفَةُ الْمَصْدَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ. يَقْضِي الْقَضَاءَ الْحَقَّ. [58] ، {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي} [الأنعام: 58] وبيدي، {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: 58] مِنَ الْعَذَابِ، {لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 58] أَيْ: فَرَغَ مِنَ الْعَذَابِ وَأَهْلَكْتُمْ، أَيْ: لَعَجَّلْتُهُ حَتَّى أَتَخَلَّصَ مِنْكُمْ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58] [59] ، قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُهُ، جَمْعُ مِفْتَحٍ، واختلفوا في مفاتح الغيب. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي الْغَدِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ ". وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ. مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُ الْأَرْضِ، وَعِلْمُ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا غَابَ عَنْكُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَقِيلَ: انْقِضَاءُ الْآجَالِ، وَقِيلَ: أَحْوَالُ الْعِبَادِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَخَوَاتِيمِ أَعْمَالِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ أَنَّهُ يَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ، وَمَا يَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ؟ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا عِلْمَ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ. {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 59] قَالَ مُجَاهِدٌ: الْبَرُّ: الْمَفَاوِزُ وَالْقِفَارُ، وَالْبَحْرُ: الْقُرَى وَالْأَمْصَارُ، لَا يَحْدُثُ فِيهِمَا شَيْءٌ إِلَّا يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَرُّ وَالْبَحْرُ الْمَعْرُوفُ، {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} [الأنعام: 59] يُرِيدُ سَاقِطَةً وَثَابِتَةً، يَعْنِي: يَعْلَمُ عَدَدَ مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ وَمَا يَبْقَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَعْلَمُ كَمِ انْقَلَبَتْ ظَهْرًا لِبَطْنٍ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} [الأنعام: 59] قِيلَ هُوَ الْحَبُّ الْمَعْرُوفُ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هُوَ تَحْتَ الصخرة التي فِي أَسْفَلِ الْأَرْضِينَ، {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ} [الأنعام: 59] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الرَّطْبُ الْمَاءُ، وَالْيَابِسُ الْبَادِيَةُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ مَا يَنْبُتُ وَمَا لَا يَنْبُتُ، وَقِيلَ: وَلَا حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍّ، وَقِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] يَعْنِي أَنَّ الْكُلَّ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ] مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى. . . . [60] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام: 60] أَيْ: يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ إِذَا نِمْتُمْ بالليل، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ} [الأنعام: 60] كَسَبْتُمْ، {بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} [الأنعام: 60] أَيْ: يُوقِظُكُمْ فِي النَّهَارِ، {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} [الأنعام: 60] يَعْنِي: أَجَلَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَمَاتِ، يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْعُمْرِ عَلَى التَّمَامِ، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} [الأنعام: 60] في الآخرة {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ} [الأنعام: 60] يخبركم، {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60] [61] ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام: 61] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ، وَهُوَ جَمْعُ حَافِظٍ، نَظِيرُهُ {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الِانْفِطَارِ: 10 - 11] {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ} [الأنعام: 61] قَرَأَ حَمْزَةُ (تُوَفِّيهِ) وَ (اسْتَهْوِيهُ)

بالياء وأمالهما، {رُسُلُنَا} [الأنعام: 61] يَعْنِي: أَعْوَانَ مَلَكِ الْمَوْتِ يَقْبِضُونَهُ فَيَدْفَعُونَهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ فَيَقْبِضُ رُوحَهُ، كَمَا قَالَ: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: 11] وَقِيلَ: الْأَعْوَانُ يَتَوَفَّوْنَهُ بِأَمْرِ مَلَكِ الْمَوْتِ فَكَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ تَوَفَّاهُ لِأَنَّهُمْ يَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرُّسُلِ مَلَكَ الْمَوْتِ وَحْدَهُ، فذكر الواحد بلفظ الجمع، {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] لَا يُقَصِّرُونَ. [62] ، {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام: 62] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ، وَقِيلَ: يَعْنِي الْعِبَادَ يُرَدُّونَ بِالْمَوْتِ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ جَمِيعًا وَقَدْ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [مُحَمَّدٍ: 11] فَكَيْفَ وُجِّهَ الْجَمْعُ؟ فَقِيلَ: الْمَوْلَى فِي تِلْكَ الْآيَةِ بِمَعْنَى النَّاصِرِ وَلَا ناصر للكفار، والمولى ها هنا بمعنى المالك الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالِكُ الْكُلِّ وَمُتَوَلِّي الْأُمُورِ، وَقِيلَ: أَرَادَ هُنَا الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً يُرَدُّونَ إِلَى مَوْلَاهُمْ، وَالْكُفَّارُ فِيهِ تبع، {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} [الأنعام: 62] أَيِ: الْقَضَاءُ دُونَ خَلْقِهِ، {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62] أَيْ: إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى فِكْرَةٍ وروية وعقد يد. [63] ، قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ} [الأنعام: 63] قَرَأَ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالتَّشْدِيدِ، {مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63] أَيْ: مِنْ شَدَائِدِهِمَا وَأَهْوَالِهِمَا، كَانُوا إِذَا سَافَرُوا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَضَلُّوا الطَّرِيقَ وَخَافُوا الْهَلَاكَ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَيُنْجِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأنعام: 63] أَيْ: عَلَانِيَةً وَسِرًّا، قَرَأَ أَبُو بكر عن عاصم (وخيفة) بكسر الخاء هنا وَفِي الْأَعْرَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وهما لغتان، {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} [يونس: 22] أَيْ: يَقُولُونَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: لَئِنْ أَنْجَانَا اللَّهُ، {مِنْ هَذِهِ} [الأنعام: 63] يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] وَالشُّكْرُ: هُوَ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ مَعَ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا. [64] ، {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا} [الأنعام: 64] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ (يُنَجِّيكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ هَذَا بِالتَّخْفِيفِ، {وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} [الأنعام: 64] وَالْكَرْبُ غَايَةُ الْغَمِّ الَّذِي يَأْخُذُ النفس، {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 64] يُرِيدُ أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُونَهُ عِنْدَ الشِّدَّةِ هُوَ الَّذِي ينجيهم ثم يشركون مَعَهُ الْأَصْنَامَ الَّتِي قَدْ عَلِمُوا أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. [65] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ قَوْمٌ نزلت في المشركين، وقوله {عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] يَعْنِي: الصَّيْحَةَ وَالْحِجَارَةَ وَالرِّيحَ وَالطُّوفَانَ، كَمَا فَعَلَ بِعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَقَوْمِ نُوحٍ {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: 65] يَعْنِي: الرَّجْفَةَ وَالْخَسْفَ كَمَا فَعَلَ بِقَوْمِ شُعَيْبٍ

قوله تعالى وما على الذين يتقون من حسابهم من

وَقَارُونَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: {عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] السَّلَاطِينَ الظَّلَمَةَ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمُ الْعَبِيدُ السُّوءُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنْ فَوْقِكُمْ مِنْ قِبَلِ كِبَارِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَيْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام: 65] أَيْ يَخْلِطَكُمْ فِرَقًا وَيَبُثَّ فِيكُمُ الْأَهْوَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ، {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] يَعْنِي السُّيُوفَ الْمُخْتَلِفَةَ، يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بعضا. {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65] [66] {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} [الأنعام: 66] أَيْ: بِالْقُرْآنِ، وَقِيلَ بِالْعَذَابِ، {وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66] بِرَقِيبٍ، وَقِيلَ: بِمُسَلَّطٍ أُلْزِمُكُمُ الْإِسْلَامَ شئتم أو أبيتم، وإنما أنا رسول. [67] ، {لِكُلِّ نَبَإٍ} [الأنعام: 67] خَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ، {مُسْتَقَرٌّ} [الأنعام: 67] حَقِيقَةٌ وَمُنْتَهًى يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَيُتَبَيَّنُ صِدْقُهُ مَنْ كَذِبِهِ وَحَقُّهُ مِنْ بَاطِلِهِ، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا في الآخرة {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 67] وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ وَقْتٌ وَقَّتَهُ وَمَكَانٌ يَقَعُ فِيهِ مِنْ غَيْرٍ خُلْفٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِكُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ حَقِيقَةٌ، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَسَتَعْرِفُونَهُ وَمَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ فَسَوْفَ يَبْدُو لَكُمْ. [68] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} [الأنعام: 68] يَعْنِي: فِي الْقُرْآنِ بِالِاسْتِهْزَاءِ، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68] فَاتْرُكْهُمْ وَلَا تُجَالِسْهُمْ، {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ} [الأنعام: 68] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ النون وتخفيف السين، {الشَّيْطَانُ} [الأنعام: 68] نَهْيَنا، {فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] يَعْنِي: إِذَا جَلَسَتْ مَعَهُمْ نَاسِيًا فَقُمْ مِنْ عِنْدِهِمْ بَعْدَمَا تَذَكَّرْتَ. [قوله تعالى وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ] شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. . . . [69] {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 69] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68] قَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَنَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُمْ يَخُوضُونَ أَبَدًا؟ وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَإِنَّا نَخَافُ الْإِثْمَ حِينَ نَتْرُكُهُمْ وَلَا نَنْهَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 69] الخوض, {مِنْ حِسَابِهِمْ} [الأنعام: 69] أي: من إثم الْخَائِضِينَ {مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى} [الأنعام: 69] أَيْ: ذَكِّرُوهُمْ وَعِظُوهُمْ بِالْقُرْآنِ، وَالذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ، يُرِيدُ ذَكِّرُوهُمْ ذِكْرِي، فيكون فِي مَحَلِّ النَّصْبِ {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 69] الْخَوْضَ إِذَا وَعَظْتُمُوهُمْ فَرَخَّصَ فِي مجالستهم على الوعظ لعلهم يمنعهم من ذلك الخوض، قيل: لعلهم يستحيون. [70] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} [الأنعام: 70] يَعْنِي الْكُفَّارَ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا بآيات اللَّهِ اسْتَهْزَءُوا بِهَا وَتَلَاعَبُوا عِنْدَ ذِكْرِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا فَاتَّخَذَ كُلُّ

قَوْمٍ دِينَهُمْ- أَيْ: عِيدَهُمْ- لَعِبًا ولهوا وعيد المسلمين الصلاة وتكبيراتها وَفِعْلُ الْخَيْرِ مِثْلُ الْجُمُعَةِ وَالْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ} [الأنعام: 70] أَيْ: وَعِظْ بِالْقُرْآنِ، {أَنْ تُبْسَلَ} [الأنعام: 70] أَيْ: لِأَنْ لَا تُبْسَلَ، أَيْ: لا تسلم، {نَفْسٌ} [الأنعام: 70] للهلاك، {بِمَا كَسَبَتْ} [الأنعام: 70] قال مجاهد وعكرمة والسدي - قال ابْنُ عَبَّاسٍ: تَهْلَكُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَنْ تُحْبَسَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تُحْرَقُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُؤْخَذُ، وَمَعْنَاهُ. ذكرهم لأن يؤمنوا كَيْلَا تَهْلِكَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ، وقال الْأَخْفَشُ: تُبْسَلُ تُجَازَى، وَقِيلَ: تُفْضَحُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تُرْتَهَنُ، وَأَصْلُ الْإِبْسَالِ التَّحْرِيمُ، وَالْبَسْلُ الْحَرَامُ، ثُمَّ جُعِلَ نَعْتًا لِكُلِّ شِدَّةٍ تُتَّقَى وَتُتْرَكُ {لَيْسَ لَهَا} [الأنعام: 70] لِتِلْكَ النَّفْسِ، {مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ} [الأنعام: 70] قريب {وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 70] يَشْفَعُ فِي الْآخِرَةِ {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} [الأنعام: 70] أَيْ: تَفْدِ كُلَّ فِدَاءٍ، {لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] هنا، {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا} [الأنعام: 70] أُسْلِمُوا لِلْهَلَاكِ، {بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70] [71] ، {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا} [الأنعام: 71] إن عبدناه، {وَلَا يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71] إِنْ تَرَكْنَاهُ، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ لَيْسَ إِلَيْهَا نَفْعٌ وَلَا ضُرٌّ، {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} [الأنعام: 71] إِلَى الشِّرْكِ مُرْتَدِّينَ، {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ} [الأنعام: 71] أَيْ: يَكُونُ مَثَلُنَا كَمَثَلِ الَّذِي استهوته الشياطين، أي: أضلته، {فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ} [الأنعام: 71] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الْغِيلَانُ فِي الْمَهَامَةِ فَأَضَلُّوهُ فَهُوَ حَائِرٌ بَائِرٌ، وَالْحَيْرَانُ: الْمُتَرَدِّدُ فِي الْأَمْرِ لَا يَهْتَدِي إِلَى مَخْرَجٍ مِنْهُ، {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} [الأنعام: 71] هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ يَدْعُو إِلَى الْآلِهَةِ وَلِمَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي رُفْقَةٍ ضَلَّ بِهِ الْغُولُ عَنِ الطَّرِيقِ يَدْعُوهُ أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الرُّفْقَةِ هَلُمَّ إِلَى الطريق، ويدعوه الغول فَيَبْقَى حَيْرَانَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَإِنْ أَجَابَ الْغُولَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ إِلَى الْهَلَكَةِ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّرِيقِ اهْتَدَى، {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [الأنعام: 71] يَزْجُرُ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الهدى هدى الله لا يهدي غيره، {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} [الأنعام: 71] أَيْ: أَنْ نُسَلِّمَ، {لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ وَأَنْ تَفْعَلَ وَبِأَنْ تَفْعَلَ. [72] ، {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ} [الأنعام: 72] أَيْ: وَأُمِرْنَا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّقْوَى، {وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72] أَيْ: تُجْمَعُونَ فِي الْمَوْقِفِ لِلْحِسَابِ. [73] ، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 73] قِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: إِظْهَارًا لِلْحَقِّ لِأَنَّهُ جَعَلَ صُنْعَهُ دَلِيلًا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، {وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ} [الأنعام: 73] قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى خَلْقِ السماوات وَالْأَرْضِ، وَالْخَلْقُ بِمَعْنَى: الْقَضَاءِ وَالتَّقْدِيرِ، أَيْ: كُلُّ شَيْءٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَامَةِ يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ أَمْرِ الْبَعْثِ وَالسَّاعَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَوْمَ يَقُولُ لِلْخَلْقِ مُوتُوا فَيَمُوتُونَ، وَقُومُوا فَيَقُومُونَ، {قَوْلُهُ الْحَقُّ} [الأنعام: 73] أَيِ: الصِّدْقُ الْوَاقِعُ لَا مَحَالَةَ، يُرِيدُ أَنَّ مَا وَعَدَهُ حَقٌّ كَائِنٌ، {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [الأنعام: 73] يَعْنِي مُلْكُ الْمُلُوكِ يَوْمَئِذٍ زَائِلٌ، كقوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] وَكَمَا قَالَ: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] والأمر لله فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَكِنْ لَا أَمْرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَحَدٍ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ، وَالصُّورُ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَهَيْئَةِ الْبُوقِ، وَقِيلَ: هُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصُّورُ هُوَ الصُّوَرُ وَهُوَ جَمْعُ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، والدليل عليه ما ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا الصُّورُ؟ قَالَ: "قرن ينفخ فيه» (¬1) . قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام: 73] ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في القيامة 7 / 117 وقال حديث حسن صحيح، والدارمي في الرقاق 2 / 325، وصححه الحاكم 2 / 506، والإمام أحمد في المسند 2 / 162، 192.

قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ

يعني: يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا يُشَاهِدُونَهُ لَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ] أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. . . . [74] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: 74] قَرَأَ يَعْقُوبُ (آزَرُ) بِالرَّفْعِ، يَعْنِي: (آزَرُ) ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسم أعجمي لا ينصرف فينصب فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ. آزَرُ اسْمُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ تَارِخُ أيضا، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُهُ: آزَرُ لَقَبٌ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَاسْمُهُ تَارِخُ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: هُوَ سَبٌّ وَعَيْبٌ، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامِهِمُ المعوج، وقيل: معناه الشيخ الهرم بِالْفَارِسِيَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٌ: آزَرُ اسْمُ صَنَمٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ تقديره {أَتَتَّخِذُ} [الأنعام: 74] آزَرَ إِلَهَا قَوْلُهُ {أَصْنَامًا آلِهَةً} [الأنعام: 74] دُونَ اللَّهِ، {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] أي: في خطأ بين. [75] ، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام: 75] أَيْ: كَمَا أَرَيْنَاهُ الْبَصِيرَةَ فِي دِينِهِ، وَالْحَقَّ فِي خِلَافِ قَوْمِهِ كذلك نريه {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 75] وَالْمَلَكُوتُ الْمُلْكُ زِيدَتْ فِيهِ التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ كَالْجَبَرُوتِ وَالرَّحَمُوتِ وَالرَّهَبُوتِ, قَالَ ابن عباس: يعني خلق السماوات وَالْأَرْضَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جبير: يعني آيات السماوات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُقِيمَ عَلَى صخر وكشف له عن ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشِ وَأَسْفَلَ الْأَرَضِينَ وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} [العنكبوت: 27] يَعْنِي. أَرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ، وقال قتادة: ملكوت السماوات. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ. الْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالْبِحَارُ، {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُ: نُرِيهِ ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. [76] ، {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} [الأنعام: 76] أي: دخل الليل، يُقَالُ: جَنَّ اللَّيْلُ وَأَجَنَّ اللَّيْلُ، وَجَنَّهُ اللَّيْلُ، وَأَجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ يَجِنُّ جُنُونًا وَجِنَانًا إِذَا أَظْلَمَ وَغَطَّى كُلَّ شَيْءٍ، وَجُنُونُ اللَّيْلِ سواده، {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] اختلفوا فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ فَأَجْرَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ، وَقَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْشِدًا طَالِبًا لِلتَّوْحِيدِ حَتَّى وَفَّقَهُ الله وَآتَاهُ رُشْدَهُ فَلَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ فِي حَالِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَيْضًا كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ طُفُولَتِهِ قَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ كُفْرًا، وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ رَسُولٌ يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ مُوَحِّدٌ وَبِهِ عَارِفٌ، وَمِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ بَرِيءٌ، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ هَذَا عَلَى مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَطَهَّرَهُ وَآتَاهُ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَأَخْبَرَ عَنْهُ فَقَالَ: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصَّافَّاتُ: 84] وَقَالَ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 75] أَفَتَرَاهُ أَرَاهُ الْمَلَكُوتَ لِيُوقِنَ فَلَمَّا أَيْقَنَ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ: هَذَا رَبِّيَ مُعْتَقِدًا؟! فَهَذَا

قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه

ما لا يكون أبدا. {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76] وَمَا لَا يَدُومُ. [77] ، {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا} [الأنعام: 77] طَالِعًا، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي} [الأنعام: 77] وقيل: لئن لم يثبتني ربي عَلَى الْهُدَى، لَيْسَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا، وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يَزَالُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الثَّبَاتَ عَلَى الإيمان {لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77] أَيْ: عَنِ الْهُدَى. [78] ، {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً} [الأنعام: 78] طالعة، {قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} [الأنعام: 78] أَيْ: أَكْبَرُ مِنَ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ، وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الطَّالِعَ، أَوْ رَدَّهُ إِلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ الضِّيَاءُ وَالنُّورُ، لِأَنَّهُ رَآهُ أَضْوَأَ مِنَ النُّجُومِ وَالْقَمَرِ، {فَلَمَّا أَفَلَتْ} [الأنعام: 78] غَرَبَتْ، {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] [79] {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] [80] ، {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: 80] أَيْ: خَاصَمَهُ وَجَادَلَهُ قَوْمُهُ فِي دِينِهِ، {قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ} [الأنعام: 80] يَقُولُ: أَتُجَادِلُونَنِي فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ {وَقَدْ هَدَانِي} [الأنعام: 80] لِلتَّوْحِيدِ وَالْحَقِّ {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} [الأنعام: 80] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: احْذَرِ الْأَصْنَامَ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ تَمَسَّكَ بِسُوءٍ مِنْ خَبَلٍ أَوْ جُنُونٍ لِعَيْبِكَ إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُمْ: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} [الأنعام: 80] وليس هذا باستثناء من الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ يَشَأْ رَبِّي شيئا أي سوء فَيَكُونُ مَا شَاءَ، {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأنعام: 80] أَيْ: أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] [81] ، {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} [الأنعام: 81] يَعْنِي الْأَصْنَامَ وَهِيَ لَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، {وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} [الأنعام: 81] حُجَّةً وَبُرْهَانًا، وَهُوَ الْقَاهِرُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ} [الأنعام: 81] أولى {بِالْأَمْنِ} [الأنعام: 81] أَنَا وَأَهْلُ دِينِي أَمْ أَنْتُمْ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَاضِيًا بَيْنَهُمَا: [82] ، {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] لَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ , {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] [قَوْلِهِ تَعَالَى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ] نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ. . . . . [83] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] حتى خصمهم وغلبهم بالحجة {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] بِالْعِلْمِ. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ (درجات) بالتنوين ها هنا وَفِي سُورَةِ يُوسُفَ، أَيْ: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِنْ نَشَاءُ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْعَقْلِ، كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَاتٍ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى اهْتَدَى وَحَاجَّ قَوْمَهُ فِي التَّوْحِيدِ، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] [84] ، {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا} [الأنعام: 84] ووفقنا وَأَرْشَدْنَا. {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 84]

قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما

أَيْ: مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} [الأنعام: 84] أي: من ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يُرِدْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي جُمْلَتِهِمْ يُونُسَ وَلُوطًا وَلَمْ يَكُونَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، دَاوُدَ، هو دَاوُدَ بْنَ أَيْشَا، وَسُلَيْمَانَ، يَعْنِي ابْنَهُ وَأَيُّوبَ، وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ أَمُوصَ بْنِ رَازِحَ بْنِ رُومِ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُوسُفَ، هُوَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمُوسَى، وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ فَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بن إسحاق بن إبراهيم، وَهَارُونَ، هُوَ أَخُو مُوسَى أَكْبَرُ منه بسنة، {وَكَذَلِكَ} [الأنعام: 84] أي: كما جَزَيْنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى تَوْحِيدِهِ بِأَنْ رَفَعْنَا دَرَجَتَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ أَوْلَادًا أَنْبِيَاءَ أَتْقِيَاءَ كَذَلِكَ {نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: 84] عَلَى إِحْسَانِهِمْ، وَلَيْسَ ذِكْرُهُمْ عَلَى ترتيب أزمانهم. [85] ، وَزَكَرِيَّا، هو زَكَرِيَّا بْنِ آذَنَ، وَيَحْيَى، وَهُوَ ابْنُهُ، وَعِيسَى، وَهُوَ ابْنُ مَرْيَمَ بنت عمران، وَإِلْيَاسَ، واختلفوا فِيهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ إِدْرِيسُ وَلَهُ اسْمَانِ مِثْلُ يَعْقُوبَ وَإِسْرَائِيلَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي وَلَدِ نُوحٍ، وَإِدْرِيسُ جَدُّ أَبِي نُوحٍ، وهو إلياس بن بشير ابن فِنْحَاصَ بْنِ عِيزَارَ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ {كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: 85] [86] ، {وَإِسْمَاعِيلَ} [الأنعام: 86] وهو ولد إبراهيم، {وَالْيَسَعَ} [الأنعام: 86] وَهُوَ ابْنُ أَخْطُوبَ بْنِ الْعَجُوزِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (وَالَّيْسَعَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ هُنَا وَفِي ص {وَيُونُسَ} [الأنعام: 86] وَهُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، {وَلُوطًا} [الأنعام: 86] وَهُوَ لُوطُ بْنُ هَارَانَ بْنِ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86] أَيْ: عَالَمِي زَمَانِهِمْ. [87] {وَمِنْ آبَائِهِمْ} [الأنعام: 87] مِنْ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ آبَاءَ بعضهم كانوا مشركين، {وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [الأنعام: 87] أي: ومن ذرياتهم وأراد بَعْضِهِمْ، لِأَنَّ عِيسَى وَيَحْيَى لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، وَكَانَ فِي ذُرِّيَّةِ بَعْضِهِمْ مَنْ كَانَ كَافِرًا {وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} [الأنعام: 87] اخترناهم واصطفيناهم، {وَهَدَيْنَاهُمْ} [الأنعام: 87] أرشدناهم، {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 87] [88] ، {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ} [الأنعام: 88] دين الله، {يَهْدِي بِهِ} [الأنعام: 88] يُرْشِدُ بِهِ، {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا} [الأنعام: 88] أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، {لَحَبِطَ} [الأنعام: 88] لَبَطَلَ وَذَهَبَ، {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] [89] ، {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الأنعام: 89] أَيِ: الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ- عَلَيْهِمْ، {وَالْحُكْمَ} [الأنعام: 89] يَعْنِي: الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ، {وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} [الأنعام: 89] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] يَعْنِي: الْأَنْصَارَ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ، يَعْنِي: الْأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عشر الذين ذكرهم الله ها هنا، وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: مَعْنَاهُ: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ الْأَرْضِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ السَّمَاءِ وهم الملائكة قوما لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. [90] ، {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [الأنعام: 90] أي: هداهم الله، {فَبِهُدَاهُمُ} [الأنعام: 90] فبسنتهم وسيرتهم، {اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] الْهَاءُ فِيهَا هَاءُ الْوَقْفِ، وَحَذَفَ حمزة والكسائي ويعقوب الْهَاءَ فِي الْوَصْلِ، وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (اقْتَدِهِ) بِإِشْبَاعِ الْهَاءِ كَسْرًا {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ} [الأنعام: 90] ما هو، {إِلَّا ذِكْرَى} [الأنعام: 90] أي: تذكرة وموعظة، {لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا] أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. . . . [91] ، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] أَيْ: مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وقيل: ما وصفوه حق وصفه، {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 91] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «قَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتَابًا، قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ} [الأنعام: 91] »

{شَيْءٍ} [الأنعام: 91] قال الله تعالى: {قُلْ} [الأنعام: 91] لَهَمُ، {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91] يَعْنِي التَّوْرَاةَ، {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91] أَيْ: تَكْتُبُونَ عَنْهُ دَفَاتِرَ وَكُتُبًا مقطعة {تُبْدُونَهَا} [الأنعام: 91] أَيْ: تُبْدُونَ مَا تُحِبُّونَ وَتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} [الأنعام: 91] الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا خِطَابٌ لِلْيَهُودِ، يَقُولُ: عُلِّمْتُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا {أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] قَالَ الْحَسَنُ: جُعِلَ لَهُمْ عِلْمُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَيَّعُوهُ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُذَكِّرُهُمُ النِّعْمَةَ فِيمَا عَلَّمَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 91] هَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام: 91] فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَقُلْ أَنْتَ. (اللَّهُ) ، أَيْ: قُلْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91] [92] ، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] أَيِ: الْقُرْآنُ كِتَابٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ {مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ} [الأنعام: 92] يَا مُحَمَّدُ، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمِ (وَلِيُنْذِرَ) بِالْيَاءِ أَيْ: ولينذر الكتاب، {أُمَّ الْقُرَى} [الأنعام: 92] يَعْنِي: مَكَّةَ سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، فَهِيَ أَصْلُ الْأَرْضِ كُلِّهَا كَالْأُمِّ أَصْلِ النَّسْلِ، وَأَرَادَ أَهْلَ أُمِّ القرى {وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92] أَيْ: أَهْلَ الْأَرْضِ كُلِّهَا شَرْقًا وَغَرْبًا، {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الأنعام: 92] بالكتاب، {وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ} [الأنعام: 92] يعني: الصلوات الخمس، {يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] يُدَاوِمُونَ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ. [93] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى} [الأنعام: 93] اختلق {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 93] فَزَعْمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَهُ نَبِيًّا، {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93] قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ الكذاب، وَكَانَ يَسْجَعُ وَيَتَكَهَّنُ، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا: «أَتَشْهَدَانِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ نَبِيٌّ؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لضربت أعناقكما» (¬1) . {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93] قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان إذا أَمْلَى عَلَيْهِ سَمِيعًا بَصِيرًا كَتَبَ عَلِيمًا حَكِيمًا, وَإِذَا قَالَ: عَلِيمًا حكِيمًا كَتَبَ غَفُورًا رَحِيمًا, فَلَمَّا نَزَلَتْ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [الْمُؤْمِنُونَ: 12] أَمْلَاهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ تَفْصِيلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اكْتُبْهَا فَهَكَذَا نَزَلَتْ , فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ كَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ, فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة 8 / 89، ومسلم في الرؤيا رقم (2274) 4 / 1781، والمصنف في شرح السنة 12 / 252.

قوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي

وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ إِذْ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93] يُرِيدُ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَهُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال: 31] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ تَرَى} [الأنعام: 93] يَا مُحَمَّدُ {إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} [الأنعام: 93] سَكَرَاتِهِ وَهِيَ جَمْعُ غَمْرَةٍ وَغَمْرَةُ كل شيء معظمه وأصله الشيء الذي يغمر الْأَشْيَاءَ فَيُغَطِّيهَا، ثُمَّ وُضِعَتْ فِي مَوْضِعِ الشَّدَائِدِ- وَالْمَكَارِهِ، {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 93] بِالْعَذَابِ وَالضَّرْبِ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، وقيل. بقبض الأرواح، {أَخْرِجُوا} [الأنعام: 93] أي: يقولون أخرجوا {أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93] أَيْ: أَرْوَاحَكُمْ كُرْهًا لِأَنَّ نَفْسَ المؤمن تنشط للقاء ربه، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، يَعْنِي لَوْ تَرَاهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَرَأَيْتَ عَجَبًا، {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام: 93] أَيِ: الْهَوَانِ، {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] تَتَعَظَّمُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَلَا تصدقونه. [94] ، {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى} [الأنعام: 94] هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَقُولُ لِلْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى وُحْدَانًا، لَا مَالَ معكم وَلَا وَلَدَ وَلَا خَدَمَ، وَفُرَادَى جَمْعُ فَرْدَانَ، مِثْلُ سَكْرَانَ وَسُكَارَى، وَكَسْلَانَ وَكُسَالَى، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ فَرْدَى بغير ألف مثل سكارى، {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الْأَنْعَامِ: 94] عراة حفاة غرلا, {وَتَرَكْتُمْ} [الأنعام: 94] وخلفتم {مَا خَوَّلْنَاكُمْ} [الأنعام: 94] أعطينايهم مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالْخَدَمِ، {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94] فِي الدُّنْيَا، {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ اللَّهِ وَشُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَهُ، {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكِسَائِيِّ وَحَفْصٌ عن عاصم بنصب النون على معنى لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْوَصْلِ، أَوْ تَقَطَّعَ الْأَمْرُ بَيْنَكُمْ بِرَفْعِ النُّونِ، أَيْ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وَصْلُكُمْ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [الْبَقَرَةِ: 166] أَيِ: الْوَصَلَاتُ والبين من الأضداد وَصْلًا وَيَكُونُ هَجْرًا, {وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] [قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ] مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. . . . [95] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: 95] الْفَلْقُ الشَّقُّ, قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ يَشُقُّ الْحَبَّةَ عَنِ السُّنْبُلَةِ وَالنَّوَاةَ عَنِ النَّخْلَةِ فَيُخْرِجُهَا مِنْهَا، وَالْحَبُّ جَمْعُ الْحَبَّةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْبُذُورِ وَالْحُبُوبِ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَوًى، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَشُقُّ الْحَبَّةَ الْيَابِسَةَ وَالنَّوَاةَ اليابسة فيخرج منهما ورقا أخضر, وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الشَّقَّيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا, أَيْ: يَشُقُّ الْحَبَّ عَنِ النَّبَاتِ وَيُخْرِجُهُ مِنْهُ وَيَشُقُّ النَّوَى عَنِ النَّخْلِ وَيُخْرِجُهَا مِنْهُ, وَالنَّوَى جَمْعُ النَّوَاةِ وَهِيَ كُلُّ مَا لم يكن له حب، كَالتَّمْرِ وَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهَا, وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يَعْنِي: خَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى,

{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] تُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ. [96] {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96] شَاقُّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ الليل وكاشفه، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَالِقُ النَّهَارِ، وَالْإِصْبَاحُ مَصْدَرٌ كَالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَهُوَ الْإِضَاءَةُ وأراد به الصبح وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنَ النهار، يريد ومبدي الصبح وموضحه، {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96] يَسْكُنُ فِيهِ خَلْقُهُ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: (وَجَعَلَ) عَلَى الْمَاضِي، (اللَّيْلَ) ، نُصِبَ اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ، وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ النخعي (فلق الإصباح) ، {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96] {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} [الأنعام: 96] أَيْ: جَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ لَا يُجَاوِزَانِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَا إِلَى أَقْصَى مَنَازِلِهِمَا، وَالْحُسْبَانُ مَصْدَرٌ كالسحاب، وقيل: جمع حساب، {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96] [97] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} [الأنعام: 97] أَيْ: خَلَقَهَا لَكُمْ، {لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97] وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النُّجُومَ لِفَوَائِدٍ، أَحَدُهَا: هَذَا وَهُوَ أَنَّ رَاكِبَ السفينة وَالسَّائِرَ فِي الْقِفَارِ يَهْتَدِي بِهَا فِي اللَّيَالِي إِلَى مَقَاصِدِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا زِينَةٌ لِلسَّمَاءِ كَمَا قَالَ {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: 5] ومنها رمي الشيطان، كَمَا قَالَ: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الْمُلْكِ: 5] {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] [98] ، {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ} [الأنعام: 98] خَلَقَكُمْ وَابْتَدَأَكُمْ {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأنعام: 98] يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: 98] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ الْقَافِ، يَعْنِي: فَمِنْكُمْ مُسْتَقِرٌّ وَمِنْكُمْ مُسْتَوْدَعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ: فَلَكُمْ مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَقَرِّ وَالْمُسْتَوْدَعِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَمُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ إِلَى أَنْ يُولَدَ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الْقَبْرِ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: فَمُسْتَقَرٌّ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَهُوَ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تزوجت؟ قلت: لا، قال: أما إنه ما كان مستودعا في ظهرك فسيخرجه اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَرُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مُسْتَقَرٌّ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ، وَقِيلَ: مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ وَمُسْتَوْدَعٌ فَوْقَ الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الْحَجِّ: 5] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَقَرٌّ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا وَمُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الْبَقَرَةِ: 36] وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُسْتَقَرُّ في القبر وَالْمُسْتَوْدَعُ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْتَ وَدِيعَةٌ فِي أَهْلِكَ وَيُوشِكُ أَنْ تَلْحَقَ بِصَاحِبِكَ، وَقِيلَ: الْمُسْتَوْدَعُ الْقَبْرُ وَالْمُسْتَقَرُّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ في صفة أهل الجنة: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 76] وفي صفة أهل النار: {سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الْفُرْقَانِ: 66] {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98] [99] ، {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} [الأنعام: 99] أَيْ: بِالْمَاءِ، {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} [الأنعام: 99] مِنَ الْمَاءِ، وَقِيلَ: مِنَ النَّبَاتِ، {خَضِرًا} [الأنعام: 99] يَعْنِي: أَخْضَرَ، مِثْلُ الْعَوِرِ وَالْأَعْوَرِ، يَعْنِي: مَا كَانَ رَطْبًا أَخْضَرَ مِمَّا يَنْبُتُ مِنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا، {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} [الأنعام: 99] أي: متراكبا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، مِثْلُ سَنَابِلِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ، {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا} [الأنعام: 99] وَالطَّلْعُ أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثمر النخل، {قِنْوَانٌ} [الأنعام: 99] جَمْعُ قِنْوٍ وَهُوَ الْعِذْقُ، مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ وَلَا نَظِيرَ لَهُمَا في الكلام، {دَانِيَةٌ} [الأنعام: 99] أَيْ: قَرِيبَةُ الْمُتَنَاوَلِ يَنَالُهَا الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَدَلِّيَةٌ، وَقَالَ الضحاك: قصار ملتزمة بِالْأَرْضِ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: وَمِنَ النَّخْلِ مَا قِنْوَانُهَا دَانِيَةٌ وَمِنْهَا مَا هِيَ بَعِيدَةٌ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْقَرِيبَةِ عَنِ الْبَعِيدَةِ لِسَبْقِهِ إِلَى الْأَفْهَامِ، كَقَوْلِهِ

قوله تعالى ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق

تَعَالَى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النَّحْلِ: 81] يَعْنِي: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أحدهما، {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ} [الأنعام: 99] أَيْ: وَأَخْرَجْنَا مِنْهُ جَنَّاتٍ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَنْ عَاصِمٍ (وَجَنَّاتٌ) بِالرَّفْعِ نسقا على قوله {قِنْوَانٌ} [الأنعام: 99] وَعَامَّةُ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} [الأنعام: 99] يَعْنِي: وَشَجَرَ الزَّيْتُونِ وَشَجَرَ الرُّمَّانِ، {مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 99] قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ مُشْتَبِهًا وَرَقُهَا مُخْتَلِفًا ثَمَرُهَا، لِأَنَّ وَرَقَ الزَّيْتُونِ يُشْبِهُ وَرَقَ الرُّمَّانِ، وَقِيلَ: مُشْتَبِهٌ فِي الْمَنْظَرِ مُخْتَلِفٌ فِي الطَّعْمِ، {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ} [الأنعام: 99] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، هَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَفِي يس عَلَى جَمْعِ الثِّمَارِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهِمَا عَلَى جَمْعِ الثَّمَرَةِ مِثْلُ بَقَرَةٍ وَبَقَرٍ، {إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [الأنعام: 99] وَنُضْجِهِ وَإِدْرَاكِهِ، {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] [100] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} [الأنعام: 100] يَعْنِي: الْكَافِرِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ الْجِنَّ شركاء، {وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام: 100] يَعْنِي: وَهُوَ خَلَقَ الْجِنَّ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ أَثْبَتُوا الشَّرِكَةَ لِإِبْلِيسَ فِي الْخَلْقِ، فَقَالُوا: اللَّهُ خَالِقُ النُّورَ وَالنَّاسَ وَالدَّوَابَّ وَالْأَنْعَامَ، وَإِبْلِيسُ خَالِقُ الظُّلْمَةِ وَالسِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصَّافَّاتِ: 158] وإبليس من الجن، {وَخَرَقُوا} [الأنعام: 100] بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيِ: اخْتَلَقُوا {لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 100] وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابن الله، وقول كفار مكة الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] [101] {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 101] أَيْ: مُبْدِعُهُمَا لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ، {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} [الأنعام: 101] أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام: 101] زَوْجَةٌ، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] [قَوْلُهُ تَعَالَى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ] كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. . . . [102] ، {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102] فَأَطِيعُوهُ، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102] بالحفظ له والتدبير. [103] {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] يَتَمَسَّكُ أَهْلُ الِاعْتِزَالِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي نَفْيِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِيَانًا، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجل عيانا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الْقِيَامَةِ: 22 - 23] وَقَالَ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [الْمُطَفِّفِينَ: 15] قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَرَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَيِّرِ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِالْحِجَابِ؟ وَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يُونُسَ: 26] وَفَسَّرَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الله عز وجل. وعن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا» (¬1) وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] فاعلم أَنَّ الْإِدْرَاكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِ الشَّيْءِ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ، وَالرُّؤْيَةُ: الْمُعَايَنَةُ، وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ بِلَا إِدْرَاكٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ موسى عليه السلام: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - قَالَ كَلَّا} [الشُّعَرَاءِ: 61 - 62] وَقَالَ: {لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77] فَنَفَى الْإِدْرَاكَ مَعَ إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَجُوزُ أَنْ يُرَى مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ كَمَا يُعْرَفُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُحَاطُ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] فَنَفَى الْإِحَاطَةَ مَعَ ثُبُوتِ الْعِلْمِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَلَّتْ أَبْصَارُ الْمَخْلُوقِينَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] أي: لا يخفي على الله شَيْءٌ وَلَا يَفُوتُهُ، {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: اللَّطِيفُ بِأَوْلِيَائِهِ الْخَبِيرُ بِهِمْ، وقال الزهري مَعْنَى (اللَّطِيفِ) الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ، وَقِيلَ: اللطيف ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 597 وفي التوحيد، ومسلم في المساجد رقم (633) 1 / 439 والمصنف في شرح السنة 2 / 224.

قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله

الْمُوصِلُ الشَّيْءَ بِاللِّينِ وَالرِّفْقِ، وَقِيلَ: اللَّطِيفُ الَّذِي يُنْسِي الْعِبَادَ ذُنُوبَهُمْ لِئَلَّا يَخْجَلُوا، وَأَصْلُ اللُّطْفِ دِقَّةُ النَّظَرِ فِي الْأَشْيَاءِ. [104] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأنعام: 104] يَعْنِي: الْحُجَجَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا الْهُدَى مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْحَقَّ من الباطل، {فَمَنْ أَبْصَرَ} [الأنعام: 104] أَيْ: فَمَنْ عَرَفَهَا وَآمَنَ بِهَا {فَلِنَفْسِهِ} [الأنعام: 104] عمله وَنَفْعُهُ لَهُ، {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104] أَيْ: مَنْ عَمِيَ عَنْهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا وَلَمْ يُصَدِّقْهَا فَعَلَيْهَا، أَيْ: بنفسه ضَرَّ، وَوَبَالُ الْعَمَى عَلَيْهِ، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104] برقيب أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أُبْلِغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَهُوَ الْحَفِيظُ عَلَيْكُمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِكُمْ. [105] {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} [الأنعام: 105] نُفَصِّلُهَا وَنُبَيِّنُهَا فِي كُلِّ وَجْهٍ، {وَلِيَقُولُوا} [الأنعام: 105] قِيلَ: مَعْنَاهُ لِئَلَّا يَقُولُوا {دَرَسْتَ} [الأنعام: 105] وقيل: اللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ أَيْ: عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: دَرَسْتَ، أَيْ قَرَأْتَ عَلَى غَيْرِكَ، وَقِيلَ: قَرَأْتَ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [الْقَصَصِ: 8] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنَّ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلِيَقُولُوا) يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ حِينَ تَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ (دَرَسْتَ) أَيْ: تَعَلَّمْتَ مِنْ يَسَارٍ وَجَبْرٍ كَانَا عَبْدَيْنِ مِنْ سَبْيِ الرُّومِ، ثُمَّ قَرَأَتْ عَلَيْنَا تَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ دَرَسْتُ الْكِتَابَ أَدْرُسُ دَرْسًا وَدِرَاسَةٌ، وَقَالَ الفراء رحمه الله: يَقُولُونَ تَعَلَّمْتَ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (دَارَسْتَ) ، بالألف، بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ التَّاءِ، أَيْ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي تَتْلُوهَا عَلَيْنَا قَدِيمَةٌ، قَدْ دَرَسَتْ وَانْمَحَتْ، مِنْ قَوْلِهِمْ دَرَسَ الْأَثَرُ يَدْرُسُ دُرُوسًا. {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 105] أي: القرآن، وقيل: نصرف الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَقِيلَ: يَعْنِي أن تصريف الآيات ليشقى بها قوم ويسعد بها قَوْمٌ آخَرُونَ، فَمَنْ قَالَ دَرَسْتَ فَهُوَ شَقِّيٌّ وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَهُوَ سَعِيدٌ. [106] ، {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [الأنعام: 106] يَعْنِي: الْقُرْآنَ اعْمَلْ بِهِ، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 106] فَلَا تُجَادِلْهُمْ. [107] ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] أي: ولو شَاءَ لَجَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ، {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [الأنعام: 107] رَقِيبًا قَالَ عَطَاءٌ: وَمَا جَعَلْنَاكَ حَفِيظًا تَمْنَعُهُمْ مِنِّي، أَيْ: لَمْ تبعث لتحفظ المشركين من الْعَذَابِ إِنَّمَا بُعِثْتَ مُبَلِّغًا {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 107] [قوله تعالى وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ] فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. . . . [108] {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: 108] الْآيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 98] قَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِينَ عن سبب آلِهَتِنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ،

فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكُفَّارِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: 108] يَعْنِي: الْأَوْثَانَ، {فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا} [الأنعام: 108] أَيِ: اعْتِدَاءً وَظُلْمًا، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] قرأ يَعْقُوبُ (عُدُوًّا) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا تَسُبُّوا رَبَّكُمْ» ، فَأَمْسَكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ سب آلهتهم. وظاهر الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ سَبِّ الْأَصْنَامِ فَحَقِيقَتُهُ النَّهْيُ عَنْ سب الله تعالى، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِذَلِكَ، {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108] أَيْ: كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عبادة الأصنام وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ بِالْحِرْمَانِ وَالْخِذْلَانِ، كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ} [الأنعام: 108] ويجازيهم {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] [109] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام: 109] أَيْ: حَلَفُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، أَيْ: بِجُهْدِ أَيْمَانِهِمْ، يَعْنِي أَوْكَدَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وأشدها، قال الكلبي ومجاهد: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ فَهُوَ جَهْدُ يَمِينِهِ، {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} [الأنعام: 109] كَمَا جَاءَتْ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الأمم، {لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ} [الأنعام: 109] يَا مُحَمَّدُ، {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنعام: 109] وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِنْزَالِهَا، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] وَمَا يُدْرِيكُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بقوله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] فقال بعضهم: الخطاب للمشركين الذي أَقْسَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (إِنَّهَا) بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَالُوا: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] ثم من جَعْلَ الْخِطَابَ لِلْمُشْرِكِينَ قَالَ مَعْنَاهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ آمَنْتُمْ؟ وَمَنْ جَعَلَ الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَعْنَاهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ آمَنُوا؟ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ حَتَّى يُرِيَهُمْ مَا اقْتَرَحُوا حَتَّى يُؤْمِنُوا فَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] وَهَذَا فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَجَعَلُوا الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (لَا يُؤْمِنُونَ) ، فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: (لَا) صِلَةٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا يشعركم أيها المؤمنون إذا جاءت أن المشركين يؤمنون؟ كقوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 95] أَيْ: يَرْجِعُونَ وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى لَعَلَّ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ، تَقُولُ الْعَرَبُ: اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ أَنَّكَ تشتري شيئا، أي: لعلك وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ وَتَقْدِيرُهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ يُؤْمِنُونَ أَوْ لَا يُؤْمِنُونَ؟ وَقَرَأَ ابْنُ عامر وحمزة (لا يؤمنون) ، بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ لِلْكَفَّارِ وَاعْتَبَرُوا بِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ: إِذَا جَاءَتْكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الخبر، ودليلها قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ: أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. [110] ، {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي وَنَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ، فَلَوْ جِئْنَاهُمْ بِالْآيَاتِ الَّتِي سَأَلُوا مَا آمَنُوا بِهَا كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَيْ: كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْآيَاتِ مِنَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يَعْنِي: مُعْجِزَاتِ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [الْقَصَصِ: 48] وَفِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَا يُؤْمِنُونَ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَرَّةُ الْأُولَى دَارُ الدُّنْيَا، يَعْنِي لَوْ رُدُّوا مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَمَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الْأَنْعَامِ: 28]

قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة

{وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] قَالَ عَطَاءٌ: نَخْذُلُهُمْ وَنَدَعُهُمْ فِي ضلالتهم يتمادون. [قوله تَعَالَى وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ] وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. . . . [111] {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} [الأنعام: 111] فرأوهم عيانا {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} [الأنعام: 111] بِإِحْيَائِنَا إِيَّاهُمْ فَشَهِدُوا لَكَ بِالنُّبُوَّةِ كما سألوا، {وَحَشَرْنَا} [الأنعام: 111] وَجَمَعْنَا، {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام: 111] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ (قِبَلَا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: مُعَايَنَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ القاف والباء، قيل: هُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ، وَهُوَ الْكَفِيلُ، مِثْلُ رَغِيفٍ وَرُغُفٍ، وَقَضِيبٍ وَقُضُبٍ، أَيْ: ضُمَنَاءُ وَكُفَلَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ وَهُوَ الْقَبِيلَةُ، أَيْ: فَوْجًا، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَتَيْتُكَ قُبَلًا لَا دُبُرًا إِذَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ. {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الْأَنْعَامِ: 111] ذلك، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111] [112] {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} [الأنعام: 112] أَيْ: أَعْدَاءً. فِيهِ تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي كَمَا ابْتَلَيْنَاكَ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ قَبْلَكَ أَعْدَاءً، ثم فسرها فقال: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112] قَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ الَّتِي مَعَ الْإِنْسِ، وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ الَّتِي مَعَ الْجِنِّ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينٌ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فَرِيقًا مِنْهُمْ إِلَى الْإِنْسِ وَفَرِيقًا مِنْهُمْ إِلَى الْجِنِّ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ أَعْدَاءٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ولأوليائه، وهم يَلْتَقُونَ فِي كُلِّ حِينٍ، فَيَقُولُ شَيْطَانُ الْإِنْسِ لِشَيْطَانِ الْجِنِّ: أَضْلَلْتُ صَاحِبِي بِكَذَا فَأَضِلَّ صَاحِبَكَ بِمِثْلِهِ، ويقول شَيَاطِينُ الْجِنِّ لِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ وَحْيُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: إِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينٌ كَمَا أَنَّ مِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينٌ، وَالشَّيْطَانُ: الْعَاتِي الْمُتَمَرِّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالُوا: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا أَعْيَاهُ الْمُؤْمِنُ وَعَجَزَ مِنْ إِغْوَائِهِ ذَهَبَ إِلَى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْإِنْسِ وَهُوَ شَيْطَانُ الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنِّي إِذَا تعوذت بالله ذهب عني شياطين الْجِنِّ، وَشَيْطَانُ الْإِنْسِ يَجِيئُنِي فَيَجُرُّنِي إِلَى الْمَعَاصِي عِيَانًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [الأنعام: 112] أي: يلقي، {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} [الأنعام: 112] وهو قول مموه مزين مزخرف بِالْبَاطِلِ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، {غُرُورًا} [النساء: 120] يَعْنِي: لِهَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ يُزَيِّنُونَ الْأَعْمَالَ القبيحة لبني آدم، ويغرونهم غُرُورًا، وَالْغُرُورُ: الْقَوْلُ الْبَاطِلُ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] أي: ما ألقوه مِنَ الْوَسْوَسَةِ فِي الْقُلُوبِ، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] [113] {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الأنعام: 113] أَيْ: تَمِيلُ إِلَيْهِ، وَالصَّغْوُ: الْمَيْلُ، يُقَالُ: صَغْوُ فُلَانٍ مَعَكَ، أَيْ: مَيْلُهُ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ: صَغَى يُصْغِي صغا وصغى ويصغى، ويصغو صغوا، والهاء رَاجِعَةٌ إِلَى زُخْرُفِ الْقَوْلِ،

قوله تعالى وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله

{وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا} [الأنعام: 113] ليكتسبوا، {مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] يُقَالُ: اقْتَرَفَ فُلَانٌ مَالًا إِذَا اكْتَسَبَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} [الشُّورَى: 23] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ: لِيَعْمَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ مَا هُمْ عاملون. [114] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} [الأنعام: 114] فِيهِ إِضْمَارٌ أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَفَغَيْرَ اللَّهِ، {أَبْتَغِي} [الأنعام: 114] أطلب {حَكَمًا} [الأنعام: 114] قَاضِيًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حَكَمًا فَأَجَابَهُمْ بِهِ، {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] مُبَيَّنًا فِيهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: مُفَصَّلًا أَيْ خَمْسًا خمسا وعشرا عشرا، كَمَا قَالَ: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32] {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الأنعام: 114] يَعْنِي: عُلَمَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَقِيلَ: هُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمْ رُءُوسُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، والمراد من الكتاب هُوَ الْقُرْآنُ، {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ} [الأنعام: 114] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ: (مُنَزَّلٌ) ، بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ} [الأنعام: 114] {مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] مِنَ الشَّاكِّينَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. [115] قوله عز وجل: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} [الأنعام: 115] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ (كَلِمَةَ) عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (كَلِمَاتِ) بِالْجَمْعِ، وَأَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ووعده ووعيده، {صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] أَيْ: صِدْقًا فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَعَدْلًا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: صَادِقًا فِيمَا وَعَدَ وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ. {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُغَيِّرَ لِحُكْمِهِ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] قِيلَ: أَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ الْقُرْآنَ لَا مبدل له، يريد لَا يَزِيدُ فِيهِ الْمُفْتَرُونَ وَلَا يَنْقُصُونَ. [116] {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَرْضِ كَانُوا عَلَى الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ جَادَلُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَقَالُوا: أَتَأْكَلُونَ مَا تَقْتُلُونَ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 116] أَيْ: وَإِنْ تُطِعْهُمْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ {يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116] يُرِيدُ أَنَّ دِينَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ظَنٌّ وَهَوًى لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] يَكْذِبُونَ. [117] {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 117] قِيلَ: مَوْضِعُ (مَنْ) نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: بِمَنْ يَضِلُّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفَعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَفَظُهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أَيُّ النَّاسِ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117] أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْفَرِيقَيْنِ الضَّالِّينَ والمهتدين فيجازي كلا بما يستحقون. [118] قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] أَيْ: كُلُوا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَصْنَافًا مِنَ النَّعَمِ وَيُحِلُّونَ الْأَمْوَاتَ، فَقِيلَ لَهُمْ: أَحَلُّوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ وحرموا ما حرم الله. [قوله تعالى وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ] عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ. . . . [119] ثم قال: {وَمَا لَكُمْ} [الأنعام: 119] يَعْنِي: أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ، {أَلَّا تَأْكُلُوا} [الأنعام: 119] وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَأْكُلُوا {مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 119] مِنَ الذَّبَائِحِ، {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ (فَصَّلَ) ، وَ (حَرَّمَ) بِالْفَتْحِ فِيهِمَا أَيْ فَصَّلَ اللَّهُ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ (اسْمُ اللَّهِ) وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَالرَّاءِ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، لِقَوْلِهِ (ذُكِرَ) وَقَرَأَ حمزة والكسائي وأبو بكر بالفتح (فصل) ، وَ (حُرِّمَ) بِالضَّمِّ، وَأَرَادَ بِتَفْصِيلِ المحرمات ما ذكرت فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [الْمَائِدَةِ: 3] {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَكُمْ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ} [الأنعام: 119] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (لِيُضِلُّوا) فِي سُورَةِ يُونُسَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْبَحَائِرَ وَالسَّوَائِبَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ لِقَوْلِهِ: (مَنْ يَضِلُّ) ، {بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119] حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ أَكْلِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدَعَوْا إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ. [120] {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120] يَعْنِي: الذُّنُوبَ كُلَّهَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ قَتَادَةُ: عَلَانِيَتِهِ وَسِرِّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ظاهره ما يعمله الإنسان بِالْجَوَارِحِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَبَاطِنُهُ مَا يَنْوِيهِ وَيَقْصِدُهُ بِقَلْبِهِ كَالْمُصِرِّ عَلَى الذنب القاصد له، قال الكلبي: ظاهره الزنا وباطنه المخالفة، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْإِثْمِ الْإِعْلَانُ بِالزِّنَا، وَهُمْ أَصْحَابُ الروايات، وباطنه الاستمرار بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يحبون الزنا وكان الشريف منهم يتشرف فيسره، وَغَيْرُ الشَّرِيفِ لَا يُبَالِي بِهِ فَيُظْهِرُهُ، فَحَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظَاهِرُ الْإِثْمِ نِكَاحُ الْمَحَارِمِ وَبَاطِنُهُ الزِّنَا، وقال ابن زيد: إن ظَاهِرُ الْإِثْمِ التَّجَرُّدُ مِنَ الثِّيَابِ وَالتَّعَرِّي فِي الطَّوَافِ وَالْبَاطِنُ الزِّنَا، وروى حيان عَنِ الْكَلْبِيِّ: ظَاهِرُ الْإِثْمِ طَوَافُ الرِّجَالِ بِالْبَيْتِ نَهَارًا عُرَاةً، وَبَاطِنُهُ طَوَافُ النِّسَاءِ بِاللَّيْلِ عُرَاةً، {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ} [الأنعام: 120] فِي الْآخِرَةِ، {بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120] يَكْتَسِبُونَ فِي الدُّنْيَا. [121] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْمُنْخَنِقَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ الذَّبَائِحِ الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا على اسم الأصنام {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] وَالْفِسْقُ فِي ذِكْرِ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ السورة {لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} [الأنعام: 145] إِلَى قَوْلِهِ {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] أَرَادَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوَسْوِسُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِيُجَادِلُوكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّاةِ إِذَا مَاتَتْ مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ: اللَّهُ قَتَلَهَا، قَالُوا أَفَتَزْعُمُ أَنَّ مَا قَتَلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ حَلَالٌ، وَمَا قَتَلَهُ الكلب والصقر والفهد حَلَالٌ، وَمَا قَتَلَهُ اللَّهُ حَرَامٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} [الأنعام: 121] فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] قَالَ الزَّجَّاجُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَلَّ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ أَوْ حَرَّمَ مَا أحل الله فهو مشرك. [122] قوله: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الْأَنْعَامِ: 122] قَرَأَ

قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره

نَافِعٌ (مَيِّتًا) وَ (لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) و (الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا) بالتشديد فيهن، وقرأ الآخرون بِالتَّخْفِيفِ (فَأَحْيَيْنَاهُ) أَيْ: كَانَ ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ، كَانَ مَيِّتًا بِالْكُفْرِ فَأَحْيَيْنَاهُ بالإيمان، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} [الأنعام: 122] يَسْتَضِيءُ بِهِ، {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، قِيلَ: النُّورُ هُوَ الْإِسْلَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الْبَقَرَةِ: 257] وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كِتَابُ اللَّهِ بَيِّنَةٌ مِنَ اللَّهِ مَعَ الْمُؤْمِنِ، بِهَا يَعْمَلُ وَبِهَا يَأْخُذُ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي،؟ {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122] الْمَثَلُ صِلَةٌ، أَيْ كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَاتِ، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] يعني: من ظلمة الكفر {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ عبادة الأصنام. [123] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} [الأنعام: 123] أَيْ: كَمَا أَنَّ فُسَّاقَ مَكَّةَ أَكَابِرُهَا، كَذَلِكَ جَعَلْنَا فُسَّاقَ كَلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَهَا، أَيْ: عُظَمَاءَهَا، جَمْعُ أَكْبَرَ، مِثْلُ أَفْضَلَ وَأَفَاضِلَ، وَأَسُودَ وَأَسَاوِدَ، وَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ ضُعَفَاءَهُمْ، كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشُّعَرَاءِ: 111] وَجَعَلَ فُسَّاقَهُمْ أَكَابِرَهُمْ، {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْلَسُوا عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ مَكَّةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ لِيَصْرِفُوا النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَنْ يُقْدِمُ: إِيَّاكَ وَهَذَا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ كَاهِنٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنعام: 123] لِأَنَّ وَبَالَ مَكْرِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، {وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] أَنَّهُ كَذَلِكَ. [124] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} [الأنعام: 124] يَعْنِي: مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ: لَوْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ، لِأَنِّي أَكْبَرُ مِنْكَ سِنًّا وَأَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: زَاحَمَنَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فِي الشَّرَفِ حَتَّى إِنَّا صِرْنَا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَتَّبِعُهُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا وَحْيٌ كَمَا يَأْتِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجل: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} [الأنعام: 124] حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} [الأنعام: 124] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ (رِسَالَتَهُ) عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (رِسَالَاتِهِ) بِالْجَمْعِ، يَعْنِي اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالرِّسَالَةِ. {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ} [الأنعام: 124] وهوان، {عِنْدَ اللَّهِ} [الأنعام: 124] أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124] قِيلَ: صَغَارٌ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابٌ شديد في الآخرة. [قوله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ] لِلْإِسْلَامِ. . . . [125] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125] أَيْ: يَفْتَحْ قَلْبَهُ وَيُنَوِّرْهُ حَتَّى يقبل الإسلام {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} [الأنعام: 125] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (ضَيْقًا) ، بِالتَّخْفِيفِ ها هنا وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ: هَيْنٍ وَهَيِّنٍ وَلَيْنٍ ولين، {حَرَجًا} [الأنعام: 125] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْضًا مِثْلُ: الدِّنَفِ وَالدَّنَفِ، والمصدر كَالطَّلَبِ وَمَعْنَاهُ ذَا حَرَجٍ، وَبِالْكَسْرِ الِاسْمِ وَهُوَ أَشَدُّ الضِّيقِ، يَعْنِي يَجْعَلْ قَلْبَهُ ضَيِّقًا حَتَّى لَا يَدْخُلَهُ الْإِيمَانُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَيْسَ للخير فيه منفذ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ اشْمَأَزَّ قَلْبُهُ، وَإِذَا ذَكَرَ شيء مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ارْتَاحَ إِلَى ذلك {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] وقرأ ابن كثير: (يصعد) بالتخفيف وسكون الصاد، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (يَصَّاعَدُ) بِالْأَلِفِ، أَيْ يَتَصَاعَدُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالْعَيْنِ، أَيْ: يَتَصَعَّدُ، يَعْنِي: يَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ كَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ صُعُودُ السَّمَاءِ. وَأَصْلُ الصُّعُودِ الْمَشَقَّةُ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [المدثر: 17] أَيْ: عَقَبَةً شَاقَّةً.

{كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرِّجْسُ هُوَ الشَّيْطَانُ، أَيْ: يُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْمَأْثَمُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرِّجْسُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ مِثْلُ الرجز. وَقِيلَ: هُوَ النَّجَسُ. رُوِيَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ وَالنَّجَسِ» (¬1) . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرِّجْسُ اللَّعْنَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ. [126] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 126] أَيْ: هَذَا الَّذِي بَيَّنَّا. وَقِيلَ: هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ طَرِيقُ رَبِّكَ وَدِينُهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ مُسْتَقِيمًا لَا عِوَجَ فِيهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ. {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126] [127] {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 127] يَعْنِي: الْجَنَّةَ. قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ وَدَارُهُ الْجَنَّةُ وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، أَيْ: لَهُمْ دَارُ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، وَهِيَ الْجَنَّةُ. وَسُمِّيَتْ دَارَ السَّلَامِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَهَا سَلِمَ مِنَ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ حَالَاتِهَا مَقْرُونَةٌ بالسلام، فقال فِي الِابْتِدَاءِ: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46] وقال: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرَّعْدِ: 23 - 24] وَقَالَ: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا - إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الْوَاقِعَةِ: 25 - 26] وَقَالَ: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23] وقال: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58] {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127] قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: يَتَوَلَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالتَّوْفِيقِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالْجَزَاءِ. [128] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} [الأنعام: 128] قَرَأَ حَفْصٌ: (يَحْشُرُهُمْ) ، بِالْيَاءِ {جَمِيعًا} [الأنعام: 128] يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ يَجْمَعُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} [الأنعام: 128] وَالْمُرَادُ بِالْجِنِّ: الشَّيَاطِينُ، {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ} [الأنعام: 128] أَيِ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ بِالْإِضْلَالِ وَالْإِغْوَاءِ أَيْ: أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا، {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ} [الأنعام: 128] يعني: أولياء الشياطين الذين أَطَاعُوهُمْ مِنَ الْإِنْسِ، {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128] قَالَ الْكَلْبِيُّ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا سَافَرَ وَنَزَلَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْجِنِّ قَالَ: أَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ فِي جِوَارِهِمْ، وَأَمَّا اسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ: هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا قَدْ سُدْنَا الْإِنْسَ مَعَ الْجِنِّ، حَتَّى عَاذُوا بِنَا. فَيَزْدَادُونَ شَرَفًا فِي قَوْمِهِمْ وَعِظَمًا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الْجِنِّ: 6] وَقِيلَ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ مَا كَانُوا يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَرَاجِيفِ وَالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَتَزْيِينُهُمْ لهم ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه في الطهارة رقم (299) 1 / 109 وقال في الزوائد إسناده ضعيف والذي في الصحيحين (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخبث والخبائث) .

الأمور التي يهوونها، حتى يسهل فعلها عَلَيْهِمْ، وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ طَاعَةُ الْإِنْسِ لَهُمْ فِيمَا يُزَيِّنُونَ لَهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْمَعَاصِي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ طَاعَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَمُوَافَقَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} [الأنعام: 128] يعني: القيامة والبعث، {قَالَ} [الأنعام: 128] الله تعالى: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} [الأنعام: 128] مَقَامُكُمْ، {خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 128] اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هُودٍ: 107] قِيلَ: أَرَادَ إِلَّا قَدْرَ مُدَّةِ مَا بَيْنَ بَعْثِهِمْ إِلَى دُخُولِهِمْ جَهَنَّمَ، يعني: خَالِدُونَ فِي النَّارِ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَارَ، وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْعَذَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} [الأنعام: 128] أَيْ: خَالِدِينَ فِي النَّارِ سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمٍ سَبَقَ فِيهِمْ عِلْمُ اللَّهِ أَنَّهُمْ يُسْلِمُونَ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ وَ (مَا) بِمَعْنَى (مَنْ) عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128] قيل: حكيم بمن استثنى عليم بما فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. [129] {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] قِيلَ: أَيْ: كَمَا خَذَلْنَا عُصَاةَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى اسْتَمْتَعَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا، أي: نسلط بعض الظالمين عَلَى بَعْضٍ، فَنَأْخُذُ مِنَ الظَّالِمِ بِالظَّالِمِ، كَمَا جَاءَ: " مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ " (¬1) وَقَالَ قَتَادَةُ: نَجْعَلُ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، فَالْمُؤْمِنُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِ أَيْنَ كَانَ، وَالْكَافِرُ وَلِيُّ الْكَافِرِ حَيْثُ كَانَ. وَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: نُتْبِعُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي النَّارِ، مِنَ الْمُوَالَاةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نُوَلِّي ظَلَمَةَ الْإِنْسِ ظَلَمَةَ الْجِنِّ، وَنُوَلِّي ظَلَمَةَ الْجِنِّ ظَلَمَةَ الْإِنْسِ، أَيْ: نَكِلُ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النِّسَاءِ: 115] وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِهَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ خَيْرًا وَلَّى أَمْرَهُمْ خِيَارَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ شَرًّا وَلَّى أَمْرَهُمْ شِرَارُهُمْ. [130] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجِنَّ هَلْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ رَسُولٌ، فَسُئِلَ الضَّحَّاكُ عَنْهُ، فَقَالَ: بَلَى أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) ، يَعْنِي بِذَلِكَ رُسُلًا مِنَ الْإِنْسِ وَرُسُلًا مِنَ الْجِنِّ قَالَ مُجَاهِدٌ: الرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ وَالنُّذُرُ مِنَ الْجِنِّ، ثُمَّ قَرَأَ {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الْأَحْقَافُ: 29] وَهُمْ قَوْمٌ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الرُّسُلِ فَيُبَلِّغُونَ الْجِنَّ مَا سَمِعُوا، وَلَيْسَ لِلْجِنِّ رُسُلٌ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ (رُسُلٌ مِنْكُمْ) يَنْصَرِفُ إِلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَهُمُ الْإِنْسُ، كَمَا قَالَ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرَّحْمَنِ: 22] وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ العذب {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 130] أي: يقرءون عليكم، {آيَاتِي} [الأنعام: 130] كُتُبِي {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام: 130] وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام: 130] أَنَّهُمْ قَدْ بُلِّغُوا، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 130] حَتَّى لَمْ يُؤْمِنُوا، {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] [131] {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} [الأنعام: 131] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الرُّسُلِ وَعَذَابِ مَنْ كَذَّبَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ، أَيْ: لَمْ يَكُنْ مُهْلِكَهُمْ بِظُلْمٍ، أَيْ: بِشِرْكِ من أشرك، {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] لَمْ يُنْذَرُوا حَتَّى نَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلًا يُنْذِرُونَهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يُهْلِكْهُمْ بِذُنُوبِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الرُّسُلُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ دُونَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ بالرسل ¬

(¬1) قال في المقاصد الحسنة رواه ابن عساكر في تاريخه وفيه ابن زكريا العدوي متهم بالوضع وأورده الديلمي في الفردوس بلا إسناد. انظر كشف الخفاء 2 / 297، فيض القدير 6 / 72، تمييز الطيب من الخبيث ص177.

قوله تعالى ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل

فَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى السُّنَةَ أَنْ لَا يَأْخُذَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الذَّنْبِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُذْنِبًا إذا أمر فلم يأتمر أو نهي فلم ينته، وذلك يكون بعد إنذار الرسل. [قوله تعالى وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ] عَمَّا يَعْمَلُونَ. . . . [132] {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132] يَعْنِي فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا، فَمِنْهُمْ هُوَ أَشَدُّ عَذَابًا وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَجْزَلُ ثَوَابًا، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (تَعْمَلُونَ) بِالتَّاءِ والباقون بالياء. [133] {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} [الأنعام: 133] عن خلقه، {ذُو الرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133] قال ابن عباس: بأوليائه وأهل طاعته، وقال الحلبي: بِخَلْقِهِ، ذُو التَّجَاوُزِ، {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} [الأنعام: 133] يُهْلِكْكُمْ: وَعِيدٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ، {وَيَسْتَخْلِفْ} [الأنعام: 133] ويخلف وَيُنْشِئْ، {مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} [الأنعام: 133] خَلْقًا غَيْرَكُمْ أَمْثَلَ وَأَطْوَعَ. {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] أي: من نسل آبَائِهِمُ الْمَاضِينَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. [134] {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} [الأنعام: 134] أَيْ: مَا تُوعَدُونَ مِنْ مَجِيءِ الساعة والحشر، {لَآتٍ} [الأنعام: 134] كائن، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام: 134] أَيْ: بِفَائِتِينَ، يَعْنِي: يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ حيث ما كنتم. [135] {قُلْ} [الأنعام: 135] يَا مُحَمَّدُ {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} [الأنعام: 135] قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (مَكَانَاتِكُمْ) بِالْجَمْعِ حَيْثُ كَانَ أَيْ: عَلَى تَمَكُّنِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: عَلَى حَالَاتِكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: اعْمَلُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أُمِرَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى حَالَةٍ. عَلَى مَكَانَتِكَ يَا فُلَانُ، أَيْ: اثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرُ وَعِيدٍ عَلَى الْمُبَالَغَةِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: قُلْ لَهُمْ اعْمَلُوا عَلَى مَا أنتم عاملون، {إِنِّي عَامِلٌ} [الأنعام: 135] مَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} [الأنعام: 135] أَيِ: الْجَنَّةُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (يَكُونُ) بِالْيَاءِ هُنَا وَفِي الْقَصَصِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْعَاقِبَةِ، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ لَا يَسْعَدُ مَنْ كَفَرَ بِي وَأَشْرَكَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَفُوزُ. [136] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعام: 136] الْآيَةَ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلْأَوْثَانِ نَصِيبًا، فَمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ صَرَفُوهُ إِلَى الضِّيفَانِ وَالْمَسَاكِينِ، وَمَا جَعَلُوهُ لِلْأَصْنَامِ أَنْفَقُوهُ عَلَى الْأَصْنَامِ وَخَدَمِهَا، فَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي نَصِيبِ الْأَوْثَانِ تَرَكُوهُ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا، وَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ نَصِيبِ الْأَصْنَامِ فِيمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إِلَى الْأَوْثَانِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ، وَكَانَ إِذَا هَلَكَ أَوِ انْتَقَصَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يُبَالُوا بِهِ، وَإِذَا هَلَكَ أَوِ انْتَقَصَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوا لِلْأَصْنَامِ جَبَرُوهُ بِمَا

قوله تعالى وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها

جَعَلُوهُ لِلَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} [الأنعام: 136] خَلَقَ {مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعام: 136] وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَجَازُهُ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا وَلِشُرَكَائِهِمْ نَصِيبًا. {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 136] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِزُعْمِهِمْ بِضَمِّ الزَّايِ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهُوَ الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ، {وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} [الأنعام: 136] يَعْنِي: الْأَوْثَانَ، {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ} [الأنعام: 136] وَمَعْنَاهُ: مَا قُلْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُتِمُّونَ مَا جَعَلُوهُ لِلْأَوْثَانِ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وَلَا يُتِمُّونَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلْأَوْثَانِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ اسْتَعَانُوا بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ وأكلوا منه فوفروا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ وَلَمْ يَأْكُلُوا منه {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] أي: بئس ما يقضون. [137] {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 137] أَيْ: كَمَا زَيَّنَ لَهُمْ تَحْرِيمَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] قَالَ مُجَاهِدٌ: شُرَكَاؤُهُمْ أَيْ: شَيَاطِينُهُمْ زينوا أو حسنوا لَهُمْ وَأْدَ الْبَنَاتِ خِيفَةَ الْعَيْلَةِ، سُمِّيَتِ الشَّيَاطِينُ شُرَكَاءَ لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَأُضِيفَ الشُّرَكَاءُ إليهم لأنهم اتخذوها. وقال الحلبي: شُرَكَاؤُهُمْ سَدَنَةُ آلِهَتِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يزينون للكفار قتل الأولاد، وكان الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَحْلِفُ لَئِنْ وُلِدَ له كذا غلاما لَيَنْحَرَنَّ أَحَدُهُمْ كَمَا حَلَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (زُيِّنَ) بِضَمِّ الزَّايِ وَكَسْرِ الْيَاءِ، (قَتْلُ) رَفْعٌ (أَوْلَادَهُمْ) نَصْبٌ، (شُرَكَائِهِمْ) بِالْخَفْضِ عَلَى التقديم فَأُضِيفُ الْفِعْلُ وَهُوَ الْقَتْلُ إِلَى الشُّرَكَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّوْا ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا ذَلِكَ وَدَعَوْا إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ. قَوْلُهُ عز وجل: {لِيُرْدُوهُمْ} [الأنعام: 137] ليهلكوهم, {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ} [الأنعام: 137] ليخلطوا عليهم {دِينَهُمْ} [الأنعام: 137] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الشَّكَّ فِي دِينِهِمْ وَكَانُوا عَلَى دِينِ إِسْمَاعِيلَ فَرَجَعُوا عَنْهُ بِلَبْسِ الشياطين. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 137] أي: لوشاء اللَّهُ لَعَصَمَهُمْ حَتَّى مَا فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وقتل الأولاد، {فَذَرْهُمْ} [الأنعام: 137] يا محمد، {وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137] يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى لهم بالمرصاد. [قوله تعالى وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا] إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ. . . . [138] {وَقَالُوا} [الأنعام: 138] يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ, {هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} [الأنعام: 138] أَيْ: حَرَامٌ، يَعْنِي: مَا جَعَلُوا لِلَّهِ وَلِآلِهَتِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ عَلَى مَا مَضَى ذِكْرُهُ. وَقَالَ مجاهد: يعني الأنعام الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، {لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 138] يَعْنُونُ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ، {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} [الأنعام: 138] يَعْنِي: الْحَوَامِيَ كَانُوا لَا يَرْكَبُونَهَا، {وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [الأنعام: 138] أَيْ: يَذْبَحُونَهَا بِاسْمِ الْأَصْنَامِ لَا بَاسِمَ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: مَعْنَاهُ لَا يَحُجُّونَ عَلَيْهَا وَلَا يَرْكَبُونَهَا لِفِعْلِ الْخَيْرِ، لِأَنَّهُ لَمَّا

جَرَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ عَبَّرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ. {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} [الأنعام: 138] يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138] [139] {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 139] أَيْ: نِسَائِنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ: أَرَادَ أَجِنَّةَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ فَمَا وُلِدَ مِنْهَا حَيًّا فَهُوَ خَالِصٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَمَا وُلِدَ مَيِّتًا أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا. وَأَدْخَلَ الْهَاءَ فِي (الخالصة) لِلتَّأْكِيدِ كَالْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَّابَةٌ وعلامة، وقال الفراء رحمه الله: أدخلت الهاء لتأنيثها. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: خَالِصٌ وَخَالِصَةٌ وَاحِدٌ، مِثْلُ وَعْظٍ وَمَوْعِظَةٌ، {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً} [الأنعام: 139] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ: (تَكُنْ) بِالتَّاءِ (مَيْتَةٌ) رَفْعٌ، ذَكَرَ الْفِعْلَ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، لِأَنَّ الْمَيْتَةَ فِي اللَّفْظِ مُؤَنَّثَةٌ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (تَكُنْ) بِالتَّاءِ (مَيْتَةً) نَصْبٌ، أَيْ: وَإِنْ تَكُنِ الْأَجِنَّةُ مَيْتَةً، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَإِنْ يَكُنْ) بِالْيَاءِ (مَيْتَةٌ) رَفْعٌ. لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ الْمَيِّتُ، أَيْ: وَإِنْ يَقَعْ مَا فِي الْبُطُونِ مَيِّتًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (وَإِنْ يَكُنْ) بِالْيَاءِ (مَيْتَةً) نَصْبٌ، رَدَّهُ إِلَى (مَا) أَيْ: وَإِنْ يَكُنْ مَا فِي الْبُطُونِ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 139] وَلَمْ يَقُلْ: فِيهَا، وَأَرَادَ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِيهِ شُرَكَاءُ. {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} [الأنعام: 139] أَيْ: بِوَصْفِهِمْ، أَوْ عَلَى وَصْفِهِمُ الكذب على الله، {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 139] [140] {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ} [الأنعام: 140] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ (قَتَلُوا) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وقرأ الآخرون بالتخفيف. {سَفَهًا} [الأنعام: 140] جهلا. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 140] نَزَلَتْ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَبَعْضِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَانُوا يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ أَحْيَاءً مَخَافَةَ السَّبْيِ وَالْفَقْرِ، وَكَانَ بَنُو كِنَانَةَ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [الأنعام: 140] يَعْنِي: الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، {افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [الأنعام: 140] حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهَا، {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] [141] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ} [الأنعام: 141] بساتين، {مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام: 141] أَيْ: مَسْمُوكَاتٍ مَرْفُوعَاتٍ وَغَيْرَ مَرْفُوعَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْرُوشَاتٍ: مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَانْتَشَرَ مِمَّا يُعَرِّشُ، مِثْلُ: الْكَرْمِ وَالْقَرْعِ وَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِهَا، وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ: مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ وَبَسَقَ، مِثْلُ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَسَائِرِ الْأَشْجَارِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كِلَاهُمَا الْكَرْمُ خَاصَّةً مِنْهَا مَا عَرَّشَ وَمِنْهَا مَا لَمْ يعرش. {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ} [الأنعام: 141] أَيْ: وَأَنْشَأَ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ، {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} [الأنعام: 141] ثمره وطعمه منه الْحُلْوُ وَالْحَامِضُ وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا} [الأنعام: 141] في النظر، {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 141] فِي الْمَطْعَمِ مِثْلَ الرُّمَّانَتَيْنِ لَوْنُهُمَا وَاحِدٌ وَطَعْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ، {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} [الأنعام: 141] هَذَا أَمْرُ إِبَاحَةٍ. {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ (حَصَادِهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، كَالصِّرَامِ وَالصَّرَامِ وَالْجَزَازِ وَالْجِزَازِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْحَقِّ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ مِنَ الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعَطَاءٌ ومجاهد وحماد والحكم: حَقٌّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ أَمَرَ بِإِتْيَانِهِ لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: هُوَ الضِّغْثُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: لُقَاطُ السنبل. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ هَذَا حَقًّا يُؤْمَرُ بِإِتْيَانِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَصَارَ مَنْسُوخًا بِإِيجَابِ العشر. قال مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ نَفَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ. {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] قِيلَ: أَرَادَ بِالْإِسْرَافِ إِعْطَاءَ الْكُلِّ. قَالَ السُّدِّيُّ: لَا تُسْرِفُوا أَيْ لَا تُعْطُوا

قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما

أَمْوَالَكُمْ فَتُقْعُدُوا فُقَرَاءَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: على هذا إذا أعطى الإنس كُلَّ مَالِهِ وَلَمْ يُوَصِّلْ إِلَى عِيَالِهِ شَيْئًا فَقَدْ أَسْرَفَ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْخَبَرِ: «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.» (¬1) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: مَعْنَاهُ لَا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ. فَتَأْوِيلُ هذه الْآيَةِ عَلَى هَذَا: لَا تَتَجَاوَزِ الْحَدَّ فِي الْبُخْلِ وَالْإِمْسَاكِ حَتَّى تَمْنَعُوا الْوَاجِبَ مِنَ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَا تُشْرِكُوا الْأَصْنَامَ فِي الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا تُنْفِقُوا فِي الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْإِسْرَافُ مَا قَصَّرْتَ بِهِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَبَا لِرَجُلٍ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا وَلَوْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا أَوْ مُدًّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ مُسْرِفًا. وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ وَإِسْرَافٌ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ الْخِطَابُ لِلسَّلَاطِينِ، يَقُولُ: لا تأخذوا فوق حقكم. [قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا] رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. . . . [142] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ} [الْأَنْعَامِ: 142] أَيْ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ، {حَمُولَةً} [الأنعام: 142] وَهِيَ كُلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا من الإبل، {وَفَرْشًا} [الأنعام: 142] وَهِيَ الصِّغَارُ مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [الأنعام: 142] لَا تَسْلُكُوا طَرِيقَهُ وَآثَارَهُ فِي تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ, {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأنعام: 142] ثُمَّ بَيَّنَ الْحَمُولَةَ وَالْفَرْشَ فَقَالَ: [143] {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الأنعام: 143] نَصْبُهَا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْحَمُولَةِ وَالْفَرْشِ, أَيْ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ أَصْنَافٍ, {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 143] أَيِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَالذَّكَرُ زَوْجٌ وَالْأُنْثَى زَوْجٌ, وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَاحِدَ زَوْجًا إِذَا كَانَ لَا يَنْفَكُّ عن الآخرة, وَالضَّأْنُ النِّعَاجُ، وَهِيَ ذَوَاتُ الصُّوفِ من الغنم, والواحد ضأن والأنثى ضائنة, والجمع ضوائن, والواحد ضأن وَالْأُنْثَى ضَائِنَةٌ، وَالْجَمْعُ ضَوَائِنُ, {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 143] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وأهل البصرة (ومن الْمَعَزِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ, وَالْبَاقُونَ بِسُكُونِهَا, وَالْمَعْزُ وَالْمَعْزَى جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مَنْ لَفْظِهِ، وَهِيَ ذَوَاتُ الشَّعْرِ مِنَ الْغَنَمِ، وَجَمْعُ الْمَاعِزِ مَعِيزٌ، وَجَمْعُ الْمَاعِزَةِ مَوَاعِزُ، {قُلْ} [الأنعام: 143] يا محمد {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} [الأنعام: 143] اللَّهُ عَلَيْكُمْ، يَعْنِي ذَكَرَ الضَّأْنِ والمعز، {أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143] يَعْنِي أُنْثَى الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، {أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143] مِنْهُمَا فَإِنَّهَا لَا تَشْتَمِلُ إِلَّا على ذكر وأنثى، {نَبِّئُونِي} [الأنعام: 143] وأخبروني، {بِعِلْمٍ} [الأنعام: 143] قَالَ الزَّجَّاجُ: فَسِّرُوا مَا حَرَّمْتُمْ بعلم، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] أن الله تعالى حرم هذا. [144] {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 144] وذلك أنهم كانوا يقولون: ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الزكاة باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى 3 / 294 ومسلم في الزكاة باب بيان أفضل الصدقة رقم (1034) 2 / 717 والمصنف في شرح السنة 5 / 178.

قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة

{هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ - وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 138 - 139] وَحَرَّمُوا الْبَحِيْرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَبَعْضَهَا عَلَى النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ وَثَبَتَتِ الْأَحْكَامُ جَادَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم في ذلك {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 144] قيل: أراد عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144] ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ يَكُونُ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، فَقَالَ: [145] {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] أي: شيئا مُحَرَّمًا. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: فَمَا المحرم إذا فنزل:، {قُلْ} [الأنعام: 145] يَا مُحَمَّدُ {لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] آكِلٍ يَأْكُلُهُ، {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام: 145] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ تَكُونَ بِالتَّاءِ, مَيْتَةٌ رَفْعٌ أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ تَكُونَ بِالتَّاءِ (مَيْتَةً) نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ اسْمٍ مُؤَنَّثٍ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ، أَوْ الْجُثَّةُ مَيِّتَةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ يَكُونَ بِالْيَاءِ (مَيْتَةً) نَصْبٌ، يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَطْعُومُ ميتة، {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] أَيْ: مُهْرَاقًا سَائِلًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَا خَرَجَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَهُنَّ أَحْيَاءٌ وَمَا خَرَجَ مِنَ الْأَرْوَاحِ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَوْدَاجِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ، لِأَنَّهُمَا جَامِدَانِ. وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِمَا، وَلَا مَا اخْتَلَطَ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ، لأنه غير سائل {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] وَهُوَ مَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مقصور على هذه الأشياء. ويروى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالُوا: وَيَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ, وَمَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الأشياء بل المحرم بِنَصِّ الْكِتَابِ مَا ذُكِرَ هُنَا, ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] وَقَدْ حَرَّمَتِ السُّنَةُ أَشْيَاءَ يَجِبُ القول بها، ومنها كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] أباح الله أَكْلَ هَذِهِ الْمُحْرِمَاتِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ في غير العدوان. [146] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا} [الأنعام: 146] يعني اليهود، {كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْقُوقَ الْأَصَابِعِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ مِثْلَ الْبَعِيرِ وَالنَّعَامَةِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هُوَ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وَكُلُّ ذِي حَافِرٍ مِنْ الدَّوَابِّ وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ: سُمِّيَ الْحَافِرُ ظُفُرًا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ، {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146] يَعْنِي شُحُومَ الْجَوْفِ، وَهِيَ الثُّرُوبُ، وَشَحْمُ الْكُلْيَتَيْنِ، {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: 146] أَيْ: إِلَّا مَا عَلِقَ بِالظَّهْرِ وَالْجَنْبِ مِنْ دَاخِلِ بُطُونِهِمَا، {أَوِ الْحَوَايَا} [الأنعام: 146] وَهِيَ الْمَبَاعِرُ وَاحِدَتُهَا حَاوِيَةٌ وَحَوِيَّةٌ أَيْ مَا حَمَلَتْهُ الْحَوَايَا مِنَ الشَّحْمِ. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام: 146] يَعْنِي: شَحْمَ الْأَلْيَةِ هَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَالتَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بالثرب وشحم الكلية {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ} [الأنعام: 146] أَيْ: ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عُقُوبَةٌ لَهُمْ {بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] أَيْ: بِظُلْمِهِمْ مِنْ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَاسْتِحْلَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ وعن بغيهم. [قوله تعالى فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ] وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. . . . [147] {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: 147] بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ} [الأنعام: 147] عذابه {عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] إِذَا جَاءَ وَقْتُهُ. [148] {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الأنعام: 148] لَمَّا لَزِمَتْهُمُ الْحُجَّةُ وَتَيَقَّنُوا بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يَحُرِّمْهُ اللَّهُ قَالُوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148]

نحن، {وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] مِنْ قَبْلُ، {وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] مَنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَغَيْرِهِمَا، أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ، حُجَّةً لَهُمْ عَلَى إِقَامَتِهِمْ عَلَى الشِّرْكِ، وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا نَفْعَلَهُ، فَلَوْلَا أَنَّهُ رَضِيَ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَأَرَادَهُ مِنَّا وَأَمَرَنَا بِهِ لَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ، {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنعام: 148] مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} [الأنعام: 148] عَذَابَنَا. وَيَسْتَدِلُّ أَهْلُ الْقَدَرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) كَذَّبَهُمُ اللَّهُ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، قُلْنَا. التَّكْذِيبُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ، بَلْ ذَلِكَ الْقَوْلُ صِدْقٌ، وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِهَا وَرَضِيَ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي سورة الأعراف: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28] فَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّكْذِيبَ وَرَدَ فِيمَا قُلْنَا لَا فِي قَوْلِهِمْ: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ، قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، بِالتَّشْدِيدِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ كَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ، لَقَالَ كذلك كذب الذين مع قَبْلِهِمْ بِالتَّخْفِيفِ فَكَانَ يَنْسِبُهُمْ إِلَى الْكَذِبِ لَا إِلَى التَّكْذِيبِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ لَوْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِهِ لَمَا عَابَهُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] وَقَالَ: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الْأَنْعَامِ: 111] وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوهُ تَكْذِيبًا وَتَخَرُّصًا وَجَدَلًا مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِاللَّهِ وَبِمَا يَقُولُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزُّخْرُفِ: 20] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الْحَقَّ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهُ عُذْرًا لِأَنْفُسِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُ حُجَّةً لِأَنْفُسِهِمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَإِنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ غَيْرُ آمِرٍ بِجَمِيعِ مَا يُرِيدُ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَّبِعَ أَمْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَشِيئَتِهِ، فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ لَا تَكُونُ عُذْرًا لِأَحَدٍ. {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ} [الأنعام: 148] أَيْ: كِتَابٌ وَحُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ، {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: 148] حَتَّى يَظْهَرَ مَا تَدَّعُونَ عَلَى الله تعالى من الشرك وتحريم ما حرمتموه، {إِنْ تَتَّبِعُونَ} [الأنعام: 148] مَا تَتْبَعُونَ فِيمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، {إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 148] مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَيَقِينٍ، {وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] تَكْذِبُونَ. [149] {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149] التَّامَّةُ عَلَى خَلْقِهِ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ وَالْبَيَانِ، {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ إِيمَانَ الْكَافِرِ

قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي

وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاهُ. [150] {قُلْ هَلُمَّ} [الأنعام: 150] يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، {شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ} [الأنعام: 150] أَيِ: ائْتُوا بِشُهَدَائِكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ، {أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا} [الأنعام: 150] هَذَا رَاجَعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِهِمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهِ، {فَإِنْ شَهِدُوا} [الأنعام: 150] وهم كاذبون، {فَلَا تَشْهَدْ} [الأنعام: 150] أَنْتَ، {مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150] أي: يشركون. [151] قول عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] وذلك أن المشركين سَأَلُوا وَقَالُوا: أَيُّ شَيْءٍ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى؟ فَقَالَ عَزَّ وجل: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ} [الأنعام: 151] أَقْرَأْ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا يَقِينًا لَا ظَنًّا وَلَا كَذِبًا كَمَا تَزْعُمُونَ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الشِّرْكُ لَا تَرْكُ الشِّرْكِ؟ قِيلَ: مَوْضِعُ (أَنْ) رَفْعٌ مَعْنَاهُ هُوَ أَنْ لَا تُشْرِكُوا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ نَصُبٌ وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ انْتِصَابِهِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ وَ (لَا) صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (مَا منعك أن لا تسجد) أَيْ: مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ. وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ {حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] ثم قال: عليكم أن لا تشركوا به شيئا على وجه الْإِغْرَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ هَذَا مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيمَ الشِّرْكِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: أُوصِيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: 151] فقر، {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151] أَيْ: لَا تَئِدُوا بَنَاتِكُمْ خَشْيَةَ الْعَيْلَةِ فَإِنِّي رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] مَا ظَهَرَ يَعْنِي الْعَلَانِيَةَ وَمَا بَطَنَ يَعْنِي السِّرَّ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ الزِّنَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَلَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا فِي السِّرِّ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الزِّنَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَالسِّرِّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا ظَهَرَ الْخَمْرُ وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا. {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُعَاهِدِ إِلَّا بِالْحَقِّ، إِلَّا بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ مِنْ رِدَّةٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ زِنًا يُوجِبُ الرَّجْمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المفارق للجماعة» (¬1) {ذَلِكُمْ} [الأنعام: 151] الذي ذكرت، {وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام: 151] أمركم به، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ] أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. . . . [152] {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] يَعْنِي: بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَتَثْمِيرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التِّجَارَةُ فِيهِ. وقال الضحاك: هو أن ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الديات 12 / 201 ومسلم في القسامة رقم (1676) 3 / 1302 والمصنف في شرح السنة 10 / 147،.

يَبْتَغِيَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ رِبْحِهِ شَيْئًا، {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ: الْأَشُدُّ: الْحُلُمُ، حَتَّى يُكْتَبَ لَهُ الْحَسَنَاتُ وَتُكْتَبَ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: حَتَّى يَعْقِلَ وَتَجْتَمِعَ قُوَّتُهُ. وَقَالَ الكلبي: الأشد ما بين الثمانية عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِلَى سِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشُدُّ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَالْأَشُدُّ جَمْعُ شَدٍّ، مِثْلَ قَدٍّ وَأَقُدٍّ، وَهُوَ اسْتِحْكَامُ قُوَّةِ شَبَابِهِ وَسِنِّهِ، وَمِنْهُ شَدُّ النَّهَارِ وَهُوَ ارْتِفَاعُهُ. وَقِيلَ: بُلُوغُ الْأَشُدِّ أَنْ يُؤْنَسَ رُشْدُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عَلَى الْأَبَدِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ إِنْ كَانَ رَشِيدًا، {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [الأنعام: 152] بِالْعَدْلِ، {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] أَيْ: طَاقَتَهَا فِي إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، أَيْ لَمْ يُكَلِّفِ الْمُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُكَلِّفْ صَاحِبَ الْحَقِّ الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ حَتَّى لَا تَضِيقَ نَفْسُهُ عَنْهُ، بَلْ أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَسَعُهُ مِمَّا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ، {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] فَاصْدُقُوا فِي الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ذَا قُرَابَةٍ، {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] تَتَّعِظُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ تَذَكَّرُونَ خَفِيفَةَ الذَّالِ، كُلَّ الْقُرْآنِ، وَالْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ مُحَكَمَاتٌ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ، لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ وَهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وَهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ دخل النار. [153] {وَأَنَّ هَذَا} [الأنعام: 153] أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَّيْتُكُمْ بِهِ في هاتين الآيتين، {صِرَاطِي} [الأنعام: 153] طريقي وديني، {مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153] مستويا قويما، {فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، (وَإِنَّ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْمَعْنَى وَأَتْلُ عَلَيْكُمْ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ بِسُكُونِ النُّونِ. {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153] أَيْ: الطُّرُقَ الْمُخْتَلِفَةَ الَّتِي عَدَا هَذَا الطَّرِيقِ، مِثْلَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَسَائِرِ الْمِلَلِ، وَقِيلَ: الْأَهْوَاءُ وَالْبِدَعُ، {فَتَفَرَّقَ} [الأنعام: 153] فتميل، {بِكُمْ} [الأنعام: 153] وتشتت، {عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] عَنْ طَرِيقِهِ وَدِينِهِ الَّذِي ارْتَضَى، وبه أوصى، {ذَلِكُمْ} [الأنعام: 153] الَّذِي ذَكَرْتُ، {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ " ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] » ، الْآيَةَ (¬1) . [154] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الأنعام: 154] فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ: {ثُمَّ آتَيْنَا} [الأنعام: 154] وَحَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّعْقِيبِ وَإِيتَاءُ مُوسَى الْكِتَابَ كَانَ قَبْلَ مَجِيءِ الْقُرْآنِ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّا آتينا موسى الكتاب، فأدخل ثُمَّ لِتَأْخِيرِ الْخَبَرِ لَا لِتَأْخِيرِ النُّزُولِ. {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} [الأنعام: 154] اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: تَمَامًا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ قَوْمِهِ، فَتَكُونُ الَّذِي بِمَعْنَى مَنْ، أَيْ: عَلَى مَنْ أَحْسَنَ مَنْ قَوْمِهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مُحْسِنٌ وَمُسِيءٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحْسَنَ، أَيْ: أَتْمَمْنَا فَضِيلَةَ مُوسَى بِالْكِتَابِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، يعني: أظهرنا فضله عليها، وَالْمُحْسِنُونَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: الذي أحسن هو موسى، والذي بمعنى من، أَيْ: عَلَى مَا أَحْسَنَ مُوسَى، تَقْدِيرُهُ آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ يَعْنِي التَّوْرَاةَ إِتْمَامًا عَلَيْهِ لِلنِّعْمَةِ لِإِحْسَانِهِ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ ¬

(¬1) أخرجه الدارمي في المقدمة 1 / 67 والطبري في تفسيره وصححه الحاكم 3 / 318 ووافقه الذهبي وأخرجه الآجري في الشريعة ص10 والمصنف في شرح السنة 1 / 196.

قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة

الْأَمْرِ. وَقِيلَ: الْإِحْسَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَأَحْسَنَ بِمَعْنَى عَلِمَ، وَمَعْنَاهُ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ مُوسَى مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، أَيْ آتَيْنَاهُ الْكِتَابُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَمَامًا مِنِّي عَلَى إِحْسَانِي إِلَى موسى. {وَتَفْصِيلًا} [الأنعام: 154] بيانا {لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 154] يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ، {وَهُدًى وَرَحْمَةً} [الأنعام: 154] هَذَا فِي صِفَةِ التَّوْرَاةِ، {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَيْ يُؤْمِنُوا بِالْبَعْثِ وَيُصَدِّقُوا بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. [155] {وَهَذَا} [الأنعام: 155] يعني: القرآن، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنعام: 155] إليك، {مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155] فاعملوا بما فيه، {وَاتَّقُوا} [الأنعام: 155] وأطيعوا، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] [156] {أَنْ تَقُولُوا} [الأنعام: 156] يَعْنِي: لِئَلَّا تَقُولُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النِّسَاءِ: 176] أَيْ: لِئَلَّا تَضِلَّوا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْزَلْنَاهُ كَرَاهَةَ {أَنْ تَقُولُوا} [الأنعام: 156] قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ اتَّقُوا أَنْ تَقُولُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} [الأنعام: 156] يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، {وَإِنْ كُنَّا} [الأنعام: 156] وقد كنا، {عَنْ دِرَاسَتِهِمْ} [الأنعام: 156] قراءتهم، {لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156] لَا نَعْلَمُ مَا هِيَ، مَعْنَاهُ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ لِئَلَّا تَقُولُوا إِنَّ الْكِتَابَ أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا بِلِسَانِهِمْ وَلُغَتِهِمْ فَلَمْ نَعْرِفْ مَا فِيهِ وَغَفَلْنَا عَنْ دِرَاسَتِهِ، فَتَجْعَلُونَهُ عُذْرًا لِأَنْفُسِكُمْ. [157] {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} [الأنعام: 157] وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ قَالُوا ذَلِكَ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مَا أُنْزِلَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَكُنَّا خَيْرًا مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأنعام: 157] حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ بِلُغَةٍ تَعْرِفُونَهَا، {وَهُدًى} [الأنعام: 157] بيان {وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157] وَنِعْمَةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ} [الأنعام: 157] أَعْرَضَ، {عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ} [الأنعام: 157] شِدَّةَ الْعَذَابِ، {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] يعرضون. [قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ] أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ. . . . . [158] قوله تعالى. {هَلْ يَنْظُرُونَ} [الأنعام: 158] أَيْ: هَلْ يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَإِنْكَارِهِمُ الْقُرْآنَ، {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [الأنعام: 158] لَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَقِيلَ: بِالْعَذَابِ، قَرَأَ حمزة والكسائي يأتيهم بالياء ها هنا وَفِي النَّحْلِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158] بِلَا كَيْفٍ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] يَعْنِي طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا. {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158] أَيْ: لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَةِ الَّتِي تَضْطَرُّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] يُرِيدُ: لَا يُقْبَلُ إِيمَانُ كَافِرٍ وَلَا تَوْبَةُ فَاسِقٍ {قُلِ انْتَظِرُوا} [الأنعام: 158] يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] بكم العذاب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعِينَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خيرا» (¬1) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: الدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشمس من مغربها» (¬2) . [159] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} [الأنعام: 159] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: فَارَقُوا، بِالْأَلِفِ ها هنا وَفِي سُورَةِ الرُّومِ، أَيْ: خَرَجُوا مِنْ دِينِهِمْ وَتَرَكُوهُ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: {فَرَّقُوا} [الأنعام: 159] مُشَدَّدًا، أَيْ: جَعَلُوا دِينَ اللَّهِ وَهُوَ وَاحِدٌ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْحَنِيفِيَّةَ، أَدْيَانًا مُخْتَلِفَةً فَتَهَوَّدُ قَوْمٌ وَتَنَصَّرُ قَوْمٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَانُوا شِيَعًا} [الأنعام: 159] أَيْ: صَارُوا فِرَقًا مُخْتَلِفَةً وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ وقتادة ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 397 ومسلم في الإيمان رقم (157) 1 / 137. (¬2) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (158) 1 / 138.

وَالسُّدِّيِّ وَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ والشبهات من هده الْأُمَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطاب «أن رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ هذه الأمة» (¬1) . وعن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا: فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حبشيا، فإنه مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بدعة ضلالة» (¬2) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أنا عليه وأصحابي» (¬3) {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] قِيلَ: لَسْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ فِي شَيْءٍ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ قَالَ: أَرَادَ بِالْآيَةِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أَيْ أَنْتَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنْكَ بُرَآءُ، تَقُولُ الْعَرَبُ. إِنْ فَعَلْتَ كَذَا فَلَسْتَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْكَ أَيْ: كل واحد منا برئ مِنْ صَاحِبِهِ، {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 159] يَعْنِي: فِي الْجَزَاءِ وَالْمُكَافَآتِ، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] إذا وردوا للقيامة. [160] قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] أَيْ: لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالِهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (عَشَرٌ) مُنَوَّنٌ، (أَمْثَالُهَا) بِالرَّفْعِ. {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وجل» (¬4) وعن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ¬

(¬1) عزاه ابن كثير لابن مردويه وقال: (هو غريب ولا يصح رفعه) ثم قال: والظاهر أن الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فارق دين الله وكان مخالفا له انظر تفسير ابن كثير 2 / 197. (¬2) أخرجه أبو داود في السنة، باب لزوم السنة 7 / 11 والترمذي في العلم 7 / 437-442 وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة رقم (42، 43) والمصنف في شرح السنة (1 / 205) . (¬3) روي هذا الحديث بطرق كثيرة بألفاظ مختلفة فقد أخرجه أبو داود في السنة 7 / 3-4 والترمذي في الإيمان 7 / 397 وقال: (حسن صحيح) وابن ماجه في الفتن رقم (3991) 2 / 1321 والدارمي في السير 2 / 241 وابن حبان برقم (1834) من الموارد وصححه الحاكم على شرط مسلم. (¬4) أخرجه البخاري في الإيمان باب حسن إسلام المرء 1 / 1000 ومسلم في الإيمان باب إذا هم العبد بحسنة كتبت رقم (129) 1 / 18 والمصنف في شرح السنة 14 / 338.

سورة الأعراف

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقْرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعَا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْآيَةُ فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَأَمَّا الصَّدَقَاتُ تُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةَ ضِعْفٍ. [161] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا} [الأنعام: 161] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ {قِيَمًا} [الأنعام: 161] بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ خَفِيفَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْيَاءِ مُشَدَّدًا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْقَوِيمُ الْمُسْتَقِيمُ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى مَعْنَى هَدَانِي دِينًا قَيِّمًا، {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] [162] {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] قِيلَ: أَرَادَ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نُسُكِي: حَجِّي، وَقِيلَ: دِينِي، {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162] أَيْ: حَيَاتِي وَوَفَاتِي، {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] أَيْ: هُوَ يُحْيِينِي وَيُمِيتُنِي، وَقِيلَ: مَحْيَايَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَمَمَاتِي إِذَا مِتُّ عَلَى الْإِيمَانِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ: طَاعَتِي فِي حَيَاتِي لِلَّهِ وَجَزَائِي بَعْدَ مَمَاتِي مِنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَرَأَ أَهْلُ المدينة: ومحياي بسكون الياء ومماتي بفتحها، وقراءة العامة {وَمَحْيَايَ} [الأنعام: 162] بِفَتْحِ الْيَاءِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ. [163] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] قَالَ قَتَادَةُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. [164] {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} [الأنعام: 164] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سَيِّدًا وَإِلَهًا {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْجِعْ إِلَى دِينِنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ: اتَّبِعُوا سَبِيلِي أَحْمِلْ عَنْكُمْ أَوْزَارَكُمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] لَا تَجْنِي كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ إِثْمِهِ عَلَى الْجَانِي، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] أَيْ: لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِمْلَ أُخْرَى، أَيْ: لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164] [165] {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165] يَعْنِي: أَهْلَكَ أَهْلَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَأَوْرَثَكُمُ الْأَرْضَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَعْدِهِمْ، فَجَعَلَكُمْ خَلَائِفَ مِنْهُمْ فِيهَا تَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا وَتُعَمِّرُونَهَا بَعْدَهُمْ، وَالْخَلَائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ كَالْوَصَائِفِ جَمْعُ وَصِيفَةٍ، وَكُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ مَنْ مَضَى فَهُوَ خَلِيفَةٌ، لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ. {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعام: 165] أَيْ: خَالَفَ بَيْنَ أَحْوَالِكُمْ فَجَعَلَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ فِي الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْمَعَاشِ وَالْقُوَّةِ وَالْفَضْلِ، {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] لِيَخْتَبِرَكُمْ فِيمَا رَزَقَكُمْ، يَعْنِي: يَبْتَلِيَ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالشَّرِيفَ وَالْوَضِيعَ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ، لِيَظْهَرَ مِنْكُمْ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} [الأنعام: 165] لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ سَرِيعٌ قَرِيبٌ، قِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] قَالَ عَطَاءٌ: سَرِيعُ الْعِقَابِ لِأَعْدَائِهِ غَفُورٌ لِأَوْلِيَائِهِ رَحِيمٌ بِهِمْ. [سُورَةُ الأعراف] [قوله تعالى المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ] حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. . . . (7) سورة الأعراف [1, 2] {المص - كِتَابٌ} [الأعراف: 1 - 2] أَيْ: هَذَا كِتَابٌ، {أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الأعراف: 2] وَهُوَ الْقُرْآنُ {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [الأعراف: 2] قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكٌّ، فَالْخِطَابُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: حَرَجٌ أَيْ ضِيقٌ، مَعْنَاهُ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ وَتَأْدِيَةِ مَا أرسلت به، {لِتُنْذِرَ بِهِ} [الأعراف: 2] أَيْ: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ به، {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2] أَيْ: عِظَةٌ لَهُمْ وَهُوَ رَفْعٌ مردود على الكتاب.

[3] {اتَّبِعُوا} [الأعراف: 3] أَيْ وَقُلْ لَهُمُ اتَّبِعُوا: {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا غَيْرَهُ أَوْلِيَاءَ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] تتعظون، وقرأ ابن عامر: (تذكرون) ، بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ. [4] {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] بِالْعَذَابِ، (وَكَمْ) لِلتَّكْثِيرِ وَ (رُبَّ) للتقليل، {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: 4] عذابنا، {بَيَاتًا} [الأعراف: 4] ليلا {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] مِنَ الْقَيْلُولَةِ، تَقْدِيرُهُ: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا لَيْلًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوْ نَهَارًا وهم قائلون أو نَائِمُونَ ظَهِيرَةً، وَالْقَيْلُولَةُ: الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا وَهُمْ غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ إِمَّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَ (أَوْ) لِتَصْرِيفِ الْعَذَابِ، مَرَّةً لَيْلًا وَمَرَّةً نَهَارًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ لَيْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ نَهَارًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجِيءُ الْبَأْسِ بَعْدَ الْهَلَاكِ؟ قِيلَ: معنى (أهلكنا) حَكَمْنَا بِإِهْلَاكِهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقِيلَ: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا هُوَ بَيَانُ قَوْلِهِ {أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَعْطَيْتَنِي فَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَأَعْطَيْتَنِي، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بَدَلًا مِنَ الْآخَرِ. [5] {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: 5] أَيْ: قَوْلُهُمْ وَدُعَاؤُهُمْ وَتَضَرُّعُهُمْ، وَالدَّعْوَى تَكُونُ بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ الْعَرَبُ اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ فِي دُعَائِهِمْ، {إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} [الأعراف: 5] عَذَابُنَا، {إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 5] مَعْنَاهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رَدِّ الْعَذَابِ، وَكَانَ حَاصِلَ أَمْرِهِمُ الِاعْتِرَافُ بِالْجِنَايَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُ الِاعْتِرَافُ. [6] {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} [الأعراف: 6] يَعْنِي: الْأُمَمَ عَنْ إِجَابَتِهِمُ الرُّسُلَ، وَهَذَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ لَا سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ، يَعْنِي: لَنَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا فِيمَا بَلَّغَتْهُمُ الرُّسُلُ، {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] عَنِ الْإِبْلَاغِ. [7] {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ} [الأعراف: 7] أَيْ: لَنُخْبِرَنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ. قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ كِتَابُ أَعْمَالِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} [الْجَاثِيَةِ: 29] {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف: 7] عَنِ الرُّسُلِ فِيمَا بَلَّغُوا، وَعَنِ الأمم فيما أجابوا. [8] قوله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: 8] يَعْنِي: يَوْمَ السُّؤَالِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَالْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ الْعَدْلُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: أَرَادَ بِهِ وَزْنَ الْأَعْمَالِ بالميزان، وذلك أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْصِبُ مِيزَانًا لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ كُلُّ كِفَّةٍ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْوَزْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ. وَرُوِّينَا: «أَنَّ رَجُلًا يُنْشَرُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ فَيُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ

مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ» (¬1) وَقِيلَ: تُوزَنُ الْأَشْخَاصُ، وَرُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (¬2) وَقِيلَ: تُوزَنُ الْأَعْمَالُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيُؤْتَى بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ عَلَى صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَبِالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ عَلَى صُورَةٍ قَبِيحَةٍ فَتُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ، وَالْحِكْمَةُ فِي وَزْنِ الْأَعْمَالِ امْتِحَانُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي العقبى، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: 8] قَالَ مُجَاهِدٌ: حَسَنَاتُهُ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8] [9] {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 9] يجحدون، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فِي وَصِيَّتِهِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ فِي الدُّنْيَا, وَثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحَقٌّ لِمِيزَانٍ يُوضَعُ فِيهِ الْحَقُّ غَدًا أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي الدُّنْيَا، وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَحَقٌّ لِمِيزَانٍ يُوضَعُ فِيهِ الْبَاطِلُ غَدًا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، فَإِنْ قيل: قد قال: (فمن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالْمِيزَانُ وَاحِدٌ، قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ جَمْعًا وَمَعْنَاهُ وَاحِدٌ كقوله {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ} [المؤمنون: 51] وَقِيلَ: لِكُلِّ عَبْدٍ مِيزَانٌ وَقِيلَ: الْأَصْلُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ عَظِيمٌ وَلِكُلِّ عَبْدٍ فِيهِ مِيزَانٌ مُعَلَّقٌ بِهِ، وَقِيلَ: جَمَعَهُ لِأَنَّ الْمِيزَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْكِفَّتَيْنِ وَالشَّاهِدَيْنِ وَاللِّسَانِ، وَلَا يَتِمُّ الْوَزْنُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا. [10] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 10] أي: مكناهم وَالْمُرَادُ مِنَ التَّمْكِينِ التَّمْلِيكُ وَالْقُدْرَةُ، {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: 10] أَيْ: أَسْبَابًا تَعِيشُونَ بِهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ وَالْمَآكِلِ وَالْمُشَارِبِ وَالْمُعَايِشُ جَمْعُ الْمَعِيشَةِ، {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] فِيمَا صَنَعْتُ إِلَيْكُمْ. [11] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقْنَاكُمْ، أَيْ: أُصُولَكُمْ وَآبَاءَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِكُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: أَمَّا خَلَقْنَاكُمْ فَآدَمُ، وَأَمَّا صَوَّرْنَاكُمْ فَذُرِّيَّتُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي خَلَقْنَاكُمْ: آدَمُ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ فَفِي خَلْقِهِ خَلْقُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ، وَقِيلَ: خَلَقْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ حِينَ أَخْرَجَكُمْ كَالذَّرِّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَقَالَ يَمَانٌ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ صَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَأَصَابِعَهُ. وَقِيلَ: الكل آدم خلقه وصوره وثم بِمَعْنَى الْوَاوِ، {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11] فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بِسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ بَنِي آدَمَ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: {ثُمَّ قُلْنَا} [الأعراف: 11] وثم للترتيب والتراخي؟ قِيلَ: عَلَى قَوْلِ مَنْ يَصْرِفُ الْخَلْقَ وَالتَّصْوِيرَ إِلَى آدَمَ وَحْدَهُ يَسْتَقِيمُ هَذَا الْكَلَامُ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَصْرِفُهُ إِلَى الذُّرِّيَّةِ فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ. أَحَدُهَا ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ: وَقُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ، فَلَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، وَقِيلَ: أَرَادَ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تقديره ولقد خلقتاكم، يَعْنِي: آدَمَ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لآدم صورناكم. قوله تعالى: {فَسَجَدُوا} [الأعراف: 11] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في الإيمان 7 / 395 وقال حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد رقم (4300) 2 / 1437، وصححه الحاكم 1 / 6، وابن حبان ص 625، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ح 2 / 213، والمصنف من شرح السنة 15 / 134. (¬2) رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير 8 / 426، ومسلم في صحيحه في كتاب المنافقين رقم (2785) 4 / 2147، والمصنف في شرح السنة 15 / 143.

قوله تعالى قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال

، لآدم. [قوله تعالى قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ] أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. . . . . [12] {قَالَ} [الأعراف: 12] اللَّهُ تَعَالَى: يَا إِبْلِيسُ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] أَيْ: وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ولا زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] {قَالَ} [الأعراف: 12] إِبْلِيسُ مُجِيبًا {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف: 12] لِأَنَّكَ {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] وَالنَّارُ خَيْرٌ وَأَنْوَرُ مِنَ الطِّينِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ فَأَخْطَأَ الْقِيَاسَ فَمَنْ قَاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إِبْلِيسَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ إِلَّا بِالْقِيَاسِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: ظَنَّ الْخَبِيثُ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْفَضْلَ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْفَضْلَ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الطين على النار. وقالت الحكماء: للطين فضل عَلَى النَّارِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزَانَةُ والوقار والحلم الصبر وَهُوَ الدَّاعِي لِآدَمَ بَعْدَ السَّعَادَةِ التي سبق لَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ فَأَوْرَثَهُ الِاجْتِبَاءَ وَالتَّوْبَةَ وَالْهِدَايَةَ، وَمِنْ جَوْهَرِ النَّارِ الْخِفَّةُ وَالطَّيْشُ وَالْحِدَّةُ وَالِارْتِفَاعُ وَهُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيسَ بَعْدَ الشَّقَاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالْإِصْرَارِ، فَأَوْرَثَهُ اللَّعْنَةَ وَالشَّقَاوَةَ، وَلِأَنَّ الطِّينَ سَبَبُ جَمْعِ الْأَشْيَاءِ وَالنَّارَ سَبَبُ تَفَرُّقِهَا وَلِأَنَّ التُّرَابَ سَبَبُ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ حَيَاةَ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ بِهِ، وَالنَّارُ سَبَبُ الْهَلَاكِ. [13] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا} [الأعراف: 13] أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَكَانَ لَهُ مُلْكُ الْأَرْضِ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا إِلَى جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَعَرْشُهُ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ، فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ إِلَّا خَائِفًا عَلَى هَيْئَةِ السَّارِقِ مِثْلَ شَيْخٍ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ يَرُوعُ فِيهَا حتى يخرج منها. قال تَعَالَى: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ} [الأعراف: 13] بمخالفة الأمر، {فِيهَا} [الأعراف: 13] أَيْ: فِي الْجَنَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْكُنَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا السَّمَاءِ مُتَكَبِّرٌ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ اللَّهِ، {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] مِنَ الْأَذِلَّاءِ، وَالصَّغَارُ: الذُّلُّ وَالْمَهَانَةُ. [14] {قَالَ} [الأعراف: 14] إبليس عند ذلك، {أَنْظِرْنِي} [الأعراف: 14] أخرجني وَأَمْهِلْنِي فَلَا تُمِتْنِي، {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: 14] مِنْ قُبُورِهِمْ وَهُوَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، أَرَادَ الْخَبِيثُ أَنْ لَا يَذُوقَ الْمَوْتَ. [15] {قَالَ} [الأعراف: 15] اللَّهُ تَعَالَى، {إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الأعراف: 15] الْمُؤَخَّرِينَ، وَبَيَّنَ مُدَّةَ النَّظَرِ وَالْمُهْلَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ: {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الْحِجْرِ: 38] وَهُوَ النَّفْخَةُ الْأُولَى حِينَ يَمُوتُ الْخَلْقُ كلهم. [16] {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الأعراف: 16] اخْتَلَفُوا فِي مَا قِيلَ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ يَعْنِي فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَغْوَيْتَنِي؟ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ} [الأعراف: 16] وَقِيلَ: مَا الْجَزَاءُ، أَيْ: لِأَجْلِ أنك أغويتني لأقعدن لهم. وقيل: هي مَا الْمَصْدَرِيَّةُ مَوْضِعُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعَدْنَ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} [يَسٍ: 27] يَعْنِي لِغُفْرَانِ رَبِّي، وَالْمَعْنَى بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وَنَفَاذِ سُلْطَانِكَ

فِيَّ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَيْ فيما أَوْقَعْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْغَيِّ الَّذِي كَانَ سَبَبَ هُبُوطِي مِنَ السَّمَاءِ أَغْوَيْتَنِي: أَضْلَلْتَنِي عَنِ الْهُدَى. وَقِيلَ: أَهْلَكْتَنِي. وَقِيلَ: خَيَّبْتَنِي، {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] أَيْ: لَأَجْلِسَنَّ لِبَنِي آدَمَ عَلَى طَرِيقِكِ الْقَوِيمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ. [17] {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} [الأعراف: 17] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أَيْ مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ فأشككهم فيها، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [الأعراف: 17] أُرَغِّبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} [الأعراف: 17] أُشْبِهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ. {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف: 17] أُشَهِّي لَهُمُ الْمَعَاصِي. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ دُنْيَاهُمْ، يَعْنِي أُزَيِّنُهَا في قلوبهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ فَأَقُولُ: لَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ وَلَا جَنَّةَ ولا نار، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ، {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف: 17] مِنْ قِبَلِ سَيِّئَاتِهِمْ. وَقَالَ الْحَكَمُ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ: مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا يُزَيِّنُهَا لَهُمْ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ: مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ يُثَبِّطُهُمْ عَنْهَا، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ: مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ يَصُدُّهُمْ عَنْهُ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ: مِنْ قِبَلِ الْبَاطِلِ يُزَيِّنُهُ لَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَتَاهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ: مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يُزَيِّنُهَا لَهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ: مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ بَطَّأَهُمْ عَنْهَا، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ: زَيَّنَ لَهُمُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَعَاصِيَ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا، أَتَاكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِكَ مِنْ فَوْقِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ مِنْ حَيْثُ يُبْصِرُونَ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ وعن شمائلهم من حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ أَيْ لَا يُخْطِئُونَ وَحَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُخْطِئُونَ. {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَلِمَ الْخَبِيثُ ذَلِكَ؟ قِيلَ: قَالَهُ ظَنًّا فَأَصَابَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} [سَبَأٍ: 20] [18] {قَالَ} [الأعراف: 18] اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ، {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} [الأعراف: 18] أَيْ: مَعِيبًا، وَالذَّيْمُ وَالذَّأْمُ أَشَدُّ الْعَيْبِ، يُقَالُ: ذَأَمَهُ يَذْأَمُهُ ذَأْمًا فَهُوَ مَذْءُومٌ وَذَامَهُ يَذِيمُهُ ذَامًّا فَهُوَ مَذِيمٌ، مِثْلَ سَارَ يَسِيرُ سَيْرًا. وَالْمَدْحُورُ: الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ، يُقَالُ: يَدْحَرُهُ دَحْرًا إِذَا أَبْعَدَهُ وَطَرَدَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَذْءُومًا أَيْ مَمْقُوتًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: مَذْءُومًا مَدْحُورًا أَيْ: لَعِينًا مَنْفِيًّا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مذءوما ملوما مَدْحُورًا مَقْصِيًّا مِنَ الْجَنَّةِ وَمِنْ كُلِّ خَيْرٍ. {لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 18] مِنْ بَنِي آدَمَ، {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [الأعراف: 18] اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، {مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18] أَيْ: مِنْكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِكَ وَمِنْ كفار ذرية آدم أَجْمَعِينَ. [19] {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] [20] {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 20] أَيْ: إِلَيْهِمَا، وَالْوَسْوَسَةُ: حَدِيثٌ يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} [الأعراف: 20] أَيْ: أَظْهَرَ لَهُمَا مَا غُطِّيَ وَسُتِرَ عَنْهُمَا مِنْ عَوْرَاتِهِمَا، قِيلَ: اللَّامُ فِيهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ وَذَلِكَ أن إبليس لم يوسوس لهذا وَلَكِنْ كَانَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظُهُورُ عَوْرَتِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [الْقَصَصِ: 8] ثُمَّ بَيَّنَ الوسوسة فقال: {وَقَالَ} [الأعراف: 20] يَعْنِي إِبْلِيسُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ، {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ} [الأعراف: 20] يَعْنِي لِئَلَّا تَكُونَا كَرَاهِيَةَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَعْلَمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، {أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] مِنَ الْبَاقِينَ الَّذِينَ لَا يَمُوتُونَ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120] [21] {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] أَيْ: وَأَقْسَمَ وَحَلَفَ لَهُمَا وَهَذَا مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْوَاحِدِ، قَالَ قَتَادَةُ: حَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ حَتَّى خَدَعَهُمَا، وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي

قوله تعالى قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر

خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْكُمَا فَاتَّبِعَانِي أُرْشِدْكُمَا، وَإِبْلِيسُ أَوَّلُ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا فَلَمَّا حَلَفَ ظَنَّ آدَمُ أَنَّ أَحَدًا لَا يحلف بالله إلا كَاذِبًا فَاغْتَرَّ بِهِ. [22] {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] أَيْ: خَدَعَهُمَا، يُقَالُ: مَا زَالَ فُلَانٌ يُدَلِّي لِفُلَانٍ بِغُرُورٍ، يَعْنِي: مَا زَالَ يَخْدَعُهُ وَيُكَلِّمُهُ بِزُخْرُفٍ بَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ. وَقِيلَ: حَطَّهُمَا من منزلة الطاعة إلى حال الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَكُونُ التَّدَلِّي إِلَّا مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ وَالتَّدْلِيَةُ إِرْسَالُ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ، يُقَالُ: تَدَلَّى بِنَفْسِهِ وَدَلَّى غَيْرَهُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُهُ تَدْلِيَةُ الْعَطْشَانِ الْبِئْرَ لِيُرْوَى مِنَ الْمَاءِ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ فَيَكُونُ مُدَلًّى بِغُرُورٍ، وَالْغُرُورُ: إِظْهَارُ النُّصْحِ مَعَ إِبْطَانِ الْغِشِّ. {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [الأعراف: 22] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَلَمَّا أَكَلَا مِنْهَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنِ ازْدَرَدَا (¬1) أَخَذَتْهُمَا الْعُقُوبَةُ، وَالْعُقُوبَةُ أَنْ بَدَتْ ظَهَرَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا عَوْرَاتُهُمَا، وَتَهَافَتَ عَنْهُمَا لِبَاسُهُمَا حَتَّى أَبْصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُ مِنْ عَوْرَةِ صَاحِبِهِ، وكانا لا يريان ذلك {وَطَفِقَا} [الأعراف: 22] فأقبلا وجعلا {يَخْصِفَانِ} [الأعراف: 22] يُرَقِّعَانِ وَيَلْزَقَانِ وَيَصِلَانِ، {عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 22] وَهُوَ وَرَقُ التِّينِ حَتَّى صَارَ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجْعَلَانِ وَرَقَةً عَلَى وَرَقَةٍ لِيَسْتُرَا سَوْآتِهِمَا {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22] يَعْنِي: الْأَكْلَ مِنْهَا، {وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22] أي: بين العداوة. [قوله تعالى قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ] لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. . . . [23] {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] ضررناها بالمعصية، {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] الهالكين. [24] {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف: 24] [25] {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} [الأعراف: 25] يَعْنِي فِي الْأَرْضِ تَعِيشُونَ، {وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25] أَيْ: مِنَ الْأَرْضِ تُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ لِلْبَعْثِ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ ها هنا وفي الزخرف، وافق يعقوب ها هنا وَزَادَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (وَكَذَلِكَ تَخْرُجُونَ) ، فِي أَوَّلِ الرُّومِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فِيهِنَّ. [26] {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ} [الأعراف: 26] أي خلقنا لكم {لِبَاسًا} [الأعراف: 26] وقيل: إنما قال: {أَنْزَلْنَا} [الأعراف: 26] لأن اللباس يَكُونُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَالنَّبَاتُ يَكُونُ بِمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فمعنى قوله: {أَنْزَلْنَا} [الأعراف: 26] أَيْ: أَنْزَلْنَا أَسْبَابَهُ. وَقِيلَ: كُلُّ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَرَكَاتِ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الْحَدِيدِ: 25] وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ الْحَدِيدُ مِنَ الْأَرْضِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً وَيَقُولُونَ: لَا نَطُوفُ فِي ثِيَابٍ عَصَيْنَا اللَّهَ فِيهَا، فَكَانَ الرِّجَالُ يَطُوفُونَ بِالنَّهَارِ وَالنِّسَاءُ بِاللَّيْلِ عُرَاةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ وَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى فرجها فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالسَّتْرِ فَقَالَ: {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ} [الأعراف: 26] يَسْتُرُ عَوْرَاتِكُمْ، وَاحِدَتُهَا سَوْأَةٌ سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهُ يَسُوءُ صَاحِبَهَا انْكِشَافُهَا فلا تطوفوا عراة، {وَرِيشًا} [الأعراف: 26] يَعْنِي: مَالًا فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ، يُقَالُ: تَرَيَّشَ الرَّجُلُ إِذَا تَمَوَّلَ، وَقِيلَ: الرِّيشُ الْجَمَالُ، أَيْ: مَا يَتَجَمَّلُونَ بِهِ مِنَ الثِّيَابِ، وَقِيلَ: هُوَ اللِّبَاسُ {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ (وَلِبَاسُ) بِنَصْبِ السِّينِ عَطْفًا على قوله {لِبَاسًا} [الأعراف: 26] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وخبره {خَيْرٌ} [الأعراف: 26] وَجَعَلُوا ذَلِكَ صِلَةً فِي الْكَلَامِ، وَلِذَلِكَ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بن كعب {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] واختلفوا في (لِبَاسُ التَّقْوَى) قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: لِبَاسُ التَّقْوَى هُوَ الْإِيمَانُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْحَيَاءُ لِأَنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى التَّقْوَى. وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عباس: هو العمل ¬

(¬1) ازدردا من زرد اللقمة بلعها. انظر مختار الصحاح ص 270.

الصَّالِحُ. وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَالَ: السَّمْتُ الْحَسَنُ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِبَاسُ التَّقْوَى خَشْيَةُ اللَّهِ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْعَفَافُ. وَالْمَعْنَى: لِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ لِصَاحِبِهِ إِذَا أَخَذَ بِهِ مِمَّا خَلَقَ لَهُ مِنَ اللِّبَاسِ لِلتَّجَمُّلِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: لِبَاسُ التَّقْوَى هُوَ اللِّبَاسُ الْأَوَّلُ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ إِخْبَارًا أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ خَيْرٌ مِنَ التَّعَرِّي فِي الطَّوَافِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: لِبَاسُ التَّقْوَى الْآلَاتُ الَّتِي يُتَّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ كَالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ وَالسَّاعِدِ وَالسَّاقَيْنِ. وَقِيلَ: لِبَاسُ التَّقْوَى هُوَ الصُّوفُ وَالثِّيَابُ الْخَشِنَةُ الَّتِي يَلْبَسُهَا أَهْلُ الْوَرَعِ، {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] [27] {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 27] لَا يُضِلَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ} [الأعراف: 27] أَيْ: كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْكُمْ آدَمَ وَحَوَّاءَ فَأَخْرَجَهُمَا، {مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعراف: 27] لِيَرَى كُلٌّ وَاحِدٍ سَوْأَةَ الْآخَرِ. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} [الأعراف: 27] يَعْنِي أَنَّ الشَّيْطَانَ يَرَاكُمْ يَا بني آدم، {هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف: 27] وجنوده، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. هُوَ وَوَلَدُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَبِيلُهُ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ عَدُوًّا يَرَاكَ وَلَا تَرَاهُ لَشَدِيدُ الْخُصُومَةِ وَالْمُؤْنَةِ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 27] قُرَنَاءَ وَأَعْوَانًا، {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] وقال الزجاج: سلطناهم عَلَيْهِمْ يَزِيدُونَ فِي غَيِّهِمْ كَمَا قَالَ. {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مَرْيَمَ: 83] [28] {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [الأعراف: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ طَوَافُهُمْ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. وَقَالَ عَطَاءٌ: الشِّرْكُ وَالْفَاحِشَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي الْقُبْحِ. {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} [الأعراف: 28] وَفِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً فَنُهُوا عَنْهَا قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا. قِيلَ: وَمَنْ أَيْنَ أَخَذَ آبَاؤُكُمْ قَالُوا، {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] [29] {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِالتَّوْحِيدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: بِالْعَدْلِ. {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 29] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي وَجِّهُوا وجوهكم حيثما كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتُمْ عِنْدَ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا فِيهِ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدَكُمْ أُصَلِّي فِي مَسْجِدِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اجْعَلُوا سُجُودَكُمْ لله خالصا. {وَادْعُوهُ} [الأعراف: 29] واعبدوه، {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 29] الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ، {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ خَلْقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا. كَمَا قَالَ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التَّغَابُنِ: 2] ثُمَّ يُعِيدُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا خَلَقَهُمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا قَالَ مُجَاهِدٌ: يُبْعَثُونَ عَلَى مَا ماتوا عليه، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: كَمَا بَدَأَكُمْ فخلقكم

قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد

فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ أَحْيَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الْأَنْبِيَاءِ: 104] قَالَ قَتَادَةُ: بَدَأَهُمْ مِنَ التُّرَابِ وَإِلَى التُّرَابِ يَعُودُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] [30] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَرِيقًا هَدَى} [الأعراف: 30] أَيْ: هَدَاهُمُ اللَّهُ، {وَفَرِيقًا حَقَّ} [الأعراف: 30] وجب {عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: 30] أَيْ: بِالْإِرَادَةِ السَّابِقَةِ، {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف: 30] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ فِي دِينِهِ عَلَى الْحَقِّ وَالْجَاحِدَ وَالْمُعَانِدَ سَوَاءٌ. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. . . . [31] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الْأَعْرَافِ: 31] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَتْ بَنُو عَامِرٍ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] يَعْنِي الثِّيَابَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا يُوَارِي عَوْرَتَكَ وَلَوْ عَبَاءَةٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: الزِّينَةُ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لِطَوَافٍ أَوْ صلاة. {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31] قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَتْ بَنُو عَامِرٍ لَا يَأْكُلُونَ فِي أَيَّامِ حَجِّهِمْ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا قُوتًا وَلَا يَأْكُلُونَ دَسَمًا يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهُمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَكُلُوا يَعْنِي اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ وَاشْرَبُوا اللَّبَنَ، {وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] بِتَحْرِيمِ مَا أَحِلَّ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّسَمِ، {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ خَصْلَتَانِ سَرَفٌ وَمَخِيلَةٌ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ: قَدْ جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ كُلَّهُ فِي نِصْفِ آيَةٍ فَقَالَ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] [32] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] يَعْنِي لِبْسَ الثِّيَابِ فِي الطَّوَافِ، {وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] يَعْنِي اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ. وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ. {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: هِيَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَلِلْمُشْرِكِينَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ يُشَارِكُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وَهِيَ فِي الْآخِرَةِ خَالِصَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا حَظَّ لِلْمُشْرِكِينَ فِيهَا. وَقِيلَ: هِيَ خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ التَّنْغِيصِ وَالْغَمِّ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ التَّنْغِيصِ وَالْغَمِّ. قَرَأَ نَافِعٌ (خَالِصَةٌ) رَفْعٌ، أَيْ: قُلْ هِيَ لِلَّذِينِ آمَنُوا مُشْتَرِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ فِي الْآخِرَةِ خَالِصَةً يَوْمَ القيامة. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْقَطْعِ، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32] [33] {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] يَعْنِي: الطَّوَافُ عُرَاةً {مَا ظَهَرَ} [الأعراف: 33] طَوَافُ الرِّجَالِ بِالنَّهَارِ {وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] طَوَافُ النِّسَاءِ

قوله تعالى قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم

بِاللَّيْلِ. وَقِيلَ: هُوَ الزِّنَا سِرًّا وعلانية {وَالْإِثْمَ} [الأعراف: 33] يَعْنِي: الذَّنْبَ وَالْمَعْصِيَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الذَّنْبُ الَّذِي لَا حَدَّ فِيهِ. قَالَ الْحَسَنُ: الْإِثْمُ: الْخَمْرُ. قَالَ الشَّاعِرُ: شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الْإِثْمُ تَذْهَبُ بِالْعُقُولِ {وَالْبَغْيَ} [الأعراف: 33] الظُّلْمَ وَالْكِبْرَ، {بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الأعراف: 33] حُجَّةً وَبُرْهَانًا، {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فِي تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ الْقَوْلِ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ. [34] {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [الأعراف: 34] مُدَّةٌ وَأَكْلٌ وَشُرْبٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْحُسْنُ: يَعْنِي وَقْتًا لِنُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف: 34] وَانْقَطَعَ أَكْلُهُمْ، {لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] أي: لا يَتَقَدَّمُونَ. وَذَلِكَ حِينَ سَأَلُوا الْعَذَابَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. [35] قَوْلُهُ تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأعراف: 35] أَيْ: أَنْ يَأْتِيَكُمْ. قِيلَ: أَرَادَ جَمِيعَ الرُّسُلِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَرَادَ بقوله {يا بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 35] مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَبِالرُّسُلِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأعراف: 35] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي، {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ} [الأعراف: 35] أَيْ: اتَّقَى الشِّرْكَ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ. وَقِيلَ: أَخْلَصَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ربه {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 35] إِذَا خَافَ النَّاسُ، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35] أَيْ: إِذَا حَزِنُوا. [36] {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} [الأعراف: 36] تَكْبَّرُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاسْتِكْبَارَ لِأَنَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ وَكَافِرٍ مُتَكَبِّرٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصَّافَّاتِ: 35] {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 36] [37] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأعراف: 37] جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [الأعراف: 37] بِالْقُرْآنِ {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ} [الأعراف: 37] أَيْ: حَظُّهُمْ مِمَّا كَتَبَ لَهُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: مَا كَتَبَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَقَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ سَوَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ. قَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُتِبَ لِمَنْ يَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ أَنَّ وَجْهَهُ مُسْوَدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] وقال سعيد ابن جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي أَعْمَالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا وَكَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ يَجْزِي عَلَيْهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَا كَتَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ والأعمار وَالْأَعْمَالِ فَإِذَا فَنِيَتْ، {جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} [الأعراف: 37] يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَهُمْ يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ وأعوانه، {قَالُوا} [الأعراف: 37] يعني يقول الرسل للكفار، {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ} [الأعراف: 37] تعبدون، {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأعراف: 37] سُؤَالَ تَبْكِيتٍ وَتَقْرِيعٍ، {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا} [الأعراف: 37] بَطَلُوا وَذَهَبُوا عَنَّا، {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأعراف: 37] اعْتَرَفُوا عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ، {أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأعراف: 37] [قوله تعالى قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ] مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ. . . . . [38] {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} [الأعراف: 38] يَعْنِي: يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ، أَيْ: مع جماعات، {قَدْ خَلَتْ} [الأعراف: 38] {مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: 38] يَعْنِي كُفَّارَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: 38] يُرِيدُ أُخْتَهَا فِي الدِّينِ لَا فِي النَّسَبِ، فَتَلْعَنُ الْيَهُودُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى النَّصَارَى، وَكُلُّ فِرْقَةٍ تَلْعَنُ أُخْتَهَا وَيَلْعَنُ الْأَتْبَاعُ الْقَادَةَ، وَلَمْ يَقُلْ أَخَاهَا لِأَنَّهُ عَنَى الْأُمَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا} [الأعراف: 38] أَيْ: تَدَارَكُوا وَتَلَاحَقُوا وَاجْتَمَعُوا فِي النار، {جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} [الأعراف: 38] قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي أُخْرَاهُمْ دُخُولًا النار وهم الأتباع، {لِأُولَاهُمْ} [الأعراف: 38] أَيْ: لِأُولَاهُمْ دُخُولًا وَهُمُ الْقَادَةُ، لِأَنَّ الْقَادَةَ يَدْخُلُونَ النَّارَ أَوَّلًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي آخَرَ كُلِّ أُمَّةٍ لِأُولَاهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَهْلُ آخِرِ الزَّمَانِ

لِأُولَاهُمُ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُمْ ذَلِكَ الدين، {رَبَّنَا هَؤُلَاءِ} [الأعراف: 38] الذين، {أَضَلُّونَا} [الأعراف: 38] عَنِ الْهُدَى يَعْنِي الْقَادَةَ {فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38] أَيْ: ضَعِّفْ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ، {قَالَ} [الأعراف: 38] الله تعالى, {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف: 38] يَعْنِي لِلْقَادَةِ وَالْأَتْبَاعِ ضِعْفٌ مِنَ العذاب، {وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] مَا لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ مِنَ الْعَذَابِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: {وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ (لَا يَعْلَمُونَ) بِالْيَاءِ، أَيْ: لَا يَعْلَمُ الْأَتْبَاعُ مَا لِلْقَادَةِ وَلَا الْقَادَةِ مَا للأتباع. [39] {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ} [الأعراف: 39] يعني القادة، {لِأُخْرَاهُمْ} [الأعراف: 39] لِلْأَتْبَاعِ، {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} [الأعراف: 39] لِأَنَّكُمْ كَفَرْتُمْ كَمَا كَفَرْنَا فَنَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْكُفْرِ سَوَاءٌ وَفِي الْعَذَابِ سَوَاءٌ، {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39] [40] {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ} [الأعراف: 40] بِالتَّاءِ، خَفَّفَ أَبُو عَمْرٍو، وَبِالْيَاءِ، خَفَّفَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ مشددة، {لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40] لِأَدْعِيَتِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِأَرْوَاحِهِمْ لِأَنَّهَا خَبِيثَةٌ لَا يُصْعَدُ بِهَا بَلْ يُهْوَى بِهَا إِلَى سِجِّينٍ، إِنَّمَا تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَدْعِيَتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] أَيْ: حَتَّى يَدْخُلَ الْبَعِيرُ فِي ثقب الإبرة، والخياط والمخيط واحد وهو: الْإِبْرَةُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَبَدًا لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا عُلِّقَ بِمَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَأْكِيدِ الْمَنْعِ، كَمَا يُقَالُ: لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ أَوْ يَبْيَضَّ الْقَارُ، يُرِيدُ لَا أَفْعَلُهُ أَبَدًا، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] [41] {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ} [الأعراف: 41] أَيْ: فِرَاشٌ، {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] أَيْ: لُحُفٌ. وَهِيَ جَمْعُ غَاشِيَةٍ، يَعْنِي مَا غَشَّاهُمْ وَغَطَّاهُمْ، يُرِيدُ إِحَاطَةَ النَّارِ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزُّمَرِ: 16] {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 41] [42] {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأعراف: 42] أَيْ: طَاقَتَهَا وَمَا لَا تُحْرَجُ فِيهِ وَلَا تَضِيقُ عَلَيْهِ، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 42] [43] {وَنَزَعْنَا} [الأعراف: 43] وَأَخْرَجْنَا، {مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] مِنْ غِشٍّ وَعَدَاوَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَجَعَلْنَاهُمْ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لَا يَحْسُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى شَيْءٍ خَصَّ اللَّهُ بِهِ بَعْضَهُمْ. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [الأعراف: 43] {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] أَيْ إِلَى هَذَا، يَعْنِي طَرِيقَ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ هَدَانَا لِعَمَلٍ هَذَا ثَوَابُهُ، {وَمَا كُنَّا} [الأعراف: 43] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (مَا كُنَّا) بِلَا وَاوٍ، {لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 43] هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَوْا مَا وَعَدَهُمُ الرُّسُلُ عَيَانًا، {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]

قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن

قيل. هدا النِّدَاءُ إِذَا رَأَوُا الْجَنَّةَ مِنْ بَعِيدٍ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: هَذَا النِّدَاءُ يَكُونُ فِي الجنة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تيأسوا أبدا، {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ] قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا. . . . [44] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} [الأعراف: 44] من الثواب، {حَقًّا} [الأعراف: 44] أَيْ: صِدْقًا، {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ} [الأعراف: 44] مِنَ الْعَذَابِ، {حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ حَيْثُ كَانَ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: 44] أَيْ: نَادَى مُنَادٍ أَسْمَعَ الْفَرِيقَيْنِ، {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ: (أن) خفيف، {لَعْنَةُ} [الأعراف: 44] رَفْعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، (لَعْنَةَ اللَّهِ) نَصْبٌ عَلَى الظَّالِمِينَ، أَيِ: الكافرين. [45] {الَّذِينَ يَصُدُّونَ} [الأعراف: 45] أَيْ: يَصْرِفُونَ النَّاسَ، {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأعراف: 45] طاعة الله، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 45] أَيْ: يَطْلُبُونَهَا زَيْغًا وَمَيْلًا، أَيْ: يبطلون سَبِيلَ اللَّهِ جَائِرِينَ عَنِ الْقَصْدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَيُعَظِّمُونَ مَا لَمْ يُعْظِّمْهُ اللَّهُ. وَالْعِوَجُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الدِّينِ وَالْأَمْرِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا، وَبِالْفَتْحِ فِي كُلِّ مَا كَانَ قَائِمًا كَالْحَائِطِ وَالرُّمْحِ وَنَحْوِهُمَا. {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 45] [46] {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} [الأعراف: 46] يَعْنِي: بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقِيلَ. بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ النَّارِ حِجَابٌ، وَهُوَ السُّورُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} [الْحَدِيدِ: 13] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف: 46] وَالْأَعْرَافُ هِيَ ذَلِكَ السُّورُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهِيَ جَمْعُ عُرْفٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، وَمِنْهُ عُرْفُ الدِّيكِ لِارْتِفَاعِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: سُمِّيَ ذَلِكَ السُّورُ أَعْرَافًا لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَعْرِفُونَ النَّاسَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الرِّجَالِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْأَعْرَافِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ فَقَصَّرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ وَتَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ، فَوَقَفُوا هُنَاكَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ، ثم يدخلهما الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَهُمْ آخِرُ من يدخل الْجَنَّةَ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ: هُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْفَتْرَةِ وَلَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهُمْ. وَقِيلَ. هُمْ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَوْا عَلَى الْأَعْرَافِ فَيَطَّلِعُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ جَمِيعًا، وَيُطَالِعُونَ أَحْوَالَ الْفَرِيقَيْنِ. قَوْلُهُ تعالى: {يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 46] أَيْ: يَعْرِفُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِبَيَاضِ وُجُوهِهِمْ وَأَهْلَ النَّارِ بِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: 46]

قوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم

أَيْ: إِذَا رَأَوْا أَهْلَ الْجَنَّةِ قَالُوا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، {لَمْ يَدْخُلُوهَا} [الأعراف: 46] وَهُمْ يَطْمَعُونَ يَعْنِي: أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ لَمْ يَدْخُلُوا الجنة {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] فِي دُخُولِهَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ فيهم إلا كرامة يريدها بِهِمْ. قَالَ الْحَسَنُ: الَّذِي جَعَلَ الطَّمَعَ فِي قُلُوبِهِمْ يُوصِلُهُمْ إِلَى مَا يَطْمَعُونَ. [47] {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: 47] تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ، {قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 47] يَعْنِي الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ. [48] {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا} [الأعراف: 48] كَانُوا عُظَمَاءَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ} [الأعراف: 48] فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 48] عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُنَادُونَ وَهُمْ عَلَى السُّورِ: يَا وَلِيدُ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَيَا أَبَا جَهْلِ ابن هِشَامٍ وَيَا فُلَانُ، ثُمَّ يَنْظُرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَرَوْنَ فِيهَا الْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ مِمَّنْ كَانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ، مِثْلَ سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ وَبِلَالٍ وَأَشْبَاهِهِمْ فَيَقُولُ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ لِأُولَئِكَ الكفار: [49] {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ} [الأعراف: 49] حَلَفْتُمْ، {لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} [الأعراف: 49] أَيْ: حَلَفْتُمْ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. ثُمَّ يُقَالُ لِأَهْلِ الْأَعْرَافِ، {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنْ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ إِذَا قَالُوا لِأَهْلِ النَّارِ مَا قَالُوا قَالَ لَهُمْ أَهْلُ النَّارِ: إِنْ دَخَلَ أُولَئِكَ الْجَنَّةَ وَأَنْتُمْ لَمْ تَدْخُلُوهَا فَيُعَيِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ وَيُقْسِمُونَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ حَبَسُوا أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ عَلَى الصِّرَاطِ لِأَهْلِ النَّارِ. أَهَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ أَنَّهُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ثُمَّ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] فيدخلون الجنة. [50, 51] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا} [الأعراف: 50] أَيْ صَبُّوا، {عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50] أَيْ: أَوْسِعُوا عَلَيْنَا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ. قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا صَارَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ إِلَى الْجَنَّةِ طَمِعَ أَهْلُ النَّارِ فِي الْفَرَجِ، وَقَالُوا: يَا رَبِّ إِنَّ لَنَا قَرَابَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأْذَنْ لَنَا حَتَّى نَرَاهُمْ وَنُكَلِّمَهُمْ، فَيَنْظُرُوا إِلَى قَرَابَتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَيَعْرِفُونَهُمْ وَلَمْ يَعْرِفْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ لِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ فَيُنَادِي أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ بِأَسْمَائِهِمْ، وَأَخْبَرُوهُمْ بِقَرَابَاتِهِمْ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] يَعْنِي: الْمَاءَ وَالطَّعَامَ، {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} [الأعراف: 51] وَهُوَ مَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنْ تَحْرِيمِ الْبَحِيرَةِ وَأَخَوَاتِهَا وَالْمُكَّاءِ وَالتَّصْدِيَةِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَسَائِرِ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقِيلَ: دِينُهُمْ أَيْ عِيدُهُمْ، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} [الأعراف: 51] نَتْرُكُهُمْ فِي النَّارِ، {كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51] أَيْ: كَمَا تَرَكُوا الْعَمَلَ لِلِقَاءِ يَوْمِهِمْ هَذَا، {وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51] [قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ] هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. . . . [52] {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} [الأعراف: 52] يعني القرآن {فَصَّلْنَاهُ} [الأعراف: 52] بيناه، {عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: 52] مِنَّا لِمَا يُصْلِحُهُمْ، {هُدًى وَرَحْمَةً} [الأعراف: 52] أَيْ: جَعَلْنَا الْقُرْآنَ هَادِيًا وَذَا رحمة، {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52] [53] {هَلْ يَنْظُرُونَ} [الأعراف: 53] أَيْ: هَلْ يَنْتَظِرُونَ، {إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53] قَالَ مُجَاهِدٌ: جَزَاءَهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَاقِبَتَهُ. وَمَعْنَاهُ: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي الْعَذَابِ وَمَصِيرُهُمْ إِلَى النَّارِ. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] أَيْ: جَزَاؤُهُ وَمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ، {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53] اعْتَرَفُوا بِهِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الاعتراف، {فَهَلْ لَنَا} [الأعراف: 53] الْيَوْمَ، {مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ} [الأعراف: 53] إِلَى الدُّنْيَا، {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأعراف: 53] أهلكوها بالعذاب، {وَضَلَّ} [الأعراف: 53] وَبَطَلَ، {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف: 53]

[54] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54] أَرَادَ بِهِ فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا سَمَاءٌ، قِيلَ: سِتَّةُ أَيَّامٍ كَأَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَكُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ. وَقِيلَ: كَأَيَّامِ الدُّنْيَا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرًا عَلَى خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ فِي لَمْحَةٍ وَلَحْظَةٍ، فَخَلَقَهُنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تَعْلِيمًا لِخَلْقِهِ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (¬1) {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: اسْتَقَرَّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: صَعَدَ، وَأَوَّلَتِ الْمُعْتَزِلَةُ (¬2) الاستواء بالاستيلاء، فأما أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة الله تَعَالَى بِلَا كَيْفٍ، يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْإِيمَانُ بِهِ وَيَكِلُ الْعِلْمَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَسَأَلَ رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَظُنُّكَ إِلَّا ضَالًّا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ: أَمَرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، وَالْعَرْشُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ السَّرِيرُ. وَقِيلَ: هُوَ مَا عَلَا فَأَظَلَّ، وَمِنْهُ عَرْشُ الْكُرُومُ. وَقِيلَ: الْعَرْشُ الْمُلْكُ. {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: 54] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ ويعقوب (يغشي) بالتشديد ها هنا وَفِي سُورَةِ الرَّعْدِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: يَأْتِي اللَّيْلُ عَلَى النَّهَارِ فَيُغَطِّيهِ، وَفِيهِ حَذْفٌ أَيْ: وَيُغْشِي النَّهَارُ اللَّيْلَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر: 5] {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: 54] أي: سريعا، وذلك ¬

(¬1) قال العجلوني في كشف الخفاء ج1 / 350 "رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى، وابن منيع والحارث بن أبي أسامة في مسانيدهم عن أنس رفعه وأخرجه البيهقي عنه أيضا وله شواهد عند الترمذي وقال: حسن غريب، بلفظ: "الأناة مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ". وأخرجه المصنف في شرح السنة 13 / 176. (¬2) المعتزلة: فرقة كلامية، ظهرت في أخريات القرن الأول الهجري، وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول، يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها "واصل بن عطاء" مجلس الحسن البصري. وهذه الفرقة شديدة التأثر بالفلسفة اليونانية، وهي تعتمد في إدراك الغيبيات على العقل، وكل ما خالف العقل عندهم يأولونه ويطوعونه حسب مفاهيمهم الكلامية، ولقد جعلوا العقل أساسا لفهم القرآن الكريم لا القرآن أساسا للعقل ففسروا آيات الصفات على حسب ما تدركه عقولهم من الفهم وحكموا العقل في كل ما يتعلق بالاعتقاد والإيمان.

أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَعْقُبُ أَحَدُهُمُ الْآخَرَ وَيَخْلُفُهُ، فَكَأَنَّهُ يَطْلُبُهُ. {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ} [الأعراف: 54] أَيْ: خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسَخَّرَاتٍ، أَيْ: مُذَلَّلَاتٍ {بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] لَهُ الْخَلْقُ لِأَنَّهُ خَلَقَهُمْ وَلَهُ الْأَمْرُ يَأْمُرُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ كَفَرَ. {تَبَارَكَ اللَّهُ} [الأعراف: 54] أَيْ: تَعَالَى اللَّهُ وَتَعَظَّمَ. وَقِيلَ: ارْتَفَعَ. وَالْمُبَارَكُ الْمُرْتَفِعُ. وَقِيلَ: تَبَارَكَ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ وَهِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. أَيْ: الْبَرَكَةُ تُكْتَسَبُ وَتُنَالُ بِذِكْرِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَجِيءُ الْبَرَكَةُ مِنْ قِبَلِهِ وَقِيلَ. تَبَارَكَ تَقَدَّسَ. وَالْقُدْسُ الطَّهَارَةُ. وَقِيلَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَيْ بِاسْمِهِ يُتَبَرَّكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ. مَعْنَى هَذِهِ الصِّفَةِ ثَبَتَ وَدَامَ بِمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَأَصِلُ الْبَرَكَةِ الثُّبُوتُ. وَيُقَالُ: تَبَارَكَ اللَّهُ، وَلَا يُقَالُ. مُتَبَارَكٌ وَلَا مُبَارَكٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ التوقيف. {رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] [55] {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا} [الأعراف: 55] تذللا واستكانة، {وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] أَيْ: سِرًّا. قَالَ الْحَسَنُ: بَيْنَ دَعْوَةِ السِّرِّ وَدَعْوَةِ الْعَلَانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا، وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ، وَإِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بينهم وبين ربهم، ذلك أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] وَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا وَرَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مَرْيَمُ: 3] {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] قِيلَ: الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: هُمُ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ منازل الأنبياء عليهم السلام وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الِاعْتِدَاءَ بِالْجَهْرِ وَالصِّيَاحُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مِنْ الِاعْتِدَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالنِّدَاءُ بِالدُّعَاءِ وَالصِّيَاحُ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (¬1) . وَقَالَ عَطِيَّةُ: هُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا لَا يَحِلُّ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِمُ اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ. [56] {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56] أَيْ: لَا تُفْسِدُوا فِيهَا بِالْمَعَاصِي وَالدُّعَاءِ إِلَى غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ بَعْدَ إِصْلَاحِ اللَّهِ إِيَّاهَا بِبَعْثِ الرُّسُلِ وَبَيَانِ الشَّرِيعَةِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ وَالْكَلْبِيِّ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْضِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ الْمَطَرَ وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ بِمَعَاصِيكُمْ. فَعَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56] أَيْ: بَعْدَ إِصْلَاحِ اللَّهِ إِيَّاهَا بِالْمَطَرِ وَالْخِصْبِ. {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56] أَيْ: خَوْفًا مِنْهُ وَمِنْ عَذَابِهِ وَطَمَعًا فِيمَا عِنْدَهُ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَثَوَابِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: خَوْفَ العدل وطمع الفضل. {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، قَالَ سَعِيدُ بن جبير: الرحمة ها هنا الثَّوَابُ فَرَجَعَ النَّعْتُ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النِّسَاءُ: 8] وَلَمْ يُقِلْ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمِيرَاثَ وَالْمَالَ. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ يَسْتَوِي فِيهِمَا فِي اللُّغَةِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: الْقَرِيبُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْقُرْبِ وَبِمَعْنَى الْمَسَافَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْكَ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْكَ إِذَا كانت بمعنى المسافة. [57] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا} [الأعراف: 57] قَرَأَ عَاصِمٌ (بُشِّرَا) بِالْبَاءِ وَضَمَّهَا وسكون الشين ها هنا وَفِي الْفُرْقَانِ وَسُورَةِ النَّمْلِ، وَيَعْنِي: أَنَّهَا تُبَشِّرُ بِالْمَطَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الرُّومُ: 46] وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ نَشَرَا بِالنُّونِ وَفَتَحَهَا، وَهِيَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ اللَّيِّنَةُ، قَالَ الله تعالى: ¬

(¬1) رواه البخاري في الجهاد 7 / 470 ومسلم في الذكر رقم (2704) 4 / 2076 والمصنف في شرح السنة 5 / 66.

قوله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه

{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} [الْمُرْسَلَاتُ: 3] وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وَالشِّينِ، جَمْعُ نُشُورٍ، مِثْلَ صَبُورٍ وَصَبْرٍ وَرَسُولٍ وَرُسُلٍ، أَيْ: مُتَفَرِّقَةٌ وَهِيَ الرِّيَاحُ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ كُلِّ ناحية. {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] أي: قدام المطر {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} [الأعراف: 57] حملت الرياح، {سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف: 57] بالمطر، {سُقْنَاهُ} [الأعراف: 57] وَرَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى السَّحَابِ، {لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} [الأعراف: 57] إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ مُحْتَاجٍ إِلَى الْمَاءِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِإِحْيَاءِ بَلَدٍ مَيِّتٍ لَا نَبَاتَ فِيهِ {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} [الأعراف: 57] أَيْ: بِالسَّحَابِ. وَقِيلَ: بِذَلِكَ الْبَلَدِ الميت، {الْمَاءَ} [الأعراف: 57] يَعْنِي: الْمَطَرَ، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} [الأعراف: 57] اسْتَدَلَّ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا مَاتَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ مِنْ مَاءٍ تَحْتَ الْعَرْشِ يُدْعَى مَاءَ الْحَيَوَانِ، فَيُنْبَتُونَ فِي قُبُورِهِمْ نَبَاتَ الزَّرْعِ حَتَّى إِذَا اسْتُكْمِلَتْ أَجْسَادُهُمْ نَفَخَ فِيهِمُ الرُّوحَ، ثُمَّ يُلْقِي عَلَيْهِمُ النُّوَّمَ فَيَنَامُونَ فِي قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يُحْشَرُونَ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَهُمْ يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ فِي رُءُوسِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] [قوله تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ] وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا. . . . [58] قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58] هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْبَلَدِ الطَّيِّبِ يُصِيبُهُ الْمَطَرُ فَيَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، {وَالَّذِي خَبُثَ} [الأعراف: 58] يُرِيدُ الْأَرْضَ السَّبْخَةَ الَّتِي، {لَا يَخْرُجُ} [الأعراف: 58] نباتها، {إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا، أَيْ: عُسْرًا قَلِيلًا بِعَنَاءٍ وَمَشَقَّةٍ. فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي إِذَا سَمِعَ الْقُرْآنَ وَعَاهُ وَعَقَلَهُ وَانْتَفَعَ بِهِ، وَالثَّانِي مِثْلُ الْكَافِرِ الَّذِي يَسْمَعُ الْقُرْآنَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، كَالْبَلَدِ الْخَبِيثِ الَّذِي لَا يُتَبَيَّنُ أَثَرُ الْمَطَرِ فيه {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} [الأعراف: 58] نبينها، {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تَنْبُتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمِثْلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الذي أرسلت به» (¬1) . [59] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: 59] وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أَخَنُوخَ وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَ إدريس فَقَالَ، لِقَوْمِهِ، {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] قرأ أبو جعفر ¬

(¬1) أخرجه البخاري في العلم 1 / 175 ومسلم في الفضائل رقم (2282) 2 / 1787 والمصنف في شرح السنة 1 / 287.

قوله تعالى أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح

وَالْكِسَائِيُّ مِنَ إِلَهٍ غَيْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ حَيْثُ كَانَ عَلَى نَعْتِ الْإِلَهِ، وَافَقَ حَمْزَةُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فَاطِرٌ: 3] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الراء على التقديم، تقديره: مالكم غَيْرُهُ مِنَ إِلَهٍ، {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: 59] إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا, {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] [60] {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ} [الأعراف: 60] خَطَأٍ وَزَوَالٍ عَنِ الْحَقِّ، {مُبِينٍ} [الأعراف: 60] بَيَّن. [61] {قَالَ} [الأعراف: 61] نُوحٌ، {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} [الأعراف: 61] وَلَمْ يَقُلْ لَيْسَتْ، لِأَنَّ مَعْنَى الضَّلَالَةِ الضَّلَالُ أَوْ عَلَى تَقْدِيمِ الْفِعْلِ، {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 61] [62] {أُبَلِّغُكُمْ} [الأعراف: 62] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: (أُبْلِغُكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ حَيْثُ كَانَ مِنَ الْإِبْلَاغِ. لِقَوْلِهِ: (لقد أبلغتكم) ، {رِسَالَاتِ رَبِّي} [الأعراف: 62] لِيَعْلَمَ أَنَّ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّبْلِيغِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الْمَائِدَةُ: 67] رِسَالَاتِ رَبِّي، {وَأَنْصَحُ لَكُمْ} [الأعراف: 62] يُقَالُ: نَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ. وَالنُّصْحُ أَنْ يُرِيدَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ، {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62] أن عقابه لَا يُرَدُّ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. [63] {أَوَعَجِبْتُمْ} [الأعراف: 63] أَلْفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى وَاوِ الْعَطْفِ، {أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 63] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. مَوْعِظَةٌ. وَقِيلَ: بَيَانٌ. وَقِيلَ. رِسَالَةٌ. {عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف: 63] عَذَابَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، {وَلِتَتَّقُوا} [الأعراف: 63] أَيْ: لِكَيْ تَتَّقُوا اللَّهَ، {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63] لكي ترحموا. [64] {فَكَذَّبُوهُ} [الأعراف: 64] يعني: كذبوا نوحا، {فَأَنْجَيْنَاهُ} [الأعراف: 64] مِنَ الطُّوفَانِ، {وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: 64] فِي السَّفِينَةِ، {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 64] أَيْ: كُفَّارًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: عَمُوا عَنِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ، يُقَالُ: رِجْلٌ عَمٍ عَنِ الْحَقِّ وَأَعْمَى فِي الْبَصَرِ. وَقِيلَ: الْعَمِيُّ وَالْأَعْمَى كَالْخَضِرِ وَالْأَخْضَرِ. قَالَ مقاتل: عموا عن نزول العذاب وَهُوَ الْغَرَقُ. [65] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَادٍ، وَهُوَ عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهِيَ عَادٌ الْأُولَى أَخَاهُمْ فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، (هُودًا) وَهُوَ هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ بْنِ الْجلودِ بْنِ عَادِ بْنِ عَوْصٍ. وَقَالَ ابن إسحاق: هود بن شَالِخِ بْنِ أَرْفَخَشْذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] أَفَلَا تَخَافُونَ نِقْمَتَهُ؟ [66] {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ} [الأعراف: 66] يا هود، {فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: 66] فِي حُمْقٍ وَجَهَالَةٍ. قَالَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما: تدعو إِلَى دِينٍ لَا نَعْرِفُهُ، {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْنَا. [67] {قَالَ} [الأعراف: 67] هُودٌ {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 67] [قوله تعالى أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ] أَمِينٌ. . . . [68] {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68] نَاصِحٌ أَدْعُوكُمْ إِلَى التَّوْبَةِ أَمِينٌ عَلَى الرِّسَالَةِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ. كُنْتُ فِيكُمْ قَبْلَ الْيَوْمِ أَمِينًا. [69] {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ} [الأعراف: 69] يَعْنِي نَفْسَهُ، {لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} [الأعراف: 69] يَعْنِي فِي الْأَرْضِ، {مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69] أَيْ: مِنْ بَعْدِ إِهْلَاكِهِمْ، {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف: 69] أي: طولا وقوة {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} [الأعراف: 69] نِعَمَ اللَّهِ، وَاحِدُهَا إِلًى وَآلَاءُ، مِثْلَ: مِعًى وَأَمْعَاءٍ، وَقَفًا وَأَقْفَاءٍ ونظيرها: (آناء الليل) ، وَاحِدُهَا أَنَا وَآنَاءٌ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69] [70] {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف: 70] مِنَ الْأَصْنَامِ، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [الأعراف: 70] مِنَ الْعَذَابِ، {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] [71] {قَالَ} [الأعراف: 71] هود {قَدْ وَقَعَ} [الأعراف: 71] وَجَبَ وَنَزَلَ، {عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ} [الأعراف: 71] أَيْ: عَذَابٌ، وَالسِّينُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الزاي، {وَغَضَبٌ} [الأعراف: 71] أَيْ: سَخَطٌ،

قوله تعالى واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد

{أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} [الأعراف: 71] وضعتموها، {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [الأعراف: 71] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَتْ لَهُمْ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا سُمَّوْهَا أَسْمَاءَ مُخْتَلِفَةً، {مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71] حجة وبرهان، {فَانْتَظِرُوا} [الأعراف: 71] نُزُولُ الْعَذَابِ، {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 71] [72] {فَأَنْجَيْنَاهُ} [الأعراف: 72] يَعْنِي هُودًا عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، {وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 72] أَيْ: اسْتَأْصَلْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72] [73] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73] وَهُوَ ثَمُودُ بْنُ عَابِرِ بْنِ إِرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وأراد ها هنا الْقَبِيلَةَ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: سُمِّيَتْ ثَمُودُ لِقِلَّةِ مَائِهَا، وَالثَّمْدُ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمُ الْحِجْرَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى وَادِي الْقُرَى، (أَخَاهُمْ صَالِحًا) أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ صَالِحًا، وَهُوَ صَالِحُ بْنُ عَبِيدِ بْنِ آسَفَ بْنِ مَاشِيحَ بْنِ عَبِيدِ بْنِ خَادِرِ بْنِ ثَمُودَ، {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 73] حُجَّةٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى صِدْقِي {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ} [الأعراف: 73] أَضَافَهَا إِلَيْهِ عَلَى التَّفْضِيلِ وَالتَّخْصِيصِ، كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ {لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: 73] نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ} [الأعراف: 73] الْعُشْبَ، {فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [الأعراف: 73] لَا تُصِيبُوهَا بِعَقْرٍ، {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] [قوله تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ] وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا. . . . [74] {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ} [الأعراف: 74] أَسْكَنَكُمْ وَأَنْزَلَكُمْ، {فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف: 74] كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي الْجِبَالِ الْبُيُوتَ فَفِي الصَّيْفِ يَسْكُنُونَ بُيُوتَ الطِّينِ، وَفِي الشِّتَاءِ بُيُوتَ الْجِبَالِ. وَقِيلَ: كَانُوا يَنْحِتُونَ الْبُيُوتَ فِي الْجَبَلِ لِأَنَّ بُيُوتَ الطِّينِ مَا كَانَتْ تَبْقَى مُدَّةَ أَعْمَارِهِمْ لِطُولِ أَعْمَارِهِمْ، {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74] وَالْعَيْثُ: أَشَدُّ الْفَسَادِ. [75] {قَالَ الْمَلَأُ} [الأعراف: 75] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: وقَالَ الْمَلَأُ بِالْوَاوِ، {الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف: 75] يَعْنِي الْأَشْرَافَ وَالْقَادَةَ الَّذِينَ تَعَظَّمُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِصَالِحٍ، {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} [الأعراف: 75] يَعْنِي الْأَتْبَاعَ، {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 75] يَعْنِي: قَالَ الْكُفَّارُ لِلْمُؤْمِنِينَ، {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} [الأعراف: 75] إِلَيْكُمْ، {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 75] [76] {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 76] جاحدون. [77] {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} [الأعراف: 77] قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْعَقْرُ هُوَ قَطْعُ عُرْقُوبِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ جَعَلَ النَّحْرَ عَقْرًا لِأَنَّ نَاحِرَ الْبَعِيرِ يَعْقِرُهُ ثُمَّ يَنْحَرُهُ. {وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} [الأعراف: 77] وَالْعُتُوُّ الْغُلُوُّ فِي الْبَاطِلِ، يُقَالُ: عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا إِذَا اسْتَكْبَرُوا، وَالْمَعْنَى: عَصَوُا اللَّهَ وَتَرَكُوا أَمْرَهُ فِي النَّاقَةِ وَكَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ. {وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [الأعراف: 77]

أَيْ: مِنَ الْعَذَابِ، {إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 77] [78] {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: 78] وَهِيَ زَلْزَلَةُ الْأَرْضِ وَحَرَكَتُهَا وَأَهْلَكُوا بِالصَّيْحَةِ وَالرَّجْفَةِ، {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ} [الأعراف: 78] قِيلَ: أَرَادَ الدِّيَارَ. وَقِيلَ: أَرَادَ فِي أَرْضِهِمْ وَبَلْدَتِهِمْ، وَلِذَلِكَ وَحَّدَ الدار، {جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78] خَامِدَيْنِ مَيِّتِينِ. قِيلَ: سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ مَوْتَى عَنْ آخِرِهِمْ. [79] {فَتَوَلَّى} [الأعراف: 79] أَعْرَضَ صَالِحٌ، {عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لكم بعدما أهلكوا بِالرَّجْفَةِ؟ قِيلَ: كَمَا خَاطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُفَّارَ مِنْ قَتْلَى بَدْرٍ حِينَ أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: «أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ» (¬1) . وَقِيلَ: خَاطَبَهُمْ لِيَكُونَ عِبْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ. وَقِيلَ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهَا: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالة ربي فأخذتهم الرجفة. [80] قوله تعالى: {وَلُوطًا} [الأعراف: 80] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا لُوطًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ لُوطًا. وَهُوَ لُوطُ بْنُ هاران بن تارخ بن أَخِي إِبْرَاهِيمَ، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف: 80] وَهُمْ أَهْلُ سَدُومٍ وَذَلِكَ أَنَّ لُوطًا شَخَصَ مِنْ أَرْضِ بَابِلٍ سَافَرَ مَعَ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلام مؤمنا مُهَاجِرًا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ فِلَسْطِينَ وَأَنْزَلَ لُوطًا الْأُرْدُنَ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَهْلِ سَدُومٍ فَقَالَ لَهُمْ: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: 80] يَعْنِي: إِتْيَانَ الذُّكْرَانِ، {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80] قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَا نزا ذَكَرٌ عَلَى ذَكَرٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَانَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. [81] {إِنَّكُمْ} [الأعراف: 81] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَفْصٌ إِنَّكُمْ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. {لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} [الأعراف: 81] فِي أَدْبَارِهِمْ، {شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف: 81] فَسَّرَ تِلْكَ الْفَاحِشَةَ يَعْنِي أَدْبَارَ الرِّجَالِ أَشْهَى عِنْدَكُمْ مِنْ فُرُوجِ النِّسَاءِ، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف: 81] مُجَاوَزُونَ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ لَهُمْ ثِمَارٌ وَقُرَى لَمْ يَكُنْ فِي الأرض مثلها فقصدهم الناس لينالوا من ثمارهم فآذوهم. [82] {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الأعراف: 82] قال بعضهم لبعض، {أَخْرِجُوهُمْ} [الأعراف: 82] يَعْنِي: لُوطًا وَأَهْلَ دِينِهِ، {مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82] ¬

(¬1) قطعة من حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل 7 / 300، 301.

قوله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا. . . .

يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ. [83] {فَأَنْجَيْنَاهُ} [الأعراف: 83] يعني: لوطا، {وَأَهْلَهُ} [الأعراف: 83] الْمُؤْمِنِينَ, وَقِيلَ: أَهْلُهُ ابْنَتَاهُ، {إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف: 83] يَعْنِي الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَانَتْ مِنَ الْبَاقِينَ الْمُعَمِّرِينَ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا دَهْرٌ طَوِيلٌ فَهَلَكَتْ مَعَ مَنْ هَلَكَ مَنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: {مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف: 83] لِأَنَّهُ أَرَادَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّجَالِ فَلَمَّا ضُمَّ ذِكْرُهَا إِلَى ذِكْرِ الرِّجَالِ قَالَ مِنَ الْغَابِرِينَ. [84] {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} [الأعراف: 84] يَعْنِي حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ قَالَ وَهْبٌ: الْكِبْرِيتُ وَالنَّارُ، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 84] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ فِي الْعَذَابِ أُمْطِرُ وَفِي الرَّحْمَةِ مَطَرٌ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. . . .] [85] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85] وَأَرْسَلْنَا إِلَى وَلَدِ مَدْيَنَ وَهُوَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ. قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ تَوْبَةَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ يزجر بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأُمُّ مِيكَائِيلَ بِنْتُ لُوطٍ. وَقِيلَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ يَثْرَوُنَ بْنِ مَدْيَنَ، وَكَانَ شُعَيْبٌ أَعْمَى وَكَانَ يُقَالُ لَهُ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ لِحُسْنِ مُرَاجَعَتِهِ قَوْمَهُ، وَكَانَ قَوْمُهُ أَهْلَ كُفْرٍ وَبَخْسٍ لِلْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 85] فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 85] ولم تكن لهم آية مذكورة؟ قيل. قد كانت لهم هذه الآية إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ، وَلَيْسَتْ كُلُّ الْآيَاتِ مَذْكُورَةً فِي الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْبَيِّنَةِ مَجِيءَ شُعَيْبٍ، {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ} [الأعراف: 85] أَتِمُّوا الْكَيْلَ، {وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85] لَا تَظْلِمُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ وَلَا تَنْقُصُوهُمْ إِيَّاهَا، {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 85] أَيْ: بِبَعْثِ الرُّسُلِ وَالْأَمْرِ بِالْعَدْلِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ إِلَى قَوْمٍ فهو صلاحهم، {ذَلِكُمْ} [الأعراف: 85] الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ وَأَمَرْتُكُمْ بِهِ، {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] مُصَدِّقِينَ بِمَا أَقُولُ. [86] {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ} [الأعراف: 86] أَيْ: عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ، {تُوعِدُونَ} [الأعراف: 86] تُهَدِّدُونَ {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأعراف: 86] دِينِ اللَّهِ، {مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 86] زَيْغًا، وَقِيلَ: تَطْلُبُونَ الِاعْوِجَاجَ فِي الدِّينِ وَالْعُدُولَ عَنِ الْقَصْدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَقُولُونَ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِيمَانَ بِشُعَيْبٍ: إن شعيب كَذَّابٌ فَلَا يَفْتِنَنَّكَ عَنْ دِينِكَ وَيَتَوَعَّدُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَتْلِ وَيُخَوِّفُونَهُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا عَشَّارِينَ. {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] فَكَثُرَ عَدَدُهُمْ، {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 86] أَيْ: آخِرُ أَمْرِ قَوْمِ لُوطٍ. [87] {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا} [الأعراف: 87]

قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه

أَيْ: إِنِ اخْتَلَفْتُمْ فِي رِسَالَتِي فَصِرْتُمْ فِرْقَتَيْنِ مُكَذِّبِينَ وَمُصَدِّقِينَ، {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} [الأعراف: 87] بِتَعْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ وَإِنْجَاءِ الْمُصَدِّقِينَ، {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] [قوله تعالى قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ] لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا. . . . [88] {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف: 88] يَعْنِي الرُّؤَسَاءَ الَّذِينَ تَعَظَّمُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] لِتَرْجِعَنَّ إِلَى دِينِنَا الَّذِي نَحْنُ عليه {قَالَ} [الأعراف: 88] شعيب {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 88] يَعْنِي: لَوْ كُنَّا أَيْ: وَإِنْ كنا كارهبن لِذَلِكَ فَتُجْبِرُونَنَا عَلَيْهِ؟ [89] {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} [الأعراف: 89] بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَنَا اللَّهُ مِنْهَا، {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف: 89] يَقُولُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ لَنَا فِي عِلْمِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ أَنَا نَعُودُ فِيهَا فَحِينَئِذٍ يَمْضِي قَضَاءُ اللَّهِ فِينَا وَيُنَفِّذُ حُكْمَهُ عَلَيْنَا. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا - وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} [الأعراف: 88 - 89] وَلَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ قَطُّ عَلَى مِلَّتِهِمْ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُمْ تَرْجِعُ إِلَى مِلَّتِنَا؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَوْ لَتَدْخُلَنَّ فِي مِلَّتِنَا، فَقَالَ: وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَدْخُلَ فِيهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ صِرْنَا فِي مِلَّتِكُمْ، وَمَعْنَى (عَادَ) صَارَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَوْمَ شُعَيْبٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا فَآمَنُوا فَأَجَابَ شُعَيْبٌ عنهم، قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89] أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] فِيمَا تُوعِدُونَنَا بِهِ. ثُمَّ عَادَ شعيب بعد ما أَيِسَ مِنْ فَلَاحِهِمْ فَقَالَ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} [الأعراف: 89] أي: اقض بيننا، {بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89] وَالْفَتَّاحُ: الْقَاضِي، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] أَيِ: الْحَاكِمِينَ. [90] {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 90] وَتَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، {إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [الأعراف: 90] مغبونون وقال عطاء: جاهلون، قَالَ الضَّحَّاكُ: عَجَزَةٌ. [91] {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: 91] قَالَ الْكَلْبِيُّ: الزَّلْزَلَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ جَهَنَّمَ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حَرًّا شَدِيدًا فَأَخَذَ بِأَنْفَاسِهِمْ وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ظِلٌّ وَلَا مَاءٌ فَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْأَسْرَابَ لِيَتَبَرَّدُوا فِيهَا فَإِذَا دَخَلُوهَا وَجَدُوهَا أَشَدَّ حَرًّا مِنَ الظَّاهِرِ، فَخَرَجُوا هَرَبًا إِلَى الْبَرِيَّةِ فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فِيهَا رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَأَظَلَّتْهُمْ، وَهِيَ الظُّلَّةُ، فَوَجَدُوا لَهَا بَرَدًا وَنَسِيمًا فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اجْتَمَعُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ أَلْهَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ فَاحْتَرَقُوا كَمَا يحترق الجراد المقلى، وصاورا رمادا {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 91] [92] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: 92] أي: لم يقيموا ولما يَنْزِلُوا فِيهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: غَنِيتُ بِالْمَكَانِ إِذَا قُمْتُ بِهِ، وَالْمَغَانِي

قوله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا

الْمَنَازِلُ وَاحِدُهَا مَغْنَى، وَقِيلَ: كَأَنَّ لَمْ يَتَنَعَّمُوا فِيهَا. {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 92] لَا الْمُؤْمِنِينَ كَمَا زَعَمُوا. [93] {فَتَوَلَّى} [الأعراف: 93] أعرض {عَنْهُمْ} [الأعراف: 93] شُعَيْبٌ شَاخِصًا مِنْ بَيْنِ أَظْهَرِهِمْ حِينَ أَتَاهُمُ الْعَذَابُ {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى} [الأعراف: 93] أحزن, {عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: 93] وَالْأَسَى: الْحُزْنُ: وَالْأَسَى: الصَّبْرُ. [94] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ} [الأعراف: 94] فِيهِ إِضْمَارٌ، يَعْنِي: فَكَذَّبُوهُ، {إِلَّا أَخَذْنَا} [الأعراف: 94] عاقبنا {أَهْلَهَا} [الأعراف: 94] حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، {بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [الأعراف: 94] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْبَأْسَاءُ: الْفَقْرُ وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ الْبَأْسَاءُ فِي الْمَالِ وَالضَّرَّاءُ فِي النَّفْسِ. وَقِيلَ: الْبَأْسَاءُ الْبُؤْسُ وَضِيقُ الْعَيْشِ، وَالضَّرَّاءُ وَالضُّرُّ سُوءُ الْحَالِ. وَقِيلَ: الْبَأْسَاءُ فِي الْحَرْبِ وَالضَّرَّاءُ الْجَدْبُ، {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: 94] لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا فَيَتُوبُوا. [95] {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: 95] يَعْنِي: مَكَانَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ الْحَسَنَةَ، يَعْنِي النِّعْمَةَ وَالسَّعَةَ وَالْخِصْبَ وَالصِّحَّةَ، {حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: 95] أَيْ: كَثُرُوا وَازْدَادُوا، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، يُقَالُ: عَفَا الشَّعْرُ إِذَا كَثُرَ. قال مجاهد: وكثرت أموالهم وأولادهم، {وَقَالُوا} [الأعراف: 95] مَنْ غِرَّتِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ بَعْدَ مَا صَارُوا إِلَى الرَّخَاءِ، {قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} [الأعراف: 95] أَيْ: هَكَذَا كَانَتْ عَادَةُ الدَّهْرِ قَدِيمًا لَنَا وَلِآبَائِنَا وَلَمْ يَكُنْ مَا مَسَّنَا مِنَ الضَّرَّاءِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ، فَكُونُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا دِينَهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الضَّرَّاءِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأعراف: 95] فَجْأَةً آمَنَ مَا كَانُوا {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95] بنزول العذاب. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا] عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. . . . [96] {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] يَعْنِي: الْمَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَالنَّبَاتَ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ: الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ: تَابَعْنَا عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ وَالنَّبَاتَ وَرَفَعْنَا عَنْهُمُ الْقَحْطَ وَالْجَدْبَ، {وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] مِنَ الْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ. [97] {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} [الأعراف: 97] الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا، يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، {أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} [الأعراف: 97] عذابنا {بَيَاتًا} [الأعراف: 97] ليلا، {وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97] [98] {أَوَأَمِنَ} [الأعراف: 98] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ: (أَوْ أَمِنَ) بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} [الْأَعْرَافِ: 98] أَيْ: نَهَارًا: وَالضُّحَى: صَدْرُ النَّهَارِ، وَوَقْتُ انْبِسَاطِ الشمس، {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف: 98] سَاهُونَ لَاهُونَ. [99] {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]

قوله تعالى وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب

وَمَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْرَاجُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: يَعْنِي أَخْذَهُ وَعَذَابَهُ. [100] {أَوَلَمْ يَهْدِ} [الأعراف: 100] قَرَأَ قَتَادَةُ وَيَعْقُوبُ: نَهْدِ بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى التَّفْرِيدِ، يَعْنِي أَوَلَمْ نُبَيِّنُ، {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ} [الأعراف: 100] هلاك {أَهْلِهَا} [الأعراف: 100] الَّذِينَ كَانُوا فِيهَا قَبْلَهُمْ {أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ} [الأعراف: 100] أي: أخذناهم وعاقبناهم، {بِذُنُوبِهِمْ} [الأعراف: 100] كَمَا عَاقَبْنَا مَنْ قَبْلَهُمْ، {وَنَطْبَعُ} [الأعراف: 100] نَخْتِمُ، {عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] الْإِيمَانَ وَلَا يَقْبَلُونَ الْمَوْعِظَةَ، قَالَ الزجاج: قوله (نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ {أَصَبْنَاهُمْ} [الأعراف: 100] ماض، و {نَطْبَعُ} [يونس: 74] مستقبل. [101] {تِلْكَ الْقُرَى} [الأعراف: 101] أَيْ: هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ أَمْرَهَا وَأَمْرَ أَهْلِهَا يَعْنِي قُرَى قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَشُعَيْبٍ. {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا} [الأعراف: 101] أَخْبَارِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الِاعْتِبَارِ، {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [الأعراف: 101] بِالْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَالْعَجَائِبِ، {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: 101] أَيْ: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْعَجَائِبِ بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلِ رُؤْيَتِهِمْ تِلْكَ الْعَجَائِبَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} [الْمَائِدَةُ: 102] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ. يَعْنِي فَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يَوْمَ أُخِذَ مِيثَاقُهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَأَقَرُّوا بِاللِّسَانِ وَأَضْمَرُوا التَّكْذِيبَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَمَا كَانُوا لَوْ أَحْيَيْنَاهُمْ بَعْدَ إِهْلَاكِهِمْ لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلِ هلاكهم، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الْأَنْعَامُ: 28] قَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: هَذَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْعَذَابِ فَكَذَّبُوهُ، يَقُولُ: مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبَ بِهِ أَوَائِلُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، بَلْ كَذَّبُوا بِمَا كَذَّبَ أَوَائِلُهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذَّارِيَاتُ: 52] {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] أَيْ: كَمَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الَّتِي أَهْلَكَهَا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا مَنْ قَوْمِكَ. [102] {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} [الْأَعْرَافُ: 102] أَيْ: وَفَاءً بِالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] أَيْ: مَا وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ إِلَّا فاسقين ناقضين للعهد. [103] قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 103] أَيْ: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَهُودٍ وصالح وشعيب، {مُوسَى بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 103] بِأَدِلَّتِنَا، {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا} [الأعراف: 103] فَجَحَدُوا بِهَا، وَالظُّلْمُ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَظُلْمُهُمْ وَضَعَ الْكُفْرَ مَوْضِعَ الْإِيمَانِ، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] وكيف فعلنا بهم. [قوله تعالى وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ] الْعَالَمِينَ. . . . [104] {وَقَالَ مُوسَى} [الأعراف: 104] لَمَّا دَخَلَ عَلَى فِرْعَوْنَ {يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 104] إِلَيْكَ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: كَذَبْتَ، فَقَالَ مُوسَى: [105] {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف: 105] أي: أنا خليق بألا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فَتَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا يُقَالُ: رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ وَرَمَيْتُ عَلَى الْقَوْسِ، وَجِئْتُ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ وَبِحَالٍ حَسَنَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أبي والأعمش (حقيق بِأَنْ لَا أَقُولُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: معناه حريص على ألا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَقَرَأَ نَافِعٌ (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أي حق واجب علي ألا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ. {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 105] يَعْنِي الْعَصَا، {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 105] أَيْ: أَطْلِقْ عَنْهُمْ وَخَلِّهِمْ يَرْجِعُونَ. إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدِ

اسْتَخْدَمَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ مِنْ ضَرْبِ اللَّبِنِ وَنَقْلِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لِمُوسَى. [106] {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 106] [107] {فَأَلْقَى} [الأعراف: 107] موسى {عَصَاهُ} [الأعراف: 107] مِنْ يَدِهِ {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 107] وَالثُّعْبَانُ: الذَّكَرُ الْعَظِيمُ مِنَ الْحَيَّاتِ، فَإِنْ قِيلَ. أَلَيْسَ قَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النَّمْلُ: 10] وَالْجَانُّ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ؟ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ كَالْجَانِّ فِي الْحَرَكَةِ وَالْخِفَّةِ، وَهِيَ فِي جُثَّتِهَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهُ لَمَّا أَلْقَى الْعَصَا صَارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً صَفْرَاءَ شَعْرَاءَ فَاغِرَةً فَاهَا مَا بَيْنَ لِحْيَيْهَا ثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَارْتَفَعَتْ مِنَ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مِيلٍ، وَقَامَتْ لَهُ عَلَى ذَنَبِهَا وَاضِعَةً لِحْيَهَا الْأَسْفَلَ فِي الْأَرْضِ وَالْأَعْلَى عَلَى سُورِ الْقَصْرِ، وَتَوَجَّهَتْ نحو فرعون لتأخذه، وَحَمَلَتْ عَلَى النَّاسِ فَانْهَزَمُوا وَصَاحُوا وَدَخَلَ فِرْعَوْنُ الْبَيْتَ وَصَاحَ يَا مُوسَى أُنْشَدُكَ بِالَّذِي أَرْسَلَكَ خُذْهَا وَأَنَا أُؤْمِنُ بِكَ وَأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذَهَا مُوسَى فَعَادَتْ عَصَا كَمَا كَانَتْ ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ: هَلْ مَعَكَ آيَةٌ أُخْرَى؟ قَالَ: نَعَمْ. [108] {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الأعراف: 108] فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ ثُمَّ نَزَعَهَا، وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ تَحْتِ إِبِطَهَ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لَهَا شُعَاعٌ غَلَبَ نُورَ الشَّمْسِ، وَكَانَ مُوسَى آدَمَ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا جَيْبَهُ فَصَارَتْ كَمَا كَانَتْ. [109] {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 109] يَعْنُونَ أَنَّهُ لَيَأْخُذُ بِأَعْيُنِ النَّاسِ حَتَّى يُخَيِّلَ إِلَيْهِمُ الْعَصَا حَيَّةً وَالْآدَمَ أَبْيَضَ، وَيُرِيَ الشَّيْءَ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ. [110] {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ} [الأعراف: 110] يَا مَعْشَرَ الْقِبْطِ، {مِنْ أَرْضِكُمْ} [الأعراف: 110] مصر، {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110] أَيْ: تُشِيرُونَ إِلَيْهِ، هَذَا يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمَلَأِ لِفِرْعَوْنَ وخاصته. [111] {قَالُوا} [الأعراف: 111] يعني الملأ، {أَرْجِهْ} [الأعراف: 111] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَابْنُ عَامِرٍ بِالْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْهَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِلَا هَمْزٍ، ثُمَّ نافع رواية وَرْشٍ وَالْكِسَائِيُّ يُشْبِعَانِ الْهَاءَ كَسْرًا، وَيُسَكِّنُهَا عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَيَخْتَلِسُهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونَ، قَالَ عَطَاءٌ: مَعْنَاهُ أخره. وقيل: احبسه، {وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111] مَعْنَاهُ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ أَمْرِهِ وَتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالْقَتْلِ، {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الأعراف: 111] يعني الشرط في المدائن، وَهِيَ مَدَائِنُ الصَّعِيدِ مِنْ نَوَاحِي مصر، قالوا: أرسل إلى هذه الْمَدَائِنِ رِجَالًا يَحْشُرُونَ إِلَيْكَ مَنْ فِيهَا مِنَ السَّحَرَةِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ السَّحَرَةِ بِأَقْصَى مَدَائِنِ الصَّعِيدِ، فَإِنْ غَلَبَهُمْ مُوسَى صَدَقْنَاهُ وَإِنْ غَلَبُوا عَلِمْنَا أَنَّهُ سَاحِرٌ. [112] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [الأعراف: 112]

قوله تعالى وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب

قرأ حمزة، والكسائي (سحار) ها هنا وَفِي سُورَةِ يُونُسَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الشُّعَرَاءِ أَنَّهُ سَحَّارٍ، قِيلَ: السَّاحِرُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّحْرَ وَلَا يُعَلِّمُ، وَالسَّحَّارُ الَّذِي يُعَلِّمُ. وَقِيلَ: السَّاحِرُ مَنْ يَكُونُ سِحْرُهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَالسَّحَّارُ مَنْ يُدِيمُ السِّحْرَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَالسُّدِّيُّ: قَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا رَأَى مِنْ سُلْطَانِ اللَّهِ فِي الْعَصَا مَا رَأَى: إِنَّا لَا نُغَالِبُ إِلَّا بِمَنْ هُوَ مِنْهُ، فَاتَّخَذَ غِلْمَانًا مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْفَرْحَاءُ يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ، فَعَلَّمُوهُمْ سِحْرًا كَثِيرًا وَوَاعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسَى مَوْعِدًا فَبَعَثَ إِلَى السَّحَرَةِ فَجَاءُوا وَمُعَلِّمُهُمْ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: قَدْ عَلَّمْتُهُمْ سِحْرًا لَا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مِنَ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ بَعَثَ فِرْعَوْنُ فِي مَمْلَكَتِهِ فَلَمْ يَتْرُكْ فِي سُلْطَانِهِ سَاحِرًا إِلَّا أَتَى بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهِمْ فَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، اثْنَانِ مِنَ الْقِبْطِ وَهُمَا رَأْسَا الْقَوْمِ وَسَبْعُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَهُمْ رَجُلَيْنِ مَجُوسِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، وَكَانُوا سَبْعِينَ غَيْرَ رَئِيسِهِمْ. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ رَئِيسُ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كان رَئِيسُ السَّحَرَةِ يُوحَنَّا. [113] {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} [الأعراف: 113] واجتمعوا، {قَالُوا} [الأعراف: 113] لفرعون {إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا} [الأعراف: 113] أَيْ: جُعْلًا وَمَالًا {إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الأعراف: 113] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَحَفْصٌ {إِنَّ لَنَا} [الأعراف: 113] عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الشُّعَرَاءِ أَنَّهُ مستفهم. [114] {قَالَ} [الأعراف: 114] فِرْعَوْنُ {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 114] فِي الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدِي مَعَ الْأَجْرِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ وَآخِرَ مَنْ يَخْرُجُ. [115] {قَالُوا} [الأعراف: 115] يَعْنِي السَّحَرَةَ {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ} [الأعراف: 115] عَصَاكَ {وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} [الأعراف: 115] لعصينا وحبالنا. [116] {قَالَ} [الأعراف: 116] موسى بل {أَلْقُوا} [الأعراف: 116] أَنْتُمْ، {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 116] أَيْ: صَرَفُوا أَعْيُنَهُمْ. عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ مَا فَعَلُوهُ مِنَ التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَهَذَا هُوَ السِّحْرُ، {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف: 116] أَيْ: أَرْهَبُوهُمْ وَأَفْزَعُوهُمْ، {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَلْقَوْا حِبَالًا غِلَاظًا وَخَشَبًا طِوَالًا فَإِذَا هِيَ حَيَّاتٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ قَدْ مَلَأَتِ الْوَادِي يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مِيلَا فِي مِيلٍ صَارَتْ حَيَّاتٍ وَأَفَاعِيَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. [117] {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [الأعراف: 117] فَأَلْقَاهَا فَصَارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً. حَتَّى سَدَّتِ الْأُفُقَ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كان اجتماعهم بالإسكندرية {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} [الأعراف: 117] قَرَأَ حَفْصٌ (تَلْقَفُ) سَاكِنَةَ اللَّامِ خَفِيفَةً حَيْثُ كَانَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، أَيْ: تبتلع، {مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117] يَكْذِبُونَ مِنَ التَّخَايِيلِ وَقِيلَ: يُزَوِّرُونَ عَلَى النَّاسِ. فَكَانَتْ تَلْتَقِمُ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى ابْتَلَعَتِ الْكُلَّ وَقَصَدَتِ الْقَوْمَ الَّذِينَ حَضَرُوا فَوَقَعَ الزِّحَامُ عَلَيْهِمْ فَهَلَكَ مِنْهُمْ فِي الزِّحَامِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَصَارَتْ عَصًا كما كانت. [118] {فَوَقَعَ الْحَقُّ} [الأعراف: 118] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: ظَهَرَ الْحَقُّ، {وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 118] مِنَ السِّحْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّحَرَةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ مَا يَصْنَعُ مُوسَى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبَالُنَا وَعِصِيُّنَا، فَلَمَّا فُقِدَتْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. [119] {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ} [الأعراف: 119] ذليلين مقهورين. [قوله تعالى وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ] الْعَالَمِينَ. . . . . [120] {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الأعراف: 120] لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُقَاتِلٌ: أَلْقَاهُمُ اللَّهُ. وَقِيلَ: أَلْهَمَهُمُ اللَّهُ أَنْ يسجدوا فسجدوا. قال الْأَخْفَشُ: مِنْ سُرْعَةِ مَا سَجَدُوا

كَأَنَّهُمْ أُلْقُوا. [121, 122] {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 121] فَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِيَّايَ تَعْنُونَ فَقَالُوا: {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 122] قَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَ مُوسَى لِكَبِيرِ السَّحَرَةِ: تُؤْمِنُ بِي إِنْ غَلَبْتُكَ؟ فَقَالَ: لَآتِيَنَّ بِسِحْرٍ لَا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، وَلَئِنْ غَلَبْتَنِي لِأُومِنَنَّ بِكَ، وفرعون ينظر. [123] {قَالَ} [الأعراف: 123] لهم {فِرْعَوْنُ} [الأعراف: 123] حين آمنوا {آمَنْتُمْ بِهِ} [الأعراف: 123] قرأ حفص {آمَنْتُمْ} [الأعراف: 123] عَلَى الْخَبَرِ هَاهُنَا وَفِي طَهَ وَالشُّعَرَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ أَآمَنْتُمْ بِهِ، {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [الأعراف: 123] أَصَدَّقْتُمْ مُوسَى مِنْ غَيْرِ أَمْرِي إِيَّاكُمْ، {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ} [الأعراف: 123] أَيْ: صَنِيعٌ صَنَعْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَمُوسَى: {فِي الْمَدِينَةِ} [الأعراف: 123] فِي مِصْرَ قَبْلَ خُرُوجِكُمْ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لِتَسْتَوْلُوا عَلَى مِصْرَ، {لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 123] مَا أَفْعَلُ بِكُمْ. [124] {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ} [الأعراف: 124] وَهُوَ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ كُلِّ شِقٍّ طَرَفًا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمُ الْيُمْنَى وَأَرْجُلَكُمُ الْيُسْرَى، {ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 124] عَلَى شَاطِئِ نَهْرِ مِصْرَ. [125] {قَالُوا} [الأعراف: 125] يَعْنِي السَّحَرَةَ لِفِرْعَوْنَ، {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} [الأعراف: 125] رَاجِعُونَ فِي الْآخِرَةِ. [126] {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا} [الأعراف: 126] أَيْ: مَا تَكْرَهُ مِنَّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: وَمَا تَطْعَنُ عَلَيْنَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا لَنَا عِنْدَكَ مِنْ ذَنْبٍ تُعَذِّبُنَا عَلَيْهِ، {إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا} [الأعراف: 126] ثُمَّ فَزِعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجل فقالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ} [الأعراف: 126] اصْبُبْ {عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126] ذَكَرَ الْكَلْبِيُّ: أَنَّ فِرْعَوْنَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [الْقَصَصُ: 35] [127] {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ} [الأعراف: 127] لَهُ {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 127] وَأَرَادُوا بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ دُعَاءَهُمُ النَّاسَ إِلَى مُخَالَفَةِ فِرْعَوْنَ فِي عبادته، {وَيَذَرَكَ} [الأعراف: 127] أي: وليذرك، {وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] فُلَا يَعْبُدُكَ وَلَا يَعْبُدُهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ بَقَرَةٌ يَعْبُدُهَا، وَكَانَ إِذَا رَأَى بَقَرَةً حَسْنَاءَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهَا، فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ السَّامِرِيُّ لَهُمْ عِجْلًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ قَدْ عَلَّقَ عَلَى عُنُقِهِ صَلِيبًا يَعْبُدُهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اتَّخَذَ لِقَوْمِهِ أَصْنَامًا وَأَمَرَهَمْ بِعِبَادَتِهَا، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: هَذِهِ آلِهَتُكُمْ وَأَنَا رَبُّهَا وَرَبُّكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النَّازِعَاتُ: 24] وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عباس والشعبي والضحاك: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] بِكَسْرِ الْأَلِفِ، أَيْ: عِبَادَتَكَ فَلَا يَعْبُدُكَ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْآلِهَةِ الشمس. وكانوا يعبدونها. {قَالَ} [الأعراف: 127] فرعون {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ} [الأعراف: 127] قرأ أهل لحجاز: (سَنَقْتُلُ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْقَتْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْتِيلِ عَلَى التكثير، {وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [الأعراف: 127] نَتْرُكُهُنَّ أَحْيَاءً، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]

قوله تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه

غَالِبُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِرْعَوْنُ يُقَتِّلُ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ في العام الذي قيل له أَنَّهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ بِمُلْكِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْتُلُهُمْ حَتَّى أَتَاهُمْ مُوسَى بِالرِّسَالَةِ، وَكَانَ، مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: أَعِيدُوا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَأَعَادُوا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَشَكَتْ ذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ. [128] {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ} [الأعراف: 128] يعني أرض مصر، {يُورِثُهَا} [الأعراف: 128] يُعْطِيهَا {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ. وَقِيلَ: السَّعَادَةُ وَالشَّهَادَةُ. وقيل: الجنة. [129] {قَالُوا أُوذِينَا} [الأعراف: 129] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسَى سِتِّمِائَةُ أَلْفٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا - يَعْنِي قَوْمَ مُوسَى - إِنَّا أُوذِينَا، {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا} [الأعراف: 129] بِالرِّسَالَةِ بِقَتْلِ الْأَبْنَاءِ، {وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129] بِإِعَادَةِ الْقَتْلِ عَلَيْنَا. وَقِيلَ: فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَسْتَسْخِرُهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسَى إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى اسْتَسْخَرَهُمْ جَمِيعَ النَّهَارِ بِلَا أَجْرٍ. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَ لَهُ اللَّبِنَ بِتِبْنِ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى أَجْبَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوهُ بِتِبْنٍ من عندهم. {قَالَ} [الأعراف: 129] مُوسَى {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} [الأعراف: 129] فرعون، {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 129] أَيْ: يُسْكِنَكُمْ أَرْضَ مِصْرَ مِنْ بعدهم، {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] فَحَقَّقَ اللَّهُ ذَلِكَ بِإِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ وَاسْتِخْلَافِهِمْ فِي دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَعَبَدُوا الْعِجْلَ. [130] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: 130] أي: بالجدب وَالْقَحْطِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، أَيْ: جَدْبُ السَّنَةِ وَشِدَّةُ السَّنَةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالسِّنِينَ الْقَحْطَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130] وَالْغَلَّاتِ بِالْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا السِّنِينَ فَلِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَأَمَّا نَقْصِ الثَّمَرَاتِ فَلِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] أَيْ: يَتَّعِظُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّدَّةَ تُرَقِّقُ الْقُلُوبَ وَتُرَغِّبُهَا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ] وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ. . . . [131] {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} [الأعراف: 131] يَعْنِي الْخِصْبَ وَالسَّعَةَ وَالْعَافِيَةِ، {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} [الأعراف: 131] أَيْ: نَحْنُ أَهْلُهَا وَمُسْتَحِقُّوهَا عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي جَرَتْ لَنَا فِي سَعَةِ أَرْزَاقِنَا وَلَمْ يَرَوْهَا تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَشْكُرُوا عليها، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [الأعراف: 131] جَدْبٌ وَبَلَاءٌ وَرَأَوْا مَا يَكْرَهُونَ، {يَطَّيَّرُوا} [الأعراف: 131] يتشاءموا، {بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [الأعراف: 131] وَقَالُوا: مَا أَصَابَنَا بَلَاءٌ حَتَّى رَأَيْنَاهُمْ، فَهَذَا مِنْ شُؤْمِ مُوسَى وقومه. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131] أَيْ: انْصِبَاؤُهُمْ مِنَ الْخِصْبِ وَالْجَدْبِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. طَائِرُهُمْ مَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَقَدَّرَ لَهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: شُؤْمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَمِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَيْ: إِنَّمَا جَاءَهُمُ الشُّؤْمُ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشُّؤْمُ

الْعَظِيمُ الَّذِي لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ اللَّهِ. [132] {وَقَالُوا} [الأعراف: 132] يعني: القبط لموسى، {مَهْمَا} [الأعراف: 132] مَتَى (مَا) كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، {تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} [الأعراف: 132] من علامة، {لِتَسْحَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 132] لِتَنْقِلَنَا عَمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] بمصدقين. [133] {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [الأعراف: 133] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: دَخَلَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ لَمَّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ، وَرَجَعَ فِرْعَوْنُ مَغْلُوبًا أَبَى هُوَ وَقَوْمُهُ إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّمَادِي فِي الشَّرِّ فَتَابَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ وأخذهم بالسنين ونقص مع الثَّمَرَاتِ، فَلَمَّا عَالَجَ مِنْهُمْ بِالْآيَاتِ الْأَرْبَعِ: الْعَصَا وَالْيَدِ وَالسِّنِينَ وَنَقْصِ الثِّمَارِ، فَأَبَوْا أَنْ يُؤْمِنُوا فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ عَبْدَكَ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وبغى وعتا وإن قومه نَقَضُوا عَهْدَكَ، رَبِّ فَخُذْهُمْ بِعُقُوبَةٍ تَجْعَلُهَا لَهُمْ نِقْمَةً وَلِقَوْمِي عِظَةً وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ آيَةً وَعِبْرَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ -وَهُوَ الْمَاءُ- أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ وَبُيُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبُيُوتُ الْقِبْطِ مُشْتَبِكَةٌ مُخْتَلِطَةٌ, فَامْتَلَأَتْ بُيُوتُ الْقِبْطِ حَتَّى قاموا في الماء إلى تراقيهما وَمَنْ جَلَسَ مِنْهُمْ غَرِقَ وَلَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمَاءِ قَطْرَةٌ، وَرَكَدَ الْمَاءُ عَلَى أَرْضِهِمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَحْرُثُوا وَلَا يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَدَامَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ. وَقَالَ وَهْبٌ. الطُّوفَانُ الطَّاعُونُ بِلُغَةِ الْيَمَنِ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: الطُّوفَانُ الْجُدَرِيُّ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عُذِّبُوا بِهِ فَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الطُّوفَانُ الْمَاءُ طغى فوق حروثهم، فَقَالَ لِمُوسَى: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا الْمَطَرَ فَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَعَا رَبَّهُ فَرَفَعَ عَنْهُمُ الطُّوفَانَ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ شَيْئًا لَمْ يُنْبِتْهُ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَأِ وَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَأَخْصَبَتْ بِلَادُهُمْ، فَقَالُوا: مَا كَانَ هَذَا الْمَاءُ إِلَّا نِعْمَةً عَلَيْنَا وَخِصْبًا، فَلَمْ يُؤْمِنُوا وَأَقَامُوا شَهْرًا فِي عَافِيَةٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ فَأَكَلَ عَامَّةَ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ حَتَّى كَانَتْ تَأْكُلُ الْأَبْوَابَ وَسُقُوفَ الْبُيُوتِ وَالْخَشَبِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَمَسَامِيرِ الْأَبْوَابِ مِنَ الْحَدِيدِ حَتَّى تَقَعَ دُورُهُمْ، وَابْتُلِيَ الْجَرَادُ بِالْجُوعِ، فَكَّانِ لَا يَشْبَعُ وَلَمْ يُصِبْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَعَجُّوا وَضَجُّوا، وَقَالُوا: يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَأَعْطَوْهُ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، فَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَشَفَ اللَّهُ عنهم الجراد بَعْدَمَا أَقَامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ من السبت إلى السبت وَكَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَغَلَّاتِهِمْ بَقِيَّةٌ، فَقَالُوا: قَدْ بَقِيَ لَنَا مَا هُوَ كَافِينَا فَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي دِينِنَا، فَلَمْ يَفُوا بِمَا عَاهَدُوا وَعَادُوا لِأَعْمَالِهِمِ السُّوءِ فَأَقَامُوا شَهْرًا فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ. وَاخْتَلَفُوا فيه فقيل: الْقُمَّلُ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: الْقُمَّلُ الدَّبَى وَالْجَرَادُ الطَّيَّارَةُ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ، وَالدَّبَى الصِّغَارُ التي لا أجنحة لهها وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ الْحَمْنَانُ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْقُرَادِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هُوَ الْقُمَّلُ. وَبِهِ قَرَأَ أَبُو الْحَسَنِ (الْقَمْلُ) بِفَتْحِ القاف وسكون الميم فَتَتَبَّعَ مَا بَقِيَ مِنْ حُرُوثِهِمْ وأشجارهم ونباتهم فأكله فَصَرَخُوا وَصَاحُوا إِلَى مُوسَى أَنَّا نَتُوبُ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنَّا الْبَلَاءَ، فَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اللَّهَ فَرَفَعَ اللَّهُ الْقَمْلَ عَنْهُمْ بَعْدَمَا أَقَامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ، فَنَكَثُوا وَعَادُوا إِلَى أَخْبَثِ أَعْمَالِهِمْ وقالوا: وعزة فرعون لا نتبعه أبدا ولا نصدقه، فأقاموا شَهْرًا فِي عَافِيَةٍ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ فَامْتَلَأَتْ مِنْهَا بُيُوتُهُمْ وَأَفْنِيَتُهُمْ وَأَطْعِمَتُهُمْ وَآنِيَتُهُمْ، فَلَا يَكْشِفُ أَحَدٌ إِنَاءً وَلَا طَعَامًا إِلَّا وجد فيه الضفادع فلقوا منها أذى شديدا فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ بَكَوْا

قوله تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا

وَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى مُوسَى، وَقَالُوا: هَذِهِ الْمَرَّةُ نَتُوبُ، وَلَا نَعُودُ فَأَخَذَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ، ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الضَّفَادِعَ بَعْدَمَا أَقَامَ سَبْعًا مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ، فَأَقَامُوا شَهْرًا فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَعَادُوا لِكُفْرِهِمْ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ, فَسَالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وَصَارَتْ مِيَاهُهُمْ دَمًا، وَمَا يَسْتَقُونَ مِنَ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ إِلَّا وجدوه دما عبيطا أحمر، فَمَكَثُوا فِي ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لا يشربون إلا الدم. وقال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الدَّمُ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْهِمْ كَانَ الرُّعَافَ، فَأَتَوْا مُوسَى، وَقَالُوا: يَا مُوسَى ادْعُ لنا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا هَذَا الدَّمَ فَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ} [الأعراف: 133] يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَفْصِيلُهَا أَنَّ كل عذاب كان يَمْتَدُّ أُسْبُوعًا، وَبَيْنَ كُلِّ عَذَابَيْنِ شَهْرًا {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف: 133] [134] {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} [الأعراف: 134] أي: نزل بهم العذب وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الطُّوفَانِ وَغَيْرِهِ. . . . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الرِّجْزُ الطَّاعُونُ، وَهُوَ الْعَذَابُ السَّادِسُ بَعْدَ الْآيَاتِ الخمس، حتى مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْمٍ أحد فَأَمْسَوْا وَهُمْ لَا يَتَدَافَنُونَ، {قَالُوا} [الأعراف: 134] لِمُوسَى: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} [الأعراف: 134] أَيْ: بِمَا أَوْصَاكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بِمَا نَبَّأَكَ. وَقِيلَ: بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ مِنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِكَ {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: 134] وَهُوَ الطَّاعُونُ، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 134] [135] قوله وَجَلَّ: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ} [الأعراف: 135] يَعْنِي إِلَى الْغَرَقِ فِي الْيَمِّ، {إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: 135] يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ. [136] {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [الأعراف: 136] يَعْنِي الْبَحْرَ, {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] أَيْ: عَنِ النِّقْمَةِ قَبْلَ حُلُولِهَا غَافِلِينَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَنْ آيَاتِنَا مُعْرِضِينَ. [137] {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} [الأعراف: 137] يُقْهَرُونَ، وَيُسْتَذَلُّونَ بِذَبْحِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِخْدَامِ النِّسَاءِ وَالِاسْتِعْبَادِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: 137] يَعْنِي مِصْرَ وَالشَّامَ، {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137] بِالْمَاءِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْخِصْبِ وَالسَّعَةِ، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 137] يَعْنِي: وفَّت كَلِمَةُ اللَّهِ، وَهِيَ وَعْدُهُ إِيَّاهُمْ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5] الآية {بِمَا صَبَرُوا} [الأعراف: 137] عَلَى دِينِهِمْ وَعَلَى عَذَابِ فِرْعَوْنَ، {وَدَمَّرْنَا} [الأعراف: 137] أَهْلَكْنَا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} [الأعراف: 137] فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ الْعِمَارَاتِ، {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَبْنُونَ مِنَ الْبُيُوتِ وَالْقُصُورِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْرِشُونَ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَعْنَابِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ (يَعْرُشُونَ) بِضَمِّ الراء ها هنا وَفِي النَّحْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا] عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أصنام لهم. . . . [138] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [الأعراف: 138] قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَبَرَ بِهِمْ مُوسَى الْبَحْرَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَصَامَهُ شُكْرًا لِلَّهِ عز وجل {فَأَتَوْا} [الأعراف: 138] فمروا {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ} [الأعراف: 138] يُقِيمُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يَعْكِفُونَ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وهما لغتان، {عَلَى أَصْنَامٍ} [الأعراف: 138] أوثان {لَهُمْ} [الأعراف: 138] يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ تَمَاثِيلَ بَقَرٍ، وَذَلِكَ أَوَّلُ شَأْنِ الْعِجْلِ. قَالَ قَتَادَةُ. كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مِنْ لحم، وَكَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} [الأعراف: 138] أَيْ مِثَالًا نَعْبُدُهُ {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلْ لَنَا شَيْئًا نُعَظِّمُهُ، وَنَتَقَرَّبُ بِتَعْظِيمِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الدِّيَانَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ لشدة

جهلهم. {قَالَ} [الأعراف: 138] موسى {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] عَظَمَةَ اللَّهِ. [139] {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ} [الأعراف: 139] مهلك، {مَا هُمْ فِيهِ} [الأعراف: 139] والتتبير الإهلاك، {وَبَاطِلٌ} [الأعراف: 139] مضمحل وزائل، {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139] [140] {قَالَ} [الأعراف: 140] يَعْنِي مُوسَى {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ} [الأعراف: 140] أَيْ: أَبْغِي لَكُمْ وَأَطْلُبُ، {إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 140] أي: على عالمي زمانكم. [141] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ} [الأعراف: 141] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (أَنْجَاكُمْ) وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ، {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [الأعراف: 141] قرأ نافع (يَقْتُلُونَ) خفيفة التاء مِنَ الْقَتْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ مِنَ التَّقْتِيلِ، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141] [142] {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] ذا القعدة, {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] مِنْ ذِي الْحِجَّةِ {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى} [الأعراف: 142] عِنْدَ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ لِلْمُنَاجَاةِ {لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي} [الأعراف: 142] كُنْ خَلِيفَتِي، {فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: 142] أَيْ: أَصْلِحْهُمْ بِحَمْلِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الرِّفْقَ بِهِمْ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ {وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] أَيْ: لَا تُطِعْ مَنْ عَصَى اللَّهَ، وَلَا تُوَافِقْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَذَلِكَ أَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ بِمِصْرَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ أَتَاهُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يَأْتُونَ، وَمَا يَذَرُوَنَ! فَلَمَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ الْكِتَابَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمَّا تَمَّتْ ثَلَاثُونَ أَنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَكَلَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرَةٍ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كُنَّا نَشُمُّ مِنْ فِيكَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، فَأَفْسَدْتَهُ بِالسِّوَاكِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَصُومَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندي من ريح المسك، وكانت فِتْنَتُهُمْ فِي الْعَشْرِ الَّتِي زَادَهَا. [143] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] أَيْ: لِلْوَقْتِ الَّذِي ضَرَبْنَا لَهُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَطَهَّرَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ لِمِيعَادِ رَبِّهِ، فلما أتى طور سيناء، وَكَلَّمَهُ اللَّهُ، وَنَاجَاهُ حَتَّى أَسْمَعَهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَهُ فَلَمْ يَسْمَعْ مَا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، وَأَدْنَاهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيرَ الْقَلَمِ فَاسْتَحْلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامَ رَبِّهِ، وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قَالَ الزَّجَّاجُ: فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَرِنِي نَفْسَكَ أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قَالَ ابن عباس: أعطني أنظر إِلَيْكَ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ الْحَسَنُ: هَاجَ بِهِ الشَّوْقُ، فَسَأَلَ الرُّؤْيَةَ. وَقِيلَ: سَأَلَ الرُّؤْيَةَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَى في

قوله تعالى قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس

الدنيا {قَالَ} [الأعراف: 143] الله تعالى {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] وَلَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيقَ النَّظَرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا مَاتَ فَقَالَ: إِلَهِي سَمِعْتُ كَلَامَكَ، فَاشْتَقْتُ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْكَ، وَلَأَنْ أَنْظُرَ إِلَيْكَ، ثُمَّ أَمُوتُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيشَ، وَلَا أَرَاكَ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الأعراف: 143] وهو أعظم جبل، وَتَعَلَّقَتْ نُفَاةُ الرُّؤْيَةِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الأعراف: 143] وَلَنْ تَكُونُ لِلتَّأْبِيدِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ الرُّؤْيَةَ في الحال، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى الْجَهْلِ بِسُؤَالِ الرُّؤْيَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنِّي لَا أَرَى حَتَّى يكون لَهُمْ حُجَّةٌ، بَلْ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ، وَاسْتِقْرَارُ الْجَبَلِ عند التَّجَلِّي غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إِذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ، وَالْمُعَلَّقَ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ لَا يَكُونُ مُحَالًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ظَهَرَ نُورُ رَبِّهِ لِلْجَبَلِ جَبَلِ زُبَيْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ نُورِ الْحُجُبِ مِثْلَ مَنْخَرِ ثَوْرٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ: مَا تَجَلَّى مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ لِلْجَبَلِ إِلَّا مَثَّلُ سَمِّ الْخِيَاطِ حَتَّى صَارَ دَكًّا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَا تَجَلَّى إِلَّا قَدَرَ الْخِنْصَرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ هَكَذَا، وَوَضَعَ الْإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى مِنَ الْخِنْصَرِ، فَسَاخَ الْجَبَلُ» (¬1) . وحُكِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ الله تعالى أظهر سَبْعِينَ أَلْفِ حِجَابٍ نُورًا قَدَرَ الدِّرْهَمِ، فَجَعَلَ الْجَبَلَ دَكًّا، أَيْ: مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (دكاء) ممدودا غير منون ها هنا وَفِي، سُورَةِ الْكَهْفِ، وَافَقَ عَاصِمٌ فِي الْكَهْفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (دَكَّا) مقصورا منونا فمن قصر فَمَعْنَاهُ جَعَلَهُ مَدْقُوقًا: وَالدَّكُّ وَالدَّقُّ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ دَكَّهُ اللَّهُ دَكَّا أَيْ: فَتَّتَهُ كَمَا قَالَ: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} [الْفَجْرُ: 21] وَمَنْ قَرَأَ بِالْمَدِّ أَيْ: جَعَلَهُ مُسْتَوِيًا أَرْضًا دَكَّاءَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلَهُ مِثْلَ دَكَّاءَ، وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي لَا سَنَامَ لَهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَهُ تُرَابًا. وَقَالَ سُفْيَانُ: سَاخَ الْجَبَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ فَهُوَ يَذْهَبُ فِيهِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: صَارَ رَمْلًا هَائِلًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: جَعَلَهُ دَكًّا أَيْ: كسرا جبالا صغارا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسْنُ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَيِّتًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خَرَّ مُوسَى صَعِقًا يَوْمَ الْخَمِيسَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأُعْطِي التَّوْرَاةَ يوم الجمعة يوم النحر {فَلَمَّا أَفَاقَ} [الأعراف: 143] مُوسَى مِنْ صَعْقَتِهِ، وَثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَأَلَ أَمْرًا لَا يَنْبَغِي لَهُ، {قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] عَنْ سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] بِأَنَّكَ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِكَ مِنْ بَنِي إسرائيل. [قوله تعالى قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ] بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي. . . . [144] {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ} [الأعراف: 144] اخْتَرْتُكَ عَلَى النَّاسِ، قَرَأَ ابْنُ كثير وأبو عمرو {إِنِّي} [الأعراف: 144] بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ (أَخِيَ اشْدُدْ) ، {بِرِسَالَاتِي} [الأعراف: 144] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ بِرِسَالَتِي عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ، {وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ} [الأعراف: 144] أعطيتك، {وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي} [الأعراف: 144] وَقَدْ أُعْطِيَ غَيْرُهُ الرِّسَالَةَ؟ قِيلَ: لَمَّا لَمْ تَكُنِ الرِّسَالَةُ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً اسْتَقَامَ قَوْلُهُ: اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ، وَإِنْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَمَا يقول للرجل: خَصَصْتُكَ بِمَشُورَتِي وَإِنْ شَاوَرَ غَيْرَهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمَشُورَةُ عَلَى العموم يكون مستقيما. [145] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَتَبْنَا لَهُ} [الأعراف: 145] يعني لموسى، {فِي الْأَلْوَاحِ} [الأعراف: 145] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَلْوَاحَ التوراة قال الحسن: كانت الألواح من ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في التفسير 8 / 451 وقال: حديث حسن صحيح غريب. والحاكم في المستدرك 2 / 320.

خَشَبٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جبير: كانت من يا قوت أَحْمَرَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كانت الألواح من برد. وقال ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ مِنْ زُمُرُّدٍ {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145] مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، وَنُهُوا عَنْهُ، {مَوْعِظَةً} [الأعراف: 145] نَهْيًا عَنِ الْجَهْلِ، وَحَقِيقَةُ الْمَوْعِظَةِ: التذكير وَالتَّحْذِيرُ بِمَا يُخَافُ عَاقِبَتُهُ، {وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145] أَيْ: تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ والأحكام. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 145] أَيْ: بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ. وَقِيلَ: بِقُوَّةِ الْقَلْبِ وَصِحَّةِ الْعَزِيمَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَهُ بِضَعْفِ النِّيَّةِ أَدَّاهُ إِلَى الْفُتُورِ، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] قال عطاء عن ابن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُحِلُّوا حَلَالَهَا، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهَا، وَيَتَدَبَّرُوا أَمْثَالَهَا، وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهَا، وَيَقِفُوا عِنْدَ مُتَشَابِهِهَا. وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَشَدُّ عِبَادَةً مِنْ قَوْمِهِ، فَأُمِرَ بِمَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ. قَالَ قُطْرُبٌ: بِأَحْسَنِهَا أي: بحسنها وكلها حسن. وقل: أَحْسَنُهَا الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ، وَهِيَ مَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهَا الثَّوَابُ، وَمَا دُونَهَا الْمُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الثَّوَابُ. وَقِيلَ: بِأَحْسَنِهَا بِأَحْسَنِ الْأَمْرَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَالْعَفْوِ أَحْسَنَ مِنَ الْقِصَاصِ وَالصَّبْرِ أَحْسَنَ مِنَ الانتصار. {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] قَالَ مُجَاهِدٌ: مَصِيرُهَا فِي الْآخِرَةِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ. يَعْنِي جَهَنَّمَ، يُحَذِّرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مَثَلَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: سَأُدْخِلُكُمْ الشَّأْمَ فَأُرِيكُمْ مَنَازِلَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ لِتَعْتَبِرُوا بِهَا. قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: أَرَادَ دَارَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَهِيَ مِصْرُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ: (سَأُورِثُكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: دَارُ الْفَاسِقِينَ مُصَارِعُ الْكُفَّارِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا مَرُّوا عَلَيْهِ إِذَا سَافَرُوا مِنْ مَنَازِلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَالْقُرُونِ الذين أهلكوا. [146] قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَجَبَّرُونَ عَلَى عِبَادِي، وَيُحَارِبُونَ أَوْلِيَائِي حَتَّى لَا يُؤْمِنُوا بِي، يَعْنِي سَأَصْرِفُهُمْ عَنْ قَبُولِ آيَاتِي وَالتَّصْدِيقِ بِهَا، عُوقِبُوا بِحِرْمَانِ الْهِدَايَةِ لِعِنَادِهِمْ لِلْحَقِّ، كَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: سَأَمْنَعُهُمْ فَهْمَ الْقُرْآنِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يعني عن خلق السموات والأرض وما فيهما، أي: سأصرفهم أن يتنكروا فِيهَا وَيَعْتَبِرُوا بِهَا. وَقِيلَ: حُكْمُ الْآيَةِ لِأَهْلِ مِصْرَ خَاصَّةً، وَأَرَادَ بِالْآيَاتِ الْآيَاتِ التِّسْعَ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا} [الأعراف: 146] يعني هؤلاء المتكبرين {سَبِيلَ الرُّشْدِ} [الأعراف: 146] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (الرَّشَدِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ، وَالْآخَرُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَهُمَا لُغَتَانِ كالسُّقْمِ وَالسَّقَم والْبُخْل والْبَخَل والْحُزْن والْحَزَن. وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَيَقُولُ: الرُّشْدُ بِالضَّمِّ

قوله تعالى ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا

الصَّلَاحُ فِي الْأَمْرِ وَبِالْفَتْحِ الِاسْتِقَامَةُ في الدين. معنى الآية: وإن يَرَوْا طَرِيقَ الْهُدَى وَالسَّدَادِ، {لَا يَتَّخِذُوهُ} [الأعراف: 146] لأنفسهم {سَبِيلًا} [الأعراف: 146] {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ} [الأعراف: 146] أَيْ: طَرِيقَ الضَّلَالِ {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146] عن التفكر فِيهَا وَالِاتِّعَاظِ بِهَا غَافِلِينَ سَاهِينَ. [147] {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ} [الأعراف: 147] أَيْ: وَلِقَاءِ الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ مَوْعِدُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [الأعراف: 147] بَطَلَتْ، وَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، {هَلْ يُجْزَوْنَ} [الأعراف: 147] فِي الْعُقْبَى، {إِلَّا مَا كَانُوا} [الأعراف: 147] أَيْ: إِلَّا جَزَاءَ مَا كَانُوا {يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 147] فِي الدُّنْيَا. [148] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ} [الأعراف: 148] أي: من بَعْدَ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ {مِنْ حُلِيِّهِمْ} [الأعراف: 148] الَّتِي اسْتَعَارُوهَا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (مِنْ حِلِيِّهِمْ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَاتَّخَذَ السَّامِرِيُّ {عِجْلًا} [الأعراف: 148] وَأَلْقَى فِي فَمِهِ مِنْ تُرَابِ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فتحول عجلا، {جَسَدًا} [الأعراف: 148] حيا لحما ودما {لَهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148] وَهُوَ صَوْتُ الْبَقَرِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. وَقِيلَ: كَانَ جَسَدًا مُجَسَّدًا مِنْ ذَهَبٍ لَا رُوحَ فِيهِ، كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُ صَوْتٌ. وَقِيلَ: كَانَ يُسْمَعُ صَوْتُ حَفِيفِ الرِّيحِ يَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ وَيَخْرُجُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَا خَارَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: كَانَ يَخُورُ كَثِيرًا كُلَّمَا خَارَ سجدوا، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُ الْخُوَارُ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي، {أَلَمْ يَرَوْا} [الأعراف: 148] يَعْنِي: الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ {أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} [الأعراف: 148] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] أَيْ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا وَكَانُوا كَافِرِينَ. [149] {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [الأعراف: 149] أَيْ: نَدِمُوا عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ نَادِمٍ عَلَى أَمْرٍ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} [الأعراف: 149] يَتُبْ عَلَيْنَا رَبُّنَا، {وَيَغْفِرْ لَنَا} [الأعراف: 149] يَتَجَاوَزْ عَنَّا، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تَرْحَمْنَا وَتَغْفِرْ لَنَا) بِالتَّاءِ فِيهِمَا، (رَبَّنَا) بِنَصْبِ الْبَاءِ. وَكَانَ هَذَا النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهُمْ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسَى إِلَيْهِمْ. [قوله تعالى وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا] قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي. . . . [150] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [الأعراف: 150] قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: الْأَسِفُ: شَدِيدُ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: أَسِفَا أَيْ: حَزِينًا. وَالْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي} [الأعراف: 150] أَيْ: بِئْسَ مَا عَمِلْتُمْ بَعْدَ ذَهَابِي، يُقَالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أَوْ بَشَرٍّ إِذَا أَوْلَاهُ فِي أَهْلِهِ بعد شخوصه عنه خيرا أو شرا، {أَعَجِلْتُمْ} [الأعراف: 150] أسبقتم {أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150] قَالَ الْحَسَنُ: وَعْدُ رَبِّكُمُ الَّذِي وَعَدَكُمْ مِنَ الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَعَجِلْتُمْ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمْ أَمْرُ رَبِّكُمْ. {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 150] الَّتِي فِيهَا التَّوْرَاةُ، وَكَانَ حَامِلًا لها, وألقاها عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ. قَالَتِ الرُّوَاةُ: كَانَتِ التَّوْرَاةُ سَبْعَةَ أَسْبَاعٍ، فَلَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ، فَرُفِعَتْ سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا وَبَقِيَ سُبْعٌ، فَرُفِعَ مَا كَانَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ، وَبَقِيَ مَا فِيهِ الْمَوْعِظَةُ وَالْأَحْكَامُ وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} [الأعراف: 150] بذوائبه ولحيته {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150] وَكَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَأَحَبَّ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ لين الغضب. {قَالَ} [الأعراف: 150] هَارُونُ عِنْدَ ذَلِكَ، {ابْنَ أُمَّ} [الأعراف: 150] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ هَاهُنَا وَفِي طَهَ بِكَسْرِ الْمِيمِ، يُرِيدُ يا ابن أمي، فحذف ياء الْإِضَافَةِ، وَأُبْقِيَتِ الْكَسْرَةُ لِتَدُلَّ عَلَى الإضافة كقوله: {يا عِبَادِ} [الزمر: 16] وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى مَعْنَى يَا ابْنَ أُمَّاهُ. وَقِيلَ: جَعَلَهُ اسْمًا وَاحِدًا، وَبَنَاهُ عَلَى الْفَتْحِ، كَقَوْلِهِمْ: حضر موت وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَنَحْوُهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: ابْنَ أُمَّ، وَكَانَ هَارُونُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ لِيُرَقِّقَهُ

وَيَسْتَعْطِفَهُ. وَقِيلَ: كَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ، {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي} [الأعراف: 150] يَعْنِي عَبَدَةَ الْعِجْلِ، {وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} [الأعراف: 150] هَمُّوا وَقَارَبُوا أَنْ يَقْتُلُونِي، {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي} [الأعراف: 150] فِي مُؤَاخَذَتِكَ عَلَيَّ {مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150] يعني عبدة العجل. [151] {قَالَ} [الأعراف: 151] مُوسَى لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أخيه، {رَبِّ اغْفِرْ لِي} [الأعراف: 151] مَا صَنَعْتُ إِلَى أَخِي {وَلِأَخِي} [الأعراف: 151] إِنْ كَانَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى عَبَدَةِ الْعِجْلِ، {وَأَدْخِلْنَا} [الأعراف: 151] جَمِيعًا {فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151] [152] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} [الأعراف: 152] أَيِ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [الأعراف: 152] فِي الْآخِرَةِ {وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الأعراف: 152] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} [الأعراف: 152] أَرَادَ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيَّرَهُمْ بِصَنِيعِ آبَائِهِمْ، فَنَسَبَهُ إِلَيْهِمْ {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الأعراف: 152] أَرَادَ مَا أَصَابَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَلَاءِ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْجِزْيَةُ {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] الْكَاذِبِينَ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ وَاللَّهِ جَزَاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هَذَا فِي كُلِّ مُبْتَدِعٍ إِلَى يَوْمِ القيامة. [153] قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 153] [154] قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَمَّا سَكَتَ} [الأعراف: 154] أَيْ: سَكَنَ، {عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 154] الَّتِي كَانَ أَلْقَاهَا، وَقَدْ ذَهَبَتْ ستة أسباعها، {وَفِي نُسْخَتِهَا} [الأعراف: 154] قِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَلْوَاحَ؛ لِأَنَّهَا نُسِخَتْ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى لَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ، فَنَسَخَ مِنْهَا نُسْخَةً أُخْرَى فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَفِي نُسْخَتِهَا} [الأعراف: 154] وَقِيلَ: أَرَادَ وَفِيمَا نَسَخَ مِنْهَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ فكسرت صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فِي لَوْحَيْنِ فَكَانَ فِيهِ، {هُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأعراف: 154] أَيْ: هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ وَرَحْمَةً مِنَ الْعَذَابِ، {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] أَيْ: لِلْخَائِفِينَ مِنْ رَبِّهِمْ، وَاللَّامُ فِي (لِرَبِّهِمْ) زِيَادَةُ تَوْكِيدٍ، كَقَوْلِهِ: {رَدِفَ لَكُمْ} [النَّمْلُ: 72] وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: لَمَّا تَقَدَّمَتْ قَبْلَ الْفِعْلِ حَسُنَتْ، كَقَوْلِهِ: {لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يُوسُفُ: 43] وَقَالَ قُطْرُبٌ: أَرَادَ مِنْ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. وَقِيلَ: أَرَادَ رَاهِبُونَ. وَقِيلَ: أَرَادَ راهبون لربهم. [155] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] أَيْ: مِنْ قَوْمِهِ فَانْتَصَبَ لِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ. {سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155] وفيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ. قَالَ السُّدِّيُّ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ

قوله تعالى واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي

الْعِجْلِ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سبعين رجلا، {فَلَمَّا} [الأعراف: 155] أَتَوْا ذَلِكَ الْمَكَانَ قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا. وقال ابْنُ إِسْحَاقَ. اخْتَارَهُمْ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعُوا، وَيَسْأَلُوا التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكُوا وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّهُمْ عبدوا العجل. قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بن كعب: {أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: 155] لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَايِلُوا قَوْمَهُمْ حِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ قَالُوا. {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة: 55] كانوا قبل السبعين رجلا الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، فَاخْتَارَهُمْ، وَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهُمْ، فَكَانَ فِيمَا دَعَوْا أَنْ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَعْطِنَا مَا لَمْ تُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَنَا، وَلَا تُعْطِهِ أَحَدًا بَعْدَنَا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ دُعَائِهِمْ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ. قال وَهْبٌ: لَمْ تَكُنِ الرَّجْفَةُ صَوْتًا، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا رَأَوْا تِلْكَ الْهَيْبَةَ أَخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ، وَقَلِقُوا، وَرَجَفُوا، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَبِينَ مَفَاصِلُهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ رَحِمَهُمْ، وَخَافَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقْدُهُمْ، وَكَانُوا لَهُ وُزَرَاءَ عَلَى الْخَيْرِ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا، وَبَكَى، وَنَاشَدَ رَبَّهُ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ تِلْكَ الرَّجْفَةَ، فَاطْمَأَنُّوا، وَسَمِعُوا كَلَامَ رَبِّهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: {قَالَ} [الأعراف: 155] يَعْنِي مُوسَى {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: 155] يَعْنِي عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، {وَإِيَّايَ} [الأعراف: 155] بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ. {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] يَعْنِي عَبَدَةَ الْعِجْلِ، وَظَنَّ مُوسَى أَنَّهُمْ عُوقِبُوا بِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ، وَقَالَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ السُّؤَالِ يَسْأَلُ. أَتُهْلِكُنَا بِفِعْلِ السُّفَهَاءِ؟ وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: قوله {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] اسْتِفْهَامُ اسْتِعْطَافٍ، أَيْ. لَا تُهْلِكْنَا، وَقَدْ عَلِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِجَرِيرَةِ الْجَانِي غَيْرَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} [الأعراف: 155] أَيْ: الَّتِي وَقَعَ فِيهَا السُّفَهَاءُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا اخْتِبَارَكَ وَابْتِلَاءَكَ أَضْلَلْتَ بِهَا قَوْمًا، فَافْتَتَنُوا، وَهَدَيْتَ قَوْمًا، فَعَصَمْتَهُمْ حَتَّى ثَبَتُوا عَلَى دينك, فذلك مَعْنَى قَوْلِهِ: {تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا} [الأعراف: 155] نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا, {فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] [قوله تعالى وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي] الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ. . . . [156] {وَاكْتُبْ لَنَا} [الأعراف: 156] أَوْجِبْ لَنَا {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً} [الأعراف: 156] النعمة والعافية, {وَفِي الْآخِرَةِ} [الأعراف: 156] أي: وفي الآخرة {حَسَنَةً} [الأعراف: 156] الْمَغْفِرَةَ وَالْجَنَّةَ, {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي: تبنا إليك, {قَالَ} [الأعراف: 156] اللَّهُ تَعَالَى: {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} [الأعراف: 156] من خلقي, {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ} [الأعراف: 156] أي: عمت {كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ, وَهِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً, وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَلَكِنْ لَا تَجِبُ إِلَّا لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ,

وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ يُرْزَقُ، وَيُدْفَعُ عَنْهُ بِالْمُؤْمِنِينَ لِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَعِيشُ فِيهَا فَإِذَا صَارَ إِلَى الْآخِرَةِ وَجَبَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً كَالْمُسْتَضِيءِ بِنَارِ غَيْرِهِ إِذَا ذَهَبَ صَاحِبُ السِّرَاجِ بِسِرَاجِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] قَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] فَتَمَنَّاهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ نتقي ونؤتي الزكاة، ونؤمن، فَجَعَلَهَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَالَ: [157] {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف: 157] وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ نَبِيُّكُمْ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ، وَلَا يَقْرَأُ، وَلَا يَحْسِبُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسِبُ» (¬1) وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ أَيْ: هُوَ عَلَى مَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمَّتِهِ، أَصْلُهُ أُمَّتِي فَسَقَطَتِ التَّاءُ فِي النِّسْبَةِ كَمَا سَقَطَتْ فِي الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ. {الَّذِي يَجِدُونَهُ} [الأعراف: 157] أَيْ: يَجِدُونَ صِفَتَهُ وَنَعْتَهُ وَنُبُوَّتَهُ، {مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ: قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلُ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وقلوبا غلفا» (¬2) وعن كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنِّي أُجِدُ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، يَأْتَزِرُونَ على أنصافهم، ويوضؤون أَطْرَافَهُمْ، صَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَصَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ سَوَاءٌ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ، لَهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَمُهَاجَرُهُ بِطَابَةَ وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ» (¬3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [الأعراف: 157] أَيْ: بِالْإِيمَانِ، {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] أَيْ: عَنِ الشِّرْكِ وَقِيلَ. الْمَعْرُوفُ الشَّرِيعَةُ وَالسُّنَّةُ، وَالْمُنْكَرُ مَا لَا يُعْرَفُ فِي شَرِيعَةٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ: بِخَلْعِ الْأَنْدَادِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ: عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَقَطْعِ الْأَرْحَامِ، {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} [الأعراف: 157] يَعْنِي: مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام، {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] يَعْنِي: الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالزِّنَا وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} [الأعراف: 157] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (آصَارَهُمْ) بِالْجَمْعِ، وَالْإِصْرُ: كُلُّ مَا يَثْقُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْعَهْدَ الثَّقِيلَ كَانَ أُخِذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي التَّشْدِيدَ الَّذِي كَانَ عليهم في الدين، {وَالْأَغْلَالَ} [الأعراف: 157] يَعْنِي الْأَثْقَالَ {الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] وَذَلِكَ مِثْلَ قَتْلِ الْأَنْفُسِ فِي التَّوْبَةِ، وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْخَاطِئَةِ، وَقَرْضِ النَّجَاسَةِ عَنِ الثَّوْبِ بِالْمِقْرَاضِ، وَتَعْيِينِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ، وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَرَكِ الْعَمَلِ فِي السَّبْتِ، وَأَنَّ صَلَاتَهُمْ لَا تَجُوزُ إِلَّا ¬

(¬1) رواه البخاري في الصوم 4 / 126، ومسلم في كتاب الصيام رقم (1080) 2 / 761 والمصنف في شرح السنة 6 / 228. (¬2) أخرجه البخاري في البيوع 4 / 342 وفي تفسير سورة الفتح 8 / 585. (¬3) أخرجه الدارمي في المقدمة 1 / 5 وابن سعد في الطبقات 1 / 360 والبغوي في المصابيح 4 / 36 وانظر مشكاه المصابيح 3 / 1607.

قوله تعالى وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما

فِي الْكَنَائِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَشُبِّهَتْ بِالْأَغْلَالِ الَّتِي تَجْمَعُ الْيَدَ إِلَى الْعُنُقِ. {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ} [الأعراف: 157] أَيْ: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {وَعَزَّرُوهُ} [الأعراف: 157] وقروه، {وَنَصَرُوهُ} [الأعراف: 157] عَلَى الْأَعْدَاءِ، {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} [الأعراف: 157] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] [158] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} [الأعراف: 158] أَيْ: آيَاتِهِ وَهِيَ الْقُرْآنُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ. وَيَقْرَأُ (كَلِمَتَهُ) . {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] [159] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى} [الأعراف: 159] يعني: بني إسرائيل، {أُمَّةٌ} [الأعراف: 159] أي: جماعة، {يَهْدُونَ بِالْحَقِّ} [الأعراف: 159] أَيْ: يُرْشِدُونَ، وَيَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ. وَقِيلَ. مَعْنَاهُ يَهْتَدُونَ، وَيَسْتَقِيمُونَ عَلَيْهِ، {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] أَيْ: بِالْحَقِّ يَحْكُمُونَ وَبِالْعَدْلِ يَقُومُونَ. [قوله تعالى وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا] . . . . [160] قوله عز وجل: {وَقَطَّعْنَاهُمُ} [الأعراف: 160] أَيْ: فَرَّقْنَاهُمْ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف: 160] قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا قَالَ {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} [الأعراف: 160] وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ قَالَ: {أُمَمًا} [الأعراف: 160] فَرَجَعَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَمًا، وَإِنَّمَا قَالَ: {أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف: 160] بِالْجَمْعِ وَمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ لَا يُفَسَّرُ بِالْجَمْعِ، فَلَا يُقَالُ: أَتَانِي اثْنَا عَشَرَ رِجَالًا؛ لِأَنَّ الْأَسْبَاطَ فِي الْحَقِيقَةِ نَعْتُ الْمُفَسِّرِ الْمَحْذُوفِ وَهُوَ الْفِرْقَةُ، أَيْ: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أُمَمًا. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ. وَقَطَّعْنَاهُمْ أَسْبَاطًا أُمَمًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَالْأَسْبَاطُ الْقَبَائِلُ وَاحِدُهَا سِبْطٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} [الأعراف: 160] فِي التِّيهِ، {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ} [الأعراف: 160] انْفَجَرَتْ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: عَرِقَتْ وَهُوَ الِانْبِجَاسُ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ، {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف: 160] لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} [الأعراف: 160] كل سبط، {مَشْرَبَهُمْ} [الأعراف: 160] وَكُلُّ سِبْطٍ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ} [الأعراف: 160] فِي التِّيهِ تَقِيهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ، {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160] [161] {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ} [الأعراف: 161] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ: (تُغْفَرُ) بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وكسر الفاء، {خَطِيئَاتِكُمْ} [الأعراف: 161] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (خَطِيئَتَكُمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ وَرَفْعِ التَّاءِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: (خَطَايَاكُمْ) ،

قوله تعالى وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما

وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ: (خَطِيئَاتِكُمْ) بِالْجَمْعِ وَرَفْعِ التَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ وَكَسْرِ التَّاءِ. {سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 161] [162] {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا} [الأعراف: 162] عَذَابًا {مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 162] [163] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف: 163] قِيلَ: هِيَ مَدْيَنُ، أَيْ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُكَ سُؤَالَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ، أَيْ: بِقُرْبِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ قَرْيَةٌ يُقَالُ: لَهَا إيلة بين مدين والطور عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ. هِيَ طَبَرِيَّةُ الشَّامِ. {إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [الأعراف: 163] أَيْ: يَظْلِمُونَ فِيهِ، وَيُجَاوِزُونَ أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصَيْدِ السَّمَكِ، {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} [الأعراف: 163] أَيْ: ظَاهِرَةً عَلَى الْمَاءِ كَثِيرَةٌ، جَمْعُ شَارِعٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مُتَتَابِعَةٌ. وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ مِثْلَ الْكِبَاشِ السِّمَانِ الْبِيضِ. {وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ} [الأعراف: 163] كَإِتْيَانِهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، قَرَأَ الْحَسَنُ: (لَا يُسْبِتُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: لَا يَدْخُلُونَ فِي السَّبْتِ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِنُصْبِ الْيَاءِ، وَمَعْنَاهُ لَا يعظمون السبت، {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ} [الأعراف: 163] نختبرهم، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْهَكُمْ عَنِ الِاصْطِيَادِ، وَإِنَّمَا نَهَاكُمْ عَنِ الْأَكْلِ، فَاصْطَادُوا أَوْ قِيلَ: وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ أَنَّكُمْ إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنِ الْأَخْذِ، فَاتَّخَذُوا حياضا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، تَسُوقُونَ الْحِيتَانَ إِلَيْهَا يَوْمَ السَّبْتِ، ثُمَّ تَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَانًا، ثم تجرؤوا عَلَى السَّبْتِ، وَقَالُوا: مَا نَرَى السَّبْتَ إِلَّا قَدْ أُحِلُّ لَنَا فَأَخَذُوا، وَأَكَلُوا، وَبَاعُوا، فَصَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَثْلَاثًا، وَكَانُوا نَحْوًا مَنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُلُثٌ نَهَوْا، وَثُلُثٌ لَمْ يَنْهَوْا، وَسَكَتُوا وَقَالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، وَثُلُثٌ هُمْ أَصْحَابُ الْخَطِيئَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهُوا قَالَ النَّاهُونَ: لَا نُسَاكِنُكُمْ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَّمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ: لِلْمُسْلِمِينَ بَابٌ، وَلِلْمُعْتَدِينَ بَابٌ، وَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَصْبَحَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُعْتَدِينَ أَحَدٌ، فَقَالُوا: إِنَّ لَهُمْ شَأْنًا لَعَلَّ الْخَمْرَ غَلَبَتْهُمْ فَعَلَوْا عَلَى الْجِدَارِ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ فَعَرَفَتِ الْقُرُودُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا من القرود، فجعلت القرود تأتي نَسِيبُهَا مِنَ الْإِنْسِ، فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ، وَتَبْكِي فَيَقُولُ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ، فَتَقُولُ بِرَأْسِهَا: نَعَمْ، فَمَا نَجَا إِلَّا الذين نهوا وهلك سائرهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا] اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا. . . . [164] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} [الأعراف: 164] اخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ قَالُوا هَذَا، قِيلَ: كَانُوا مِنَ الْفِرْقَةِ الْهَالِكَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قِيلَ لَهُمُ: انْتَهُوا عَنْ هَذَا الْعَمَلِ السَّيِّئِ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ، وَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ بِكُمْ بَأْسَهُ إِنْ لَمْ تَنْتَهُوا أَجَابُوا، وَقَالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مهلكهم، {أَوْ} [الأعراف: 164] عَلِمْتُمْ أَنَّهُ {مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا} [الأعراف: 164] أي: قال الناهون {مَعْذِرَةً} [الأعراف: 164] أَيْ: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ {إِلَى رَبِّكُمْ} [الأعراف: 164] قرأ حفص: {مَعْذِرَةً} [الأعراف: 164] بِالنَّصْبِ أَيْ: نَفْعَلُ ذَلِكَ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ الْفِرْقَةِ السَّاكِتَةِ، قَالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبٌ عَلَيْنَا فَعَلَيْنَا مَوْعِظَةُ هَؤُلَاءِ عُذْرًا إِلَى اللَّهِ، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] أي: يتقوا اللَّهَ، وَيَتْرُكُوا الْمَعْصِيَةَ، وَلَوْ كَانَ الْخِطَابُ مَعَ الْمُعْتَدِينَ لَكَانَ يَقُولُ: وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. [165] {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} [الأعراف: 165] أَيْ: تَرَكُوا مَا وُعِظُوا بِهِ، {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأعراف: 165] يَعْنِي الْفِرْقَةَ الْعَاصِيَةَ، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] أَيْ: شَدِيدٍ وَجِيعٍ، مِنَ الْبَأْسِ وَهُوَ الشِّدَّةُ. وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِيهِ: قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ {بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] بكسر الياء عَلَى وَزْنِ فِعِلٍ، إِلَّا أَنِ ابْنَ

عَامِرٍ يَهْمِزُهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ لَا يَهْمِزَانِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى وَزْنِ فَيَعْلَ مِثْلَ صَيْقَلٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ مِثْلَ بَعِيرٍ وَصَغِيرٍ، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] فَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ بِالْفِرْقَةِ السَّاكِتَةِ؟ قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لَهُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ أَلَا تَرَاهُمْ قَدْ أَنْكَرُوا، وَكَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقُلِ الله أنجيتهم، فلم يَقِلْ: أَهْلَكْتُهُمْ، فَأَعْجَبَهُ قَوْلِي فَرَضِيَ، وَأَمَرَ لِي بِبُرْدَيْنِ، فَكَسَانِيهِمَا، وَقَالَ: نجت الفرقة الساكتة. وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: نَجَتِ الطَّائِفَتَانِ الَّذِينَ قَالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَا، وَالَّذِينَ قَالُوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَهْلَكَ اللَّهُ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَجَتِ النَّاهِيَةُ، وَهَلَكَتِ الْفِرْقَتَانِ، وَهَذِهِ أَشَدُّ آيَةٍ فِي ترك النهي عن المنكر. [166] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ} [الأعراف: 166] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا عَنِ الْمَعْصِيَةِ {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166] مُبْعَدِينَ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، ثُمَّ هَلَكُوا. [167] {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} [الأعراف: 167] أَيْ: آذَنَ وَأَعْلَمَ رَبُّكَ، يُقَالُ: تَأَذَّنَ وَآذَنَ مِثْلَ تَوَعَّدَ وَأَوْعَدَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَأَذَّنَ رَبُّكَ قَالَ رَبُّكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ رَبُّكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: حَكَمَ رَبُّكَ. {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 167] أَيْ: عَلَى الْيَهُودِ، {مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 167] بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ يُقَاتِلُونَهُمْ حَتَّى يُسَلِمُوا، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 167] [168] {وَقَطَّعْنَاهُمْ} [الأعراف: 168] وفرقناهم {فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} [الأعراف: 168] فِرَقًا فَرَّقَهُمُ اللَّهُ، فَتَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ فلم تَجْتَمِعْ لَهُمْ كَلِمَةٌ {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} [الأعراف: 168] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنُوا بِهِ، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} [الأعراف: 168] يَعْنِي الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الْكُفْرِ {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ} [الأعراف: 168] بالخصب والعافية، {وَالسَّيِّئَاتِ} [الأعراف: 168] الجدب والشدة، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] لِكَيْ يُرْجِعُوا إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَيَتُوبُوا. [169] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 169] أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم {خَلْفٌ} [الأعراف: 169] وَالْخَلْفُ: الْقَرْنُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ قَرْنٍ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْخَلْفُ بِسُكُونِ اللَّامِ الْأَوْلَادُ، الْوَاحِدُ، وَالْجَمْعُ فِيهِ سَوَاءٌ، والخلَف بِفَتْحِ اللَّامِ: الْبَدَلُ سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ غَرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الخلَف بِالْفَتْحِ: الصَّالِحُ، وَبِالْجَزْمِ: الطَّالِحُ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْخَلَفُ بِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا فِي الْقَرْن السُّوءِ وَاحِدٌ، وَأَمَّا فِي الْقَرْن الصَّالِحِ فَبِتَحْرِيكِ اللَّامِ لَا غَيْرُ. وَقَالَ محمد

قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة

ابن جَرِيرٍ: أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي الذَّمِّ بِتَسْكِينِهَا، وَقَدْ يُحَرَّكُ فِي الذَّمِّ، وَيُسَكَّنُ فِي الْمَدْحِ. {وَرِثُوا الْكِتَابَ} [الأعراف: 169] أَيِ: انْتَقَلَ إِلَيْهِمُ الْكِتَابُ مِنْ آبَائِهِمْ وَهُوَ التَّوْرَاةُ، {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} [الأعراف: 169] فَالْعَرَضُ مَتَاعُ الدُّنْيَا، والعرْض بِسُكُونِ الرَّاءِ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَأَرَادَ بِالْأَدْنَى الْعَالَمِ، وَهُوَ هَذِهِ الدَّارُ الْفَانِيَةُ فَهُوَ تَذْكِيرُ الدُّنْيَا، وَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَرِثُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَؤُوهَا، وَضَيَّعُوا الْعَمَلَ بها بِمَا فِيهَا، وَخَالَفُوا حُكْمَهَا يَرْتَشُونَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَتَبْدِيلِ كَلِمَاتِهِ، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169] ذُنُوبُنَا يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ الْأَبَاطِيلَ. {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف: 169] هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الذُّنُوبِ، يَقُولُ: إِذَا أَشْرَفَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا أَخَذُوهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ، وَإِنْ وَجَدُوا مِنَ الْغَدِ مِثْلَهُ أَخَذُوهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ. كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَسْتَقْضُونَ قَاضِيًا إِلَّا ارْتَشَى فِي الْحُكْمِ، فَيُقَالُ لَهُ: مالك تَرْتَشِي؟ فَيَقُولُ: سَيُغْفَرُ لِي، فَيَطْعَنُ عَلَيْهِ الْآخَرُونَ، فَإِذَا مَاتَ، أَوْ نُزِعَ، وَجُعِلَ مَكَانَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَطْعَنُ عَلَيْهِ فَيَرْتَشِي أَيْضًا، يَقُولُ: وَإِنْ يَأْتِ الْآخَرِينَ عَرْضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ. {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف: 169] أَيْ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدُ فِي التوراة ألا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ الْبَاطِلَ، وَهِيَ تَمَنِّي الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ مِيعَادُ الْمَغْفِرَةِ مَعَ الإصرار، {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف: 169] قَرَأُوا مَا فِيهِ فَهُمْ ذَاكِرُونَ لِذَلِكَ، وَلَوْ عَقَلُوهُ لَعَمِلُوا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ، وَدَرْسُ الْكِتَابِ قِرَاءَتُهُ وَتَدَبُّرُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169] [170] {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ} [الأعراف: 170] قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ. (يُمْسِكُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَسَكْتُ بِالشَّيْءِ، وَلَا يُقَالُ: أَمْسَكْتُ بِالشَّيْءِ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَمْسَكْتُهُ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. (وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِالْكِتَابِ) ، عَلَى الْمَاضِي، وَهُوَ جَيِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الأعراف: 170] إِذْ قَلَّ مَا يُعْطَفُ مَاضٍ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ إِلَّا فِي الْمَعْنَى، وَأَرَادَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا فِي الْكِتَابِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ تَمَسَّكُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى، فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ، وَلَمْ يَكْتُمُوهُ، وَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ] وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ. . . . [171] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} [الأعراف: 171] أَيْ: فَلَقْنَا الْجَبَلَ. وَقِيلَ: رَفَعْنَاهُ {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 171] قَالَ عَطَاءٌ: سَقِيفَةٌ. وَالظُّلَّةُ: كُلُّ ما أظلك، {وَظَنُّوا} [الأعراف: 171] عَلِمُوا {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا} [الأعراف: 171] أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ خُذُوا، {مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 171] بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} [الأعراف: 171] واعملوا به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] وَذَلِكَ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ، فَرَفَعَ اللَّهُ

على رؤوسهم جَبَلًا. قَالَ الْحَسَنُ: فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْجَبَلِ خَرَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَاجِدًا عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى إِلَى الْجَبَلِ فَرَقًا مِنْ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ يَهُودِيًّا إِلَّا وَيَكُونُ سُجُودُهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ. [172] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الآية عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآية فقال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نسأل عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ استعمله بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خُلِقَ الْعَبْدُ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ» (¬1) وَقَالَ أَبُو عيسى: هذا حديث حسن {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} [الأعراف: 172] أَيْ: مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ ذُرِّيَّتَهُمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ. (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بِالْجَمْعِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] عَلَى التَّوْحِيدِ، وَنَصْبِ التَّاءِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} [الأعراف: 172] وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ؟ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ بَعْضَهُمْ مِنْ ظُهُورِ بَعْضٍ على نحو ما يتولد أسد الْأَبْنَاءُ مِنَ الْآبَاءِ فِي التَّرْتِيبِ، فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ ظَهْرِ آدَمَ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ بَنُوُهُ، وَأُخْرِجُوا مِنْ ظَهْرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] أَيْ: أَشْهَدَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قوله: {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا} [الأعراف: 172] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: أَنْ يَقُولُوا وَيَقُولُوا بِالْيَاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: {شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِ بَنِي آدَمَ حِينَ أَشْهَدَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمَّا قَالَتِ الذُّرِّيَّةُ: بَلَى، قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ. اشْهَدُوا، قَالُوا: شهدنا، وقوله: أَنْ يَقُولُوا يَعْنِي: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَقُولُوا، أَيْ: لِئَلَّا يَقُولُوا أَوْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَقُولُوا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أُخَاطِبُكُمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ لِئَلَّا تَقُولُوا، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] أَيْ: عَنْ هَذَا الْمِيثَاقِ وَالْإِقْرَارِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَلْزَمُ الْحُجَّةُ عَلَى أَحَدٍ لَا يَذْكُرُ الْمِيثَاقَ؟ قِيلَ: قَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ الدَّلَائِلَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ فِيمَا أَخْبَرُوا، فَمَنْ أَنْكَرَهُ كَانَ مُعَانِدًا نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَلَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ، وَبِنِسْيَانِهِمْ وَعَدَمِ حِفْظِهِمْ لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بَعْدَ إِخْبَارِ الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ صَاحِبِ المعجزة. [173] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 173] يَقُولُ إِنَّمَا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْكُمْ لِئَلَّا تَقُولُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَنَقَضُوا العهد وكنا ذرية مع بَعْدِهِمْ، أَيْ: كُنَّا أَتْبَاعًا لَهُمْ، فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ، فَتَجْعَلُوا هَذَا عُذْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَتَقُولُوا، {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] أَفَتُعَذِّبُنَا بِجِنَايَةِ آبَائِنَا الْمُبْطِلِينَ فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ بَعْدَ تَذْكِيرِ اللَّهِ تَعَالَى بأخذ الميثاق على التوحيد. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في السنة باب في القدر 7 / 71 والترمذي في تفسير سورة الأعراف 8 / 452 - 455 وقال: حديث حسن. وصححه الحاكم 1 / 27 وأخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 44، 45 والمصنف في شرح السنة 1 / 139 والآجري في الشريعة ص 170.

[174] {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [الأعراف: 174] أَيْ: نُبَيِّنُ الْآيَاتِ لِيَتَدَبَّرَهَا الْعِبَادُ، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 174] من الكفر إلى التوحيد. [175] لقوله تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175] الْآيَةَ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بَلْعَمُ بْنُ بَاعُورَاءَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَلْعَامُ بْنُ بَاعِرَ، وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَنْ الْكَنْعَانِيِّينَ مِنْ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مِنْ مَدِينَةِ بلقا، قال مُقَاتِلٌ: إِنَّ مَلِكَ الْبَلْقَاءِ قَالَ لِبَلْعَامَ: ادْعُ اللَّهَ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ دِينِي لَا أَدْعُو عَلَيْهِ، فَنَحَتَ خَشَبَةً لِيَصْلِبَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى أَتَانٍ لَهُ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَايَنَ عَسْكَرَهُمْ قَامَتْ بِهِ الْأَتَانُ، وَوَقَفَتْ فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ تَضْرِبُنِي؟ إِنِّي مَأْمُورَةٌ وَهَذِهِ نَارٌ أَمَامِي قَدْ مَنَعَتْنِي أَنْ أَمْشِيَ فَرَجَعَ، وَأَخْبَرَ الْمَلِكَ، فَقَالَ: لَتَدْعُوَنَّ عَلَيْهِ، أَوْ لَأَصْلِبَنَّكَ، فَدَعَا عَلَى موسى بالاسم الأعظم: ألا يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَوَقَعَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ بِدُعَائِهِ، فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ بِأَيِّ ذَنْبٍ وَقَعْنَا فِي التِّيهِ؟ فَقَالَ: بِدُعَاءِ بَلْعَامَ، قَالَ: فَكَمَا سَمِعْتَ دُعَاءَهُ عَلَيَّ، فَاسْمَعْ دُعَائِي عَلَيْهِ، فَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَالْإِيمَانُ، فَنَزَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَعْرِفَةَ، وَسَلَخَهُ مِنْهَا فَخَرَجَتْ مَنْ صَدْرِهِ كَحَمَامَةٍ بَيْضَاءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُ: أَنَّهُ كَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا فَرَجَا أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَلِكَ الرَّسُولَ، فَلَمَّا أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَدَهُ، وَكَفَرَ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ كَيْسَانَ: نَزَلَتْ فِي مُنَافِقِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْهُدَى فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} [الأعراف: 175] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أُوتِيَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ فَانْسَلَخَ، أَيْ: خَرَجَ مِنْهَا كَمَا تَنْسَلِخُ الْحَيَّةُ من جلدها. {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 175] أَيْ: لَحِقَهُ وَأَدْرَكَهُ، {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] [176] {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف: 176] أَيْ: رَفَعْنَا دَرَجَتَهُ وَمَنْزِلَتَهُ بِتِلْكَ الْآيَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَرَفَعْنَاهُ بِعِلْمِهِ بِهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ، وَعَصَمْنَاهُ بِالْآيَاتِ. {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} [الأعراف: 176] أَيْ: سَكَنَ إِلَى الدُّنْيَا، وَمَالَ إِلَيْهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: خَلَدَ، وَأَخْلَدَ وَاحِدٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْخُلُودِ وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْمَقَامُ، يُقَالُ: أَخْلَدَ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ، إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَالْأَرْضُ هَاهُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ مَا فِيهَا مِنَ الْقِفَارِ وَالرِّبَاعِ كُلُّهَا أَرْضٌ وَسَائِرُ مَتَاعِهَا مُسْتَخْرَجٌ من الأرض {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] انْقَادَ لِمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ الْهَوَى. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْقَوْمِ. قَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ الدُّنْيَا، وَأَطَاعَ شَيْطَانَهُ وَهَذِهِ أَشَدُّ آيَةٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الله أخبر أنه آتاه آياته مِنِ اسْمِهِ الْأَعْظَمِ وَالدَّعَوَاتِ الْمُسْتَجَابَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، فَاسْتَوْجَبَ بِالسُّكُونِ إِلَى الدُّنْيَا وَاتِّبَاعِ الْهَوَى تَغْيِيرَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وَالِانْسِلَاخَ عَنْهَا، وَمَنِ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْ هَاتَيْنِ الْخُلَّتَيْنِ إِلَّا من عصمه الله؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176] يُقَالُ: لَهَثَ الْكَلْبُ يَلْهَثُ لَهْثًا إِذَا أَدْلَعَ لِسَانَهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مِثْلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْكِتَابَ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ. وَالْمَعْنَى: إِنَّ هَذَا الْكَافِرَ إِنْ زَجَرْتَهُ لَمْ يَنْزَجِرْ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ، فَالْحَالَتَانِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ كَحَالَتَيِ الْكَلْبِ: إِنْ طُرِدَ وَحُمِلَ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ كَانَ لَاهِثًا، وَإِنْ تُرِكَ وَرَبَضَ كَانَ لَاهِثًا، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: كُلُّ

قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن

شَيْءٍ يَلْهَثُ إِنَّمَا يَلْهَثُ مِنْ إِعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إِلَّا الْكَلْبَ فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ الْكَلَالِ وفي حالة الرَّاحَةِ وَفِي حَالِ الْعَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ فَقَالَ: إِنْ وَعَظْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ، كَالْكَلْبِ إِنْ طَرَدَتْهُ لَهَثَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ لَهَثَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الْأَعْرَافُ: 193] ثُمَّ عَمَّ بِهَذَا التَّمْثِيلِ جَمِيعَ مَنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِ اللَّهِ فَقَالَ: {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ لِكُفَّارِ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ هَادِيًا يَهْدِيهِمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَبِيٌّ لَا يَشُكُّونَ فِي صِدْقِهِ كَذَّبُوهُ فَلَمْ يَهْتَدُوا تُركوا أَوْ دُعُوا. [177] {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 177] أَيْ: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، وَتَقْدِيرُهُ: سَاءَ مَثَلًا مَثَلُ الْقَوْمِ، فَحَذَفَ مَثَلَ وَأُقِيمَ الْقَوْمُ مَقَامَهُ فَرُفِعَ، {وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 177] [178] {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] [قوله تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ] وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا. . . . [179] {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأعراف: 179] أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لِلنَّارِ، وَهُمُ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ بِالشَّقَاوَةِ، وَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي الخلاص منها وَقِيلَ: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ {لِجَهَنَّمَ} [الأعراف: 179] لَامُ الْعَاقِبَةِ، أَيْ: ذَرَأْنَاهُمْ، وَعَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ جَهَنَّمُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [الْقَصَصِ: 8] ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ بِهَا الْخَيْرَ وَالْهُدَى، {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] وطريق الْحَقِّ وَسَبِيلَ الرَّشَادِ، {وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهَا، وَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فِي الْجَهْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَقَالَ: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179] أَيْ: كَالْأَنْعَامِ فِي أَنَّ هِمَّتَهُمْ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّمَتُّعِ بِالشَّهَوَاتِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ، فَلَا تُقْدِمُ عَلَى الْمَضَارِّ، وَهَؤُلَاءِ يُقْدِمُونَ عَلَى النَّارِ مُعَانَدَةً مَعَ الْعِلْمِ بالهلاك، {أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] [180] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا دَعَا اللَّهَ فِي صَلَاتِهِ، وَدَعَا الرَّحْمَنَ فَقَالَ بَعْضُ مُشْرِكِي مَكَّةَ: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا فَمَا بَالُ هَذَا يَدْعُو اثْنَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] وَالْحُسْنَى تَأْنِيثُ الْأَحْسَنِ كَالْكُبْرَى وَالصُّغْرَى، فادعوه بها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ

الْجَنَّةَ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» (¬1) . {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180] قَرَأَ حَمْزَةُ (يَلْحَدُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ حَيْثُ كَانَ وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ فِي النَّحْلِ وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَمَعْنَى الْإِلْحَادِ: هُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْمَقْصِدِ، يُقَالُ: أَلْحَدَ يُلحد إِلْحَادًا، وَلَحَدَ يَلْحَدُ لُحُودًا إِذَا مَالَ. قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السُّكَيْتِ: الْإِلْحَادُ هُوَ الْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ وَإِدْخَالُ مَا لَيْسَ مِنْهُ فيه {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180] هُمُ الْمُشْرِكُونَ عَدَلُوا بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، فَسَمُّوا بِهَا أَوْثَانَهُمْ، فَزَادُوا، وَنَقَصُوا فَاشْتَقُّوا اللَّاتَ مِنَ اللَّهِ وَالْعُزَّى مِنَ الْعُزَيْزِ وَمَنَاةَ مِنَ الْمَنَّانِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: هُوَ تَسْمِيَتُهُمُ الْأَصْنَامَ آلِهَةً. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ أَيْ: يَكْذِبُونَ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَسْمِيَتُهُ بِمَا لَمْ يُسَمَّ بِهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَلَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّوْقِيفِ فإنه يسمى جواد، وَلَا يُسَمَّى سَخِيًّا، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْجَوَادِ، وَيُسَمَّى رَحِيمًا، وَلَا يُسَمَّى رَفِيقًا، وَيُسَمَّى عَالِمًا، ولا يسمى عاقلا {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] في الآخرة. [181] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ} [الأعراف: 181] أَيْ: عِصَابَةٌ، {يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وهم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: «هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أُعْطِي الْقَوْمُ بين أيديكم مثلها ومع قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» . [182] {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] قَالَ عَطَاءٌ: سَنَمْكُرُ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَقِيلَ. نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، كَمَا قَالَ: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الْحَشْرُ: 2] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُزَيِّنُ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَيُهْلِكُهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلَّمَا جَدَّدُوا مَعْصِيَةً جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَةً. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وَنُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الِاسْتِدْرَاجُ أَنْ يَتَدَرَّجَ إِلَى الشَّيْءِ فِي خُفْيَةٍ قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَا يُبَاغِتُ، وَلَا يُجَاهِرُ، وَمِنْهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إِذَا قَارَبَ بَيْنَ خُطَاهُ فِي الْمَشْيِ، وَمِنْهُ دَرَجَ الْكِتَابَ إِذَا طَوَاهُ شَيْئًا بَعْدَ شيء. [183] {وَأُمْلِي لَهُمْ} [الأعراف: 183] أَيْ: أُمْهِلُهُمْ، وَأُطِيلُ لَهُمْ مُدَّةَ عُمْرِهِمْ لِيَتَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي، {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] أَيْ: إِنَّ أَخْذِي قَوِيٌّ شَدِيدٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ، فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. [184] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} [الأعراف: 184] قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الصَّفَا لَيْلًا فَجَعْلَ يَدْعُو قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ يُحَذِّرُهُمْ بِأُسَ اللَّهِ وَوَقَائِعَهُ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَمَجْنُونٌ بَاتَ يُصَوِّتُ إِلَى الصَّبَاحِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ} [الأعراف: 184] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مِنْ جِنَّةٍ} [الأعراف: 184] جنون. {إِنْ هُوَ} [الأعراف: 184] مَا هُوَ، {إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 184] ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْعِلْمِ فَقَالَ: [185] {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ} [الأعراف: 185] فيهما، {مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185] أَيْ: وَيَنْظُرُوا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ لِيَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ {وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف: 185] أَيْ: لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَيَمُوتُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنُوا، وَيَصِيرُوا إِلَى الْعَذَابِ، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] أَيْ: بَعْدَ الْقُرْآنِ يُؤْمِنُونَ، يَقُولُ: بِأَيِّ كِتَابٍ غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّقُونَ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ وَلَا كِتَابٌ، ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: [186] {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} [الأعراف: 186] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ بِالْيَاءِ ورفع الراء، وقرأ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الدعوات 11 / 214 وفي الشروط وفي التوحيد ومسلم في الذكر والدعاء رقم (2677) 4 / 2062 والمصنف في شرح السنة 5 / 30.

قوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا

حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَجَزْمِ الرَّاءِ، لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ قَدْ مَرَّ قَبْلَهُ، وَجَزْمُ الرَّاءِ مَرْدُودٌ عَلَى (يُضْلِلِ) وَقَرَأَ، الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ. {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ. [187] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187] قَالَ قَتَادَةُ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ قَرَابَةً فَأَسِرَّ إِلَيْنَا مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} [الأعراف: 187] يعني: القيامة، {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُنْتَهَاهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ. قِيَامُهَا وَأَصْلُهُ الثَّبَاتُ، أَيْ: مَتَى مُثْبِتُهَا؟ {قُلْ} [الأعراف: 187] يَا مُحَمَّدُ {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [الأعراف: 187] اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا، وَلَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هو، {لَا يُجَلِّيهَا} [الأعراف: 187] لَا يَكْشِفُهَا، وَلَا يُظْهِرُهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَأْتِي بِهَا، {لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 187] يَعْنِي: ثِقَلَ عِلْمِهَا وَخَفِيَّ أَمْرِهَا عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ خَفِيٍّ ثَقِيلٌ. قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ إِذَا جَاءَ ثَقُلَتْ وَعَظُمَتْ عَلَى أهل السموات وَالْأَرْضِ، {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [الأعراف: 187] فجأة على غفلة {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الأعراف: 187] أَيْ: عَالِمٌ بِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْفَيْتُ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَيْ: بَالَغْتُ فِيهَا، مَعْنَاهُ: كَأَنَّكَ بَالَغْتَ فِي السُّؤَالِ عَنْهَا حَتَّى عَلِمْتَهَا، {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] أَنَّ عِلْمَهَا عِنْدَ اللَّهِ حَتَّى سألوا محمدا عنها. [قوله تَعَالَى قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا] مَا شَاءَ اللَّهُ. . . . . [188] {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَالُوا. يَا مُحَمَّدُ، أَلَّا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أَنْ يَغْلُوَ فَتَشْتَرِيَهُ، وَتَرْبَحَ فِيهِ عِنْدَ الْغَلَاءِ؟ وَبِالْأَرْضِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ تَجْدِبَ فَتَرْتَحِلَ مِنْهَا إِلَى مَا قَدْ أَخْصَبَتْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا} [الأعراف: 188] أَيْ: لَا أَقْدِرُ لِنَفْسِي نَفْعًا، أَيِ: اجْتِلَابَ نَفْعٍ بِأَنْ أَرْبَحَ، وَلَا ضُرًّا، أَيْ دَفْعَ ضُرٍّ بِأَنْ أَرْتَحِلَ مَنْ أَرْضٍ تُرِيدُ أَنْ تَجْدِبَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْلِكَهُ، {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] أَيْ: لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْخِصْبَ وَالْجَدْبَ (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ لِسَنَةِ الْقَحْطِ (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) ، أَيِ: الضُّرُّ وَالْفَقْرُ وَالْجُوعُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} [الأعراف: 188] يَعْنِي الْهُدَى وَالضَّلَالَةَ {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأعراف: 188] أَيْ: مَتَى أَمُوتُ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ، يَعْنِي: مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَاجْتَنَبْتُ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ وَاتَّقَيْتُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ أَيْ: مَتَى السَّاعَةُ لَأَخْبَرَتْكُمْ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَمَا مسني السوء بتكذيبكم. وقيل. وما مسني السوء ابتداء يريد: ما مَسَّنِيَ الْجُنُونُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْسُبُونَهُ إِلَى الْجُنُونِ {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ} [الأعراف: 188] لِمَنْ لَا يُصَدِّقُ بِمَا جِئْتُ به، {وَبَشِيرٌ} [الأعراف: 188] بالجنة، {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] يصدقون. [189] قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] يعني من آدم، {وَجَعَلَ} [الأعراف: 189] وخلق {مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف: 189] يعني: حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] لِيَأْنَسَ بِهَا وَيَأْوِيَ إِلَيْهَا، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} [الأعراف: 189] أَيْ: وَاقَعَهَا وَجَامَعَهَا {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} [الأعراف: 189] وَهُوَ أَوَّلُ مَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ مِنَ النُّطْفَةِ يَكُونُ خَفِيفًا عَلَيْهَا، {فَمَرَّتْ بِهِ} [الأعراف: 189] أَيْ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، وَقَامَتْ، وَقَعَدَتْ به، ولم يثقلها، {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} [الأعراف: 189] أَيْ: كَبِرَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا، وَصَارَتْ ذَاتَ ثِقَلٍ بِحَمْلِهَا، وَدَنَتْ ولادتها، {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} [الأعراف: 189] يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ، {لَئِنْ آتَيْتَنَا} [الأعراف: 189] يا ربنا {صَالِحًا} [الأعراف: 189] أَيْ: بَشَرًا سَوِيًّا مِثْلَنَا، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189] [190] {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} [الأعراف: 190] بَشَرًا سَوِيًّا {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو بَكْرٍ (شِرْكًا) بِكَسْرِ الشِّينِ وَالتَّنْوِينِ، أَيْ: شَرِكَةً، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: حَظًّا وَنَصِيبًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (شُرَكَاءُ) بِضَمِّ الشِّينِ مَمْدُودًا عَلَى جَمْعِ شَرِيكٍ يَعْنِي إِبْلِيسَ، أَخْبَرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، أَيْ: جَعَلَا لَهُ شَرِيكًا إِذْ سَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا إِشْرَاكًا فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا أَنَّ الْحَارِثَ رَبَّهُمَا فَإِنَّ

آدَمَ كَانَ نَبِيًّا مَعْصُومًا مِنَ الشِّرْكِ، وَلَكِنْ قَصَدَ إِلَى أَنَّ الْحَارِثَ كَانَ سَبَبَ نَجَاةِ الْوَلَدِ وَسَلَامَةِ أُمِّهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْعَبْدِ عَلَى مَنْ لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ، كَمَا يُطْلَقُ اسم الرب عَلَى مَنْ لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مَعْبُودُ هَذَا، كَالرَّجُلِ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ يُسَمِّي نَفْسَهُ عَبَدَ الضَّيْفَ عَلَى وَجْهِ الْخُضُوعِ لَا عَلَى أَنَّ الضَّيْفَ رَبُّهُ، وَيَقُولُ لِلْغَيْرِ. أَنَا عَبْدُكَ، وَقَالَ يُوسُفُ لِعَزِيزِ مِصْرَ: إِنَّهُ رَبِّي، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ مَعْبُودُهُ كل ذلك هَذَا. وَقَوْلُهُ: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190] قِيلَ: هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ، وَأَرَادَ بِهِ إِشْرَاكَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَئِنْ أَرَادَ بِهِ مَا سَبَقَ فَمُسْتَقِيمٌ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى بِهِمَا أَنْ لَا يَفْعَلَا مَا أَتَيَا بِهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ فِي الِاسْمِ، وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ: هو أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةُ، وَمَعْنَاهُ: جَعَلَ أَوْلَادَهُمَا شُرَكَاءَ فَحَذَفَ الْأَوْلَادَ، وَأَقَامَهُمَا مَقَامَهُمْ كَمَا أَضَافَ فِعْلَ الْآبَاءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ فِي تَعْيِيرِهِمْ بِفِعْلِ الْآبَاءِ، فقال: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51] {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} [البقرة: 72] خَاطَبَ بِهِ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ آبَائِهِمْ. وَقِيلَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَوْلَادًا، فَهَوَّدُوا، وَنَصَّرُوا. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُمُ الْكُفَّارُ سَمَّوْا أَوْلَادَهُمْ عَبْدَ الْعُزَّى وعبد الله وَعَبْدَ مَنَاةَ وَنَحْوَهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَاطَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَكُمْ أَيْ: خَلَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِيهِ، وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، أَيْ: جَعَلَ مِنْ جِنْسِهَا زَوْجَهَا، وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلَا قَوْلُ السَّلَفِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ (¬1) . قال الله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) . [191] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا} [الأعراف: 191] يَعْنِي: إِبْلِيسَ وَالْأَصْنَامَ، {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] أَيْ: هُمْ مَخْلُوقُونَ. [192] {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} [الأعراف: 192] أَيْ: الْأَصْنَامُ، لَا تَنْصُرُ مَنْ أطاعها، {وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 192] قَالَ الْحَسَنُ: لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَكْرُوهَ مَنْ أَرَادَ بِهِمْ بِكَسْرٍ أَوْ نَحْوِهُ، ثُمَّ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: [193] {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى} [الأعراف: 193] وإن تَدْعُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، {لَا يَتَّبِعُوكُمْ} [الأعراف: 193] قَرَأَ نَافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَكَذَلِكَ: (يَتْبَعُهُمُ الغاوون) في الشعراء، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا وَهُمَا لُغَتَانِ. يُقَالُ: تَبِعَهُ تَبَعًا، وَأَتْبَعَهُ اتباعا. {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ} [الأعراف: 193] إِلَى الدِّينِ، {أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] عَنْ دُعَائِهِمْ لَا يُؤْمِنُونَ، كَمَا قَالَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الْبَقَرَةُ: 6] وَقِيلَ: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى) يَعْنِي الْأَصْنَامَ لَا يَتَّبِعُوكُمْ لِأَنَّهَا غير عاقلة. ¬

(¬1) أي: لماذا ذكرت تلك الأقوال.

قوله تعالى إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو

[194] {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأعراف: 194] يعني الأصنام، {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] يُرِيدُ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ أَمْثَالُكُمْ. وَقِيلَ: أَمْثَالُكُمْ فِي التَّسْخِيرِ، أَيْ: أَنَّهُمْ مُسَخَّرُونَ مُذَلَّلُونَ لِمَا أُرِيدَ مِنْهُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: قَوْلُهُ: {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] أَرَادَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَالْخِطَابُ مَعَ قَوْمٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194] أَنَّهَا آلِهَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فاعبدوهم هل يثيبونكم، أو يجازونكم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ لَكُمْ عِنْدَهَا مَنْفَعَةً. ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهُمْ فَقَالَ: [195] {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [الأعراف: 195] قرأ أبو جعفر بضم الطاء هُنَا وَفِي الْقَصَصِ وَالدُّخَانِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الطَّاءِ {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 195] أَرَادَ أَنَّ قُدْرَةَ الْمَخْلُوقِينَ تَكُونُ بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ وَالْآلَاتِ، وَلَيْسَتْ لِلْأَصْنَامِ هذه الآلات، فأنتم مفضلون عليهم بِالْأَرْجُلِ الْمَاشِيَةِ وَالْأَيْدِي الْبَاطِشَةِ وَالْأَعْيُنِ الباصرة والأذن السَّامِعَةِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَنْ أَنْتُمْ أَفْضَلُ وَأَقْدَرُ مِنْهُمْ؟ {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ} [الأعراف: 195] يَا مَعْشَرَ الْمُشْرِكِينَ {ثُمَّ كِيدُونِ} [الأعراف: 195] أنتم وهم، {فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 195] أَيْ: لَا تُمْهِلُونِي، وَاعْجَلُوا فِي كيدي. [قوله تعالى إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ] يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. . . . [196] قَوْلُهُ: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} [الأعراف: 196] يَعْنِي الْقُرْآنَ، أَيْ: أَنَّهُ يَتَوَلَّانِي وَيَنْصُرُنِي كَمَا أَيَّدَنِي بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ، {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ الَّذِينَ لَا يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَاللَّهُ يَتَوَلَّاهُمْ بِنَصْرِهِ فَلَا يَضُرُّهُمْ عَدَاوَةُ مَنْ عَادَاهُمْ. [197] {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 197] [198] {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا} [الأعراف: 198] يعني الأصنام، {وَتَرَاهُمْ} [الأعراف: 198] يا محمد {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} [الأعراف: 198] يَعْنِي الْأَصْنَامَ، {وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ النَّظَرِ حَقِيقَةَ النَّظَرِ إِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُقَابَلَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِكَ أَيْ: تُقَابِلُهَا. وَقِيلَ: وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ أَيْ: كَأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} [الْحَجِّ: 2] أَيْ: كَأَنَّهُمْ سُكَارَى هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى} [الأعراف: 198] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ لَا يَسْمَعُوا، وَلَا يفعلون ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ، وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ. [199] قَوْلُهُ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ} [الْأَعْرَافِ: 199] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُذِ العفو يعني العفو من أخلاف النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَبُولِ الِاعْتِذَارِ، وَالْعَفْوِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَتَرْكِ الْبَحْثِ عَنِ الْأَشْيَاءِ ونحو ذلك وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنَ

الْأَمْوَالِ وَهُوَ الْفَضْلُ عَنِ العيال، وذلك معنى قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [الْبَقَرَةُ: 219] ثُمَّ نُسِخَتْ هَذِهِ بِالصَّدَقَاتِ المفروضات. وقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] أَيْ: بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَعْرِفُهُ الشَّرْعُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يَعْنِي بِلَا إِلَهَ إِلَّا الله. {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ, نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ، وَقِيلَ: إِذَا تَسَفَّهَ عَلَيْكَ الجاهل فلا تتقابله بِالسَّفَهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الْفُرْقَانُ: 63] وَذَلِكَ سَلَامُ الْمُتَارَكَةِ. قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. [200] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} [الأعراف: 200] أي: يصيبنك وَيَعْتَرِيكَ، وَيَعْرِضُ لَكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ نَخْسَةٌ. وَالنَّزْغُ مِنَ الشَّيْطَانِ الْوَسْوَسَةُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: النَّزْغُ أَدْنَى حَرَكَةٍ تَكُونُ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَمِنَ الشَّيْطَانِ أَدْنَى وَسْوَسَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية {خُذِ الْعَفْوَ} [الأعراف: 199] قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ يَا رَبِّ وَالْغَضَبُ» ، فَنَزَلَ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200] أَيِ: اسْتَجِرْ بِاللَّهِ {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] [201] {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الأعراف: 201] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ} [الأعراف: 201] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكِسَائِيُّ: (طَيْفٌ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {طَائِفٌ} [الأعراف: 201] بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْمَيِّتِ وَالْمَائِتِ وَمَعْنَاهُمَا: الشَّيْءُ يُلِمُّ بِكَ. وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الطَّائِفُ مَا يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، وَالطَّيْفُ. اللَّمَّةُ وَالْوَسْوَسَةُ. وَقِيلَ: الطَّائِفُ مَا طَافَ بِهِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَالطَّيْفُ اللَّمَمُ وَالْمَسُّ. {تَذَكَّرُوا} [الأعراف: 201] عَرَفُوا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. هُوَ الرَّجُلُ يَغْضَبُ الْغَضْبَةَ، فَيَذْكُرُ الله تعالى فيكظما الغيظ. وقال مجاهد: والرجل يَهِمُّ بِالذَّنْبِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُهُ. {فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] أَيْ: يُبَصِرُونَ مَوَاقِعَ خَطَايَاهُمْ بِالتَّذَكُّرِ والتفكر. وقال السُّدِّيُّ: إِذَا زَلُّوا تَابُوا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْمُتَّقِي إِذَا أَصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرَ، وَعَرَفَ أنه معصية، فأبصر، فنزغ عن مخالفة الله. [202] قوله: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} [الأعراف: 202] يَعْنِي إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَمُدُّونَهُمْ، أَيْ: يَمُدُّهُمُ الشَّيْطَانُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِكُلِّ كَافِرٍ أَخٌ مِنَ الشياطين. {فِي الْغَيِّ} [الأعراف: 202] أَيْ: يَطْلُبُونَ هُمُ الْإِغْوَاءَ حَتَّى يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَزِيدُونَهُمْ فِي الضَّلَالَةِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: (يُمِدُّونَهُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْإِمْدَادِ وَالْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202] أَيْ: لَا يَكُفُّونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا الْإِنْسُ يُقْصِرُونَ عَمَّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَلَا الشَّيَاطِينُ يُمْسِكُونَ عَنْهُمْ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202] مِنْ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ وَالشَّيَاطِينِ جَمِيعًا. قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ لَا يُقْصِرُونَ عَنِ الضَّلَالَةِ، وَلَا يُبْصِرُونَهَا، بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] [203] {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} [الأعراف: 203] يَعْنِي. إِذَا لَمْ تَأْتِ الْمُشْرِكِينَ بآية، {قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} [الأعراف: 203] هَلَّا افْتَعَلْتَهَا، وَأَنْشَأْتَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ وَاخْتِيَارِكَ؟ تَقُولُ الْعَرَبُ: اجْتَبَيْتُ الْكَلَامَ إِذَا اخْتَلَقْتُهُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ. كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَاتِ تَعَنُّتًا فَإِذَا تَأَخَّرَتِ اتَّهَمُوهُ وَقَالُوا، لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا؟ أَيْ: هَلَّا أَحْدَثْتَهَا، وأنشأتها من عندك؟ {قُلْ} [الأعراف: 203] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} [الأعراف: 203] ثم قال: {هَذَا} [الأعراف: 203] يعني القرآن {بَصَائِرُ} [الأعراف: 203] حُجَجٌ وَبَيَانٌ وَبُرْهَانٌ {مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 203] وَاحِدَتُهَا بَصِيرَةٌ، وَأَصْلُهَا ظُهُورُ الشَّيْءِ وَاسْتِحْكَامُهُ حَتَّى يُبْصِرَهُ الْإِنْسَانُ، فَيَهْتَدِي به يقول: هذا دَلَائِلُ تَقُودُكُمْ إِلَى الْحَقِّ. {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203] [204] قوله عر وَجَلَّ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]

سورة الأنفال

، اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. رُوِيَ عن أبي هريرة أنهم كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ بِحَوَائِجِهِمْ، فَأُمِرُوا بِالسُّكُوتِ وَالِاسْتِمَاعِ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ. ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَهُمْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ, وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فِي الصَّلَاةِ حِينَ يَسْمَعُونَ ذِكْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سمع ناسا يقرؤون مَعَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَفْقَهُوا، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ؟ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ: أَنَّ الْآيَةَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: إِنَّ الْآيَةَ فِي الْخُطْبَةِ، أُمِرُوا بِالْإِنْصَاتِ لِخُطْبَةِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذَا فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِيمَا يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لِقَوْلِ كُلِّ وَاعِظٍ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَاهَا، وَهُوَ أَنَّهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْجُمُعَةُ وَجَبَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ حَالَةَ مَا يَخْطُبُ الْإِمَامُ. [205] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي بِالذِّكْرِ: الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، يُرِيدُ يَقْرَأُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف: 205] خَوْفًا، أَيْ: تَتَضَرَّعُ إِلَيَّ وَتَخَافُ مِنِّي هَذَا فِي صَلَاةِ السِّرِّ. وَقَوْلُهُ: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف: 205] أَرَادَ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ لَا تَجْهَرْ جَهْرًا شَدِيدًا بَلْ فِي خَفْضٍ وَسُكُونٍ، يَسْمَعُ مَنْ خَلْفَكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: أَمَرَ أَنْ يَذْكُرُوهُ فِي الصُّدُورِ بِالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكَانَةِ، دُونَ رَفْعِ الصَّوْتِ وَالصِّيَاحِ بِالدُّعَاءِ. {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] أَيْ: بِالْبُكَرِ وَالْعَشِيَّاتِ، وَاحِدُ آصَالٍ: أَصِيلٌ، مِثْلَ يَمِينٍ وَأَيْمَانٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ. [206] {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206] يعني الملائكة المقربين، {لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 206] لَا يَتَكَبَّرُونَ {عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ} [الأعراف: 206] وَيُنَزِّهُونَهُ، وَيَذْكُرُونَهُ، فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بها سيئة» (¬1) . [سورة الأنفال] [قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ] وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. . . . (8) سورة الأنفال [1] قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الْأَنْفَالِ: 1] أَيْ: عَنْ حُكْمِ الْأَنْفَالِ وَعِلْمِهَا، وَهُوَ سُؤَالُ اسْتِخْبَارٍ لَا سُؤَالُ طَلَبٍ. وَقِيلَ: هُوَ سُؤَالُ طَلَبٍ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ. وَقَوْلُهُ: {عَنِ الْأَنْفَالِ} [الْأَنْفَالِ: 1] أَيْ: مِنَ الْأَنْفَالِ، عَنْ بِمَعْنَى مِنْ. وَقِيلَ: عَنْ صِلَةٌ أَيْ: يَسْأَلُونَكَ الْأَنْفَالَ، وَهَكَذَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ عَنْ. وَالْأَنْفَالُ: الْغَنَائِمُ، وَاحِدُهَا نَفَلٌ، وَأَصْلُهُ الزِّيَادَةُ، يُقَالُ: نَفَلْتُكَ وَأَنْفَلْتُكَ أَيْ: زِدْتُكَ، سُمِّيَتِ الْغَنَائِمُ أَنْفَالًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْخُصُوصِ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي غَنَائِمَ بَدْرٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ مَا شَذَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتَالٍ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَمَتَاعٍ فَهُوَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] يقسمانها كما شاءا، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] الْآيَةَ. كَانَتِ الْغَنَائِمُ يَوْمَئِذٍ لِلنَّبِيِّ ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه رقم (1423) 1 / 457 والإمام أحمد في المسند 5 / 276، 280، روى نحوه مسلم في الصلاة برقم (488) .

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَسَخَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخُمُسِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هِيَ ثَابِتَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ مَعَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِلرَّسُولِ يَضَعُهَا حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَيْ: الْحُكْمُ فِيهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَصَارِفَهَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] الْآيَةَ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] أَيْ: اتَّقُوا اللَّهَ بِطَاعَتِهِ وَأَصْلِحُوا الْحَالَ بَيْنَكُمْ بِتَرْكِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَتَسْلِيمِ أَمْرِ الْغَنِيمَةِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] [2] {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 2] يَقُولُ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِمْ {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] خَافَتْ، وَفَرِقَتْ قُلُوبُهُمْ. وَقِيلَ: إِذَا خُوِّفُوا بِاللَّهِ انْقَادُوا خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] تَصْدِيقًا وَيَقِينًا، وَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ حَبِيبٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ: إِنَّ للإيمان زيادة ونقصانا، وقيل: فَمَا زِيَادَتُهُ؟ قَالَ: إِذَا ذَكَرْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَحَمِدْنَاهُ فَذَلِكَ زِيَادَتُهُ، وَإِذَا سَهَوْنَا، وَغَفَلْنَا فَذَلِكَ نُقْصَانُهُ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِطَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ. {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] أَيْ: يُفَوِّضُونَ إِلَيْهِ أُمُورَهُمْ، وَيَثِقُونَ بِهِ، وَلَا يَرْجُونَ غَيْرَهُ، وَلَا يخافون سواه. [3] {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 3] [4] {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4] يَعْنِي: يَقِينًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: برؤوا مِنَ الْكُفْرِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: حَقًّا لَا شَكَّ فِي إِيمَانِهِمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا حَقًّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَصَفَ بِذَلِكَ قَوْمًا مَخْصُوصِينَ عَلَى أَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ تِلْكَ الْأَوْصَافِ فيه {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] قَالَ عَطَاءٌ: يَعْنِي دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ يَرْتَقُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضَرُ الْفَرَسِ الْمُضَمَّرِ سبعين سنة. {وَمَغْفِرَةٌ} [الأنفال: 4] لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] حَسَنٌ يَعْنِي مَا أَعَدَّ لَهُمْ في الجنة. [5] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: 5] اخْتَلَفُوا فِي الْجَالِبِ لِهَذِهِ الْكَافِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ} [الأنفال: 5] قَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ والرسول، وَإِنْ كَرِهُوا كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنْ كَرِهُوا. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ امْضِ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي الْأَنْفَالِ، وَإِنْ كَرِهُوا كَمَا مَضَيْتَ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ لِطَلَبِ الْعِيرِ وَهُمْ كَارِهُونَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنَاهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا

قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني

ذَاتَ بَيْنِكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ كَمَا أَنَّ إِخْرَاجَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِهِ بِالْحَقِّ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ كَرِهَهُ فَرِيقٌ مِنْكُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ عَلَى كُرْهِ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ، وَيُجَادِلُونَ فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] تَقْدِيرُهُ: وَعْدُ اللَّهِ الدَّرَجَاتِ لَهُمْ حَقٌّ يُنْجِزُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، فَأَنْجَزَ الْوَعْدَ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ. وَقِيلَ: الْكَافُ بِمَعْنَى عَلَى، تَقْدِيرُهُ: امْضِ عَلَى الَّذِي أَخْرَجَكَ رَبُّكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ بِمَعْنَى القسم مجازها: وَالَّذِي أَخْرَجَكَ، لِأَنَّ (مَا) فِي موضع الذي، وجوابه {يُجَادِلُونَكَ} [الأنفال: 6] وَعَلَيْهِ يَقَعُ الْقَسَمُ، تَقْدِيرُهُ: يُجَادِلُونَكَ وَاللَّهِ الَّذِي أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: الْكَافُ بِمَعْنَى إِذْ تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرْ إِذْ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْإِخْرَاجِ هُوَ إِخْرَاجُهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَدْرٍ، أَيْ: كَمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ بِالْخُرُوجِ (مِنْ بَيْتِكَ) إِلَى الْمَدِينَةِ (بِالْحَقِّ) قِيلَ: بِالْوَحْيِ لِطَلَبِ الْمُشْرِكِينَ {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 5] منهم، {لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] [6] {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ} [الأنفال: 6] أي: في القتال: {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْقِتَالِ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَمْ تُعْلِمْنَا أَنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ فَنَسْتَعِدَّ لِقِتَالِهِمْ، وَإِنَّمَا خَرَجْنَا لِلْعِيرِ، فَذَلِكَ جدالهم بعدما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّكَ لَا تَصْنَعُ إِلَّا مَا أَمَرَكَ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُكَ فِي الْوَعْدِ، {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} [الأنفال: 6] لِشِدَّةِ كَرَاهِيَتِهِمُ الْقِتَالَ، {وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 6] فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ: كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ يجادلونك في الحق بعد ما تَبَيَّنَ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ جَادَلُوهُ فِي الْحَقِّ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ حِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى الْإِسْلَامِ لِكَرَاهِيَتِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. [7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7] أَيْ: الْفَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أَبُو سُفْيَانَ مَعَ الْعِيرِ وَالْأُخْرَى: أَبُو جَهْلٍ مع النفير، {وَتَوَدُّونَ} [الأنفال: 7] أَيْ: تُرِيدُونَ {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: 7] يَعْنِي الْعِيرَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا قِتَالٌ. وَالشَّوْكَةُ: الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ. وَيُقَالُ السِّلَاحُ. {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ} [الأنفال: 7] أي: يظهره ويعليه، {بِكَلِمَاتِهِ} [الأنفال: 7] بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْقِتَالِ. وَقِيلَ: بِعِدَاتِهِ التي سبقت من إظهاره الدِّينِ وَإِعْزَازِهِ، {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] أَيْ: يَسْتَأْصِلَهُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، يَعْنِي كُفَّارَ الْعَرَبِ. [8] {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} [الأنفال: 8] ليثبت الإسلام، {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} [الأنفال: 8] أَيْ: يُفْنِي الْكُفْرَ: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] الْمُشْرِكُونَ. وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي] مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. . . . [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9] تَسْتَجِيرُونَ بِهِ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَتَطْلُبُونَ منه الغوث والنصر {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ} [الأنفال: 9] مُرْسِلٌ إِلَيْكُمْ مَدَدًا وَرِدْءًا لَكُمْ، {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدَّالِّ، أَيْ: أَرْدَفَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ بِهِمْ مَدَدًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: مُتَتَابِعِينَ بَعْضُهُمْ فِي إِثْرِ بَعْضٍ، يُقَالُ: أردفته وردفته بمعنى تبعته. [10] قَوْلُهُ تَعَالِي: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ} [الأنفال: 10] يَعْنِي: الْإِمْدَادَ بِالْمَلَائِكَةِ، {إِلَّا بُشْرَى} [الأنفال: 10] أَيْ: بِشَارَةً {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] [11] {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ} [الأنفال: 11] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (يَغْشَاكُمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ (النُّعَاسُ) رَفْعٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ {أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} [آل عمران: 154] قرأ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: (يُغْشِيكُمُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وكسر الشين مخففا، {النُّعَاسَ} [الأنفال: 11] نَصْبٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} [يونس: 27]

وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشين مشددا، {النُّعَاسَ} [الأنفال: 11] نَصْبٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النَّجْمُ: 54] وَالنُّعَاسُ. النَّوْمُ الخفيف. {أَمَنَةً} [الأنفال: 11] أمنا {مِنْهُ} [الأنفال: 11] مَصْدَرُ أَمِنْتُ أَمْنًا وَأَمَنَةً وَأَمَانًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رصي اللَّهُ عَنْهُ: النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ وَفِي الصَّلَاةِ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى كَثِيبٍ أَعْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الْأَقْدَامُ وَحَوَافِرُ الدَّوَابِّ، وَسَبَقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، وَأَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ مُحْدِثِينِ وَبَعْضُهُمْ مُجْنِبِينَ، وَأَصَابَهُمُ الظَّمَأُ، وَوَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَفِيكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ وَمُجْنِبِينَ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ أَنْ تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مَطَرًا سَالَ مِنْهُ الْوَادِي، فَشَرِبَ المؤمنون، واغتسلوا، وتوضؤوا، وسقوا الركاب، وملؤوا الْأَسْقِيَةَ، وَأُطْفِأَ الْغُبَارُ، وَلَبَّدَ الْأَرْضَ حَتَّى ثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَامُ، وَزَالَتْ عَنْهُمْ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ، وَطَابَتْ أَنْفُسُهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَةِ، {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [الأنفال: 11] وسوسته، {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} [الأنفال: 11] بِالْيَقِينِ وَالصَّبْرِ، {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] حَتَّى لَا تَسُوخَ فِي الرَّمْلِ بِتَلْبِيدِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُثَبِّتُ بِهِ الْأَقْدَامَ بِالصَّبْرِ وَقُوَّةِ الْقَلْبِ. [12] {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ} [الأنفال: 12] الَّذِينَ أَمَدَّ بِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، {أَنِّي مَعَكُمْ} [الأنفال: 12] بِالْعَوْنِ وَالنَّصْرِ {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] أَيْ: قَوُّوا قُلُوبَهُمْ. قِيلَ: ذَلِكَ التَّثْبِيتُ حُضُورُهُمْ مَعَهُمُ الْقِتَالَ وَمَعُونَتُهُمْ، أَيْ: ثَبِّتُوهُمْ بِقِتَالِكُمْ مَعَهُمُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ. بَشِّرُوهُمْ بِالنَّصْرِ، وَكَانَ الْمَلِكُ يَمْشِي أَمَامَ الصَّفِّ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَيَقُولُ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ. {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12] قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ الْخَوْفَ مِنْ أوليائي، {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال: 12] قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. وقيل. هذا خطاب جمع الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] وقوله: {فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال: 12] قال عكرمة: يعني الرؤوس لِأَنَّهَا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ فَاضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ، وَفَوْقَ صِلَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [مُحَمَّدٌ: 4] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَاضْرِبُوا عَلَى الْأَعْنَاقِ، فَوْقَ بِمَعْنَى عَلَى. {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] قَالَ عَطِيَّةُ: يَعْنِي كُلَّ مُفَصَّلٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْأَطْرَافَ، وَالْبَنَانُ جُمَعُ بَنَانَةٍ، وَهِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ والرجلين. [13] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ} [الْأَنْفَالِ: 13] خَالَفُوا اللَّهَ،

قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما

{وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 13] [14] {ذَلِكُمْ} [الأنفال: 14] أَيْ: هَذَا الْعَذَابُ وَالضَّرْبُ الَّذِي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَفَّارُ بِبَدْرٍ {فَذُوقُوهُ} [الأنفال: 14] عاجلا، {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 14] أَيْ: وَاعْلَمُوا، وَأَيْقِنُوا أَنَّ لِلْكَافِرِينَ أَجَلًا فِي الْمَعَادِ، {عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال: 14] [15] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} [الأنفال: 15] أي: مجتمعين متزاحفين بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَالتَّزَاحُفُ: التَّدَانِي فِي الْقِتَالِ: وَالزَّحْفُ مُصْدَرٌ لِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ، كَقَوْلِهِمْ: قَوْمٌ عَدْلٌ وَرِضَا. قَالَ اللَّيْثُ: الزَّحْفُ جَمَاعَةٌ يَزْحَفُونَ إِلَى عَدُوٍّ لَهُمْ بِمَرَّةٍ، فَهُمُ الزَّحْفُ، وَالْجَمْعُ الزُّحُوفُ، {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] يَقُولُ: فَلَا تُوَلُّوهُمْ ظُهُورَكُمْ أَيْ: لا تَنْهَزِمُوا فَإِنَّ الْمُنْهَزِمَ يُوَلِّي دُبُرَهُ. [16] {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] ظهره، {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} [الأنفال: 16] أَيْ: مُنْعَطِفًا يَرَى مِنْ نَفْسِهِ الِانْهِزَامَ، وَقَصْدُهُ طَلَبُ الْغِرَّةِ وَهُوَ يُرِيدُ الْكَرَّةَ، {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] أَيْ: مُنْضَمًّا صَائِرًا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ الْعَوْدَ إِلَى الْقِتَالِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الِانْهِزَامِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالتَّوَلِّي عَنْهُمْ، إِلَّا عَلَى نِيَّةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ وَالِانْضِمَامِ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ليستعين بهم، ويعود إِلَى الْقِتَالِ، فَمَنْ وَلَّى ظَهْرَهُ لَا عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى. {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16] واختلف الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: هَذَا فِي أَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً، مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُمُ الِانْهِزَامُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ معهم، ولم يكن ليهم فِئَةٌ يَتَحَيَّزُونَ إِلَيْهَا دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوِ انْحَازُوا لَانْحَازُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ فِئَةٌ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ الْفَارُّ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَلَا يَكُونُ فِرَارُهُ كَبِيرَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. أَوْجَبَ اللَّهُ النَّارَ لِمَنْ فَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آلُ عِمْرَانَ: 155] ثُمَّ كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ بَعْدَهُ فَقَالَ: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التَّوْبَةِ: 25] {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التَّوْبَةُ: 27] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «كُنَّا فِي جَيْشٍ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، فَانْهَزَمْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمُ الْكَرَّارُونَ، أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ» (¬1) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَمَّا قُتِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: لَوِ انْحَازَ إِلَيَّ كُنْتُ لَهُ فِئَةً فَأَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُكْمُ الْآيَةِ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ وَلَّى مُنْهَزِمًا. جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مِنَ الْكَبَائِرِ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ" (¬2) وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} [الْأَنْفَالُ: 66] فَلَيْسَ لِقَوْمٍ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ مِثْلِهِمْ فَنُسِخَتْ تِلْكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانُوا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا أَوْ يُوَلُّوا ظُهُورَهُمْ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا ظُهُورَهُمْ، وَيَنْحَازُوا عَنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ فَرَّ مِنْ ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا] رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى. . . . [17] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] قال مجاهد. سبب نزول هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا انْصَرَفُوا عَنِ الْقِتَالِ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أَنَا قَتَلْتُ فَلَانًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَمَعْنَاهُ: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ أَنْتُمْ بِقُوَّتِكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قتلهم بنصرته إِيَّاكُمْ وَتَقْوِيَتِهِ لَكُمْ. وَقِيلَ: لَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بِإِمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في الجهاد 5 / 378 وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود في الجهاد 3 / 438، وسعيد بن منصور في السنن 2 / 209، 210، والشافعي في المسند 2 / 116. (¬2) جاء في أحاديث في أن الفرار من الزحف كبيرة.

فلما أقبلت قريش يوم بدر، ورآها رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتِنِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَارْمِهِمْ بِهَا، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ تَنَاوَلَ كَفًّا مِنْ حَصَى عَلَيْهِ تُرَابٌ، فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مُشْرِكٌ إِلَّا دَخَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ وَمَنْخَرَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَانْهَزَمُوا وَرَدِفَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهُمْ، وَيَأْسِرُونَهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَرْمِيَ كَفًّا مِنَ الْحَصَا إِلَى وُجُوهِ جَيْشٍ، فَلَا يَبْقَى فِيهِمْ عَيْنٌ إِلَّا، وَيُصِيبُهَا مِنْهُ شَيْءٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا بَلَّغْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَلَّغَ. وَقِيلَ: وَمَا رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ إِذْ رمشا بِالْحَصْبَاءِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى انْهَزَمُوا، {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} [الأنفال: 17] أَيْ: وَلِيُنْعِمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [الأنفال: 17] لدعائكم، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] بنايتكم. [18] {ذَلِكُمْ} [الأنفال: 18] الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْقَتْلِ وَالرَّمْيِ والبلاء الحسن، {وَأَنَّ اللَّهَ} [الأنفال: 18] قِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: وَاعْلَمُوا أن الله {مُوهِنُ} [الأنفال: 18] مضعف، {كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: (مُوَهِّنٌ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ، (كيدَ) نَصْبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "مُوهِنٌ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّنْوِينِ إِلَّا حَفْصًا، فَإِنَّهُ يُضِيفُهُ فلا ينون ويخفض ماله {كَيْدِ} [الأنفال: 18] [19] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19] وذلك أن أبا جهل -لعنه الله- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ: اللَّهُمَّ أَقَطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَمْ نَعْرِفْ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ، فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ خَرَجُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ أَخَذُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ، وَأَهْدَى الْفِئَتَيْنِ، وَأَكْرَمَ الْحِزْبَيْنِ، وَأَفْضَلَ الدِّينَيْنِ فَفِيهِ نَزَلَتْ: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19] أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَاللَّهِ لَا نَعْرِفُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ فَافْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْحَقِّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19] أَيْ إِنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْقَضَاءُ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هَذَا خِطَابٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَالنَّصْرُ قوله: {وَإِنْ تَنْتَهُوا} [الأنفال: 19] يَقُولُ لِلْكُفَّارِ: إِنْ تَنْتَهُوا عَنِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَقِتَالِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا} [الأنفال: 19] لحربه وقتاله، {نَعُدْ} [الأنفال: 19] بِمِثْلِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقِيلَ: وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى الدُّعَاءِ وَالِاسْتِفْتَاحِ نَعُدْ لِلْفَتْحِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ} [الأنفال: 19]

جَمَاعَتُكُمْ، {شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وحفص {وَأَنَّ اللَّهَ} [الأنفال: 19] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: وَلِأَنَّ اللَّهَ مع المؤمنين، كذلك {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا} [الأنفال: 19] وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (وَإِنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. [20] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ} [الأنفال: 20] أَيْ: لَا تُعْرِضُوا عَنْهُ، {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] الْقُرْآنَ وَمَوَاعِظَهُ. [21] {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] أَيْ: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ سَمِعْنَا بِآذَانِنَا، وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، أَيْ: لَا يَتَّعِظُونَ، وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِسَمَاعِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا. [22] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنفال: 22] أَيْ: شَرُّ مَنْ دَبَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، {الصُّمُّ الْبُكْمُ} [الأنفال: 22] عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ، وَلَا يقولونه، {الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّاهُمْ (دواب) لِقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الْأَعْرَافُ: 179] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، كَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ، وَكَانُوا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلَانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَسُوَيْبِطُ بْنُ حَرْمَلَةَ. [23] {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] أَيْ: لَأَسْمَعَهُمْ سَمَاعَ التَّفَهُّمِ وَالْقَبُولِ، {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ مَا انْتَفَعُوا بِذَلِكَ، {لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] لِعِنَادِهِمْ وَجُحُودِهِمُ الْحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أحيي لَنَا قُصَيًّا فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا مُبَارَكًا حَتَّى يَشْهَدَ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ فَنُؤْمِنَ بِكَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] كَلَامَ قُصَيٍّ {لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] [24] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24] يَقُولُ أَجِيبُوهُمَا بِالطَّاعَةِ، {إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] أَيْ: إِلَى مَا يُحْيِيكُمْ. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْإِيمَانُ، لِأَنَّ الْكَافِرَ مَيِّتٌ فَيَحْيَا بِالْإِيمَانِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْقُرْآنُ فِيهِ الْحَيَاةُ وَبِهِ النَّجَاةُ وَالْعِصْمَةُ فِي الدَّارَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْحَقُّ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ الْجِهَادُ أَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الذُّلِّ. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: بَلِ الشَّهَادَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاءِ: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 169] «وَرَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَدَعَاهُ، فَعَجِلَ أُبَيُّ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ " قَالَ: كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، قال: لا أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ؟ فَقَالَ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُ، وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا» (¬1) ". قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَفْرِ وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَالْإِيمَانِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالطَّاعَةِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فَلَا يَعْقِلُ، وَلَا يَدْرِي مَا يَعْمَلُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ، فلا تستطيع أَنْ يُؤْمِنَ، وَلَا أَنْ يَكْفُرَ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: هُوَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا دُعُوا إِلَى الْقِتَالِ فِي حَالَةِ الضَّعْفِ سَاءَتْ ظُنُونُهُمْ، وَاخْتَلَجَتْ صُدُورُهُمْ فَقِيلَ لَهُمْ: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فَيُبَدِّلُ الْخَوْفَ أَمْنًا وَالْجُبْنَ جُرْأَةً. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] فيجزيكم بأعمالكم. عن أنس بن ¬

(¬1) أخرجه الطبري في التفسير 13 / 467 وأخرجه بنحوه الترمذي في فضائل الأعمال 8 / 178 - 180 وقال: حديث حسن صحيح، والإمام أحمد في المسند 2 / 412، 413، وأخرجه البخاري بغير هذا السياق في التفسير 8 / 156.

قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في

مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ. «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله يقلبها كيف شاء» (¬1) . [25] {وَاتَّقُوا فِتْنَةً} [الأنفال: 25] اختبارا وبلاء {لَا تُصِيبَنَّ} [الأنفال: 25] قوله: {لَا تُصِيبَنَّ} [الأنفال: 25] لَيْسَ بِجَزَاءٍ مَحْضٍ، وَلَوْ كَانَ جَزَاءً لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ النُّونُ، لَكِنَّهُ نَفْيٌ، وَفِيهِ طَرَفٌ مِنَ الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} [النَّمْلُ: 18] وَتَقْدِيرُهُ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً إِنْ لَمْ تَتَّقُوهَا أَصَابَتْكُمْ، فهو كقول القائل: انزل على الدابة لا تطرحك، ولا تَطْرَحَنَّكَ، فَهَذَا جَوَابُ الْأَمْرِ بِلَفْظِ النفي، مَعْنَاهُ إِنْ تَنْزِلْ لَا تَطْرَحْكَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَاهُ: اتَّقُوا فِتْنَةً تُصِيبُ الظَّالِمَ وَغَيْرَ الظَّالِمِ. قَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ الزُّبَيْرُ: لَقَدْ قَرَأْنَا هَذِهِ الْآيَةَ زَمَانًا، وَمَا أَرَانَا مِنْ أَهْلِهَا، فَإِذَا نَحْنُ الْمَعْنِيُّونَ بِهَا، يَعْنِي مَا كَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: هَذَا فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَتْهُمُ الْفِتْنَةُ يَوْمَ الْجَمَلِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهما اللَّهُ بِعَذَابٍ يُصِيبُ الظَّالِمَ وَغَيْرَ الظالم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ، فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ» (¬2) . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرَادَ بِالْفِتْنَةِ افْتِرَاقَ الْكَلِمَةِ ومخالفة بعضهم بعضا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مِنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (¬3) قَوْلُهُ: {لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] يَعْنِي الْعَذَابَ، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي] الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ. . . . [26] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 26] يقول: اذكروا يا معاشر الْمُهَاجِرِينَ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ فِي الْعَدَدِ مُسْتَضْعَفُونَ فِي أَرْضِ مَكَّةَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ {تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} [الأنفال: 26] يَذْهَبُ بِكُمُ النَّاسُ, يَعْنِي: كُفَّارَ مَكَّةَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كُفَّارُ الْعَرَبِ. وَقَالَ وَهْبٌ: فَارِسٌ وَالرُّومُ، {فَآوَاكُمْ} [الأنفال: 26] إلى المدينة، {وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} [الأنفال: 26] أَيْ: قَوَّاكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالْأَنْصَارِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قُوَّاكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بالملائكة، {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الأنفال: 26] يَعْنِي: الْغَنَائِمَ أَحَلَّهَا لَكُمْ، وَلَمْ يُحِلَّهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] [27] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [الأنفال: 27] قَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا يَسْمَعُونَ الشَّيْءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُفْشُونَهُ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَبِي لُبَابَةَ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم «لما حاصر يهود بني قريظة قالوا: أَرْسِلْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ مُنَاصِحًا لَهُمْ لِأَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَعِيَالَهُ كَانَتْ عِنْدَهُمْ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآتَاهُمْ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ مَا تَرَى أَنَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؟ فَأَشَارَ أَبُو لُبَابَةَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ فَلَا تَفْعَلُوا، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: وَاللَّهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 112، 257 والترمذي في القدر 6 / 349، وأخرجه مسلم من رواية عبد الله بن عمرو في القدر رقم (3654) 4 / 2045 وذكره البغوي في مصابيح السنة 1 / 141. (¬2) أخرجه الإمام أحمد في المسند 4 / 192 والطحاوي في مشكل الآثار 2 / 66 وعبد الله بن المبارك في الزهد رقم 1352 ص476 والمصنف في شرح السنة 14 / 346. (¬3) أخرجه البخاري في الفتن 13 / 29 وفي الأنبياء وفي المناقب ومسلم في الفتن رقم (2886) 4 / 2212 والمصنف في شرح السنة 15 / 22.

خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَدَّ نَفْسَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أبرح، وَلَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ، أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَهُ، قَالَ: أَمَا لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ له فأما إذ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَإِنِّي لَا أُطْلِقُهُ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَذُوقُ طَعَامًا، وَلَا شَرَابًا حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ نَفْسِي حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يحلني بيده، فَجَاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو لُبَابَةَ ": يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَجْزِيكَ الثُّلُثُ فَتَصَدَّقْ بِهِ» ، فَنَزَلَتْ فِيهِ {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [الأنفال: 27] {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال: 27] أَيْ: وَلَا تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] أَنَّهَا أَمَانَةٌ. وَقِيلَ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَا فَعَلْتُمْ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَلْقِ خِيَانَةٌ. قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا خَانُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَقَدْ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَخُونُوا اللَّهَ بِتَرْكِ فَرَائِضِهِ والرسول بترك سنته، وتخونوا أماناتكم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ مَا يَخْفَى عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ مِنْ فرائض الله، والأعمال التي ائتمت الله العباد عَلَيْهَا. قَالَ قَتَادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ دِينَ اللَّهِ أَمَانَةٌ، فَأَدُّوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَحُدُودِهِ، وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا. [28] {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28] قِيلَ: هَذَا أَيْضًا فِي أَبِي لُبَابَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَمْوَالَهُ وَأَوْلَادَهُ كَانُوا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ مَا قَالَ خَوْفًا عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هذا في جميع الناس {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28] لمن نصح لله ولرسوله وأدى أمانته. [29] عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ} [الأنفال: 29] بِطَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتَهُ، {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] قَالَ مُجَاهِدٌ: مَخْرَجًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مَخْرَجًا فِي الدِّينِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَجَاةً أَيْ يُفَرِّقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَا تَخَافُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ. بَيَانًا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ يُظْهِرُ اللَّهُ بِهِ حَقَّكُمْ، وَيُطْفِئُ بَاطِلَ مَنْ خَالَفَكُمْ، وَالْفُرْقَانُ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ والنقصان، {وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [الأنفال: 29] يَمْحُ عَنْكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] [30] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] هَذِهِ الْآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} [الْأَنْفَالِ: 26] وَاذْكُرْ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كفروا {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ} [الأنفال: 32] لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَهَذَا الْمَكْرُ وَالْقَوْلُ إِنَّمَا كَانَا بِمَكَّةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهُمْ بِالْمَدِينَةِ كَقَوْلِهِ

تَعَالَى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] وَكَانَ هَذَا الْمَكْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: أَنَّ قُرَيْشًا فَرِقُوا لَمَّا أَسْلَمَتْ الْأَنْصَارُ أَنْ يَتَفَاقَمَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ كِبَارِهِمْ فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو جهل: أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ بَطْنٍ مِنْ قُرَيْشٍ شَابًّا نَسِيبًا وَسِيطًا فَتِيًّا، ثُمَّ يُعْطَى كُلُّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا، وَلَا أَظُنُّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَقْوَوْنَ عَلَى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا ذَلِكَ قَبِلُوا الْعَقْلَ، فَتُؤَدِّي قريش ديته، فَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ الَّذِي كَانَ يَبِيتُ فِيهِ، وَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَنَامَ في مضجعه، وقال له: اتشح بِبُرْدَتِي هَذِهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ مِنْهُمْ أَمْرٌ تَكْرَهُهُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ، فَأَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ عَنْهُ، فَجَعَلَ ينثر التراب على رؤوسهم، وَهُوَ يَقْرَأُ: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} [يس: 8] إِلَى قَوْلِهِ: {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] وَمَضَى إِلَى الْغَارِ مِنْ ثَوْرٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وخلَّف عَلِيًّا بِمَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ الودائع التي كانت عنده، وَكَانَتِ الْوَدَائِعُ تُودَعُ عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَرَأَوْا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، وَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْغَارَ رَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَهُ لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قدم المدينة، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] {لِيُثْبِتُوكَ} [الأنفال: 30] لِيَحْبِسُوكَ، وَيَسْجِنُوكَ، وَيُوثِقُوكَ، {أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال: 30] قَالَ الضَّحَّاكُ: يَصْنَعُونَ، وَيَصْنَعُ اللَّهُ، وَالْمَكْرُ التَّدْبِيرُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ المكر {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] [31] {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا} [الأنفال: 31] يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال: 31] وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَلِفُ تَاجِرًا إِلَى فَارِسٍ وَالْحِيرَةَ فَيَسْمَعُ أَخْبَارَ رُسْتُمَ وَاسْفَنْدَيَارَ، وَأَحَادِيثَ الْعَجَمِ، وَيَمُرُّ باليهود والنصارى فيراهم يقرؤون التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَيَرْكَعُونَ، وَيَسْجُدُونَ، فَجَاءَ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالَ النَّضْرُ: قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا، {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31] أَخْبَارُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَأَسْمَاؤُهُمْ، وَمَا سَطَّرَ الْأَوَّلُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَالْأَسَاطِيرُ: جُمْعُ أُسْطُورَةٍ، وَهِيَ الْمَكْتُوبَةُ، مِنْ قولهم: سطرت أي: كتبت. [32] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} [الأنفال: 32] الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ هَذَا الَّذِي يَقُولُ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، (والحقَّ) نُصِبَ بِخَبَرِ كَانَ، وَهُوَ عِمَادٌ وَصِلَةٌ: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الْأَنْفَالِ: 32] كَمَا أَمْطَرْتَهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، {أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الْأَنْفَالِ: 32] أَيْ: بِبَعْضِ مَا عَذَّبْتَ بِهِ الْأُمَمَ، وَفِيهِ نَزَلَ: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [الْمَعَارِجُ: 1] وَقَالَ عَطَاءٌ: لَقَدْ نَزَلَ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً، فَحَاقَ بِهِ مَا سَأَلَ مِنَ الْعَذَابِ يوم بدر، وَرَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ أَبُو جَهْلٍ لعنه اللَّهُ. [33] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هَذَا حِكَايَةٌ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ قَالُوهَا، وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْآيَةِ الْأُولَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَلَا يُعَذِّبُ أُمَّةً وَنَبِيُّهَا مَعَهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ جَهَالَتَهُمْ وَغَرَّتَهُمْ واستفتاحهم عمى أَنْفُسِهِمْ {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} [الأنفال: 32] الْآيَةَ،

قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون

وَقَالُوا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 34] وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ، وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِخْبَارًا عَنْ نَفْسِهِ: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 34] وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا، فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَجَمَاعَةٌ: تَأْوِيلُهَا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، قَالُوا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَبَقِيَتْ بِهَا بَقِيَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَغْفِرُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَعُذِّبُوا وَأَذِنَ، اللَّهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، فَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي وَعَدَهُمْ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: كَانَ فِيكُمْ أَمَانَانِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ مَضَى وَالِاسْتِغْفَارُ كَائِنٌ فِيكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ] عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ. . . . [34] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 34] أَيْ: وَمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذَّبُوا، يُرِيدُ بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْ بَيْنِهِمْ، {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الأنفال: 34] أَيْ: يَمْنَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَذَابِ الْأَوَّلِ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: بِالسَّيْفِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَوَّلِ عَذَابَ الدُّنْيَا، وَبِهَذِهِ الْآيَةِ عَذَابَ الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَةُ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى. (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) ، {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} [الأنفال: 34] قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} [الأنفال: 34] أَيْ: أَوْلِيَاءَ الْبَيْتِ، {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ} [الأنفال: 34] أَيْ. لَيْسَ أَوْلِيَاءُ الْبَيْتِ، {إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34] يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمُ طَائِرٍ أَبْيَضَ يَكُونُ بِالْحِجَازِ لَهُ صَفِيرٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا صَوْتَ مُكَاءٍ، وَالتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وهم عراة يصفرون، ويصفقون، فَالْمُكَاءُ: جَعْلُ الْأَصَابِعِ فِي الشِّدْقِ، وَالتَّصْدِيَةُ: الصَّفِيرُ، وَمِنْهُ الصَّدَى الَّذِي يَسْمَعُهُ الْمُصَوِّتُ فِي الْجَبَلِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّصْدِيَةُ صَدُّهُمُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَنِ الدِّينِ، وَالصَّلَاةِ وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: التَّصْدِدَةُ بِدَالَيْنِ، فَقُلِبَتْ إِحْدَى الدالين ياء كَمَا يُقَالُ: تَظَنَّيْتُ مِنَ الظَّنِّ وتقضَّى الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرَ أَيْ تَقَضَّضَ الْبَازِي. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّمَا سَمَّاهُ صَلَاةً لِأَنَّهُمْ

قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله

أمروا بالصلاة في المسجد الحرام، فَجَعَلُوا ذَلِكَ صَلَاتَهُمْ {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35] [36] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 36] أَيْ: لِيَصْرِفُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْمُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانُوا اثَّنَى عشر رجلا من قريش، وكان يُطْعِمُ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ. وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ. نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ أَنْفَقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} [الأنفال: 36] يُرِيدُ مَا أَنْفَقُوا فِي الدُّنْيَا يَصِيرُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ، {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] ولا يظفرون {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 36] منهم، {إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] خُصَّ الْكُفَّارُ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أسلم. [37] {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ} [الأنفال: 37] فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، {مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال: 37] يَعْنِي الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَيُنْزِلُ الْمُؤْمِنَ الْجِنَانَ وَالْكَافِرَ النِّيرَانَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْعَمَلُ الْخَبِيثُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الطَّيِّبِ، فَيُثِيبُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْجَنَّةَ، وَعَلَى الْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ النَّارَ، وَقِيلَ: يَعْنِي الْإِنْفَاقَ الْخَبِيثَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ مِنَ الْإِنْفَاقِ الطَّيِّبِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} [الأنفال: 37] أَيْ: فَوْقَ بَعْضٍ، {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا} [الأنفال: 37] أَيْ: يَجْمَعَهُ. وَمِنْهُ السَّحَابُ الْمَرْكُومُ، وَهُوَ الْمُجْتَمِعُ الْكَثِيفُ، فَيَجْعَلَهُ فِي جهنم {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37] الَّذِينَ خَسِرَتْ تِجَارَتُهُمْ، لِأَنَّهُمُ اشْتَرَوْا بأموالهما عَذَابَ الْآخِرَةِ. [38] {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا} [الأنفال: 38] عَنِ الشِّرْكِ {يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] أَيْ: مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، {وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38] فِي نَصْرِ اللَّهِ أَنْبِيَاءَهُ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: تَوْحِيدٌ لَمْ يَعْجَزْ عَنْ هَدْمِ مَا قَبْلَهُ مِنْ كَفْرٍ أرجو ألا يَعْجَزُ عَنْ هَدْمِ مَا بَعْدَهُ مِنْ ذَنْبٍ. [39] {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 39] أَيْ: شِرْكٌ. قَالَ الرَّبِيعُ: حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] أَيْ: وَيَكُونَ الدِّينُ خَالِصًا لِلَّهِ لَا شِرْكَ فِيهِ، {فَإِنِ انْتَهَوْا} [الأنفال: 39] عَنِ الْكُفْرِ، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] قَرَأَ يَعْقُوبُ (تَعْمَلُونَ) بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ الآخرون بالياء. [40] {وَإِنْ تَوَلَّوْا} [الأنفال: 40] عَنِ الْإِيمَانِ، وَعَادُوا إِلَى قِتَالِ أَهْلِهِ، {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ} [الأنفال: 40] نَاصِرُكُمْ وَمُعِينُكُمْ {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] أي: الناصر. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ] خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. . . . [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الْآيَةَ، الْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ اسْمَانِ لِمَالٍ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُمَا وَاحِدٌ. وذهب قوم على أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، فَالْغَنِيمَةُ: مَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ عَنْوَةً بِقِتَالٍ، وَالْفَيْءُ مَا كَانَ عَنْ صُلْحٍ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] فذهب أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (لِلَّهِ) افْتِتَاحُ كَلَامٍ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ، وَإِضَافَةِ هَذَا الْمَالِ إِلَى نَفْسِهِ لِشَرَفِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ سَهْمًا مِنَ الْغَنِيمَةِ لله مفردا، فَإِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ عز وبر. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ، قَالُوا: سَهْمُ اللَّهِ وَسَهْمُ الرَّسُولِ وَاحِدٌ. وَالْغَنِيمَةُ تُقَسَّمُ خَمْسَةُ أَخْمَاسٍ، أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا، وَالْخُمُسُ لِخَمْسَةِ أَصْنَافٍ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] قَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَسَّمُ الْخُمُسُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ، سَهْمٌ لِلَّهِ: فَيُصْرَفُ إِلَى الْكَعْبَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّ خُمْسَ الْغَنِيمَةِ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، سَهْمٌ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ وَالْيَوْمَ هُوَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا فِيهِ قُوَّةُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ

قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْعَلَانِ سَهْمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْدُودٌ فِي الْخُمُسِ وَالْخُمُسِ لِأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ. قَوْلُهُ: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] أَرَادَ أَنَّ سَهْمًا مِنَ الْخُمُسِ لِذَوِي الْقُرْبَى وَهُمْ أَقَارِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَقَالَ قَوْمٌ: جَمِيعُ قُرَيْشٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ لَا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: هُمْ بَنُو هَاشِمٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَلَيْسَ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً، والدليل عليه ما ورد عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سهما ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ أَحَدًا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ولا بني نوفل شيئا» (¬1) وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى هَلْ هُوَ ثَابِتٌ الْيَوْمَ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَقَالُوا: سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى مَرْدُودَانِ فِي الْخُمُسِ وَخُمْسُ الْغَنِيمَةِ لِثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَدُلَّانِ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يُعْطُونَهُ، وَلَا يُفَضَّلُ فَقِيرٌ عَلَى غَنِيٍّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ كَانُوا يُعْطُونَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ، فَأَلْحَقَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْمِيرَاثِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِاسْمِ الْقَرَابَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُعْطَى الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ. وَقَالَ: يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى فَيُعْطَى الرَّجُلُ سَهْمَيْنِ وَالْأُنْثَى سَهْمًا وَاحِدًا. قوله: {وَالْيَتَامَى} [الأنفال: 41] وَهُوَ جَمْعُ الْيَتِيمِ، وَالْيَتِيمُ الَّذِي لَهُ سَهْمٌ فِي الْخُمُسِ هُوَ الصَّغِيرُ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ إِذَا كَانَ فَقِيرًا، {وَالْمَسَاكِينِ} [الأنفال: 41] هُمْ أَهْلُ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ مِنَ المسلمين، {وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] هُوَ الْمُسَافِرُ الْبَعِيدُ عَنْ مَالِهِ، فَهَذَا مَصْرِفُ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَيُقَسَّمُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، لِلْفَارِسِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» (¬2) وَهَذَا قول أكثر أهل العلم، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَيُرْضَخُ لِلْعَبِيدِ وَالنِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ إِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ، وَيُقَسَّمُ الْعَقَارُ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ كَالْمَنْقُولِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْعَقَارِ بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَقْفًا عَلَى الْمَصَالِحِ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، وَمَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا فِي الْقِتَالِ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، لَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (¬3) وَالسَّلَبُ: كُلُّ مَا يَكُونُ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ مَلْبُوسٍ وَسِلَاحٍ وَفَرَسُهُ الَّذِي هُوَ رَاكِبُهُ، وَيَجُوزُ للإمام أن ينقل بَعْضَ الْجَيْشِ مِنَ الْغَنِيمَةِ لِزِيَادَةِ عَنَاءٍ وَبَلَاءٍ يَكُونُ مِنْهُمْ فِي الْحَرْبِ يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْجَيْشِ، وَيَجْعَلُهُ أُسْوَةَ الْجَمَاعَةِ في سهمان الغنيمة. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأنفسهم خاصة سوف قسم عامة الجيش» (¬4) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّفْلَ مِنْ أين يعطى؟ ¬

(¬1) أخرجه الشافعي في المسند 2 / 112 والمصنف في شرح السنة 11 / 126. (¬2) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 67 ومسلم في الجهاد والسير رقم (1762) 3 / 1382 والمصنف في شرح السنة 11 / 101. (¬3) رواه البخاري في المغازي 8 / 34، 35 والجهاد ومسلم في الجهاد والسير رقم (1751) 3 / 1370 والمصنف في شرح السنة 11 / 105. (¬4) أخرجه البخاري في فرض الخمس 6 / 237 ومسلم في الجهاد والسير رقم (. 173) 3 / 1369 والمصنف في شرح السنة 11 / 112.

فَقَالَ قَوْمٌ: مِنْ خُمْسِ الْخُمُسِ سَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «ما لي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» (¬1) وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ بَعْدَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ كَسِهَامِ الْغُزَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النَّفْلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْخُمُسِ كَالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ. وَأَمَّا الْفَيْءُ وَهُوَ مَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، بِأَنْ صَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ وَمَالُ الْجِزْيَةِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ يَمُوتُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا وَارِثَ لَهُ، فَهَذَا كُلُّهُ فَيْءٌ، وَمَالُ الْفَيْءِ كَانَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} [الحشر: 6] إِلَى قَوْلِهِ: {قَدِيرٌ} [الْحَشْرِ: 6] وَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لِلْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ أُثْبِتَتْ أَسَامِيهِمْ فِي دِيوَانِ الْجِهَادِ لِأَنَّهُمُ الْقَائِمُونَ مَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِرْهَابِ الْعَدُوِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيَبْدَأُ بِالْمُقَاتِلَةِ فَيُعْطَوْنَ مِنْهُ كِفَايَتَهُمْ، ثُمَّ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنَ الْمَصَالِحِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَخْمِيسِ الْفَيْءِ، فَذَهَبَ الشافعي إِلَى أَنَّهُ يُخَمَّسُ فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ الْغَنِيمَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَلِلْمَصَالِحِ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ بَلْ مَصْرِفُ جَمِيعِهِ وَاحِدٌ، وَلِجَمِيعِ المسلمين فيه حق قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ} [الأنفال: 41] قِيلَ: أَرَادَ اعْلَمُوا أَنَمَا غَنِمْتُمْ من شئ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ، يَأْمُرُ فِيهِ بِمَا يُرِيدُ، فَاقْبَلُوهُ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [الأنفال: 41] أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَنَا عَلَى عَبْدِنَا، يَعْنِي: قوله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1] {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الْأَنْفَالِ: 41] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41] حِزْبُ اللَّهِ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] عَلَى نَصْرِكُمْ مَعَ قِلَّتِكُمْ وَكَثْرَتِهِمْ. [42] {إِذْ أَنْتُمْ} [الأنفال: 42] أَيْ: إِذْ أَنْتُمْ نُزُولٌ يَا معشر المسلمين، {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} [الأنفال: 42] أَيْ: بِشَفِيرِ الْوَادِي الْأَدْنَى إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالدُّنْيَا. تَأْنِيثُ الْأَدْنَى، {وَهُمْ} [الأنفال: 42] يَعْنِي عَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} [الأنفال: 42] ¬

(¬1) رواه أبو داود في كتاب الجهاد 4 / 62 والنسائي في كتاب الفيء 7 / 131، الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 128.

قوله تعالى وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا

بِشَفِيرِ الْوَادِي الْأَقْصَى مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالْقُصْوَى تَأْنِيثُ الْأَقْصَى قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ (بِالْعِدْوَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِيهِمَا وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهِمَا، وَهُمَا لُغَتَانِ: كالكِسْوَةِ والْكُسْوَة والرِّشْوَة والرُّشْوَة. {وَالرَّكْبُ} [الأنفال: 42] يَعْنِي: الْعِيرَ يُرِيدُ أَبَا سُفْيَانَ وأصحابه، {أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 42] أَيْ: فِي مَوْضِعٍ أَسْفَلَ مِنْكُمْ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ بَدْرٍ، {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} [الأنفال: 42] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا لِيَأْخُذُوا الْعِيرَ، وَخَرَجَ الْكُفَّارُ لِيَمْنَعُوهَا، فَالْتَقَوْا عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} [الأنفال: 42] لقلتكم وكثرة عدوكم، {وَلَكِنْ} [الأنفال: 42] جَمَعَكُمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] مِنْ نَصْرِ أَوْلِيَائِهِ وَإِعْزَازِ دِينِهِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] أَيْ: لِيَمُوتَ مَنْ يَمُوتُ عَلَى بَيِّنَةٍ رَآهَا وَعِبْرَةٍ عَايَنَهَا، وَحُجَّةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ. {وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] وَيَعِيشَ مَنْ يَعِيشُ عَلَى بَيِّنَةٍ لِوَعْدِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الْإِسْرَاءُ: 15] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَعْنَاهُ لِيَكْفُرَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ حُجَّةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ، وَيُؤَمِنَ مَنْ آمَنَ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ، فَالْهَلَاكُ هُوَ الْكُفْرُ وَالْحَيَاةُ هِيَ الْإِيمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لِيُضِلَّ مَنْ ضَلَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَهْدِيَ مَنِ اهْتَدَى عَلَى بَيِّنَةٍ. قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ (حَيِيَ) بِيَائَيْنِ مِثْلَ (خَشِيَ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ. {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ} [الأنفال: 42] لدعائكم، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 42] بنياتكم. [43] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ} [الأنفال: 43] يُرِيكَ يَا مُحَمَّدُ الْمُشْرِكِينَ، {فِي مَنَامِكَ} [الأنفال: 43] أَيْ: نَوْمِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي مَنَامِكَ أَيْ: فِي عَيْنِكَ، لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْضِعُ النَّوْمِ. {قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ} [الأنفال: 43] لجبنتم {وَلَتَنَازَعْتُمْ} [الأنفال: 43] أي: اختلفتم {فِي الْأَمْرِ} [الأنفال: 43] أَيْ: فِي الْإِحْجَامِ وَالْإِقْدَامِ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} [الأنفال: 43] أَيْ: سَلَّمَكُمْ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْفَشَلِ، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلِمَ مَا فِي صُدُورِكُمْ مِنَ الْحُبِّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [44] {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} [الأنفال: 44] قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ الْعَدُوَّ قَلِيلٌ قَبْلَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِمَا رَأَى، فَلَمَّا الْتَقَوْا بِبَدْرٍ قَلَّلَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ قَلَّلُوا فِي أَعْيُنِنَا حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي أَتَرَاهُمْ سَبْعِينَ؟ قَالَ: أَرَاهُمْ مِائَةً، فَأَسَرْنَا رَجُلًا فَقُلْنَا: كَمْ كنتم؟ قال: ألفا. {وَيُقَلِّلُكُمْ} [الأنفال: 44] يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] قَالَ، السُّدِّيُّ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ الْعِيرَ قَدِ انْصَرَفَتْ. فَارْجِعُوا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: الْآنَ إِذْ بَرَزَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ؟ فَلَا تَرْجِعُوا حَتَّى تَسْتَأْصِلُوهُمْ، إِنَّمَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَكَلَةُ جَزُورٍ، فَلَا تَقْتُلُوهُمْ، وَارْبِطُوهُمْ بِالْحِبَالِ. يَقُولُهُ مِنَ الْقُدْرَةِ الَّتِي فِي نَفْسِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ. اسْتَقَلَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَجْتَرِئُوا عَلَى الْقِتَالِ، فَقَلَّلَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ لِكَيْ لَا يَجْبُنُوا، وَقَلَّلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ لِكَيْ لَا يَهْرَبُوا، {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا} [الأنفال: 44] من إعلاء الإسلام إعزاز أَهْلِهِ وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. {كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 44] كَائِنًا، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 44] [45] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} [الأنفال: 45] أي: جماعة كافرة {فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45] لقتالهم، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الأنفال: 45] أَيِ: ادْعُوا اللَّهَ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بهم، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] أَيْ: كُونُوا عَلَى رَجَاءِ الْفَلَاحِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا] وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. . . . [46] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا} [الأنفال: 46] لا تختلفوا، {فَتَفْشَلُوا} [الأنفال: 46] أَيْ: تَجْبُنُوا وَتَضْعُفُوا، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] قَالَ مُجَاهِدٌ: نُصْرَتُكُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: جَرَاءَتُكُمْ وَجَدُّكُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: حِدَّتُكُمْ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: قَوَّتُكُمْ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: دَوْلَتُكُمْ. والريح هاهنا

كِنَايَةٌ عَنْ نَفَاذِ الْأَمْرِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى الْمُرَادِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَبَّتْ رِيحُ فُلَانٍ إِذَا أَقْبَلَ أَمْرُهُ عَلَى مَا يُرِيدُ. قَالَ قَتَادَةُ بن زَيْدٍ: هُوَ رِيحُ النَّصْرِ لَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إِلَّا بِرِيحٍ يَبْعَثُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَضْرِبُ وُجُوهَ الْعَدُوِّ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُّورِ» (¬1) وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ» (¬2) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السيوف» (¬3) . [47] يقوله تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا} [الأنفال: 47] فخرا وأشرا، {وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47] قَالَ الزَّجَّاجُ: الْبَطَرُ الطُّغْيَانُ فِي النعمة وترك شكرها، الرياء: إِظْهَارُ الْجَمِيلِ لِيُرَى وَإِبْطَانُ الْقَبِيحِ، {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ حِينَ أَقْبَلُوا إِلَى بَدْرٍ، وَلَهُمْ بَغْيٌ وَفَخْرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُجَادِلُكَ، وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي» ، قَالُوا: لَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ إِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ فَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا، - وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهَا سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمُ بِهَا ثَلَاثًا فَنَنْحَرُ الْجَزُورَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَنَسْقِي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ فَلَا يَزَالُونَ يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا كؤوس الْمَنَايَا مَكَانَ الْخَمْرِ، وَنَاحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوَائِحُ مَكَانَ الْقِيَانِ، فَنَهَى اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ فِي نَصْرِ دِينِهِ وَمُؤَازَرَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [48] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [الأنفال: 48] وَكَانَ تَزْيِينُهُ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اجْتَمَعَتْ لِلسَّيْرِ ذَكَرَتِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَكَادَ ذَلِكَ أَنْ يُثْنِيَهُمْ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَايَتُهُ، فَتَبَدَّى لَهُمْ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جعشم، {وَقَالَ} [الأنفال: 48] لَهُمْ {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48] أي: مجير ¬

(¬1) رواه البخاري في الاستسقاء 2 / 520 والمغازي، ومسلم في الاستسقاء رقم (900) 2 / 617 ورواه الإمام أحمد في مسنده ج 1 / 223، 228 والمصنف في شرح السنة 4 / 387. (¬2) أخرجه أبو داود في الجهاد 4 / 7 والترمذي في السير 5 / 238 وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم 2 / 116 وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والإمام أحمد في المسند 5 / 444، 445. (¬3) رواه البخاري في الجهاد 6 / 130 ومسلم في الجهاد والسير رقم (1742) 3 / 1362 والمصنف في شرح السنة 11 / 38، 39.

لَكُمْ مِنْ كِنَانَةَ, {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ} [الأنفال: 48] أَيِ: الْتَقَى الْجَمْعَانِ رَأَى إِبْلِيسُ أثر الملائكة، نزلوا من السماء، وعلم أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} [الأنفال: 48] قَالَ الضَّحَّاكُ: وَلَّى مُدْبِرًا. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى عَلَى قَفَاهُ هَارِبًا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا الْتَقَوْا كَانَ إِبْلِيسُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى صُورَةِ سُرَاقَةَ آخذ بِيَدِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ, فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: أفرارا عن غَيْرِ قِتَالٍ؟ فَجَعَلَ يُمْسِكُهُ، فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ، وَانْطَلَقَ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ قَالُوا: هَزَمَ النَّاسَ سُرَاقَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُرَاقَةُ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنِّي هَزَمْتُ النَّاسَ, فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ بمسيركم حتى بلغتني هَزِيمَتَكُمْ, فَقَالُوا: أَمَا أَتَيْتَنَا فِي يَوْمِ كَذَا؟ فَحَلَفَ لَهُمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ الشَّيْطَانَ. قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: {وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} [الأنفال: 48] قال: رأى إبليس جبريل معتجرا بِبُرْدٍ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَفِي يَدِهِ اللِّجَامُ يَقُودُ الْفَرَسَ مَا ركب بعد. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِبْلِيسُ يَقُولُ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَصَدَقَ. وَقَالَ: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} [الأنفال: 48] وكذب والله ما به مَخَافَةِ اللَّهِ, وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ بِهِ وَلَا مَنَعَةَ، فَأَوْرَدَهُمْ وَأَسْلَمَهُمْ, وَذَلِكَ عَادَةُ عَدُوِّ اللَّهِ لِمَنْ أَطَاعَهُ إِذَا الْتَقَى الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ أَسْلَمَهُمْ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ. قال عَطَاءٌ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُهْلِكَنِي فِيمَنْ يَهْلَكُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خاف أم يَأْخُذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَعْرِفَ حالة فلا يطيعوه. قيل: مَعْنَاهُ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَيْ: أَعْلَمُ صِدْقَ وَعْدِهِ لِأَوْلِيَائِهِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ أَمْرِهِ. {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] قيل: مَعْنَاهُ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَقِيلَ: انْقَطَعَ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَخَافُ اللَّهَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: وَاللَّهُ شَدِيدُ العقاب. [49] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأنفال: 49] شَكٌّ وَنِفَاقٌ، {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49] يَعْنِي: غَرَّ الْمُؤْمِنِينَ دِينُهُمْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَحَبَسَهُمْ أَقْرِبَاؤُهُمْ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إِلَى بَدْرٍ أخرجهم كُرْهًا, فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى قِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ ارْتَابُوا، وَارْتَدُّوا, وَقَالُوا: غَرَّ هؤلاء دينهم، فقتلوا جميعا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 49] أَيْ: وَمَنْ يُسَلِّمُ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، وَيَثِقُ بِهِ، {فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} [الأنفال: 49] قَوِيٌّ يَفْعَلُ بِأَعْدَائِهِ مَا يَشَاءُ، {حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] لا يستوي بين وليه وعدوه. [50] {وَلَوْ تَرَى} [الأنفال: 50] يَا مُحَمَّدُ، {إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ} [الأنفال: 50] أَيْ: يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَهُمْ. اخْتَلَفُوا فِيهِ, قِيلَ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ تَضْرِبُ الْمَلَائِكَةُ وُجُوهَ الْكُفَّارِ وَأَدْبَارَهُمْ بِسِيَاطِ النَّارِ. وَقِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ يضربون {وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: يريد أستاههم لكن الله حيي كني. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ إذا أقبلوا بوجوههم بِالسُّيُوفِ, وَإِذَا وَلَّوْا أَدْرَكَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَضَرَبُوا أَدْبَارَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُرِيدُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمْ، وَمَا أَدْبَرَ, أَيْ: يَضْرِبُونَ أَجْسَادَهُمْ كُلَّهَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّوَفِّي الْقَتْلُ. {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] أي: وتقول لهم الْمَلَائِكَةِ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ يَضْرِبُونَ بِهَا الْكُفَّارَ, فَتَلْتَهِبُ النَّارُ فِي جِرَاحَاتِهِمْ, فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَقُولُونَ لَهُمْ ذلك بعد الموت. [51] {ذَلِكَ} [الأنفال: 51] أَيْ: ذَلِكَ الضَّرْبُ الَّذِي وَقَعَ بكم، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [الأنفال: 51] أَيْ: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51] [52] {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [الأنفال: 52] كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ.

قوله تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة

وَصَنِيعِهِمْ وَعَادَتِهِمْ، مَعْنَاهُ: أَنَّ عَادَةَ هَؤُلَاءِ فِي كُفْرِهِمْ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أَيْقَنُوا أَنَّ مُوسَى نَبِيٌّ مِنَ اللَّهِ فَكَذَّبُوهُ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ فَكَذَّبُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ عُقُوبَةً كَمَا أَنْزَلَ بِآلِ فِرْعَوْنَ. {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنفال: 52] أَيْ: {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 52] [قوله تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً] أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. . . . . [53] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُغَيِّرُ مَا أَنْعَمَ عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا هُمْ مَا بِهِمْ بِالْكُفْرَانِ وَتَرْكِ الشُّكْرِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ غَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ، فَسَلَبَهُمُ النِّعْمَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: نِعْمَةُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى قُرَيْشٍ وَأَهْلِ مَكَّةَ، فَكَذَّبُوهُ، وَكَفَرُوا بِهِ، فَنَقَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَنْصَارِ، {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] [54] {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [الأنفال: 54] كَصُنْعِ آلِ فِرْعَوْنَ, {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنفال: 54] مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ, {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنفال: 54] أَهْلَكْنَا بَعْضَهُمْ بِالرَّجْفَةِ، وَبَعْضَهُمْ بِالْخَسْفِ، وَبَعْضَهُمْ بِالْمَسْخِ، وَبَعْضَهُمْ بِالرِّيحِ، وَبَعْضَهُمْ بِالْغَرَقِ، فَكَذَلِكَ أَهْلَكْنَا كَفَّارَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ لَمَّا كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] يَعْنِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ. [55] {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ. [56] {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ} [الأنفال: 56] يَعْنِي عَاهَدْتَهُمْ، وَقِيلَ: أَيْ: عَاهَدْتَ مَعَهُمْ. وَقِيلَ: أَدْخَلَ مَنْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْعَهْدَ، {ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} [الأنفال: 56] وَهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعَانُوا الْمُشْرِكِينَ بِالسِّلَاحِ عَلَى قِتَالِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالُوا: نَسِينَا وَأَخْطَأْنَا، فعاهدهم الثانية، فنقضوا العهد, ومالؤوا الْكُفَّارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَرَكِبَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إِلَى مَكَّةَ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 56] لَا يَخَافُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي نقض العهد. [57] {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} [الأنفال: 57] تجدنهم، {فِي الْحَرْبِ} [الأنفال: 57] قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنْ أَدْرَكْتَهُمْ فِي الْحَرْبِ وَأَسَرْتَهُمْ، {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: 57] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَكِّلْ بِهِمْ من وراءهم. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنْذِرْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ. وَأَصْلُ التَّشْرِيدَ: التَّفْرِيقُ وَالتَّبْدِيدُ، مَعْنَاهُ فَرِّقْ بِهِمْ جَمْعَ كَلِّ نَاقِضٍ، أَيْ: افْعَلْ بهؤلاء الذين نقضوا عهدك، وجاؤوا لِحَرْبِكَ فِعْلًا مِنَ الْقَتْلِ وَالتَّنْكِيلِ، يَفْرَقُ مِنْكَ، وَيَخَافُكَ مَنْ خَلْفَهُمْ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57] يَتَذَكَّرُونَ، وَيَعْتَبِرُونَ فَلَا يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ. [58] {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} [الأنفال: 58] أَيْ: تَعْلَمَنَّ يَا مُحَمَّدُ،

قوله تعالى وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله

{مِنْ قَوْمٍ} [الأنفال: 58] معاهدين، {خِيَانَةً} [الأنفال: 58] نَقْضَ عَهْدٍ بِمَا يَظْهَرُ لَكُمْ مِنْهُمْ مِنْ آثَارِ الْغَدْرِ كَمَا ظَهَرَ مِنْ "قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ} [الأنفال: 58] فَاطْرَحْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، {عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58] يَقُولُ: أَعْلِمْهُمْ قَبْلَ حَرْبِكَ إِيَّاهُمْ أَنَّكَ قَدْ فَسَخْتَ الْعَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ وَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ سَوَاءً، فلا يتهموا أَنَّكَ نَقَضْتَ الْعَهْدَ بِنَصْبِ الْحَرْبِ مَعَهُمْ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] [59] ، قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا} [الأنفال: 59] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وحمزة وحفص {يَحْسَبَنَّ} [الأنفال: 59] بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، {سَبَقُوا} [الأنفال: 59] أَيْ: فَأَتَوْا، نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فمن قرأ بالياء يقول {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 59] أنفسهم سابقين فائتين من عَذَابِنَا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَعَلَى الْخِطَابِ. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ، أَيْ: لِأَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ، وَلَا يَفُوتُونَنِي، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. [60] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] الْإِعْدَادُ: اتِّخَاذُ الشَّيْءِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ. {مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] أَيْ: مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي تَكُونُ لَكُمْ قُوَّةً عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْلِ والسلاح. عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَى أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (¬1) وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الرُّومُ، وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» (¬2) قوله: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] يعني: ربطها واقتناءها لِلْغَزْوِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْقُوَّةُ الْحُصُونُ، وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ الْإِنَاثُ. وَرُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرْكَبُ فِي الْقِتَالِ إِلَّا الْإِنَاثَ لِقِلَّةِ صَهِيلِهَا. وَعَنْ أَبِي مُحَيْرِيزٍ قَالَ: كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَسْتَحِبُّونَ ذُكُورَ الْخَيْلِ عِنْدَ الصُّفُوفِ وَإِنَاثَ الْخَيْلِ عند البيات والغارات، عن عامر حدثنا عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يوم القيامة، والأجر والمغنم» (¬3) . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬4) {تُرْهِبُونَ بِهِ} [الأنفال: 60] تُخَوِّفُونَ {عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ} [الأنفال: 60] أَيْ: وَتُرْهِبُونَ آخَرِينَ، {مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمْ أَهْلُ فَارِسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، لَا تَعْلَمُونَهُمْ لِأَنَّهُمْ مَعَكُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: هُمْ كُفَّارُ الْجِنِّ. {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [الأنفال: 60] يوف لَكُمْ أَجْرُهُ، {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] لا تنقص أجوركم. [61] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} [الأنفال: 61] أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ، {فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] أَيْ: مِلْ إِلَيْهَا، وَصَالِحْهُمْ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّ هَذِهِ الآية منسوخة بقوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61] ! ثق بِاللَّهِ, {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] [قوله تعالى وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ] هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. . . . [62] {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ} [الأنفال: 62] يَغْدِرُوا، وَيَمْكُرُوا بِكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ. {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} [الأنفال: 62] كَافِيكَ اللَّهُ، {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] أَيْ: بِالْأَنْصَارِ. [63] {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] أَيْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحَنٌ وَثَارَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الإمارة رقم (1917) 3 / 1522. (¬2) أخرجه مسلم في الموضع السابق. (¬3) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 56 مسلم في الإمارة (1872) 1493. (¬4) أخرجه البخاري في الجهاد 6 / 57 المصنف في شرح السنة 10 / 388.

فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً، {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] [64] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ (مَنْ) فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَلُّهُ خَفْضٌ، عَطْفًا عَلَى الْكَافِ في قوله. {حَسْبُكَ اللَّهُ} [الأنفال: 64] وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَعْنَاهُ: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمُتَّبِعُوكَ من المؤمنين. [65] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال: 65] أَيْ: حُثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ. {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ} [الأنفال: 65] رجلا, {صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] محتسبون, {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] مِنْ عَدُوِّهِمْ يَقْهَرُوهُمْ، {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ} [الأنفال: 65] صَابِرَةٌ مُحْتَسِبَةٌ، {يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 65] ذَلِكَ {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] أَيْ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ احْتِسَابٍ، وَلَا طَلَبِ ثَوَابٍ، وَلَا يَثْبُتُونَ إِذَا صَدَقْتُمُوهُمُ الْقِتَالَ خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَلُوا، وَهَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَكَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَ عَشَرَةٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَثَقُلَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَزَلَ: [66] {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66] ضَعْفًا فِي الْوَاحِدِ عَنْ قِتَالِ الْعَشَرَةِ وَفِي الْمِائَةِ عَنْ قِتَالِ الألف ط، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: ضُعَفَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ عَلَى الْجَمْعِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ، {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66] مِنَ الْكُفَّارِ، {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] فَرَدَّ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الِاثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا. وَقَالَ سُفْيَانُ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا. [67] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ. تَكُونَ بِالتَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: (أسارَى) ، وَالْآخَرُونَ. (أسْرَى) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسْرَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ، وَاسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ، وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ نضرب أعناقهم، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ، فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ، ثُمَّ أضرم عليهم نارا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ

قوله تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من

قال رسول الله: " أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَلَا يُفْلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضرب عنق ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] » (¬1) . قوله: {أَسْرَى} [الأنفال: 67] جَمْعُ أَسِيرٍ مِثْلَ قَتْلَى وَقَتِيلٍ. قَوْلُهُ: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] أَيْ: يُبَالِغُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وأسرهم، {تُرِيدُونَ} [الأنفال: 67] أيها المؤمنون {عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67] بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ، {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67] يُرِيدُ لَكُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِقَهْرِكُمُ المشركين ونصركم دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] وَكَانَ الْفِدَاءُ لِكُلِّ أَسِيرٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا، وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْأَسَارَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [مُحَمَّدٌ: 4] فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِ الْأَسَارَى بِالْخِيَارِ إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا أعتقوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم. [68] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْغَنَائِمُ حَرَامًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ فَكَانُوا إِذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنَ الغَنَائِمِ جَعَلُوهُ لِلْقُرْبَانِ، فَكَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْغَنَائِمِ، وَأَخَذُوا الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] يَعْنِي لَوْلَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِأَنَّهُ يُحِلُّ لَكُمُ الْغَنَائِمَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، وَأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ قَوْمًا فَعَلُوا أَشْيَاءَ بِجَهَالَةٍ. {لَمَسَّكُمْ} [الأنفال: 68] لنالكم وأصابكم، {فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] مِنَ الْفِدَاءِ قَبْلَ أَنْ تُؤْمَرُوا به {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] [69] {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69] رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى كَفَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْدِيَهُمْ عَمَّا أَخَذُوا مِنَ الْفِدَاءِ فَنَزَلَ: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} [الأنفال: 69] وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. «أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» . [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ] الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ. . . . [70] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ: (مِنَ الْأَسَارَى) بِالْأَلِفِ وَالْبَاقُونَ بِلَا أَلِفٍ، نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَأَنَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ قد خَرَجَ بِعِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ ليطعم بها الناحر، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَاقْتَتَلُوا، وَبَقِيَتْ الْعِشْرُونَ أُوقِيَّةً مَعَهُ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ فِي الْحَرْبِ، فَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَسِبَ الْعِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ فِدَائِهِ فَأَبَى، وَقَالَ: «أَمَّا شيءٌ خرجْتَ تستعينُ بِهِ عَلَيْنَا فَلَا أَتْرُكُهُ لَكَ» ، وَكُلِّفَ فَدَاءَ ابْنَيْ أخيه عقيل ابن أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا مُحَمَّدُ تَرَكْتَنِي أَتَكَفُّفُ قُرَيْشًا مَا بَقِيتُ؟ فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ وَقْتَ خُرُوجِكَ مِنْ مَكَّةَ، وَقُلْتَ لَهَا: إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِ اللَّهِ وَلِعُبَيْدِ اللَّهِ وَلِلْفَضْلِ وَقَثْمٍ "، يَعْنِي بنيه الأربعة، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ ¬

(¬1) صحيح. أخرجه مسلم (1763 / 58) كتاب الجهاد والسير، وله شواهد كثيرة.

قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ الْعَبَّاسُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70] الذين أخذتم مِنْهُمُ الْفِدَاءَ {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال: 70] أَيْ: إِيمَانًا، {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 70] من الفداء، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70] ذنوبكم {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70] قَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأَبْدَلَنِي اللَّهُ عَنْهَا عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ تَاجِرٌ يَضْرِبُ بِمَالٍ كَثِيرٍ وَأَدْنَاهُمْ يَضْرِبُ بِعِشْرِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مَكَانَ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وَأَعْطَانِي زَمْزَمَ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا جَمِيعَ أَمْوَالِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. [71] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ} [الأنفال: 71] يَعْنِي الْأَسَارَى، {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} [الأنفال: 71] ببدر، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَرَادَ بِالْخِيَانَةِ الْكُفْرَ، أَيْ: إِنْ كَفَرُوا بِكَ، فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قَبْلُ، فَأَمْكَنُ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِبَدْرٍ حَتَّى قَتَلُوهُمْ، وَأَسَرُوهُمْ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ إِنْ عَادُوا إِلَى قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ ومعاداتهم. [72] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا} [الأنفال: 72] أَيْ: هَجَرُوا قَوْمَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، يَعْنِي المهاجرين من مكة، {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا} [الأنفال: 72] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ، أَيْ: أَسْكَنُوهُمْ منازلهم {وَنَصَرُوا} [الأنفال: 72] أَيْ: وَنَصَرُوهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ} [الأنفال: 72] دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ. قِيلَ: فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَكَانَ مَنْ آمَنَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ حَتَّى كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ، وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَتَوَارَثُوا بِالْأَرْحَامِ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 72] يعني الميراث، {حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72] قَرَأَ حَمْزَةُ (وِلَايَتِهِمُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُمَا وَاحِدٌ كَالدِّلَالَةِ وَالدَّلَالَةِ. {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الأنفال: 72] أَيِ: اسْتَنْصَرَكُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا، {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72] عَهْدٌ فَلَا تَنْصُرُوهُمْ عَلَيْهِمْ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72] [73] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ، أَيْ: يَرِثُ الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 73] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا تَأْخُذُوا فِي الْمِيرَاثِ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِلَّا تَعَاوَنُوا وَتَنَاصَرُوا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ

سورة التوبة

دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ} [الأنفال: 73] وَهُوَ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ دون المؤمن {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] فَالْفِتْنَةُ فِي الْأَرْضِ قُوَّةُ الْكُفْرِ، وَالْفَسَادُ الْكَبِيرُ ضَعْفُ الْإِسْلَامِ. [74] {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 74] وَلَا رَيْبَ فِي إِيمَانِهِمْ. قِيلَ: حَقَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَبَذْلِ الْمَالَ فِي الدِّينِ، {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] فِي الْجَنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ مَعْنَى فِي تَكْرَارِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قِيلَ: الْمُهَاجِرُونَ كَانُوا عَلَى طَبَقَاتٍ فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَهْلَ الْهِجْرَةِ الْأُولَى وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَهْلُ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قبل فتت مَكَّةَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ ذَا هِجْرَتَيْنِ: هِجْرَةُ الْحَبَشَةِ وَالْهِجْرَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى الْهِجْرَةُ الْأُولَى. وَمِنَ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ. [75] قَوْلُهُ {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 75] أَيْ: مَعَكُمْ، يُرِيدُ أَنْتُمْ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْكُمْ، {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] وَهَذَا نَسَخَ التَّوَارُثَ بِالْهِجْرَةِ، وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ. قَوْلُهُ: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنَ، يَعْنِي: الْقِسْمَةُ الَّتِي بَيَّنَهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] [سورة التوبة] [قَوْلُهُ تَعَالَى بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ] مِنَ الْمُشْرِكِينَ. . . . (9) سُورَةُ التَّوْبَةِ قَالَ مُقَاتِلٌ: هَذِهِ السورة مدنية كلها إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: هِيَ الْفَاضِحَةُ مَا زَالَتْ تَنْزِلُ فيهم حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا، قَالَ. قُلْتُ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ؟ قَالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ, قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُلْ سُورَةُ بني النضير. [1] قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1] أَيْ: هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ. وَهِيَ مَصْدَرٌ كَالنَّشَاءَةِ وَالدَّنَاءَةِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَرْجُفُونَ الْأَرَاجِيفَ، وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ عُهُودًا كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58] الآية. قَالَ الزَّجَّاجُ: بَرَاءَةٌ أَيْ: قَدْ برئ الله وَرَسُولُهُ مِنْ إِعْطَائِهِمُ الْعُهُودَ وَالْوَفَاءِ لَهُمْ بِهَا إِذَا نَكَثُوا, {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] الْخِطَابُ مَعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي عَاهَدَهُمْ وَعَاقَدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ وَأَصْحَابُهُ رَاضُونَ بِذَلِكَ, فَكَأَنَّهُمْ عَاقَدُوا، وعاهدوا

[2] {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} [التوبة: 2] رجع من الخبر إلى والخطاب، أَيْ: قُلْ لَهُمْ سِيحُوا أَيْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ آمِنِينَ غَيْرَ خَائِفِينَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} [التوبة: 2] أَيْ: غَيْرُ فَائِتِينَ وَلَا سَابِقِينَ {وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [التوبة: 2] أَيْ: مُذِلُّهُمْ بِالْقَتْلِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا التَّأْجِيلِ وَفِي هَؤُلَاءِ الذي بَرِئَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ العهود التي، وكانت بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ: هَذَا تَأْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ، عَهْدِهِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ رَفَعَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَتْ مدته أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حَطَّهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ بِغَيْرِ أَجَلٍ مَحْدُودٍ حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هُوَ حَرْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فيقتل حيث يدرك وَيُؤْسَرُ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَابْتِدَاءُ هَذَا الْأَجَلِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَانْقِضَاؤُهُ إِلَى عَشْرٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإِنَّمَا أَجَلُهُ انْسِلَاخُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْمًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ شوال وذو القعدة وذي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَوَّالٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الأصوب وعليه الأكثرون. [3] {وَأَذَانٌ} [التوبة: 3] عطف على قوله: {بَرَاءَةٌ} [التوبة: 1] أَيْ: إِعْلَامٌ. وَمِنْهُ الْأَذَانُ بِالصَّلَاةِ، يُقَالُ: آذَنْتُهُ فَأَذِنَ أَيْ أَعْلَمْتُهُ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ أَيْ: أَوْقَعْتُهُ فِي أُذُنِهِ، {مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] اختلفوا في يوم الحج الأكبر، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ الزبير. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ حِينَ الْحَجِّ أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا. وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ. يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَيَّامُ مِنَى كُلُّهَا، مِثْلُ يَوْمِ صِفِّينَ وَيَوْمِ الْجَمَلِ وَيَوْمِ بُعَاثَ يُرَادُ بِهِ الْحِينُ وَالزَّمَانُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوبَ دَامَتْ أَيَّامًا كَثِيرَةً. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ وَعِيدُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ إِفْرَادُ الْحَجِّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ. قِيلَ لَهَا الْأَصْغَرُ لِنُقْصَانِ أَعْمَالِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] أَيْ: وَرَسُولُهُ أَيْضًا بَرِيءٌ مِنَ المشركين. وقرأ يعقوب بِنَصْبِ اللَّامِ أَيْ: أَنَّ اللَّهَ ورسوله برئ. {فَإِنْ تُبْتُمْ} [التوبة: 3] رَجَعْتُمْ مِنْ كُفْرِكُمْ، وَأَخْلَصْتُمُ التَّوْحِيدَ، {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} [التوبة: 3] أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3] [4] {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 4] هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] إِلَّا مِنْ عَهْدِ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ حَيٌّ مِنْ كِنَانَةَ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِمْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 4] مِنْ عَهْدِهِمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، {وَلَمْ يُظَاهِرُوا} [التوبة: 4] لم يعاونوا، {عَلَيْكُمْ أَحَدًا} [التوبة: 4] مِنْ عَدُوِّكُمْ. وَقَرَأَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: (لَمْ يَنْقُضُوكُمْ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} [التوبة: 4] فَأَوْفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، {إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4] إِلَى أَجَلِهِمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] [5] قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ} [التوبة: 5] انقضى ومضى {الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} [التوبة: 5] قِيلَ: هِيَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ رَجَبٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ شُهُورُ الْعَهْدِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عهده

قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند الله

فَعَهْدُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَأَجَلُهُ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُحَرَّمِ خَمْسُونَ يَوْمًا. وَقِيلَ لَهَا حُرُمٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَّرَّمَ فِيهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَالتَّعَرُّضَ لَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْقَدْرُ بَعْضُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} [التوبة: 5] ؟ قِيلَ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْقَدَرُ مُتَّصِلًا بِمَا مَضَى أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ، وَمَعْنَاهُ: مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا انْسِلَاخُ الأشهر الحرم. قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التَّوْبَةِ: 5] في الحل الحرم، {وَخُذُوهُمْ} [التوبة: 5] وأسروهم، {وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة: 5] أي: احبسهم. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُرِيدُ إِنْ تَحَصَّنُوا فَاحْصُرُوهُمْ، أَيِ: امْنَعُوهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ. وَقِيلَ. امْنَعُوهُمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَالتَّصَرُّفِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ. {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] أَيْ: عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ، وَالْمَرْصَدُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرْقُبُ فِيهِ الْعَدُوَّ مِنْ رَصَدْتُ الشَّيْءَ أَرْصُدُهُ إِذَا تَرَقَّبْتُهُ، يُرِيدُ كُونُوا لَهُمْ رَصْدًا لِتَأْخُذُوهُمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهُوا. وَقِيلَ: اقْعُدُوا لَهُمْ بِطَرِيقِ مَكَّةَ حَتَّى لَا يَدْخُلُوهَا، {فَإِنْ تَابُوا} [التوبة: 5] مِنَ الشِّرْكِ، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] يَقُولُ دَعُوهُمْ فَلْيَتَصَرَّفُوا فِي أَمْصَارِهِمْ، وَيَدْخُلُوا مَكَّةَ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [التوبة: 5] لمن تاب, {رَحِيمٌ} [التوبة: 5] وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهَا ذِكْرُ الْإِعْرَاضِ وَالصَّبْرِ على أذى الأعداء. [6] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6] أَيْ: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، أَيِ: اسْتَأْمَنَكَ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. {فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6] فَأَعِذْهُ وَآمِنْهُ، {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ العقاب، {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6] أَيْ: إِنْ لَمْ يُسْلِمْ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، أَيِ: الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ وَهُوَ دَارُ قَوْمِهِ، فَإِنْ قَاتَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِرْتَ عَلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ دِينَ اللَّهِ وَتَوْحِيدَهُ فَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى سَمَاعِ كلام الله. قال الحسن: هذه الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ] وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . . . [7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ} [التوبة: 7] هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا عِنْدَ رَسُولِهِ وَهُمْ يَغْدِرُونَ وَيَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 7] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قُرَيْشٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ} [التوبة: 7] أَيْ: عَلَى الْعَهْدِ، {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة: 7] فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، فَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَخْتَارُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ

يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ. قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ: هُمْ قبائل من بَكْرٍ بَنُو خُزَيْمَةَ وَبَنُو مُدْلِجٍ وَبَنُو ضَمْرَةَ وَبَنُو الدَّيْلِ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا فِي عهد قريش يوم الحديبية، فلم يَكُنْ نَقَضَ الْعَهْدَ إِلَّا قُرَيْشٌ وَبَنُو الدَّيْلِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَنْقُضْ وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بَعْدَ نَقْضِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ وَبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَدْ مَضَى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة: 7] وَإِنَّمَا هُمُ الَّذِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 4] كما نقصكم قُرَيْشٌ، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا كَمَا ظَاهَرَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] [8] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [التوبة: 8] هَذَا مَرْدُودٌ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عند- الله وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8] قَالَ الْأَخْفَشُ: كَيْفَ لَا تَقْتُلُونَهُمْ، وَهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، أَيْ: يَظْفَرُوا بِكُمْ، لَا يَرْقُبُوا: لَا يَحْفَظُوا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَنْتَظِرُوا. وَقَالَ قُطْرُبٌ: لَا يُرَاعُوا فِيكُمْ إِلًّا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: قَرَابَةً وَقَالَ يَمَانُ: رَحِمًا. وَقَالَ قَتَادَةُ الْإِلُّ: الْحِلْفُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْعَهْدُ. وَكَذَلِكَ الذِّمَّةُ إِلَّا أَنَّهُ كَرَّرَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ وَمُجَاهِدٌ: الْإِلُّ هُوَ الله عز وجل، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ عِكْرِمَةَ (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِيلًا) بِالْيَاءِ، يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. مِثْلَ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَلَا ذِمَّةً أَيْ: عَهْدًا. {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 8] أي: يطيعونكم بِأَلْسِنَتِهِمْ خِلَافَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، {وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 8] الإيمان {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8] فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي الْمُشْرِكِينَ وَكُلُّهُمْ فَاسِقُونَ فَكَيْفَ قَالَ: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8] ؟ قِيلَ: أَرَادَ بِالْفِسْقِ نَقْضَ الْعَهْدِ هاهنا، وَكَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ مَنْ وَفَّى بِعَهْدِهِ وَأَكْثَرُهُمْ نَقَضُوا فَلِهَذَا قَالَ: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8] [9] {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [التوبة: 9] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْلَةٍ أَطْعَمَهُمْ إِيَّاهَا أَبُو سُفْيَانَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَطْعَمَ أَبُو سُفْيَانَ حُلَفَاءَهُ، {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} [التوبة: 9] فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَمَدُّوهُمْ بِالْأَمْوَالِ لِيُقَوُّوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {إِنَّهُمْ سَاءَ} [التوبة: 9] بئس {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9] [10] {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 10] يَقُولُ: لَا تُبْقُوا عَلَيْهِمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا لَا يُبْقُونَ عَلَيْكُمْ لَوْ ظَهَرُوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة: 10] بنقض العهد. [11] {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة: 10] مِنَ الشِّرْكِ، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ} [التوبة: 11] فهم إخوانكم، {فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] لَهُمْ مَا لَكُمَ وَعَلَيْهِمْ مَا عليكم، {وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [التوبة: 11] نبين الآيات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابن مسعود: أمرتم بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فلا صلاة له. [12] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة: 12] نَقَضُوا عُهُودَهُمْ، {مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} [التوبة: 12] عَقْدِهِمْ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، {وَطَعَنُوا} [التوبة: 12] قدحوا {فِي دِينِكُمْ} [التوبة: 12] وعابوه. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا طَعَنَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا لَا يَبْقَى لَهُ عَهْدٌ، {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ: {أَئِمَّةَ} [التوبة: 12] بِهَمْزَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ. وَأَئِمَّةُ الْكُفْرِ: رُؤُوسُ الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسَائِرِ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

قوله تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم

هُمْ أَهْلُ فَارِسَ وَالرُّومِ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَمْ يَأْتِ أَهْلُهَا بَعْدُ، {إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة: 12] أَيْ: لَا عُهُودَ لَهُمْ، جَمْعُ يَمِينٍ. قَالَ قُطْرُبٌ: لَا وَفَاءَ لَهُمْ بِالْعَهْدِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (لَا إِيمَانَ لَهُمْ) بِكَسْرِ الْأَلِفِ، أَيْ: لَا تَصْدِيقَ لَهُمْ وَلَا دِينَ لَهُمْ. وَقِيلَ. هُوَ مِنَ الْأَمَانِ أَيْ لَا تُؤَمِّنُوهُمْ، وَاقْتُلُوهُمْ حيث وجدتموهم، {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12] أَيْ. لِكَيْ يَنْتَهُوا عَنِ الطَّعْنِ فِي دِينِكُمْ وَالْمُظَاهَرَةِ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: عن الكفر. [13] ثُمَّ حَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ فَقَالَ جُلَّ ذِكْرُهُ: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة: 13] نقضوا عهدهم، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ الصُّلْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى خزاعة. {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} [التوبة: 13] مِنْ مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي دار الندوة، {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ} [التوبة: 13] بالقتال، {أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13] يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ سَلِمَ الْعِيرُ: لَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ أنهم بدأوا بِقِتَالِ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {أَتَخْشَوْنَهُمْ} [التوبة: 13] أَتَخَافُونَهُمْ فَتَتْرُكُونَ قِتَالَهُمْ، {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} [التوبة: 13] فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 13] [قوله تعالى قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ] وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. . . . [14] {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14] يقتلهم الله بأيديكم، {وَيُخْزِهِمْ} [التوبة: 14] وَيُذِلُّهُمْ بِالْأَسْرِ وَالْقَهْرِ {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ} [التوبة: 14] ويبرئ داء قوم, {مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] مِمَّا كَانُوا يَنَالُونَهُ مِنَ الْأَذَى مِنْهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ صُدُورَ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، حتى نكأوا فِيهِمْ، فَشَفَى اللَّهُ صُدُورَهُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. [15] {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 15] كربها ووجدها بمعونة قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَأْنِفًا {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 15] فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فَعَلَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 15] [16] يقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ} [التوبة: 16] أظننتم {أَنْ تُتْرَكُوا} [التوبة: 16] قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ. وَقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ شَقَّ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ، فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا، فَلَا تُؤْمَرُوا بِالْجِهَادِ، وَلَا تُمْتَحَنُوا لِيَظْهَرَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} [التوبة: 16] وَلَمْ يَرَ اللَّهُ {الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} [التوبة: 16] بِطَانَةً وَأَوْلِيَاءَ يُوَالُونَهُمْ، وَيُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَلِيجَةٌ خِيَانَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَدِيعَةٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَوْلِيَاءُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ وَلِيجَةٌ، وَالرَّجُلُ يَكُونُ في القوم وليس منهم. فَوَلِيجَةُ الرَّجُلِ: مَنْ يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أَمْرِهِ دُونَ النَّاسِ، يُقَالُ: هُوَ وَلِيجَتِي، وَهُمْ وَلِيجَتِي لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ. {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16] [17] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 17] الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ عَيَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَغْلَظَ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عنه القول، فقال العباس: مالكم تَذْكُرُونَ مَسَاوِيَنَا، وَلَا تَذْكُرُونَ مَحَاسِنَنَا؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلْكُمْ مَحَاسِنُ؟ فَقَالَ نَعَمْ: إِنَّا لَنَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ، وَنَسَقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَى الْعَبَّاسِ: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ) ، أَيْ: مَا يَنْبَغِي للمشركين أن يعمرا مساجد الله، وأوجب عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا تُعْمَرُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ كَانَ كَافِرًا بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْمُرَهَا فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعِمَارَةُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ بناء المسجد ومرمته عِنْدَ الْخَرَابِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْكَافِرُ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِهِ لَا يمتثل. وحمل بعضهم العمارة هاهنا عَلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْقُعُودِ فِيهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُتْرَكُوا فَيَكُونُوا أَهْلَ

الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ (مَسْجِدَ اللَّهِ) عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى. {وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 19] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: 28] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (مَسَاجِدَ اللَّهِ) بِالْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَيْضًا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا قَالَ مَسَاجِدَ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: رُبَّمَا ذَهَبَتِ الْعَرَبُ بِالْوَاحِدِ إِلَى الْجَمْعِ وَبِالْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ الْبِرْذَوْنَ فَيَقُولُ: أَخَذْتُ فِي رُكُوبِ الْبَرَاذِينَ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ والدينار، يريد الدراهم والدنانير. وقوله تَعَالَى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] أَرَادَ وَهُمْ شَاهِدُونَ، فَلَمَّا طُرِحَتْ (وَهُمْ) نَصَبَتَ، قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ كُفَّارٌ وَلَكِنَّ كَلَامَهُمْ بِالْكُفْرِ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ سُجُودُهُمْ لِلْأَصْنَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا نَصَبُوا أَصْنَامَهُمْ خَارِجَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْقَوَاعِدِ، وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، كُلَّمَا طَافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِأَصْنَامِهِمْ، وَلَمْ يَزْدَادُوا بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بُعْدًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ وهو أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يُسْأَلُ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ: أَنَا يَهُودِيٌّ، وَيُقَالُ لِلْمُشْرِكِ مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: مُشْرِكٌ. قَالَ اللَّهُ تعالى {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [التوبة: 17] لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, {وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17] [18] قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18] وَلَمْ يَخَفْ فِي الدِّينِ غَيْرَ الله لم يَتْرُكْ أَمْرَ اللَّهِ لِخَشْيَةِ غَيْرِهِ، {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] (وعسى) مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، أَيْ: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، وَالْمُهْتَدُونَ هُمُ الْمُتَمَسِّكُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي تؤدي إلى الجنة. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ " فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18] » (¬1) . [19] قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} [التوبة: 19] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ الْعَبَّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَنَسَقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ عِمَارَتَهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وقيامهم على السقاية لا تنفعهم مع الشرك ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في الإيمان 7 / 366 وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه في المساجد رقم (802) 1 / 263، والدارمي في الصلاة 1 / 222، وصححه ابن حبان ص 99 من موارد الظمآن، والحاكم 1 / 212، والإمام أحمد في المسند 3 / 68، 76.

بِاللَّهِ, وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ مَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير مما هم عيه {سِقَايَةَ} [التوبة: 19] مَصْدَرٌ كَالرِّعَايَةِ وَالْحِمَايَةِ. قَوْلُهُ: {وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 19] فيه اختصار تقديره: الْحَاجَّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ وَقِيلَ: السقاية والعمارة بمعنى الساقي العامر، وَتَقْدِيرُهُ: أَجَعَلْتُمْ سَاقِيَ الْحَاجَّ وَعَامِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] أَيْ: لِلْمُتَّقِينَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (أَجَعَلْتُمْ سُقَاةَ الْحَاجِّ وعِمرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، عَلَى جَمْعِ الساقي والعامر، {وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19] [20] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً} [التوبة: 20] فضيلة {عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 20] مِنَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 20] الناجون من النار. [21] {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 21] [22] {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 22] [23] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ} [التوبة: 23] بِطَانَةً وَأَصْدِقَاءَ فَتُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَكُمْ وتؤثر الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ, {إِنِ اسْتَحَبُّوا} [التوبة: 23] اخْتَارُوا {الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} [التوبة: 23] فَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤَثِرُ الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقْبَلُ الْإِيمَانُ إِلَّا, مِنْ مُهَاجِرٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَأُولَئِكَ هُمُ الظالمون) . [24] ثم قال تعالى: {قُلْ} [التوبة: 24] يا محمد لهؤلاء المتخلفين عَنِ الْهِجْرَةِ, {إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ} [التوبة: 24] وذلك لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأَوْلَى قَالَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا: إِنْ نَحْنُ هَاجَرْنَا ضَاعَتْ أَمْوَالُنَا، وَذَهَبَتْ تِجَارَاتُنَا، وخُرّبتْ دورُنَا، وَقَطَعْنَا أَرْحَامَنَا, فَنَزَلَ {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} [التوبة: 24] قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: (عَشِيرَاتُكُمْ) بِالْأَلْفِ عَلَى الْجَمْعِ, وَالْآخَرُونَ بِلَا أَلْفٍ عَلَى التَّوْحِيدِ لِأَنَّ العشيرة واقعة على الجمع, ويقوي هذه القراءة أن أبا الحسن الأخفش قال: لا تكاد العرب تجمع العشيرة على العشيرات, إنما تجمعها على العشائر {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} [التوبة: 24] أَيْ: تَسْتَطِيبُونَهَا يَعْنِي الْقُصُورَ وَالْمَنَازِلَ, {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا} [التوبة: 24] فَانْتَظَرُوا, {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] قَالَ عَطَاءٌ: بِقَضَائِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون

وَمُقَاتِلٌ: بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذَا أَمْرُ تهديد، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي} [التوبة: 24] لَا يُوَفِّقُ وَلَا يُرْشِدُ {الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] الخارجون عَنِ الطَّاعَةِ. [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ} [التوبة: 25] أَيْ: مَشَاهِدَ, {كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: 25] حَتَّى قُلْتُمْ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ {فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ} [التوبة: 25] كثرتكم، {شَيْئًا} [التوبة: 25] يَعْنِي أَنَّ الظَّفَرَ لَا يَكُونُ بِالْكَثْرَةِ، {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 25] أَيَّ: بِرَحَبِهَا وَسِعَتِهَا، {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] منهزمين. [26] {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ} [التوبة: 26] بعد الهزيمة، {سَكِينَتَهُ} [التوبة: 26] يَعْنِي: الْأَمَنَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ {عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26] يعني. الملائكة. وقيل: لَا لِلْقِتَالِ، وَلَكِنْ لِتَجْبِينِ الْكُفَّارِ، وَتَشْجِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُقَاتِلُوا إِلَّا يَوْمَ بدر، {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 26] بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَسَبْيِ الْعِيَالِ وَسَلْبِ الأموال، {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التَّوْبَةِ: 26] [27] {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 27] فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 27] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ] نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. . . . . [28] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] الْآيَةَ، قَالَ الضَّحَّاكُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: نَجَسٌ قَذَرٌ. وَقِيلَ: خَبِيثٌ. وَهُوَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، فَأَمَّا النِّجْسُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ فَلَا يُقَالُ عَلَى الِانْفِرَادِ، إِنَّمَا يُقَالُ: رِجْسٌ نِجْسٌ، فَإِذَا أُفْرَدَ قِيلَ: نَجِسٌ بِفَتْحِ النُّونِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَأَرَادَ بِهِ نَجَاسَةَ الْحُكْمِ لَا نَجَاسَةَ الْعَيْنِ، سُمُّوا نَجَسًا عَلَى الذَّمِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَمَّاهُمْ نَجَسًا؛ لِأَنَّهُمْ يُجْنِبُونَ فَلَا يَغْتَسِلُونَ، وَيُحْدِثُونَ فَلَا يتوضؤون. وقوله تَعَالَى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: 28] أَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ لِأَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْحَرَمَ فَقَدْ قَرُبُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ، وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الْإِسْرَاءِ: 1] وَأَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ لِأَنَّهُ أُسَرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أَمِّ هانئ. قوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] يَعْنِي الْعَامَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنَّاسِ، وَنَادَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِبَرَاءَةَ، وَهُوَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَوْلُهُ: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} [التوبة: 28] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَ مَكَّةَ بِالطَّعَامِ، وَيَتَجِّرُونَ، فَلَمَّا مُنِعُوا مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ خَافُوا الفقر، وضيق العيش، وذكروا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} [التوبة: 28] فَقْرًا وَفَاقَةً، يُقَالُ: عَالَ يَعِيلُ عيلة إذا افتقر، {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28] قَالَ عِكْرِمَةُ: فَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ مِدْرَارًا، فَكَثُرَ خَيْرُهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَسْلَمَ أَهْلُ جَدَّةَ وَصَنْعَاءَ وَجَرِيشَ مِنَ الْيَمَنِ، وَجَلَبُوا الْمِيرَةَ

الْكَثِيرَةَ إِلَى مَكَّةَ فَكَفَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَخَافُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: عَوَّضَهُمُ اللَّهُ مِنْهَا الْجِزْيَةَ فأغناهم بها. [29] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29] قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ الرُّومِ، فَغَزَا بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مِنَ الْيَهُودِ، فَصَالَحَهُمْ وَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ أَصَابَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ ذُلٍّ أَصَابَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] فإن قيل: أهل الكتاب مؤمنون بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ قِيلَ: لَا يُؤْمِنُونَ كَإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا بِاللَّهِ. {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} [التوبة: 29] أَيْ: لَا يَدِينُونَ الدِّينَ الْحَقَّ، أَضَافَ الِاسْمَ إِلَى الصِّفَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ، أَيْ: لَا يَدِينُونَ دِينَ اللَّهِ وَدِينُهُ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ وَلَا يُطِيعُونَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَةَ أَهْلِ الْحَقِّ. {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة: 29] يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] وَهِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رِقَابِهِمْ، {عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29] عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى شَيْئًا كُرْهًا مِنْ غَيْرِ طِيبٍ نَفْسٍ أَعْطَاهُ عَنْ يَدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعْطُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا يُرْسِلُونَ بِهَا عَلَى يَدِ غَيْرِهِمْ. وقيل: عن يد أي: نقد ولا نَسِيئَةٍ. وَقِيلَ: عَنْ إِقْرَارٍ بِإِنْعَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] أذلاء مقهورون. [30] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 30] يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلًا مَقْرُونًا بِالْأَفْوَاهِ وَالْأَلْسُنِ إِلَّا كَانَ ذَلِكَ زُورًا. {يُضَاهِئُونَ} [التوبة: 30] قَرَأَ عَاصِمٌ بِكَسْرِ الْهَاءِ مَهْمُوزًا، والآخرون بضم الهاء مهموزا، وَهُمَا لُغَتَانِ يُقَالُ: ضَاهَيْتُهُ وَضَاهَأْتُهُ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُشَابِهُونَ. وَالْمُضَاهَاةُ الْمُشَابَهَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُوَاطِئُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يُوَافِقُونَ، {قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 30] قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: ضَاهَتِ النَّصَارَى قَوْلَ الْيَهُودِ مِنْ قَبْلُ، فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ كَمَا قَالَتِ اليهود من قبل عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَبْلِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شَبَّهَ كُفْرَهُمْ بِكُفْرِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ كَمَا قَالَ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [الْبَقَرَةِ: 118] وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ ما قال أولوهم {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 30] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ. وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ عَلَى تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى العجب، {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] أَيْ: يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ قِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ. [31] {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} [التوبة: 31] أَيْ: عُلَمَاءَهُمْ وَقُرَّاءَهُمْ، وَالْأَحْبَارُ الْعُلَمَاءُ وَاحِدُهَا حِبر وحَبر، بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى أَصْحَابُ الصوامع واحدها راهب، كصاحب وصحبان، {أَرْبَابًا} [التوبة: 31] فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحَلُّوا مَا أَحَلُّوا، وَحَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا، فاتخذوهم كالأرباب. «عَنْ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 31] حتى فرغ منها، قلت: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ

قوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم

عبادتهم» (¬1) . {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] أَيِ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا, {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] [قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ] وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. . . . [32] {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 32] أَيْ: يُبْطِلُوا دِينَ اللَّهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: النُّورُ الْقُرْآنُ, أَيْ: يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوا الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَكْذِيبًا، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32] أي: يعلي دينه، ويظهر، وَيُتِمَّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] [33] {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} [التوبة: 33] يَعْنِي: الَّذِي يَأْبَى إِلَّا إِتْمَامَ دِينِهِ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بِالْهُدَى} [التوبة: 33] قيل القرآن. وَقِيلَ: بِبَيَانِ الْفَرَائِضِ, {وَدِينِ الْحَقِّ} [التوبة: 33] وهو الإسلام، {لِيُظْهِرَهُ} [التوبة: 33] لِيُعْلِيَهُ، وَيَنَصُرَهُ، {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] على سائر الأديان كلها، {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، قال ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: لِيُعَلِّمَهُ شَرَائِعَ الدِّينِ كُلَّهَا فَيُظْهِرَهُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى دِينِ الْحَقِّ، وَظُهُورُهُ عَلَى الْأَدْيَانِ هُوَ أَنْ لَا يُدَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا بِهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالضَّحَّاكُ: وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَا يَبْقَى أَهْلُ دِينٍ إِلَّا دخل في الإسلام. قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَعْنَى الْآيَةِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِالْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ الَّتِي حَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم فيغلبها. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا بِأَنْ أَبَانَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ الْحُقُّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الأديان باطل، وقال. وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين، فَقَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمِّيِّينَ حَتَّى دَانُوا بِالْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَقَتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَسَبَى، حَتَّى دَانَ بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَعْطَى بَعْضُهُمُ الْجِزْيَةَ صَاغِرِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، فَهَذَا ظُهُورُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [34] يقوله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ} [التوبة: 34] يَعْنِي: الْعُلَمَاءَ وَالْقُرَّاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34] يُرِيدُ لَيَأْخُذُونَ الرِّشَا فِي أَحْكَامِهِمْ، وَيُحَرِّفُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا يَقُولُونَ هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَأْخُذُونَ بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ سَفَلَتِهِمْ، وَهِيَ الْمَآكِلُ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخافون لو صدقوه لَذَهَبَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْمَآكِلُ، {وَيَصُدُّونَ} [التوبة: 34] وَيَصْرِفُونَ النَّاسَ، {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] قال ابن عمر ¬

(¬1) أخرجه الطبري في التفسير 14 / 215، ورواه مختصرا الترمذي في تفسير سورة براءة 8 / 492-494 وقال: حديث غريب.

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. كُلُّ مَالٍ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا وَكُلُّ مَالٍ لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ، وَإِنْ إن لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا. وَمِثْلُهُ عَنْ ابن عباس. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَالٍ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ كَنْزٌ، أَدَّيْتَ مِنْهُ الزَّكَاةَ أَوْ لَمْ تُؤَدِّ، وَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ. وَقِيلَ: مَا فَضُلَ عَنِ الْحَاجَةِ فَهُوَ كنز والقول الأول أصح أن الْآيَةَ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ لَا فِي جَمْعِ الْمَالِ الْحَلَالِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» (¬1) ". قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] قيل: لم قال: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا) ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلَا يُنْفِقُونَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جَمِيعًا؟ قِيلَ: أَرَادَ الْكُنُوزَ وَأَعْيَانَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَقِيلَ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْفِضَّةِ لأنها أعم، كما قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [الْبَقَرَةِ: 45] رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] أَيْ: أَنْذِرْهُمْ. [35] {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 35] أَيْ: تُدْخَلُ النَّارُ، فَيُوقَدُ عَلَيْهَا أي: على الكنوز، محالة {فَتُكْوَى بِهَا} [التوبة: 35] فتحرق بها، {جِبَاهُهُمْ} [التوبة: 35] أَيْ: تُدْخَلُ النَّارُ فَيُوقَدُ عَلَيْهَا أي: {وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] سئل أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: لِمَ خَصَّ الْجِبَاهَ وَالْجَنُوبَ وَالظُّهُورَ بِالْكَيِّ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ إِذَا رأى الفقير قبض جبهته، وَزَوَى مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ بِكَشْحِهِ. قَوْلُهُ تعالى: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ} [التوبة: 35] أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ، {لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] أَيْ: تَمْنَعُونَ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْوَالِكُمْ. وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ. هِيَ عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [36] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ} [التوبة: 36] أَيْ: عَدَدَ الشُّهُورِ، {عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة: 36] وَهِيَ الْمُحَرَّمُ وَصَفْرٌ وَرَبِيعٌ الْأَوَّلُ وربيع الثَّانِي وَجُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةُ ورجب وشعبان ورمضان وَشَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. وقوله: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} [التوبة: 36] أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ. وَقِيلَ: في اللوح المحفوظ {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [التوبة: 36] وَالْمُرَادُ مِنْهُ الشُّهُورُ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ الشُّهُورُ الَّتِي يَعْتَدُّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ فِي صِيَامِهِمْ وَحَجِّهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَسَائِرِ أمورهم, الشمسية تكون السنة ثلثمائة وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ يَوْمًا وَرُبْعَ يَوْمٍ, والهلالية تنقص عن ثلاث مائة وَسِتِّينَ يَوْمًا بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ. وَالْغَالِبُ أنها تكون ثلاثمائة يوم وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا, {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36] مِنَ الشُّهُورِ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وَهِيَ: رَجَبٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ, وَاحِدٌ فَرْدٌ وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التَّوْبَةِ: 36] أَيِ: الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ, {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] قِيلَ: قَوْلُهُ: (فِيهِنَّ) يَنْصَرِفُ إِلَى جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ, أَيْ: فَلَا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعصية، وَتَرْكِ الطَّاعَةِ. وَقِيلَ: (فِيهِنَّ) أَيْ: فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. قَالَ قَتَادَةُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَعْظَمُ أَجْرًا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالظُّلْمُ فِيهِنَّ أَعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُنَّ, وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْحَرَامِ وَالْغَارَةَ فِيهِنَّ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: لَا تَجْعَلُوا حَلَالَهَا حَرَامًا وَلَا حَرَامَهَا حَلَالًا كَفِعْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَهُوَ النسيء, {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] جَمِيعًا عَامَّةً, {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ كَبِيرًا، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) كَأَنَّهُ يَقُولُ فِيهِنَّ وَفِي غَيْرِهِنَّ. وَهُوَ قَوْلُ قتادة وعطاء الخراساني ¬

(¬1) قال العلامة العجلوني في كتابة كشف الخفاء ج2 ص 424: "رواه أحمد وابن منيع عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عنه.

قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به

وَالزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ، وَحَاصَرَهُمْ فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي القعدة. وقال الآخرون: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ؛ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَلَفَ بِاللَّهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَمِ وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا، وَمَا نُسِخَتْ. [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ] الَّذِينَ كَفَرُوا. . . . [37] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّعِيرِ وَالْحَرِيقِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ كَالْجَرِيحِ وَالْقَتِيلِ، وَهُوَ مِنَ التَّأْخِيرِ. وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ، يُقَالُ: أَنْسَأَ اللَّهُ في أجله أي: أخر، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ عَلَى مَعْنَى الْمَنْسِيِّ أَيِ: الْمَتْرُوكِ. وَمَعْنَى النَّسِيءِ هُوَ تَأْخِيرُ تَحْرِيمِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ مَعَايِشِهِمْ مِنَ الصَّيْدِ وَالْغَارَةِ فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى التَّوَالِي، وَرُبَّمَا وَقَعَتْ لَهُمْ حَرْبٌ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فيكرهون تأخير حربهم فنسؤوا- أَيْ: أَخَّرُوا- تَحْرِيمَ ذَلِكَ الشَّهْرِ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ، فَيُحَرِّمُونَ صَفَرَ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ، فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْخِيرِ تَحْرِيمِ صَفَرَ أَخَّرُوهُ إِلَى رَبِيعٍ هَكَذَا شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ حَتَّى اسْتَدَارَ التَّحْرِيمُ عَلَى السنة كلها. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، فَحَجُّوا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الشُّهُورِ، فَوَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَوَافَقَ حَجُّهُ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التَّاسِعِ، وَخَطْبَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ بِمِنًى، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَشْهُرَ النَّسِيءِ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ، وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ حساب الأشهر الحرم يوم خلق السماوات وَالْأَرْضَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يتبدل في مستأنف الأيام فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَنَا هُوَ النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] يُرِيدُ زِيَادَةَ كُفْرٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ} [التوبة: 37] يَعْنِي النَّسِيءَ {عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا} [التوبة: 37] أَيْ: لِيُوَافِقُوا، وَالْمُوَاطَأَةُ الْمُوَافَقَةُ، {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37] يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ إِلَّا حَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ إِلَّا أَحَلُّوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ، لِئَلَّا يكون الحرم أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا حرم الله فيكون الموافقة في الْعَدَدِ، {فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة: 37] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37]

قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم

[38] قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ أُمِرَ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ الرُّومِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظلال فَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ وَتَثَاقَلُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ} [التوبة: 38] أَيْ: قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {انْفِرُوا} [التوبة: 38] اخرجوا في سبيل الله {فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38] أَيْ: لَزِمْتُمْ أَرْضَكُمْ وَمَسَاكِنَكُمْ، {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] أَيْ: بِخَفْضِ الدُّنْيَا وَدِعَتِهَا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] [39] ثُمَّ أَوعَدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39] فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ احْتِبَاسُ المطر عنهم في الدنيا {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39] خيرا منكم وأطوع {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} [التوبة: 39] بِتَرْكِكُمُ النَّفِيرَ. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 39] [40] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ الْمُتَكَفِّلُ بِنَصْرِ رَسُولِهِ وَإِعْزَازِ دِينِهِ، أَعَانُوهُ أَوْ لَمْ يُعِينُوهُ، وَأَنَّهُ قَدْ نَصَرَهُ عِنْدَ قِلَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ، فَكَيْفَ بِهِ الْيَوْمَ وَهُوَ فِي كَثْرَةٍ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 40] مِنْ مَكَّةَ حِينَ مَكَرُوا بِهِ وأرادوا تبييته وهموا بقتله، {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} [التوبة: 40] أَيْ: هُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ، وَالِاثْنَانِ: أَحَدُهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] وَهُوَ نَقْبٌ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ بِمَكَّةَ، {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] قَالَ الشَّعْبِيُّ: عَاتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الْأَرْضِ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ الصديق رضي الله عنه، ولم يَكُنْ حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ جُبْنًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إِشْفَاقًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [التوبة: 40] قِيلَ: عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وكانت عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنْ قَبْلُ، {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40] وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ نَزَلُوا يَصْرِفُونَ وَجُوهَ الْكَفَّارِ وَأَبْصَارَهُمْ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وَقِيلَ: أَلْقَوُا الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ حَتَّى رَجَعُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ: أَعَانَهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، أَخْبَرَ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ فِي الْغَارِ، ثُمَّ أَظْهَرَ نَصْرَهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} [التوبة: 40] وَكَلِمَتُهُمُ الشِّرْكُ وَهِيَ السُّفْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40] إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَا قَدَّرُوا بَيْنَهُمْ فِي الْكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ وعد الله أنه ناصره {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] [قَوْلُهُ تَعَالَى انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ] وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . . . [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: شُبَّانًا وَشُيُوخًا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَشَاطًا وَغَيْرَ نَشَاطٍ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: رُكْبَانَا وَمُشَاةً. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: خِفَافًا مِنَ الْمَالِ أَيْ: فُقَرَاءَ، وَثِقَالًا أَيْ: أَغْنِيَاءَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الثَّقِيلُ الَّذِي لَهُ الضَّيْعَةُ، فَهُوَ ثَقِيلٌ يَكْرَهُ أَنْ يَدَعَ ضَيْعَتَهُ، وَالْخَفِيفُ الَّذِي لَا ضَيْعَةَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خِفَافًا أَهْلُ الْمَيْسَرَةِ مِنَ الْمَالِ وَثِقَالًا أَهْلُ الْعَسْرَةِ. وَقِيلَ: خِفَافًا مِنَ السِّلَاحِ، أَيْ: مُقِلِّينَ مِنْهُ، وَثِقَالًا أَيْ: مستكثرين منه، وقال مرة الهمداني: أَصِحَّاءُ وَمَرْضَى. وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: عُزَّابًا وَمُتَأَهِّلِينَ. وَقِيلَ: خِفَافًا مِنْ حَاشِيَتِكُمْ وَأَتْبَاعِكُمْ، وَثِقَالًا مُسْتَكْثِرِينَ بِهِمْ. وَقِيلَ: خِفَافًا مُسْرِعِينَ خَارِجِينَ سَاعَةَ سَمَاعِ النَّفِيرِ، وَثِقَالًا بَعْدَ التَّرَوِّي فِيهِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] قال عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 122] قال

السُّدِّيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ شَأْنُهَا عَلَى النَّاسِ فَنَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْزَلَ: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى} [التوبة: 91] الْآيَةَ. ثُمَّ نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ: [42] {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} [التوبة: 42] وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كان ما تدعوهم إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قريبة المتناول، {وَسَفَرًا قَاصِدًا} [التوبة: 42] أي: قريبا هنا، {لَاتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] لَخَرَجُوا مَعَكَ، {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} [التوبة: 42] أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ السَّفَرُ الْبَعِيدُ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 42] يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] في أيمانهم لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ. [43] {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ. قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ، وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ. {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} [التوبة: 43] في أعذارهم، {وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] فِيهَا أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. لَمْ يَكُنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ. [44] {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [التوبة: 44] أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ, {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44] [45] {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 45] أَيْ: شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] يتحيرون. [46] {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ} [التوبة: 46] إلى الغزو، {لَأَعَدُّوا لَهُ} [التوبة: 46] أي: {عُدَّةً} [التوبة: 46] أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} [التوبة: 46] خروجهم، {فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة: 46] مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، {وَقِيلَ اقْعُدُوا} [التوبة: 46] في بيوتكم، {مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مع النسوان والصبيان. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَقِيلَ) أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ. [47] {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ} [التوبة: 47] وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ

قوله تعالى لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا

عَلَى ذِي جُدَّة أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَوْ خَرَجُوا} [التوبة: 47] يعني المنافقون {فِيكُمْ} [التوبة: 47] أَيْ: مَعَكُمْ، {مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47] أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا، وَمَعْنَى الْفَسَادِ. إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بتهويل الأمر، {وَلَأَوْضَعُوا} [التوبة: 47] أسرعوا، {خِلَالَكُمْ} [التوبة: 47] في وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} [التوبة: 47] أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ. {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: 47] أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ، وَسَيَظْهَرُ عليكم عدوكما وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الفتنة يعني: العنت (¬1) وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بغيا إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ له. {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] قال مجاهد: معناه وفيكم مخبرون لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يستمعون كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] [قوله تعالى لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا] لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ. . . . [48] {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 48] أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كفعل عبد الله ابن أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ. {وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ} [التوبة: 48] أجالوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بِالتَّخْذِيلِ عَنْكَ وَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ} [التوبة: 48] النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} [التوبة: 48] دين الله، {وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] [49] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: «يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {وَمِنْهُمْ} [التوبة: 49] يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ {مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} [التوبة: 49] في التخلف {وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ» . قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي. {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بنفاقهم وخلافهم أمر الله ورسوله، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] مطيفة عليهم وجامعة ¬

(¬1) في نسخة: (العيب) .

قوله تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما

لَهُمْ فِيهَا. [50] {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} [التوبة: 50] نصرة وغنيمة، {تَسُؤْهُمْ} [التوبة: 50] تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، {وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: 50] قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} [التوبة: 50] حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، {مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 50] أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، {وَيَتَوَلَّوْا} [التوبة: 50] ويدبروا {وَهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50] مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ. [51] {قُلْ} [التوبة: 51] لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ {لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، {هُوَ مَوْلَانَا} [التوبة: 51] نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] [52] {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} [التوبة: 52] تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، {إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ، وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مَنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (¬1) . {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} [التوبة: 52] إِحْدَى السَّوْأَتَيْنِ إِمَّا {أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} [التوبة: 52] فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ {أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] أو بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ. [53] {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [التوبة: 53] أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا {لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ} [التوبة: 53] أَيْ: لِأَنَّكُمْ, {كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} [التوبة: 53] [54] {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ} [التوبة: 54] صَدَقَاتُهُمْ, {إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة: 54] أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} [التوبة: 54] مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَمَّ الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، {وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا. [قوله تعالى فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . . . [55] {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} [التوبة: 55] وَالْإِعْجَابُ هُوَ السُّرُورُ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، يَقُولُ: لَا تَسْتَحْسِنُ مَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ فِي اسْتِدْرَاجٍ كَثَّرَ اللَّهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة: 55] فَإِنْ قِيلَ: أَيْ تَعْذِيبٌ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَهُمْ يَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟ قِيلَ: قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: التَّعْذِيبُ بِالْمَصَائِبِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يُعَذِّبُهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهَا وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقِيلَ: يُعَذِّبُهُمْ بِالتَّعَبِ فِي جَمْعِهِ وَالْوَجَلِ فِي حِفْظِهِ وَالْكُرْهِ فِي إِنْفَاقِهِ، وَالْحَسْرَةِ عَلَى تَخْلِيفِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَى مَلِكٍ لَا يعذره. {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 55] أي: تخرج، {وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] أَيْ: يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ. [56] {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} [التوبة: 56] أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ، {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الخمس 1 / 220 ومسلم في الإمارة رقم (1876) 3 / 1496.

يخافوا أَنْ يُظْهِرُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ. [57] {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} [التوبة: 57] حرزا أو حصنا أو معقلا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَهْرَبًا. وَقِيلَ: قَوْمًا يأمنون فيهم. {أَوْ مَغَارَاتٍ} [التوبة: 57] فِي الْجِبَالِ جَمْعُ مَغَارَةٍ وَهُوَ الموضع الذي تغور فيه، أي تستتر. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَرَادِيبَ. {أَوْ مُدَّخَلًا} [التوبة: 57] موضع دخول فيه، وهو من أدخل يُدخل، وأصله: مدتخل مفتعل، من دخل يُدْخِلُ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَحْرَزًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: سِرْبًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَفَقًا فِي الْأَرْضِ كَنَفَقِ الْيَرْبُوعِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَجْهًا يَدْخُلُونَهُ عَلَى خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. وقرأ يعقوب (مَدْخلا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وهو أيضا موضع الدخول، {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} [التوبة: 57] لَأَدْبَرُوا إِلَيْهِ هَرَبًا مِنْكُمْ، {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 57] يُسْرِعُونَ فِي إِبَاءٍ وَنُفُورٍ لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ لَوْ يَجِدُونَ مَخْلَصًا مِنْكُمْ ومهربا لفارقوكم. [58] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58] الْآيَةُ. نَزَلَتْ فِي ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ، وَاسْمُهُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ أصل الخوارج {يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58] أَيْ: يَعِيبُكَ فِي أَمْرِهَا وَتَفْرِيقِهَا، وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ فِيهَا. يُقَالُ: لَمَزَهُ وَهَمَزَهُ، أَيْ: عَابَهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يُعْطِي إِلَّا مَنْ أَحَبِّ. وقرأ يعقوب (يلمزك) وكذلك يلمزون في الحجرات (ولا تلمزوا) كل ذلك بضم الميم فيهن، وقرأ الباقون بكسر الميم فيهن وهما لغتان يلمُزُ ويلمِز مثل يحسُر ويحسِر ويعكِف ويعكُف. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَلْمُزُكَ أَيْ: يَرُوزُكَ يَعْنِي يَخْتَبِرُكَ. {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58] قِيلَ: إِنْ أُعْطُوا كَثِيرًا فَرِحُوا، وَإِنْ أُعْطُوا قَلِيلًا سَخِطُوا. [59] {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] أَيْ: قَنَعُوا بِمَا قَسَمَ لَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} [التوبة: 59] كَافِينَا اللَّهُ، {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] فِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلِهِ، فَيُغْنِينَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أَيْ: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَعْوَدَ عَلَيْهِمْ. [60] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هذه الآية أهل الصدقات، وجعلها لثمانية أصناف، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هو فجزأها ثمانية أجزاء» (¬1) قوله: {لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] فَأَحَدُ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ: الْفُقَرَاءُ، وَالثَّانِي: المساكين: ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في الزكاة 2 / 230، 231 والدارقطني في الزكاة 2 / 137 والبيهقي في السنن 4 / 174، وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد تكلم فيه غير واحد.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِفَةِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسْنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِفَقِيرٍ مَنْ جَمَعَ الدِّرْهَمَ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالتَّمْرَةَ إِلَى التَّمْرَةِ، وَلَكِنْ مَنْ أَنْقَى نَفْسَهُ وَثِيَابَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغنياء من التعفف، فذلك الفقير. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ الزَّمِنُ، وَالْمِسْكِينُ الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ، وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْفُقَرَاءُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسَاكِينُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ. الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ وَلَا يغنيه، سائلا كان أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ. فَالْمِسْكِينُ عِنْدَهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79] أثبت لمهم مِلْكًا مَعَ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا من المسكين. وقال القتبي: الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ الْبُلْغَةُ مِنَ الْعَيْشِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ. وَقِيلَ: الْفَقِيرُ مِنْ لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا ملك له. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُهَاجِرُونَ، وَالْمَسَاكِينُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْجُمْلَةِ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ عِبَارَتَانِ عَنِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِ الْحَالِ، فَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ الَّذِي كَسَرَتِ الْحَاجَةُ فِقَارَ ظَهْرِهِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي ضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَسَكَنَتْ عَنِ الْحَرَكَةِ في طلب القوت. قوله تعالى: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] وَهُمُ السُّعَاةُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ قَبْضَ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا وَوَضْعَهَا فِي حَقِّهَا، فَيُعْطَوْنَ مَنْ مَالِ الصَّدَقَةِ فُقَرَاءً كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءً، فَيُعْطَوْنَ مثل أجر عَمَلِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: لَهُمُ الثُّمُنُ مِنَ الصَّدَقَةِ. {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60] فَالصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلصَّدَقَةِ هُمُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ مُسْلِمُونَ وَقِسْمٌ كُفَّارٌ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَقِسْمَانِ قِسْمٌ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ فِيهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهِمْ تَأَلُّفًا كَمَا أَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ والعباس بن مرداس السلمي. أَوْ أَسْلَمُوا وَنِيَّتُهُمْ قَوِيَّةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ شُرَفَاءُ فِي قَوْمِهِمْ مِثْلُ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ، فَكَانَ يُعْطِيهِمْ تَأَلُّفًا لِقَوْمِهِمْ وَتَرْغِيبًا لِأَمْثَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ خمسِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَالْفَيْءِ سَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُعْطِيهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مُؤَلَّفَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِزَاءِ قوم كفار من موضع مُتَناءٍ لَا تَبْلُغُهُمْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِمُؤْنَةٍ كَثِيرَةٍ وَهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ، إِمَّا لِضَعْفِ نِيَّتِهِمْ أَوْ لِضَعْفِ حَالِهِمْ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ. وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ. وَمِنْهُمْ قَوْمٌ بِإِزَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الزَّكَاةَ يَحْمِلُونَهَا إِلَى الْإِمَامِ فَيُعْطِيهِمُ الْإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ. وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ. رُوِيَ أَنَّ عُدَيَّ بْنَ حَاتِمٍ جاء إلى أبي بَكْرٍ الصَّدِيقَ بِثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا. وَأَمَّا الْكُفَّارُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ فَهُوَ مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ مِنْهُمْ أَوْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، فَيُرِيدُ الْإِمَامُ أَنَّ يُعْطِيَ هَذَا حَذَرًا مِنْ شَرِّهِ أَوْ يعطي ذلك ترغيبا به فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهِمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، كَمَا أَعْطَى صفوان بن أمية لما كان يَرَى مِنْ مَيْلِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] وَالصِّنْفُ الْخَامِسُ هُمُ الرِّقَابُ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ لَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُشْتَرَى بِسَهْمِ الرِّقَابِ عبيدا فَيُعْتَقُونَ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. قَوْلُهُ تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] والصنف السَّادِسُ هُمْ الْغَارِمُونَ وَهُمْ قِسْمَانِ: قسم

قوله تعالى يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله

أدانوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَتِهِ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْمَالِ مَا يَفِي بِدُيُونِهِمْ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ وَفَاءٌ فَلَا يُعْطَوْنَ، وَقِسْمٌ أَدَانُوا فِي الْمَعْرُوفِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ مَا يَقْضُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ، وَإِنْ كانوا أغنياء. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] أَرَادَ بِهَا الْغُزَاةَ فَلَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، يُعْطَوْنَ إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْغَزْوِ، وَمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِ الْغَزْوِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالسِّلَاحِ وَالْحُمُولَةِ، وَإِنْ كانوا أغنياء. قوله تعالى: {وَاِبْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] والصنف الثَّامِنُ هُمْ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ، فَكُلُّ مَنْ يُرِيدُ سَفَرًا مُبَاحًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَقْطَعُ بِهِ تِلْكَ الْمَسَافَةَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ فِي الْبَلَدِ المتنقل إِلَيْهِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الضَّيْفُ. وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ: ابْنُ السَّبِيلِ الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَرِيضَةً} [التوبة: 60] أي: واجبة {مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 60] وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: فَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَرِيضَةً، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] [61] {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة: 61] نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَقُولُونَ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَبْلُغَهُ مَا تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنَا فَقَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ مِنْهُمْ: بَلْ نَقُولُ مَا شِئْنَا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنُنْكِرُ مَا قُلْنَا، وَنَحْلِفُ فَيُصَدِّقُنَا بِمَا نَقُولُ، فَإِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، أَيْ. أُذُنٌ سَامِعَةٌ، يُقَالُ: فَلَانٌ أُذُنٌ سامعة وأُذُنَةٌ عَلَى وَزْن فُعُلَةٍ، إِذَا كَانَ يَسْمَعُ كُلَّ مَا قِيلَ لَهُ وَيَقْبَلُهُ. وَأَصْلُهُ مِنْ أَذِنَ يأذن أذنا إذا استمع. وقيل: وهو أُذُنٌ أَيْ: ذُو أُذُنٍ سَامِعَةٍ، وقال محمد ابن إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ نبتل بن الحارث قال: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ فَمَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَقَهُ، فَنَقُولُ مَا شِئْنَا، ثُمَّ نَأْتِيهِ، وَنَحْلِفُ بِاللَّهِ فَيُصَدِّقُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} [التوبة: 61] قرأ الْعَامَّةُ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ لَكُمْ، لَا مُسْتَمِعَ شَرٍّ وفساد. وقرأ الأعشى والبُرْجُمِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: (أذنٌ خيرٌ لَكُمْ) مَرْفُوعَيْنِ مُنَوَّنَيْنِ، يَعْنِي أَنْ يَسْمَعَ مِنْكُمْ وَيُصَدِّقَكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ يُكَذِّبَكُمْ، وَلَا يَقْبَلُ قَوْلَكُمْ، ثُمَّ كَذَّبَهُمْ فَقَالَ: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [التوبة: 61] أَيْ: لَا بَلْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] أَيْ: يُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ لَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ. يُقَالُ: أَمِنْتُهُ، وَأَمِنْتُ لَهُ بِمَعْنَى صَدَّقْتُهُ. {وَرَحْمَةٌ} [التوبة: 61] قَرَأَ حَمْزَةُ: (وَرَحْمَةٍ) بِالْخَفْضِ عَلَى مَعْنَى أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ وَأُذُنُ رَحْمَةٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ. (وَرَحْمَةٌ) بِالرَّفْعِ، أَيْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ وَهُوَ رحمة {لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة: 61] لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ. {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61] [قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ] وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. . . . [62] {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} [التوبة: 62] قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ الْجُلَاسُ بْنُ سُوِيدٍ وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَوَقَعُوا فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَحَقَّرُوهُ، وَقَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَغَضِبَ الْغُلَامُ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقٌّ، وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَدَعَاهُمْ، وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَلَفُوا أَنَّ عَامِرًا كَذَّابٌ، وَحَلَفَ عامر أنهما كَذَبَةٌ، فَصَدَّقَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ عَامِرٌ يَدْعُو، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ، وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَوْهُ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} [التوبة: 62] {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] [63] {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 63] يُخَالِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنْ يَكُونُوا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنَ

اللَّهَ وَرَسُولَهُ، {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63] أَيِ: الْفَضِيحَةُ الْعَظِيمَةُ. [64] {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ} [التوبة: 64] أَيْ: يَخْشَى الْمُنَافِقُونَ، {أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 64] أَيْ: تُنَزَّلُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، {سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 64] أَيْ: بِمَا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيُسِرُّونَ، وَيَخَافُونَ الْفَضِيحَةَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى الْفَاضِحَةَ وَالْمُبَعْثِرَةَ وَالْمُثِيرَةَ أَثَارَتْ مَخَازِيَهُمْ ومثالبهم {قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ} [التوبة: 64] مظهر {مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] قَالَ ابْنُ كِيسَانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَقَبَةِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ إِذَا عَلَاهَا وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يُخْفِيهِمْ شَأْنَهُ، وَتَنَكَّرُوا لَهُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَدَّرُوا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يضرب وجوه رواحلهم (¬1) . [65] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] الْآيَةُ، وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ اثْنَانِ يَسْتَهْزِئَانِ بِالْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ، وَالثَّالِثُ يَضْحَكُ. قِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَغْلِبُ الرُّومَ، وَيَفْتَحُ مَدَائِنَهُمْ مَا أَبْعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي أَصْحَابِنَا الْمُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ، فَدَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَقَالُوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، أَيْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ وَنَخُوضُ فِي الْكَلَامِ كَمَا يَفْعَلُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ بِالْحَدِيثِ وَاللَّعِبِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَشْتَدُّ قُدَّامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحِجَارَةُ تَنْكُبُهُ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يقول له: " أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ " ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه. قوله: {قُلْ} [التوبة: 65] أي: قل يا محمد للمنافقين، {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ} [التوبة: 65] كتابه، {وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] [66] {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] فإن قيل: كيف قال: (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَظْهَرْتُمُ الكفر بعد ما أَظْهَرْتُمُ الْإِيمَانَ. {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} [التوبة: 66] أَيْ: نتبْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْكُمْ، وَأَرَادَ بِالطَّائِفَةِ وَاحِدًا، {نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 66] بالاستهزاء، وقرأ عَاصِمٌ: (نَعْفُ) بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّ الفاء، {نُعَذِّبْ} [التوبة: 66] بِالنُّونِ وَكَسْرِ الذَّالِ، طَائِفَةً نُصِبَ. وقرأ الآخرون: (يعف) بالياء ¬

(¬1) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب المنافقين (2779) ، ورواه الإمام أحمد في مسنده ج 4 / 320.

قوله تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم

وَضَمِّهَا وَفَتَحِ الْفَاءِ، (تُعَذَّبْ) بِالتَّاءِ وفتح الذال، طائفة عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. وَقَالَ محمد بن إسحاق: الذي عفي عنه رجل واحد وهو مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ الْأَشْجَعِيِّ، يُقَالُ: هُوَ الَّذِي كَانَ يَضْحَكُ، وَلَا يَخُوضُ، وَكَانَ يَمْشِي مُجَانِبًا لَهُمْ، وَيُنْكِرُ بَعْضَ مَا يَسْمَعُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَابَ مِنْ نِفَاقِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أزال أسمع آية تقرأ عني بِهَا تَقْشَعِرُّ الْجُلُودُ مِنْهَا، وَتَجِبُ مِنْهَا الْقُلُوبُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّا غُسِّلْتُ أَنَا كُفِّنْتُ أَنَا دُفِنْتُ، فَأُصِيبَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عرف مصرعه غيره. [67] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67] أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النفاق، {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} [التوبة: 67] بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67] أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة: 67] أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بخير، {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] تركوا طاعة الله فتركهم مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] [68] {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ} [التوبة: 68] كافيهم جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ, {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 68] أبعدهم الله مِنْ رَحْمَتِهِ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68] دائم. [قوله تعالى كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ] قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا. . . . [69] {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [التوبة: 69] أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً} [التوبة: 69] بَطْشًا وَمَنَعَةً، {وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} [التوبة: 69] فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ} [التوبة: 69] أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ} [التوبة: 69] وسلكتم سبيلهم، {وَخُضْتُمْ} [التوبة: 69] فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، {كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة: 69] أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ (مَا) وَ (مَنْ) يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الواحد والجمع، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [الْبَقَرَةِ: 17] ثُمَّ قَالَ: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [الْبَقْرَةِ: 17] {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69] أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جحر ضب لاتبعتموهم» (¬1) . [70] قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} [التوبة: 70] يعني المنافقين، {نَبَأُ} [التوبة: 70] خبر، {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [التوبة: 70] حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فقال: {قَوْمِ نُوحٍ} [التوبة: 70] أهُلكوا بالطوفان، {وَعَادٍ} [التوبة: 70] أُهلكوا بالريح {وَثَمُودَ} [التوبة: 70] بالرجفة، {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} [التوبة: 70] بسلب النعمة وهلاك نمروذ، {وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ} [التوبة: 70] يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يوم الظلة، {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} [التوبة: 70] الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وهي قوم لوط وقُراهم، {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [التوبة: 70] فَكَذَّبُوهُمْ وعصَوْهم كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقمة، {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70] [71] {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] في الدِّين واجتماع الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [التوبة: 71] بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعرف فِي الشَّرْعِ، {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [التوبة: 71] الْمَفْرُوضَةَ {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] [72] {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} [التوبة: 72] مَنَازِلَ طَيِّبَةً، {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72] أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التَّوْبَةِ: 72] أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ من ذلك النعيم الذي هم فيه، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بعده أبداً» (¬2) . [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ] وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. . . . [73] {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] بالسيف والقتل، {وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ جِهَادِ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَقَالَ: لَا تَلَقَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّسَانِ وَتَرْكِ الرِّفْقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِتَغْلِيظِ الْكَلَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ} [التوبة: 73] فِي الْآخِرَةِ {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] قَالَ عَطَاءٌ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الاعتصام 13 / 300 ومسلم في=العلم رقم (2669) 4 / 2054 والمصنف في شرح السنة 14 / 392. (¬2) أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 487 ومسلم في الجنة وصفة نعيمها رقم (2829) 4 / 2176، والمصنف في شرح السنة 15 / 231.

[74] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} [التوبة: 74] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ فَقَالَ: " إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ فَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ, فَإِذَا جَاءَ فَلَا تكلموه "فلم يلبسوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ, فَدَعَاهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وأصحابك "؟ فانطلق الرجل، وَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَالُوا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ،» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوِيدٍ، وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ بِتَبُوكَ فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَسَمَّاهُمْ رِجْسًا وَعَابَهُمْ, فَقَالَ جُلَاسٌ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْجُلَاسُ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِفَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْجُلَاسُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَالَهُ, وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عَامِرٌ، ثُمَّ قَامَ عَامِرٌ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ قال وَمَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ, ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصَّادِقِ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ: آمِينَ، فنزل جبريل عليه السلام من السماء قبل أن يتفرقوا بِهَذِهِ الْآيَةِ, حَتَّى بَلَغَ: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} [التوبة: 74] فَقَامَ الْجُلَاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أسمعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ, صَدَقَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَا قَالَهُ، لَقَدْ قُلْتُهُ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ, فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ منه، وحسنت توبته» . {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: 74] أَيْ: أَظْهَرُوا الْكَفْرَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: هِيَ سَبُّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُ الْجُلَاسِ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَقِيلَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُهُمْ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] وستأتي الْقِصَّةُ فِي مَوْضِعِهَا فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ، {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} [التوبة: 74] قَالَ مُجَاهِدٌ: همَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي سَمِعَ قَوْلَهُمْ: لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، لِكَيْ لَا يُفْشِيَهُ، وَقِيلَ: هُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَفُوا عَلَى الْعَقَبَةِ فِي طَرِيقِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ لِذَلِكَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالُوا إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَقَدْنَا عَلَى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ تَاجًا، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ. {وَمَا نَقَمُوا} [التوبة: 74] وَمَا كَرِهُوا وَمَا أَنْكَرُوا مِنْهُمْ، {إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 74] وَذَلِكَ أَنَّ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاسْتَغْنَى، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَنْكٍ مِنَ الْعَيْشِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استغنوا بالغنائم {فَإِنْ يَتُوبُوا} [التوبة: 74] مِنْ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ {يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا} [التوبة: 74] يُعْرِضُوا عَنِ الْإِيمَانِ، {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا} [التوبة: 74] بالخزي، {وَالْآخِرَةِ} [التوبة: 74] أَيْ: وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، {وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] [75] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75] الآية نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، خَرَجَا عَلَى مَلَأٍ قُعُودٍ وَقَالَا: وَاللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنَا اللَّهُ مَالًا لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمَّا رَزَقَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَخِلَا بِهِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنْهُمْ} [التوبة: 75] يعني: المنافقين {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75] وَلِنُؤَدِّيَن حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [التوبة: 75] نَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ. [76] {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة: 76] [77] {فَأَعْقَبَهُمْ} [التوبة: 77] فأخلفهم، {نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 77]

قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن

أَيْ: صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمُ النِّفَاقَ، يُقَالُ: أَعْقَبَ فَلَانَا نَدَامَةً إِذَا صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: عَاقَبَهُمْ بِنِفَاقِ قُلُوبِهِمْ، يُقَالُ: عَاقَبْتُهُ وَأَعْقَبْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة: 77] يُرِيدُ حَرَمَهُمُ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 77] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِق ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائتمن خان» (¬1) . [78] {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [التوبة: 78] يَعْنِي: مَا أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، {وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78] [79] {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 79] الْآيَةُ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَثَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَةِ؛ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ جِئْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَاجْعَلْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْسَكْتُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَفِيمَا أَمْسَكْتَ» ، فَبَارَكَ اللَّهُ فِي مَالِهِ، حَتَّى إِنَّهُ خَلَّفَ امْرَأَتَيْنِ يَوْم مَاتَ فَبَلَغَ ثُمُنُ مَالِهِ لَهُمَا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِمُ بْنُ عُدَيٍّ الْعَجْلَانِيُّ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ، واسمه الحبحاب بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا لِأَهْلِي، وأتيتك بالآخر، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصدقة، فلمزهم المنافقون، وقالوا: مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَاصِمٌ إلا رياءً، وإن كان اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقِيلٍ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يذكر فيمن أعطى الصَّدَقَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ} [التوبة: 79] أي: يعيبون {الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 79] يَعْنِي: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَاصِمًا. {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79] أَيْ: طَاقَتُهُمْ، يَعْنِي: أَبَا عَقِيلٍ، وَالْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، بِالضَّمِّ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِالْفَتْحِ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وبالفتح المشقة، {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] يَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُمْ، {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] أَيْ: جَازَاهُمُ اللَّهُ عَلَى السُّخْرِيَةِ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] [قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ] تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. . . . [80] {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80] لفظ أمر معناه الخبر، تَقْدِيرُهُ: اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] وذكر السبعين في العدد للمبالغة في اليأس عن طَمَعِ الْمَغْفِرَةِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فسأزيدن عَلَى السَّبْعِينَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ،» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 80] [81] {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} [التوبة: 81] هو عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَالْمُخَلَّفُ الْمَتْرُوكُ {بِمَقْعَدِهِمْ} [التوبة: 81] أَيْ: بِقُعُودِهِمْ {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} [التوبة: 81] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَارَ وَأَقَامُوا، {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] يَعْلَمُونَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. [82] {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} [التوبة: 82] في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82] فِي الْآخِرَةِ، تَقْدِيرُهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وسيبكون كَثِيرًا، {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82] عن ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 89 ومسلم في الإيمان رقم (59) 1 / 78 والمصنف في شرح السنة 1 / 72.

قوله تعالى رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على

موسى بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كثيرًا» (¬1) . [83] {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} [التوبة: 83] أَيْ: رَدَّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، {إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 83] يعني: من المخلفين، إنما قَالَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ كل من تخلف من غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ مُنَافِقًا، {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} [التوبة: 83] مَعَكَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، {فَقُلْ} [التوبة: 83] لَهُمْ {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} [التوبة: 83] فِي سَفَرٍ، {وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 83] في غزاة أخرى {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] أَيْ: مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقِيلَ مَعَ الزمنَى وَالْمَرْضَى، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَقِيلَ: مَعَ الْخَالِفِينَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ صَاحِبٌ خَالِفٌ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا، {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: " أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ " فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: " إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا "، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انصرف فلم يلبث إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] إلى قوله: {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أعلم» (¬2) . [84] قَوْلُهُ {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] لا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ. {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ. [85] {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 85] [86] {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} [التوبة: 86] ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي القعود والتخلف, {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 86] في رحالهم. [قوله تعالى رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى] قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ. . . . [87] {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} [التوبة: 87] يَعْنِي: النِّسَاءَ، وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ، يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ، {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 87] [88] {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} [التوبة: 88] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 280 ومسلم في الفضائل رقم (2359) 14 / 1832 والمصنف في شرح السنة14 / 368. (¬2) أخرجه البخاري في الجنائز 3 / 228.

يَعْنِي الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: 70] جمع خيرة {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 88] [89] {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 89] [90] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} [التوبة: 90] قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: (الْمُعْذِرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ "لَقَدْ أُعذر مَنْ أَنْذَرَ"، أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (الْمُعَذِّرُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيِ الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ، أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ، وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ جَاءُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غزونا معك تغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ» ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 90] يعني المنافقين، قال أبو عمر بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ) ، وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ، فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ، فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 90] ثُمَّ ذَكَرَ أَهْلَ الْعُذْرِ. [91] فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ} [التوبة: 91] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الزَّمْنَى وَالْمَشَايِخَ وَالْعَجَزَةَ، وَقِيلَ: هُمُ الصِّبْيَانُ وَقِيلَ: النِّسْوَانُ، {وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 91] يعني الفقراء {حَرَجٌ} [التوبة: 91] مَأْثَمٌ، وَقِيلَ: ضِيقٌ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ, {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91] فِي مَغِيبِهِمْ وَأَخْلَصُوا الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ لِلَّهِ، وَبَايَعُوا الرَّسُولَ {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] أَيْ: مِنْ طَرِيقٍ بِالْعُقُوبَةِ, {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91] قال قتادة: نزلت في زيد بن عمر وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي عبد الله بن أَمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ. [92] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92] مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا سَبِيلَ عَلَى الْأَوَّلِينَ، وَلَا عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْكَ وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ سُموا الْبَكَّائِينَ: مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَصَخْرُ بن خَنْسَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ الأنصاري، وعبلة بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزْنِيُّ، أَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَدَبَنَا إِلَى الْخُرُوجِ مَعَكَ فَاحْمِلْنَا، وَاخْتَلَفُوا فِي قوله {لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلُوهُ أَنْ

قوله تعالى يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم

يَحْمِلَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ، وَقِيلَ: سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى الْخِفَافِ الْمَرْفُوعَةِ والنعال المخصوفة، ليغزوا معه، فأجابهم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تعالى: {قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} [التوبة: 92] وَهُمْ يَبْكُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] [93] {إِنَّمَا السَّبِيلُ} [التوبة: 93] بالعقوبة، {عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} [التوبة: 93] فِي التَّخَلُّفِ {وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} [التوبة: 93] مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، {وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 93] [قوله تعالى يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ] قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ. . . . [94] {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} [التوبة: 94] يُرْوَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ نَفَرًا، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءُوا يَعْتَذِرُونَ بِالْبَاطِلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} [التوبة: 94] لَنْ نُصَدِّقَكُمْ، {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: 94] فِيمَا سَلَفَ، {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 94] فِي الْمُسْتَأْنَفِ، أَتَتُوبُونَ مِنْ نِفَاقِكُمْ، أَمْ تُقِيمُونَ عَلَيْهِ؟ {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94] [95] {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} [التوبة: 95] إِذَا انْصَرَفْتُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ غَزْوِكُمْ، {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ} [التوبة: 95] لِتَصْفَحُوا عَنْهُمْ وَلَا تُؤَنِّبُوهُمْ، {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} [التوبة: 95] فَدَعَوْهُمْ، وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ النفاق، {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة: 95] نَجِسٌ أَيْ: إِنَّ عَمَلَهُمْ قَبِيحٌ، {وَمَأْوَاهُمْ} [التوبة: 95] فِي الْآخِرَةِ، {جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 95] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَأَصْحَابِهِمَا، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ: "لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ» وَقَالَ مُقَاتِلٌ: «نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيّ حَلَفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بَعْدَهَا، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: [96] {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] » [97] {الْأَعْرَابُ} [التوبة: 97] أَيْ: أَهْلُ الْبَدْوِ، {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97] من أهل الحضر، {وَأَجْدَرُ} [التوبة: 97] أي: أَخْلَقُ وَأَحْرَى، {أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] وَذَلِكَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ ومعرفة السنن، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 97] بِمَا فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ، {حَكِيمٌ} [التوبة: 97] فِيمَا فَرَضَ مِنْ فَرَائِضِهِ. [98] {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} [التوبة: 98] قال عطاء: لا يرجون على إعطائه ثوابًا ولا يخافون عَلَى إِمْسَاكِهِ عِقَابًا إِنَّمَا يُنْفِقُ خوفًا ورياء، وَالْمَغْرَمُ الْتِزَامُ مَا لَا يُلْزَمُ {وَيَتَرَبَّصُ} [التوبة: 98] وينتظر، {بِكُمُ الدَّوَائِرَ} [التوبة: 98] يَعْنِي: صُرُوفَ الزَّمَانِ الَّتِي تَأْتِي مَرَّةً بِالْخَيْرِ وَمَرَّةً بِالشَّرِّ، وَقَالَ يمان بن رباب: يَعْنِي يَنْقَلِبُ الزَّمَانُ عَلَيْكُمْ فَيَمُوتُ الرَّسُولُ وَيَظْهَرُ الْمُشْرِكُونَ، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [التوبة: 98] عَلَيْهِمْ يَدُورُ

قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار

الْبَلَاءُ وَالْحَزَنُ، وَلَا يَرَوْنَ فِي محمد ودينه إلا ما يكرهون وما يسوؤهم، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (دَائِرَةُ السُّوْءِ) هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ الْفَتْحِ بِضَمِّ السِّينِ، مَعْنَاهُ: الضُّرُّ وَالْبَلَاءُ وَالْمَكْرُوهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ: الرِّدَّةُ وَالْفَسَادُ، وَبِالضَّمِّ الضُّرُّ وَالْمَكْرُوهُ، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 98] نَزَلَتْ فِي أَعْرَابِ أَسَدٍ وغَطَفَانَ وَتَمِيمٍ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: [99] {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 99] قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَنُو مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَسْلَمُ وغفار وجهينة {وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 99] الْقُرُبَاتُ جَمْعُ الْقُرْبَةِ، أَيْ: يَطْلُبُ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} [التوبة: 99] أَيْ: دُعَاءَهُ وَاسْتِغْفَارَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: يَرْغَبُونَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} [التوبة: 99] قَرَأَ نَافِعٌ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ قُرُبَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِسُكُونِهَا، {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} [التوبة: 99] فِي جَنَّتِهِ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99] [قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ] وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. . . . [100] {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 100] الْآيَةَ، قَرَأَ يَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ، عَطْفًا على قوله: {وَالسَّابِقُونَ} [التوبة: 100] واختلفوا في السابقين، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةُ وَابْنُ سَيْرَيْنَ وَجَمَاعَةٌ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هُمْ أهْلُ بَدْرٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ شهدوا بيعة الرضوان، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} [التوبة: 100] الَّذِينَ هَاجَرُوا قَوْمَهُمْ وَعَشِيرَتَهُمْ وَفَارَقُوا أوطانهم {وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 100] أَيْ: وَمِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمُ الَّذِينَ نَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَآوَوْا أَصْحَابَهُ، {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] قيل: بَقِيَّةُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ سِوَى السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَلَكُوا سَبِيلَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ أَوِ النُّصْرَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار بالترحم والدعاء، ثُمَّ جَمَعَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الثَّوَابِ فَقَالَ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} [التوبة: 100] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ مَكَّةَ، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] [101] {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} [التوبة: 101] وَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَأَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَغِفَارٍ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ منافقون، {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ} [التوبة: 101] أَيْ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَوْمٌ مُنَافِقُونَ، {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101] أَيْ: مُرِّنُوا عَلَى النِّفَاقِ، يُقَالُ: تَمَرَّدَ فَلَانٌ عَلَى رَبِّهِ أَيْ: عَتَا، وَمَرَدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَيْ: مُرِّنَ، وَثَبَتَ عَلَيْهَا وَاعْتَادَهَا، وَمِنْهُ: الْمُرِيدُ وَالْمَارِدُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَجُّوا فِيهِ

وَأَبَوْا غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَقَامُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُوبُوا، {لَا تَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 101] اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الْعَذَابَيْنِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَوَّلُ الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ، وَالثَّانِي عذاب القبر، وَقَالَ قَتَادَةُ: الدُّبَيْلَةُ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْقَبْرِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْأُولَى الْمَصَائِبُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأُولَى إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْقَبْرِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْظِ الْإِسْلَامِ، وَدُخُولِهِمْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حِسْبَةٍ ثم عذاب القبر، وقيل: أحدهما ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ عِنْدَ قبض أرواحهم، والآخر عَذَابُ الْقَبْرِ، وَقِيلَ: الْأُولَى إِحْرَاقُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَالْأُخْرَى إِحْرَاقِهِمْ بِنَارِ جَهَنَّمَ، {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101] أي: عَذَابِ جَهَنَّمَ يَخْلُدُونَ فِيهِ. [102] {وَآخَرُونَ} [التوبة: 102] أَيْ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنَ الْأَعْرَابِ آخَرُونَ، وَلَا يَرْجِعُ هذا إلى المنافقين، {اعْتَرَفُوا} [التوبة: 102] أَقَرُّوا، {بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا} [التوبة: 102] وَهُوَ إِقْرَارُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَتَوْبَتُهُمْ، {وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102] أَيْ: بِعَمَلٍ آخَرَ سَيِّئٍ، وَضْعُ الْوَاوِ مَوْضِعَ الْبَاءِ، كَمَا يُقَالُ: خَلَطْتُ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ، أَيْ: بِاللَّبَنِ، وَالْعَمَلُ السَّيِّئُ هُوَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ نَدَامَتُهُمْ وَرَبْطُهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي، وَقِيلَ: غَزَوَاتُهُمْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا: نَكُونُ فِي الظِّلَالِ مَعَ النِّسَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْجِهَادِ واللَّأواء، فَلَمَّا قَرُبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الْمَدِينَةِ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أَنْفُسَنَا بِالسَّوَارِي، فَلَا نُطْلِقُهَا حَتَّى يَكُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم هو الذي يطلقنا وَيَعْذُرُنَا، فَأَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِمْ فَرَآهُمْ فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْكَ فَعَاهَدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُطْلِقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تُطْلِقُهُمْ، وَتَرْضَى عَنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ، وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى أُومَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ؛ لأنهم رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزِلُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ، فَلَمَّا أُطْلِقُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا الَّتِي خَلَّفَتْنَا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِهَا وَطَهِّرْنَا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] الآية. [103] {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103] بِهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] أَيْ: تَرْفَعُهُمْ مِنْ مَنَازِلِ الْمُنَافِقِينَ إِلَى مَنَازِلِ الْمُخْلِصِينَ، وَقِيلَ: تُنَمِّي أموالهم {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التَّوْبَةِ: 103] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ السَّاعِي لِلْمُصَّدِّقِ إِذَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْهُ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، {إِنَّ صَلَاتَكَ} [التوبة: 103] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (صَلَاتَكَ) عَلَى التَّوْحِيدِ وَنَصْبِ التَّاءِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ هُودٍ (أَصَلَاتُكَ) وَفِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَى صَلَاتِهِمْ) كُلُّهُنَّ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَافَقَهُمَا حَفْصٌ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ هُودٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ فيهن، وكسر التاء هاهنا وفي سورة المؤمنين، ولا خلاف في التي في الأنعام: {وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] والتي في المعارج: {هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23] إنهما جميعًا على التوحيد، {سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أَيْ: إِنَّ دُعَاءَكَ رَحْمَةٌ لَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ وَسُكُونٌ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَبِلَ مِنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103] وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدُّعَاءِ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ

قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا

بَعْضُهُمْ: يَجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ، وَيَسْتَحِبُّ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْفَقِيرِ أن يدعو للمعطي. [104] {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104] أَيْ: يَقْبَلُهَا، {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مع كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طِيبًا وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طِيبٌ إِلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لِتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهَا لِمِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104] » ، (¬1) . [105] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ، وقيل: رؤية لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَرُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِيقَاعِ الْمَحَبَّةِ فِي قُلُوبِهِمْ لأهل الصلاح، والبغض لِأَهْلِ الْفَسَادِ. [106] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 106] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ: (مُرْجَوْنَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَالْآخَرُونَ بِالْهَمْزِ، وَالْإِرْجَاءُ: التَّأْخِيرُ، مُرْجَوْنَ: مُؤَخَّرُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ: لِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ، وَهُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ تَأْتِي قِصَّتُهُمْ مِنْ بَعْدُ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، لَمْ يُبَالِغُوا فِي التَّوْبَةِ وَالِاعْتِذَارِ كَمَا فعل أبو لبابة وأصحابه، فَوَقَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَنَهَى النَّاسَ عَنْ مُكَالَمَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ، حَتَّى شَقَّهُمُ الْقَلَقُ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَجَعَلَ أُنَاسٌ يَقُولُونَ: هَلَكُوا، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ، فَصَارُوا مُرْجَئِيْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَدْرُونَ أَيُعَذِّبُهُمْ أَمْ يَرْحَمُهُمْ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ خمسين ليلة، [قوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا] بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . . . [107] قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} [التوبة: 107] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا يُضَارُّونَ به مسجد قباء ضِرَارًا يَعْنِي مُضَارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، {وَكُفْرًا} [التوبة: 107] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ فَبَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107] أَيِ: انْتِظَارًا وَإِعْدَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُقَالُ: أَرْصَدْتُ لَهُ إِذَا أَعْدَدْتُ لَهُ، وَهُوَ أَبُو عامر الفاسق أرسل إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَنِ اسْتَعَدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ، وَابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصحابه من المدينة، فَبَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ إِلَى جَنْبِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107] وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ إِذَا رَجَعَ مِنَ الشَّامِ، قوله: {مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107] يَرْجِعُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ يَعْنِي حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أَيْ: مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ مَسْجِدِ الضرار، {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا} [التوبة: 107] مَا أَرَدْنَا بِبِنَائِهِ، {إِلَّا الْحُسْنَى} [التوبة: 107] إِلَّا الْفِعْلَةَ الْحُسْنَى وَهُوَ الرِّفْقُ بِالْمُسْلِمِينَ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ والعجز عن السير إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] في قولهم وحلفهم. [108] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَا تُصَلِّ فِيهِ " مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ، {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة: 108] اللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: لَامُ القسم، ¬

(¬1) أخرجه الشافعي بإسناد حسن في المسند 1 / 220 والمصنف في شرح السنة 6 / 131 وصححه الحاكم على شرط الشيخين 2 / 335 وأصل معنى الحديث ثابت في الصحيحين.

تَقْدِيرُهُ، وَاللَّهِ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ أَيْ: بُنِيَ أَصْلُهُ عَلَى التَّقْوَى، {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] أَيْ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ وَوُضِعَ أَسَاسُهُ، {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] مُصَلِّيًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، والدليل عليه قول الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (¬1) وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءٍ وَهُوَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بن جبير وقتادة، {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجُنَابَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ: وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ وَلَا ينامون بالليل على الجنابة {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] أَيِ الْمُتَطَهِّرِينَ. [109] {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] يقرأ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (أُسِّسَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ، (بُنْيَانُهُ) بِرَفْع النون فيها جَمِيعًا عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (أُسِّسَ) فَتْحُ الْهَمْزَةِ والسين {بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] بِنَصْبِ النُّونِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، {عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} [التوبة: 109] أَيْ: عَلَى طَلَبِ التَّقْوَى وَرِضَا اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ {أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا} [التوبة: 109] أي على شفير, {جُرُفٍ} [التوبة: 109] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ (جُرْفٍ) سَاكِنَةُ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمَّ تُطْوَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْهُوَّةُ، وَمَا يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ فيتجرف بالماء فيبقى واهيًا، {هَارٍ} [التوبة: 109] أَيْ: هَائِرٌ وَهُوَ السَّاقِطُ يُقَالُ: هَارَ يَهُورُ فَهُوَ هَائِرٌ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقَالُ: هَارٍ مِثْلُ شَاكٍ وشائك وعاق عائق، وقيل: هو من هار بها إِذَا انْهَدَمَ، وَمَعْنَاهُ السَّاقِطُ الَّذِي يَتَدَاعَى بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ كَمَا يَنْهَارُ الرَّمْلُ وَالشَّيْءُ الرَّخْوُ، {فَانْهَارَ بِهِ} [التوبة: 109] أي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ صَيَّرَهُمُ النِّفَاقُ إِلَى النَّارِ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109] [110] {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً} [التوبة: 110] أي: {قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 110] يحسبون أنهم كانوا في بنائه مُحْسِنِينَ كَمَا حُبِّبَ الْعِجْلُ إِلَى قَوْمِ مُوسَى، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى بِنَائِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يَزَالُ هدم بنيانهم رِيبَةً وَحَزَازَةً، وَغَيْظًا فِي قُلُوبِهِمْ، {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110] أي: تتصدع قلوبهم فيموتوا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وحفص وحمزة (تَقَطَّعَ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: تَتَقَطَّعُ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وقرأ الآخرون (تقطع) بضم التاء من التقطيع، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَحَدَّهُ (إِلَى أَنْ) بتخفيف اللام على الغاية، وقرأ الباقون {إِلَّا أَنْ} [التوبة: 110] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 3 / 70 ومسلم في الحج ش قم (1391) 2 / 1011 والمصنف في شرح السنة 2 / 338.

قوله تعالى التائبون العابدون الحامدون السائحون

بتشديد اللام على الاستثناء، ويدل على قراءة يعقوب تَفْسِيرُ الضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ: لَا يَزَالُونَ في شك منه وندامة إلى أن يموتوا فحينئذ يستيقنون، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110] [111] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا بَايَعَتِ الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ بِمَكَّةَ، وَهْم سَبْعُونَ نَفْسًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا؟ قَالَ: الْجَنَّةُ، قَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ لَا نُقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ فَنَزَلَتْ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ (بِالْجَنَّةِ) {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] وقرأ حمزة والكسائي: (فيقتلون) بضم الياء وفتح التاء (ويقتلون) بفتح الياء وضم التاء على تقديم فعل المفعول على فعل الفاعل، يعني: يقتل بعضهم ويقتل الباقون، وقرأ الباقون (فيقتلون) بفتح الياء وضم التاء (ويقتلون) بضم الياء وفتح التاء على تقديم فعل الفاعل على ما فعل المفعول، والوجه أنهم يقتلون الكفار أولًا ثم يستشهدون، هذا الوجه أظهر، والقراءة به أكثر، {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [التوبة: 111] أَيْ: ثَوَابُ الْجَنَّةِ لَهُمْ وَعْدٌ وحقٌ {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111] يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُمْ هَذَا الْوَعْدَ وَبَيَّنَهُ فِي هذه الكتب، وفيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمِلَلِ كُلِّهُمْ أُمِرُوا بِالْجِهَادِ عَلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ هَنَّأَهُمْ فَقَالَ: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا} [التوبة: 111] فَافْرَحُوا {بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَايَعَكَ وَجَعَلَ الصَّفْقَتَيْنِ لَكَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ثَامَنَهُمُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَأَغْلَى لهم، وقال الحسن: اسعوا إِلَى بَيْعَةٍ رَبِيحَةٍ بَايَعَ اللَّهُ بِهَا كُلَّ مُؤْمِنٍ، وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ الدُّنْيَا فَاشْتَرِ الْجَنَّةَ بِبَعْضِهَا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فقال: [قَوْلُهُ تَعَالَى التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ] الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ. . . . [112] {التَّائِبُونَ} [التوبة: 112] قَالَ الْفَرَّاءُ: اسْتُؤْنِفَتْ بِالرَّفْعِ لِتَمَامِ الْآيَةِ، وَانْقِطَاعِ الْكَلَامِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: التائبون رفع بالابتداء، وخبره مضمر، والمعنى التَّائِبُونَ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ لَهُمُ الْجَنَّةُ أَيْضًا، أَيْ: مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ غَيْرَ مُعَانِدٍ وَلَا قَاصِدٍ لِتَرْكِ الْجِهَادِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَجْزِي عَنْ بَعْضٍ فِي الْجِهَادِ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ أَيْضًا، وَهَذَا أَحْسَنُ، فَكَأَنَّهُ وَعَدَ الْجَنَّةَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النِّسَاءِ: 95] فَمَنْ جَعَلَهُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ فلهم الوعد بالجنة أيضا، وإن كان الوعد بالجنة للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، قوله: {التَّائِبُونَ} [التوبة: 112] أَيِ: الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وبرؤوا من

النفاق {الْعَابِدُونَ} [التوبة: 112] الْمُطِيعُونَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ لِلَّهِ عز وجل {الْحَامِدُونَ} [التوبة: 112] الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حال في السراء والضراء {السَّائِحُونَ} [التوبة: 112] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الصَّائِمُونَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: السَّائِحُونَ الْغُزَاةُ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّائِحُونَ هُمْ طَلَبَةُ الْعِلْمِ، {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} [التوبة: 112] يعني المصلين، {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [التوبة: 112] بالإيمان, {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 112] عَنِ الشِّرْكِ، وَقِيلَ: الْمَعْرُوفُ السَّنَةُ وَالْمُنْكَرُ الْبِدْعَةُ، {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: 112] الْقَائِمُونَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَهْلُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ اللَّهِ، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] [113] {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآية، قال قوم: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ: " أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ "، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بن المغيرة: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ ويعودان لتلك الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخر ما كلمهم: أنا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ،» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَبِرَيْدَةُ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَتَى قَبْرَ أُمِّهِ آمِنَةَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتَّى حَمِيَتِ الشَّمْسُ رَجَاءَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَيَسْتَغْفِرَ لَهَا فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] » الآية (¬1) قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لِأَبِي، كَمَا اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ» (¬2) . وَقَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ الله عنه: «سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ لَهُ: تَسْتَغْفِرُ لَهُمَا وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟ فَقَالَ: أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} [الممتحنة: 4] إِلَى قَوْلِهِ: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الْمُمْتَحَنَةُ: 4] » (¬3) . [114] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَاءُ فِي إِيَّاهُ عَائِدَةٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْوَعْدُ كَانَ مِنْ أَبِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ وَعَدَهُ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي يَعْنِي إِذَا أَسْلَمْتَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْأَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَعْدَ أَبَاهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَجَاءَ إِسْلَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: 47] يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ: (وَعَدَهَا أَبَاهُ) ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَعْدَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ الِاسْتِغْفَارُ فِي حَالِ شِرْكِ الْأَبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} [الممتحنة: 4] إِلَى أَنْ قَالَ: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الْمُمْتَحَنَةُ: 4] فَصَرَّحَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَيْسَ بِقُدْوَةٍ فِي هَذَا الِاسْتِغْفَارِ، وَإِنَّمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ لِمَكَانِ الْوَعْدِ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ، {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} [التوبة: 114] لِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ، {تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] وَقِيلَ: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ منه أي: يتبرأ منه، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْأَوَّاهِ، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْأَوَّاهَ الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ "، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الْأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ التَّوَّابُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِعِبَادِ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَوَّاهُ الْمُوقِنُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْمُسْتَيْقِنُ بلغة الحبشة. ¬

(¬1) أخرجه الطبري 14 / 512 والإمام أحمد في المسند 5 / 359. (¬2) أخرجه الطبري مطولًا 14 / 513. (¬3) أخرجه الترمذي في التفسير 8 / 505 وقال حديث حسن، وصححه الحاكم 2 / 335، وأخرجه أحمد والنسائي، وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار- انظر الكافي الشافي ص 82، وتحفة الأحوذي 8 / 505.

قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا

وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هُوَ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السلام يكثر أن يقول: أوه من النار، قبل ألا ينفع أوه، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَتَأَوَّهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: الْأَوَّاهُ الْكَثِيرُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ: الْمُسَبِّحُ، وَرُوِيَ عَنْهُ: الْأَوَّاهُ: الْمُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: هُوَ الْفَقِيهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ الرَّاجِعُ عَنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ اللَّهُ، وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ الْخَائِفُ مِنَ النَّارِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْمُتَأَوِّهُ شَفَقًا وَفَرَقًا الْمُتَضَرِّعُ يَقِينًا، يريد أن يكون تضرعه على يقين الإجابة ولزوم الطاعة، قَالَ الزَّجَّاجُ: قَدِ انْتَظَمَ فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي الْأَوَّاهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ التَّأَوُّهِ وَهُوَ أَنْ يُسْمَعَ لِلصَّدْرِ صَوْتٌ مِنْ تَنَفُّسِ الصُّعَدَاءِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ أَوَّهَ وَتَأَوَّهَ، وَالْحَلِيمُ الصَّفُوحُ عَمَّنْ سَبَّهُ أَوْ نَالَهُ بِالْمَكْرُوهِ، كَمَا قَالَ لِأَبِيهِ عِنْدَ وَعِيدِهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: الْحَلِيمُ السَّيِّدُ. [115] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة: 115] مَعْنَاهُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَحْكُمَ عَلَيْكُمْ بِالضَّلَالَةِ بِتَرْكِ الْأَوَامِرِ بِاسْتِغْفَارِكُمْ للمشركين، {حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] يُرِيدُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ، فإذا بين وَلَمْ تَأْخُذُوا بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تستحقون الضلال، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَذَا فِي الْمَنْسُوخِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمُوا، وَلَمْ تَكُنِ الْخَمْرُ حَرَامًا وَلَا الْقِبْلَةُ مَصْرُوفَةً إِلَى الْكَعْبَةِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ، وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ وَالْقِبْلَةَ قَدْ صُرِفَتْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتَ عَلَى دِينٍ وَنَحْنُ عَلَى غَيْرِهِ فَنَحْنُ ضُلَّالٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة: 115] يَعْنِي مَا كَانَ اللَّهُ لِيُبْطِلَ عَمَلَ قَوْمٍ قَدْ عَلِمُوا بِالْمَنْسُوخِ حتى يبين لَهُمُ النَّاسِخُ، {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] ثُمَّ عَظَّمَ نَفْسَهُ فَقَالَ: [116] {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [التوبة: 116] يَحْكُمُ بِمَا يَشَاءُ، {يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 116] [117] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} [التوبة: 117] الْآيَةَ، تَابَ اللَّهُ أَيْ: تَجَاوَزَ وَصَفَحَ، وَمَعْنَى تَوْبَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِذْنِهِ لِلْمُنَافِقِينَ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ، وَقِيلَ: افْتَتَحَ الْكَلَامَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ تَوْبَتِهِمْ، فَذَكَرَهُ مَعَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الْأَنْفَالِ: 41] وَنَحْوِهِ، {وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] أَيْ: فِي وَقْتِ الْعُسْرَةِ، وَلَمْ يُرِدْ سَاعَةً بِعَيْنِهَا، وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ تُسَمَّى غَزْوَةَ الْعُسْرَةِ، وَالْجَيْشُ يُسَمَّى جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَالْعُسْرَةُ الشِّدَّةُ، وكانت عليهم عُسْرَةٍ فِي الظَّهْرِ وَالزَّادِ وَالْمَاءِ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْعَشَرَةُ مِنْهُمْ يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يَرْكَبُ الرَّجُلُ سَاعَةً ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَرْكَبُ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ زَادُهُمُ التمر المسوس والشعير المتغير {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ} [التوبة: 117] قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ: (يَزِيغُ) بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ (كَادَ) وَلَمْ يَقُلْ، كَادَتْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، وَالزَّيْغُ: الْمَيْلُ، أي: من بعد كادت تميل، {قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 117] أَيْ: قُلُوبُ بَعْضِهِمْ، وَلَمْ يُرِدَ الْمَيْلَ عَنِ الدِّينِ بَلْ أَرَادَ الْمَيْلَ إِلَى التَّخَلُّفِ وَالِانْصِرَافِ لِلشِّدَّةِ الَّتِي عَلَيْهِمْ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَمَّ نَاسٌ بِالتَّخَلُّفِ ثُمَّ لَحِقُوهُ. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 117] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَعَادَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ، وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} [التوبة: 117] ؟ قِيلَ: ذَكَرَ التَّوْبَةَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ، وَهُوَ مَحْضُ الْفَضْلِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا ذَكَرَ الذَّنْبَ أَعَادَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَبُولُهَا، {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا] ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ. . . . [118] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118] أي: خلفوا من غزوة تبوك، وقيل: {خُلِّفُوا} [التوبة: 118]

أَيْ: أُرْجِئَ أَمْرُهُمْ عَنْ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الشَّاعِرُ ومرارة ابن الرَّبِيعِ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ كُلُّهُمْ من الأنصار، قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 118] أي: اتسعت, {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118] غمًّا وهمًّا {وَظَنُّوا} [التوبة: 118] أَيْ: تَيَقَّنُوا، {أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 118] لَا مَفْزَعَ مِنَ اللَّهِ، {إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} [التوبة: 118] أَيْ: لِيَسْتَقِيمُوا عَلَى التَّوْبَةِ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُمْ قَدْ سَبَقَتْ، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] [119] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] قَالَ نَافِعٌ: مَعَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} [الحشر: 8] إِلَى قَوْلِهِ {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الْحَشْرِ: 8] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَعَ الَّذِينَ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ، وَخَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ بِإِخْلَاصِ نِيَّةٍ، وَقِيلَ: مَعَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي الِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ، وَلَمْ يَعْتَذِرُوا بِالْأَعْذَارِ الْكَاذِبَةِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ فِي جِدٍّ وَلَا هَزْلٍ، وَلَا أَنْ يَعِدَ أَحَدُكُمْ صَبِيِّهُ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزُ له، اقرؤوا إن شئتم هَذِهِ الْآيَةَ. [120] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} [التوبة: 120] ظاهره خبر معناه نَهْيٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} [الْأَحْزَابِ: 53] {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ} [التوبة: 120] سُكَّانُ الْبَوَادِي مُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَأَشْجَعُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارٌ، {أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} [التوبة: 120] إذا غزا، {وَلَا يَرْغَبُوا} [التوبة: 120] أَيْ: وَلَا أَنْ يَرْغَبُوا، {بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: 120] فِي مُصَاحَبَتِهِ وَمُعَاوَنَتِهِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: لَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عن أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنَ الشَّدَائِدِ فَيَخْتَارُوا الْخَفْضَ وَالدَّعَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَشَقَّةِ السَّفَرِ، وَمُقَاسَاةِ التَّعَبِ. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ} [التوبة: 120] في سفرهم، {ظَمَأٌ} [التوبة: 120] عطش، {وَلَا نَصَبٌ} [التوبة: 120] تعب، {وَلَا مَخْمَصَةٌ} [التوبة: 120] مَجَاعَةٌ، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا} [التوبة: 120] أرضا، {يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [التوبة: 120] وَطْؤُهُمْ إِيَّاهُ {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا} [التوبة: 120] أَيْ: لَا يُصِيبُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ قَتْلًا أَوْ أَسْرًا أَوْ غَنِيمَةً أَوْ هَزِيمَةً، {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (¬1) وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ خَاصَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إِلَّا بِعُذْرٍ، فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ فَيَجُوزُ لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بالمسلمين إليه ضرورة، ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الجمعة 2 / 390 والمصنف في شرح السنة 10 / 353.

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم

وقيل فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّهَا لأَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذَا حِينَ كَانَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ قَلِيلًا، فَلَمَّا كَثُرُوا نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَبَاحَ التَّخَلُّفَ لِمَنْ يَشَاءُ، فَقَالَ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] [121] {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً} [التوبة: 121] أَيْ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، {صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} [التوبة: 121] وَلَوْ عِلَاقَةَ سَوْطٍ {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا} [التوبة: 121] لَا يُجَاوِزُونَ وَادِيًا فِي مَسِيرِهِمْ مُقْبِلِينَ أَوْ مُدْبِرِينَ، {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: 121] يَعْنِي: آثَارَهُمْ وَخُطَاهُمْ، {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 121] [122] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عُيُوبَ الْمُنَافِقِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْفِرُونَ جَمِيعًا إِلَى الْغَزْوِ، وَيَتْرُكُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَذَا نَفِيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122] أَيْ: فَهَلَّا خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةِ جَمَاعَةٌ، وَيَبْقَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ، {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122] يعني: فرقة الْقَاعِدِينَ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ، فَإِذَا رَجَعَتِ السَّرَايَا أَخْبَرُوهُمْ بِمَا أُنْزِلُ بَعْدَهُمْ فَتَمْكُثُ السَّرَايَا يَتَعَلَّمُونَ مَا نَزَلَ بَعْدَهُمْ وَتُبْعَثُ سَرَايَا أُخَرُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] وَلِيُعْلِمُوهُمْ بِالْقُرْآنِ وَيُخَوِّفُوهُمْ بِهِ، {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] أن يجهلوا فلا يَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا التَّفَقُّهُ وَالْإِنْذَارُ رَاجِعٌ إِلَى الْفِرْقَةِ النَّافِرَةِ، وَمَعْنَاهُ: هَلَّا نَفَرَ فِرْقَةٌ ليتفقهوا، أي: لينصروا بِمَا يُرِيهِمُ اللَّهُ مِنَ الظُّهُورِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَنُصْرَةِ الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ مِنَ الْجِهَادِ فَيُخْبِرُوهُمْ بِنَصْرِ الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أَنْ يُعَادُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْزِلُ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِأَصْحَابِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَهَا وَجْهٌ آخر أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا كَافَّةً، وَلَكِنْ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ] مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً. . . . [123] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123] الْآيَةُ, أُمِرُوا بِقِتَالِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ إِلَيْهِمْ فِي الدَّارِ وَالنَّسَبِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مِثْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الرُّومَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا سُكَّانَ الشَّامِ، وَكَانَ الشَّامُ أَقْرَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ العراق، {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] شِدَّةً وَحَمِيَّةً، قَالَ الْحَسَنُ: صَبْرًا على جهادكم، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] بالعون والنصرة. [124] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة: 124] يَقِينًا، كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ هَذَا اسْتِهْزَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124] يقينًا وتصديقًا، {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ. [125] {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [التوبة: 125] شَكٌّ وَنِفَاقٌ, {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] أي: كُفْرِهِمْ، فَعِنْدَ نُزُولِ كُلِّ سُورَةٍ يُنْكِرُونَهَا يَزْدَادُ كُفْرُهُمْ بِهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكَانَ عُمَرُ: يَأْخُذُ بِيَدِ الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: تَعَالَوْا حَتَّى نَزْدَادَ إِيمَانًا، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب: إن الإيمان يبدو لمعة بَيْضَاءَ فِي الْقَلْبِ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ عِظَمًا ازْدَادَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَلْبُ كُلُّهُ، وَإِنَّ النفاق يبدو لمعة سَوْدَاءَ فِي الْقَلْبِ فَكُلَّمَا ازْدَادَ النفاق ازداد السَّوَادُ حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ كُلُّهُ. {وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 125] [126] قوله: {أَوَلَا يَرَوْنَ} [التوبة: 126] قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ: (تَرَوْنَ) بِالتَّاءِ على خطاب النبي والمؤمنين، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ خَبَرٌ عَنِ المنافقين المذكورين {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} [التوبة: 126] ويبتلون {فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 126] بِالْأَمْرَاضِ وَالشَّدَائِدِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يُفْضَحُونَ بِإِظْهَارِ نِفَاقِهِمْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يُنَافِقُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يُنَافِقُونَ، وَقَالَ يَمَانُ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، {ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ} [التوبة: 126] مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ مِنَ النِّفَاقِ، {وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] أَيْ: لَا يَتَّعِظُونَ بِمَا يَرَوْنَ مِنْ تَصْدِيقِ وَعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. [127] {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ} [التوبة: 127] فِيهَا عَيْبُ الْمُنَافِقِينَ وَتَوْبِيخُهُمْ، {نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [التوبة: 127] يُرِيدُونَ الْهَرَبَ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِشَارَةً {هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ} [التوبة: 127] أَيْ: أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ قُمْتُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ أَحَدٌ خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُمْ أَقَامُوا وَثَبَتُوا، {ثُمَّ انْصَرَفُوا} [التوبة: 127] عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، وَقِيلَ: انْصَرَفُوا عَنْ مَوَاضِعِهِمُ الَّتِي يَسْمَعُونَ فِيهَا، {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [التوبة: 127] عن الإيمان، وقال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَضَلَّهُمُ اللَّهُ مُجَازَاةً عَلَى فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] عن الله دينه. [128 - 129] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] تَعْرِفُونَ نَسَبَهُ وَحَسَبَهُ، قَالَ السُّدِّيُّ: مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنَ العرب قبيلة إِلَّا وَقَدْ وَلَدَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِنْ ولادة الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَمَانِ آدَمَ عَلَيْهِ السلام، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ (مَنْ أَنْفَسِكُمْ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، أَيْ: مِنْ أَشْرَفِكُمْ وَأَفْضَلِكُمْ، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} [التوبة: 128] شديد عليه، {مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] قِيلَ: (مَا) صِلَةٌ أَيْ: عَنَتُكُمْ، وَهُوَ دُخُولُ الْمَشَقَّةِ وَالْمَضَرَّةِ عَلَيْكُمْ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: مَا أَعْنَتَكُمْ وَضَرَّكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا ضَلَلْتُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: مَا أَتْمَمْتُمْ، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] أَيْ: عَلَى إِيمَانِكُمْ وَصَلَاحِكُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أَيْ عَلَى ضَالِّكُمْ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] قيل: رؤوف بِالْمُطِيعِينَ رَحِيمٌ بِالْمُذْنِبِينَ، {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [التوبة: 129] إِنْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ وَنَاصَبُوكَ، {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ هَاتَانِ الْآيَتَانِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] ثم إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، وَقَالَ: هُمَا أحدث الآيات بالله عهدا (¬1) . ¬

(¬1) أخرجه الحاكم 2 / 338، والإمام عبد الله بن أحمد في زوائد المسند 5 / 117، قال الهثيمي في المجمع 7 / 36 فيه عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وهو ضعيف سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات.

سورة يونس

[سورة يونس] [قوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ. . . .] (10) سُورَةِ يُونُسَ سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [يونس: 94] إلى آخرها. [1] {الر} [يونس: 1] (والمر) قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَحَفْصٌ بفتح الراء، وقرأ الآخرون بالإمالة، وقال ابن عباس والضحاك: {الر} [يونس: 1] أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَ {المر} [الرعد: 1] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (الر) وَ (حم) وَ (ن) حُرُوفُ اسْمِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي حُرُوفِ التَّهَجِّي, {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1] أي: هذا، وَأَرَادَ بِالْكِتَابِ الْحَكِيمِ الْقُرْآنَ، وَقِيلَ، أَرَادَ بِهَا الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلَهَا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: (تِلْكَ) وَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ مُؤَنَّثٍ، وَالْحَكِيمُ الْمُحْكَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هُودٍ: 1] وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} [الْبَقْرَةِ: 213] وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْمَحْكُومِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. قَالَ الْحَسَنُ: حُكِمَ فِيهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَبِالنَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ وَالْبَغْيِ، وَحُكِمَ فِيهِ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أطاعه، وبالنار لمن عصاه. [2] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} [يونس: 2] الْعَجَبُ حَالَةٌ تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ رُؤْيَةِ شَيْءٍ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَقَالَ تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ} [يونس: 2] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، الْأَلِفُ فِيهِ لِلتَّوْبِيخِ، {عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} [يونس: 2] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} [يونس: 2] أَيْ أَعْلِمْهُمْ مَعَ التَّخْوِيفِ، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَجْرًا حَسَنًا بِمَا قَدَّمُوا مِنْ أعمالهم، قال أعمالهم ثَوَابُ صِدْقٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَمَلٌ صَالِحٌ أَسْلَفُوهُ يَقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ هُوَ شَفَاعَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مَقَامُ صِدْقٍ لَا زوال وَلَا بُؤْسَ فِيهِ، وَقِيلَ: مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ، وَأُضِيفَ الْقَدَمُ إِلَى الصِّدْقِ وَهُوَ نَعْتُهُ، كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَحَبُّ الْحَصِيدِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ سَابِقٍ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ قَدَمٌ، يُقَالُ لِفُلَانٍ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ وَقَدَمُ سُوءٍ، وَهُوَ يُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: قَدَمٌ صَالِحَةٌ، {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} [يونس: 2] قَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ: (لَسِحْرٌ) بِغَيْرِ أَلْفٍ يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ: (لَسَاحِرٌ) بِالْأَلْفِ

قوله تعالى إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة

يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [3] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3] يَقْضِيهِ وَحْدَهُ {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3] مَعْنَاهُ أَنَّ الشُّفَعَاءَ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى النَّضِرِ بْنِ الْحَارِثِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تُشَفِّعُنِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى. قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} [يونس: 3] يَعْنِي: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ربكم لا رب لكم سواه، {فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3] تَتَّعِظُونَ. [4] {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} [يونس: 4] صِدْقًا لَا خِلْفَ فِيهِ، نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: وَعَدَكُمْ وَعْدًا حَقًّا {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس: 4] أَيْ: يُحْيِيهِمُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يُمِيتُهُمْ ثُمَّ يُحْيِيهِمْ, قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: (إِنَّهُ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (أَنَّهُ) بِالْفَتْحِ عَلَى معنى بأنه أو لأنه {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس: 4] بِالْعَدْلِ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} [يونس: 4] مَاءٌ حَارٌّ انْتَهَى حَرُّهُ، {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 4] [5] {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً} [يونس: 5] بالنهار {وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] بِاللَّيْلِ، وَقِيلَ: جَعَلَ الشَّمْسَ ذَاتَ ضِيَاءٍ، وَالْقَمَرَ ذَا نُورٍ، {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} [يونس: 5] أَيْ: قَدَّرَ لَهُ يَعْنِي هَيَّأَ لَهُ مَنَازِلَ لَا يُجَاوِزُهَا وَلَا يقصر دونها، ولم يقاد قَدَّرَهُمَا، قِيلَ: تَقْدِيرُ الْمَنَازِلِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِمَا غَيْرَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، كَمَا قَالَ: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التَّوْبَةِ: 62] وَقِيلَ: هُوَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقَمَرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ يُعْرَفُ بِهِ انْقِضَاءُ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ لَا بِالشَّمْسِ، وَمَنَازِلُ القمر ثمانية وعشرون منزلا، وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ مَقْسُومَةٌ عَلَى الْبُرُوجِ، وهي اثنا عشر برجا، فلكل بُرْجٍ مَنْزِلَانِ وَثُلْثُ مَنْزِلٍ، فَيَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَة مَنْزِلًا مِنْهَا، وَيَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ إِنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَلَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَيَكُونُ تِلْكَ الْمَنَازِلُ، وَيَكُونُ مَقَامُ الشَّمْسِ فِي كُلِّ منزلة ثلاثة عشر يومًا وثلث يوم، فَيَكُونُ انْقِضَاءُ السَّنَةِ مَعَ انْقِضَائِهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ} [يونس: 5] أَيْ: قَدْرَ الْمَنَازِلِ {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ} [يونس: 5] دخولها وانقضاءها، {وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] يَعْنِي: حِسَابَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ. {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ} [يونس: 5] رده إلى الخلق والتقدير ولولا رَدَّهُ إِلَى الْأَعْيَانِ الْمَذْكُورَةِ لَقَالَ تلك، {إِلَّا بِالْحَقِّ} [يونس: 5] أَيْ: لَمْ يَخْلُقْهُ بَاطِلًا بَلْ إِظْهَارًا لِصُنْعِهِ، وَدَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ، {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ: (يُفَصِّلُ) بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ: (مَا خَلَقَ) وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: (نُفَصِّلُ) بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ. [6] {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] يؤمنون. [قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ] الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا. . . . [7] {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7] أَيْ: لَا يَخَافُونَ عِقَابَنَا وَلَا يَرْجُونَ ثَوَابَنَا، وَالرَّجَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ وَالطَّمَعِ، {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 7] فَاخْتَارُوهَا وَعَمِلُوا لَهَا، {وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} [يونس: 7] سَكَنُوا إِلَيْهَا، {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} [يونس: 7] أَيْ: عَنْ أَدِلَّتِنَا غَافِلُونَ لَا يَعْتَبِرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنْ آيَاتِنَا: عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ غَافِلُونَ مُعْرِضُونَ. [8] {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 8] مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ. [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: يُرْشِدُهُمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى جَنَّةٍ، {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [يونس: 9] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَهْدِيهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ يَجْعَلُ لَهُمْ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، وَقِيلَ: يَهْدِيهِمْ مَعْنَاهُ يُثِيبُهُمْ وَيَجْزِيهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بِإِيمَانِهِمْ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ لِدِينِهِ، أَيْ: بِتَصْدِيقِهِمْ هَدَاهُمْ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ أَيْ: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مَرْيَمَ: 24] لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ تَحْتَهَا وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَلَيْهِ، بَلْ أَرَادَ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَقِيلَ:

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أَيْ: بِأَمْرِهِمْ {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس: 9] [10] {دَعْوَاهُمْ} [يونس: 10] أَيْ: قَوْلُهُمْ وَكَلَامُهُمْ، وَقِيلَ: دُعَاؤُهُمْ، {فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس: 10] وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْزِيهٍ، تُنَزِّهُ اللَّهَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَرَوَيْنَا: «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ الْحَمْدَ وَالتَّسْبِيحَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» (¬1) قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَامَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالْخَدَمِ فِي الطَّعَامِ فَإِذَا أَرَادُوا الطَّعَامَ قَالُوا: {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس: 10] فَأَتَوْهُمْ فِي الْوَقْتِ بِمَا يَشْتَهُونَ عَلَى الْمَوَائِدِ، كُلُّ مَائِدَةٍ مِيلٌ فِي مِيلٍ، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ صَحْفَةٍ، وَفِي كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ مِنَ الطَّعَامِ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِذَا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ حَمِدُوا اللَّهَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [يونس: 10] أَيْ: يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامِ، وَقِيلَ: تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ بِالسَّلَامِ، وَقِيلَ: تَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ بِالسَّلَامِ، {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] يُرِيدُ يَفْتَتِحُونَ كَلَامَهُمْ بِالتَّسْبِيحِ وَيَخْتِمُونَهُ بِالتَّحْمِيدِ. [11] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} [يونس: 11] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ عِنْدَ الْغَضَبِ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ: لَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَلَا بَارَكَ الله فِيكُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ دُعَاءُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَجَابَ، مَعْنَاهُ: لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ النَّاسَ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ فِي الشَّرِّ وَالْمَكْرُوهِ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ، أَيْ: كَمَا يُحِبُّونَ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ، {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يُونُسَ: 11] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ: (لَقَضَى) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالضَّادِ، (أَجَلَهُمْ) نُصِبَ، أي: لأهلك من دعي عَلَيْهِ وَأَمَاتَهُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: (لَقُضِيَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الضَّادِ (أَجَلُهُمْ) رُفِعَ، أَيْ: لَفَرَغَ مِنْ هَلَاكِهِمْ وَمَاتُوا جَمِيعًا، وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ حِينَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ علينا حجارة من السماء، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 11] لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ وَالْحِسَابَ، {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11] [12] {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ} [يونس: 12] الجهد والشدة، {دَعَانَا لِجَنْبِهِ} [يونس: 12] أَيْ: عَلَى جَنْبِهِ مُضْطَجِعًا، {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12] يُرِيدُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْدُو إِحْدَى هَذِهِ الحالات، {فَلَمَّا كَشَفْنَا} [يونس: 12] دَفَعْنَا، {عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12] أَيِ اسْتَمَرَّ عَلَى طَرِيقَتِهِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الضُّرُّ، وَنَسِيَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْبَلَاءِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ أَيْ: لَمْ يَطْلُبْ مِنَّا كَشْفَ ضُرٍّ مَسَّهُ، {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} [يونس: 12] الْمُجَاوِزِينَ الْحَدَّ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] مِنَ الْعِصْيَانِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ¬

(¬1) رواه مسلم في الجنة، وصفة نعيمها رقم (2835) 4 / 2180. .

قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال

{كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] مِنَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَتَرَكِ الشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كما زين لكم أعمالكم، كذلك زَيَّنَ لِلْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قبلكم أعمالهم. [13] {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [يونس: 13] أشركوا، {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ} [يونس: 13] أَيْ: كَمَا أَهْلَكْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ، {نَجْزِي} [يونس: 13] نعاقب ونهلك، {الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] الْكَافِرِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُخَوِّفُ كَفَّارَ مَكَّةَ بِعَذَابِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الْمُكَذِّبَةِ. [14] {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ} [يونس: 14] أَيْ: خُلَفَاءَ, {فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} [يونس: 14] أَيْ: مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الَّتِي أهلكناهم، {لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» (¬1) . [قَوْلُهُ تعالى وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ] الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ. . . . [15] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [يونس: 15] قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَمِكْرَزُ بْنُ حفص وعمرو بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ والعاصُ بْنُ عَامِرِ بن هشام، {قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 15] هَمُ السَّابِقُ ذِكْرُهُمْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ نُؤْمِنَ بِكَ {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا} [يُونُسَ: 15] لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبَادَةِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ وَلَيْسَ فِيهِ عَيْبُهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْهَا اللَّهُ فَقُلْ أَنْتَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِكَ، {أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] فَاجْعَلْ مَكَانَ آيَةِ عَذَابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ، أَوْ مَكَانَ حَرَامٍ حَلَالًا أَوْ مَكَانَ حَلَّالٍ حَرَامًا، {قُلْ} [يونس: 15] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] مِنْ قِبَلِ نَفْسِي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: 15] أَيْ: مَا أَتْبَعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ، {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] [16] {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} [يونس: 16] يَعْنِي: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَيَّ. {وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ} [يونس: 16] أَيْ: وَلَا أَعْلَمَكُمُ اللَّهُ، قَرَأَ الْبَزِّيُّ عَنْ ابْنِ كَثِيرٍ: (وَلَأَدْرَاكُمْ بِهِ) بِالْقَصْرِ بِهِ عَلَى الْإِيجَابِ، يُرِيدُ وَلَا عَلَّمَكُمْ بِهِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَتِي عَلَيْكُمْ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ) ، مِنَ الْإِنْذَارِ، {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا} [يونس: 16] حِينًا، وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، {مِنْ قَبْلِهِ} [يونس: 16] مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَلَمْ آتكم بشيء، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قِبَلِي، وَلَبِثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِمْ قَبْلَ الْوَحْيِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْوَحْيِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ هَاجَرَ فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثلاث وستين سنة. [17] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [يونس: 17] فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا أَوْ ولدا {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [يونس: 17] بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] لَا يَنْجُو الْمُشْرِكُونَ. [18] {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ} [يونس: 18] إِنْ عَصَوْهُ وَتَرَكُوا عِبَادَتَهُ، {وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [يونس: 18] إِنْ عَبَدُوهُ، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ} [يونس: 18] أَتُخَبِّرُونَ اللَّهَ, {بِمَا لَا يَعْلَمُ} [يونس: 18] اللَّهُ صِحَّتَهُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَتُخَبِّرُونَ الله أن له شريكا وعنده شَفِيعًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا؟! {فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تُشْرِكُونَ) بِالتَّاءِ ها هنا وَفِي سُورَةِ النَّحْلِ مَوْضِعَيْنِ، وَفِي سُورَةِ الرُّومِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ كُلَّهَا بِالْيَاءِ. [19] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً} [يونس: 19] أَيْ: عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، {فَاخْتَلَفُوا} [يونس: 19] وَتَفَرَّقُوا إِلَى مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} [يونس: 19] بِأَنْ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلًا، وقال ¬

(¬1) رواه مسلم في الرقاق رقم (2742) 4 / 2098 والمصنف في شرح السنة 9 / 12.

الْكَلْبِيُّ: هِيَ إِمْهَالُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُهْلِكُهُمْ بِالْعَذَابِ فِي الدنيا، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 19] بنزول العذاب تعجيل الْعُقُوبَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ فَصْلًا بينهم، {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ مَضَتْ فِي حُكْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ فِيمَا اختلفوا بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ الْقِيَامَةِ، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَأَدْخَلَ الْمُؤْمِنَ الْجَنَّةَ وَالْكَافِرَ النَّارَ، وَلَكِنَّهُ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ الْأَجَلُ فَجَعَلَ مَوْعِدَهُمْ يوم القيامة. [20] {وَيَقُولُونَ} [يونس: 20] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ} [يونس: 20] أَيْ: عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [يونس: 20] عَلَى مَا نَقْتَرِحُهُ, {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ} [يونس: 20] يَعْنِي: قُلْ إِنَّمَا سَأَلْتُمُونِي الْغَيْبَ وَإِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ، لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ لِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، وَقِيلَ: الْغَيْبُ نُزُولُ الْآيَةِ لَا يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، {فَانْتَظِرُوا} [يونس: 20] نُزُولَهَا {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 20] وَقِيلَ: فَانْتَظِرُوا قَضَاءَ اللَّهِ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ بِإِظْهَارِ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ. [21] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ} [يونس: 21] يَعْنِي: الْكُفَّارَ، رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ، أَيْ: رَاحَةً وَرَخَاءً مِنْ بَعْدِ شِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، وَقِيلَ: الْقَطْرُ بعد القحط، أي: أصابتهم، {مَسَّتْهُمْ} [يونس: 21] أَيْ: أَصَابَتْهُمْ, {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} [يونس: 21] قَالَ مُجَاهِدٌ: تَكْذِيبٌ وَاسْتِهْزَاءٌ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَا يَقُولُونَ هَذَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِنَّمَا يَقُولُونَ سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الْوَاقِعَةِ: 82] {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} [يونس: 21] أَعْجَلُ عُقُوبَةً وَأَشَدُّ أَخْذًا وَأَقْدَرُ عَلَى الْجَزَاءِ، يُرِيدُ عَذَابُهُ فِي إِهْلَاكِكُمْ أَسْرَعُ إِلَيْكُمْ مِمَّا يَأْتِي مِنْكُمْ فِي دَفْعِ الْحَقِّ، {إِنَّ رُسُلَنَا} [يونس: 21] حفظتنا، {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21] قرأ روح عن يَعْقُوبُ: (يَمْكُرُونَ) بِالْيَاءِ. [22] قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} [يونس: 22] يجزيكم ويحملكم، وقرأ جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ: (يُنْشِرُكُمْ) . بِالنُّونِ وَالشِّينِ مِنَ النَّشْرِ وَهُوَ الْبَسْطُ والبث، {فِي الْبَرِّ} [يونس: 22] على ظهور الدواب، (وَ) في (الْبَحْرِ) ، عَلَى الْفُلْكِ، {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} [يونس: 22] أَيْ: فِي السُّفُنِ، تَكُونُ وَاحِدًا وجمعا، {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22] يَعْنِي: جَرَتِ السُّفُنُ بِالنَّاسِ، رَجَعَ من الخطاب إلى الغيبة، {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22] لينة, {وَفَرِحُوا بِهَا} [يونس: 22] أي: بالريح، {جَاءَتْهَا رِيحٌ} [يونس: 22] أَيْ: جَاءَتِ الْفُلْكَ رِيحٌ، {عَاصِفٌ} [يونس: 22] شَدِيدَةُ الْهُبُوبِ، وَلَمْ يَقُلْ رِيحٌ عَاصِفَةٌ، لِاخْتِصَاصِ الرِّيحِ بِالْعُصُوفِ، وَقِيلَ: الريح يذكر ويؤنث، {وَجَاءَهُمُ} [يونس: 22] يعني: ركبان السفينة، {الْمَوْجُ} [يونس: 22] وَهُوَ حَرَكَةُ الْمَاءِ وَاخْتِلَاطُهُ، {مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا} [يونس: 22] أيقنوا {أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس: 22] دَنَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ، أَيْ: أَحَاطَ بِهِمُ الْهَلَاكُ، {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22] أَيْ: أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ لِلَّهِ، وَلَمْ يَدْعُوا أَحَدًا سِوَى اللَّهِ، وقالوا: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} [يونس: 22]

قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من

يا ربنا، {مِنْ هَذِهِ} [يونس: 22] الرِّيحِ الْعَاصِفِ، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] لَكَ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. [23] {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 23] يَظْلِمُونَ وَيَتَجَاوَزُونَ إِلَى غَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ، {بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: 23] أَيْ: بِالْفَسَادِ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23] ؛ لِأَنَّ وَبَالَهُ رَاجِعٌ عَلَيْهَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 23] أَيْ: هَذَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مُضْمَرٍ، كَقَوْلِهِ: {لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ} [الْأَحْقَافِ: 35] أَيْ: هَذَا بَلَاغٌ، وَقِيلَ: هُوَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ، وَالْبَغْيُ ابْتِدَاءٌ وَمَتَاعٌ خَبَرُهُ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَا يصلح زاد لِمَعَادٍ؛ لِأَنَّكُمْ تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ غَضَبَ اللَّهِ، وَقَرَأَ حَفْصٌ (مَتَاعَ) بِالنَّصْبِ، أَيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 23] [24] {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 24] فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا، {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ} [يونس: 24] أي: بالمطر، {نَبَاتُ الْأَرْضِ} [يونس: 24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ} [يونس: 24] من الحبوب والثمار، {وَالْأَنْعَامُ} [يونس: 24] مِنَ الْحَشِيشِ، {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا} [يونس: 24] حُسْنَهَا وَبَهْجَتَهَا وَظَهَرَ الزَّهْرُ أَخْضَرَ {وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24] أَيْ: تَزَيَّنَتْ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَزَيَّنَتْ. {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس: 24] عَلَى جِذَاذِهَا وَقِطَافِهَا وَحَصَادِهَا، رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ: النَّبَاتُ إِذْ كَانَ مَفْهُومًا، وَقِيلَ: رَدَّهَا إِلَى الْغَلَّةِ. وَقِيلَ: إِلَى الزِّينَةِ. {أَتَاهَا أَمْرُنَا} [يونس: 24] قَضَاؤُنَا بِإِهْلَاكِهَا، {لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا} [يونس: 24] أَيْ: مَحْصُودَةً مَقْطُوعَةً، {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24] كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بِالْأَمْسِ، وَأَصْلُهُ مِنْ غَنِيَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُتَشَبِّثَ بِالدُّنْيَا يَأْتِيهِ أَمْرُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ] يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. . . . . [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25] قَالَ قَتَادَةُ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ، وَدَارُهُ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ, سُمِّيَتِ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَهَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ؛ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّلَامِ التَّحِيَّةُ سُمِّيَتِ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامِ وَالْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرَّعْدِ: 23 - 24] {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ عَمَّ بالدعوة لإظهار الحجة, وخص بالهدية اسْتِغْنَاءً عَنِ الْخَلْقِ. [26] {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] أَيْ: لِلَّذِينِ أَحْسَنُوا الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا الْحُسْنَى, وَهِيَ الْجَنَّةُ, وَزِيَادَةٌ وَهِيَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ, هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصحابة منهم، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ

اللَّهُ عَنْهُ، وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْحُسْنَى هِيَ: أَنَّ الْحَسَنَةَ بِمِثْلِهَا، وَالزِّيَادَةَ هِيَ التَّضْعِيفُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحُسْنَى: حَسَنَةٌ مِثْلُ حَسَنَةٍ، وَالزِّيَادَةُ المغفرة والرضوان، {وَلَا يَرْهَقُ} [يونس: 26] لا يغشى {وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} [يونس: 26] غُبَارٌ جَمْعُ قَتْرَةٍ، قَالَ ابْنُ عباس وقتادة: سواد الوجه، {وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} [يونس: 26] هَوَانٌ، قَالَ قَتَادَةُ: كَآبَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هَذَا بُعْدُ نَظَرِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] [27] {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} [يونس: 27] أَيْ: لَهُمْ مَثْلُهَا، كَمَا قَالَ: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الْأَنْعَامِ: 160] {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [يونس: 27] و (من) صلة، أي: ما لهم مِنَ اللَّهِ عَاصِمٌ، {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} [يونس: 27] ألبست, {وُجُوهُهُمْ قِطَعًا} [يونس: 27] جَمْعُ قِطْعَةٍ، {مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} [يونس: 27] نُصِبَتْ عَلَى الْحَالِ دُونَ النَّعْتِ، وَلِذَلِكَ لَمَّ يَقُلْ: مُظْلِمَةٌ، تَقْدِيرُهُ: قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ فِي حَالِ ظُلْمَتِهِ أَوْ قِطْعًا مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: (قِطْعًا) سَاكِنَةَ الطَّاءِ، أَيْ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ: {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} [هُودٍ: 81] {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] [28] {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ} [يونس: 28] أَيِ: الْزَمُوا مَكَانَكُمْ، {أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} [يونس: 28] يَعْنِي: الْأَوْثَانَ، مَعْنَاهُ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أَشْرَكُوا الْزَمُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ مكانكم، ولا تبرحوا، {فَزَيَّلْنَا} [يونس: 28] ميزنا وفرقنا {بَيْنَهُمْ} [يونس: 28] أَيْ: بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَشُرَكَائِهِمْ وَقَطَعْنَا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّوَاصُلِ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ حِينَ يَتَبَرَّأُ كُلُّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ ممن عبده، {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ} [يونس: 28] يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، {مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} [يونس: 28] بِطِلْبَتِنَا فَيَقُولُونَ بَلَى كُنَّا نَعْبُدُكُمْ فَتَقُولُ الْأَصْنَامُ: [29] {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} [يونس: 29] أَيْ: مَا كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ إِيَّانَا إِلَّا غَافِلِينَ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَعْقِلُ. [30] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُنَالِكَ تَبْلُو} [يونس: 30] أَيْ: تُخْتَبَرُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَعْلَمُ وَتَقِفُ عَلَيْهِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: (تَتْلُو) بِتَاءَيْنِ أَيْ تَقْرَأُ، {كُلُّ نَفْسٍ} [يونس: 30] صَحِيفَتَهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَتْبَعُ كُلُّ نفس، {مَا أَسْلَفَتْ} [يونس: 30] مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تُعَايِنُ، {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ} [يونس: 30] إِلَى حُكْمِهِ فَيَتَفَرَّدُ فِيهِمْ بِالْحُكْمِ، {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [يونس: 30] الذي يتولى ويملك أمرهم: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] قيل: المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى المالك، {وَضَلَّ عَنْهُمْ} [يونس: 30] زال عنهم وبطل، {وَضَلَّ عَنْهُمْ} [يونس: 30] في الدنيا من التكذيب. [31] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 31]

قوله تعالى قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق

أَيْ: مِنَ السَّمَاءِ بِالْمَطَرِ وَمِنَ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ، {أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} [يونس: 31] أَيْ: مِنْ إِعْطَائِكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ، {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: 31] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ وَالنُّطْفَةَ مِنَ الْحَيِّ، {وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 31] أَيْ: يَقْضِي الْأَمْرَ، {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: 31] هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، {فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَابَهُ فِي شِرْكِكُمْ، وَقِيلَ: أَفَلَا تَتَّقُونَ الشِّرْكَ مَعَ هَذَا الْإِقْرَارِ. [32] {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ} [يونس: 32] الَّذِي يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هُوَ رَبُّكُمُ، {الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32] أَيْ: فَأَيْنَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وأنتم مقرون به. [33] {كَذَلِكَ} [يونس: 33] قال الكلبي: هكذا، {حَقَّتْ} [يونس: 33] وجبت، {كَلِمَتُ رَبِّكَ} [يونس: 33] حُكْمُهُ السَّابِقُ، {عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا} [يونس: 33] كفروا، {أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 33] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عامر (كلمات ربك) بالجمع ههنا مَوْضِعَيْنِ وَفِي الْمُؤْمِنِ، وَالْآخَرُونَ عَلَى التوحيد. [قوله تعالى قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ] ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. . . . [34] قَوْلُهُ: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ} [يونس: 34] أوثانكم {مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} [يونس: 34] يُنْشِئُ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ولا مثال، {ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس: 34] ثم يحييه من الْمَوْتِ كَهَيْئَتِهِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فـ {قُلْ} [يونس: 34] أَنْتَ، {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34] أَيْ: تُصْرَفُونَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ. [35] {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي} [يونس: 35] يرشد، {إِلَى الْحَقِّ} [يونس: 35] فَإِذَا قَالُوا لَا، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35] أَيْ: إِلَى الْحَقِّ، {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى} [يونس: 35] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ سَاكِنَةَ الْهَاءِ, خَفِيفَةَ الدَّالِّ, وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ: بِسُكُونِ الْهَاءِ, وَأَبُو عَمْرٍو: يروم الْهَاءِ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالسُّكُونِ، وَقَرَأَ حفص: بفتح الياء وكسر الياء، وَأَبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِهِمَا، وَالْبَاقُونَ: بِفَتْحِهِمَا، وَمَعْنَاهُ: يَهْتَدِي فِي جَمِيعِهَا، فَمَنْ خالف الدَّالَ قَالَ: يُقَالُ هَدَيْتُهُ فَهُدِي، أَيِ: اهْتَدَى، وَمَنْ شَدَّدَ الدَّالَ أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الدَّالِ، ثُمَّ أَبُو عَمْرٍو يَرُومُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي إِيثَارِ التَّخْفِيفِ، وَمَنْ سَكَّنَ الْهَاءَ تَرَكَهَا عَلَى حَالَتِهَا كَمَا فعل في (تعدو) و (خصمون) ، وَمَنْ فَتَحَ الْهَاءَ نَقَلَ فَتْحَةَ الهاء الْمُدْغَمَةِ إِلَى الْهَاءِ، وَمَنْ كَسَرَ الْهَاءَ فَلِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَقَالَ: الْجَزْمُ يُحَرَّكُ إِلَى الْكَسْرِ، وَمِنْ كَسَرَ الياء مع الهاء أتبع الكسر إلى الْكَسْرَةَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ يُهْدَى} [يونس: 35] مَعْنَى الْآيَةِ: اللَّهُ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَمِ الصَّنَمُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قال: {إِلَّا أَنْ يُهْدَى} [يونس: 35] وَالصَّنَمُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَهْتَدِيَ، وَلَا أَنْ يُهْدَى؟ قِيلَ: مَعْنَى الْهِدَايَةِ فِي حَقِّ الْأَصْنَامِ الِانْتِقَالُ، أَيْ: أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ إِلَّا أَنْ تحمل وتنقل، بين بِهِ عَجْزُ الْأَصْنَامِ، وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ ذِكْرَ الْهِدَايَةِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا اتَّخَذُوا الْأَصْنَامَ آلِهَةً، وَأَنْزَلُوهَا مَنْزِلَةَ مَنْ يَسْمَعُ وَيَعْقِلُ عَبَّرَ عنهما بِمَا يُعَبَّرُ عَمَّنْ يَعْلَمُ وَيَعْقِلُ، وَوُصِفَتْ بِصِفَةِ مَنْ يَعْقِلُ. {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] كَيْفَ تَقْضُونَ حِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الله شَرِيكًا. [36] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا} [يونس: 36] مِنْهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَصْنَامَ آلِهَةٌ، وَإِنَّهَا تَشْفَعُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ظَنًّا مِنْهُمْ، لَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ، وَأَرَادَ بِالْأَكْثَرِ جَمِيعَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] أَيْ: لَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مِنْ عذاب الله شيئًا، وقيل: يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 36] [37] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 37] قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ: وَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آلِ عِمْرَانَ: 161] وَقِيلَ: (أَنْ) بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ لِيُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ.

قوله تعالى ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي

قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [يونس: 37] أَيْ: بَيْنَ يَدَيِ الْقُرْآنِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَقِيلَ: تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْقُرْآنِ مِنَ الْقِيَامَةِ والبعث، {وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} [يونس: 37] تَبْيِينَ مَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ، {لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37] [38] {أَمْ يَقُولُونَ} [يونس: 38] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (أَمْ) بِمَعْنَى الواو, أي: ويقولون، {افْتَرَاهُ} [يونس: 38] اخْتَلَقَ مُحَمَّدٌ الْقُرْآنَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] شِبْهِ الْقُرْآنِ {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} [يونس: 38] مِمَّنْ تَعْبُدُونَ، {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 38] لِيُعِينُوكُمْ عَلَى ذَلِكَ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38] أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: [39] {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كَذَّبُوا بِهِ، وَلَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39] أَيْ: عَاقِبَةُ مَا وَعَدَ اللَّهُ في القرآن، أنه يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ، يُرِيدُ أنهم لم يعلموا ما يؤول إِلَيْهِ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ. {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [يونس: 39] أَيْ: كَمَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ بِالْقُرْآنِ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس: 39] آخِرُ أَمْرِ الْمُشْرِكِينَ بِالْهَلَاكِ. [40] {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} [يونس: 40] أَيْ: مِنْ قَوْمِكَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْقُرْآنِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ} [يونس: 40] لِعِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ فِيهِمْ، {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} [يونس: 40] الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ. [41] {وَإِنْ كَذَّبُوكَ} [يونس: 41] يَا مُحَمَّدُ، {فَقُلْ لِي عَمَلِي} [يونس: 41] وجزاؤه، {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} [يونس: 41] وَجَزَاؤُهُ، {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [الْقَصَصِ: 55] {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الْكَافِرُونَ: 6] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْجِهَادِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ التَّوْفِيقَ للإيمان به لا بغيره. [42] فَقَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42] بِأَسْمَاعِهِمُ الظَّاهِرَةِ فَلَا يَنْفَعُهُمْ، {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} [يونس: 42] يريد صمم الْقَلْبِ {وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] [قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي] الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ. . . . [43] {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} [يونس: 43] بِأَبْصَارِهِمُ الظَّاهِرَةِ، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} [يونس: 43] يُرِيدُ عَمَى الْقَلْبِ، {وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} [يونس: 43] وَهَذَا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تُسْمِعَ مَنْ سَلَبْتُهُ السَّمْعَ وَلَا أَنْ تَهْدِيَ مَنْ سَلَبْتُهُ الْبَصَرَ وَلَا أَنْ تُوَفِّقَ لِلْإِيمَانِ من حكمت عليه ألا يُؤْمِنُ. [44] {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس: 44] لِأَنَّهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ مُتَفَضِّلٌ عَادِلٌ، {وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] بالكفر والمعصية، قرأ حمزة والكسائي: (ولكن الناس) بتخفيف نون (لكن) ورفع (الناس) ، وقرأ الباقون (ولكن الناس) بتشديد نون (لكن) ونصب (الناس) .

[45] قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} [يونس: 45] قَرَأَ حَفْصٌ بِالْيَاءِ وَالْآخَرُونَ بِالنُّونِ، {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ} [يونس: 45] قَالَ الضَّحَّاكُ: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا قَدْرَ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45] يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حِينَ بُعِثُوا مِنَ الْقُبُورِ كَمَعْرِفَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ تَنْقَطِعُ الْمَعْرِفَةُ إِذَا عَايَنُوا أَهْوَالَ الْقِيَامَةِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْرِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ بِجَنْبِهِ وَلَا يُكَلِّمُهُ هَيْبَةً وَخَشْيَةً، {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [يونس: 45] وَالْمُرَادُ مِنَ الْخُسْرَانِ: خُسْرَانُ النَّفْسِ، ولا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ. [46] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} [يونس: 46] يا محمد فِي حَيَاتِكَ مِنَ الْعَذَابِ، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} [يونس: 46] قبل تعذيبهم، {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [يونس: 46] فِي الْآخِرَةِ، {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46] فَيَجْزِيهِمْ بِهِ، (ثُمَّ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهُ شَهِيدٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَكَانَ الْبَعْضُ الَّذِي أَرَاهُ قَتْلَهُمْ بِبَدْرٍ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. [47] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} [يونس: 47] خلت, {رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ} [يونس: 47] وكذبوه، {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [يونس: 47] أَيْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا وَأُهْلِكُوا بِالْعَذَابِ، يَعْنِي قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ، لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قُضِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس: 47] لَا يُعَذَّبُونَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وَلَا يُؤَاخَذُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، وَلَا يُزَادُ عَلَى سيئاتهم. [48] {وَيَقُولُونَ} [يونس: 48] أي: المشركون، {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [يونس: 48] الَّذِي تَعِدُنَا يَا مُحَمَّدُ مِنَ العذاب، وقيل: قيام الساعة، {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [يونس: 48] أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَأَتْبَاعُكَ. [49] {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي} [يونس: 49] لَا أَقْدِرُ لَهَا عَلَى شَيْءٍ, {ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [يونس: 49] أَيْ دَفْعَ ضُرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ, {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [يونس: 49] أَنْ أَمْلِكَهُ, {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [يونس: 49] مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ, {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} [يونس: 49] وَقْتُ فَنَاءِ أَعْمَارِهِمْ, {فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49] أي يَتَأَخَّرُونَ، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ. [50] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا} [يونس: 50] لَيْلًا, {أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 50] أَيْ: مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنَ اللَّهِ الْمُشْرِكُونَ، وَقِيلَ: مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُجْرِمُونَ, وَقَدْ وَقَعُوا فِيهِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ, فَيَقُولُونَ: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الْأَنْفَالِ: 32] فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ} [يونس: 50] يعني: ليس يَعْلَمُ الْمُجْرِمُونَ مَاذَا يَسْتَعْجِلُونَ وَيَطْلُبُونَ, كَالرَّجُلِ يَقُولُ لِغَيْرِهِ وَقَدْ فَعَلَ قَبِيحًا: مَاذَا جَنَيْتَ

قوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض

عَلَى نَفْسِكَ؟ [51] {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} [يونس: 51] قِيلَ: مَعْنَاهُ أَهُنَالِكَ، وَحِينَئِذٍ، وَلَيْسَ بِحَرْفِ عَطْفٍ، {إِذَا مَا وَقَعَ} [يونس: 51] نزل العذاب، {آمَنْتُمْ بِهِ} [يونس: 51] أَيْ بِاللَّهِ فِي وَقْتِ الْيَأْسِ، وَقِيلَ: آمَنْتُمْ بِهِ أَيْ صَدَّقْتُمْ بالعذاب وقت نزوله، {آلْآنَ} [يونس: 51] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: يُقَالُ لَكُمْ: آلْآنَ تُؤْمِنُونَ حِينَ وَقَعَ الْعَذَابُ؟ {وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [يونس: 51] تكذيبًا واستهزاءً، قرأ ورش عن نافع (آلان) بحذف الهمزة التي بعد اللام الساكنة وإلقاء حركتها على اللام، ويمد الهمزة الأولى على وزن عالان، وكذلك الحرف الآخر، وروى زمعة بن صالح (الان) على مثل علان بغير مد ولا همزة بعد اللام، وقرأ الباقون (آلآن) بهمزة ممدود في الأول، وإثبات همزة بعد اللام، وكذلك قالون وإسماعيل عن نافع. [52] {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} [يونس: 52] أَشْرَكُوا، {ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [يونس: 52] في الدنيا. [53] {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} [يونس: 53] أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ يَا مُحَمَّدُ، {أَحَقٌّ هُوَ} [يونس: 53] أَيْ مَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ، {قُلْ إِي وَرَبِّي} [يونس: 53] أَيْ: نَعَمْ وَرَبِّي، {إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53] لَا شَكَّ فِيهِ، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [يونس: 53] أَيْ: بِفَائِتِينَ مِنَ الْعَذَابِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ فاته. [قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ] لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ. . . . [54] {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} [يونس: 54] أَيْ: أَشْرَكَتْ، {مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ} [يونس: 54] يوم القيامة، والافتداء ههنا: بَذْلُ مَا يَنْجُو بِهِ مِنَ العذاب، {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} [يونس: 54] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَظْهَرُوا النَّدَامَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ تَصَبُّرٍ وَتَصَنُّعٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَخْفَوْا، أَيْ: أَخْفَى الرُّؤَسَاءُ النَّدَامَةَ مِنَ الضُّعَفَاءِ خَوْفًا مِنْ مَلَامَتِهِمْ وَتَعْيِيرِهِمْ، {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [يونس: 54] فَرَغَ مِنْ عَذَابِهِمْ، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس: 54] [55] {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: 55] [56] {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يونس: 56] [57] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ} [يونس: 57] تَذْكِرَةٌ، {مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57] أي: دواء لما في الصدور من داء الجهل، وقيل: لِمَا فِي الصُّدُورِ أَيْ شِفَاءٌ لِعَمَى الْقُلُوبِ، وَالصَّدْرُ مَوْضِعُ الْقَلْبِ، وَهُوَ أَعَزُّ مَوْضِعٍ فِي الْإِنْسَانِ لجوار القلب، {وَهُدًى} [يونس: 57] من الضلالة {وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] وَالرَّحْمَةُ هِيَ النِّعْمَةُ عَلَى الْمُحْتَاجِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَهْدَى مَلِكٌ إِلَى مَلِكٍ شَيْئًا لَا يُقَالُ قَدْ رَحِمَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةً؛ فإنه لَمْ يَضَعْهَا فِي مُحْتَاجٍ. [58] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} [يونس: 58] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِيمَانُ، وَرَحْمَتُهُ:

قوله تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم

الْقُرْآنُ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: فَضْلُ اللَّهِ الْقُرْآنُ، وَرَحْمَتُهُ أَنْ جَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ ابْنُ عمر: فضل الله: الإسلام، رحمته: تَزْيِينُهُ فِي الْقَلْبِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ، وَرَحْمَتُهُ: السُّنَنُ، وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِيمَانُ، وَرَحْمَتُهُ: الْجَنَّةُ. {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58] أَيْ: لِيَفْرَحَ الْمُؤْمِنُونَ أَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] أَيْ مِمَّا يَجْمَعُهُ الْكُفَّارُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ: كِلَاهُمَا خَبَرٌ عَنِ الكفار، وقيل: عن المؤمنين، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ: {فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58] بالياء وتجمعون بالتاء، وقرأ يعقوب كلاهما بالتاء، ووجه هذه القراءة أن المراد: فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما يجمعونه من الأموال مُخْتَلِفٌ عَنْهُ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. [59] {قُلْ} [يونس: 59] يَا مُحَمَّدُ لِكَفَّارِ مَكَّةَ، {أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ} [يونس: 59] عَبَّرَ عَنِ الْخَلْقِ بِالْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خَيْرٍ، فَمِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ رِزْقٍ، مِنْ زَرْعٍ وَضَرْعٍ، {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: 59] هُوَ مَا حَرَّمُوا مِنَ الْحَرْثِ وَمِنَ الْأَنْعَامِ كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالِحَامِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الْأَنْعَامِ: 136] {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس: 59] فِي هَذَا التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، {أَمْ} [يونس: 59] بل، {عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] هو قولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28] [60] {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [يونس: 60] أَيَحْسَبُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِهِ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ, {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس: 60] [61] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا تَكُونُ} [يونس: 61] يا محمد، {فِي شَأْنٍ} [يونس: 61] عمل من الأعمال، وجمعه شؤون، {وَمَا تَتْلُو مِنْهُ} [يونس: 61] من الله، {مِنْ قُرْآنٍ} [يونس: 61] وَقِيلَ: مِنْهُ أَيْ مِنَ الشَّأْنِ مِنْ قُرْآنٍ، نَزَلَ فِيهِ ثُمَّ خَاطَبَهُ وَأُمَّتَهُ فَقَالَ: {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] أَيْ: تَدْخُلُونَ وَتَخُوضُونَ فِيهِ، الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى الْعَمَلِ، وَالْإِفَاضَةُ: الدُّخُولُ فِي الْعَمَلِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: تندفعون فيه، وقيل: تكثرون، وَالْإِفَاضَةُ: الدَّفْعُ بِكَثْرَةٍ، {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ} [يونس: 61] يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ (يعزب) بكسر الزاي، وكذلك في سورة سبأ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ {مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} [يونس: 61] مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، أَيْ: مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، و (مِنْ) صِلَةٌ وَالذَّرَّةُ هِيَ النملة الحمراء الصَّغِيرَةُ. {فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ} [يونس: 61] أَيْ: مِنَ الذَّرَّةِ، {وَلَا أَكْبَرَ} [يونس: 61] قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِرَفْعِ الرَّاءِ فِيهِمَا عَطْفًا عَلَى مَوْضِع الْمِثْقَالِ قَبْلَ دُخُولِ (مِنْ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بنصبهما، أراد للكسر عَطْفًا عَلَى الذَّرَّةِ فِي الْكَسْرِ. {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61] وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. [قَوْلُهُ تَعَالَى أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ] وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. . . . . [62] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] اختلفوا فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَ: [63] {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 63] وَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي الله. [64] {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: 64] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْبُشْرَى، رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 64] قَالَ: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المسلم أو ترى له» (¬1) وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَمْ يبقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ "، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: "الرُّؤْيَا الصالحة» (¬2) وقيل: البشرى في ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في الرؤيا 6 / 554 وابن ماجه في الرؤيا رقم 3898- 2 / 1283 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي 2 / 340 و 4 / 391 والدارمي في الرؤيا 2 / 123 والإمام أحمد في المسند 5 / 315. (¬2) أخرجه البخاري في التعبير 12 / 375 والمصنف في شرح السنة 12 / 202.

الدُّنْيَا هِيَ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَفِي الآخرة: الجنة، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: هِيَ نُزُولُ الملائكة بالبشارة مع اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فُصِّلَتْ: 30] وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: البشرى في الدنيا عِنْدَ الْمَوْتِ تَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْبِشَارَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِ المؤمن من يُعْرَجُ بِهَا إِلَى اللَّهِ، وَيُبَشَّرُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ مَا بَشَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ مِنْ جَنَّتِهِ وَكِرِيمِ ثَوَابِهِ، كَقَوْلِهِ: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} [فُصِّلَتْ: 30] وَقِيلَ: بَشَّرَهُمْ في الدنيا بالكتاب والرسول أنهما أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَيُبَشِّرُهُمْ فِي الْقُبُورِ وَفِي كُتُبِ أَعْمَالِهِمْ بِالْجَنَّةِ، {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64] لا تغير لقول، وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 64] [65] {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] يعني: قول المشركين، قرأ نافع (ولا يُحْزِنُكَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وقرأ الآخرون (يحزنك) بفتح الياء وضم الزاي، وهم لغتان، يقال: حزنه الشيء يحزنه وأحزنه، تم الكلام ههنا ثُمَّ ابْتَدَأَ، فَقَالَ: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ} [يونس: 65] يَعْنِي: الْغَلَبَةَ وَالْقُدْرَةَ لِلَّهِ {جَمِيعًا} [يونس: 65] هُوَ نَاصِرُكَ وَنَاصِرُ دِينِكَ وَالْمُنْتَقِمُ مِنْهُمْ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [الْمُنَافِقُونَ: 8] وَعِزَّةُ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَهِيَ كُلُّهَا لِلَّهِ، {هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يونس: 65] [66] {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} [يونس: 66] هو إما اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ؟ وَقِيلَ: وَمَا يَتَّبِعُونَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهَا عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فَيَشْفَعُونَ لَنَا وَلَيْسَ عَلَى مَا يَظُنُّونَ. {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [يونس: 66] يَظُنُّونَ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [يونس: 66] يَكْذِبُونَ. [67] {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] مُضِيئًا يُبْصَرُ فِيهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ نَائِمٌ، وَعِيشَةٌ رَاضِيَةٌ، قَالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَظْلَمَ اللَّيْلُ وَأَضَاءَ النَّهَارُ وَأَبْصَرَ، أَيْ: صَارَ ذَا ظُلْمَةٍ وَضِيَاءٍ وَبَصَرٍ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس: 67] سَمْعَ الِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا عَالِمٌ قَادِرٌ. [68] {قَالُوا} [يونس: 68] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [يونس: 68] وَهُوَ قَوْلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} [يونس: 68] عَنْ خَلْقِهِ، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68] عبيدا وملكا {إِنْ عِنْدَكُمْ} [يونس: 68] ما عندكم، {مِنْ سُلْطَانٍ} [يونس: 68] حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، و (مِنْ) صِلَةٌ تقديره ما عندكم سُلْطَانٍ، {بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68]

قوله تعالى واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه

[69] {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] لَا يَنْجُونَ, وَقِيلَ: لَا يَبْقَوْنَ في الدنيا ولكن: [70] {مَتَاعٌ} [يونس: 70] قَلِيلٌ يَتَمَتَّعُونَ بِهِ وَبَلَاغٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ و (مَتَاعٌ) رُفِعَ بِإِضْمَارٍ، أَيْ: هُوَ مَتَاعٌ، {فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 70] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ] يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ. . . . [71] قَوْلُهُ تَعَالَى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} [يونس: 71] أَيِ: اقْرَأْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَبَرَ نُوحٍ {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [يونس: 71] وَهُمْ وَلَدُ قَابِيلَ، {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} [يونس: 71] عظم وثقل عليكم، {مَقَامِي} [يونس: 71] طول عمري ومكثي فيكم {وَتَذْكِيرِي} [يونس: 71] ووعظي إياكم {بِآيَاتِ اللَّهِ} [يونس: 71] بِحُجَجِهِ وَبَيِّنَاتِهِ فَعَزَمْتُمْ عَلَى قَتْلِي وَطَرْدِي {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} [يونس: 71] أَيْ: أَحْكِمُوا أَمْرَكُمْ واعْزِمُوا عَلَيْهِ، {وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71] أَيْ: وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ، أَيْ: آلِهَتَكُمْ؛ فَاسْتَعِينُوا بِهَا لِتَجْتَمِعَ مَعَكُمْ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ مَعَ شُرَكَائِكُمْ، فَلَمَّا تَرَكَ (مَعَ) انْتَصَبَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (وَشُرَكَاؤُكُمْ) رَفْعٌ، أَيْ: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم، وقرأ رويس عن يعقوب (فَاجْمَعُوا) بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، والوجه من جمع يجمع، والمراد فاجمعوا ذوي أمركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى: اجمعوا رؤساءكم، {ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71] أَيْ: خَفِيًّا مُبْهَمًا, مِنْ قَوْلِهِمْ: غَمَّ الْهِلَالُ عَلَى النَّاسِ، أَيْ: أشكل عليهم وخفي، {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] أَيِ: أَمْضُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ وَافْرَغُوا مِنْهُ، يُقَالُ: قَضَى فُلَانٌ إِذَا مَاتَ وَمَضَى، وَقَضَى دَيْنَهُ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَوَجَّهُوا إِلَيَّ بِالْقَتْلِ وَالْمَكْرُوهِ وَقِيلَ: فَاقْضُوا مَا أَنْتُمْ قَاضُونَ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ السَّحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طَهَ: 72] أَيِ اعْمَلْ مَا أَنْتَ عَامِلٌ، {وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] وَلَا تُؤَخِّرُونَ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْجِيزِ، أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ أَنَّهُ كَانَ وَاثِقًا بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ كَيْدِ قَوْمِهِ، عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُمْ وَآلِهَتَهُمْ لَيْسَ إِلَيْهِمْ نَفْعٌ وَلَا ضُرٌّ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. [72] {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} [يونس: 72] أَعْرَضْتُمْ عَنْ قَوْلِي وَقَبُولِ نُصْحِي، {فَمَا سَأَلْتُكُمْ} [يونس: 72] عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ، {مِنْ أَجْرٍ} [يونس: 72] من جعل وعوض، {إِنْ أَجْرِيَ} [يونس: 72] مَا أَجْرِي وَثَوَابِي. {إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72] أَيْ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: مِنَ المستسلمين لأمر الله. [73] {فَكَذَّبُوهُ} [يونس: 73] يعني {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ} [يونس: 73] أَيْ: جَعَلَنَا الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفَلَكِ سُكَّانَ الْأَرْضِ خُلَفَاءَ عَنِ الْهَالِكِينَ. {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73] أَيْ: آخِرُ أَمْرِ الَّذِينَ أَنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

قوله تعالى وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم

[74] {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا} [يونس: 74] أَيْ: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا. {إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [يونس: 74] بِالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ، {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} [يونس: 74] أَيْ: بِمَا كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ، {كَذَلِكَ نَطْبَعُ} [يونس: 74] أَيْ: نَخْتِمُ. {عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74] [75] {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [يونس: 75] يَعْنِي: أَشْرَافَ قَوْمِهِ، {بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [يونس: 75] [76] {فَلَمَّا جَاءَهُمُ} [يونس: 76] يَعْنِي: جَاءَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، {الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} [يونس: 76] [77] {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا} [يونس: 77] تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ سِحْرٌ أَسِحْرٌ هَذَا؟ فَحَذَفَ السِّحْرَ الْأَوَّلَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عليه. {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [يونس: 77] [78] {قَالُوا} [يونس: 78] يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ لِمُوسَى، {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} [يونس: 78] لِتَصْرِفَنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: لِتَلْوِيَنَا، {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ} [يونس: 78] الملك والسلطان، {فِي الْأَرْضِ} [يونس: 78] أَرْضِ مِصْرَ وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: (وَيَكُونَ) بِالْيَاءِ {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78] بمصدقين. [قوله تعالى وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ] . . . . [79] {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [يونس: 79] [80] {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [يونس: 80] [81] {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} [يونس: 81] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ: (آلسحر) بقطع الألف والمد على الاستفهام، و (ما) في هذه القراءة للاستفهام، وليست بموصولة، وهي مبتدأة و (جِئْتُمْ بِهِ) خبرها، والمعنى: أي شيء جئتم به؟ وقوله (السحر) بدل عنها، وقرأ الباقون: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ) بوصل الألف من غير مد، و (ما) في هذه القراءة موصولة بمعنى الذي و (جِئْتُمْ بِهِ) صلتها، وهي مع الصلة في موضع الرفع بالابتداء، وقوله (السحر) خبره أي: الذي جئتم به السحر، وتقوي هذه القراءة قِرَاءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ (مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ. {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] [82] {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 82] بآياته, {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 82] [84] {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى} [يونس: 83] لَمْ يُصَدِّقْ مُوسَى مَعَ مَا آتَاهُمْ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ، {إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} [يونس: 83] اخْتَلَفُوا فِي الْهَاءِ الَّتِي فِي (قَوْمِهِ) ، قِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مُوسَى، وَأَرَادَ بِهِمْ مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بِمِصْرَ وَخَرَجُوا مَعَهُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا أَوْلَادَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلَكَ الْآبَاءُ، وَبَقِيَ الْأَبْنَاءُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ، الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلى فرعون، وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: هُمْ نَاسٌ يَسِيرٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ آمَنُوا، مِنْهُمُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وَخَازِنُ فِرْعَوْنَ، وَامْرَأَةُ خازنه، وماشطة ابنته، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنَ الْقِبْطِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَأُمَّهَاتُهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتْبَعُ أُمَّهُ وَأَخْوَالَهُ، وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ نَجَوْا مِنْ قَتْلِ فِرْعَوْنَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَا أَمَرَ بِقَتْلِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا وَلَدَتِ ابْنًا وَهَبَتْهُ لِقِبْطِيَّةٍ خَوْفًا مِنَ الْقَتْلِ، فَنَشَئُوا عِنْدَ الْقِبْطِ، وَأَسْلَمُوا فِي الْيَوْمِ الَّذِي غلبت السحرة، {عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ} [يونس: 83] قِيلَ: أَرَادَ بِفِرْعَوْنَ آلَ فِرْعَوْنَ، أَيْ: عَلَى خَوْفٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ، كَمَا قَالَ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يُوسُفَ: 82] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وقيل: إنما قال: {وَمَلَئِهِمْ} [يونس: 83] وَفِرْعَوْنُ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا ذُكِرَ يُفْهَمُ مِنْهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، كَمَا يُقَالُ: قَدِمَ الْخَلِيفَةُ يُرَادُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ ملأ الفرية، فَإِنَّ مَلَأَهُمْ كَانُوا مِنْ قَوْمِ فرعون. {أَنْ يَفْتِنَهُمْ} [يونس: 83] أَيْ: يَصْرِفَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ يَفْتِنُوهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ قَوْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ،

{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ} [يونس: 83] لَمُتَكَبِّرٍ، {فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] الْمُجَاوَزِينَ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا فادعى الربوبية. [84] {وَقَالَ مُوسَى} [يونس: 84] لِمُؤْمِنِي قَوْمِهِ، {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84] [85] {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [يونس: 85] اعْتَمَدْنَا، ثُمَّ دَعَوْا فَقَالُوا، {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [يونس: 85] أَيْ: لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا، وَلَا تُهْلِكْنَا بِأَيْدِيهِمْ، فَيَظُنُّوا أَنَّا لَمْ نَكُنْ عَلَى الْحَقِّ فَيَزْدَادُوا طُغْيَانًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تُعَذِّبْنَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ لَمَا عُذِّبُوا، وَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنَّا فيفتنوا. [86] {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [يونس: 86] [87] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ} [يونس: 87] هَارُونَ، {أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} [يونس: 87] يقال: بوأ فَلَانٌ لِنَفْسِهِ بَيْتًا وَمَضْجَعًا إِذَا اتَّخَذَهُ، وَبَوَّأْتُهُ أَنَا إِذَا اتَّخَذْتُهُ له، {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي كَنَائِسِهِمْ وبِيَعِهِمْ، وَكَانَتْ ظَاهِرَةً، فَلَمَّا أُرْسِلَ مُوسَى أَمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَخْرِيبِهَا، وَمَنَعَهَمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَأُمِرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا مَسَاجِدَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَيُصَلُّوا فِيهَا خَوْفًا مِنْ فِرْعَوْنَ، هَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَعِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَافَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْكَنَائِسِ الْجَامِعَةِ، فَأُمِرُوا بِأَنْ يَجْعَلُوا فِي بُيُوتِهِمْ مَسَاجِدَ مُسْتَقْبِلَةً الْكَعْبَةَ، يُصَلُّونَ فِيهَا سِرًّا، معناه: واجعلوا وجوه بُيُوتَكُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] يَا مُحَمَّدُ. [88] {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً} [يونس: 88] مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، {وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} [يونس: 88] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ اللَّامِ، قِيلَ: هِيَ لَامُ كَيْ، مَعْنَاهُ: آتَيْتُهُمْ كي تفتنهم فيضلوا ويضلوا عن سبيلك، كَقَوْلِهِ {لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا - لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الْجِنِّ: 16 - 17] وَقِيلَ: هِيَ لَامُ العاقبة يعني: ليضلوا فيكون عَاقِبَةُ أَمْرِهِمُ الضَّلَالَ، كَقَوْلِهِ: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [الْقَصَصِ: 8] قَوْلُهُ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} [يونس: 88] قال مجاهد: أهلكها، والطمس: المحو، وَقَالَ قَتَادَةُ: صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ وَحُرُوثُهُمْ وزروعهم وجواهرهم كلها حِجَارَةً، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: جعل صورهم حِجَارَةً، وَكَانَ الرَّجُلُ مَعَ أَهْلِهِ فِي فِرَاشِهِ فَصَارَا حَجَرَيْنِ، وَالْمَرْأَةُ قَائِمَةٌ تَخْبِزُ فَصَارَتْ حَجَرًا، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلَغَنَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ صَارَتْ حِجَارَةً مَنْقُوشَةً كَهَيْئَتِهَا صِحَاحًا وَأَنْصَافًا وأثلاثًا، ودعا عمر بن الْعَزِيزِ بِخَرِيطَةٍ فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ بَقَايَا آلِ فِرْعَوْنَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا البيضة منقوشة، وَالْجَوْزَةَ مَشْقُوقَةً وَإِنَّهَا لِحَجَرٌ، قَالَ

قوله تعالى قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا

السُّدِّيُّ: مَسَخَ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ حِجَارَةً وَالنَّخِيلَ وَالثِّمَارَ وَالدَّقِيقَ وَالْأَطْعِمَةَ، فَكَانَتْ إِحْدَى الْآيَاتِ التِّسْعِ {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88] أَيْ: أَقْسِهَا وَاطْبَعْ عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَلِينَ، وَلَا تَنْشَرِحَ لِلْإِيمَانِ، {فَلَا يُؤْمِنُوا} [يونس: 88] قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِجَوَابِ الدُّعَاءِ بِالْفَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ (لِيُضِلُّوا) أَيْ: لِيُضِلُّوا فَلَا يُؤْمِنُوا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ دُعَاءٌ مَحَلُّهُ جَزْمٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ فَلَا يُؤْمِنُوا، {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88] وَهُوَ الْغَرَقُ، قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ أمتهم على الكفر. [قوله تعالى قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا] تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. . . . [89] {قَالَ} [يونس: 89] اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ، {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] إِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِمَا وَالدُّعَاءُ كَانَ مِنْ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَهَارُونُ يُؤَمِّنُ، والتأمين دعاء {فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89] عَلَى الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَامْضِيَا لِأَمْرِي إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ {وَلَا تَتَّبِعَانِّ} [يونس: 89] نَهْيٌ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ، وَمَحَلُّهُ جَزْمٌ، يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ لَا تَتَّبِعَنَّ بِفَتْحِ النُّونِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبِكَسْرِ النُّونِ فِي التَّثْنِيَةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقد اختلفت الروايات عنه فيه فبعضهم روى عنه وَلَا تَتَّبِعَانِّ بتخفيف التاء الثانية وفتح الباء وتشديد النون، وبعضهم روى عنه (تتبعان) بتشديد التاء الثانية وكسر الباء وتخفيف النون، وبعضهم روى عنه كقراء الجماعة، والوجه في تخفيف النون، إن نُونَ التَّأْكِيدِ تُثَقَّلُ وَتُخَفَّفُ، {سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس: 89] يعني: ولا تسلكا سبيل الَّذِينَ يَجْهَلُونَ حَقِيقَةَ وَعْدِي، فَإِنَّ وَعْدِي لَا خُلْفَ فِيهِ، وَوَعِيدِي نَازِلٌ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. [90] {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [يونس: 90] عبرنا بهم {فَأَتْبَعَهُمْ} [يونس: 90] لحقهم وأدركهم, {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} [يونس: 90] يُقَالُ: أَتْبَعَهُ وَتَبِعَهُ إِذَا أَدْرَكَهُ ولحقه، واتبعه بِالتَّشْدِيدِ إِذَا سَارَ خَلْفَهُ وَاقْتَدَى بِهِ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ. {بَغْيًا وَعَدْوًا} [يونس: 90] أَيْ: ظُلْمًا وَاعْتِدَاءً، وَقِيلَ: بَغْيًا فِي الْقَوْلِ وَعَدْوًا فِي الْفِعْلِ، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدِ انْفَلَقَ لِمُوسَى وَقَوْمِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ إلى البحر فَلَمَّا. دَخَلَ آخِرُهُمْ وَهَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} [يونس: 90] أَيْ: غَمَرَهُ الْمَاءُ وَقَرُبَ هَلَاكُهُ، {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ} [يونس: 90] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (إِنَّهُ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ أَيْ: آمَنْتُ، وَقُلْتُ: إِنَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (أَنَّهُ) بِالْفَتْحِ عَلَى وقوع آمنت عليها، وإضمار حرف الجر، أي: آمنت بأنه، فحذف الباء، وأوصل الفعل بنفسه، فهو في موضع النصب. {لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] فدس جبريل فِي فِيهِ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ. [91] وَقَالَ: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] فَلَمَّا أَخْبَرَ مُوسَى قَوْمَهُ بِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا مَاتَ فِرْعَوْنُ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَأَلْقَى فِرْعَوْنَ عَلَى السَّاحِلِ فرآه بنو إسرائيل فذلك قوله:

قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها

[92] {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} [يونس: 92] أَيْ: نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، وَقَرَأَ يعقوب (ننجيك) بالتخفيف، {بِبَدَنِكَ} [يونس: 92] بِجَسَدِكَ لَا رُوحَ فِيهِ، وَقِيلَ: بِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ مَشْهُورٌ مُرَصَّعٌ بِالْجَوَاهِرِ، فَرَأَوْهُ فِي درعه فصدقوا موسى. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 92] عِبْرَةً وَعِظَةً، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92] [93] {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [يونس: 93] أَنْزَلْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ هَلَاكِ فرعون، {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: 93] مَنْزِلَ صِدْقٍ، يَعْنِي. مِصْرَ، وَقِيلَ: الْأُرْدُنُ وَفِلَسْطِينُ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ مِيرَاثًا لِإِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ: مِصْرُ والشام، {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [يونس: 93] الحلالات، {فَمَا اخْتَلَفُوا} [يونس: 93] يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَصْدِيقِهِ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} [يونس: 93] يَعْنِي، الْقُرْآنَ وَالْبَيَانَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ الله صِدْقٌ وَدِينُهُ حَقٌّ، وَقِيلَ: حَتَّى جَاءَهُمْ مَعْلُومُهُمْ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَالْعِلْمُ بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: خَلْقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} [لُقْمَانَ: 11] وَيُقَالُ: هَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ. مَضْرُوبُهُ. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 93] من الدين. [94] قَوْلُهُ تَعَالَى. {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [يونس: 94] يَعْنِي: الْقُرْآنَ {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] فيخبرونك أنك مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الرَّجُلَ وَيُرِيدُونَ بِهِ غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب: 1] خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب: 2] وَلَمْ يَقُلْ بِمَا تَعْمَلُ، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطَّلَاقِ: 1] وَقِيلَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ وَشَاكٍّ، فَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ أَهْلِ الشَّكِّ مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْهُدَى عَلَى لِسَانِ رسولنا محمد، فاسئل الذين يقرؤون الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَنْ آمَنُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَعَبْدِ الله بن سلام وأصحابه فسيشهدون عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْبِرُونَكَ بِنُبُوَّتِهِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ غَيْرُ شَاكٍّ، لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لِعَبْدِهِ: إِنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأَطِعْنِي، وَيَقُولُ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ كَذَا وَكَذَا إِنْ كُنْتَ ابْنِي، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ. {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94] مِنَ الشَّاكِّينَ. [95] {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [يونس: 95] وَهَذَا كُلُّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ منه غيره. [96] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ} [يونس: 96] وجبت عليهم، {كَلِمَتُ رَبِّكَ} [يونس: 96] قيل: لعنته، وقال قتادة: سخطه، وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ هِيَ قَوْلُهُ: هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي. {لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 96] [97] {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} [يونس: 97] دَلَالَةٍ، {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 97] قَالَ الْأَخْفَشُ: أَنَّثَ فِعْلَ كَلُّ؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى الْمُؤَنَّثِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: آيَةٍ، وَلَفْظُ كُلُّ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ سَوَاءٌ. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا] إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ. . . . . [98] قوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ} [يونس: 98] فهلا كانت، {قَرْيَةٌ} [يونس: 98] وَمَعْنَاهُ: فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ ضَرْبًا مِنَ الْجَحْدِ، أي: أهل قرية، {آمَنَتْ} [يونس: 98] عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، {فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} [يونس: 98] في حال اليأس، {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: 98] فإنهم نَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، (وقوم) نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ، {لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] وَهُوَ وَقْتُ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُمْ هَلْ رَأَوُا الْعَذَابَ عِيَانًا أَمْ لَا؟

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَوْا دَلِيلَ الْعَذَابِ؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوُا الْعَذَابَ عَيَانًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98] وَالْكَشْفُ يَكُونُ بَعْدَ الْوُقُوعِ أَوْ إذا قرب أو سيأتي مثل ذلك في سورة الصافات آية (148) . [99] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ} [يونس: 99] يَا مُحَمَّدُ، {لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ سبق له السَّعَادَةُ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سبق له من الله الشقاوة. [100] {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} [يونس: 100] وَمَا يَنْبَغِي لِنَفْسٍ، وَقِيلَ: مَا كَانَتْ نَفْسٌ، {أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس: 100] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِأَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: بعلم الله. {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ} [يونس: 100] قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: (وَنَجْعَلُ) بِالنُّونِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَيَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ أَيِ: الْعَذَابَ وَهُوَ الرِّجْزُ، {عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يُونُسَ: 100] عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ. [101] {قُلِ انْظُرُوا} [يونس: 101] أَيْ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ الْآيَاتِ: انْظُرُوا، {مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ وَالْعِبَرِ، فَفِي السموات الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَغَيْرُهَا، وَفِي الْأَرْضِ الْجِبَالُ وَالْبِحَارُ وَالْأَنْهَارُ وَالْأَشْجَارُ وَغَيْرُهَا، {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ} [يونس: 101] الرُّسُلُ، {عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] وَهَذَا فِي قَوْمٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. [102] {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ} [يونس: 102] يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، {إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا} [يونس: 102] مضوا، {مِنْ قَبْلِهِمْ} [يونس: 102] مِنْ مُكَذِّبِي الْأُمَمِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّى العذاب أيامًا والنعم أَيَّامًا، كَقَوْلِهِ: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إِبْرَاهِيمَ: 5] وَكُلُّ مَا مَضَى عَلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ أَيَّامٌ، {قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 102] [103] {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} [يونس: 103] قَرَأَ يَعْقُوبُ (نُنْجِي) خَفِيفٌ مُخْتَلِفٌ عنه، {وَالَّذِينَ آمَنُوا} [يونس: 103] مَعَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، مَعْنَاهُ: نَجَّيْنَا مُسْتَقْبَلٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي، {كَذَلِكَ} [يونس: 103] كما نجيناهم {حَقًّا} [يونس: 103] واجبًا، {عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ (نُنْجِي) بالتخفيف والآخرون بالتشديد، ونجا وَأَنْجَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ. [104] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} [يونس: 104] الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ} [يونس: 104] وَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَ مَا جَاءَ بِهِ؟ قِيلَ: كَانَ فِيهِمْ شَاكُّونَ فَهُمُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ, أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْآيَاتِ اضْطَرَبُوا وَشَكُّوا فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 104] مِنَ الْأَوْثَانِ، {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104] يُمِيتُكُمْ وَيَقْبِضُ

قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له

أَرْوَاحَكُمْ، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104] [105] قَوْلُهُ: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [يونس: 105] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُكَ، وَقِيلَ: اسْتَقِمْ عَلَى الدِّينِ حَنِيفًا، {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] [106] {وَلَا تَدْعُ} [يونس: 106] وَلَا تَعْبُدْ، {مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ} [يونس: 106] إن أطعته، {وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس: 106] إن عصيته، {فَإِنْ فَعَلْتَ} [يونس: 106] فَعَبَدْتَ غَيْرَ اللَّهِ، {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] الضارين لأنفسهم الواضعين العبادة في غير موضعها. [قوله تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ] إِلَّا هُوَ. . . . [107] {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} [يونس: 107] أَيْ: يُصِبْكَ بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، {فَلَا كَاشِفَ} [يونس: 107] فلا دافع له، {لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} [يونس: 107] رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ وَسِعَةٍ، {فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107] فَلَا مَانِعَ لِرِزْقِهِ، {يُصِيبُ بِهِ} [يونس: 107] بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ، {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107] [108] {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [يونس: 108] يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108] أي: على نفسه وباله عَلَيْهِ، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [يونس: 108] بِكَفِيلٍ أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [109] {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} [يونس: 109] بِنَصْرِكَ وَقَهْرِ عَدُوِّكَ وَإِظْهَارِ دِينِهِ {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 109] فَحَكَمَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَبِالْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يُعْطُونَهَا عَنْ يَدٍ وهم صاغرون. [سورة هود] [قوله تعالى الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ] لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. . . . (11) سُورَةُ هُودٍ مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هود: 114] وَهِيَ مِائَةٌ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ آيَةً. [1] {الر كِتَابٌ} [هود: 1] أَيْ: هَذَا كِتَابٌ، {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُنْسَخْ بِكِتَابٍ كَمَا نُسِخَتِ الْكُتُبُ وَالشَّرَائِعُ به {ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] بُيِّنَتْ بِالْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَحُكِمَتْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ, ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، قَالَ قَتَادَةُ: أُحْكِمَتْ أَحْكَمَهَا اللَّهُ فَلَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فُصِّلَتْ أَيْ: فُسِّرَتْ، وَقِيلَ: فُصِّلَتْ أي: أنزلت شيئًا فشيئًا فَشَيْئًا, {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] [2] {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هود: 2] أي: في ذلك الكتاب ألا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ, وَيَكُونُ مَحَلُّ (أَنْ) رَفْعًا. وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ تَقْدِيرُهُ: بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا الله, {إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ} [هود: 2] أي: من الله {نَذِيرٌ} [هود: 2] للعاصين {وَبَشِيرٌ} [هود: 2] للمطيعين. [3] {وَأَنِ} [هود: 3] عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ, {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] أَيِ: ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: (ثُمَّ) هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ, أَيْ: وَتُوبُوا إِلَيْهِ,

قوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله

لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ هُوَ التَّوْبَةُ وَالتَّوْبَةُ هِيَ الِاسْتِغْفَارُ، وَقِيلَ: أَنِ اسْتَغْفِرُوا إليه في المستأنف يمنعكم منعا حَسَنًا، يُعَيِّشْكُمْ عَيْشًا حَسَنًا فِي خَفْضٍ وَدَعَةٍ وَأَمْنٍ وَسَعَةٍ، قَالَ بعضهم: العيش الحسن هو الرضى بِالْمَيْسُورِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَقْدُورِ. {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [هود: 3] إِلَى حِينِ الْمَوْتِ، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3] أَيْ: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي عَمَلٍ صَالِحٍ فِي الدُّنْيَا أَجْرَهُ وَثَوَابَهُ في الآخرة. وَقِيلَ: يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ يَعْنِي: مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَّقَهُ اللَّهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ عَلَى طَاعَتِهِ. {وَإِنْ تَوَلَّوْا} [هود: 3] أَعْرَضُوا، {فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. [4] {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [هود: 4] [5] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [هود: 5] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الأخس بْنِ شُرَيْقٍ، وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ حُلْوَ الْمَنْظَرِ، يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُحِبُّ وَيَنْطَوِي بِقَلْبِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُ. قَوْلُهُ: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [هود: 5] يُخْفُونَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الشحناء والعداوة، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: نزلت هذه الآية فِي بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ كَانَ إِذَا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ثنى صدره وحنى ظهره وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَغَطَّى وَجْهَهُ؛ كَيْ لَا يَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَحْنُونَ صُدُورَهُمْ كَيْ لَا يَسْمَعُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا ذِكْرَهُ، وَقِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْكَفَّارِ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، وَيُرْخِي سِتْرَهُ، وَيَحْنِي ظَهْرَهُ، وَيَتَغَشَّى بِثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِي، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَثْنُونَ أَيْ: يُعَرِضُونَ بِقُلُوبِهِمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَنَيْتُ عِنَانِي. وَقِيلَ: يَعْطِفُونَ، وَمِنْهُ ثَنِيُّ الثَّوْبِ، {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} [هود: 5] أي: من رسول الله. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا، {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} [هود: 5] يُغَطُّونَ رُؤُوسَهُمْ بِثِيَابِهِمْ، {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5] قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا: إِنَّ الَّذِينَ أَضْمَرُوا عَدَاوَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْفَى علينا حالهم. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ] رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا. . . . . [6] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ} [هود: 6] أَيْ: لَيْسَ دَابَّةٌ، (مِنْ) صِلَةٌ، وَالدَّابَّةُ: كُلُّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: {إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] أَيْ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِذَلِكَ فَضْلًا، وَهُوَ إِلَى مَشِيئَتِهِ إِنْ شَاءَ رَزَقَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْزُقْ، وَقِيلَ: عَلَى بِمَعْنَى مِنْ أَيْ: مِنَ اللَّهِ رِزْقُهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا جَاءَهَا مِنْ رِزْقٍ فَمِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرُبَّمَا لَمْ يَرْزُقْهَا حَتَّى تَمُوتَ جُوعًا. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6] قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ - وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -: مُسْتَقَرَّهَا الْمَكَانُ الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ، وَتَسْتَقِرُّ فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَمُسْتَوْدَعَهَا: الْمَوْضِعُ الَّذِي تُدْفَنُ فِيهِ إِذَا مَاتَتْ، وَقَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمُسْتَقَرُّ: أَرْحَامُ الْأُمَّهَاتِ وَالْمُسْتَوْدَعُ الْمَكَانُ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْمُسْتَقَرُّ أَرْحَامُ الْأُمَّهَاتِ وَالْمُسْتَوْدَعُ أَصْلَابُ الْآبَاءِ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بن جبير وعلي بن طَلْحَةَ وَعِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: الْمُسْتَقَرُّ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ وَالْمُسْتَوْدَعُ الْقَبْرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الْفُرْقَانِ: 76] {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6] أَيْ: كُلٌّ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ المحفوظ قبل أن خلقها. [7] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] قَبْلَ أَنْ خَلْقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ {لِيَبْلُوَكُمْ} [هود: 7] لِيَخْتَبِرَكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ، {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] عمل بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَأَوْرَعُ عَنْ مَحَارِمِ الله تعالى. {وَلَئِنْ قُلْتَ} [هود: 7] يا محمد، {إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [هود: 7] يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (سَاحِرٌ) يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [8] {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} [هود: 8] إِلَى أَجَلٍ مَحْدُودٍ، وَأَصْلُ الْأُمَّةِ الْجَمَاعَةُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَى انْقِرَاضِ أُمَّةٍ وَمَجِيءِ أُمَّةٍ أُخْرَى {لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: 8] أي: أَيُّ شَيْءٍ يَحْبِسُهُ؟ يَقُولُونَهُ

قوله تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور

اسْتِعْجَالًا لِلْعَذَابِ وَاسْتِهْزَاءً، يَعْنُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} [هود: 8] يَعْنِي الْعَذَابَ، {لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود: 8] لَا يَكُونُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ، {وَحَاقَ بِهِمْ} [هود: 8] نَزَلَ بِهِمْ، {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [هود: 8] أَيْ: وَبَالُ اسْتِهْزَائِهِمْ. [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} [هود: 9] نِعْمَةً وَسَعَةً، {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} [هود: 9] أَيْ: سَلَبْنَاهَا مِنْهُ، {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} [هود: 9] قنوط في الشدة، {كَفُورٌ} [هود: 9] النِّعْمَةِ. [10] {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} [هود: 10] بَعْدَ بَلَاءٍ أَصَابَهُ، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} [هود: 10] زَالَتِ الشَّدَائِدُ عَنِّي، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 10] أَشِرٌ بَطِرٌ، وَالْفَرَحُ لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ بِنَيْلِ الْمُشْتَهَى، وَالْفَخْرُ هُوَ التَّطَاوُلُ عَلَى النَّاسِ بِتَعْدِيدِ الْمَنَاقِبِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. [11] {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} [هود: 11] قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود: 11] فَإِنَّهُمْ إِنْ نَالَتْهُمْ شِدَّةٌ صَبَرُوا، وَإِنْ نَالُوا نِعْمَةً شَكَرُوا، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [هود: 11] لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] وهو الجنة. [12] {فَلَعَلَّكَ} [هود: 12] يَا مُحَمَّدُ، {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} [هود: 12] فُلَا تُبَلِّغُهُ إِيَّاهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ لَمَّا قَالُوا. {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا} [يُونُسَ: 15] لَيْسَ فِيهِ سَبُّ آلِهَتِنَا هَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ يَدَعَ آلِهَتُهُمْ ظَاهِرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} [هود: 12] يَعْنِي: سَبَّ الْآلِهَةِ، {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] أَيْ: فَلَعَلَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ {أَنْ يَقُولُوا} [هود: 12] أَيْ: لِأَنْ يَقُولُوا, {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ} [هود: 12] يُنْفِقُهُ {أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12] يُصَدِّقُهُ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} [هود: 12] لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] حافظ. [قوله تعالى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ] مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ. . . . [13] {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [هود: 13] بَلْ يَقُولُونَ اخْتَلَقَهُ، {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هُودٍ: 13] فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] وَقَدْ عَجَزُوا عَنْهُ فَكَيْفَ قَالَ: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ} [هود: 13] فَهُوَ كَرَجُلٍ يَقُولُ لِآخَرَ: أَعْطِنِي دِرْهَمًا فَيَعْجَزُ, فَيَقُولُ: أَعْطِنِي عَشَرَةً دراهم؟ الْجَوَابُ: قَدْ قِيلَ سُورَةُ هُودٍ نَزَلَتْ أَوَّلًا، وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ هَذَا, وَقَالَ بَلْ نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ أَوَّلًا, وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ يُونُسَ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] أي: مثله في الخير عَنِ الْغَيْبِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ, فَعَجَزُوا فَقَالَ لَهُمْ فِي سُورَةِ هُودٍ: إِنْ عَجَزْتُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهُ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ خَبَرٍ وَلَا وَعْدٍ وَلَا وَعِيدٍ, وَإِنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الْبَلَاغَةِ, {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} [هود: 13] وَاسْتَعِينُوا بِمَنِ اسْتَطَعْتُمْ, {مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] [14] {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} [هود: 14] يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: لَفْظُهُ جَمْعٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وحده. {فَاعْلَمُوا} [هود: 14] قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: مَعَ الْمُشْرِكِينَ، {أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} [هود: 14] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: أَنْزَلَهُ، وَفِيهِ عِلْمُهُ، {وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [هود: 14] أَيْ: فَاعْلَمُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 14] لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ: أَسْلِمُوا. [15] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [هود: 15] أَيْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الحياة الدنيا {وَزِينَتَهَا} [هود: 15] نَزَلَتْ فِي كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود: 15] أَيْ: نُوفِّ لَهُمْ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِسَعَةِ الرِّزْقِ وَدَفْعِ الْمَكَارِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا. {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15] أَيْ: فِي الدُّنْيَا لَا يُنْقَصُ حَظُّهُمْ. [16] {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} [هود: 16] أي: في الدنيا، {وَبَاطِلٌ} [هود: 16] ماحق، {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16] اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال مجاهد: أَهْلُ الرِّيَاءِ، وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: "الرياء» (¬1) . وقيل: هَذَا فِي الْكُفَّارِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُرِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَإِرَادَتُهُ الْآخِرَةَ غَالِبَةٌ فَيُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا ويثاب عليها في الآخرة. [17] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ} [هود: 17] بيان، {مِنْ رَبِّهِ} [هود: 17] قِيلَ: فِي الْآيَةِ حَذَفٌ وَمَعْنَاهُ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، أَوْ مَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَالْمُرَادُ بِالَّذِي هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} [هود: 17] أي: يتبعه من يشهد له بِصِدْقِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّاهِدِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُوَ لِسَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ وَيُسَدِّدُهُ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ الْقُرْآنُ وَنَظْمُهُ وَإِعْجَازُهُ، وَقِيلَ: شَاهِدٌ مِنْهُ هُوَ الْإِنْجِيلُ. {وَمِنْ قَبْلِهِ} [هود: 17] أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ. {كِتَابُ مُوسَى} [هود: 17] أَيْ: كَانَ كِتَابُ مُوسَى، {إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17] لِمَنِ اتَّبَعَهَا، يَعْنِي التَّوْرَاةَ، وَهِيَ مُصَدِّقَةٌ لِلْقُرْآنِ شَاهِدَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [هود: 17] يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} [هود: 17] أَيْ: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: بِالْقُرْآنِ، {مِنَ الْأَحْزَابِ} [هود: 17] من الكفار أهل ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في مسنده ج5 / 428، 429. وفي رواية عند الترمذي في كتاب النذور / 9 / وابن ماجه في الفتن / 16 / بلفظ: "الرياء شرك". ورواه المصنف في شرح السنة 14 / 324.

قوله تعالى أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما

الملل كلها، {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (¬1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [هود: 17] أَيْ. فِي شَكٍّ مِنْهُ، {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17] [18] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [هود: 18] فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا، أَيْ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ منه، {أُولَئِكَ} [هود: 18] يَعْنِي: الْكَاذِبِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ، {يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ} [هود: 18] فَيَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ} [هود: 18] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْفَظُونَ أَعْمَالَهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الخلائق كلهم، {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] [19] {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [هود: 19] يَمْنَعُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 45] [قوله تعالى أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا] كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ. . . . [20] {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ} [هود: 20] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَابِقِينَ، قَالَ قَتَادَةُ: هَارِبِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فَائِتِينَ. {فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [هود: 20] يَعْنِي أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ عذابنا، {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ} [هود: 20] أَيْ: يُزَادُ فِي عَذَابِهِمْ، قِيلَ: يُضَاعَفُ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ لِإِضْلَالِهِمُ الْغَيْرَ، واقتداء الأتباع بهم، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ ويعقوب: (يضعف) مشددة العين بغير ألف، وقرأ الباقون: (يضاعف) بالألف مخففة العين. {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 20] الهدى، قَالَ قَتَادَةُ، صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ، وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ الْهُدَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَبَيْنَ طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا قَالَ: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] وَهُوَ طَاعَتُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ قَالَ: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} [القلم: 42 - 43] [21] {أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [هود: 21] غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [هود: 21] يَزْعُمُونَ مِنْ شَفَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَصْنَامِ. [22] {لَا جَرَمَ} [هود: 22] أَيْ: حَقًّا، وَقِيلَ: بَلَى، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا مَحَالَةَ، {أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} [هود: 22] يَعْنِي: مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ فِي الْخَسَارِ. [23] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا} [هود: 23] قال ابن عباس: خافوا. وقال قَتَادَةُ: أَنَابُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اطْمَأَنُّوا. وقيل: خشعوا. وقوله: {رَبِّهِمْ} [هود: 23] أَيْ: لِرَبِّهِمْ. {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [هود: 23] ¬

(¬1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان رقم (153) 1 / 134 والمصنف في شرح السنة 1 / 104.

قوله تعالى ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري

[24] {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ} [هود: 24] الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، {كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} [هود: 24] قَالَ الْفَرَّاءُ، لَمْ يَقُلْ هَلْ يَسْتَوُونَ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى وَالْأَصَمَّ فِي حَيِّزٍ كَأَنَّهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ وَصْفِ الْكَافِرِ، وَالْبَصِيرَ وَالسَّمِيعَ فِي حَيِّزٍ كَأَنَّهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ وصف المؤمن، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] أَيْ: تَتَّعِظُونَ. [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [هود: 25] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (أَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: بِأَنِّي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، أَيْ: فَقَالَ إِنِّي؛ لِأَنَّ فِي الْإِرْسَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. [26] {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] أي: مؤلم {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [الْعَنْكَبُوتِ: 14] أَيْ: فَلَبِثَ فِيهِمْ دَاعِيًا. [27] {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [هود: 27] والملأ هم الأشراف والرؤساء. {مَا نَرَاكَ} [هود: 27] يا نوح، {إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} [هود: 27] آدميًّا، {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود: 27] سَفَلَتُنَا، وَالرَّذْلُ: الدُّونُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَرْذُلٌ، ثُمَّ يُجْمَعُ عَلَى أَرَاذِلَ، مِثْلَ كَلْبٍ وَأَكْلُبٍ وَأَكَالِبَ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ. {وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] يَعْنِي: السَّفَلَةَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْحَاكَةُ والأساكفة، {بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (بَادِئَ) بِالْهَمْزِ، أَيْ: أَوَّلَ الرَّأْيِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ فِي أَوَّلِ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَتَفَكُّرٍ، وَلَوْ تَفَكَّرُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، أَيْ ظَاهِرَ الرَّأْيِ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَدَا الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ اتَّبَعُوكَ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَدَبَّرُوا وَيَتَفَكَّرُوا بَاطِنًا، قَالَ مُجَاهِدٌ: رَأْيَ الْعَيْنِ، {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27] [28] {قَالَ} [هود: 28] نُوحٌ {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ} [هود: 28] بَيَانٍ، {مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً} [هود: 28] أَيْ: هُدًى وَمَعْرِفَةً، {مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} [هود: 28] أَيْ: خَفِيَتْ وَالْتَبَسَتْ عَلَيْكُمْ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (فَعُمِّيَتْ) عَلَيْكُمْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: شبهت ولبست عليكم. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} [هود: 28] أَيْ: أَنُلْزِمُكُمُ الْبَيِّنَةَ وَالرَّحْمَةَ، {وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28] لَا تُرِيدُونَهَا، قَالَ قَتَادَةُ: لَوْ قَدَرَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن يلزموا قومهم لألزموا، ولكن لم يقدروا. [قوله تعالى وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ] إِلَّا عَلَى اللَّهِ. . . . . [29] قَوْلُهُ: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا} [هود: 29] أَيْ: عَلَى الْوَحْيِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، {إِنْ أَجْرِيَ} [هود: 29] مَا ثَوَابِي، {إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} [هود: 29] هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ طَرْدَ الْمُؤْمِنِينَ، {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] أَيْ: صَائِرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ فِي الْمَعَادِ فَيَجْزِي مَنْ طَرَدَهُمْ، {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود: 29] [30] {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ} [هود: 30] مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، {إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 30] تَتَّعِظُونَ. [31] {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} [هود: 31] فَآتِي مِنْهَا مَا تَطْلُبُونَ، {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [هود: 31] فَأُخْبِرُكُمْ بِمَا تُرِيدُونَ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لِنُوحٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ إِنَّمَا اتَّبَعُوكَ فِي ظَاهِرِ مَا تَرَى مِنْهُمْ، قَالَ نوح مجيبًا لَهُمْ: لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ غُيُوبِ اللَّهِ الَّتِي يَعْلَمُ مِنْهَا مَا يُضْمِرُ النَّاسُ، وَلَا أعلم الغيب فأعلم ما يسرونه فِي نُفُوسِهِمْ، فَسَبِيلِي قَبُولُ مَا ظَهَرَ مِنْ إِيمَانِهِمْ، {وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} [هود: 31] هذا جواب قولهم: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} [هود: 27] {وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} [هود: 31] أي: تحتقرهم وتستصغرهم أَعْيُنُكُمْ، يَعْنِي - الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُمْ أَرَاذِلُنَا، {لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} [هود: 31] أَيْ: تَوْفِيقًا وَإِيمَانًا وَأَجْرًا، {اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} [هود: 31] مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنِّي، {إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [هود: 31] لَوْ قُلْتُ هَذَا. [32] {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} [هود: 32] خَاصَمْتَنَا،

قوله تعالى ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ

{فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [هود: 32] مِنَ الْعَذَابِ {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32] [33] ، {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ} [هود: 33] يَعْنِي: بِالْعَذَابِ، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود: 33] [34] {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي} [هود: 34] أَيْ: نَصِيحَتِي، {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] يضلكم، {هُوَ رَبُّكُمْ} [هود: 34] لَهُ الْحُكْمُ وَالْأَمْرُ {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34] فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ. [35] {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [هود: 35] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه: يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هود: 35] أَيْ: إِثْمِي وَوَبَالُ جُرْمِي، وَالْإِجْرَامُ: كَسْبُ الذَّنْبِ. {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] لَا أُؤَاخِذُ بِذُنُوبِكُمْ. [36] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ} [هود: 36] فَلَا تَحْزَنْ، {بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود: 36] فإني مهلكهم، ولا منقذ منهما، فحينئذ دعا نوح عليهم: فقال {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: [37] {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37] أي: بِأَمْرِنَا. {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37] بِالطُّوفَانِ، قِيلَ مَعْنَاهُ لَا تُخَاطِبْنِي في إمهال الكفار، فإني حَكَمْتُ بِإِغْرَاقِهِمْ، وَقِيلَ: لَا تُخَاطِبْنِي فِي ابْنِكَ كَنْعَانَ، وَامْرَأَتِكَ وَاعِلَةَ؛ فإنهما هالكان مع القوم. [قوله تعالى وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ] مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ. . . . [38] قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} [هود: 38] فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَصْنَعَ الْفُلْكَ أَقْبَلَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى عَمَلِ الْفُلْكِ، وَلَهَا عَنْ قَوْمِهِ، وَجَعَلَ يَقْطَعُ الْخَشَبَ، وَيَضْرِبُ الْحَدِيدَ، وَيُهَيِّئُ عِدَّةَ الْفُلْكِ مِنَ الْقَارِ وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَ قَوْمُهُ يَمُرُّونَ بِهِ -وَهُوَ فِي عَمَلِهِ- وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ قَدْ صِرْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود: 38] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ قَدْ صَارَ نَجَّارًا، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: يَا نُوحُ مَاذَا تَصْنَعُ؟ فَيَقُولُ أَصْنَعُ بَيْتًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، فَيَضْحَكُونَ مِنْهُ، {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ} [هود: 38] إِذَا عَايَنْتُمْ عَذَابَ اللَّهِ، {كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَجُوزُ السُّخْرِيَةُ مِنَ النَّبِيِّ؟ قِيلَ: هَذَا عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ، يَعْنِي إِنْ تَسْتَجْهِلُونِي فَإِنِّي أَسْتَجْهِلُكُمْ إِذَا نَزَلَ الْعَذَابُ بِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَسَتَرَوْنَ عَاقِبَةَ سُخْرِيَتِكُمْ. [39] {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [هود: 39] يهينه، {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} [هود: 39] يجب عليه، {عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود: 39] دَائِمٌ. [40] {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} [هود: 40] عذابنا، {وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود: 40] اخْتَلَفُوا فِي التَّنُّورِ، قَالَ عِكْرِمَةُ

وَالزُّهْرِيُّ: هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ فَارَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَارْكَبِ السَّفِينَةَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: فَارَ التَّنُّورُ أَيْ: طَلَعَ الْفَجْرُ وَنُورُ الصُّبْحِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: إِنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْفَوَرَانُ: الْغَلَيَانُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا} [هود: 40] أَيْ: فِي السَّفِينَةِ، {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40] الزَّوْجَانِ: كُلُّ اثْنَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ، يُقَالُ: زَوْجُ خُفٍّ وَزَوْجُ نَعْلٍ، وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجَيْنِ هنا: الذكر والأنثى، قرأ حفص ههنا وَفِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ: مِنْ كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ أَيْ: مِنْ كُلِّ صِنْفٍ زوجين اثنين، ذكره تأكيدًا. {وَأَهْلَكَ} [هود: 40] أَيْ: وَاحْمِلْ أَهْلَكَ، أَيْ: وَلَدَكَ وَعِيَالَكَ، {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40] بِالْهَلَاكِ يَعْنِي امْرَأَتَهُ وَاعِلَةَ، وَابْنَهُ كنعان، {وَمَنْ آمَنَ} [هود: 40] يَعْنِي: وَاحْمِلْ مَنْ آمَنَ بِكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمْ يَكُنْ فِي السَّفِينَةِ إلا ثمانية، نُوحٌ وَامْرَأَتُهُ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ لَهُ سَامٌ وَحَامٌ ويافثُ، وَنِسَاؤُهُمْ: وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ لَهُ وَثَلَاثُ كَنَائِنَ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانُوا عَشَرَةً سِوَى نِسَائِهِمْ، نُوحٌ وَبَنُوهُ سَامٌ وَحَامٌ ويافثُ وَسِتَّةُ أُنَاسٍ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَأَزْوَاجُهُمْ جَمِيعًا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفَرًا رَجُلًا وَامْرَأَةً وَبَنِيهِ الثَّلَاثَةَ وَنِسَاءَهُمْ، فَجَمِيعُهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ نِصْفُهُمْ رجال ونصفهم نساء. [41] {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} [هود: 41] أي: قال لَهُمْ نُوحٌ ارْكَبُوا فِيهَا، أَيْ فِي السَّفِينَةِ، {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] قرأ حمزة والكسائي وحفص: (مجراها) بفتح الميم (وَمُرْسَاهَا) بِضَمِّهَا، وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ محيصن (مجراها وَمَرْسَاهَا) بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ مِنْ جَرَتْ وَرَسَتْ، أَيْ: بِسْمِ اللَّهِ جَرْيُهَا وَرُسُوُّهَا، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بِضَمِّ الْمِيمَيْنِ مِنْ أُجْرِيَتْ وَأُرْسِيَتْ، أَيْ: بِسْمِ اللَّهِ إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا وَهُمَا أَيْضًا مَصْدَرَانِ، كَقَوْلِهِ: {أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} [الْمُؤْمِنُونَ: 29] {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الْإِسْرَاءِ: 80] وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْإِنْزَالُ وَالْإِدْخَالُ وَالْإِخْرَاجُ. {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41] [42] {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} [هود: 42] وَالْمَوْجُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْمَاءِ إِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ، شَبَّهَهُ بِالْجِبَالِ فِي عِظَمِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَلَى الماء. {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود: 42] كَنْعَانَ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: سَامٌ وَكَانَ كَافِرًا، {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} [هود: 42] عنه لم يركب السَّفِينَةِ، {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [هود: 42] قرأ نافع وابن عامر وحمزة والبزي عن ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عاصم ويعقوب: (اركب) بِإِظْهَارِ الْبَاءِ،

قوله تعالى قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه

وَالْآخَرُونَ يُدْغِمُونَهَا فِي الْمِيمِ، {وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42] فتهلك. [43] {قَالَ} [هود: 43] له ابنه {سَآوِي} [هود: 43] سَأَصِيرُ وَأَلْتَجِئُ، {إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43] يمنعني من الغرق، {قَالَ} [هود: 43] لَهُ نُوحٌ {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 43] أي: مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، {إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43] قيل: (من) في محل رفع، أَيْ لَا مَانِعَ مِنْ عَذَابِ الله إلا الله الرحيم، وَقِيلَ: (مَنْ) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، مَعْنَاهُ لَا مَعْصُومَ إِلَّا مَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ كَقَوْلِهِ: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الْحَاقَّةِ: 21] أَيْ: مَرْضِيَّةٍ، {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ} [هود: 43] فصار، {مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] ويروى أن الماء علا على رؤوس الْجِبَالِ قَدْرَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ: خمسة عشر ذراعًا. [44] {وَقِيلَ} [هود: 44] يَعْنِي بَعْدَمَا تَنَاهَى أَمْرُ الطُّوفَانِ. {يا أَرْضُ ابْلَعِي} [هود: 44] اشربي، {مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود: 44] أمسكي، {وَغِيضَ الْمَاءُ} [هود: 44] نَقَصَ وَنَضَبَ، يُقَالُ: غَاضَ الْمَاءُ يَغِيضُ غَيْضًا إِذَا نَقَصَ، وَغَاضَهُ اللَّهُ أَيْ أَنْقَصَهُ، {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [هود: 44] وفرغ من الأمر وهلاك القوم {وَاسْتَوَتْ} [هود: 44] يَعْنِي السَّفِينَةُ اسْتَقَرَّتْ، {عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] وهو جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ بِقُرْبِ الْمَوْصِلِ، {وَقِيلَ بُعْدًا} [هود: 44] هلاكا، {لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44] [45] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] وَقَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ تُنْجِيَنِي وَأَهْلِي؟ {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 45] لَا خُلْفَ فِيهِ، {وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45] حَكَمْتَ عَلَى قَوْمٍ بِالنَّجَاةِ وَعَلَى قوم بالهلاك. [46] {قَالَ} [هود: 46] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: (عَمِلَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ (غَيْرَ) بِنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ، أَيْ: عَمِلَ الشِّرْكَ وَالتَّكْذِيبَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الميم، ورفع اللام تنوينه، (غَيْرُ) بِرَفْعِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ: أَنَّ سُؤَالَكَ إِيَّايَ أَنْ أُنْجِيَهُ عَمَلٌ غير صالح، {فَلَا تَسْأَلْنِي} [هود: 46] يَا نُوحُ، {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ (فَلَا تسألني) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَيَكْسِرُونَ النُّونَ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ يَفْتَحُهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِ اللَّامِ وَكَسْرِ النُّونِ خَفِيفَةً، وَيُثْبِتُ أَبُو جعفر وأبو عمرو وورش الياء في الوصل دون الوقف، وأثبتها يعقوب في الحالين، {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِابْنِ، قَالَ مجاهد والحسن: كان ولد حدث مِنْ غَيْرِ نُوحٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ نُوحٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: كَانَ ابْنَ امْرَأَتِهِ وَكَانَ يَعْلَمُهُ نُوحٌ، ولذلك قال {مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] وَلَمْ يَقُلْ مِنِّي، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّهُ كَانَ ابْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ صُلْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ وَقَوْلُهُ {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أي: من أهل الدين وَقَوْلُهُ: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] يعني: تَدْعُوَ بِهَلَاكِ الْكُفَّارِ ثُمَّ تَسْأَلَ نجاة كافر. [قوله تعالى قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ] عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. . . . . [47] {قَالَ} [هود: 47] نُوحٌ {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] [48] {قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ} [هود: 48] انْزِلْ مِنَ السَّفِينَةِ، {بِسَلَامٍ مِنَّا} [هود: 48] أَيْ بِأَمْنٍ وَسَلَامَةٍ مِنَّا، {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} [هود: 48] الْبَرَكَةُ هِيَ ثُبُوتُ الْخَيْرِ، وَمِنْهُ بروك البعير، وقيل: البركة ههنا هِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} [هود: 48] أَيْ: عَلَى ذُرِّيَّةِ أُمَمٍ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ فِي السَّفِينَةِ، يَعْنِي على قرون تجيء بَعْدِكَ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ مَعَكَ في السفينة، يعني: مِنْ وَلَدِكَ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: دَخَلَ فيه كل مؤمن إلى يوم القيامة. {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} [هود: 48] هَذَا ابْتِدَاءٌ، أَيْ: أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ فِي الدُّنْيَا، {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] وَهُمُ الْكَافِرُونَ وَأَهْلُ الشَّقَاوَةِ. [49] {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} [هود: 49] من أَخْبَارِ الْغَيْبِ، {نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49]

قوله تعالى إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء

مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، {فَاصْبِرْ} [هود: 49] عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَمَا تَلْقَى مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ كَمَا صَبَرَ نُوحٌ، {إِنَّ الْعَاقِبَةَ} [هود: 49] آخِرَ الْأَمْرِ بِالسَّعَادَةِ وَالنُّصْرَةِ {لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] لأهل التقوى. [50] قوله تعالى {وَإِلَى عَادٍ} [هود: 50] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَادٍ، {أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50] فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [هود: 50] وَحِّدُوا اللَّهَ {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود: 50] مَا أَنْتُمْ فِي إِشْرَاكِكُمْ إِلَّا كَاذِبُونَ. [51] {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [هود: 51] أَيْ: عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، {أَجْرًا} [هود: 51] جعلا، {إِنْ أَجْرِيَ} [هود: 51] مَا ثَوَابِيَ، {إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} [هود: 51] خلقني، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: 51] [52] {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} [هود: 52] أي: آمنوا به، فالاستغفار ههنا بِمَعْنَى الْإِيمَانِ، {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 52] مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَمِنْ سَالِفِ ذُنُوبِكُمْ، {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود: 52] أَيْ: يُرْسِلِ الْمَطَرَ عَلَيْكُمْ مُتَتَابِعًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ، {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] أَيْ: شِدَّةً مَعَ شِدَّتِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عنهم المطر ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَعْقَمَ أَرْحَامَ نِسَائِهِمْ فَلَمْ يَلِدْنَ، فَقَالَ لَهُمْ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ آمَنْتُمْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْمَطَرَ فَتَزْدَادُونَ مَالًا وَيُعِيدُ أَرْحَامَ الْأُمَّهَاتِ إِلَى مَا كَانَتْ فَيَلِدْنَ، فَتَزْدَادُونَ قُوَّةً بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَقِيلَ: تَزْدَادُونَ قُوَّةً فِي الدين إلى قوة في البدن. {وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] أَيْ: لَا تُدْبِرُوا مُشْرِكِينَ. [53] {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} [هود: 53] أي: ببيان وَحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى مَا تَقُولُ، {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} [هود: 53] أَيْ: بِقَوْلِكَ، {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53] بمصدقين. [قوله تعالى إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ] قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. . . . [54] {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] يعني: لست تتعاطى ما تتعاطاه مِنْ مُخَالَفَتِنَا وَسَبِّ آلِهَتِنَا إِلَّا أَنَّ بَعْضَ آلِهَتِنَا اعْتَرَاكَ أَيْ: أَصَابَكَ بِسُوءٍ بِخَبَلٍ وَجُنُونٍ، وَذَلِكَ أَنَّكَ سَبَبْتَ آلِهَتَنَا فَانْتَقَمُوا مِنْكَ بِالتَّخْبِيلِ، لَا نَحْمِلُ أَمْرَكَ إِلَّا على هذا، {قَالَ} [هود: 54] لَهُمْ هُودٌ، {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ} [هود: 54] على نفسي، {وَاشْهَدُوا} [هود: 54] يَا قَوْمِ، {أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] [55] {مِنْ دُونِهِ} [هود: 55] يعني الأوثان، {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} [هود: 55] فَاحْتَالُوا فِي مَكْرِكُمْ وَضُرِّي أَنْتُمْ وأوثانكم، {ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود: 55] لَا تُؤَخِّرُونَ وَلَا تُمْهِلُونَ. [56] {إِنِّي تَوَكَّلْتُ} [هود: 56] أَيِ: اعْتَمَدْتُ، {عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56] قال الضحاك: محييها ومميتها، قَالَ الْفَرَّاءُ: مَالِكُهَا وَالْقَادِرُ عَلَيْهَا، وقال بعض العلماء: آخذ بناصيتها لا تتوجه إلا حيث يلهمها، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يَقْهَرُهَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَذْتَ بِنَاصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وَقِيلَ إِنَّمَا خَصَّ النَّاصِيَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ إِذَا وَصَفَتْ

إِنْسَانًا بِالذِّلَّةِ، فَتَقُولُ: نَاصِيَةُ فُلَانٍ بِيَدِ فُلَانٍ، وَكَانُوا إِذَا أَسَرُوا إِنْسَانًا وَأَرَادُوا إِطْلَاقَهُ وَالْمَنَّ عَلَيْهِ جزوا ناصته لِيَعْتَدُّوا بِذَلِكَ فَخْرًا عَلَيْهِ، فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَعْرِفُونَ. {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] يَعْنِي: إِنَّ ربِّيَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَظْلِمُهُمْ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ، فَيُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِعِصْيَانِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ دِينَ رَبِّي صراط مستقيم، وقيل: شبه إِضْمَارٌ، أَيْ: إِنَّ رَبِّي يُحِثُّكُمْ وَيَحْمِلُكُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [57] {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [هود: 57] أَيْ: تَتَوَلَّوْا، يَعْنِي: تُعْرِضُوا عَمَّا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ، {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [هود: 57] أَيْ: إِنْ أَعْرَضْتُمْ يُهْلِكْكُمُ اللَّهُ عز وجل، ويستبدل قَوْمًا غَيْرَكُمْ أَطْوَعَ مِنْكُمْ يُوَحِّدُونَهُ ويعبدونه، {وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} [هود: 57] بِتَوَلِّيكُمْ وَإِعْرَاضِكُمْ إِنَّمَا تَضُرُّونَ أَنْفُسَكُمْ، وَقِيلَ: لَا تُنْقِصُونَهُ شَيْئًا إِذَا أَهْلَكَكُمْ؛ لِأَنَّ وُجُودَكُمْ وَعَدَمَكُمْ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57] أَيْ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَافِظٌ، يَحْفَظُنِي مِنْ أَنْ تَنَالُونِي بِسُوءٍ. [58] قَوْلُهُ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} [هود: 58] عَذَابُنَا، {نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [هود: 58] وكانوا أربعة آلاف. {بِرَحْمَةٍ} [هود: 58] بِنِعْمَةٍ {مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58] وَهُوَ الرِّيحُ الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا عَادًا، وَقِيلَ: الْعَذَابُ الْغَلِيظُ: عَذَابُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَيْ: كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ كَذَلِكَ نَجَّيْنَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ. [59] {وَتِلْكَ عَادٌ} [هود: 59] رَدَّهُ إِلَى الْقَبِيلَةِ، {جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ} [هود: 59] يَعْنِي: هُودًا وَحَدَهُ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ رَسُولًا واحدًا كَانَ كَمَنْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود: 59] وَاتَّبَعَ السَّفَلَةُ وَالسُّقَّاطُ أَهْلَ التَّكَبُّرِ وَالْعِنَادِ، وَالْجَبَّارُ: الْمُتَكَبِّرُ، وَالْعَنِيدُ: الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ، يُقَالُ: عَنَدَ الرَّجُلُ يَعْنِدُ عُنُودًا إِذَا أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الشَّيْءَ وَإِنْ عَرَفَهُ، وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَنِيدُ وَالْعَانِدُ وَالْعَنُودُ وَالْمُعَانِدُ: الْمُعَارِضُ لَكَ بِالْخِلَافِ. [60] {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} [هود: 60] أَيْ أُرْدِفُوا لَعْنَةً تَلْحَقُهُمْ وَتَنْصَرِفُ مَعَهُمْ، وَاللَّعْنَةُ: هِيَ الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ عن الرحمة، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} [هود: 60] أَيْ وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْضًا لُعِنُوا كَمَا لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} [هود: 60] أَيْ بِرَبِّهِمْ، يُقَالُ كَفَرْتُهُ، وَكَفَرْتُ به كما يقال: شكره وَشَكَرْتُ لَهُ، وَنَصَحْتُهُ، وَنَصَحْتُ لَهُ. {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هُودٍ: 60] قِيلَ بُعْدًا مِنْ رَحْمَةِ الله، وقيل: هلاكًا: مِنْهُ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا، وَالْآخَرُ: بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، يُقَالُ: مِنْهُ بَعِدَ يبعد بعدًا. [61] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [هود: 61] أي: وأرسلنا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، {قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [هود: 61] وَحِّدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ} [هود: 61] ابتدأ

قوله تعالى قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة

خلقكم، {مِنَ الْأَرْضِ} [هود: 61] وذلك أنهم مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ الأرض، {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] أَيْ: جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَسُكَّانَهَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطَالَ عُمْرَكُمْ فِيهَا حَتَّى كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَعِيشُ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى أَلْفِ سَنَةٍ، وَكَذَلِكَ قوم عاد، وقال مجاهد: أعمركم من العمر، أَيْ: جَعَلَهَا لَكُمْ مَا عِشْتُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَسْكَنَكُمْ فِيهَا. {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ} [هود: 61] من المؤمنين، {مُجِيبٌ} [هود: 61] لدعائهم. [62] {قَالُوا} [هود: 62] يعني ثمودًا، {يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هود: 62] الْقَوْلُ أَيْ: كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ سَيِّدًا فِينَا. وَقِيلَ: كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَعُودَ إِلَى دِينِنَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِ عَشِيرَتِهِ، فَلَمَّا أَظْهَرَ دُعَاءَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَرَكَ الْأَصْنَامَ زَعَمُوا أَنَّ رَجَاءَهُمُ انْقَطَعَ عَنْهُ، فَقَالُوا: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود: 62] مِنَ الْآلِهَةِ {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62] مُوْقِعٌ لِلرِّيبَةِ وَالتُّهْمَةِ، يُقَالُ: أَرَبْتُهُ إِرَابَةً إِذَا فَعَلْتَ بِهِ فِعْلًا يوجب له الريبة. [قوله تعالى قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ] مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً. . . . [63] {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} [هود: 63] نُبُوَّةً وَحِكْمَةً، {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ} [هود: 63] أَيْ: مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، {إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63] قال ابن عباس: معناه ما تزيدونني غَيْرُ بِصَارَةٍ فِي خَسَارَتِكُمْ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَمْ يَكُنْ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خَسَارَةٍ حَتَّى قَالَ: فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بما تقولون من الفحش إِلَّا نِسْبَتِي إِيَّاكُمْ إِلَى الْخَسَارَةِ، وَالتَّفْسِيقُ وَالتَّفْجِيرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: النِّسْبَةُ إِلَى الْفِسْقِ وَالْفُجُورِ، وَكَذَلِكَ التَّخْسِيرُ هُوَ: النِّسْبَةُ إِلَى الْخُسْرَانِ. [64] {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [هود: 64] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَالْقَطَعِ، وَذَلِكَ أن قومًا طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَ نَاقَةً عُشَرَاءَ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ فَدَعَا صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَخَرَجَتْ مِنْهَا نَاقَةٌ وَوَلَدَتْ في الحال ولدا مثلها، وقد بيناه في سورة الأعراف، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} [هود: 64] مِنَ الْعُشْبِ وَالنَّبَاتِ فَلَيْسَتْ عَلَيْكُمْ مؤنتها، {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [هود: 64] ولا تصيبوها بعقر، {فَيَأْخُذَكُمْ} [هود: 64] إن قتلتموها، {عَذَابٌ قَرِيبٌ} [هود: 64] [65] {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ} [هود: 65] لهم صالح، {تَمَتَّعُوا} [هود: 65] عيشوا، {فِي دَارِكُمْ} [هود: 65] أَيْ: فِي دِيَارِكُمْ، {ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} [هود: 65] ثُمَّ تُهْلَكُونَ، {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] أَيْ: غَيْرُ كَذِبٍ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ بَعْدَ ثلاثة أيام فتصبحون الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَوُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي مُحْمَرَّةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مُسْوَدَّةٌ، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وأتاهم العذاب اليوم الرابع. [66] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 66] بِنِعْمَةٍ مِنَّا، {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} [هود: 66] أي: من عذابه، وهو أنه قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ خزي يومئذ، وعذاب يَوْمَئِذٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66] [67] {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67] وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحَ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَقِيلَ: أَتَتْهُمُ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ وَصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَإِنَّمَا قال: أخذ والصيحة مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ بِمَعْنَى الصِّيَاحِ. {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 67] صَرْعَى هَلْكَى. [68] {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [هود: 68] يقيموا ويكونوا، {أَلا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 68] قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ: (ثَمُودَ) غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالنَّجْمِ، وَافَقَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّجْمِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: لِثَمُودٍ بِخَفْضِ الدَّالِ وَالتَّنْوِينِ،

وَالْبَاقُونَ بِنَصْبِ الدَّالِ، فَمَنْ جَرَّهُ فَلِأَنَّهُ اسْمٌ مُذَكَّرٌ، وَمَنْ لَمْ يَجُرَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ. [69] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [هود: 69] أراد بالرسل الملائكة عليهم السلام بِالْبُشْرَى بِالْبِشَارَةِ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَقِيلَ: بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، {قَالُوا سَلَامًا} [هود: 69] أي: سلموا سلامًا، {قَالَ} [هود: 69] إبراهيم {سَلَامٌ} [هود: 69] أَيْ: عَلَيْكُمْ سَلَامٌ: وَقِيلَ: هُوَ رَفْعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58] وقرأ حمزة والكسائي سلم ههنا وَفِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ بِكَسْرِ السِّينِ بِلَا أَلْفٍ، قِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى السَّلَامِ، كَمَا يُقَالُ: حِلٌّ وَحَلَالٌ وَحِرْمٌ وَحَرَامٌ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ، أَيْ: نَحْنُ سِلْمٌ أَيْ صُلْحٌ لَكُمْ غَيْرُ حَرْبٍ. {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] والحنيذ المحنوذ وهو الْمَشْوِيُّ عَلَى الْحِجَارَةِ فِي خَدٍّ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَ سَمِينًا يَسِيلُ دَسَمًا، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذَّارِيَاتِ: 26] قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ عَامَّةُ مَالِ إِبْرَاهِيمَ الْبَقَرُ. [70] {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} [هود: 70] أي: إلى العجل، {نَكِرَهُمْ} [هود: 70] أنكرهم، {وَأَوْجَسَ} [هود: 70] أضمر، {مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70] خَوْفًا، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَقَعَ فِي قَلْبِهِ، وَأَصْلُ الْوُجُوسِ: الدُّخُولُ، كَانَ الْخَوْفُ دَخَلَ قَلْبَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِمْ ظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بَشَرٍّ. {قَالُوا لَا تَخَفْ} [هود: 70] يا إبراهيم، {إِنَّا} [هود: 70] مَلَائِكَةُ اللَّهِ {أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70] [71] {وَامْرَأَتُهُ} [هود: 71] سارة بنت هارون بِنِ أَحْوَرَ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ إبراهيم. {قَائِمَةٌ} [هود: 71] مِنْ وَرَاءِ السَّتْرِ تَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَقِيلَ: كَانَتْ قَائِمَةً تَخْدِمُ الرُّسُلَ وإبراهيم جالس معهم. {فَضَحِكَتْ} [هود: 71] قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: ضَحِكَتْ أَيْ: حَاضَتْ فِي الْوَقْتِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ، أَيْ: حَاضَتْ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ضَحِكِهَا، فقيل: ضَحِكَتْ لِزَوَالِ الْخَوْفِ عَنْهَا وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ حِينَ قَالُوا لَا تَخَفْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا قَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ الطَّعَامَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَأْكُلُوا خَافَ إِبْرَاهِيمُ، وَظَنَّهُمْ لُصُوصًا فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَأْكُلُونَ؟ قَالُوا: إِنَّا لَا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال إِبْرَاهِيمُ: فَإِنَّ لَهُ ثَمَنًا، قَالُوا وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ، فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ عليهم الصلاة والسلام، وَقَالَ: حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا، فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ وَسَارَّةُ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ضَحِكَتْ سَارَّةُ، وَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا إِنَّا نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا تَكْرِمَةً لَهُمْ، وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ مِنْ غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وَقُرْبِ الْعَذَابِ مِنْهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ خَدَمِهِ وحشمه، وقيل: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْبِشَارَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: ضَحِكَتْ

قوله تعالى قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا

تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ عَلَى كِبَرِ سِنِّهَا وَسِنِّ زَوْجِهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْآيَةُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: يا ويلتي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ} [هود: 71] أَيْ: مِنْ بَعْدِ إِسْحَاقَ، {يَعْقُوبَ} [هود: 71] أراد به والدًا لولد فَبُشِّرَتْ أَنَّهَا تَعِيشُ حَتَّى تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِنَصْبِ الْبَاءِ، أَيْ: مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: وَوَهَبْنَا له يَعْقُوبَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: وَمِنْ بَعْدِ إِسْحَاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا بُشِّرَتْ بِالْوَلَدِ ضَحِكَتْ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا، أي: ضربت وجهها تعجبًا. [قوله تعالى قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا] بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. . . . . [72] {قَالَتْ يا وَيْلَتَى} [هود: 72] نِدَاءُ نُدْبَةٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، أَيْ: يَا عَجَبًا، وَالْأَصْلُ يَا وَيْلَتَاهُ. {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود: 72] وَكَانَتِ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. {وَهَذَا بَعْلِي} [هود: 72] أي: زَوْجِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَيِّمُ أمرها، {شَيْخًا} [هود: 72] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَكَانَ سِنُّ إِبْرَاهِيمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ بَيْنَ الْبِشَارَةِ وَالْوِلَادَةِ سَنَةٌ، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] [73] {قَالُوا} [هود: 73] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73] مَعْنَاهُ: لَا تَعْجَبِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إذا أراد شيئًا كان. {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73] أَيْ: بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قِيلَ: هَذَا عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ مَعْنَى الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالنِّعْمَةِ، وَالْبَرَكَاتُ جَمْعُ الْبَرَكَةِ، وَهِيَ ثُبُوتُ الْخَيْرِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَزْوَاجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73] فَالْحَمِيدُ: الْمَحْمُودُ فِي أَفْعَالِهِ، وَالْمَجِيدُ: الْكَرِيمُ، وَأَصْلُ الْمَجْدِ الرِّفْعَةُ. [74] {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} [هود: 74] الخوف، {وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} [هود: 74] بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: أَخَذَ وَظَلَّ يُجَادِلُنَا، قِيلَ: مَعْنَاهُ يُكَلِّمُنَا؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يُجَادِلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِنَّمَا يَسْأَلُهُ وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ، وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: مَعْنَاهُ يُجَادِلُ رُسُلَنَا، وَكَانَتْ مُجَادَلَتُهُ أَنَّهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ فِي مَدَائِنِ لُوطٍ خَمْسُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَوْ أَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَوْ ثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: لَا، حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً، قَالُوا: لَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قالوا: لا، قال لهم إبراهيم عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ فِيهَا لُوطًا، قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، لَنُنْجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ من الغابرين، فذلك قول إخبار عن إبراهيم عليه السلام: {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74] [75] {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَ فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ فَقَالَتِ الرُّسُلُ عِنْدَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ [76] {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [هود: 76] أَيْ: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا الْمَقَالِ وَدَعْ عَنْكَ الْجِدَالَ، {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76] أَيْ: عَذَابُ رَبِّكَ وَحُكْمُ رَبِّكَ، {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ} [هود: 76] نَازِلٌ بِهِمْ، {عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76] أَيْ غَيْرُ مَصْرُوفٍ عَنْهُمْ. [77] قَوْلُهُ تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا} [هود: 77] يعني: هؤلاء الملائكة، {لُوطًا} [هود: 77] عَلَى صُورَةِ غِلْمَانٍ مُرْدٍ حِسَانِ الوجوه، {سِيءَ بِهِمْ} [هود: 77] أَيْ: حَزِنَ لُوطٌ بِمَجِيئِهِمْ، يُقَالُ: سُؤْتُهُ فَسِيءَ، كَمَا يُقَالُ: سَرَرْتُهُ فسر. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [هود: 77] أَيْ: قَلْبًا، يُقَالُ: ضَاقَ ذَرْعُ فُلَانٍ بِكَذَا إِذَا وَقَعَ فِي مَكْرُوهٍ لَا يُطِيقُ الْخُرُوجَ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى حُسْنِ وُجُوهِهِمْ وَطَيِبِ رَوَائِحِهِمْ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يَقْصِدُوهُمْ بِالْفَاحِشَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُدَافَعَةِ عَنْهُمْ. {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] أَيْ:

شَدِيدٌ كَأَنَّهُ عُصِبَ بِهِ الشَّرُّ وَالْبَلَاءُ، أَيْ: شُدَّ، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَحْوَ قَرْيَةِ قوم لُوطٍ فَأَتَوْا لُوطًا نِصْفَ النَّهَارِ، وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْتَطِبُ، وقد قال الله تعالى للملائكة: لَا تُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَاسْتَضَافُوهُ فَانْطَلَقَ بهم، فلما مشى بهم ساعة قال لهم: بَلَغَكُمْ أَمْرُ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ: قَالُوا: وَمَا أَمْرُهُمْ قَالَ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهَا لِشَرُّ قَرْيَةٍ فِي الأرض عما يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنْزِلَهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ حَمَلَ الْحَطَبَ وَتَبِعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَمَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ فَغَمَزُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لُوطٌ: إِنَّ قَوْمِي شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ: فَغَمَزُوا فَقَالَ لوط مثله، ثم مر بقوم فَقَالَ مِثْلَهُ، ثُمَّ مَرَّ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، فَقَالَ مَثَلَهُ، فَكَانَ كُلَّمَا قال لوط هذا القوال قَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، وَرُوِيَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ جاؤوا إِلَى بَيْتِ لُوطٍ فَوَجَدُوهُ فِي دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِ لُوطٍ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، وَقَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ. [78] {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} [هود: 78] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُهَرْوِلُونَ وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مِشْيَتَيْنِ، قَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ والجمز. {وَمِنْ قَبْلُ} [هود: 78] أَيْ: مِنْ قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إِلَى لوط، {كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 78] كَانُوا يَأْتُونَ الرِّجَالَ فِي أَدْبَارِهِمْ. {قَالَ} [هود: 78] لَهُمْ لُوطٌ حِينَ قَصَدُوا أَضْيَافَهُ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ غِلْمَانٌ، {يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] يَعْنِي: بِالتَّزْوِيجِ، وَفِي أَضْيَافِهِ بِبَنَاتِهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، تَزْوِيجُ الْمُسْلِمَةِ مِنَ الْكَافِرِ جَائِزًا كَمَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ وَأَبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: عَرَضَ بَنَاتَهُ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ {بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] أَرَادَ نِسَاءَهُمْ وَأَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أَبُو أُمَّتِهِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم هو أَبٌ لَهُمْ) ، وَقِيلَ: ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ لَا عَلَى التحقيق، فلم يرضوا هذا القول. {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي} [هود: 78] أَيْ: خَافُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ في ضيفي، أي: لا تسوؤني وَلَا تَفْضَحُونِي فِي أَضْيَافِي. {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] صالح سديد، وقال عِكْرِمَةُ: رَجُلٌ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ المنكر. [79] {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ} [هود: 79] يَا لُوطُ، {مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} [هود: 79] أَيْ: لَسْنَ أَزْوَاجًا لَنَا فَنَسْتَحِقُّهُنَّ بِالنِّكَاحِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا لَنَا فِيهِنَّ مِنْ حَاجَةٍ وَشَهْوَةٍ. {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] من إتيان الرجال.

قوله تعالى فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها

[80] {قَالَ} [هود: 80] لَهُمْ لُوطٌ عِنْدَ ذَلِكَ {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [هود: 80] أراد قوة البدن والقوة بِالْأَتْبَاعِ، {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أَيْ: أَنْضَمُّ إِلَى عَشِيرَةٍ مَانِعَةٍ، وجواب "لو" مضمر أي: لقتلناكم وَحُلْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي مَنَعَةٍ مِنْ عشيرته، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُهُمْ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا يَلْقَى لُوطٌ بِسَبَبِهِمْ. [81] {قَالُوا يا لُوطُ} [هود: 81] إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: 81] فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ فَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلُوا فَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي عُقُوبَتِهِمْ، فَأَذِنَ له، فقام، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ وُجُوهَهُمْ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وأعمى أبصارهم، فَصَارُوا لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَانْصَرَفُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ سَحَرُونَا، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى تُصْبِحَ فَسَتَرَى مَا تَلْقَى مِنَّا غَدًا؛ يوعدونه، فقالت الملائكة: لا تخف إنا أرسلنا لإهلاكهم، فَقَالَ لُوطٌ لِلْمَلَائِكَةِ: مَتَى مَوْعِدُ إهلاكهم؟ فقالوا: الصبح، قال: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ أَهْلَكْتُمُوهُمُ الْآنَ، فَقَالُوا: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] ثم قالوا، {فَأَسْرِ} [هود: 81] يا لوط، {بِأَهْلِكَ} [هود: 81] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ (فَاسْرِ) وَ (أَنِ اسْرِ) بِوَصْلِ الْأَلِفِ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ سَرَى يَسْرِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِقَطْعِ الْأَلْفِ مِنْ أَسْرَى يُسْرِي، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَسِيرُ بِاللَّيْلِ. {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 81] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ أَوَّلِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ السَّحَرُ الْأَوَّلُ. {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود: 81] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (امْرَأَتُكَ) ، بِرَفْعِ التَّاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الِالْتِفَاتِ، أَيْ: لَا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ فَتَهْلِكُ، وَكَانَ لُوطٌ قَدْ أخرجها معه، ونهى من معه مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَنْ يَلْتَفِتَ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ هَدَّةَ الْعَذَابِ الْتَفَتَتْ، وَقَالَتْ: يَا قَوْمَاهُ، فَأَدْرَكَهَا حَجَرٌ فَقَتَلَهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِ التَّاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْإِسْرَاءِ أَيْ: فَأَسَرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَلَا تَسْرِ بِهَا، وَخَلِّفْهَا مَعَ قَوْمِهَا، فَإِنَّ هَوَاهَا إِلَيْهِمْ، وَتَصْدِيقُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرَأَتَكَ وَلَا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: 81] مِنَ الْعَذَابِ، {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} [هود: 81] أَيْ: مَوْعِدُ هَلَاكِهِمْ وَقْتُ الصُّبْحِ، فَقَالَ لُوطٌ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا] وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. . . . . [82] قوله: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} [هود: 82] عذابنا، {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا} [هود: 82] أَيْ عَلَى شُذَّاذِهَا وَمُسَافِرِيهَا. وَقِيلَ: بَعْدَمَا قَلَبَهَا أَمْطَرَ عَلَيْهَا، {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [هود: 82] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (سنك وكل) (¬1) . فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ: الطِّينُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذَّارِيَاتُ: 33] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَوَّلُهَا حَجَرٌ وَآخِرُهَا طِينٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ، وَقِيلَ: السِّجِّيلُ اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: هُوَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النُّورِ: 43] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْضُودٍ} [هود: 82] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُتَتَابِعٌ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَفْعُولٌ مِنَ النَّضْدِ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ بَعْضِهُ فَوْقَ بَعْضٍ. [83] {مُسَوَّمَةً} [هود: 83] مِنْ نَعْتِ الْحِجَارَةِ وَهِيَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَمَعْنَاهَا مُعَلَّمَةٌ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَلَيْهَا سِيَمَا لَا تشاكل كل حجارة الأرض، وقال ¬

(¬1) هكذا في الأصل وفي طبعة 1343 هـ وطبعة 1459 هـ ومعناه: حجارة وطين، انظر الطبري 30 / 229.

قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: عَلَيْهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلَى هَيْئَةِ الْجَزْعِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: كَانَتْ مَخْتُومَةً عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ، وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ. {عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ} [هود: 83] يَعْنِي: تِلْكَ الْحِجَارَةَ، {مِنَ الظَّالِمِينَ} [هود: 83] أَيْ: مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، {بِبَعِيدٍ} [هود: 83] وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللَّهِ مَا أَجَارَ الله منهما ظَالِمًا بَعْدُ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: "مَا مِنْ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ بِعُرْضِ حَجَرٍ يُسْقَطُ عَلَيْهِ مِنْ ساعة إلى ساعة". [84] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِلَى مَدْيَنَ} [هود: 84] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى وَلَدِ مَدْيَنَ، {أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود: 84] أَيْ لَا تَبْخَسُوا، وَهُمْ كَانُوا يُطَفِّفُونَ مَعَ شِرْكِهِمْ، {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُوسِرِينَ فِي نِعْمَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي خِصْبٍ وَسَعَةٍ، فَحَذَّرَهُمْ زَوَالَ النِّعْمَةِ وَغَلَاءَ السِّعْرِ وَحُلُولَ النِّقْمَةِ، إِنْ لَمْ يتوبوا. {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84] يُحِيطُ بِكُمْ فَيُهْلِكُكُمْ. [85] {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود: 85] أتموهما، {بِالْقِسْطِ} [هود: 85] بِالْعَدْلِ، وَقِيلَ: بِتَقْوِيمِ لِسَانِ الْمِيزَانِ، {وَلَا تَبْخَسُوا} [هود: 85] لَا تَنْقُصُوا؛ {النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85] [86] {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [هود: 86] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي مَا أَبْقَى اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْحَلَالِ بَعْدَ إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ خَيْرٌ مِمَّا تَأْخُذُونَهُ بالتطفيف، وقال مجاهد: بقيت اللَّهِ أَيْ: طَاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لكم إن كنتم مؤمنين أن مَا عِنْدَكُمْ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَعَطَائِهِ. {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] بِوَكِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ. [87] {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود: 87] مِنَ الْأَوْثَانِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، لِذَلِكَ قَالُوا هَذَا، وَقَالَ الْأَعْمَشُ: يَعْنِي أَقِرَاءَتُكَ. {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87] أو أن نترك أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نشاء من الزيادة والنقصان. {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَرَادُوا السَّفِيهَ الْغَاوِيَ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ فَتَقُولُ: لِلَّدِيغِ سليم وللفلاة مفازة، وقيل: قالوه عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ بِزَعْمِكَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الصِّحَّةِ أَيْ: إِنَّكَ يَا شُعَيْبُ فِيْنَا حَلِيمٌ رَشِيدٌ لَا يَجْمُلُ بِكَ شَقُّ عَصَا قَوْمِكَ ومخالفة دينهم، وهذا كَمَا قَالَ قَوْمُ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هُودٍ: 62] [88] {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ} [هود: 88] بَصِيرَةٍ وَبَيَانٍ، {مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} [هود: 88] حَلَالًا، وَقِيلَ: كَثِيرًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، وَقِيلَ: الرِّزْقُ الْحَسَنُ: الْعِلْمُ

قوله تعالى ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم

وَالْمَعْرِفَةُ. {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] أَيْ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَرْتَكِبُهُ. {إِنْ أُرِيدُ} [هود: 88] مَا أُرِيدُ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ، {إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88] وَالتَّوْفِيقُ: تَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [هود: 88] اعتمدت، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] أرجع في ما ينزل بي من النوائب. [قوله تعالى وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ] مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ. . . . [89] {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ} [هود: 89] لا يحملنكم، {شِقَاقِي} [هود: 89] خلافي {أَنْ يُصِيبَكُمْ} [هود: 89] أَيْ: عَلَى فِعْلِ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، {مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} [هود: 89] مِنَ الْغَرَقِ، {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} [هُودٍ: 89] مِنَ الرِّيحِ، {أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} [هود: 89] مِنَ الصَّيْحَةِ، {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا دَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا جِيرَانَ قَوْمِ لُوطٍ. [90] {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] والودود له معنيان، أحدهما: أَنَّهُ مُحِبٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ بمعنى الودود أي محبوب للمؤمنين، وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ: إِنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ خَطِيبَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. [91] {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} [هود: 91] مَا نَفْهَمُ، {كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ} [هود: 91] عَشِيرَتُكَ وَكَانَ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قومه، {لَرَجَمْنَاكَ} [هود: 91] لَقَتَلْنَاكَ، وَالرَّجْمُ: أَقْبَحُ الْقَتْلِ. {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا} [هود: 91] عندنا، {بِعَزِيزٍ} [هود: 91] [92] {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} [هود: 92] أم كان رَهْطِي أَهْيَبُ عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ، أَيْ: إِنْ تَرَكْتُمْ قَتْلِي لِمَكَانِ رَهْطِي فَالْأَوْلَى أَنْ تَحْفَظُونِي فِي الله. {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} [هود: 92] أَيْ: نَبَذْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَتَرَكْتُمُوهُ، {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود: 92] [93] {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} [هود: 93] أَيْ: عَلَى تُؤَدَتِكُمْ وَتَمَكُّنِكُمْ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَعْمَلُ عَلَى مَكَانَتِهِ إِذَا عَمِلَ عَلَى تُؤَدَةٍ وَتَمَكُّنٍ. {إِنِّي عَامِلٌ} [هود: 93] على تمكني، {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: 93] أَيَّنَا الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ وَالْمُخْطِئُ فِي فِعْلِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} [هود: 93] قِيلَ: (مَنْ) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، أَيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الْكَاذِبَ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ يَعْلَمُ كَذِبَهُ وَيَذُوقُ وَبَالَ أمره، {وَارْتَقِبُوا} [هود: 93] وَانْتَظِرُوا الْعَذَابَ {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 93] مُنْتَظِرٌ. [94] {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 94] قِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَقِيلَ: أَتَتْهُمُ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُمْ. {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94] ميتين. [95] {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا} [هود: 95] أَيْ: كَأَنْ لَمْ يُقِيمُوا وَلَمْ يكونوا {فِيهَا أَلَا بُعْدًا} [هود: 95] هلاكا، {لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ} [هود: 95] هلكت {ثَمُودُ} [هود: 95]

قوله تعالى ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها

[96] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [هود: 96] حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ. [97] {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] بسديد. [98] {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} [هود: 98] يتقدمهم {يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ} [هود: 98] فَأَدْخَلَهُمْ {النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98] آي: بئس المدخل، والمدخول فيه. [99] {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ} [هود: 99] أَيْ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، {لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 99] أَيِ: الْعَوْنُ الْمُعَانُ، وَقِيلَ: الْعَطَاءُ الْمُعْطَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَتَانِ، لَعْنَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَلَعْنَةٌ في الآخرة. [قَوْلُهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا] قَائِمٌ وَحَصِيدٌ. . . . [100] {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ} [هود: 100] عامر، {وَحَصِيدٌ} [هود: 100] خَرَابٌ، وَقِيلَ: مِنْهَا قَائِمٌ بَقِيَتِ الحيطان وسقطت السقوف، وحصيد انْمَحَى أَثَرُهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَائِمٌ يُرَى لَهُ أَثَرٌ، وَحَصِيدٌ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ، وَحَصِيدٌ بِمَعْنَى محصود. [101] {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} [هود: 101] بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ، {وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [هود: 101] بِالْكَفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ. {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 101] عَذَابُ رَبِّكَ، {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] أَيْ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَقِيلَ: تَدْمِيرٌ. [102] {وَكَذَلِكَ} [هود: 102] وَهَكَذَا، {أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102] » الْآيَةَ (¬1) . [103] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [هود: 103] لِعِبْرَةً، {لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} [هود: 103] يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 103] أَيْ: يَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. [104] {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} [هود: 104] أَيْ: وَمَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا نُقِيمُ عَلَيْكُمُ الْقِيَامَةَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ، وَمَا يُؤَخِّرُهُ بِالْيَاءِ، {إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} [هود: 104] مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ. [105] {يَوْمَ يَأْتِ} [هود: 105] بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، {لَا تَكَلَّمُ} [هود: 105] أَيْ: لَا تَتَكَلَّمُ {نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] أَيْ: فَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السعادة. [106] قَوْلُهُ: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود: 106] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ أَوَّلُ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ: آخِرُهُ إِذَا رَدَّدَهُ فِي جَوْفِهِ، وقال ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 354 ومسلم في البر والصلة رقم (2583) 4 / 1997 والمصنف في شرح السنة 14 / 358.

قوله تعالى فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء. .

أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ، وَالشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ. [107] {خَالِدِينَ فِيهَا} [هود: 107] لَابِثِينَ مُقِيمِينَ فِيهَا، {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 107] قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا دَامَتْ سَمَوَاتُ الجنة والنار وأرضها، وَكُلُّ مَا عَلَاكَ وَأَظَلَّكَ فَهُوَ سَمَاءٌ، وَكُلُّ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَدَمُكَ فَهُوَ أَرْضٌ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّأْبِيدِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: لَا آتيك ما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَلَا يَكُونُ كَذَا مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، يَعْنُونَ أَبَدًا قوله: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هُودٍ: 107] اختلفوا في هذين الاستثنائين، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَهْلِ الشَّقَاءِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ النَّارَ بِذُنُوبٍ اقْتَرَفُوهَا، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ سُعَدَاءَ، اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الأشقياء، وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِي النَّارِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ تَعْمِيرِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَاحْتِبَاسِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ، قَبْلَ مَصِيرِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ يَعْنِي هُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إلا هذا المقدار، وقيل: معنى إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ: سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ، مَعْنَاهُ: خَالِدِينَ فيها ما دامت السموات والأرض سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مُدَّةِ بَقَاءِ السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ هُوَ الْخُلُودُ فِيهَا، كَمَا تَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلِيَّ أَلْفٌ إِلَّا الْأَلْفَيْنِ، أَيْ: سِوَى الْأَلْفَيْنِ اللَّتَيْنِ تَقَدَّمَتَا، وَقِيلَ: إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ. وَقَدْ شَاءَ رَبُّكَ خُلُودَ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ، وَهَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، كَقَوْلِهِ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظلموا، أَيْ: وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأَخْرَجَهُمْ منها، ولكنه لا يشاء؛ لأنه حكم لهم بالخلود، وقال الفراء: هذا استثناء اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ وَلَا يَفْعَلُهُ، كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ وَعَزِيمَتُكَ أَنْ تَضْرِبَهُ. {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] [108] {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} [هود: 108] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (سُعِدُوا) بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ: رزقوا السعادة، وسعدوا: أسعد بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ السين قياسا على {شَقُوا} [هود: 106] {فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108] قَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَّا مَا مَكَثُوا فِي النَّارِ حَتَّى أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ قَتَادَةُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِثُنْيَاهُ. {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالَّذِي يَشَاءُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] لم يُخْبِرْنَا بِالَّذِي يَشَاءُ لِأَهْلِ النَّارِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ. .] . . . [109] {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ} [هود: 109] فِي شَكٍّ، {مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} [هود: 109] ؛ أَنَّهُمْ ضُلَّالٌ، {مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ} [هود: 109] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: كَمَا كَانَ يَعْبُدُ، {آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [هود: 109] هو حَظَّهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ. {غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109] [110] {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [هود: 110] التوراة، {فَاخْتُلِفَ فِيهِ} [هود: 110] فَمِنْ مُصَدِّقٍ بِهِ وَمُكَذِّبٍ كَمَا فَعَلَ قَوْمُكَ بِالْقُرْآنِ، يُعَزِّي نَبِيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} [هود: 110] فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [هود: 110] أَيْ: لَعُذِّبُوا فِي الْحَالِ وَفُرِغَ مِنْ عَذَابِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ، {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] مُوقِعٍ فِي الرِّيبَةِ وَالتُّهْمَةِ. [111] {وَإِنَّ كُلًّا} [هود: 111] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ: (وَإِنْ كُلًّا) ، سَاكِنَةَ النُّونِ عَلَى تَخْفِيفِ إِنَّ الثَّقِيلَةِ، وَالْبَاقُونَ بتشديدها، {لَمَّا} [هود: 111] شَدَّدَهَا هُنَا وَفِي يس وَالطَّارِقِ، ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَافَقَ أبو جعفر ههنا، وَفِي الطَّارِقِ وَفِي الزُّخْرُفِ، بِالتَّشْدِيدِ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَنْ شَدَّدَ قَالَ: الْأَصْلُ فِيهِ (وَإِنَّ كُلًّا) لَمِنْ مَا، فَوُصِّلَتْ مِنَ الْجَارَّةُ بِمَا، فَانْقَلَبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإِدْغَامِ، فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُنَّ، فَبَقِيَتْ

لما بالتشديد، و (ما) ههنا بِمَعْنَى مَنْ هُوَ اسْمٌ لِجَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النِّسَاءِ: 3] أَيْ: مَنْ طَابَ لَكُمْ، وَالْمَعْنَى: وَإِنَّ كُلًّا لَمِنْ جَمَاعَةٍ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: (مَا) صِلَةٌ زِيدَتْ بَيْنَ اللَّامَيْنِ لِيُفْصَلَ بَيْنَهُمَا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَالْمَعْنَى: وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَقِيلَ (مَا) بِمَعْنَى من، تقدير: لَمِنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَاللَّامُ فِي (لَمَّا) لَامُ التَّأْكِيدِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى خَبَرِ إِنَّ، وَفِي لَيُوَفِّيَنَّهُمْ لَامُ الْقَسَمِ، وَالْقَسَمُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وَاللَّهِ، {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 111] أَيْ: جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ، {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود: 111] [112] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] أَيِ: اسْتَقِمْ عَلَى دِينِ رَبِّكَ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ كَمَا أمرت، {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] أي: من آمَنَ مَعَكَ فَلْيَسْتَقِيمُوا، قَالَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِقَامَةُ أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَا تَرُوغَ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ، وعن سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ استقم» (¬1) . {وَلَا تَطْغَوْا} [هود: 112] لَا تُجَاوِزُوا أَمْرِي وَلَا تَعْصُونِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَلَا تَغْلُوا فَتَزِيدُوا عَلَى مَا أَمَرْتُ وَنَهَيْتُ. {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112] لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْءٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: «شيبتني هود وأخواتها» (¬2) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يسر ولن يشاد هذا الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدَّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (¬3) . [113] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود: 113] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَلَا تَمِيلُوا، وَالرُّكُونُ: هُوَ الْمَحَبَّةُ وَالْمَيْلُ بِالْقَلْبِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا تَرْضَوْا بِأَعْمَالِهِمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: لَا تُدَاهِنُوا الظَّلَمَةَ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَا تُطِيعُوهُمْ، وَقِيلَ: لَا تَسْكُنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. {فَتَمَسَّكُمُ} [هود: 113] فَتُصِيبَكُمُ، {النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [هود: 113] أَيْ: أَعْوَانٍ يَمْنَعُونَكُمْ مِنْ عَذَابِهِ، {ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] [114] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هود: 114] أي: الغداة والعشي، قَالَ مُجَاهِدٌ: طَرَفَا النَّهَارِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالظَّهْرِ وَالْعَصْرِ. {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالظَّهْرِ طَرَفٌ، وَصَلَاةُ العصر ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (38) 1 / 65 والمصنف في شرح السنة 1 / 31. (¬2) قال في كشف الخفاء ج 2 / 20 رواه ابن مردويه في تفسيره. (¬3) (3) الدلجة: هو السير بالليل، والحديث أخرجه البخاري في الايمان 1 / 93 والمصنف في شرح السنة 4 / 49، 50.

قوله تعالى فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه

وَالْمَغْرِبِ طَرَفٌ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: طَرَفَا النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: طَرَفَا النَّهَارِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، قَوْلُهُ: {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] أي ساعته، وَاحِدَتُهَا: زُلْفَةٌ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ زُلُفًا بِضَمِّ اللَّامِ. {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] يَعْنِي إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ يُذْهِبْنَ الخطيئات، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] » قال أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» (¬1) . {ذَلِكَ} [هود: 114] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقُرْآنِ، {ذِكْرَى} [هود: 114] عظة {لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] أي لمن ذكره. [115] {وَاصْبِرْ} [هود: 115] يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَلْقَى مِنَ الْأَذَى، وَقِيلَ: عَلَى الصَّلَاةِ، نظيره {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115] في أعمالهم، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: يعني: المصلين. [116] قوله عز وجل: {فَلَوْلَا} [هود: 116] فهلا، {كَانَ مِنَ الْقُرُونِ} [هود: 116] التي أهلكناهم، {مِنْ قَبْلِكُمْ} [هود: 116] الآية للتوبيخ {أُولُو بَقِيَّةٍ} [هود: 116] أي أولوا تمييز، وقيل أولوا طاعة، وقيل أولوا خَيْرٍ، يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو بَقِيَّةٍ إِذَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ، مَعْنَاهُ فَهَلَّا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ مَنْ فِيهِ خَيْرٌ يَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؟ وَقِيلَ: معناه أولوا بَقِيَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، يُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا كَانَ عَلَى خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ. {يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ} [هود: 116] أَيْ يَقُومُونَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْفَسَادِ، ومعناه جحدا، أي: لم يكن فيهم أولوا بقية. {إِلَّا قَلِيلًا} [هود: 116] هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنَّ قليلا، {مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116] وَهُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا} [هود: 116] نعموا، {فِيهِ} [هود: 116] وَالْمُتْرَفُ: الْمُنَعَّمُ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: خُوِّلُوا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: عُوِّدُوا مِنَ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا أَيْ: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا عُوِّدُوا مِنَ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] كَافِرِينَ. [117] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} [هود: 117] أَيْ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِشِرْكِهِمْ، {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] فِيمَا بَيْنَهُمْ يَتَعَاطَوْنَ الْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ إِذَا تَظَالَمُوا، وَقِيلَ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِظُلْمٍ مِنْهُ وَهُمْ مُصْلِحُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنْ يُهْلِكُهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَرُكُوبِهِمُ السيئات. [قوله تعالى فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ] فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ. . . . [118] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ} [هود: 118] كلهم. {أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118] عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى مِنْ بَيْنِ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَمُشْرِكٍ. [119] {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] مَعْنَاهُ: لَكِنَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فَهَدَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ، فَهُمْ لَا يختلفون، {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119] قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: وَلِلِاخْتِلَافِ خَلْقَهُمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أختاره فقول مَنْ قَالَ: خَلَقَ فَرِيقًا لِرَحْمَتِهِ وَفَرِيقًا لِعَذَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ رَحِمَهُمْ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ، وَأَهْلَ الاختلاف للاختلاف، ومحصول الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ مُخْتَلِفُونَ وَأَهْلَ الْحَقِّ مُتَّفِقُونَ فَخَلَقَ اللَّهُ أهل ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الطهارة رقم (233) 1 / 209 والمصنف في شرح السنة 2 / 177.

سورة يوسف

الْحَقِّ لِلِاتِّفَاقِ، وَأَهْلَ الْبَاطِلِ لِلِاخْتِلَافِ. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} [هود: 119] وَتَمَّ حُكْمُ رَبِّكَ، {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هُودٍ: 119] [120] {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] مَعْنَاهُ: وَكُلُّ الَّذِي تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ، أَيْ: مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَخْبَارِ أُمَمِهِمْ نَقُصُّهَا عَلَيْكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، لِنَزِيدَكَ يَقِينًا وَنُقَوِّيَ قَلْبَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَهَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لقلبه على الصبر لأذى قَوْمِهِ. {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ} [هود: 120] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، خَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَشْرِيفًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَهُ الْحَقُّ فِي جَمِيعِ السور. {وَمَوْعِظَةٌ} [هود: 120] أَيْ: وَجَاءَتْكَ مَوْعِظَةٌ، {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] [121] {وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} [هود: 121] أَمْرُ تَهْدِيدٍ وَوَعِيدٍ، {إِنَّا عَامِلُونَ} [هود: 121] [122] {وَانْتَظِرُوا} [هود: 122] مَا يَحِلُّ بِنَا مِنْ رَحْمَةِ الله، {إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [هود: 122] مَا يَحِلُّ بِكُمْ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ. [123] {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [هود: 123] أي: مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ فِيهِمَا، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود: 123] فِي الْمَعَادِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ يُرْجَعُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ: أَيْ: يُرَدُّ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ يَعُودُ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْخَلْقِ أَمْرٌ. {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] وَثِقْ بِهِ، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَحَفْصٌ ويعقوب: (تعملون) بالتاء ههنا وَفِي آخِرِ سُورَةِ النَّمْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، قَالَ كَعْبٌ: خَاتِمَةُ التَّوْرَاةِ خَاتِمَةُ سُورَةِ هُودٍ. [سورة يُوسُفُ] [قوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. . . .] (12) سُورَةِ يُوسُف سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السلام مَكِّيَّةٌ وَهِيَ مِائَةٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ آية. [1] {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [يوسف: 1] أَيِ: الْبَيِّنُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَحُدُودُهُ وَأَحْكَامُهُ، قَالَ قَتَادَةُ: مُبِينٌ وَاللَّهِ بَرَكَتُهُ وَهُدَاهُ وَرُشْدُهُ، فَهَذَا مِنْ بَانَ أَيْ: ظَهَرَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مُبَيِّنٌ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْحَلَّالَ مِنَ الْحَرَامِ، فَهَذَا مِنْ أَبَانَ بمعنى أظهر. [2] {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} [يوسف: 2] يَعْنِي الْكِتَابَ، {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ. [3] {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} [يوسف: 3] أي نقرأ، {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 3] وَالْقَاصُّ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ الْآثَارَ، وَيَأْتِي بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ، مَعْنَاهُ: نُبَيِّنُ لَكَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ أَحْسَنَ الْبَيَانِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاصَّةً، سَمَّاهَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالنُّكَتِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ

قوله تعالى قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك

وَالْمَمَالِيكِ وَالْعُلَمَاءِ وَمَكْرِ النِّسَاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْأَعْدَاءِ، وَحُسْنِ التَّجَاوُزِ عَنْهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ من الفوائد. {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [يوسف: 3] (مَا) الْمَصْدَرُ، أَيْ: بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ، {هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ} [يوسف: 3] وقد كنت، {مِنْ قَبْلِهِ} [يوسف: 3] أي: من قبل وحينا، {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] لَمِنَ السَّاهِينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ لا تعلمها. [4] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ} [يوسف: 4] أي: اذكر إذا قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ، وَيُوسُفُ: اسْمٌ عبري، ولذلك لا يجري عليه الصرف، وَقِيلَ هُوَ عَرَبِيٌّ، سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْطَعُ عَنْ يُوسُفَ؟ فَقَالَ: الْأَسَفُ فِي اللُّغَةِ: الْحُزْنُ، وَالْأَسِيفُ: الْعَبْدُ، وَاجْتَمَعَا فِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السلام فسمي به. {يا أَبَتِ} [يوسف: 4] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ (يَا أَبَتَ) ، بِفَتْحِ التَّاءِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ: يَا أبتاه، والوجه أن أصله يا أبتا بالألف، وهي بدل عن ياء الإضافة، فحذفت الألف كما تحذف التاء فبقيت الفتحة تدل على الألف كما تبقى الكسرة تدل على الياء عند حذف الياء، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَا أَبَتِ) بِكَسْرِ التاء في كل القرآن، والوجه أن أصله (¬1) يا أبتي، فحذفت الياء تخفيفا واكتفاء بالكسرة؛ لأن باب النداء حذف يدل على ذلك قوله: {يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} [يوسف: 4] أَيْ: نَجْمًا مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ وَنَصْبُ الْكَوَاكِبِ عَلَى التَّفْسِيرِ، {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] ولم يقل رأيتها إلي ساجدات، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ مِنْ كِنَايَاتِ مَنْ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهَا بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْهَا بِكِنَايَةِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النَّمْلِ: 18] وَكَانَ النُّجُومُ في التأويل أخواته، كانوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا يُسْتَضَاءُ بِهِمْ كَمَا يُسْتَضَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالشَّمْسُ أَبُوهُ والقمر أمه، وَكَانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ: رَآهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلَمَّا قَصَّهَا على أبيه: [قوله تعالى قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ] فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا. . . . . [5] {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف: 5] وَذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَحْيٌ فَعَلِمَ يَعْقُوبُ أَنَّ إخوته إِذَا سَمِعُوهَا حَسَدُوهُ فَأَمَرَهُ بِالْكِتْمَانِ، {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] فيحتالوا في إهلاكك؛ لأنهم لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا فَيَحْسُدُونَكَ وَاللَّامُ فِي قوله {لَكَ} [يوسف: 5] صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الْأَعْرَافِ: 154] وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ نَصَحْتُكَ وَنَصَحْتُ لَكَ وَشَكَرْتُكَ وَشَكَرْتُ لَكَ. {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] أَيْ: يُزَيِّنُّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَيَحْمِلُهُمْ على الكيد لعداوته القديمة. [6] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} [يوسف: 6] يصطفيك بقوله يعقوب ليوسف عليهما السلام، أَيْ: كَمَا رَفَعَ مَنْزِلَتَكَ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا، فَكَذَلِكَ يَصْطَفِيكَ رَبُّكَ، {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 6] يُرِيدُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، سُمِّيَ تَأْوِيلًا؛ لأنه يؤول أَمْرُهُ إِلَى مَا رَأَى فِي منامه، والتأويل ما يؤول إليه عَاقِبَةِ الْأَمْرِ، {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف: 6] يَعْنِي: بِالنُّبُوَّةِ، {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} [يوسف: 6] أَيْ: عَلَى أَوْلَادِهِ، فَإِنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ، {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} [يوسف: 6] فَجَعَلَهُمَا نَبِيَّيْنَ، {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 6] وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلَّةُ، وَقِيلَ: إِنْجَاؤُهُ مِنَ الذَّبْحِ، وَقِيلَ: بِإِخْرَاجِ يَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ مِنْ صُلْبِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ هَذِهِ وَبَيْنَ تَحْقِيقِهَا بِمَصِيرِ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ سَنَةً، فَلَمَّا بَلَغَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا إِخْوَةَ يُوسُفَ حَسَدُوهُ وَقَالُوا: مَا رَضِيَ أَنْ تسجد لَهُ إِخْوَتُهُ حَتَّى يَسْجُدَ لَهُ أبواه فبغوه وحسدوه. [7] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} [يوسف: 7] أَيْ: فِي خَبَرِهِ وَخَبَرِ إِخْوَتِهِ {آيَاتٌ} [يوسف: 7] ¬

(¬1) في ط دار طيبة: (لِأَنَّ أَصْلَهُ: يَا أَبَتْ، وَالْجَزْمُ يحرك إلى كسر) .

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (آيَةٌ) عَلَى التَّوْحِيدِ أَيْ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَقِيلَ: عَجَبٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (آيَاتٌ) عَلَى الجمع. {لِلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: سَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ انْتِقَالِ وَلَدِ يَعْقُوبَ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ، فَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةَ يُوسُفَ جميعها، فَوَجَدُوهَا مُوَافِقَةً لِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَتَعَجَّبُوا مِنْهَا، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7] أَيْ: دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ وَلِمَنْ لَمْ يَسْأَلْ، كَقَوْلِهِ: {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فُصِّلَتْ: 10] [فُصِّلَتْ: 10] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَإِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى حَسَدِ إِخْوَةِ يُوسُفَ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي الْحَسَدِ وَتَشْتَمِلُ عَلَى رُؤْيَاهُ، وَمَا حَقَّقَ اللَّهُ مِنْهَا، وَتَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَعَلَى الرِّقِّ وعلى اللبث في السِّجْنِ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الْمُلْكِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى حُزْنِ يعقوب وصبره على فراق يوسف، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمُرَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. [8] {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ} [يوسف: 8] اللَّامُ فِيهِ جَوَابُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: والله ليوسف، {وَأَخُوهُ} [يوسف: 8] بِنْيَامِينُ، {أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} [يوسف: 8] كَانَ يُوسُفُ وَأَخُوهُ بِنْيَامِينُ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَكَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَدِيدَ الْحُبِّ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السلام، وكان إخوته يرون منه مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ مَا لَا يَرَوْنَهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا هَذِهِ المقالة، {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8] أي: جماعة وكانوا عشرة، وقال الْفَرَّاءُ: الْعُصْبَةُ هِيَ الْعَشَرَةُ فَمَا زَادَ، وَقِيلَ: الْعُصْبَةُ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: جَمَاعَةٌ يَتَعَصَّبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا كَالنَّفَرِ وَالرَّهْطِ. {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 8] أي خطأ بين أمر إِيثَارِهِ يُوسُفَ وَأَخَاهُ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ المراد من هذا الضلال، الضَّلَالِ عَنِ الدِّينِ وَلَوْ أَرَادُوهُ لَكَفَرُوا بِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْخَطَأُ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِ الدُّنْيَا يقولون نحن أنفع فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَإِصْلَاحِ أَمْرِ معاشه ورعي مواشيه من يوسف، فَنَحْنُ أَوْلَى بِالْمَحَبَّةِ مِنْهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي صَرْفِ مَحَبَّتِهِ إِلَيْهِ. [9] {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} [يوسف: 9] أي: إلى أرض تبعد عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: فِي أَرْضٍ تأكله السباع، {يَخْلُ لَكُمْ} [يوسف: 9] يَخْلُصْ لَكُمْ، وَيَصْفُ لَكُمْ {وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9] عَنْ شَغْلِهِ بِيُوسُفَ، {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ} [يوسف: 9] مِنْ بَعْدِ قَتْلِ يُوسُفَ، {قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] تَائِبِينَ أَيْ: تُوبُوا بَعْدَمَا فَعَلْتُمْ هَذَا يَعْفُ اللَّهُ عَنْكُمْ، وَقَالَ مقاتل: صالحين يَصْلُحْ أَمْرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَبِيكُمْ. [10] {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ} [يوسف: 10] نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ وَقَالَ: الْقَتْلُ كبيرة عظيمة. {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} [يوسف: 10]

أَيْ: فِي أَسْفَلِ الْجُبِّ وَظُلْمَتِهِ، وَالْغَيَابَةُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سَتَرَ عَنْكَ الشَّيْءَ وَغَيَّبَهُ، وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ جُبَّ، أَيْ: قُطِعَ ولم يطو {يَلْتَقِطْهُ} [يوسف: 10] يَأْخُذْهُ، وَالِالْتِقَاطُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ حيث لا يحتسبه الإنسان، {بَعْضُ السَّيَّارَةِ} [يوسف: 10] أَيْ: بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَتَسْتَرِيحُوا مِنْهُ، {إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10] أَيْ: إِنْ عَزَمْتُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ، قال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اشْتَمَلَ فِعْلُهُمْ على جرائم من قطيعة الرَّحِمِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَقِلَّةِ الرَّأْفَةِ بِالصَّغِيرِ الَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالْغَدْرِ بِالْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْعَهْدِ وَالْكَذِبِ مَعَ أَبِيهِمْ، وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذلك كله حتى لا ييأس أَحَدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقَالَ بعض أهل العلم: إنهما عَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ وَعَصَمَهُمُ اللَّهُ رحمة لهم، ولو فعلوا لهلكوا أجمعون، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَسُئِلَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَيْفَ قَالُوا (نلعب) وَهُمْ أَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَبَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبين والده بضروب من الحيل: [11] {قَالُوا} [البقرة: 11] لِيَعْقُوبَ، {يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 11] قال جعفر: (تأمنا) بإشمام، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ نَافِعٍ؟ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: (تَأْمَنَّا) بِإِشْمَامِ الضَّمَّةِ فِي النُّونِ الْأُولَى الْمُدْغَمَةِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إلى الضمة غَيْرِ إِمْحَاضٍ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَصْلَهُ لَا تَأْمَنُنَا بِنُونَيْنِ عَلَى تَفْعَلُنَا، فَأُدْغِمَتِ النُّونُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، بدؤوا بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ إِرْسَالِهِ مَعَهُمْ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّكَ لَا تُرْسِلُهُ مَعَنَا أَتَخَافُنَا عَلَيْهِ؟ {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11] قَالَ مُقَاتِلٌ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَبِيهِمْ: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا} [يوسف: 12] فَقَالَ أَبُوهُمْ: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تذهبوا به، فحينئذ قَالُوا: {يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11] النصح ههنا هُوَ الْقِيَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ: الْبِرُّ والعطف، إِنَّا عَاطِفُونَ عَلَيْهِ قَائِمُونَ بِمَصْلَحَتِهِ نَحْفَظُهُ حَتَّى نَرُدَّهُ إِلَيْكَ. [12] {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا} [يوسف: 12] إلى الصحراء، {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف: 12] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ بالنون فيهما وجزم العين في (نرتع) ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (نَرْتَعْ) بِالنُّونِ، (وَيَلْعَبْ) بالياء، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا وجزم العين في (يرتع) يعني يوسف، وقرأ الآخرون (نَرْتَعْ) بِالنُّونِ (وَيَلْعَبْ) بِالْيَاءِ، وَالرَّتْعُ هُوَ الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ؛ يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو وَنَنْشَطُ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ: (يَرْتَعْ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنَ الرَّعْيِ، ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَ بِالنُّونِ فِيهِمَا أَيْ: نَتَحَارَسُ وَيَحْفَظُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ، أَيْ: يَرْعَى الْمَاشِيَةَ كَمَا نَرْعَى نَحْنُ. {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 12] [13] {قَالَ} [يوسف: 13] لَهُمْ يَعْقُوبُ، {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} [يوسف: 13] أَيْ. يُحْزِنُنِي ذَهَابُكُمْ بِهِ، وَالْحُزْنُ ههنا: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ الْمَحْبُوبِ، {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13] وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ مِنْ ذلك، فمن ثم قال: أخاف أن يأكله الذئب، قرأ ابن كثير إسماعيل وقالون عن نافع وعاصم وابن عامر: (الذئب) بالهمزة، وكذلك أبو عمرو إذا لم يدرج، وحمزة إذا لم يقف، وقرأ الكسائي وورش عن نافع، وأبو عمرو وفي الدرج، وحمزة في الوقف، (الذيب) بترك الهمزة في الهمز، أنه هو الأصل؛ لأنه من قولهم: تذابت الريح إذا جاءت من كل وجه، ويجمع الذئب أذؤبا وذئابا بالهمزة، والوجه في ترك الهمز أن الهمزة خففت فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. [14] {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 14] عشرة، {إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} [يوسف: 14] عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ. [15] {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا} [يوسف: 15] أي: عزموا، {أَنْ يَجْعَلُوهُ} [يوسف: 15] يلقوه، {فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} [يوسف: 15]

قوله تعالى وجاءوا أباهم عشاء يبكون. . . .

هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ - وَنَادَيْنَاهُ} [الصَّافَّاتِ: 103 - 104] أَيْ: نَادَيْنَاهُ، {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: 15] أي: أَوْحَيْنَا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَتُصَدَّقَنَّ رُؤْيَاكَ وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، بِوَحْيِ الله وإعلامه إياه ذلك، قال مُجَاهِدٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ يُوسُفُ، وَذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وهم منكرون، والأكثرون عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُؤْنِسُهُ، وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: ثم إنهم ذبحوا أسخلة، وَجَعَلُوا دَمَهَا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ علية السلام. [قوله تعالى وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ. . . .] [16] {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16] قال أهل المعاني: جاؤوا فِي ظُلْمَةِ الْعِشَاءِ لِيَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِالْكَذِبِ، وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ صِيَاحَهُمْ وَعَوِيلَهُمْ فَخَرَجَ وَقَالَ: مَا لَكُمْ يَا بَنِيَّ هَلْ أَصَابَكُمْ فِي غَنَمِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَمَا أَصَابَكُمْ وَأَيْنَ يُوسُفُ؟؟ [17] {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} [يوسف: 17] أي: نترامى وننتضل، قال السُّدِّيُّ: نَشْتَدُّ عَلَى أَقْدَامِنَا. {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} [يوسف: 17] أَيْ: عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا. {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] بمصدق لنا {وَلَوْ كُنَّا} [يوسف: 17] وإن كنا {صَادِقِينَ} [هود: 13] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لِيَعْقُوبَ أَنْتَ لَا تُصَدِّقُ الصَّادِقَ؟ قِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الأمر؛ لأنك خفتنا عليه فِي الِابْتِدَاءِ، وَاتَّهَمْتَنَا فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا؛ لِأَنَّهُ لا دليل عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللَّهِ. [18] {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18] أي: بدم كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَمَ يُوسُفَ، وَقِيلَ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَوَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْقَمِيصَ بِالدَّمِ وَلَمْ يَشُقُّوهُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ فَاتَّهَمَهُمْ، {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} [يوسف: 18] زَيَّنَتْ، {لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] مَعْنَاهُ: فَأَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أَوْ فِعْلِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وَقِيلَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أَخْتَارُهُ، وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لا شكوى فيه ولا جرع. {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] أَيْ: أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى الصَّبْرِ، على ما تكذبون. [19] {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} [يوسف: 19] وَهُمُ الْقَوْمُ الْمُسَافِرُونَ سُمُّوا سَيَّارَةً؛ لِأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ كَانَتْ رُفْقَةً مِنْ مَدْيَنَ تُرِيدُ مِصْرَ، فأخطأوا الطَّرِيقَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْجُبِّ، وَكَانَ الْجُبُّ فِي قَفْرٍ بَعِيدٍ مِنَ الْعُمْرَانِ لِلرُّعَاةِ وَالْمَارَّةِ، وَكَانَ مَاؤُهُ مَالِحًا فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا أَرْسَلُوا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ، لِطَلَبِ الْمَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل. {فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} [يوسف: 19] وَالْوَارِدُ: الَّذِي يَتَقَدَّمُ الرُّفْقَةَ إِلَى الْمَاءِ فَيُهَيِّئُ الْأَرْشِيَةَ وَالدِّلَاءَ {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: 19] أَيْ: أَرْسَلَهَا فِي الْبِئْرِ، يُقَالُ: أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْبِئْرِ، وَدَلَوْتُهَا إِذَا أَخْرَجْتَهَا، فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالْحَبْلِ فَلَمَّا خَرَجَ إِذَا هُوَ بِغُلَامٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ {قَالَ يا بُشْرَى} [يوسف: 19] قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ هَكَذَا بِالْأَلْفِ وَفَتْحِ الياء، والوجه: أن بشراي مضافة إلى ياء المتكلم وهو منادى مضاف فموضعه نصب، وقرأ الكوفيون: (يا بشرى) بغير ياء الإضافة على فعل، وأمال الراء حمزة والكسائي وفتحها عاصم وقيل: بَشَّرَ الْمُسْتَقِي أَصْحَابَهُ يَقُولُ. أَبْشِرُوا، {هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ} [يوسف: 19] أي أخفوه، {بِضَاعَةً} [يوسف: 19] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَسَرَّهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ وَأَصْحَابُهُ مِنَ التُّجَّارِ الَّذِينَ معهم، وقالوا هذا بِضَاعَةٌ اسْتَبْضَعَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَاءِ إِلَى مِصْرَ خِيفَةَ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ فِيهِ الْمُشَارَكَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ أَسَرُّوا شَأْنَ يُوسُفَ، وَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ لَنَا أبق منا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف: 19]

فَأَتَى يَهُوذَا يُوسُفَ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي الْبِئْرِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ إِخْوَتَهُ فَطَلَبُوهُ فَإِذَا هُمْ بِمَالِكٍ وأصحابه نزول فَأَتَوْهُمْ فَإِذَا هُمْ بِيُوسُفَ، فَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنَّا، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ هَدَّدُوا يُوسُفَ حَتَّى لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ، وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجل: [20] {وَشَرَوْهُ} [يوسف: 20] أي: باعوه، {بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: حَرَامٌ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْحُرِّ حَرَامٌ، وَسُمِّيَ الْحَرَامُ بَخْسًا؛ لِأَنَّهُ مَبْخُوسُ الْبَرَكَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: بَخْسٍ أَيْ زُيُوفٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ والشعبي: بثمن قليل. {دَرَاهِمَ} [يوسف: 20] بدل من الثمن، {مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] ذَكَّرَ الْعَدَدَ عِبَارَةٌ عَنْ قِلَّتِهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مَعْدُودَةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَزِنُونَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَهَا عَدًّا فَإِذَا بَلَغَتْ أُوقِيَّةً وَزَنُوهَا، {وَكَانُوا} [يوسف: 20] يعني: إخوة يوسف، {فِيهِ} [يوسف: 20] أَيْ: فِي يُوسُفَ {مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20] لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَقِيلَ: كَانُوا فِي الثَّمَنِ مِنَ الزَّاهِدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ إِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمْ تَبْعِيدَ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ وأصحابه بيوسف فَذَهَبُوا بِهِ حَتَّى قَدِمُوا مِصْرَ، وَعَرَضَهُ مَالِكٌ عَلَى الْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ صَاحِبُ أَمْرِ الْمَلِكِ، وَكَانَ عَلَى خزائن مصر يسمى العزيز فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [21] {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ} [يوسف: 21] وَاسْمُهَا رَاعِيلُ، وَقِيلَ: زُلَيْخَا {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} [يوسف: 21] أَيْ: مَنْزِلَهُ وَمُقَامَهُ، وَالْمَثْوَى: مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ، وَقِيلَ: أَكْرِمِيهِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمُقَامِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مَنْزِلَتَهُ. {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} [يوسف: 21] أَيْ: نَبِيعَهُ بِالرِّبْحِ إِنْ أَرَدْنَا الْبَيْعَ أَوْ يَكْفِيَنَا إِذَا بَلَغَ بَعْضَ أُمُورِنَا، {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف: 21] أي: نتبناه. {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} [يوسف: 21] أَيْ: فِي أَرْضِ مِصْرَ، أَيْ. كَمَا أَنْقَذْنَا يُوسُفُ مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْرَجْنَاهُ مِنَ الْجُبِّ، كَذَلِكَ مَكَّنَا لَهُ فِي الْأَرْضِ فَجَعَلْنَاهُ عَلَى خَزَائِنِهَا. {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 21] أَيْ: مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ كي نُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَا. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَغْلِبُهُ شيء ولا يرد عليه حكم رَادٌّ، وَقِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْنَاهُ: إِنَّ الله مسئول على أمر يوسف بالتدبير والإحاطة، لَا يَكِلُهُ إِلَى أَحَدٍ حَتَّى يبلغه مُنْتَهَى عِلْمِهِ فِيهِ. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] [22] {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [يوسف: 22] منتهى شبابه وشدته وقوته ومعرفته {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [يوسف: 22] فَالْحُكْمُ: النُّبُوَّةُ، وَالْعِلْمُ: الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: حَكَمًا يَعْنِي إِصَابَةً فِي الْقَوْلِ، وَعِلْمًا بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَكِيمِ وَالْعَالِمِ: أَنَّ الْعَالِمَ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ

قوله تعالى وراودته التي هو في بيتها عن نفسه

وَالْحَكِيمَ الَّذِي يَعْمَلُ بِمَا يُوجِبُهُ العلم. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنْهُ أَيْضًا: الْمُهْتَدِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الصَّابِرِينَ عَلَى النَّوَائِبِ كَمَا صَبَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. [قوله تعالى وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ] وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ. . . . . [23] {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 23] يَعْنِي: امْرَأَةَ الْعَزِيزِ، وَالْمُرَاوَدَةُ: طَلَبُ الفعل، والمراد ههنا أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا لِيُوَاقِعَهَا، {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} [يوسف: 23] أَيْ: أَطْبَقَتْهَا، وَكَانَتْ سَبْعَةً، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23] أي: هلم وأقبل، قرأ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (هَيْتَ لَكَ) بفتح الهاء والتاء جميعا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: (هِيتَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (هَيْتُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ، وضم التاء، والوجه أن في هذه الكلمة ثلاث لغات هيت وهيت وهيت، والكل بمعنى هلم، وقرأ السلمي وقتادة: (هيت لَكَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَضَمِّ التَّاءِ مهموزا على مثال جئت، يَعْنِي تَهَيَّأْتُ لَكَ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ، وَقَالَا: لَمْ يُحْكَ هَذَا عَنِ الْعَرَبِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23] (¬1) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: هِيَ لُغَةٌ لِأَهْلِ حَوْرَانَ، وقعت إلى الحجاز معناها تَعَالَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ أَيْضًا بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وَهِيَ كَلِمَةُ حَثٍّ وَإِقْبَالٍ عَلَى الشَّيْءِ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تثني (هيت) ولا تجمع، وتؤنث، وإنها صورة وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ حَالٍ. {قَالَ} [يوسف: 23] يُوسُفَ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ، {مَعَاذَ اللَّهِ} [يوسف: 23] أَيْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَأَعْتَصِمُ بِاللَّهِ مِمَّا دَعَوْتِنِي إِلَيْهِ، {إِنَّهُ رَبِّي} [يوسف: 23] يُرِيدُ أَنَّ زَوْجَكِ قِطْفِيرَ سَيِّدِي {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23] أَيْ: أَكْرَمَ مَنْزِلِي، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ، أَيْ: آوَانِي، وَمِنْ بَلَاءِ الْجُبِّ عَافَانِي. {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] يعني: إن فعل هَذَا فَخُنْتُهُ فِي أَهْلِهِ بَعْدَ مَا أَكْرَمَ مَثْوَايَ فَأَنَا ظَالِمٌ، وَلَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَقِيلَ: لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أَيْ لَا يَسْعَدُ الزُّنَاةُ. [24] {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24] وَالْهَمُّ هُوَ الْمُقَارَبَةُ مِنَ الْفِعْلِ من غير دخول فيه، وَزَعْمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقَالَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قوله {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} [يوسف: 24] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ رَأَى الْبُرْهَانَ فَلَمْ يهم، وأنكره النحاة، وقال: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُؤَخِّرُ (لَوْلَا) عَنِ الْفِعْلِ، فَلَا تَقُولُ: لَقَدْ قُمْتُ لَوْلَا زَيْدٌ، وَهُوَ يُرِيدُ لولا زيد ¬

(¬1) أخره الحاكم في المستدرك 2 / 346 وصححه على شرط الشيخين.

لَقُمْتُ، وَقِيلَ: هَمَّتْ بِيُوسُفَ أَنْ يَفْتَرِشَهَا، وَهَمَّ بِهَا يُوسُفُ أَيْ: تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ لَهُ زَوْجَةً، وَهَذَا التَّأْوِيلُ وَأَمْثَالُهُ غَيْرُ مُرْضِيَةٍ؛ لِمُخَالَفَتِهَا أَقَاوِيلَ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الذين أخذ عَنْهُمُ الدِّينُ وَالْعِلْمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَالصَّغَائِرُ تَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السلام، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَقَائِقِ: الْهَمُّ هَمَّانِ: هَمُّ ثَابِتٌ، وَهُوَ إِذَا كان معه عزم وعقد ورضى، مِثْلُ هَمِّ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبْدُ مَأْخُوذٌ بِهِ، وَهَمٌّ عَارِضٌ، وَهُوَ الْخَطْرَةُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَلَا عَزْمٍ، مِثْلُ هَمِّ يوسف عليه السلام، والعبد غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ مَا لَمْ يتكلم أو يعمل. {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْبُرْهَانِ، قَالَ قَتَادَةُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ يَا يُوسُفُ تَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ، وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ: يَا يُوسُفُ تُوَاقِعُهَا إِنَّمَا مَثَلُكَ مَا لَمْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُ الطَّيْرِ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ لَا يُطَاقُ، وَمَثَلُكَ إِنْ تُوَاقِعْهَا مثله إذا مات ووقع في الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ نفسه، وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ رَأَى مِثَالَ الْمَلِكِ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْبُرْهَانُ النُّبُوَّةُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي صَدْرِهِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: كَانَ فِي الْبَيْتِ صَنَمٌ فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ: لِمَ فَعَلْتِ هَذَا؟ فَقَالَتِ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ أَنْ يَرَانِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَقَالَ يُوسُفُ: أَتَسْتَحِينَ مِمَّا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَفْقَهُ؟ فَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي وَهَرَبَ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] جَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَوَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ. {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} [يوسف: 24] فَالسُّوءُ الْإِثْمُ، وَقِيلَ: السُّوءُ الْقَبِيحُ، وَالْفَحْشَاءُ: الزِّنَا. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: (الْمُخْلَصِينَ) بِفَتْحِ اللَّامِ حَيْثُ كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ ذِكْرُ الدِّينِ، زَادَ الْكُوفِيُّونَ (مُخْلَصًا) فِي سُورَةِ مريم عليها السلام فَفَتَحُوا، وَمَعْنَى (الْمُخْلَصِينَ) الْمُخْتَارِينَ لِلنُّبُوَّةِ، دليله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص: 46] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيِ: الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ. [25] {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25] وَذَلِكَ أَنْ يُوسُفَ لَمَّا رَأَى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِرًا إِلَى بَابِ الْبَيْتِ هَارِبًا، وَتَبِعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِتَمْسِكَ الْبَابَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ يُوسُفُ، فَسَبَقَ يُوسُفُ وَأَدْرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ فَتَعَلَّقَتْ بقميصه خَلْفِهِ فَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا حَتَّى لَا يخرج. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} [يوسف: 25] أي: فشقته {مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: 25] أَيْ: مِنْ خَلْفٍ، فَلَمَّا خَرَجَا لَقِيَا الْعَزِيزَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25] أَيْ: وَجَدَا زَوْجَ الْمَرْأَةِ قِطْفِيرَ عِنْدَ الْبَابِ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لِرَاعِيلَ فَلَمَّا رَأَتْهُ هَابَتْهُ و {قَالَتْ} [يوسف: 25] سَابِقَةً بِالْقَوْلِ لِزَوْجِهَا {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: 25] يَعْنِي: الزِّنَا، ثُمَّ خَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَتْ {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ} [يوسف: 25] أَيْ: يُحْبَسَ، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25] أَيْ: ضَرْبٌ بِالسِّيَاطِ، فَلَمَّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقَالَتَهَا. [26] {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} [يوسف: 26] يَعْنِي: طَلَبَتْ مِنِّي الْفَاحِشَةَ فَأَبَيْتُ وفررت منها، وَقِيلَ: مَا كَانَ يُرِيدُ يُوسُفُ أن يذكرها، فَلَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ذَكَرَهُ، فَقَالَ: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} [يوسف: 26] {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} [يوسف: 26] وحكم حاكم، {مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ أَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «تَكَلَّمَ في المهد أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ،» وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ابن خال (¬1) . ¬

(¬1) رواه ابن جرير 16 / 55 والإمام أحمد في المسند 2 / 307 ولم يرفعه وابن حبان في صحيحه ص40 من موارد الظمآن، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة 2 / 497 وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه محمود شاكر في تعليقه على الطبري.

قوله تعالى فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن

الْمَرْأَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا حَكِيمًا ذَا رَأْيٍ. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ ابْنُ عَمِّ رَاعِيلَ فَحَكَمَ فَقَالَ: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} [يوسف: 26] أَيْ: مِنْ قُدَّامٍ، {فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [يوسف: 26] [27] , {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 27] [28] {فَلَمَّا رَأَى} [يوسف: 28] قِطْفِيرُ، {قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: 28] عَرَفَ خِيَانَةَ امْرَأَتِهِ وَبَرَاءَةَ يُوسُفَ عليه السلام، {قَالَ} [يوسف: 28] لها {إِنَّهُ} [يوسف: 28] أَيْ: إِنَّ هَذَا الصَّنِيعَ، {مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يُوسُفُ: 28] وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ، ثُمَّ أَقْبَلُ قِطْفِيرُ عَلَى يوسف فقال: [29] {يُوسُفُ} [يُوسُفُ: 29] أَيْ: يَا يُوسُفُ، {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف: 29] أَيْ: عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ حَتَّى لَا يَشِيعَ. وقيل: معناه لا تكترث به فَقَدْ بَانَ عُذْرُكَ وَبَرَاءَتُكَ، ثُمَّ قال لامرأته، {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} [يوسف: 29] أَيْ: تُوبِي إِلَى اللَّهِ، {إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف: 29] من المذنبين. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ لِيُوسُفَ وَلِرَاعِيلَ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أَيْ: سَلِي زَوْجَكِ أَنْ لَا يُعَاقِبَكِ وَيَصْفَحَ عَنْكِ، إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ، مِنَ الْمُذْنِبِينَ حَتَّى رَاوَدْتِ شَابًّا عَنْ نَفْسِهِ وَخُنْتِ زَوْجَكِ، فَلَمَّا اسْتَعْصَمَ كَذَبْتِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنَ الْخَاطِئِينَ وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْخَاطِئَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ بَلْ قَصْدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، تَقْدِيرُهُ: مِنَ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التَّحْرِيمِ: 12] بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: 43] [30] قوله عز وجل: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} [يوسف: 30] الْآيَةَ، يَقُولُ شَاعَ أَمْرُ يُوسُفَ وَالْمَرْأَةِ فِي الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ. وقيل: مدينة عين الشمس، وتحدثت النساء بذلك وقلن: {امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا} [يوسف: 30] أَيْ: عَبْدَهَا الْكَنْعَانِيَّ، {عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 30] أَيْ: تَطْلُبُ مِنْ عَبْدِهَا الْفَاحِشَةَ، {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [يوسف: 30] أَيْ: عَلِقَهَا حُبًّا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: حَجَبَ حبُّه قَلْبَهَا حَتَّى لَا تَعْقِلَ سِوَاهُ. وَقِيلَ: أَحَبَّتْهُ حَتَّى دخلها حُبُّهُ شَغَافَ قَلْبِهَا، أَيْ: دَاخِلَ قَلْبِهَا. قَالَ السُّدِّيُّ: الشَّغَافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ عَلَى الْقَلْبِ، يَقُولُ دَخَلَ الْحُبُّ الْجِلْدَ حَتَّى أَصَابَ الْقَلْبَ. وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَالْأَعْرَجُ: (شَعَفَهَا) بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، مَعْنَاهُ: ذَهَبَ الْحُبُّ بِهَا كُلَّ مَذْهَبٍ. وَمِنْهُ شَعَفُ الْجِبَالِ وَهُوَ رُءُوسُهَا. {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 30] أي: خطأ ظاهر. وقيل: إنها تركت ما يكون على أمثالها من العفاف والستر. [قوله تعالى فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ] وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا. . . . [31] {فَلَمَّا سَمِعَتْ} [يوسف: 31] راعيل {بِمَكْرِهِنَّ} [يوسف: 31] بقولهن وحديثهن، قاله قتادة والسدي. وقال ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّمَا قُلْنَ ذَلِكَ مَكْرًا بِهَا لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ، وَكَانَ وصف لَهُنَّ حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا أفشت إليهن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مَكْرًا {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] قَالَ وَهْبٌ: اتَّخَذَتْ مَأْدُبَةً وَدَعَتْ أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْهُنَّ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي عيّرنها. {وَأَعْتَدَتْ} [يوسف: 31] أي أعدت {لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف: 31] أَيْ: مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: مُتَّكَأً أَيْ: طَعَامًا سَمَّاهُ مُتَّكَأً؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطَّعَامِ إِذَا جَلَسُوا يَتَّكِئُونَ عَلَى الْوَسَائِدِ، فَسَمَّى الطَّعَامَ مُتَّكَأً عَلَى الِاسْتِعَارَةِ. يُقَالُ: اتَّكَأْنَا عِنْدَ فُلَانٍ أَيْ: طَعِمْنَا. وَيُقَالُ: الْمُتَّكَأُ: مَا اتكأت عليه للشراب أو الحديث أو الطعام، {وَآتَتْ} [يوسف: 31] أعطت، {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا} [يوسف: 31] فَكُنَّ يَأْكُلْنَ اللَّحْمَ حَزَّا بِالسِّكِّينِ. {وَقَالَتِ} [يوسف: 31] ليوسف، {اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَجْلَسَتْهُ فِي مكان آخَرَ؛ فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى سائر النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ يُوسُفَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ البدر» (¬1) . {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] أَعْظَمْنَهُ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هَالَهُنَّ أَمْرُهُ وَبُهِتْنَ. وَقِيلَ: أَكْبَرْنَهُ أَيْ: حِضْنَ لِأَجْلِهِ مِنْ جَمَالِهِ. وَلَا يصح. {وَقَطَّعْنَ} [يوسف: 31] أَيْ: حَزَّزْنَ بِالسَّكَاكِينِ الَّتِي مَعَهُنَّ، {أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] وَهُنَّ يَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الْأُتْرُجَّ، وَلَمْ يَجِدْنَ الْأَلَمَ لِشُغْلِ قُلُوبِهِنَّ بِيُوسُفَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَا أَحْسَسْنَ إلا بالدم. وقال قتادة: إنهن ابَنَّ أَيْدِيَهُنَّ حَتَّى أَلْقَيْنَهَا. وَالْأَصَحُّ كان قطعًا بلا إبانة, {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا} [يوسف: 31] أَيْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هذا بشرًا، {مَا هَذَا بَشَرًا} [يوسف: 31] نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: ببشر، {إِنْ هَذَا} [يوسف: 31] أَيْ: مَا هَذَا، {إِلَّا مَلَكٌ} [يوسف: 31] من الملائكة، {كَرِيمٌ} [يوسف: 31] على الله. [32] {قَالَتْ} [يوسف: 32] يَعْنِي رَاعِيلَ، {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32] أَيْ: فِي حُبِّهِ، ثُمَّ صَرَّحَتْ بِمَا فَعَلَتْ، فَقَالَتْ: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32] أي: امتنع، وَإِنَّمَا صَرَّحَتْ بِهِ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ أن لَا مَلَامَةَ عَلَيْهَا مِنْهُنَّ وَقَدْ أَصَابَهُنَّ مَا أَصَابَهَا مِنْ رُؤْيَتِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: أَطِعْ مَوْلَاتَكَ. فَقَالَتْ رَاعِيلُ: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ} [يوسف: 32] وَلَئِنْ لَمْ يُطَاوِعْنِي فِيمَا دَعَوْتُهُ إليه، {لَيُسْجَنَنَّ} [يوسف: 32] أي: ليعاقبن بالحبس، {وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] مِنَ الْأَذِلَّاءِ. وَنُونُ التَّوْكِيدِ تُثَقَّلُ وَتُخَفَّفُ، وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: {لَيُسْجَنَنَّ} [يوسف: 32] بِالنُّونِ لِأَنَّهَا مُشَدَّدَةٌ، وَعَلَى قَوْلِهِ (لِيَكُونَا) بِالْأَلْفِ لِأَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ، وَهِيَ شَبِيهَةٌ نون الْإِعْرَابِ فِي الْأَسْمَاءِ، كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ رجلًا، وإذا وقفت: رَأَيْتُ رَجُلَا بِالْأَلْفِ، وَمِثْلُهُ: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} [الْعَلَقِ: 15] فَاخْتَارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السِّجْنَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِينَ تَوَعَّدَتْهُ المرأة. [33] {قَالَ رَبِّ} [يوسف: 33] أَيْ: يَا رَبِّ، {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] قِيلَ: كَانَ الدُّعَاءُ مِنْهَا خَاصَّةً، وَلَكِنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهِنَّ خُرُوجًا مِنَ التَّصْرِيحِ إِلَى التَّعْرِيضِ. وَقِيلَ: إِنَّهُنَّ جميعًا دعونه إلى أنفسهن. قرأ يعقوب وحده: بفتح السين. وقرأ الآخرون بكسرها. واتفقوا على كسر السين في قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ} [يوسف: 36] وَقِيلَ: لَوْ لَمْ يَقُلِ السِّجْنُ أحبُّ إليَّ لَمْ يُبْتَلَ بِالسِّجْنِ، وَالْأَوْلَى بِالْمَرْءِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 33] أَمِلْ إِلَيْهِنَّ وَأُتَابِعْهُنَّ، يُقَالُ: صَبَا فلان إلى كذا يصبوا صَبْوًا وَصُبُوًّا وَصُبُوَّةً إِذَا مَالَ وَاشْتَاقَ إِلَيْهِ. {وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا ارْتَكَبَ ذَنْبًا يَرْتَكِبُهُ عَنْ جهالة. ¬

(¬1) قال ابن حجر في الشافي الكافي ص89: رواه الثعلبي وأخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل وابن مردويه، والمروي في صحيح مسلم في حديث الإسراء: "فإذا أنا بيوسف إذا هو أُعطي شطر الحسن ".

[34] {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: 34] السميع لِدُعَائِهِ الْعَلِيمُ بِمَكْرِهِنَّ. [35] {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} [يوسف: 35] يعني لِلْعَزِيزِ وَأَصْحَابِهِ فِي الرَّأْيِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَقْتَصِرُوا مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِعْرَاضِ، ثم بدا له بأن يَحْبِسُوهُ. {مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ} [يوسف: 35] الدَّالَّةِ عَلَى بَرَاءَةِ يُوسُفَ مِنْ قدِّ الْقَمِيصِ وَكَلَامِ الطِّفْلِ وَقَطْعِ النِّسَاءِ أَيْدِيَهُنَّ وَذَهَابِ عُقُولِهِنَّ. {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35] إِلَى مُدَّةٍ يَرَوْنَ فِيهِ رَأْيَهُمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مَقَالَةُ النَّاسِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: سَبْعُ سِنِينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: خَمْسُ سِنِينَ. قَالَ السُّدِّيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْعِبْرَانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ يُخْبِرُهُمْ أَنِّي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فإما أن تأذن لي أن أخرج فَأَعْتَذِرَ إِلَى النَّاسِ، وَإِمَّا أَنْ تَحْبِسَهُ، فَحَبَسَهُ، وذُكر أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ الْحَبْسَ تَطْهِيرًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَمِّهِ بالمرأة. [36] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف: 36] وَهُمَا غُلَامَانِ كَانَا لِلرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ شِرْوَانَ الْعِمْلِيقِ مَلِكِ مِصْرَ الْأَكْبَرِ، أَحَدُهُمَا خَبَّازُهُ وَصَاحِبُ طَعَامِهِ وَالْآخَرُ سَاقِيهِ وَصَاحِبُ شَرَابِهِ، غَضِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمَا فَحَبَسَهُمَا. وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَرَادُوا الْمَكْرَ بِالْمَلِكِ وَاغْتِيَالَهُ فَضَمَّنُوا لِهَذَيْنَ مَالًا لِيَسُمَّا الْمَلِكَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، فَأَجَابَاهُمْ، ثُمَّ إِنَّ السَّاقِيَ نَكَلَ عَنْهُ، وَقَبِلَ الْخَبَّازُ الرِّشْوَةَ فَسَمَّ الطَّعَامَ، فَلَمَّا أَحْضَرَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ السَّاقِي: لَا تَأْكُلْ أَيُّهَا الْمَلِكُ فَإِنَّ الطَّعَامَ مَسْمُومٌ، وَقَالَ الْخَبَّازُ لَا تَشْرَبْ فَإِنَّ الشَّرَابَ مَسْمُومٌ، فَقَالَ الْمَلِكُ لِلسَّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وَقَالَ لِلْخَبَّازِ: كُلْ من طعام، فَأَبَى فَجَرَّبَ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَى دَابَّةٍ فَأَكَلَتْهُ فَهَلَكَتْ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِحَبْسِهِمَا, وَكَانَ يُوسُفُ حِينَ دَخَلَ السِّجْنَ جَعَلَ يَنْشُرُ عِلْمَهُ وَيَقُولُ: إِنِّي أَعْبُرُ الْأَحْلَامَ، فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ لِصَاحِبِهِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْ هَذَا الْعِبْرَانِيَّ، فَتَرَاءَيَا لَهُ فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا رَأَيَا شَيْئًا وَإِنَّمَا تَحَالَمَا لِيُجَرِّبَا يُوسُفَ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَا رَأَيَا حَقِيقَةً، فَرَآهُمَا يُوسُفُ وَهُمَا مَهْمُومَانِ فسألهما عن شأنهما، فذكر أنهما غلامان للملك وقد حبسهما، وقد رأيا رؤيا قد غَمَّتْهُمَا، فَقَالَ يُوسُفُ: قُصَّا عَلَيَّ مَا رَأَيْتُمَا، فَقَصَّا عَلَيْهِ {قَالَ أَحَدُهُمَا} [يوسف: 36] وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] أَيْ: عِنَبًا سَمَّى الْعِنَبَ خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَطْبُخُ الْآجُرَّ أَيْ: يَطْبُخُ اللَّبِنَ لِلْآجُرِّ. وَقِيلَ: الْخَمْرُ الْعِنَبُ بِلُغَةِ عَمَّانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي بستان، فإذا أنا بِأَصْلِ حَبَلَةٍ عَلَيْهَا ثَلَاثُ عَنَاقِيدَ مِنْ عِنَبٍ فَجَنَيْتُهَا وَكَانَ كَأْسَ الْمَلِكِ بِيَدِي فَعَصَرْتُهَا فِيهِ وَسَقَيْتُ الملك فشربه. {وَقَالَ الْآخَرُ} [يوسف: 36] وَهُوَ الْخَبَّازُ {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} [يوسف: 36] وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلَاثَ سِلَالٍ فيها الخبز والألوان من الأطعمة وسباع الطير ينهشن وينهبن منه. {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 36] أَخْبِرْنَا بِتَفْسِيرِهِ وَتَعْبِيرِهِ وَمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] أَيِ: الْعَالِمِينِ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا، وَالْإِحْسَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَرُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، مَا كَانَ إِحْسَانُهُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا مَرِضَ إِنْسَانٌ فِي السِّجْنِ عَادَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْمَجْلِسُ وَسَّعَ لَهُ وَإِذَا احْتَاجَ إلى شيء جَمَعَ لَهُ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ لِلصَّلَاةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ وَجَدَ فِيهِ قومًا قد اشْتَدَّ بَلَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ وَطَالَ حزنهم، فجعل يسليهم وجعل يقول: أَبْشِرُوا وَاصْبِرُوا تُؤْجَرُوا، فَيَقُولُونَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا فَتَى مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَخُلُقَكَ وَحَدِيثَكَ، لَقَدْ بورك لنا في جوارك فَلَمَّا قَصَّا عَلَيْهِ الرُّؤْيَا كَرِهَ يُوسُفُ أَنْ يُعَبِّرَ

قوله تعالى واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق

لَهُمَا مَا سَأَلَاهُ لِمَا عَلِمَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَعْرَضَ عَنْ سُؤَالِهِمَا وَأَخَذَ فِي غَيْرِهِ فِي إِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ. [37] {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} [يوسف: 37] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ فِي النَّوْمِ يَقُولُ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ فِي نَوْمِكُمَا {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 37] فِي الْيَقَظَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ فِي الْيَقَظَةِ يَقُولُ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ مِنْ مَنَازِلِكُمَا تُرْزَقَانِهِ، تُطْعَمَانِهِ وَتَأْكُلَانِهِ إِلَّا نَبَّأَتْكُمَا بِتَأْوِيلِهِ بِقَدْرِهِ وَلَوْنِهِ وَالْوَقْتِ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إليكما، {قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف: 37] قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكُمَا، وَأَيَّ طَعَامٍ أَكَلْتُمْ وَكَمْ أَكَلْتُمْ وَمَتَى أَكَلْتُمْ، فَهَذَا مِثْلُ مُعْجِزَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 49] فَقَالَا: هَذَا من فِعْلُ الْعَرَّافِينَ وَالْكَهَنَةِ, فَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْعِلْمُ؟ فَقَالَ: مَا أنا بكاهن وإنَّما {ذَلِكُمَا} [يوسف: 37] الْعِلْمُ, {مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37] وتكرار (هم) على التأكيد. [قوله تعالى وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ] وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. . . . [38] {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] أظهر أنه من أولاد الأنبياء {مَا كَانَ لَنَا} [يوسف: 38] مَا يَنْبَغِي لَنَا {أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف: 38] مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنَا من الشرك {ذَلِكَ} [يوسف: 38] التَّوْحِيدُ وَالْعِلْمُ، {مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} [يوسف: 38] مَا بَيَّنَ لَهُمْ مِنَ الْهُدَى، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] ثُمَّ دَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: [39] {يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ} [يوسف: 39] جَعَلَهُمَا صَاحِبَيِ السَّجْنِ لِكَوْنِهِمَا فِيهِ، كَمَا يُقَالُ لِسُكَّانِ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَلِسُكَّانِ النَّارِ أَصْحَابُ النَّارِ {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ} [يوسف: 39] أَيْ: آلِهَةٌ شَتَّى هَذَا مِنْ ذَهَبٍ وَهَذَا مِنْ فِضَّةٍ، وَهَذَا مِنْ حَدِيدٍ وَهَذَا أَعْلَى وَهَذَا أوسط وهدأ أَدْنَى، مُتَبَايِنُونَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، {خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] الَّذِي لَا ثَانِيَ لَهُ، الْقَهَّارُ: الْغَالِبُ عَلَى الْكُلِّ، ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَ الْأَصْنَامِ فَقَالَ: [40] {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ} [يوسف: 40] أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخِطَابَ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ أَهْلِ السِّجْنِ، وَكُلَّ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا مِنْ أَهْلِ الشرك، {إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} [يوسف: 40] آلِهَةً وَأَرْبَابًا خَالِيَةً عَنِ الْمَعْنَى لَا حَقِيقَةَ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [يوسف: 40] حجة وبرهان، {إِنِ الْحُكْمُ} [يوسف: 40] مَا الْقَضَاءُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، {إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40] أي: الْمُسْتَقِيمُ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] ثُمَّ فسَّر رُؤْيَاهُمَا فَقَالَ: [41] {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا} [يوسف: 41] وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، {فَيَسْقِي رَبَّهُ} [يوسف: 41] يعني الملك {خَمْرًا} [يوسف: 41] والعناقيد الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ ثُمَّ يَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أيام، ويرد إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، {وَأَمَّا الْآخَرُ} [يوسف: 41] يَعْنِي: صَاحِبَ الطَّعَامِ

قوله تعالى قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل

فَيَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالسِّلَالُ الثَّلَاثُ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى في السجن، ثم يخرجه فيأمر به، {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} [يوسف: 41] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا سَمِعَا قَوْلَ يُوسُفَ قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ يُوسُفُ: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] أَيْ: فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي عَنْهُ تَسْأَلَانِ، وَوَجَبَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمَا بِهِ، رَأَيْتُمَا أو لم تريا. [42] {وَقَالَ} [يوسف: 42] يَعْنِي: يُوسُفَ عِنْدَ ذَلِكَ، {لِلَّذِي ظَنَّ} [يوسف: 42] علم {أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا} [يوسف: 42] وَهُوَ السَّاقِي، {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ فِي السِّجْنِ غُلَامًا مَحْبُوسًا ظُلْمًا طَالَ حَبْسُهُ {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42] قِيلَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ السَّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ تَقْدِيرُهُ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذكره لربه. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ حِينَ ابْتَغَى الْفَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَعَانَ بِمَخْلُوقٍ، وَتِلْكَ غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ من الشيطان (¬1) . {فَلَبِثَ} [يوسف: 42] فَمَكَثَ, {فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42] وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبِضْعِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى السَّبْعِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْبِضْعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعُ سِنِينَ، وَكَانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَهُ خَمْسَ سِنِينَ فجملته اثنتا عشر سنة. [43] {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف: 43] فَقَالَ لَهُمْ: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] [قوله تعالى قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ] الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ. . . . . [44] {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [يوسف: 44] أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ مُشْتَبِهَةٍ أَهَاوِيلُ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ, وَأَصْلُهُ الْحُزْمَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشِيشِ، وَالْأَحْلَامُ جَمْعُ الْحُلْمِ، وَهُوَ الرُّؤْيَا، وَالْفِعْلُ مِنْهُ حَلَمْتُ أَحْلُمُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْغَابِرِ حُلُمًا وحُلْمًا، مُثَقَّلًا وَمُخَفَّفًا. {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} [يوسف: 44] [45] {وَقَالَ الَّذِي نَجَا} [يوسف: 45] من القتل، {مِنْهُمَا} [يوسف: 45] مِنَ الْفَتَيَيْنِ وَهُوَ السَّاقِي، {وَادَّكَرَ} [يوسف: 45] أَيْ: تَذَكَّرَ قَوْلَ يُوسُفَ اذْكُرْنِي عند ربك، {بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] أي: بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ سَبْعُ سِنِينَ. {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 45] وَذَلِكَ أَنَّ الْغُلَامَ جَثَا بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، وَقَالَ: إِنَّ فِي السِّجْنِ رَجُلًا يَعْبُرُ الرُّؤْيَا، {فَأَرْسِلُونِ} [يوسف: 45] وَفِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَرْسِلْنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَهُ فَأَتَى السِّجْنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَكُنِ السِّجْنُ فِي الْمَدِينَةِ. [46] فَقَالَ: {يُوسُفُ} [يُوسُفُ: 46] يَعْنِي: يَا يُوسُفُ، {أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} [يوسف: 46] وَالصَّدِيقُ الْكَثِيرُ الصِّدْقِ، {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف: 46] فَإِنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، {لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ} [يوسف: 46] أهل مصر، {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 46] تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا. وَقِيلَ: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَنْزِلَتَكَ فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ مُعَبِّرًا وَمُعَلِّمًا، أَمَّا الْبَقَرَاتُ السِّمَانُ وَالسُّنْبُلَاتُ الْخُضْرُ فَسَبْعُ سِنِينَ مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات، فَالسُّنُونَ الْمُجْدِبَةُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ: [47] {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} [يوسف: 47] هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، يَعْنِي: ازْرَعُوا سَبْعَ سِنِينَ عَلَى عَادَتِكُمْ فِي الزِّرَاعَةِ، وَالدَّأَبُ: الْعَادَةُ. وَقِيلَ: بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ: (دَأَبًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهُمَا لغتان، يقال: دأبت شي الأمر أدأب وَدَأْبًا إِذَا اجْتَهَدْتُ فِيهِ. {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} [يوسف: 47] أَمْرَهُمْ بِتَرْكِ الْحِنْطَةِ فِي السُّنْبُلَةِ لتكون ¬

(¬1) لقد رد الإمام اللغوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره " البحر المحيط " ج5 / 311 هذا الوجه في إعادة ضمير فأنساه على يوسف، فقال: " وقيل: الضمير في أنساه عائد على يوسف، ورتبوا على ذلك أخبارًا لا تليق نسبتها إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ".

أَبْقَى عَلَى الزَّمَانِ وَلَا تَفْسُدَ، {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47] أي: تَدْرُسُونَ قَلِيلًا لِلْأَكْلِ، أَمَرَهُمْ بِحِفْظِ الْأَكْثَرِ وَالْأَكْلِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. [48] {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} [يوسف: 48] سَمَّى السِّنِينَ الْمُجْدِبَةَ شِدَادًا لِشِدَّتِهَا على الناس، {يَأْكُلْنَ} [يوسف: 48] أَيْ: يَفْنِينَ وَيُهْلِكْنَ، {مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} [يوسف: 48] أَيْ: يُؤْكَلُ فِيهِنَّ مَا أَعْدَدْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الطَّعَامِ، أَضَافَ الْأَكْلَ إِلَى السِّنِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّعِ {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48] تُحْرِزُونَ وَتَدَّخِرُونَ لِلْبَذْرِ. [49] {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ} [يوسف: 49] أي: يمطرون من الغث، وَهُوَ الْمَطَرُ. وَقِيلَ: يُنْقَذُونَ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: اسْتَغَثْتُ فُلَانًا فَأَغَاثَنِي، {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 49] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (تَعْصِرُونَ) ، بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ عَلَى الْخِطَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا إِلَى النَّاسِ، وَمَعْنَاهُ: يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ خَمْرًا وَالزَّيْتُونَ زَيْتًا وَالسِّمْسِمَ دُهْنًا وَأَرَادَ بِهِ كَثْرَةَ النَّعِيمِ وَالْخَيْرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْصِرُونَ أَيْ يَنْجُونَ مِنَ الْكُرُوبِ وَالْجَدَبِ وَالْعَصَرُ وَالْعَصَرَةُ النجا وَالْمَلْجَأُ. [50] {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يوسف: 50] وَذَلِكَ أَنَّ السَّاقِيَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَفْتَاهُ به يُوسُفُ مِنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَاهُ، وَعَرَفَ الْمَلِكُ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ كَائِنٌ، قَالَ ائْتُونِي بِهِ، {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ} [يوسف: 50] وَقَالَ لَهُ: أَجِبِ الْمَلِكَ، أَبَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الرَّسُولِ حَتَّى تظهر براءته ثم، {قَالَ} [يوسف: 50] للرسول، {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} [يوسف: 50] يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50] وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ أدبًا واحترامًا {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] أَيْ: إِنَّ اللَّهَ بِصَنِيعِهِنَّ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ يُوسُفُ بِذِكْرِهِنَّ، بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ حَتَّى لَا يَنْظُرَ إليه الملك بعين التهمة والخيانة، وَيَصِيرَ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّكِّ عَنْ أَمْرِهِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى الْمَلِكِ مِنْ عِنْدِ يُوسُفَ بِرِسَالَتِهِ، فَدَعَا الْمَلِكُ النِّسْوَةَ وَامْرَأَةَ الْعَزِيزِ. [51] {قَالَ} [يوسف: 51] لهن، {مَا خَطْبُكُنَّ} [يوسف: 51] مَا شَأْنُكُنَّ وَأَمْرُكُنَّ، {إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 51] خَاطَبَهُنَّ وَالْمُرَادُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: إِنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ رَاوَدَتْهُ عَنْ نفسه وسائر النسوة أمرته بطاعتها فلذلك خاطبهن جميعًا {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} [يوسف: 51] مَعَاذَ اللَّهِ، {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: 51] خيانة، {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51] ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ. وَقِيلَ: إِنَّ النِّسْوَةَ أَقْبَلْنَ عَلَى امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فَقَرَّرْنَهَا فَأَقَرَّتْ، وَقِيلَ: خَافَتْ أَنْ يَشْهَدْنَ عليها فأقرت وقالت: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] فِي قَوْلِهِ: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ يُوسُفُ قال: [52] {ذَلِكَ} [يوسف: 52] أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتُ مِنْ رَدِّي رَسُولَ الْمَلِكِ إِلَيْهِ، {لِيَعْلَمَ} [يوسف: 52] العزيز، {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ} [يوسف: 52] في زوجته، {بِالْغَيْبِ} [يوسف: 52] أَيْ: فِي حَالِ

قوله تعالى وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة

غَيْبَتِهِ, {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] (¬1) . [قوله تعالى وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ] بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. . . . [53] {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [يوسف: 53] مِنَ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ فَأُزَكِّيهَا، {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] بِالْمَعْصِيَةِ {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] أَيْ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي فعصمه، و (مَا) بِمَعْنَى مِنْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النِّسَاءِ: 3] أَيْ: مَنْ طَابَ لَكُمْ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَصَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يُرَكِّبْ فِيهِمُ الشَّهْوَةَ. وَقِيلَ: إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِشَارَةٌ إِلَى حَالَةِ الْعِصْمَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبُرْهَانِ. {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف: 53] فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِلْمَلِكِ عُذْرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَرَفَ أَمَانَتَهُ وَعِلْمَهُ اشتاق لرؤيته وكلامه، وذلك معنى قوله تعالى إخبارًا عنه: [54] {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54] أَيْ: أَجْعَلُهُ خَالِصًا لِنَفْسِي، {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} [يوسف: 54] فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَجَاءَ الرَّسُولُ يُوسُفَ فَقَالَ لَهُ: أَجِبِ الْمَلِكَ الآن، أعجب الْمَلِكُ مَا رَأَى مِنْهُ مَعَ حداثة سَنَةً فَأَجْلَسَهُ وَ {قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ} [يوسف: 54] المكانة في الجاه، {أَمِينٌ} [يوسف: 54] أي: صادق. [55] فـ {قَالَ} [يوسف: 55] يُوسُفُ، {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف: 55] الْخَزَائِنُ جَمْعُ خِزَانَةٍ وَأَرَادَ خَزَائِنَ الطَّعَامِ وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَرْضُ أَرْضُ مِصْرَ، أي: خزائن أرضك. عَلَى خَرَاجِ مِصْرَ وَدَخْلِهِ، {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] أَيْ: حَفِيظٌ لِلْخَزَائِنِ عَلِيمٌ بِوُجُوهِ مصالحها. وقيل: حفيظ عليم، أي: كَاتِبٌ حَاسِبٌ. وَقِيلَ: حَفِيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِمَا وَلَّيْتَنِي. وَقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسَابِ عَلِيمٌ بِالْأَلْسُنِ أَعْلَمُ لغة مَنْ يَأْتِينِي. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَفِيظٌ بتقديره في السنين المجدبة عَلِيمٌ بِوَقْتِ الْجُوعِ حِينَ يَقَعُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ؟! فَوَلَّاهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ، ذُو مَكَانَةٍ وَمَنْزِلَةٍ، أَمِينٌ عَلَى الخزائن. [56] {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} [يوسف: 56] يَعْنِي: أَرْضَ مِصْرَ مَلَّكْنَاهُ، {يَتَبَوَّأُ} [يوسف: 56] أي: ينزل، {مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} [يوسف: 56] وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا يَشَاءُ. قَرَأَ ابن كثير وحده: (نَشَاءُ) بِالنُّونِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (مَكَّنَّا) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ (يَتَبَوَّأُ) . {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا} [يوسف: 56] أي: بنعمتنا, {مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: يَعْنِي الصَّابِرِينَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: فَلَمْ يَزَلْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حَتَّى أَسْلَمَ الْمَلِكُ وَكَثِيرٌ مِنَ الناس, فهذا في أمر الدنيا. [57] {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ} [يوسف: 57] ثَوَابُ الْآخِرَةِ، {خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يوسف: 57] فلما اطمأن يوسف في ¬

(¬1) وذكر بعضهم أن الأليق والأنسب بسياق القصة أن ذلك من قول امرأة العزيز تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب ولا وقع المحذور وإنما راودته فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة - انظر ابن كثير 2 / 482 ودقائق التفسير 2 / 273 وتفسير المنار 12 / 313.

مُلْكِهِ دَبَّرَ فِي جَمْعِ الطَّعَامِ بِأَحْسَنِ التَّدْبِيرِ، وَبَنَى الْحُصُونَ وَالْبُيُوتَ الْكَثِيرَةَ، وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ لِلسِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ، وَأَنْفَقَ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى خَلَتِ السِّنُونَ الْمُخْصِبَةُ وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ بِهَوْلٍ لَمْ يَعْهَدِ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، وَقَصَدَ النَّاسُ مِصْرَ مِنْ كُلِّ النواحي يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ فَجَعَلَ يُوسُفُ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ عظيمًا أَكْثَرَ مِنْ حِمْلِ بِعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النَّاسِ، وَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ فأصاب أَرْضَ كَنْعَانَ وَبِلَادَ الشَّامِ مَا أَصَابَ النَّاسُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ مِنَ الْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ، وَنَزَلَ بِيَعْقُوبَ مَا نَزَلْ بِالنَّاسِ فَأَرْسَلَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ أَخَا يُوسُفَ لِأُمِّهِ. [58] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} [يُوسُفَ: 58] وَكَانُوا عَشَرَةً، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بالقرب مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، بِغَوْرِ الشَّامِ، وَكَانُوا أَهْلَ بَادِيَةٍ وَإِبِلٍ وَشَاةٍ، فَدَعَاهُمْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: يَا بَنِيَّ بَلَغَنِي أَنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صَالِحًا يَبِيعُ الطَّعَامَ، فَتَجَهَّزُوا له فاذهبوا لِتَشْتَرُوا مِنْهُ الطَّعَامَ، فَأَرْسَلَهُمْ فَقَدِمُوا مصر، {فَدَخَلُوا عَلَيْهِ} [يوسف: 58] على يوسف، {فَعَرَفَهُمْ} [يوسف: 58] يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ ابْنُ عباس ومجاهد: وعرفهم بِأَوَّلِ مَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَعْرِفْهُمْ حَتَّى تَعَرَّفُوا إليه، {وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [يوسف: 58] أي: لم يعرفوه. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ يُوسُفُ وَكَلَّمُوهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، قَالَ لَهُمْ: أَخْبَرُونِي مَنْ أَنْتُمْ وَمَا أَمْرُكُمْ فَإِنِّي أَنْكَرْتُ شَأْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أهل الشَّامِ رُعَاةٌ أَصَابَنَا الْجَهْدُ فَجِئْنَا نَمْتَارُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ جِئْتُمْ تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بِلَادِي، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِجَوَاسِيسَ إِنَّمَا نَحْنُ إِخْوَةٌ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ شَيْخٌ صِدِّيقٌ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ نبي من أنبياء الله، فقال: وَكَمْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ فَذَهَبَ أَخٌ لَنَا مَعَنَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَهَلَكَ فِيهَا وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِينَا، قَالَ: فَكَمْ أنتم هاهنا؟ قَالُوا: عَشَرَةٌ، قَالَ: وَأَيْنَ الْآخَرُ؟ قَالُوا: عِنْدَ أَبِينَا لِأَنَّهُ أَخُو الذي هلك من أمه، فأبونا يتسلى به، فقال: فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حق وصدق؟ قَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا بِبِلَادٍ لا يعرفنا فيها أحد من أهلها، فقال لهم يُوسُفُ: فَأَتَوْنِي بِأَخِيكُمُ الَّذِي مِنْ أَبِيكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَأَنَا أَرْضَى بِذَلِكَ، قَالُوا: فَإِنَّ أَبَانَا يَحْزَنُ عَلَى فِرَاقِهِ وَسَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ، قَالَ: فَدَعُوا بَعْضَكُمْ عِنْدِي رهينة حتى تأتوني بأخيكم الذي من أبيكم، فَاقْتَرَعُوا بَيْنَهُمْ فَأَصَابَتِ الْقَرْعَةُ شَمْعُونَ وَكَانَ أَحْسَنَهُمْ رَأْيًا فِي يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجل: [59] {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} [يوسف: 59] أَيْ: حَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعِيرًا بِعُدَّتِهِمْ، {قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} [يوسف: 59] يَعْنِي بِنْيَامِينَ، {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ} [يوسف: 59] أَيْ: أُتِمُّهُ وَلَا أَبْخَسُ النَّاسَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ حِمْلَ بِعِيرٍ لِأَجْلِ أَخِيكُمْ وَأُكْرِمُ مَنْزِلَتَكُمْ وَأُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ: خَيْرُ الْمُضِيفِينَ. وَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ. [60] {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي} [يوسف: 60] أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي طَعَامٌ أكيله، {وَلَا تَقْرَبُونِ} [يوسف: 60] أَيْ: لَا تَقْرَبُوا دَارِي وَبِلَادِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى النَّهْيِ. [61] {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} [يوسف: 61] أَيْ: نَطْلُبُهُ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُرْسِلَهُ معنا، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} [يوسف: 61] مَا أَمَرْتَنَا بِهِ. [62] {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} [يوسف: 62] يريد لغلمانه {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ} [يوسف: 62] ثَمَنَ طَعَامِهِمْ وَكَانَتْ دَرَاهِمَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ النِّعَالَ وَالْأُدْمَ. وَقِيلَ: كَانَتْ ثَمَانِيَةَ جُرْبٍ مِنْ سَوِيقِ الْمُقْلِ. وَالْأَوَّلُ أصح {فِي رِحَالِهِمْ} [يوسف: 62] أَوْعِيَتِهِمْ، وَهِيَ جَمْعُ رَحْلٍ، {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا} [يوسف: 62] انْصَرَفُوا، {إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: 62] وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ مِنْ أَجْلِهِ، قِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَرَمَهُ فِي رَدِّ الْبِضَاعَةِ وَتَقْدِيمِ الضَّمَانِ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ لِيَكُونَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْعَوْدِ لَعَلَّهُمْ

قوله تعالى قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم

يَعْرِفُونَهَا أَيْ كَرَامَتَهُمْ عَلَيْنَا. وَقِيلَ: رأى لؤمًا أخذ الطَّعَامِ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ تَكَرُّمًا. وَقَالَ الكلبي: تخوف ألا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مِنَ الْوَرِقِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى. وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ نَفْيًا لِلْغَلَطِ وَلَا يَسْتَحِلُّونَ إِمْسَاكَهَا. [63] {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يا أَبَانَا} [يوسف: 63] إِنَّا قَدِمْنَا عَلَى خَيْرِ رَجُلٍ أَنْزَلَنَا وَأَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا أَكْرَمَنَا كَرَامَتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: إِذَا أَتَيْتُمْ مَلِكَ مِصْرَ فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ أَبَانَا يُصَلِّي عَلَيْكَ وَيَدْعُو لَكَ بِمَا أَوْلَيْتَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ شَمْعُونُ؟ قَالُوا: ارْتَهَنَهُ مَلِكُ مِصْرَ وَأَخْبَرُوهُ بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: وَلِمَ أَخْبَرْتُمُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ أَخَذَنَا وَقَالَ أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ حَيْثُ كَلَّمْنَاهُ بِلِسَانِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَقَالُوا: يَا أَبَانَا {مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} [يوسف: 63] قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يُمْنَعُ مِنَّا الْكَيْلُ إِنْ لَمْ تَحْمِلْ أَخَانَا مَعَنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطَى بِاسْمِ كل واحد منا حملًا ويمنع مِنَّا الْكَيْلَ لِبِنْيَامِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْلِ الطعام لأنه كان يكال، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا} [يوسف: 63] بنيامين، {نَكْتَلْ} [يوسف: 63] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ. (يَكْتَلْ) بِالْيَاءِ، يعني: يكيل لِنَفْسِهِ كَمَا نَحْنُ نَكْتَالُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (نَكْتَلْ) بِالنُّونِ: يَعْنِي: نَكْتَلْ نَحْنُ وَهُوَ الطَّعَامُ. وَقِيلَ: نَكْتَلْ له، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 63] [قوله تعالى قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ] عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا. . . . [64] {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ} [يُوسُفَ: 64] يوسف {مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 64] أَيْ: كَيْفَ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ وَقَدْ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ مَا فَعَلْتُمْ؟ {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} [يوسف: 64] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: (حَافِظًا) بِالْأَلْفِ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ خَيْرٌ رَجُلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (حِفْظًا) بِغَيْرِ أَلْفٍ عَلَى الْمَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكُمْ حِفْظًا، يَقُولُ: حِفْظُهُ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِكُمْ. {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] [65] {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ} [يوسف: 65] الَّذِي حَمَلُوهُ مِنْ مِصْرَ، {وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ} [يوسف: 65] ثم الطَّعَامِ، {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي} [يوسف: 65] أَيْ: مَاذَا نَبْغِي وَأَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْسَانَ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ وَحَثُّوهُ عَلَى إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا الْمَتَاعَ وَوَجَدُوا الْبِضَاعَةَ، قَالُوا: يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي، {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} [يوسف: 65] أَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ بِالْكَلَامِ فَهَذَا هُوَ الْعِيَانُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ، أَوْفَى لَنَا الْكَيْلَ وردَّ عَلَيْنَا الثَّمَنَ، أَرَادُوا تَطْيِيبَ نَفْسِ أَبِيهِمْ، {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} [يوسف: 65] أَيْ: نَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ فَنَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ. يُقَالُ: مَارَ أَهْلَهُ يَمِيرُ مَيْرًا إِذَا حَمَلَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ من بَلَدٍ آخَرَ. وَمِثْلُهُ امْتَارَ يَمْتَارُ امتيارًا. {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} [يوسف: 65] بِنْيَامِينَ، أَيْ: مِمَّا تَخَافُ عَلَيْهِ. {وَنَزْدَادُ} [يوسف: 65] على أحمالنا، {كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف: 65] أَيْ: حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَنَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطِي بِاسْمِ كُلِّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، {ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} [يوسف: 65] أَيْ: مَا حَمَلْنَاهُ قَلِيلٌ لَا يفينا وَأَهْلَنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ لَا مؤنة فيه ولا مشقة. [66] {قَالَ} [يوسف: 66] لَهُمْ يَعْقُوبُ، {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ} [يوسف: 66] تعطون {مَوْثِقًا} [يوسف: 66] أي: ميثاقًا وعهدًا، {مِنَ اللَّهِ} [يوسف: 66] وَالْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ: الْمُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ. وَقِيلَ: الْمُؤَكَّدُ بِإِشْهَادِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} [يوسف: 66] وَأَدْخَلَ اللَّامَ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ الْيَمِينُ، {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] قَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا أَنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا أَنْ تَغْلِبُوا حَتَّى لَا تُطِيقُوا ذَلِكَ. وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِخْوَةَ ضَاقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَجَهِدُوا أَشَدَّ الْجُهْدِ، فَلَمْ يَجِدْ يَعْقُوبُ بُدًّا مِنْ إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ. {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} [يوسف: 66] أعطوه عهودهم، {قَالَ} [يوسف: 66] يَعْنِي: يَعْقُوبَ، {اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66] شَاهِدٌ. وَقِيلَ: حَافَظٌ. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَعِزَّتِي لِأَرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلَيْهِمَا بَعْدَمَا تَوَكَّلْتَ عليَّ. »

[67] {وَقَالَ} [يوسف: 67] لَهُمْ يَعْقُوبُ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ، {يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُعْطُوا جَمَالًا وَقُوَّةً وَامْتِدَادَ قَامَةٍ، وَكَانُوا وَلَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي دُخُولِهِمْ لِئَلَّا يُصَابُوا بِالْعَيْنِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ: «إِنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ» (¬1) . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرَوْا يُوسُفَ فِي التَّفَرُّقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ثُمَّ قَالَ: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف: 67] مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ اللَّهُ قَضَى فِيكُمْ قَضَاءً فَيُصِيبُكُمْ مُجْتَمِعِينَ كُنْتُمْ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ والحذر لا ينفع عن القدر, {إِنِ الْحُكْمُ} [يوسف: 67] ما الحكم، {إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 67] هَذَا تَفْوِيضُ يَعْقُوبَ أُمُورَهُ إِلَى الله، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [يوسف: 67] اعتمدت، {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67] [68] {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ} [يوسف: 68] أَيْ: مِنَ الْأَبْوَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ. وَقِيلَ: كَانَتِ الْمَدِينَةُ مَدِينَةَ الْفَرْمَاءِ وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، فَدَخَلُوهَا مِنْ أَبْوَابِهَا، {مَا كَانَ يُغْنِي} [يوسف: 68] يَدْفَعُ {عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف: 68] صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْقُوبَ فِيمَا قال، {إِلَّا حَاجَةً} [يوسف: 68] مُرَادًا، {فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} [يوسف: 68] أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ إِشْفَاقَ الْآبَاءِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، {وَإِنَّهُ} [يوسف: 68] يَعْنِي: يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {لَذُو عِلْمٍ} [يوسف: 68] يَعْنِي: كَانَ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ عَنْ عِلْمٍ لَا عَنْ جَهْلٍ، {لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68] أَيْ: لِتَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لِعَامِلٍ بِمَا عَلِمَ. قَالَ سُفْيَانُ: مَنْ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَعْلَمُ لا يكون عالمًا. وقيل: إنه لَذُو حِفْظٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 68] مَا يَعْلَمُ يَعْقُوبُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ إِصَابَةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ مَا أَلْهَمَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ. [69] {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} [يُوسُفَ: 69] قَالُوا: هَذَا أَخُونَا الَّذِي أَمَرْتَنَا أَنْ نَأْتِيَكَ بِهِ قَدْ جِئْنَاكَ بِهِ، فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ، وَسَتَجِدُونَ جَزَاءَ ذَلِكَ عِنْدِي، ثُمَّ أنزلهم فأكرم منزلتهم، ثُمَّ أَضَافَهُمُ وَأَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى مَائِدَةٍ فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحِيدًا فَبَكَى وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأَجْلَسَنِي مَعَهُ، فقال يوسف: لقد بقي أحدكم هَذَا وَحِيدًا فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ فَجَعَلَ يُواكله فَلَمَّا كَانَ الليل أمر لهم بمثل، وَقَالَ لِيَنَمْ كُلُّ أَخَوَيْنِ مِنْكُمْ عَلَى مِثَالٍ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحَدَهُ، فَقَالَ يُوسُفُ: هَذَا يَنَامُ مَعِي عَلَى فِرَاشِي، فَنَامَ مَعَهُ فَجَعَلَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَيَشُمُّ رِيحَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، وَجَعَلَ رُوبِينُ يَقُولُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَرَى هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ مَعَهُ ثَانٍ فَسَأَضُمُّهُ إِلَيَّ فَيَكُونُ مَنْزِلُهُ مَعِي، ثُمَّ أَنْزَلَهُمْ مُنْزِلًا وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الطعام، وأنزل أخاه لأمه، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} [يوسف: 69] ¬

(¬1) رواه الإمام مالك في الموطأ في كتاب العين، ورواه الإمام أحمد في مسنده ج 3 / 447، بلفظ: (إن العين حق) .

قوله تعالى فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية

أَيْ: ضَمَّ إِلَيْهِ أَخَاهُ فَلَمَّا خلا به قال: {قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ} [يوسف: 69] أَيْ: لَا تَحْزَنْ، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يوسف: 69] بِشَيْءٍ فَعَلُوهُ بِنَا فِيمَا مَضَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَلَا تُعْلِمْهُمْ شَيْئًا مِمَّا أَعْلَمْتُكُ، ثُمَّ أَوْفَى يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ الْكَيْلَ وَحَمَّلَ لَهُمْ بَعِيرًا بَعِيرًا وَلِبِنْيَامِينَ بَعِيرًا بِاسْمِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَايَةِ الْمَلِكِ فَجُعِلَتْ فِي رَحْلِ بنيامين. [قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ] فِي رَحْلِ أَخِيهِ. . . . [70] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} [يوسف: 70] وَهِيَ الْمَشْرَبَةُ الَّتِي كَانَ الْمَلِكُ يَشْرَبُ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ مَشْرَبَةً مِنْ فِضَّةٍ مُرَصَّعَةً بِالْجَوَاهِرِ، جَعَلَهَا يُوسُفُ مِكْيَالًا لِئَلَّا يُكَالَ بِغَيْرِهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا. وَالسِّقَايَةُ والصواع واحد، جعلت فِي وِعَاءِ طَعَامِ بِنْيَامِينَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا وَأَمْهَلَهُمْ يُوسُفُ حَتَّى انْطَلَقُوا وذهبوا منزلًا. وقيل: خَرَجُوا مِنَ الْعِمَارَةِ، ثُمَّ بَعَثَ من خَلْفَهُمْ مَنِ اسْتَوْقَفَهُمْ وَحَبَسَهُمْ. {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} [يوسف: 70] نادى منادٍ، {أَيَّتُهَا الْعِيرُ} [يوسف: 70] وَهِيَ الْقَافِلَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَحْمَالُ {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] قِفُوا. قِيلَ: قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ هَفْوَةً مِنْهُ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُمْ سَرَقُوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ، قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ نُكْرِمْ ضِيَافَتَكُمْ وَنَحْسُنْ مَنْزِلَتَكُمْ وَنُوَفِّكُمْ كَيْلَكُمْ وَنَفْعَلْ بِكُمْ مَا لَمْ نَفْعَلْ بغيركم؟ قالوا: بلى، قالوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: سِقَايَةُ الْمَلِكِ فَقَدْنَاهَا، وَلَا نَتَّهِمُ عَلَيْهَا غَيْرَكُمْ. [71] فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ} [يوسف: 71] عَطَفُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَأَصْحَابِهِ، {مَاذَا تَفْقِدُونَ} [يوسف: 71] مَا الَّذِي ضَلَّ عَنْكُمْ. وَالْفُقْدَانُ: ضد الوجدان. [72] {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} [يوسف: 72] مِنَ الطَّعَامِ، {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] كفيل، يقوله المؤذن. [73] {قَالُوا} [يوسف: 73] يعني: إخوة يوسف، {تَاللَّهِ} [يوسف: 73] أَيْ: وَاللَّهِ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. {لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} [يوسف: 73] لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ؟ قِيلَ: قالوا قد عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عنَّا مَن مَرَرْنَا بِهِ، هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ، قَالُوا: فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ ما رددناها. وقيل: قالوا بذلك لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ، {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} [يوسف: 73]

[74] {قَالُوا} [يوسف: 74] يَعْنِي: الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ {فَمَا جَزَاؤُهُ} [يوسف: 74] يعني: ما جَزَاءُ السَّارِقِ، {إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} [يوسف: 74] فِي قَوْلِكُمْ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ. [75] {قَالُوا} [يوسف: 75] يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ، {جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 75] أَيْ: فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنة، وَكَانَ ذَلِكَ سُنّة آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يُضْرَبَ السَّارِقُ وَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حكمهم. {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [يوسف: 75] الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ، فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ، فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يديه. [76] {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} [يوسف: 76] لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ، {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} [يوسف: 76] فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} [يوسف: 76] إنما أنّث الكناية في قوله اسْتَخْرَجَهَا، وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} [يوسف: 72] لأنه رد الكناية هاهنا إِلَى السِّقَايَةِ. وَقِيلَ: الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نَكَّسَ إِخْوَتُهُ رُءُوسَهُمْ مِنَ الْحَيَاءِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا: مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا يَا بَنِي رَاحِيلَ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ، فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بأخي فأهلكتموه في البرية، والله قد وَضع هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخَذُوا بنيامين رقيقًا، {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] والكيد هاهنا جَزَاءُ الْكَيْدِ، يَعْنِي: كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ: {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ. وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ: الْحِيلَةُ، وَمِنَ اللَّهِ: التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: كِدْنَا: أَلْهَمْنَا. وقيل: دبرنا. وقل: أَرَدْنَا. وَمَعْنَاهُ: صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ. {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} [يوسف: 76] فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، {فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76] أَيْ: فِي حُكْمِهِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي سُلْطَانِهِ. {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [يوسف: 76] يَعْنِي: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 76] بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (يَرْفَعُ) وَ (يَشَاءُ) بِالْيَاءِ فِيهِمَا، وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى (مَنْ) فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا، إِلَّا أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَرَءُوا: (دَرَجَاتٍ) بِالتَّنْوِينِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: نَرْفَعُ بِهِ نحن، والواقع أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ العلم إلى الله تعالى، فإن الله تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ. [77] {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 77] يُرِيدُونَ أخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ يعنون به يُوسُفَ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِقَةِ الَّتِي وصفوا بها يوسف، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ صَنَمٌ يَعْبُدُهُ فَأَخَذَهُ سِرًّا أَوْ كَسَرَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ لِئَلَّا يُعْبَدَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ يُوسُفَ جَاءَهُ سَائِلٌ يَوْمًا فَأَخَذَ بَيْضَةً مِنَ البيت فناولها السائل. وقال سفيان ابن عُيَيْنَةَ: أَخَذَ دَجَاجَةً مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي كَانَتْ فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ فَأَعْطَاهَا سَائِلًا. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يخبأ الطعام من المائدة للفقراء، {فَأَسَرَّهَا} [يوسف: 77] أَضْمَرَهَا {يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: 77] وإنما

قوله تعالى قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا

أنث الكناية لأنه عين بِهَا الْكَلِمَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} [يوسف: 77] ذَكَرَهَا سِرًّا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَا، يُرِيدُ أَنْتُمْ شَرٌّ مكانًا أي: منزلًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ رَمَيْتُمُوهُ بِالسَّرِقَةِ فِي صَنِيعِكُمْ بِيُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ سَرِقَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَخِيَانَتُكُمْ حَقِيقَةٌ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] تَقُولُونَ. [78] {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} [يوسف: 78] يحبه. {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} [يوسف: 78] بَدَلًا مِنْهُ، {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] فِي أَفْعَالِكِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا فِي تَوْفِيَةِ الْكَيْلِ وَحُسْنِ الضِّيَافَةِ وَرَدِّ الْبِضَاعَةِ. وَقِيلَ: يَعْنُونَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ المحسنين. [قوله تعالى قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا] مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُون. . . [79] {قَالَ} [يوسف: 79] يوسف، {مَعَاذَ اللَّهِ} [يوسف: 79] أَعُوذُ بِاللَّهِ، {أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} [يوسف: 79] وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا مَنْ سَرَقَ تَحْرُّزًا مِنَ الْكَذِبِ، {إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} [يوسف: 79] إِنْ أَخَذْنَا بَرِيئًا بِمُجْرِمٍ. [80] {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} [يوسف: 80] أَيْ: أَيِسُوا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ. وَقَالَ أبو عبيدة: استيأسوا اسْتَيْقَنُوا أَنَّ الْأَخَ لَا يُرد إليهم. {خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80] أَيْ: خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ يَتَنَاجَوْنَ وَيَتَشَاوَرُونَ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ. وَالنَّجِيُّ يصلح للجماعة كما قال هاهنا, وَيَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مَرْيَمَ: 52] وَإِنَّمَا جَازَ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ نَعْتًا كَالْعَدْلِ وَالزُّورِ, وَمِثْلُهُ النَّجْوَى يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا,، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الْإِسَرَاءِ: 47] أَيْ: مُتَنَاجُونَ. وَقَالَ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [الْمُجَادَلَةِ: 7] وَقَالَ فِي الْمَصْدَرِ: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} [الْمُجَادَلَةِ: 10] {قَالَ كَبِيرُهُمْ} [يوسف: 80] يَعْنِي: فِي الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ لَا فِي السِّنِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ يَهُوذَا وَهُوَ أَعْقَلُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْعُونُ، وَكَانَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ رُوبِيلُ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ، وَهُوَ الذي نهى عَنْ قَتْلِ يُوسُفَ. {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا} [يوسف: 80] عَهْدًا. {مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ} [يوسف: 80] قصرتم {فِي يُوسُفَ} [يُوسُفَ: 80] وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ (مَا) قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِيقَاعِ الْعَلَمِ عليه، يعني: أنتم تَعْلَمُوا مِنْ قَبْلِ تَفْرِيطِكُمْ فِي يُوسُفَ. وَقِيلَ: وَهُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (مِنَ اللَّهِ) ثُمَّ قَالَ (وَمِنْ قَبْلُ) هَذَا تَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ. وَقِيلَ: (مَا) صِلَةٌ أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ هَذَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ} [يوسف: 80] التي أنا بها وهي مِصْرَ {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} [يوسف: 80] بالخروج منها يدعوني، {أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} [يوسف: 80] بِرَدِّ أَخِي إِلَيَّ أَوْ بِخُرُوجِي وَتَرْكِ أَخِي. وَقِيلَ: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ فَأُقَاتِلُهُمْ وَأَسْتَرِدُّ أخي، {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80] أَعْدَلُ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ النَّاسِ. [81] {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ} [يوسف: 81] يَقُولُ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ لِإِخْوَتِهِ: ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ، {فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ} [يوسف: 81] بنيامين، {سَرَقَ} [يوسف: 81] وقرأ ابن عباس والضحاك بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، يعني: نُسب إلى السرق، كَمَا يُقَالُ خَوَّنْتُهُ أَيْ نَسَبْتُهُ إِلَى الْخِيَانَةِ، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف: 81] يَعْنِي: مَا قُلْنَا هَذَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا فَإِنَّا رَأَيْنَا إِخْرَاجَ الصواع مِنْ مَتَاعِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا شهدنا إلا بما علمنا أي ما كانت منها شَهَادَةٌ فِي عُمْرِنَا عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنَّا إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ صَنِيعِ ابْنِكَ بِزَعْمِهِمْ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا يَدْرِي هَذَا الرَّجُلُ أَنَّ السَّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إِلَّا بِقَوْلِكُمْ، فَقَالُوا: مَا شَهِدْنَا عِنْدَ يُوسُفَ بِأَنَّ السَّارِقَ يُسْتَرَقُّ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَكَانَ الْحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ. {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. مَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَكَ سَيَسْرِقُ وَيَصِيرُ أمرنا إلى هذا، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا مِمَّا لنا حِفْظِهِ مِنْهُ سَبِيلٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا كُنَّا لِلَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَمَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ حَافِظِينَ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ فَلَعَلَّهَا دُسَّتْ بِاللَّيْلِ فِي رَحْلِهِ. [62] {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَهِيَ مِصْرُ {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} [يوسف: 82] أَيِ: الْقَافِلَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا. وَكَانَ صَحِبَهُمْ قَوْمٌ مِنْ كَنْعَانَ مِنْ جِيرَانِ يَعْقُوبَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَرَفَ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ أَنَّ إِخْوَتَهُ أَهْلَ تُهْمَةٍ عِنْدَ أَبِيهِمْ لِمَا كَانُوا صَنَعُوا فِي أَمْرِ يُوسُفَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا هذه المقالة لأبيهم. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 82] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا بِأَبِيهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَكَانِهِ وَحَبَسَ أَخَاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِشِدَّةِ وَجْدِ أَبِيهِ عليه؟ وقيل معنى العقوق: قطيعة الرَّحِمِ وَقِلَّةِ الشَّفَقَةِ؟ قِيلَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، أمره به لِيَزِيدَ فِي بَلَاءِ يَعْقُوبَ فَيُضَاعِفَ لَهُ الْأَجْرَ وَيُلْحِقَهُ فِي الدَّرَجَةِ بِآبَائِهِ الْمَاضِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ لِإِخْوَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُدَبِّرُوا فِي أَمْرِهِ تَدْبِيرًا فَيَكْتُمُوهُ عَنْ أَبِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. [83] {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ} [يوسف: 83] زينت، {أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} [يوسف: 83] وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: فَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ وَذَكَرُوا لِأَبِيهِمْ مَا قَالَ كَبِيرُهُمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا، أَيْ: حُمِلَ أَخِيكُمْ إِلَى مِصْرَ لِطَلَبِ نَفْعٍ عَاجِلٍ، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] يَعْنِي: يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ وَأَخَاهُمُ الْمُقِيمَ بمصر، {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} [يوسف: 83] بِحُزْنِي وَوَجْدِي عَلَى فَقْدِهِمْ، {الْحَكِيمُ} [يوسف: 83] فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ. [84] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} [يوسف: 84] وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لما بلغه خبر بنيامين تناهى حزنه وبلغ جهده، وهيج حُزْنُهُ عَلَى يُوسُفَ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، {وَقَالَ يا أَسَفَى} [يوسف: 84] يا حزنا، {عَلَى يُوسُفَ} [يُوسُفَ: 84] وَالْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ، {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف: 84] يعني: عَمِيَ بَصَرُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ بصر بِهِمَا سِتَّ سِنِينَ، {فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] أَيْ: مَكْظُومٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ لَا يَبُثُّهُ. وَقَالَ قتادة: تردد حُزْنَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبِيهِ إِلَى يَوْمِ الْتَقَى مَعَهُ ثَمَانُونَ عَامًا لَا تَجِفُّ عَيْنَا يَعْقُوبَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يَعْقُوبَ. [85] {قَالُوا} [يوسف: 85] يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يُوسُفَ: 85] أَيْ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، لَا تَفْتُرُ مِنْ حُبِّهِ، يقال: ما فتىء يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ يفعل، وَ (لَا) مَحْذُوفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ (تفتؤا) يقال: ما فتىء يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ، {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} [يوسف: 85] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دفنا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَرَضُ مَا دُونَ الْمَوْتِ، يَعْنِي: قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاسِدًا لَا عَقْلَ لَكَ، وَالْحَرَضُ: الَّذِي فَسَدَ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ. وَقِيلَ: ذَائِبًا مِنَ الْهَمِّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى تَكُونَ دَنِفَ الْجِسْمِ

قوله تعالى يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه

مَخْبُولَ الْعَقْلِ. وَأَصْلُ الْحَرَضِ: الْفَسَادُ فِي الْجِسْمِ، وَالْعَقْلِ مِنَ الْحُزْنِ والهرم، أو العشق أو الهم، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَضٌ وَامْرَأَةٌ حَرَضٌ، وَرَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ حَرَضٌ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَذَلِكَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ. {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف: 85] أي: من الميتين. [86] {قَالَ} [يوسف: 86] يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى غِلْظَتَهُمْ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يُوسُفَ: 86] وَالْبَثُّ أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حتى يبثه أَيْ: يُظْهِرَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: بَثِّي أي: حاجتي. وروى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ له وقال: يا يعقوب ما الذي غير حالك مالي أَرَاكَ قَدْ تَهَشَّمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يَعْقُوبُ أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ أَخْطَأْتُهَا فَاغْفِرْهَا لِي، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحزني إلى الله. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] يَعْنِي أَعْلَمُ مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ مَا لَا تَعْلَمُونَ. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ] وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. . . . . [87] {يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا} [يوسف: 87] تخبروا واطلبوا الخير، {مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87] وَالتَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ لَا يَبْعُدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّ التَّحَسُّسَ بِالْحَاءِ فِي الْخَيْرِ وَبِالْجِيمِ فِي الشَّرِّ، والتحسس هُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالْحَاسَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: معناه التمسوا {وَلَا تَيْأَسُوا} [يوسف: 87] وَلَا تَقْنَطُوا {مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] أي: من الرحمة: وَقِيلَ: مِنْ فَرَجِ اللَّهِ. {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] [88] {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ} [يوسف: 88] وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى مِصْرَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهَا فدخلوا عَلَيْهِ، {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} [يوسف: 88] أَيِ: الشِّدَّةُ وَالْجُوعُ، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} [يوسف: 88] أَيْ: قَلِيلَةٍ رَدِيئَةٍ كَاسِدَةٍ لَا تُنْفَقُ فِي ثَمَنِ الطَّعَامِ إِلَّا بِتَجَوُّزٍ مِنَ الْبَائِعِ فِيهَا وَأَصْلُ الْإِزْجَاءِ السَّوْقُ وَالدَّفْعُ وَقِيلَ: لِلْبِضَاعَةِ مزجاة لأنها غير نافعة، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَفْعٍ مَنْ أخذها، {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} [يوسف: 88] أَيْ: أَعْطِنَا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قبل الثمن الجيد الوافي {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف: 88] أَيْ تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَلَا تَنْقُصْنَا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا. {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي} [يوسف: 88] يثيب, {الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مُؤْمِنٌ. وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هَلْ حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88] يُرِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ.

قوله تعالى فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه

وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عليَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَصَدَّقُ وَإِنَّمَا يَتَصَدَّقُ مَنْ يَبْغِي الثَّوَابَ، قُلِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي أَوْ تَفَضَّلْ عليَّ. [89] {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89] اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَ يُوسُفَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ فَبَاحَ بِالَّذِي كان يكتمه، وَقِيلَ: قَالَهُ حِينَ قَرَأَ كِتَابَ أبيه الذي كتب إِلَيْهِ فَلَمْ يَتَمَالَكِ الْبُكَاءَ, فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخيه إذا فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ؟ وَقِيلَ: مُذْنِبُونَ وَعَاصُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذْ أَنْتُمْ شبان وَمَعَكُمْ جَهْلُ الشَّبَابِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى أخيه شيء وَهُمْ لَمْ يَسْعَوْا فِي حَبْسِهِ؟ قِيلَ: قَدْ قَالُوا لَهُ فِي الصاع: مَا رَأَيْنَا مِنْكُمْ يَا بَنِي رَاحِيلَ خَيْرًا وَقِيلَ: لَمَّا كَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ كَانُوا يُؤْذُونَهُ مِنْ بَعْدِ فَقْدِ يُوسُفَ. [90] {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} [يُوسُفُ: 90] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ: (إِنَّكَ) عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الآخرون على الاستفهام، {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي} [يوسف: 90] بِنْيَامِينُ، {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: 90] أنعم الله عَلَيْنَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ} [يوسف: 90] بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، {وَيَصْبِرْ} [يوسف: 90] عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَّقِي الزنا وَيَصْبِرُ عَنِ الْعُزُوبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّقِي الْمَعْصِيَةَ وَيَصْبِرُ عَلَى السِّجْنِ، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] [91] {قَالُوا} [يوسف: 91] مُعْتَذِرِينَ، {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: 91] أَيِ: اخْتَارَكَ اللَّهُ وَفَضَّلَكَ عَلَيْنَا، {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91] أَيْ: وَمَا كُنَّا فِي صَنِيعِنَا بِكَ إِلَّا مُخْطِئِينَ مُذْنِبِينَ. يُقَالُ: خطئ خطأ إِذَا تَعَمَّدَ، وَأَخْطَأَ إِذَا كَانَ غير متعمد. [92] {قَالَ} [يوسف: 92] يُوسُفُ وَكَانَ حَلِيمًا، {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] لا تعيير وَلَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ بَعْدَ الْيَوْمَ، {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] فَلَمَّا عَرَّفَهُمْ يُوسُفُ نَفْسَهُ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَبِي بَعْدِي؟ قَالُوا: ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ من البكاء فأعطاهم قميصه، ثم قال: [93] {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يوسف: 93] أَيْ: يَعُدْ مُبْصِرًا. وَقِيلَ: يَأْتِينِي بَصِيرًا لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ دَعَاهُ. قَالَ الْحَسَنُ. لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَعُودُ بَصِيرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ مِنْ نسج الجنة. عن مُجَاهِدٍ قَالَ: أَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يرسل إليه قميصه، فَدَفَعَ يُوسُفُ ذَلِكَ الْقَمِيصَ إِلَى إِخْوَتِهِ وَقَالَ: أَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا، {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93] [94] {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} [يوسف: 94] أَيْ خَرَجَتْ مِنْ عَرِيشِ مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إِلَى كَنْعَانَ {قَالَ أَبُوهُمْ} [يوسف: 94] أَيْ: قَالَ يَعْقُوبُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94] تُسَفِّهُونِي، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُجَهِّلُونِي. وقال الضحاك: تهرموني فَتَقُولُونَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ خَرَّفَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ. وَقِيلَ: تُضَعِّفُونِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِي. وَأَصِلُ الْفَنَدِ الفساد. [95] {قَالُوا} [يوسف: 95] يَعْنِي: أَوْلَادَ أَوْلَادِهِ، {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95] لفي خطئك السابق مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ، والضلال هو الذهاب عن الطريق الصَّوَابِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوسُفَ قَدْ مَاتَ وَيَرَوْنَ يَعْقُوبَ قَدْ لهج بذكره. [قوله تعالى فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ] فَارْتَدَّ بَصِيرًا. . . . . [96] {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 96] وَهُوَ الْمُبَشِّرُ عَنْ يُوسُفَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَاءَ الْبَشِيرُ بَيْنَ يَدَيِ الْعِيرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هو يهوذا قال: أَنَا ذَهَبْتُ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَى يَعْقُوبَ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ فَأَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ بِالْقَمِيصِ فَأُخْبِرُهُ أَنَّ وَلَدَهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَمَلَهُ يَهُوذَا وَخَرَجَ حَافِيًا حَاسِرًا يَعْدُو وَمَعَهُ

سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَكْلَهَا حَتَّى أَتَى أَبَاهُ، وَكَانَتِ الْمَسَافَةُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا. وَقِيلَ: الْبَشِيرُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ. {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} [يوسف: 96] يَعْنِي: أَلْقَى الْبَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ، {فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف: 96] فعاد بصيرًا بعد ما كان أعمى وَعَادَتْ إِلَيْهِ قُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ وَشَبَابُهُ بَعْدَ الْهَرَمِ وَسُرُورُهُ بَعْدَ الحزن. {قَالَ} [يوسف: 96] يعني: يعقوب عليه السلام، {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] من حياة يوسف أن اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلْبَشِيرِ: كَيْفَ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَلِكُ مِصْرَ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ؟ عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. [97] {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97] مُذْنِبِينَ. [98] {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى السَّحَرِ وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (هَلْ مِنْ داع فأستجيب له) (¬1) . وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي يَعْنِي لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، قَالَ: أَسْأَلُ يُوسُفَ إِنْ عَفَا عَنْكُمْ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 98] [99] {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ} [يوسف: 99] أي: ضم إليه، {أَبَوَيْهِ} [يوسف: 99] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ أَبُوهُ وَخَالَتُهُ لِيَا؟ وَكَانَتْ أُمُّهُ رَاحِيلُ قَدْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِ بِنْيَامِينَ. وقيل: هُوَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَكَانَتْ حَيَّةً {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ قَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ بعد ما أَخْبَرَ أَنَّهُمْ دَخَلُوهَا؟ وَمَا وَجْهُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَقَدْ حَصَلَ الدُّخُولُ؟ قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ حِينَ تَلَقَّاهُمْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْنِ مِنَ الْجَوَازِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ مِصْرَ قَبْلَهُ إِلَّا بِجَوَازٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ, يَقُولُ: آمِنِينَ مِنَ الْجَوَازِ إِنْ شاء الله, كَمَا قَالَ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الْفَتْحِ: 27] وَقِيلَ: (إِنْ) هَا هُنَا بِمَعْنَى إِذْ, يُرِيدُ إِذْ شَاءَ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 139] أَيْ: إِذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. [100] {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف: 100] أي: على السرير, أجلسمها. وَالرَّفْعُ هُوَ النَّقْلُ إِلَى الْعُلُوِّ. {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] يعني: يعقوب وخالته وإخوانه وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ السُّجُودَ, ولم يرد ¬

(¬1) يشير إلى الحديث الصحيح في ذلك أخرجه البخاري في التهجد 3 / 29 ومسلم في صلاة المسافرين رقم (758) 1 / 521.

قوله تعالى وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا

بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجِبَاهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ الِانْحِنَاءُ وَالتَّوَاضُعُ. وَقِيلَ: وَضَعُوا الْجِبَاهَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّحِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ. وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَنُسِخَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ خَرُّوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سُجَّدًا بَيْنَ يَدَيْ يُوسُفَ. وَالْأَوَّلُ أصح. {وَقَالَ} [يوسف: 100] يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ،؟ {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] وَهُوَ قَوْلُهُ: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} [يوسف: 100] رَبِّي، أَيْ: أَنْعَمَ عليَّ، {إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100] وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْجُبِّ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ بَلَاءً مِنَ السِّجْنِ اسْتِعْمَالًا لِلْكَرَمِ لِكَيْلَا يَخْجَلَ إِخْوَتُهُ بعد ما قَالَ لَهُمْ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] وَلِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجُبِّ صَارَ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ وَالرِّقِّ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ صَارَ إِلَى الْمُلْكِ، وَلِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْبِئْرِ كَانَ لحسد إخوته وفي السجن كان مُكَافَأَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِزَلَّةٍ كَانَتْ مِنْهُ. {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100] وَالْبَدْوُ بَسِيطٌ مِنَ الْأَرْضِ يَسْكُنُهُ أَهْلُ الْمَوَاشِي بِمَاشِيَتِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ بادية ومواشي، يُقَالُ بَدَا يَبْدُو إِذَا صَارَ إِلَى الْبَادِيَةِ. {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ} [يوسف: 100] أَفْسَدَ، {الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100] بالحسد والبغض، {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ} [يوسف: 100] أَيْ: ذُو لُطْفٍ، {لِمَا يَشَاءُ} [يوسف: 100] وقيل: معناه لمن يَشَاءُ. وَحَقِيقَةُ اللَّطِيفِ الَّذِي يُوصِلُ الْإِحْسَانَ إِلَى غَيْرِهِ بِالرِّفْقِ {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100] فَلَمَّا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِيُوسُفَ شَمْلَهُ عَلَى أَنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى حُسْنَ الْعَاقِبَةِ فَقَالَ: [101] {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} [يوسف: 101] يَعْنِي مُلْكَ مِصْرَ، وَالْمُلْكُ: اتِّسَاعُ الْمَقْدُورِ لِمَنْ لَهُ السِّيَاسَةُ وَالتَّدْبِيرُ. {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 101] يعني: تعبير الرؤيا. {فَاطِرَ} [يوسف: 101] أي: يا فاطر، {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يوسف: 101] أي: خالقهما {أَنْتَ وَلِيِّي} [يوسف: 101] أَيْ: مُعِينِي وَمُتَوَلِّي أَمْرِي، {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف: 101] يَقُولُ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ مُسْلِمًا، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] يريد بآبائي النبيين. [102] {ذَلِكَ} [يوسف: 102] الَّذِي ذَكَرْتُ {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} [يوسف: 102] أَيْ: مَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ، {إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ} [يوسف: 102] أَيْ: عَزَمُوا عَلَى إِلْقَاءِ يُوسُفَ في الجب، {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] [103] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ} [يوسف: 103] يَا مُحَمَّدُ، {وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] عَلَى إِيمَانِهِمْ. وَرُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ وَقُرَيْشًا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَلَى مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ لَمْ يُسْلِمُوا، فَحَزِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وإن حرصت على إيمانهم. [قوله تعالى وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا] ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. . . . [104] {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ} [يوسف: 104] أَيْ: عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، {مِنْ أَجْرٍ} [يوسف: 104] جعل وجزاء، {إِنْ هُوَ} [يوسف: 104] مَا هُوَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، {إِلَّا ذِكْرٌ} [يوسف: 104] عظة وتذكير {لِلْعَالَمِينَ} [يوسف: 104] [105] {وَكَأَيِّنْ} [يوسف: 105] وكم، {مِنْ آيَةٍ} [يوسف: 105] عِبْرَةٍ وَدَلَالَةٍ، {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا. [106] {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] فَكَانَ مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا سُئِلُوا: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَنْ يُنْزِلُ الْقَطْرَ؟ قَالُوا: اللَّهُ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَيُشْرِكُونَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَلْبِيَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا فِي الدُّعَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ نَسُوا رَبَّهُمْ فِي الرَّخَاءِ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَلَاءُ أَخْلَصُوا فِي الدُّعَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22]

الآية، وقوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 65] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. [107] {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ} [يوسف: 107] أَيْ: عُقُوبَةٌ مُجَلَّلَةٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابٌ يَغْشَاهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [العنكبوت: 55] الآية. قَالَ قَتَادَةُ: وَقِيعَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الصَّوَاعِقَ وَالْقَوَارِعَ. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} [يوسف: 107] فجأة، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: 107] بِقِيَامِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَهِيجُ بِالنَّاسِ وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ. [108] {قُلْ} [يوسف: 108] يا محمد، {هَذِهِ} [يوسف: 108] الدَّعْوَةُ الَّتِي أَدْعُو إِلَيْهَا وَالطَّرِيقَةُ التي أنا عليها، {سَبِيلِي} [يوسف: 108] سُنَّتِي وَمِنْهَاجِي. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: دِينِي، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النَّحْلِ: 125] أَيْ: إِلَى دِينِهِ. {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] عَلَى يَقِينٍ. وَالْبَصِيرَةُ: هِيَ الْمَعْرِفَةُ التي يميز بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي أَيْضًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ. هَذَا قول الكلبي وابن زيد. قال: حَقٌّ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ، يذكرون بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قوله: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] يَقُولُ: إِنِّي عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ رَبِّي وَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَنِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا عَلَى أَحْسَنِ طَرِيقَةٍ وَأَقْصَدِ هِدَايَةٍ، مَعْدِنَ الْعِلْمِ وَكَنْزَ الْإِيمَانِ وَجُنْدَ الرَّحْمَنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه، لإقامة دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ على آثَارِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} [يوسف: 108] أَيْ: وَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا أَشْرَكُوا بِهِ. {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] [109] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} [يوسف: 109] يا محمد، {إِلَّا رِجَالًا} [يوسف: 109] لا ملائكة، {نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف: 109] قرأ أبو جعفر وحفص: (نُوحِي) بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ. {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ دُونَ أهل الْبَوَادِي لِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ أَعْقَلُ من أهل البوادي لِغِلَظِهِمْ وَجَفَائِهِمْ. {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [يوسف: 109] يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ، {فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} [يوسف: 109] آخِرُ أَمْرِ، {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [يوسف: 109] يَعْنِي: الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ فَيَعْتَبِرُوا، {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} [يوسف: 109] يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ: هَذَا فِعْلُنَا بِأَهْلِ وِلَايَتِنَا وَطَاعَتِنَا أَنْ نُنْجِيَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَمَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُمْ، فَتَرَكَ ما ذكرنا اكتفاء بدلالة الكلام عليه. قوله (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) ، قِيلَ:

سورة الرعد

معناه ولدار الحال الآخرة خير. وَقِيلَ: هُوَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الْوَاقِعَةِ: 95] وَكَقَوْلِهِمْ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَرَبِيعُ الْآخَرِ {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يوسف: 109] فَتُؤْمِنُونَ. [110] {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: (كُذِبُوا) فَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ: (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فمن شدده قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَيْ أَيْقَنُوا- يَعْنِي الرُّسُلَ- أَنَّ الْأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوهُمْ تَكْذِيبًا لَا يرجى بعد إيمانه، والظن لمعنى الْيَقِينِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قومه أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ لِشِدَّةِ المحنة والبلاء عليهم استبطاء النَّصْرِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَيْ: ظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كذبتهم في وعيد العقاب. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ معناه ضعف قلوبهم. يعني: وظنت الرسل أنهم قد كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا مِنَ النَّصْرِ، وَكَانُوا بَشَرًا فَضَعُفُوا وَيَئِسُوا وَظَنُّوا أنهم قد أَخْلَفُوا، ثُمَّ تَلَا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214] (جاءهم) أَيْ: جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا. {فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 110] قَرَأَ الْعَامَّةُ بِنُونَيْنِ، أَيْ: نَحْنُ نُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، لِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي الْمُصْحَفِ بنون واحدة مضمومة، فَيَكُونُ مَحَلُّ (مَنْ) رَفْعًا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى يَكُونُ نَصْبًا، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ المطيعون. {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا} [يوسف: 110] عذابنا، {عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110] أي: الْمُشْرِكِينَ. [111] {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} [يوسف: 111] أَيْ: فِي خَبَرِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ, {عِبْرَةٌ} [يوسف: 111] عِظَةٌ, {لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ} [يوسف: 111] يعني: القرآن, {حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111] أَيْ يُخْتَلَقُ, {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي} [يوسف: 111] أَيْ وَلَكِنْ كَانَ تَصْدِيقَ الَّذِي, {بَيْنَ يَدَيْهِ} [يوسف: 111] مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ, {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 111] مِمَّا يَحْتَاجُ الْعِبَادُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ, {وَهُدًى وَرَحْمَةً} [يوسف: 111] بيانا ونعمة, {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] [سورة الرعد] [قوله تعالى المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ] مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ. . . . . (13) سورة الرعد [1] {المر} [الرعد: 1] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى، {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} [الرعد: 1] يَعْنِي: تِلْكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي قَصَصْتُهَا عليك آيات التوراة والإنجيل والكتاب

المتقدمة، {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد: 1] يَعْنِي: وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ إليك {مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد: 1] أَيْ: هُوَ الْحَقُّ فَاعْتَصِمْ بِهِ، فَيَكُونُ مَحَلُّ الَّذِي رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْحَقُّ خَبَرَهُ, وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ يَعْنِي تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَآيَاتُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ, ثُمَّ ابْتَدَأَ الْحَقَّ يَعْنِي ذَلِكَ الْحَقُّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقُّ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1] قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يتولد مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَرَدَّ قَوْلَهُمْ ثُمَّ بَيَّنَ دَلَائِلَ رُبُوبِيَّتِهِ، فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: [2] {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] يَعْنِي: السَّوَارِيَ وَاحِدُهَا عَمُودٌ مِثْلُ أَدِيمٍ وَأُدُمٍ وَعُمُدٌ أَيْضًا جَمْعُهُ مثل رسول ورسل، معناه نفي العمد أصلا هو الْأَصَحُّ يَعْنِي لَيْسَ مِنْ دُونِهَا دِعَامَةٌ تُدَعِّمُهَا وَلَا فَوْقَهَا عَلَاقَةٌ تمسكها {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2] عَلَا عَلَيْهِ، {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [الرعد: 2] ذللها لِمَنَافِعِ خَلْقِهِ فَهُمَا مَقْهُورَانِ, {كُلٌّ يَجْرِي} [الرعد: 2] أَيْ: يَجْرِيَانِ عَلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، {لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد: 2] أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ فَنَاءُ الدُّنْيَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَرَادَ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى دَرَجَاتَهُمَا وَمَنَازِلَهُمَا ينتهيان إليها ولا يجاوزانها، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [الرعد: 2] يقضيه وحده، {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [الرعد: 2] يُبَيِّنُ الدَّلَالَاتِ، {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] لِكَيْ تُوقِنُوا بِوَعْدِهِ وَتُصَدِّقُوهُ. [3] {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} [الرعد: 3] بسطها، {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} [الرعد: 3] جبالا ثابتة، واحدتها: راسية {وَأَنْهَارًا} [الرعد: 3] أي: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا. {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3] أَيْ: صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَحُلْوًا وَحَامِضًا، {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الرعد: 3] أَيْ: يُلْبِسُ النَّهَارَ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَيُلْبِسُ اللَّيْلَ بِضَوْءِ النَّهَارِ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] فَيَسْتَدِلُّونَ، وَالتَّفَكُّرُ تَصَرُّفُ الْقَلْبِ فِي طَلَبِ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ. [4] {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} [الرعد: 4] مُتَقَارِبَاتٌ يُقَرَّبُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ هَذِهِ طِيِّبَةٌ تُنْبِتُ وَهَذِهِ سَبِخَةٌ لَا تُنْبِتُ، وَهَذِهِ قَلِيلَةُ الرِّيعِ وَهَذِهِ كَثِيرَةُ الرِّيعِ، {وَجَنَّاتٌ} [الرعد: 4] أي: بَسَاتِينُ {مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ} [الرعد: 4] الصنوان جَمْعُ صِنْوٍ وَهُوَ النَّخَلَاتُ يَجْمَعُهُنَّ أصل واحد، {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} [الرعد: 4] هِيَ النَّخْلَةُ الْمُنْفَرِدَةُ بِأَصْلِهَا. وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: صِنْوَانٌ مُجْتَمِعٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ مُتَفَرِّقٌ نَظِيرُهُ مِنَ الْكَلَامِ قنوان جمع قنو {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} [الرعد: 4] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ ماله يُسْقَى بِالْيَاءِ أَيْ: يُسْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بالتاء لقوله تعالى: {وَجَنَّاتٌ} [الرعد: 4] ولقوله تعالى من بعد {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي} [الرعد: 4] وَلَمْ يَقُلْ بَعْضَهُ، وَالْمَاءُ جِسْمٌ رَقِيقٌ مَائِعٌ بِهِ حَيَاةُ كَلِّ نَامٍ، {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4] فِي الثَّمَرِ وَالطَّعْمِ، قَرَأَ حَمْزَةُ والكسائي (ويفصل) بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ} [الرَّعْدِ: 2] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ عَلَى مَعْنَى. وَنَحْنُ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، وجاء في الحديث: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4] قال الفارسي: كجيد التمر وَالدَّقَلُ وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَمَثَلِ بَنِيَ آدَمَ صَالِحِهِمْ وَخَبِيثِهِمْ وَأَبُوهُمْ وَاحِدٌ. قَالَ الْحَسَنُ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقُلُوبِ بني آدم، كَانَتِ الْأَرْضُ طِينَةً وَاحِدَةً فِي يَدِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ فَسَطَحَهَا فَصَارَتْ قِطَعًا مُتَجَاوِرَةً فَيُنْزِلُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَهَا وَشَجَرَهَا وَثَمَرَهَا وَنَبَاتَهَا وَتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَهَا وَمِلْحَهَا وَخَبِيثَهَا، وَكُلٌ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ النَّاسُ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ، وَتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو، {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الرعد: 4] الَّذِي ذَكَرْتُ {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4]

[5] {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} [الرَّعْدِ: 5] الْعَجَبُ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِرُؤْيَةِ الْمُسْتَبْعَدِ فِي الْعَادَةِ وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَعْنَاهُ إِنَّكَ إِنْ تَعْجَبْ مِنْ إِنْكَارِهِمُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِابْتِدَاءِ الخلق فَعَجَبٌ أَمْرُهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِابْتِدَاءِ الْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْقُلُوبِ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْعَجَبِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِنَّ تَعْجَبْ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُشْرِكِينَ وَاتِّخَاذِهِمْ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا وَهُمْ قَدْ رَأَوْا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا ضَرَبَ لَهُمْ بِهِ الْأَمْثَالَ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، أَيْ: فَتَعْجَبُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ، {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا} [الرعد: 5] بَعْدَ الْمَوْتِ، {أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5] أَيْ: نُعَادُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا كنا قبل الموت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [الرعد: 5] يَوْمَ الْقِيَامَةِ {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الرعد: 5] [6] قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [الرعد: 6] الِاسْتِعْجَالُ طَلَبُ تَعْجِيلِ الْأَمْرِ قَبْلَ مجيء وقته، والسيئة هاهنا هِيَ الْعُقُوبَةُ وَالْحَسَنَةُ الْعَافِيَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْعُقُوبَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَافِيَةِ اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أو ائتنا بعذاب أليم. {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} [الرعد: 6] أَيْ: مَضَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْأُمَمِ الَّتِي عَصَتْ رَبَّهَا وَكَذَّبَتْ رُسُلَهَا الْعُقُوبَاتُ، وَالْمَثُلَاتُ جَمْعُ الْمَثُلَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الثَّاءِ مِثْلُ صَدُقَةٍ وَصَدُقَاتٍ. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6] [7] {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ} [الرعد: 7] أَيْ: عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [الرعد: 7] أَيْ: عَلَامَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7] مخوف، {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] أَيْ: لِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ أَوْ إِلَى الضَّلَالَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْهَادِي مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَأَنْتَ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ أَيْ دَاعٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْهَادِي هو الله تعالى. [8] قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} [الرعد: 8] مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى سَوِيَّ الْخَلْقِ أَوْ نَاقِصَ الْخَلْقِ وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ {وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ} [الرعد: 8] أَيْ: مَا تَنْقُصُ {وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد: 8] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: غَيْضُ الْأَرْحَامِ الْحَيْضُ عَلَى الْحَمْلِ، فَإِذَا حَاضَتِ الْحَامِلُ كَانَ نُقْصَانًا فِي الْوَلَدِ، لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ غِذَاءُ الْوَلَدِ فِي الرَّحِمِ فَإِذَا أَهْرَقَتِ الدَّمَ يَنْقُصُ الْغِذَاءُ فَيَنْتَقِصُ الْوَلَدُ، وَإِذَا لَمْ تَحِضْ يَزْدَادُ الْوَلَدُ وَيَتِمُّ فَالنُّقْصَانُ نُقْصَانُ خِلْقَةِ الْوَلَدِ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَالزِّيَادَةُ تَمَامُ خِلْقَتِهِ بِاسْتِمْسَاكِ الدَّمِ. وَقِيلَ: إِذَا حَاضَتْ يَنْتَقِصُ الْغِذَاءُ وَتَزْدَادُ مُدَّةُ الْحَمْلِ حَتَّى تستكمل تسعة أشهر طاهرا فَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَضَعَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ فَالنُّقْصَانُ فِي الْغِذَاءِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُدَّةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: غَيْضُهَا نُقْصَانُهَا مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَالزِّيَادَةُ زِيَادَتُهَا عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: النُّقْصَانُ السَّقْطُ، وَالزِّيَادَةُ تَمَامُ الْخَلْقِ، وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ يُولَدُ الْمَوْلُودُ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ وَيَعِيشُ {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] أَيْ: بِتَقْدِيرٍ وَحَدٍّ لَا يُجَاوِزُهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ. [9] {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ} [الرعد: 9] الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ {الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] على كل شيء. [10] قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} [الرعد: 10] أَيْ: يَسْتَوِي فِي عِلْمِ اللَّهِ الْمُسِرُّ بِالْقَوْلِ وَالْجَاهِرُ بِهِ، {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} [الرعد: 10] أَيْ: مُسْتَتِرٌ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10] أَيْ: ذَاهِبٌ فِي سَرْبِهِ ظَاهِرٌ، وَالسَّرْبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الطَّرِيقُ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: سَارِبٌ بِالنَّهَارِ أَيْ مُتَصَرِّفٌ فِي حَوَائِجِهِ، قَالَ ابن عباس: هُوَ

صَاحِبُ رِيبَةٍ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ فَإِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِثْمِ، وَقِيلَ: مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أَيْ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ خَفِيتُ الشَّيْءَ إِذَا أَظْهَرْتَهُ وَأَخْفَيْتُهُ إِذَا كَتَمْتَهُ، وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ أَيْ: مُتَوَارٍ دَاخِلٌ فِي سَرْبٍ. [11] {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} [الرعد: 11] أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ فيكم بالليل والنهار صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ النَّهَارِ وَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، وَالتَّعْقِيبُ: الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ وَاحِدَهَا مُعَقِّبٌ، وَجَمْعَهُ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جَمْعُ الْجَمْعِ مُعَقِّبَاتٌ كَمَا قِيلَ أَبْنَاوَاتُ سَعْدٍ وَرِجَالَاتُ بَكْرٍ {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الرعد: 11] يَعْنِي: مِنْ قُدَّامِ هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبِ بِالنَّهَارِ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] يَعْنِي: بِأَمْرِ اللَّهِ، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ بإذن الله ما لم يجىء القدر، فإذا جاء القدر خُلُوًّا عَنْهُ. وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحِفْظِ عَنْهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ يَحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهُمْ شَيْءٌ يَأْتِيهِ يُرِيدُهُ إِلَّا قَالَ: وَرَاءَكَ إِلَّا شَيْءٌ يَأْذَنُ اللَّهُ فيه فيصيبه {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} [الرعد: 11] مِنَ الْعَافِيَةِ وَالنِّعْمَةِ، {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] مِنَ الْحَالِ الْجَمِيلَةِ فَيَعْصُوا رَبَّهُمْ، {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا} [الرعد: 11] أَيْ: عَذَابًا وَهَلَاكًا {فَلَا مَرَدَّ لَهُ} [الرعد: 11] أَيْ: لَا رَادَّ لَهُ، {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11] أَيْ: مَلْجَإٍ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: والٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَمْنَعُ الْعَذَابَ عنهم. [12] قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الرعد: 12] قِيلَ: خَوْفًا مِنَ الصَّاعِقَةِ طَمَعًا فِي نَفْعِ الْمَطَرِ، وَقِيلَ: الْخَوْفُ للمسافر يخاف منه الأذى أو المشقة وَالطَّمَعُ لِلْمُقِيمِ يَرْجُو مِنْهُ الْبَرَكَةَ وَالْمَنْفَعَةَ، وَقِيلَ: الْخَوْفُ مِنَ الْمَطَرِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَإِبَّانِهِ وَالطَّمَعُ إِذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ وَإِبَّانِهِ ومن البلدان ما إذا مطروا قحطوا وإذ لَمْ يُمْطَرُوا أَخْصَبُوا. {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد: 12] بِالْمَطَرِ. يُقَالُ: أَنْشَأَ اللَّهُ السَّحَابَةَ فنشأت أي أبداها فبدت، والسحب جمع واحدتها سحابة. [13] {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [الرعد: 13] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَإِنْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والملائكة من خيفته {وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13] أَيْ: تُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَةِ الله عز وجل وخشيته {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ} [الرعد: 13] جَمْعُ صَاعِقَةٍ وَهِيَ الْعَذَابُ الْمُهْلِكُ يَنْزِلُ مِنَ الْبَرْقِ فَيَحْرِقُ مَنْ يُصِيبُهُ، {فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ} [الرعد: 13] يخاصمون، {فِي اللَّهِ} [الرعد: 13]

قوله تعالى له دعوة الحق والذين يدعون من دونه

نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ حَيْثُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مِمَّ رَبُّكَ آمن دُرّ أم من يا قوت أَمْ مِنْ ذَهَبٍ؟ فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ من السماء فأحرقته {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَدِيدُ الْأَخْذِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شديد الحول، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَدِيدُ الْقُوَّةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ الْعُقُوبَةِ. وَقِيلَ: شَدِيدُ الْمَكْرِ. وَالْمِحَالُ وَالْمُمَاحَلَةُ الْمُمَاكَرَةُ والمغالبة. [قوله تعالى لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ] لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ. . . . [14] {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد: 14] أَيْ: لِلَّهِ دَعْوَةُ الصِّدْقِ. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْوَةُ الْحَقِّ التَّوْحِيدُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَاصِ وَالدُّعَاءُ الْخَالِصُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} [الرعد: 14] أَيْ: يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. {لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} [الرعد: 14] أَيْ: لَا يُجِيبُونَهُمْ بِشَيْءٍ يُرِيدُونَهُ مِنْ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ. {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} [الرعد: 14] أَيْ: إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ وَالْقَابِضُ عَلَى الْمَاءِ لَا يَكُونُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ وَلَا يَبْلُغُ إِلَى فِيهِ مِنْهُ شيء، كذلك الذين يدعون الْأَصْنَامَ وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لَا يَكُونُ بِيَدِهِ شَيْءٌ. وقيل: معناه كالرجل العطشان الْجَالِسِ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ فَلَا يَبْلُغُ قَعْرَ الْبِئْرِ إِلَى الْمَاءِ وَلَا يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ الْمَاءُ فَلَا يَنْفَعُهُ بَسْطُ الْكَفِّ إِلَى الْمَاءِ وَدُعَاؤُهُ لَهُ، وَلَا هُوَ يَبْلُغُ فَاهُ كَذَلِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْأَصْنَامَ لَا ينفعهم نداؤها ودعاؤها، وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَالْعَطْشَانِ إِذَا بسط كفيه إلى الْمَاءِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَغْرِفْ بِهِمَا الْمَاءَ وَلَا يَبْلُغُ الْمَاءُ فَاهُ مَا دَامَ باسطا كفيه، مثل ضربه الله لِخَيْبَةِ الْكُفَّارِ. {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ} [الرعد: 14] أصنامهم، {إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] يَضِلُّ عَنْهُمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ كَمَا قَالَ: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24] {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ} [فصلت: 48] وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ رَبَّهُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ لِأَنَّ أَصْوَاتَهُمْ مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. [15] {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا} [الرعد: 15] يعني: الملائكة والمؤمنين، {وَكَرْهًا} [الرعد: 15] يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ الَّذِينَ أُكْرِهُوا على السجود بالسيف. {وَظِلَالُهُمْ} [الرعد: 15] يَعْنِي: ظِلَالَ السَّاجِدِينَ طَوْعًا وَكَرْهًا تَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ طَوْعًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ظِلُّ الْمُؤْمِنِ يَسْجُدُ طَوْعًا وَهُوَ طَائِعٌ، وَظِلُّ الْكَافِرِ يَسْجُدُ طَوْعًا وَهُوَ كَارِهٌ. {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] يعني إذا سجد بالغدو والعشي يسجد معه ظله، والآصال: جمع الأصل والأصل جَمْعُ الْأَصِيلِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقِيلَ: ظِلَالُهُمْ أَيْ: أَشْخَاصُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ بِالْبُكَرِ وَالْعَشَايَا. وَقِيلَ: سُجُودُ الظِّلِّ تذليله لما أريد له. [16] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الرعد: 16] أَيْ: خَالِقُهُمَا وَمُدَبِّرُهُمَا فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، إنهم يُقِرُّونَ

بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ والأرض إذا أَجَابُوكَ، فَقُلْ أَنْتَ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أجِبْ أَنْتَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عز وجل فقال: {قُلْ} [الرعد: 16] أنت يا محمد، {اللَّهُ} [الرعد: 16] ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الرعد: 16] مَعْنَاهُ: إِنَّكُمْ مَعَ إِقْرَارِكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ اتَّخَذْتُمْ مَنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَعَبَدْتُمُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ, يَعْنِي: الْأَصْنَامَ, وَهُمْ {لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} [الرعد: 16] فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ؟ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الرعد: 16] كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} [الرعد: 16] أَيْ: كَمَا لَا يَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ لَا يَسْتَوِي الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ. {أَمْ جَعَلُوا} [الرعد: 16] أي: جَعَلُوا، {لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [الرعد: 16] أَيِ: اشْتَبَهَ مَا خَلَقُوهُ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَدْرُونَ مَا خَلْقَ اللَّهُ وَمَا خَلَقَ آلِهَتُهُمْ {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَيْنِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. [17] فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أَنْزَلَ} [الرعد: 17] يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، {مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الرعد: 17] يعني المطر، {فَسَالَتْ} [الرعد: 17] مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ {أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] أَيْ: فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ} [الرعد: 17] الَّذِي حَدَثَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، {زَبَدًا رَابِيًا} [الرعد: 17] الزَّبَدُ الْخَبَثُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى وجه الماء، رَابِيًا أَيْ عَالِيًا مُرْتَفِعًا فَوْقَ الماء الصَّافِي الْبَاقِي هُوَ الْحَقُّ. وَالذَّاهِبُ الزَّائِلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْجَارِ وَجَوَانِبِ الْأَوْدِيَةِ هُوَ الْبَاطِلُ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً هَذَا مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ وَالْأَوْدِيَةُ مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ يريد ينزل القرآن، فتحتمل مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ وَالْعَقْلِ وَالشَّكِّ وَالْجَهْلِ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ وَالْمَثَلُ الْآخَرُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ} [الرعد: 17] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ {يُوقِدُونَ} [الرعد: 17] بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [الرعد: 17] ولا مخاطبة ها هنا، قرأ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَمِمَّا تُوقِدُونَ، أَيْ: ومن الذي توقدون عليه النَّارِ، وَالْإِيقَادُ جَعْلُ النَّارِ تَحْتَ الشيء ليذوب، {ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ} [الرعد: 17] أَيْ: لِطَلَبِ زِينَةٍ، وَأَرَادَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ تُطْلَبُ مِنْهُمَا، {أَوْ مَتَاعٍ} [الرعد: 17] أَيْ: طَلَبِ مَتَاعٍ وَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ تُذَابُ فَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَوَانِي وَغَيْرُهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا، {زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} [الرعد: 17] أَيْ: إِذَا أُذِيبَ فَلَهُ أَيْضًا زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الْمَاءِ، فَالْبَاقِي الصَّافِي مِنْ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ مِثْلُ الْحَقِّ، وَالزَّبَدُ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلُ الْبَاطِلِ، {فَأَمَّا الزَّبَدُ} [الرعد: 17] الذي علا السيل {فَيَذْهَبُ جُفَاءً} [الرعد: 17] أَيْ: ضَائِعًا بَاطِلًا، وَالْجُفَاءُ مَا رَمَى بِهِ الْوَادِي مِنَ الزَّبَدِ وَالْقِدْرُ إِلَى جَنَبَاتِهِ، يُقَالُ: جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَأَ إِذَا أَلْقَى غُثَاءَهُ، وَأَجْفَأَتِ الْقِدْرُ وَجَفَأَتْ إِذَا غَلَتْ وَأَلْقَتْ زَبَدَهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ مَعْنَاهُ: إِنَّ الْبَاطِلَ وَإِنْ عَلَا فِي وَقْتٍ فَإِنَّهُ يَضْمَحِلُّ. وَقِيلَ: جُفَاءً أَيْ: مُتَفَرِّقًا. يُقَالُ: جَفَأَتِ الرِّيحُ الْغَيْمَ إِذَا فَرَّقَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ، {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [الرعد: 17] يعني: الماء والذهب وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، {فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] أَيْ: يَبْقَى وَلَا يَذْهَبُ، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17] جعل الله هذا مثالا للحق والباطل، يعني أَنَّ الْبَاطِلَ كَالزَّبَدِ يَذْهَبُ وَيَضِيعُ والحق كالماء يَبْقَى فِي الْقُلُوبِ. وَقِيلَ: هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: أَنَّ أَمْرَ الْمُشْرِكِينَ كَالزَّبَدِ يُرَى فِي الصُّورَةِ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ كَالْمَاءِ الْمُسْتَقِرِّ فِي مَكَانِهِ له البقاء والثبات. [18] قوله تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا} [الرعد: 18] أجابوا، {لِرَبِّهِمُ} [الرعد: 18] فأطاعوه، {الْحُسْنَى} [الرعد: 18] الْجَنَّةُ، {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} [الرعد: 18] أَيْ: لَبَذَلُوا ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ افْتِدَاءً مِنَ النَّارِ، {أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} [الرعد: 18] قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: سُوءُ الْحِسَابِ أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ

قوله تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك

بِذَنْبِهِ كُلِّهِ لَا يَغْفِرُ لَهُ منه شيء، {وَمَأْوَاهُمْ} [الرعد: 18] فِي الْآخِرَةِ {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [الرعد: 18] الْفِرَاشُ، أَيْ: بِئْسَ مَا مُهِّدَ لَهُمْ. [قَوْلُهُ تَعَالَى أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ. . . . [19] قَوْلُهُ تَعَالَى. {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد: 19] فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ، {كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 19] عَنْهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَأَبِي جَهْلٍ، وَقِيلَ: فِي عَمَّارٍ وَأَبِي جَهْلٍ، فَالْأَوَّلُ حَمْزَةُ أَوْ عَمَّارٌ وَالثَّانِي أَبُو جَهْلٍ، وَهُوَ الْأَعْمَى، أَيْ: لَا يَسْتَوِي مَنْ يُبْصِرُ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُهُ وَمَنْ لَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَتَّبِعُهُ. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} [الرعد: 19] يتعظ, {أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19] ذَوُو الْعُقُولِ. [20] {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} [الرعد: 20] بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُخَالِفُونَهُ. {وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] وَقِيلَ: أَرَادَ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ. [21] {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد: 21] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ صلة الرحم {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] [22] {وَالَّذِينَ صَبَرُوا} [الرعد: 22] عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَى الْمَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ. وَقِيلَ: عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَقِيلَ: عَنِ الْمَعَاصِي. {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] طلب تعظيمه أن يخالفوه، {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} [الرعد: 22] يَعْنِي يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ، {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد: 22] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: يَدْفَعُونَ بِالصَّالِحِ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئَ مِنَ الْعَمَلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هُودٍ: 114] وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا، السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بالعلانية» (¬1) . وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَعْنَى الْآيَةِ يَدْفَعُونَ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ. وَقِيلَ: لَا يُكَافِئُونَ الشَّرَّ بِالشِّرِّ وَلَكِنْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ إِذَا سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا، فَالسَّفَهُ: السَّيِّئَةُ، وَالْحِلْمُ: الْحَسَنَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ردوا عليهم معروفا نطيره قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الْفُرْقَانِ: 63] وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا حُرِمُوا أَعْطَوْا وَإِذَا ظُلِمُوا عفوا وإذا قطعوا وصلوا {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22] يَعْنِي الْجَنَّةَ، أَيْ: عَاقِبَتُهُمْ دَارُ الثَّوَابِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: [23] {جَنَّاتُ عَدْنٍ} [الرعد: 23] بَسَاتِينُ إِقَامَةٍ، {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23] قِيلَ: مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: من ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في مسنده 5 / 169 بلفظ: "إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها" وأشار الحافظ السيوطي في جامعه الصغير إلى تصحيح هذه الرواية، وذكر أخرى بلفظ: "إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية" رواها الإمام أحمد عن عطاء مرسلا.

قوله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم

أبواب القصور. [24] {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد: 24] أَيْ: يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: يَقُولُونَ سَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الْآفَاتِ التي تَخَافُونَ مِنْهَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ثَلَاثَ كَرَّاتٍ مَعَهُمُ الْهَدَايَا وَالتُّحَفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24] [25] {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] هَذَا فِي الْكُفَّارِ. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد: 25] أَيْ: يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. وَقِيلَ: يَقْطَعُونَ الرَّحِمَ، {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 25] أَيْ: يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي، {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] يَعْنِي: النَّارَ، وَقِيلَ: سُوءُ الْمُنْقَلَبِ لأن منقلب الناس دورهم. [26] قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرَّعْدِ: 26] أَيْ: يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 26] يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ أَشِرُوا وَبَطِرُوا، وَالْفَرَحُ لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ بِنَيْلِ المشتهى، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد: 26] أَيْ: قَلِيلٌ ذَاهِبٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كمثل القصعة وَالْقَدَحِ وَالْقِدْرِ يُنْتَفَعُ بِهَا ثُمَّ تذهب. [27] {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الرعد: 27] مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] أَيْ: يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ بِالْإِنَابَةِ. وَقِيلَ: يُرْشِدُ إِلَى دِينِهِ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ. [28] {الَّذِينَ آمَنُوا} [الرعد: 28] فِي مَحَلِّ النَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ قوله: {مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27] {وَتَطْمَئِنُّ} [الرعد: 28] تسكن, {قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28] قَالَ مُقَاتِلٌ: بِالْقُرْآنِ، وَالسُّكُونُ يَكُونُ بِالْيَقِينِ، وَالِاضْطِرَابُ يَكُونُ بِالشَّكِّ، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرَّعْدِ: 28] تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا الْيَقِينُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الْحَلِفِ، يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الْمُسْلِمُ بِاللَّهِ عَلَى شَيْءٍ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الْأَنْفَالِ: 2] فَكَيْفَ تَكُونُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَجَلُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قِيلَ: الْوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ وَالطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعْدِ وَالثَّوَابِ، فَالْقُلُوبُ تَوْجَلُ إِذَا ذكرت وعيد اللَّهِ وَشِدَّةَ حِسَابِهِ، وَتَطْمَئِنُّ إِذَا ذكرت فضل الله وكرمه. [قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ] وَحُسْنُ مَآبٍ. . . . [29] {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الرعد: 29] ابتداء، وقوله: {طُوبَى لَهُمْ} [الرعد: 29] خَبَرُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ {طُوبَى} [الرعد: 29] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَرَحٌ لَهُمْ وَقُرَّةُ عَيْنٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نِعْمَ مَالَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حُسْنَى لَهُمْ. وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ طُوبَى لَكَ أَيْ أَصَبْتَ خَيْرًا. وَقَالَ إبراهيم: خير لهم وكرامة. قال الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ مِنَ الطَّيِّبِ وَالْوَاوُ فِيهِ لِضَمَّةِ الطَّاءِ وَفِيهِ لُغَتَانِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: طُوبَاكَ وَطُوبَى لَكَ أَيْ لَهُمُ الطَّيِّبُ. {وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29] أي: حسن المنقلب. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طُوبَى اسْمُ الْجَنَّةِ بالحبشية. وقال الرَّبِيعُ: هُوَ الْبُسْتَانُ بِلُغَةِ الْهِنْدِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي هريرة وأبي الدرداء قال: طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ تُظِلُّ الجنان كلها (¬1) . [30] قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ} [الرعد: 30] أي: كَمَا أَرْسَلَنَا الْأَنْبِيَاءَ إِلَى الْأُمَمِ أَرْسَلْنَاكَ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، {قَدْ خَلَتْ} [الرعد: 30] مَضَتْ, {مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ} [الرعد: 30] لِتَقْرَأَ، {عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابَ الصُّلْحِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - لعلي: «اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، قَالُوا: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة ¬

(¬1) انظر صحيح البخاري (6552، 6553) كتاب الرقاق، ومسلم (2826-2828) كتاب صفة الجنة.

الْكَذَّابَ، اكْتُبْ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَسَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْحِجْرِ يَدْعُو: يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَرَجَعَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إليهن يَدْعُو اللَّهَ وَيَدْعُو إِلَهًا آخَرَ يُسَمَّى الرَّحْمَنَ، وَلَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الْإِسْرَاءُ: 110] وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسجدوا لله لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟ قَالَ الله تعالى. {قُلْ} [إبراهيم: 30] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ {هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [الرعد: 30] اعتمدت {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] أي: توبتي ومرجعي. [31] قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} [الرعد: 31] فَأُذْهِبَتْ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ, {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} [الرعد: 31] أَيْ: شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أَنْهَارًا وَعُيُونًا {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31] {بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31] أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يفعل، {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الرعد: 31] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ أَفَلَمْ يَعْلَمْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ لُغَةُ النخع. وقيل: هي لُغَةُ هَوَازِنَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا) ، وَأَنْكَرَ الْفَرَّاءُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُ: يَئِسْتُ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَلَكِنْ مَعْنَى الْعِلْمِ فِيهِ مُضْمَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سَمِعُوا هَذَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ طَمِعُوا فِي أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ مَا سَأَلُوا فيؤمنوا فنزل: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الرعد: 31] يَعْنِي: الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مِنْ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ أَيْ لم ييأسوا عِلْمًا وَكُلُّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا يَئِسَ مِنْ خِلَافِهِ, يَقُولُ: أَلَمْ يُيَئِّسْهُمُ الْعِلْمُ, {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا} [الرعد: 31] مِنْ كُفْرِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ {قَارِعَةٌ} [الرعد: 31] أَيْ: نَازِلَةٌ وَدَاهِيَةٌ تَقْرَعُهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ أَحْيَانًا بِالْجَدْبِ وَأَحْيَانًا بالسلب وأحيانا بالقتل والأسر {أَوْ تَحُلُّ} [الرعد: 31] يعني: القارعة، {قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} [الرعد: 31] وَقِيلَ: أَوْ تَحُلُّ أَيْ تَنْزِلُ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِنَفْسِكَ قَرِيبًا مِنْ دِيَارِهِمْ، {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} [الرعد: 31] قِيلَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: الْفَتْحُ وَالنَّصْرُ وَظُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينِهِ. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31] وَكَانَ الْكُفَّارُ يَسْأَلُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [32] {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} [الرعد: 32] كَمَا اسْتَهْزَءُوا بِكَ، {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [الرعد: 32] أَمْهَلْتُهُمْ وَأَطَلْتُ لَهُمُ الْمُدَّةَ وَمِنْهُ الْمَلَوَانِ وَهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} [الرعد: 32] عَاقَبْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ

قوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون تجري

وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ, {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] أَيْ: عِقَابِي لَهُمْ. [33] {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] أَيْ: حَافِظُهَا وَرَازِقُهَا وَعَالَمٌ بِهَا وَمُجَازِيهَا بِمَا عَمِلَتْ، وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَنْ لَيْسَ بِقَائِمٍ بَلْ عَاجِزٌ عَنْ نَفْسِهِ, {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33] بَيِّنُوا أَسْمَاءَهُمْ وَقِيلَ صِفُوهُمْ ثُمَّ انْظُرُوا هَلْ هِيَ أَهْلٌ لِأَنْ تعبد {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} [الرعد: 33] أي: تخبرون اللَّهَ {بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 33] فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا وَلَا فِي الْأَرْضِ إِلَهًا غَيْرَهُ {أَمْ بِظَاهِرٍ} [الرعد: 33] يَعْنِي: أَمْ تَتَعَلَّقُونَ بِظَاهِرٍ، {مِنَ الْقَوْلِ} [الرعد: 33] مَسْمُوعٍ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بَاطِلٌ لا أصل له. وقيل: بزائل مِنَ الْقَوْلِ {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} [الرعد: 33] كَيَدُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شِرْكُهُمْ وَكَذِبُهُمْ عَلَى اللَّهِ, {وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} [الرعد: 33] أي: صرفوا عن الدين {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} [الرعد: 33] بِخُذْلَانِهِ إِيَّاهُ, {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33] [34] {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد: 34] بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ, {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} [الرعد: 34] أَشَدُّ {وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [الرعد: 34] مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [قَوْلُهُ تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي] مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا. . . . . [35] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35] صِفَةُ الْجَنَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النَّحْلُ: 60] أَيْ: الصِّفَةُ الْعُلْيَا, {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الرعد: 35] أَيْ: صِفَةُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أَنَّ الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا. وَقِيلَ: مَثَلُ صِلَةٌ مَجَازُهَا الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. {أُكُلُهَا دَائِمٌ} [الرعد: 35] أَيْ: لَا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهَا وَنَعِيمُهَا، {وَظِلُّهَا} [الرعد: 35] أَيْ: ظِلُّهَا ظَلِيلٌ لَا يَزُولُ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا إِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ يَفْنَى. {تِلْكَ عُقْبَى} [الرعد: 35] أي عاقبة {الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الرعد: 35] يَعْنِي الْجَنَّةَ, {وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35] [36] قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الرعد: 36] يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد: 36] من القرآن, {وَمِنَ الْأَحْزَابِ} [الرعد: 36] يَعْنِي: الْكُفَّارَ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى, {مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد: 36] هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ قَلِيلًا فِي الْقُرْآنِ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ سَاءَهُمْ قِلَّةُ ذَكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ فِي التَّوْرَاةِ، فَلَمَّا كَرَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْقُرْآنِ فَرِحُوا بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد: 36] يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ كَتَبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , قَالُوا: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحِمْنَ الْيَمَامَةِ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الْأَنْبِيَاءُ: 36] {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرَّعْدُ: 30] وَإِنَّمَا قَالَ: {بَعْضَهُ} [الرعد: 36] لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُنْكِرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ وَيُنْكِرُونَ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ. {قُلْ} [الرعد: 36] يَا مُحَمَّدُ،

{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36] أَيْ: مَرْجِعِي. [37] {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} [الرعد: 37] يَقُولُ: كَمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ يَا مُحَمَّدُ فَأَنْكَرَهُ الْأَحْزَابُ كَذَلِكَ أنزلنا إليك الْحَكَمَ وَالدِّينَ عَرَبِيًّا، نُسِبَ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَكَذَّبَ بِهِ الْأَحْزَابُ. وَقِيلَ: نَظْمُ الْآيَةِ كما أنزل الْكُتُبُ عَلَى الرُّسُلِ بِلُغَاتِهِمْ فَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ حُكْمًا عَرَبِيًّا. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [الرعد: 37] وقيل: في القبلة، {أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} [الرعد: 37] يَعْنِي: مِنْ نَاصِرٍ وَلَا حَافِظٍ. [38] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ} [الرعد: 38] رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَتْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا فِي النِّسَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] وَمَا جَعَلْنَاهُمْ مَلَائِكَةً لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنْكِحُونَ، {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] يَقُولُ: لِكُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ كتاب قد كتبه فِيهِ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ أَيْ: لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ وَمُدَّةٌ أَيِ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَقْتٌ يَنْزِلُ فِيهِ. [39] {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] قرأ ابن كثير وأبو عمر وعاصم ويعقوب {وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْفَرَائِضِ فَيَنْسَخُهُ وَيُبَدِّلُهُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا فَلَا يَنْسَخُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ إِلَّا الرِّزْقَ وَالْأَجَلَ وَالسَّعَادَةَ والشقاوة وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ إِنَّ الْحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ جَمِيعَ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ وَأَقْوَالِهِمْ فَيَمْحُو اللَّهُ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ: أَكَلْتُ، شَرِبْتُ، دَخَلْتُ، خَرَجْتُ، وَنَحْوِهَا مِنْ كَلَامٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ، وَيُثْبِتُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ، هَذَا قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَالْكَلْبِيِّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَكْتُبُ الْقَوْلَ كُلَّهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ طَرَحَ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَعُودُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَهُوَ الَّذِي يَمْحُو، وَالَّذِي يُثْبِتُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيَمُوتُ وَهُوَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ. وقال الحسن: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [الرعد: 39] أَيْ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ يَذْهَبُ به ويثبت من لم يجىء أجله إلى يوم أجله. وعن سعيد ابن جبير قال: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [الرعد: 39] مِنْ ذُنُوبِ الْعِبَادِ فَيَغْفِرُهَا وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَغْفِرُهَا. وَقَالَ عكرمة: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [الرعد: 39] مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ وَيُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَنَاتٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وقال السدي: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [الرعد: 39] يعني القمر {وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] يَعْنِي الشَّمْسَ بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الْإِسْرَاءُ: 12] وَقَالَ الرَّبِيعُ: هَذَا فِي الْأَرْوَاحِ يَقْبِضُهَا اللَّهُ عِنْدَ النَّوْمِ فَمَنْ أَرَادَ مَوْتَهُ مَحَاهُ فَأَمْسَكَهُ وَمَنْ أَرَادَ بَقَاءَهُ أَثْبَتَهُ وَرَدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42] الآية. {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] أَيْ: أَصْلُ الْكِتَابِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا كِتَابَانِ: كِتَابٌ سِوَى أُمِّ الْكِتَابِ يَمْحُو مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَأُمُّ الْكِتَابِ الَّذِي لَا يُغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى لَوْحًا مَحْفُوظًا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا دفتان من يا قوت لله في كل يوم فيه ثلاثمائة وستون لحظة {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] وَسَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الْكِتَابِ فَقَالَ: عِلْمُ اللَّهِ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا خَلْقُهُ عَامِلُونَ. [40] {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} [يونس: 46] مِنَ الْعَذَابِ قَبْلَ وَفَاتِكَ، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} [الرعد: 40] قَبْلَ ذَلِكَ، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [الرعد: 40]

سورة إبراهيم

لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا ذَلِكَ، {وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40] الْجَزَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا} [الرعد: 41] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْآيَاتِ، {أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فَتْحُ دِيَارِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ مَا زَادَ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ فقد نقصر مع دِيَارِ الشِّرْكِ، يَقُولُ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] فَنَفْتَحُهَا لِمُحَمَّدٍ أَرْضًا بَعْدَ أَرْضٍ حَوَالَيْ أَرْضِهِمْ، أَفَلَا يَعْتَبِرُونَ؟ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَجَمَاعَةٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ خَرَابُ الْأَرْضِ مَعْنَاهُ أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ فَنُخَرِّبُهَا وَنُهْلِكُ أَهْلَهَا أَفَلَا يَخَافُونَ أَنْ نَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ؟ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ خَرَابُ الْأَرْضِ وَقَبْضُ أَهْلِهَا. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَبْضُ النَّاسِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: نُقْصَانُهَا موت العلماء، وذهاب الفقهاء قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأضلوا» (¬1) . {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41] لاراد لِقَضَائِهِ وَلَا نَاقِضَ لِحُكْمِهِ، {وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد: 41] [42] {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الرعد: 42] يَعْنِي: مِنْ قَبْلِ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَالْمَكْرُ: إِيصَالُ الْمَكْرُوهِ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 42] أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ جَزَاءُ مَكْرِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ مَكْرِهِمْ جَمِيعًا بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَإِلَيْهِ النفع والضر، فلا يضر أَحَدٍ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 42] أَيْ: عَاقِبَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ حِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ وَيَدْخُلُ الْمُؤْمِنُونَ الْجَنَّةَ. {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] [43] {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد: 43] إني رسول إِلَيْكُمْ {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] يُرِيدُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ يَشْهَدُونَ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. وَأَنْكَرَ الشَّعْبِيُّ هَذَا وَقَالَ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] أَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ يَكُونُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ عِنْدِهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالدَّالِ أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَنْ عِنْدَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالدَّالِ عُلِم الْكِتَابُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، دَلِيلُ هذه القراءة: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الْكَهْفِ: 65] وَقَوْلُهُ: {الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرَّحْمَنِ: 1 - 2] [سورة إبراهيم] [قوله تعالى الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ] مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ. . . . . ¬

(¬1) أخرجه البخاري في العلم 1 / 194 ومسلم في العلم رقم (2673) 4 / 2058.

قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمت الله

(14) سورة إبراهيم [1] {الر كِتَابٌ} [إبراهيم: 1] أَيْ: هَذَا كِتَابٌ {أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} [إبراهيم: 1] يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي الْقُرْآنَ، {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1] أَيْ: لِتَدْعُوَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلَالَةِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم: 1] بِأَمْرِ رَبِّهِمْ. وَقِيلَ: بِعِلْمِ رَبِّهِمْ، {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] أي: إلى دينه والعزيز هو الغالب والحميد المستحق بالحمد. [2] {اللَّهِ} [إبراهيم: 2] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ اللَّهُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَخَبَرُهُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ نَعْتًا لِلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ إِذَا وَصَلَ خَفَضَ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْخَفْضُ عَلَى التَّقْدِيمِ والتأخير تقديره إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2] [3] {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} [إبراهيم: 3] يَخْتَارُونَ، {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [إبراهيم: 3] أَيْ: يَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنْ قَبُولِ دين الله، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [إبراهيم: 3] يَطْلُبُونَهَا زَيْغًا وَمَيْلًا يُرِيدُ يَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ جَائِرِينَ عَنِ الْقَصْدِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الدُّنْيَا ومعناه يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا عَلَى طَرِيقِ الْمَيْلِ عن الحق، أي بجهة الْحَرَامِ. {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3] [4] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] بِلُغَتِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ؟ قِيلَ: بُعِثَ مِنَ الْعَرَبِ بِلِسَانِهِمْ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ ثُمَّ بَثَّ الرُّسُلُ إِلَى الْأَطْرَافِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُتَرْجِمُونَ لَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] [5] {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 5] أَيْ: مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ بالدعوة، {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: بِنِعَمِ اللَّهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِوَقَائِعِ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. يُقَالُ فُلَانٌ عَالِمٌ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ أَيْ بِوَقَائِعِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِمَا كَانَ فِي أَيَّامِ اللَّهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْمِحْنَةِ فَاجْتَزَأَ بِذِكْرِ الْأَيَّامِ عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] الصبار: الكثير الصبر، والشكور: الْكَثِيرُ الشُّكْرِ، وَأَرَادَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ لِأَنَّ الصَّبْرَ وَالشُّكْرَ مِنْ خِصَالِ المؤمنين. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ] عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. . . . . [6] {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [إبراهيم: 6] قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعِلَّةُ الْجَالِبَةُ لِهَذِهِ الْوَاوِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَهُمْ أَنَّ آلَ

قوله تعالى قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم

فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع الْعَذَابِ غَيْرِ التَّذْبِيحِ، وَبِالتَّذْبِيحِ وَحَيْثُ طرح الواو في يذبحون ويقتلون أَرَادَ تَفْسِيرَ الْعَذَابِ الَّذِي كَانُوا يسومونهم، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [إبراهيم: 6] يَتْرُكُوهُنَّ أَحْيَاءً {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم: 6] [7] {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} [إبراهيم: 7] أَيْ: أَعْلَمَ، يُقَالُ: أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، مِثْلُ أَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ، {لَئِنْ شَكَرْتُمْ} [إبراهيم: 7] نعمتي فآمنتم وأطعتم {لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] فِي النِّعْمَةِ. وَقِيلَ: الشُّكْرُ قَيْدُ الْمَوْجُودِ وَصَيْدُ الْمَفْقُودِ. وَقِيلَ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ لَأَزِيدَنَّكُمْ فِي الثَّوَابِ. {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ} [إبراهيم: 7] نِعْمَتِي فَجَحَدْتُمُوهَا وَلَمْ تَشْكُرُوهَا، {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] [8] {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ مَحْمُودٌ فِي أَفْعَالِهِ لِأَنَّهُ فِيهَا مُتَفَضِّلٌ وَعَادِلٌ. [9] {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ} [إبراهيم: 9] خَبَرُ الَّذِينَ {مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} [إبراهيم: 9] يَعْنِي: مَنْ كَانَ بَعْدَ قَوْمِ نوح وعاد وثمود {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [إبراهيم: 9] بِالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ، {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: 9] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَضُّوا عَلَى أَيْدِيهِمْ غَيْظًا كَمَا قَالَ: عَضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا سَمِعُوا كِتَابَ اللَّهِ عَجِبُوا وَرَجَعُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: كَذَّبُوا الرُّسُلَ وَرَدُّوا مَا جَاءُوا بِهِ، يُقَالُ: رَدَدْتُ قَوْلَ فُلَانٍ فِي فِيهِ أَيْ كَذَّبْتُهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي أَنَّ الْأُمَمَ رَدُّوا أيديهم في أفواههم أي فِي أَفْوَاهِ أَنْفُسِهِمْ أَيْ وَضَعُوا الْأَيْدِيَ عَلَى الْأَفْوَاهِ إِشَارَةً إِلَى الرُّسُلِ أَنِ اسْكُتُوا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِ الرُّسُلِ يسكتونهم بذلك. وقيل: إن الْأَيْدِي بِمَعْنَى النِّعَمِ مَعْنَاهُ. رَدُّوا مَا لَوْ قَبِلُوا كَانَتْ أَيَادِيَ وَنِعَمًا فِي أَفْوَاهِهِمْ أَيْ: بِأَفْوَاهِهِمْ يعني: بألسنتهم. {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] مُوجِبٍ لِلرِّيبَةِ مُوقِعٍ لِلتُّهْمَةِ. [10] {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} [إبراهيم: 10] هَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى نَفْيِ مَا اعتقدوه، {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] خَالِقُهُمَا، {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] أي: ذنوبكم، و {مِنْ} [إبراهيم: 10] صِلَةٌ، {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [إبراهيم: 10] إِلَى حِينِ اسْتِيفَاءِ آجَالِكُمْ فَلَا يعاجلكم بالعذاب، {قَالُوا} [إبراهيم: 10] للرسل، {إِنْ أَنْتُمْ} [إبراهيم: 10] مَا أَنْتُمْ، {إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [إبراهيم: 10] في الصورة والجسم ولستم ملائكة وإنما {تُرِيدُونَ} [إبراهيم: 10] بِقَوْلِكُمْ، {أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [إبراهيم: 10] حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاكُمْ. [قوله تعالى قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. . . . [11] {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] بِالنُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ، {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 11] [12] {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ} [إبراهيم: 12] وَقَدْ عَرَفْنَا أَنْ لَا نَنَالَ شَيْئًا إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 12] بَيَّنَ لَنَا الرُّشْدَ وَبَصَّرَنَا طَرِيقَ النجاة. {وَلَنَصْبِرَنَّ} [إبراهيم: 12] اللام لام القسم مجازا، وَاللَّهِ لِنَصْبِرَنَّ {عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] [13] {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13] يَعْنُونَ إِلَّا أَنْ تَرْجِعُوا أَوْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِنَا، {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] [14] {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم: 14] أي: بَعْدِ هَلَاكِهِمْ، {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} [إبراهيم: 14] أي: خاف قِيَامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ كَمَا قَالَ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرَّحْمَنِ: 46] فَأَضَافَ قِيَامَ الْعَبْدِ إِلَى نَفْسِهِ، كَمَا تَقُولُ: نَدِمْتُ عَلَى ضَرْبِكَ أَيْ عَلَى ضَرْبِي إِيَّاكَ، {وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] أي عقابي.

[15] قوله: {وَاسْتَفْتَحُوا} [إبراهيم: 15] أَيِ: اسْتَنْصَرُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْأُمَمَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ صَادِقِينَ فَعَذِّبْنَا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الْأَنْفَالِ: 32] وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَاسْتَفْتَحُوا يَعْنِي الرُّسُلَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا يَئِسُوا مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمُ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وَدَعَوْا عَلَى قَوْمِهِمْ بالعذاب، كما قال نُوحٌ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نُوحٌ: 26] وقال موسى: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يُونُسَ: 88] الْآيَةَ: {وَخَابَ} [إبراهيم: 15] خَسِرَ. وَقِيلَ: هَلَكَ، {كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15] وَالْجَبَّارُ: الَّذِي لَا يَرَى فَوْقَهُ أَحَدًا. وَالْجَبْرِيَّةُ: طَلَبُ الْعُلُوِّ بِمَا لَا غَايَةَ وَرَاءَهُ. وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: الْجَبَّارُ: الَّذِي يُجْبِرُ الْخَلْقَ عَلَى مُرَادِهِ، وَالْعَنِيدُ: الْمُعَانِدُ لِلْحَقِّ وَمُجَانِبُهُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعَنِ ابن عباس: هُوَ الْمُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ الْمُتَكَبِّرُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَنِيدُ الَّذِي أَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [16] {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} [إبراهيم: 16] أَيْ: أَمَامَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الْكَهْفِ: 79] أَيْ أَمَامَهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ كَمَا يُقَالُ: هَذَا الْأَمْرُ مِنْ وَرَائِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ سَيَأْتِيكَ، وَأَنَا مِنْ وَرَاءِ فُلَانٍ يَعْنِي أَصِلُ إِلَيْهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ أَيْ بَعْدَهُ. {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] أَيْ: مِنْ مَاءٍ هُوَ صَدِيدٌ وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ أَبْدَانِ الْكُفَّارِ مِنَ الْقَيْحِ وَالدَّمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مَا يَسِيلُ مِنْ فُرُوجِ الزُّنَاةِ يُسْقَاهُ الْكَافِرُ. [17] {يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: 17] أَيْ: يَتَحَسَّاهُ وَيَشْرَبُهُ لَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ جُرْعَةً جُرْعَةً لِمَرَارَتِهِ وحرارته، {وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} [إبراهيم: 17] يَكَادُ صِلَةٌ أَيْ لَا يُسِيغُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النُّورِ: 40] أَيْ: لَمْ يَرَهَا، قَالَ ابن عباس: لَا يُجِيزُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: يَكَادُ لَا يُسِيغُهُ وَيُسِيغُهُ فَيَغْلِي فِي جوفه يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [مُحَمَّدٍ: 15] ويقول: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [إبراهيم: 17] يعني يجدهم الْمَوْتِ وَأَلَمَهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: حَتَّى مِنْ تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ. وَقِيلَ: يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ قُدَّامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ, {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: 17] فَيَسْتَرِيحُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تُعَلَّقُ بنفسه عند حنجرته ولا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتُ وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ فتنفعه الحياة. نظيرها {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} [طه: 74] {وَمِنْ وَرَائِهِ} [إبراهيم: 17] أمامه , {عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17] شَدِيدٌ, وَقِيلَ: الْعَذَابُ الْغَلِيظُ: الْخُلُودُ في النار. [18] {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} [إبراهيم: 18] يعني: مثل أَعْمَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَقَوْلِهِ

قوله تعالى ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض

تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزُّمَرِ: 60] أَيْ: تَرَى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ مُسْوَدَّةً {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم: 18] وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْعُصُوفِ، وَالْعُصُوفُ مِنْ صِفَةِ الرِّيحِ لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فيه، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ حَارٌّ، وَيَوْمٌ بَارِدٌ لِأَنَّ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ فَحَذَفَ الرِّيحَ لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ مِنْ قَبْلُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِيهَا غَيْرَ اللَّهِ كَالرَّمَادِ الَّذِي ذَرَتْهُ الرِّيحُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَقْدِرُونَ} [إبراهيم: 18] يعني: الكفار {مِمَّا كَسَبُوا} [إبراهيم: 18] في الدنيا، {عَلَى شَيْءٍ} [إبراهيم: 18] فِي الْآخِرَةِ، {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] [قوله تَعَالَى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] بِالْحَقِّ. . . . . . [19] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [إبراهيم: 19] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ خاَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي سُورَةِ النُّورِ (خَالِقُ كُلِّ دَابَّةٍ) مُضَافًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (خَلَقَ) عَلَى الْمَاضِي وَالْأَرْض وَكُلٌّ بالنصب، {بِالْحَقِّ} [إبراهيم: 19] أَيْ: لَمْ يَخْلُقْهُمَا بَاطِلًا وَإِنَّمَا خَلَقَهُمَا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19] سِوَاكُمْ أَطْوَعَ لِلَّهِ مِنْكُمْ. [20] {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم: 20] مَنِيعٍ شَدِيدٍ، يَعْنِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ تُسَهَّلُ فِي الْقُدْرَةِ لَا يَصْعُبُ على الله شَيْءٌ وَإِنْ جَلَّ وَعَظُمَ. [21] قَوْلُهُ تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} [إبراهيم: 21] أَيْ: خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَظَهَرُوا جَمِيعًا، {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ} [إبراهيم: 21] يعني الأتباع، {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} [إبراهيم: 21] أَيْ: تَكَبَّرُوا عَلَى النَّاسِ وَهُمُ الْقَادَةُ وَالرُّؤَسَاءُ، {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} [إبراهيم: 21] جَمْعُ تَابِعٍ مِثْلُ حَرَسٍ وَحَارِسٍ، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ} [إبراهيم: 21] دَافِعُونَ، {عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا} [إبراهيم: 21] يعني القادة للمتبوعين، {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} [إبراهيم: 21] أَيْ: لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَدَعَوْنَاكُمْ إِلَى الْهُدَى، فَلَمَّا أَضَلَّنَا دَعَوْنَاكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ، {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] مهرب ولا منجا. [22] {وَقَالَ الشَّيْطَانُ} [إبراهيم: 22] يَعْنِي: إِبْلِيسَ، {لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} [إبراهيم: 22] أَيْ فُرِغَ مِنْهُ فَأُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يُوضَعُ لَهُ مِنْبَرٌ فِي النَّارِ فَيَرْقَاهُ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الكفار بالأئمة فَيَقُولُ لَهُمْ، {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} [إبراهيم: 22] فَوَفَّى لَكُمْ بِهِ، {وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} [إبراهيم: 22] وَقِيلَ: يَقُولُ لَهُمْ: قُلْتُ لَكُمْ: لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ. {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [إبراهيم: 22] وِلَايَةٍ. وَقِيلَ: لَمْ آتِكُمْ بِحُجَّةٍ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ، {إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ} [إبراهيم: 22] هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: وَلَكِنْ {دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22] بِإِجَابَتِي وَمُتَابَعَتِي مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ وَلَا بُرْهَانٍ، {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} [إبراهيم: 22] بمغيثكم {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] بمغيثي {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22] أَيْ: كَفَرْتُ بِجَعْلِكُمْ إِيَّايَ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ

قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب

وَتَبَرَّأْتُ مِنْ ذَلِكَ، {إِنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 22] الكافرين، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] [23] قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23] يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَتُسَلِّمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: الْمُحَيِّي بِالسَّلَامِ هو الله عز وجل. [24] وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} [إبراهيم: 24] أَلَمْ تَعْلَمْ، وَالْمَثَلُ قَوْلٌ سَائِرٌ لِتَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ {كَلِمَةً طَيِّبَةً} [إبراهيم: 24] وَهِيَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24] وَهِيَ النَّخْلَةُ يُرِيدُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةِ الثمرة، وقال أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} [إبراهيم: 24] في الأرض {وَفَرْعُهَا} [إبراهيم: 24] أعلاها، {فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] كَذَلِكَ أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ رَاسِخٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهَا عَرَجَتْ فَلَا تُحْجَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] [قوله تعالى تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ] اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. . . . . [25] {تُؤْتِي أُكُلَهَا} [إبراهيم: 25] تغطي ثَمَرَهَا، {كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] وَالْحِينُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْوَقْتُ، كَذَلِكَ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ يَصْعَدُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَبَرَكَةُ إِيمَانِهِ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا، بَلْ تَصِلُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَمْثِيلِ الْإِيمَانِ بِالشَّجَرَةِ هِيَ أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا تَكُونُ شَجَرَةً إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عِرْقٌ رَاسِخٌ، وَأَصْلٌ قَائِمٌ، وَفَرْعٌ عَالٍ كَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بالأبدان. {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] [26] {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} [إبراهيم: 26] وهي الشرك، {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} [إبراهيم: 26] وَهِيَ الْحَنْظَلُ. وَقِيلَ: هِيَ الثُّومُ. وقيل: الكشوت (¬1) . {اجْتُثَّتْ} [إبراهيم: 26] يَعْنِي انْقَلَعَتْ، {مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] ثَبَاتٍ، مَعْنَاهُ وَلَيْسَ لَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فَرْعٌ صَاعِدٌ إِلَى السَّمَاءِ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يَصْعَدُ لَهُ قَوْلٌ طَيِّبٌ وَلَا عَمَلٌ صالح. [27] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [إبراهيم: 27] يَعْنِي قَبْلَ الْمَوْتِ، {وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] يَعْنِي فِي الْقَبْرِ هَذَا قَوْلُ أكثر المفسرين وَقِيلَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِنْدَ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ, وَفِي الْآخِرَةِ: عند البعث، والأول أصح {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] أَيْ: لَا يَهْدِي الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ فِي الْقَبْرِ {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْخُذْلَانِ وَالتَّثْبِيتِ وَتَرْكِ التثبت. ¬

(¬1) في لسان العرب 2 / 181 "الكشوث والأكشوث" نبات مجتث مقطوع الأصل، وقيل لا أصل له، وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره وقال الجوهري: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض.

قوله تعالى وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا

[28] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} [إبراهيم: 28] عن ابن عباس: هم كفار قريش. وقال عمر: هُمْ قُرَيْشٌ، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِعْمَةُ اللَّهِ {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] قَالَ: الْبَوَارُ يَوْمُ بَدْرٍ، قَوْلُهُ: {بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: 28] أَيْ: غَيَّرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - حيث ابتعثه الله مِنْهُمْ كُفْرًا كَفَرُوا بِهِ فَأَحَلُّوا أَيْ أَنْزَلُوا قَوْمَهُمْ مِمَّنْ تَابَعَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ دَارَ الْبَوَارِ الْهَلَاكِ، ثم بين دار البوار فقال: [29] {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} [إبراهيم: 29] يدخلونها {وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم: 29] المستقر. [30] {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [إبراهيم: 30] أَمْثَالًا وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى نِدٌّ، {لِيُضِلُّوا} [إبراهيم: 30] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَسُورَةِ لُقْمَانَ وَالزُّمَرِ (لِيَضِلَّ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى مَعْنَى: لِيُضِلُّوا النَّاسَ، {عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا} [إبراهيم: 30] عِيشُوا فِي الدُّنْيَا، {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم: 30] [31] {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 31] قال الفراء: هذا جَزْمٌ عَلَى الْجَزَاءِ, {وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} [إبراهيم: 31] مخاللة وصداقة. [32] {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [إبراهيم: 32] بإذنه. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32] ذَلَّلَهَا لَكُمْ تُجْرُونَهَا حَيْثُ شِئْتُمْ. [33] {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33] يَجْرِيَانِ فِيمَا يَعُودُ إِلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَلَا يَفْتُرَانِ، قَالَ ابْنُ عباس: دؤوبهما فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 33] يَتَعَاقَبَانِ فِي الضِّيَاءِ وَالظُّلْمَةِ وَالنُّقْصَانِ والزيادة. [قوله تعالى وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا] نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا. . . . . [34] {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 34] يعني: آتاكم مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَأَلْتُمُوهُ شَيْئًا، فَحَذَفَ الشَّيْءَ الثَّانِيَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الكلام على التبغيض، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى التَّكْثِيرِ نَحْوُ قَوْلِكَ: فُلَانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ, وآتاه كل الناس، وأنت تريد بَعْضَهُمْ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 44] وَقَرَأَ الْحَسَنُ مِنْ كُلٍّ بِالتَّنْوِينِ مَا عَلَى النَّفْيِ يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ، يَعْنِي: أَعْطَاكُمْ أَشْيَاءَ مَا طَلَبْتُمُوهَا وَلَا سألتموها، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: 34] أَيْ: نِعَمَ اللَّهِ، {لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] أَيْ: لَا تُطِيقُوا عَدَّهَا وَلَا الْقِيَامَ بِشُكْرِهَا، {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] أَيْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ بِالْمَعْصِيَةِ كَافِرٌ بربه فِي نِعْمَتِهِ وَقِيلَ: الظَّلُومُ الَّذِي يَشْكُرُ غَيْرَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ والكافر من يجحد منعمه. [35] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} [إبراهيم: 35] يعني: الحرم، {آمِنًا} [إبراهيم: 35] ذَا أَمْنٍ يُؤَمَّنُ فِيهِ، {وَاجْنُبْنِي} [إبراهيم: 35] أَبْعِدْنِي، {وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] يقال: جنبت الشَّيْءَ وَأَجْنَبْتُهُ جَنْبًا وَجَنَّبْتُهُ تَجْنِيبًا وَاجْتَنَبْتُهُ اجْتِنَابًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنْ قيل: قد كان إبراهيم معصوما من عبادة بنيه الْأَصْنَامِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ السُّؤَالُ وَقَدْ عَبَدَ كَثِيرٌ مِنْ بَنِيهِ الْأَصْنَامَ فَأَيْنَ الْإِجَابَةُ؟ قِيلَ: الدُّعَاءُ فِي حق إبراهيم لِزِيَادَةِ الْعِصْمَةِ وَالتَّثْبِيتِ وَأَمَّا دُعَاؤُهُ لِبَنِيهِ فَأَرَادَ بَنِيهِ مِنْ صُلْبِهِ وَلَمْ يَعْبُدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ الصَّنَمَ. وَقِيلَ: إِنَّ دُعَاءَهُ لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مِنْ بَنِيهِ. [36] {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إِبْرَاهِيمَ: 36] يَعْنِي: ضَلَّ بِهِنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى حَتَّى عبدوهن، وهذا من الْمَقْلُوبُ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 175] أَيْ: يُخَوِّفُهُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، وَقِيلَ: نَسَبَ الْإِضْلَالَ إِلَى الْأَصْنَامِ لِأَنَّهُنَّ سَبَبٌ فِيهِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: فَتَنَتْنِي الدُّنْيَا، نَسَبَ الْفِتْنَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِأَنَّهَا سَبَبُ الْفِتْنَةِ. {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36] أي: من أهل ديني وملتي، {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ: " وَمَنْ عَصَانِي ثُمَّ تَابَ " وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: وَمَنْ عَصَانِي فِيمَا دُونَ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ

يُعْلِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشرك. [37] قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 37] أَدْخَلَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَمَجَازُ الْآيَةِ: أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي وَلَدًا، {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] وَهُوَ مَكَّةُ لِأَنَّ مَكَّةَ وَادٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، {عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37] سَمَّاهُ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عِنْدَهُ مَا لَا يَحْرُمُ عِنْدَ غَيْرِهِ {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 37] الْأَفْئِدَةُ جَمْعُ الْفُؤَادِ {تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] تشتاق وتحن إليهن. قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ: أَمِلْ قُلُوبَهُمْ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: لَوْ قَالَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ لَزَاحَمَتْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالْهِنْدُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [إبراهيم: 37] مَا رَزَقْتَ سُكَّانَ الْقُرَى ذَوَاتِ الماء، {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] [38] {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: 38] مِنْ أُمُورِنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: مِنِ الْوَجْدِ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ حَيْثُ أَسْكَنْتُهُمَا بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 38] قيل: هذا كله قول إبراهيم متصل بما قبله. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 38] [39] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ} [إبراهيم: 39] أعطاني على كبر السن، {إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ لِإِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ إِسْحَاقُ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بُشِّرَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. [40] {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} [إبراهيم: 40] يَعْنِي: مِمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِأَرْكَانِهَا ويحافظ عليها، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40] يَعْنِي: اجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ. {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40] أَيْ: عَمَلِي وَعِبَادَتِي، سَمَّى الْعِبَادَةَ دعاء وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ دُعَائِي. [41] {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [إبراهيم: 41] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَغْفَرَ لِوَالِدَيْهِ وَهُمَا غَيْرُ مُؤْمِنَيْنِ؟ قِيلَ: قَدْ قِيلَ: إِنَّ أُمَّهُ أَسْلَمَتْ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْ أَسْلَمَا وَتَابَا، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُ أَبِيهِ وَقَدْ بَيَّنَ الله عذر خليله فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ فِي سُورَةِ التوبة. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [إبراهيم: 41] أَيِ: اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، {يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41] أَيْ يَبْدُو وَيَظْهَرُ. وَقِيلَ: أَرَادَ يوم الحساب يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِلْحِسَابِ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحِسَابِ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا. [42] قَوْلُهُ تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: 42] الْغَفْلَةُ مَعْنًى يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْأُمُورِ، وَالْآيَةُ لِتَسْلِيَةِ الْمَظْلُومِ وَتَهْدِيدٌ لِلظَّالِمِ، {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]

قوله تعالى مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم

أَيْ: لَا تُغْمَضُ مِنْ هَوْلِ مَا تَرَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ: تَرْتَفِعُ وَتَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا. [قوله تعالى مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ] طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ. . . . . [43] {مُهْطِعِينَ} [إبراهيم: 43] قَالَ قَتَادَةُ: مُسْرِعِينَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْإِهْطَاعُ النَّسَلَانُ كَعَدْوِ الذِّئْبِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُدِيمِي النَّظَرِ، وَمَعْنَى الْإِهْطَاعِ أَنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَلَا يَعْرِفُونَ مواطن أقدامهم، {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} [إبراهيم: 43] أَيْ رَافِعِي رُءُوسِهِمْ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْمُقْنِعُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُقْبِلُ بصره عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَالَ الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى الماء لَا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} [إبراهيم: 43] لا ترجع إليهم أبصارهم مع شِدَّةِ النَّظَرِ، وَهِيَ شَاخِصَةٌ قَدْ شَغَلَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 43] أَيْ خَالِيَةٌ. قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ صُدُورِهِمْ فَصَارَتْ فِي حَنَاجِرِهِمْ، لَا تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ولا تعود إلى مكانها، فأفئدتهم هَوَاءٌ لَا شَيْءَ فِيهَا وَمِنْهُ سُمِّيَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ هَوَاءٌ لِخُلُوِّهِ، وَقِيلَ: خَالِيَةٌ لَا تَعِي شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُ مِنَ الخوف. وقال الأخفش: جوفا لَا عُقُولَ لَهَا. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كل أجوف خلو هواء. قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ أَيْ: مُتَرَدِّدَةٌ تَمُورُ فِي أَجْوَافِهِمْ لَيْسَ لَهَا مَكَانٌ تَسْتَقِرُّ فِيهِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْقُلُوبَ زَائِلَةٌ عَنْ أَمَاكِنِهَا وَالْأَبْصَارَ شَاخِصَةٌ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [44] {وَأَنْذِرِ النَّاسَ} [إبراهيم: 44] خوفهم، {يَوْمَ} [إبراهيم: 44] أي: بيوم {يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} [إبراهيم: 44] هو يَوْمُ الْقِيَامَةِ {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [إبراهيم: 44] أشركوا، {رَبَّنَا أَخِّرْنَا} [إبراهيم: 44] أمهلنا {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [إبراهيم: 44] هَذَا سُؤَالُهُمُ الرَّدُّ إِلَى الدُّنْيَا، أي: ارجعنا {نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} [إِبْرَاهِيمَ: 44] فَيُجَابُونَ: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 44] حَلَفْتُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا، {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] عَنْهَا أَيْ: لَا تُبْعَثُونَ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل: 38] [45] {وَسَكَنْتُمْ} [إبراهيم: 45] فِي الدُّنْيَا، {فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [إبراهيم: 45] بالكفر والعصيان، يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: 45] أَيْ: عَرَفْتُمْ عُقُوبَتَنَا إِيَّاهُمْ، {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45] أي بينا مَثَلَكُمْ كَمَثَلِهِمْ. [46] {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} [إبراهيم: 46] أَيْ: جَزَاءُ مَكْرِهِمْ، {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} [إبراهيم: 46] قَرَأَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ: (وَإِنْ كاد مَكْرُهُمْ) بِالدَّالِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالنُّونِ. {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] قَرَأَ الْعَامَّةُ لِتَزُولَ بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى وَنَصْبِ الثَّانِيَةِ، مَعْنَاهُ: وَمَا كان مكرهم لتزول. قَالَ الْحَسَنُ: إِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَأَضْعَفُ مِنْ أَنْ تَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ مَكْرَهُمْ لَا يُزِيلُ أَمْرَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ كَثُبُوتِ الْجِبَالِ. وَقَرَأَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالْكِسَائِيُّ: لَتَزُولُ بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى وَرَفْعِ الثَّانِيَةِ، مَعْنَاهُ: إِنَّ مَكْرَهُمْ وَإِنْ عَظُمَ حَتَّى بَلَغَ مَحَلًّا يُزِيلُ الْجِبَالَ لَمْ يَقْدِرُوا على إزالة أمر محمد. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ: وَإِنْ كَانَ مكرهم شِرْكُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى. {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مَرْيَمَ: 90 - 91] [47] {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] بِالنَّصْرِ لِأَوْلِيَائِهِ وَهَلَاكِ أَعْدَائِهِ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ رُسُلِهِ وَعْدَهُ، {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47] [48] قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لأحد» (¬1) . وعن ابْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 372 ومسلم في صفات المنافقين رقم (2790) 4 / 2150 والمصنف في شرح السنة 5 / 112.

سورة الحجر

قَالَ: تُبَدَّلُ الْأَرْضُ بِأَرْضٍ كَفِضَّةٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ وَلَمْ تُعْمَلْ فِيهَا خَطِيئَةٌ وَقِيلَ: مَعْنَى التَّبْدِيلِ جَعْلُ السَّمَاوَاتِ جِنَانًا وَجَعْلُ الْأَرْضِ نِيرَانًا. وَقِيلَ: تَبْدِيلُ الْأَرْضِ تَغْيِيرُهَا مِنْ هَيْئَةٍ إِلَى هَيْئَةٍ، وَهِيَ تَسْيِيرُ جِبَالِهَا ولهم أنهارها وتسوية أوديتها وقلع أَشْجَارِهَا وَجَعْلُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، وَتَبْدِيلُ السماوات تغييرها عن حَالِهَا بِتَكْوِيرِ شَمْسِهَا، وَخُسُوفِ قَمَرِهَا وَانْتِثَارِ نُجُومِهَا، وَكَوْنِهَا مَرَّةً كَالدِّهَانِ، ومرة كالمهل. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (عَلَى الصِّرَاطِ» (¬1) . {وَبَرَزُوا} [إبراهيم: 48] خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. [49] {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ} [إبراهيم: 49] مَشْدُودِينَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، {فِي الْأَصْفَادِ} [إبراهيم: 49] فِي الْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ وَاحِدُهَا: صَفَدٌ، وَكُلُّ مَنْ شَدَدْتَهُ شَدًا وَثِيقًا فقد صفدته وَقِيلَ: يُقْرَنُ كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيْطَانِهِ فِي سِلْسِلَةٍ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصَّافَّاتِ: 22] يَعْنِي: قُرَنَاءَهُمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُقَرَّنَةٌ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ إِلَى رِقَابِهِمْ بِالْأَصْفَادِ وَالْقُيُودِ، وَمِنْهُ قيل للجبل: قرن. [50] {سَرَابِيلُهُمْ} [إبراهيم: 50] أَيْ: قُمُصُهُمْ، وَاحِدُهَا: سِرْبَالُ. {مِنْ قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 50] هو ما تَهْنَأُ بِهِ الْإِبِلُ، وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَيَعْقُوبُ مِنْ قَطِرٍ آنٍ عَلَى كَلِمَتَيْنِ مُنَوَّنَتَيْنِ، وَالْقِطْرُ النُّحَاسُ وَالصُّفْرُ الْمُذَابُ، وَالْآنُ الَّذِي انْتَهَى حَرُّهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرَّحْمَنِ: 44] {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم: 50] أَيْ: تَعْلُو. [51] {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} [إبراهيم: 51] مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51] [52] {هَذَا} [إبراهيم: 52] أي: هذا القرآن، {بَلَاغٌ} [إبراهيم: 52] أَيْ تَبْلِيغٌ وَعِظَةٌ، {لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا} [إبراهيم: 52] وَلِيُخَوَّفُوا، {بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [إبراهيم: 52] أَيْ لِيَسْتَدِلُّوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى وحدانية الله، {وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52] أَيْ: لِيَتَّعِظَ أُولُو الْعُقُولِ. [سُورَةِ الحجر] [قوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ. . .] . ¬

(¬1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين رقم (2791) 4 / 2150 والمصنف في شرح السنة 15 / 107.

(15) سورة الحجر [1] {الر} [الحجر: 1] مَعْنَاهُ أَنَا اللَّهُ أَرَى، {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} [الحجر: 1] أَيْ: هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ، {وَقُرْآنٍ} [الحجر: 1] أي: وآيات قرآن، {مُبِينٍ} [الحجر: 1] أَيْ: بَيَّنَ الْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ وَالْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَإِنْ قِيلَ: لما ذَكَرَ الْكِتَابَ ثُمَّ قَالَ: {وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [الحجر: 1] وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ؟ قُلْنَا: قَدْ قِيلَ كل وأحد منهما يُفِيدُ فَائِدَةً أُخْرَى فَإِنَّ الْكِتَابَ مَا يُكْتَبُ وَالْقُرْآنُ مَا يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَبِالْقُرْآنِ هَذَا الكتاب. [2] {رُبَمَا} [الحجر: 2] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ بتحفيف الباء والباقون بتشديدهما وَهُمَا لُغَتَانِ، وَرُبَّ لِلتَّقْلِيلِ وَكَمْ لِلتَّكْثِيرِ، وَرُبَّ تَدْخُلُ عَلَى الِاسْمِ وَرُبَمَا عَلَى الْفِعْلِ، يُقَالُ: رُبَّ رَجُلٍ جَاءَنِي وَرُبَمَا جَاءَنِي رَجُلٌ، وَأَدْخَلَ مَا هَاهُنَا لِلْفِعْلِ بَعْدَهَا. {يَوَدُّ} [الحجر: 2] يَتَمَنَّى، {الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] واختلف في الحالة الَّتِي يَتَمَنَّى الْكَافِرُ فِيهَا الْإِسْلَامَ، قَالَ الضَّحَّاكُ: حَالَةُ الْمُعَايَنَةِ. وَقِيلَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حِينَ يُخْرِجُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ. [3] {ذَرْهُمْ} [الحجر: 3] يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي الَّذِينَ كَفَرُوا، {يَأْكُلُوا} [الحجر: 3] في الدنيا، {وَيَتَمَتَّعُوا} [الحجر: 3] من لذاتهم {وَيُلْهِهِمُ} [الحجر: 3] يشغلهم، {الْأَمَلُ} [الحجر: 3] عَنِ الْأَخْذِ بِحَظِّهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ والطاعة، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3] إِذَا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ وَذَاقُوا وَبَالَ مَا صَنَعُوا، وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: ذَرْهُمْ تَهْدِيدٌ وَقَوْلُهُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، تَهْدِيدٌ آخَرُ، فَمَتَى يَهْنَأُ الْعَيْشُ بَيْنَ تَهْدِيدَيْنِ. وَالْآيَةُ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [4] {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} [الحجر: 4] أَيْ: مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ، {إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] أَيْ أَجَلٌ مَضْرُوبٌ لَا يُتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ حَتَّى يُبَلَّغُوهُ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُمْ. [5] {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} [الحجر: 5] من صلة أَيْ: مَا تَسْبِقُ أُمَّةٌ أَجْلَهَا {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 5] أَيِ: الْمَوْتُ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يتأخر، وقيل: العذاب. وقيل: الأجل المضروب. [6] {وَقَالُوا} [الحجر: 6] يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} [الحجر: 6] أَيِ: الْقُرْآنُ وَأَرَادُوا بِهِ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] وَذَكَرُوا تَنْزِيلَ الذِّكْرِ عَلَى سَبِيلِ الاستهزاء. [7] {لَوْ مَا} [الحجر: 7] هلا {تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} [الحجر: 7] شَاهِدِينَ لَكَ بِالصِّدْقِ عَلَى مَا تقول إن الله أرسلك، {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الحجر: 7] أَنَّكَ نَبِيٌّ. [8] {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ} [الحجر: 8] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ بِنُونَيْنِ الْمَلَائِكَةَ نَصْبٌ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالتَّاءِ وَضَمَّهَا وَفَتْحِ الزَّايِ الْمَلَائِكَةُ رَفْعٌ وَقَرَأَ

قوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها

الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا وَفَتْحِ الزَّايِ الْمَلَائِكَةُ رفع. {إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر: 8] أَيْ: بِالْعَذَابِ وَلَوْ نَزَلَتْ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ لَعَجَّلُوا بِالْعَذَابِ، {وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} [الحجر: 8] أَيْ: مُؤَخَّرِينَ، وَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ يَطْلُبُونَ إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ عِيَانًا فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا. وَمَعْنَاهُ إِنَّهُمْ لَوْ نَزَلُوا أَعْيَانًا لَزَالَ عَنِ الْكُفَّارِ الْإِمْهَالُ وَعُذِّبُوا فِي الْحَالِ. [9] {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر: 9] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] أَيْ: نَحْفَظُ الْقُرْآنَ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ أَوْ يَنْقُصُوا منه أو يبدلوا بغيره، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فُصِّلَتْ: 42] وَالْبَاطِلُ: هُوَ إِبْلِيسُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ. وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي (لَهُ) رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: إِنَّا لِمُحَمَّدٍ لَحَافِظُونَ مِمَّنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] [10] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} [الحجر: 10] أَيْ رُسُلًا، {فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} [الحجر: 10] أَيْ: فِي الْأُمَمِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، والشيعة: هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم على رأي واحد. [11] {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر: 11] كَمَا فَعَلُوا بِكَ، ذَكَرَهُ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [12] {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} [الحجر: 12] أَيْ: كَمَا سَلَكْنَا الْكُفْرَ وَالتَّكْذِيبَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِالرُّسُلِ فِي قُلُوبِ شِيَعِ الْأَوَّلِينَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ: نُدْخِلُهُ، {فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الحجر: 12] يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ قَوْمَكَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ (¬1) . [13] {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الحجر: 13] يَعْنِي: لَا يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالْقُرْآنِ، {وَقَدْ خَلَتْ} [الحجر: 13] مضت، {سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} [الحجر: 13] أي: وقائع الله تعالى الإهلاك فِيمَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ يُخَوِّفُ أَهْلَ مَكَّةَ. [14] {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} [الحجر: 14] يَعْنِي: عَلَى الَّذِينَ يَقُولُونَ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ، {بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} [الحجر: 14] فظلت الملائكة يعرجون فيه وَهُمْ يَرَوْنَهَا عِيَانًا، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ فَظَلَّ هؤلاء الكفار يعرجون فيه أَيْ: يَصْعَدُونَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. [15] {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ} [الحجر: 15] سدت، {أَبْصَارُنَا} [الحجر: 15] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: سُحِرَتْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أُخِذَتْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَمِيَتْ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ سُكِرَتْ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: حُبِسَتْ وَمُنِعَتِ النَّظَرَ كَمَا يُسْكَرُ النَّهْرُ لِحَبْسِ الْمَاءِ، {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 15] أَيْ: عُمِلَ فِينَا السِّحْرُ فَسَحَرَنَا محمد. [قوله تعالى وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا] لِلنَّاظِرِينَ. . . . . [16] قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الحجر: 16] وَالْبُرُوجُ هِيَ النُّجُومُ الْكِبَارُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الظُّهُورِ، يُقَالُ: تَبَرَّجَتِ الْمَرْأَةُ أَيْ: ظَهَرَتْ، وَأَرَادَ بِهَا الْمَنَازِلَ الَّتِي تَنْزِلُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ السَّيَّارَةُ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا: الْحَمَلُ وَالثَّوْرُ وَالْجَوْزَاءُ وَالسَّرَطَانُ وَالْأَسَدُ وَالسُّنْبُلَةُ وَالْمِيزَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالْقَوْسُ وَالْجَدْيُ وَالدَّلْوُ وَالْحُوتُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: هِيَ قُصُورٌ فِي السَّمَاءِ عَلَيْهَا الْحَرَسُ {وَزَيَّنَّاهَا} [الحجر: 16] أَيِ السَّمَاءَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ. {لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16] [17] {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [الحجر: 17] مَرْجُومٍ. وَقِيلَ: مَلْعُونٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لَا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَكَانُوا يَدْخَلُونَهَا، وَيَأْتُونَ بأخبارها فيلقون على الكهنة ما سمعوا، فَلَمَّا وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ منعوا من ثلاث سماوات، فَلَمَّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنِعُوا مِنَ السَّمَاوَاتِ أَجْمَعَ، فَمَا مِنْهُمْ مَنْ أَحَدٍ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ، فَلَمَّا مُنِعُوا مِنْ تِلْكَ الْمَقَاعِدِ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ، فَقَالَ: لقد حدث في ¬

(¬1) القدرية هم الذين ينكرون القدر ويزعمون أن كل عبد خالق لفعله ليخرجوا بذلك فعل الإنسان عن قدرة الله. انظر الوصية الكبرى لابن تيمية ص 57 تعليق (5) .

الأرض حادث، قَالَ: فَبَعَثَهُمْ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْلُو القرآن فقالوا: هذا والله حَدَثَ. [18] {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} [الحجر: 18] لَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 18] والشهاب الشعلة من النار. [19] قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} [الحجر: 19] بسطناها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [الحجر: 19] جِبَالًا ثَوَابِتَ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَمِيدُ إِلَى أَنْ أَرْسَاهَا اللَّهُ بالجبال، {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا} [الحجر: 19] أَيْ: فِي الْأَرْضِ، {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر: 19] بقدر مَعْلُومٍ، وَقِيلَ: يَعْنِي فِي الْجِبَالِ وَهِيَ جَوَاهِرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ والحديد والنحاس وغيرها. [20] {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الحجر: 20] جَمْعُ مَعِيشَةٍ، قِيلَ: أَرَادَ بِهَا المطاعم والمشارب والملابس. وقيل: مَا يَعِيشُ بِهِ الْآدَمِيُّ فِي الدُّنْيَا، {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} [الحجر: 20] أي: جعلنا فيها معايش مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ مِنَ الدواب والأنعام، أي: جعلنا لَكُمْ وَكَفَيْنَاكُمْ رِزْقَهَا وَ (مَنْ) فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النُّورِ: 45] وَقِيلَ: مَنْ فِي مَوْضِعِهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمَمَالِيكَ مَعَ الدَّوَابِّ. وَقِيلَ: مَنْ فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي لكم. [21] {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ} [الحجر: 21] أي: وما مِنْ شَيْءٍ، أَيْ: وَمَا مِنْ شيء, {إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} [الحجر: 21] أَيْ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْمَطَرَ، {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21] لكل أرض حد مقدر. [22] {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] أَيْ: حَوَامِلَ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ الْمَاءَ إِلَى السَّحَابِ، وَهُوَ جَمْعُ لَاقِحَةٍ، يُقَالُ: نَاقَةٌ لَاقِحَةٌ إِذَا حَمَلَتِ الْوَلَدَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ فَيَمُرُّ بِهِ السَّحَابُ فَيَدِرُّ كَمَا تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَرَادَ بِاللَّوَاقِحِ الْمَلَاقِحَ وَاحِدَتُهَا مُلَقِّحَةٌ، لِأَنَّهَا تُلَقِّحُ الْأَشْجَارَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّيحَ الْمُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الْأَرْضَ قَمًّا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحَابَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ الْمُؤَلِّفَةَ فتؤلف السَّحَابَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَتَجْعَلُهُ رُكَامًا, ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّوَاقِحَ فَتُلَقِّحُ الشَّجَرَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: لَا تُقْطَرُ قَطْرَةٌ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَعْمَلَ الرِّيَاحُ الْأَرْبَعُ فِيهِ, فَالصَّبَا تَهَيُّجُهُ وَالشَّمَالُ تَجْمَعُهُ وَالْجَنُوبُ تَذْرُهُ وَالدَّبُورُ تفرقه, {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] أَيْ: جَعَلَنَا الْمَطَرَ لَكُمْ سَقْيًا وَسَقَاهُ إِذَا أَعْطَاهُ مَا يَشْرَبُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: سَقَيْتُ الرَّجُلَ مَاءً وَلَبَنًا إِذَا كَانَ لِسَقْيِهِ, فَإِذَا جَعَلُوا لَهُ مَاءً لِشُرْبِ أَرْضِهِ ودوابه تقول العرب: أَسْقَيْتُهُ. {وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] يَعْنِي الْمَطَرَ فِي خَزَائِنِنَا لَا فِي خَزَائِنِكُمْ. وَقَالَ سُفْيَانُ: بِمَانِعِينَ. [23] {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجر: 23] نُمِيتَ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ, فَلَا يَبْقَى حي سوانا.

[24] {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر: 24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْمُسْتَقْدِمِينَ الْأَمْوَاتَ وَبِالْمُسْتَأْخِرِينَ الْأَحْيَاءَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمُسْتَقْدِمُونَ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ وَالْمُسْتَأْخِرُونَ مَنْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الستقدمون الْقُرُونُ الْأُولَى وَالْمُسْتَأْخِرُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُسْتَقْدِمُونَ فِي الطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، وَالْمُسْتَأْخِرُونَ الْمُبْطِئُونَ عَنْهَا. وَقِيلَ: الْمُسْتَقْدِمُونَ فِي الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُسْتَأْخِرُونَ فيها. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. أَرَادَ الْمُصَلِّينَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْمُؤَخِّرِينَ إِلَى آخِرِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَرَادَ بِالْمُسْتَقْدِمِينَ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَرَادَ مَنْ يُسَلِّمُ وَمَنْ لَا يُسَلِّمُ. [25] {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الحجر: 25] عَلَى مَا عَلِمَ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يملك الْكُلَّ ثُمَّ يَحْشُرُهُمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ. قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» (¬1) . [26] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} [الحجر: 26] يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ إِنْسَانًا لِظُهُورِهِ وَإِدْرَاكِ الْبَصَرِ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: مِنَ النِّسْيَانِ لِأَنَّهُ عَهِدَ إليه فنسي. {مِنْ صَلْصَالٍ} [الحجر: 33] وَهُوَ الطِّينُ الْيَابِسُ الَّذِي إِذَا نَقَرْتَهُ سَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، أَيْ: صَوْتًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الطين الحر الطيب الذي إذا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ تَشَقَّقَ فَإِذَا حُرِّكَ تَقَعْقَعَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الطِّينُ الْمُنْتِنُ. وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ: هو من صل اللحم إذا أنتن، {مِنْ حَمَإٍ} [الحجر: 28] والحمأ: الطين المنتن الأسود، {مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] أَيْ: مُتَغَيِّرٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ الْمُنْتِنُ الْمُتَغَيِّرُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْمَصْبُوبُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَنَنْتُ الْمَاءَ أَيْ صَبَبْتُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ التُّرَابُ الْمُبْتَلُّ المنتن جعل صلصالا كالفخار. [27] {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} [الحجر: 27] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَبُو الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ إِبْلِيسُ خُلِقَ قَبْلَ آدَمَ. وَيُقَالُ: الْجَانُّ أبو الجن وإبليس أبو الشيطان، وَفِي الْجِنِّ مُسْلِمُونَ وَكَافِرُونَ، وَيَحْيَوْنَ وَيَمُوتُونَ، وَأَمَّا الشَّيَاطِينُ فَلَيْسَ مِنْهُمْ مُسْلِمُونَ وَيَمُوتُونَ إِذَا مَاتَ إِبْلِيسُ. وَذَكَرَ وَهْبٌ: إِنَّ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يُولَدُ لَهُمْ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ بِمَنْزِلَةِ الْآدَمِيِّينَ، وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الرِّيحِ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ. {مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] وَالسَّمُومُ رِيحٌ حَارَّةٌ تَدْخُلُ مَسَامَّ الإنسان فتقتله. يقال: السموم بالنهار والحرور بالليل. وَقِيلَ: نَارُ السَّمُومِ لَهَبُ النَّارِ. وَقِيلَ: مِنْ نَارِ السَّمُومِ أَيْ: مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَإِنَّهُمْ خلقوا من النور. [28] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا} [الحجر: 28] أَيْ: سَأَخْلُقُ بَشَرًا، {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 28] [29] {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} [الحجر: 29] وعدلت صُورَتَهُ، وَأَتْمَمْتُ خَلْقَهُ، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] فَصَارَ بَشَرًا حَيًّا وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ يَحْيَا بِهِ الْإِنْسَانُ وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا، {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] سُجُودَ تَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ. [30] {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} [الحجر: 30] الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ، {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: فسجد ¬

(¬1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 313 وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 313 والمصنف في شرح السنة 14 / 401 وصححه الألباني في الصحيحة رقم (283) 1 / 510 وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (2878) 4 / 2204 (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مات عليه) .

قوله تعالى قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين

الْمَلَائِكَةُ؟ قُلْنَا: زَعَمَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ) كَانَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّهُ سَجَدَ بَعْضُهُمْ فَذَكَرَ كُلُّهُمْ لِيَزُولَ هَذَا الْإِشْكَالُ، ثُمَّ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَزَالَ ذلك الإشكال بقوله: (أجمعون) . [31] {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 31] [قوله تعالى قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ] . . . . [32] {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] [33] {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 33] أراد: إني أَفْضَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ طِينِيٌّ، وَأَنَا نَارِيٌّ وَالنَّارُ تَأْكُلُ الطِّينَ. [34] {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} [الحجر: 34] أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34] طَرِيدٌ. [35] {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 35] قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ يَلْعَنُونَ إِبْلِيسَ كَمَا يَلْعَنُهُ أَهْلُ الْأَرْضِ فَهُوَ مَلْعُونٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. [36] {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36] أَرَادَ الْخَبِيثُ أَنْ لَا يَمُوتَ. [37] {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الحجر: 37] [38] {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الْحِجْرِ: 38] أَيِ: الْوَقْتِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الخلائق وهو النفخة الأولى. [39] {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39] أَضْلَلْتَنِي. وَقِيلَ: خَيَّبْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الْحِجْرِ: 39] حب الدنيا ومعاصيك، {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ} [الحجر: 39] أي: لأضلنهم، {أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] [40] {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40] المؤمنين الذين أخلصوا لك بالطاعة وَالتَّوْحِيدَ، وَمَنْ فَتَحَ اللَّامَ أَيْ من أخلصته بتوحيدك فهديته واصطفيته. [41] {قَالَ} [الحجر: 41] اللَّهُ تَعَالَى {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41] قال الحسن: معناه صراط مستقيم. قال مُجَاهِدٌ: الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ وَلَا يَعْوَجُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يَعْنِي عَلَيَّ الدَّلَالَةُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: هَذَا عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَنْ يخاصمه طريقك، أَيْ: لَا تُفْلِتُ مِنِّي، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الْفَجْرِ: 14] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى اسْتِقَامَتِهِ بِالْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ. [42] {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] أَيْ: قُوَّةٌ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: يعني على قلوبهم. مَعْنَاهُ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ تُلْقِيهِمْ فِي ذَنْبٍ يَضِيقُ عَنْهُ عَفْوِي، وَهَؤُلَاءِ ثَنِيَّةُ اللَّهِ الَّذِينَ هداهم وَاجْتَبَاهُمْ. {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] [43] {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 43] يَعْنِي مَوْعِدَ إِبْلِيسَ وَمَنْ تَبِعَهُ. [44] {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} [الحجر: 44] أطباق. قال علي كرم الله وجهه: تَدْرُونَ كَيْفَ أَبْوَابُ النَّارِ هَكَذَا ووضع

قوله تعالى إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا

إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى, أَيْ: سبهة أَبْوَابٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَإِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْجِنَانَ عَلَى الْعَرْضِ وَوَضَعَ الْنِيرَانَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: النَّارُ سَبْعُ دَرَكَاتٍ أَوَّلُهَا جَهَنَّمُ ثُمَّ لَظَى ثُمَّ الْحُطَمَةُ ثُمَّ السَّعِيرُ ثُمَّ سَقَرُ ثُمَّ الْجَحِيمُ ثُمَّ الْهَاوِيَةُ. {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر: 44] أَيْ: لِكُلِّ دَرَكَةٍ قَوْمٌ يَسْكُنُونَهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فِي الدَّرَكَةِ الْأُولَى أهل التوحيد الذين أُدْخِلُوا النَّارَ يُعَذَّبُونَ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ النَّصَارَى، وَفِي الثَّالِثَةِ الْيَهُودُ، وَفِي الرَّابِعَةِ الصابئون، في الْخَامِسَةِ الْمَجُوسُ، وَفِي السَّادِسَةِ أَهْلُ الشِّرْكِ، وَفِي السَّابِعَةِ الْمُنَافِقُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النِّسَاءِ: 145] [45] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الحجر: 45] أَيْ: فِي بَسَاتِينَ وَأَنْهَارٍ. [46] {ادْخُلُوهَا} [الحجر: 46] أَيْ: يُقَالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، {بِسَلَامٍ} [الحجر: 46] أي: بسلامة {آمِنِينَ} [الحجر: 46] مِنَ الْمَوْتِ وَالْخُرُوجِ وَالْآفَاتِ. [47] {وَنَزَعْنَا} [الحجر: 47] أَخْرَجْنَا، {مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الحجر: 47] هُوَ الشَّحْنَاءُ وَالْعَدَاوَةُ وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ، {إِخْوَانًا} [الحجر: 47] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، {عَلَى سُرُرٍ} [الحجر: 47] جمع سرير {مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] يُقَابِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَا يَنْظُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى قَفَا صَاحِبِه. [48] {لَا يَمَسُّهُمْ} [الحجر: 48] لا يصيبهم، {فِيهَا نَصَبٌ} [الحجر: 48] أَيْ: تَعَبٌ، {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] هَذِهِ أَنَصُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْخُلُودِ. [49] قَوْلُهُ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي لِمَنْ تاب منهم. [50] {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 50] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ» (¬1) . [51] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} [الحجر: 51] أي: عن الضيافة، وَالضَّيْفُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط. [قوله تعالى إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا] مِنْكُمْ وَجِلُونَ. . . . . [52] {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ} [الحجر: 52] إبراهيم، {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: 52] خَائِفُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْكُلُوا طَعَامَهُ. [53] {قَالُوا لَا تَوْجَلْ} [الحجر: 53] لَا تَخَفْ، {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53] أَيْ: غُلَامٍ فِي صِغَرِهِ عَلِيمٌ فِي كِبَرِهِ يَعْنِي إِسْحَاقَ، فَتَعَجَّبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ كِبَرِهِ وكبر امرأته. [54] {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي} [الحجر: 54] أَيْ: بِالْوَلَدِ {عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ} [الحجر: 54] أَيْ: عَلَى حَالِ الْكِبَرِ قَالَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ، {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54] فبأي شيء تبشرون. [55] {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} [الحجر: 55] أَيْ بِالصِّدْقِ، {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} [الحجر: 55] [56] {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ} [الحجر: 56] قنط يقنط أي: من ييأس، {مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] أَيِ: الْخَاسِرُونَ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ كَالْأَمْنِ مِنْ مَكْرِهِ. [57] {قَالَ} [الحجر: 57] إبراهيم لهم، {فَمَا خَطْبُكُمْ} [الحجر: 57] ما شأنكم، {أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} [الحجر: 57] [58] {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} [الحجر: 58] مشركين. [59] {إِلَّا آلَ لُوطٍ} [الحجر: 59] أَتْبَاعَهُ وَأَهْلَ دِينِهِ، {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 59] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 301 والمصنف في شرخ السنة 14 / 378.

قوله تعالى قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك

خَفَّفَ الْجِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَشَدَّدَهُ الباقون. [60] . {إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الحجر: 60] أي: امرأة لوط، {قَدَّرْنَا} [الحجر: 60] قضينا، {إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} [الحجر: 60] الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَمِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَاسْتَثْنَى امْرَأَةَ لُوطٍ مِنَ النَّاجِينَ فَكَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْهَالِكِينَ، قَرَأَ أَبُو بكر (قدرنا) هاهنا وَفِي سُورَةِ النَّمْلِ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ. والباقون بتشديدها. [61] {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} [الحجر: 61] [62] {قَالَ} [الحجر: 62] لُوطٌ لَهُمْ {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الحجر: 62] أَيْ: أَنَا لَا أَعْرِفُكُمْ. [63] {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} [الحجر: 63] أَيْ: يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُ نَازِلٌ بِهِمْ وَهُوَ الْعَذَابُ لِأَنَّهُ كَانَ يُوعِدُهُمْ بِالْعَذَابِ وَلَا يُصَدِّقُونَهُ. [64] {وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ} [الحجر: 64] بِالْيَقِينِ. وَقِيلَ: بِالْعَذَابِ، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الحجر: 64] [65] {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} [الحجر: 65] أي: خَلْفَهُمْ، {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} [الحجر: 65] حَتَّى لَا يَرْتَاعُوا مِنَ الْعَذَابِ إِذَا نَزَلَ بِقَوْمِهِمْ. وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَامَةً لِمَنْ يَنْجُو مِنْ آلِ لُوطٍ، {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشَّامَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي زُغَرَ. وَقِيلَ: الْأُرْدُنُ. [66] {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ} [الحجر: 66] أي وقضينا إلى آل لوط ذَلِكَ الْأَمْرِ أَيْ أَحْكَمْنَا الْأَمْرَ الَّذِي أُمِرْنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ، وأخبرناه {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ} [الحجر: 66] يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَقُلْنَا لَهُ إِنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ يعني أصلهم، {مَقْطُوعٌ} [الحجر: 66] مستأصل، {مُصْبِحِينَ} [الحجر: 66] إِذَا دَخَلُوا فِي الصُّبْحِ. [67] {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ} [الحجر: 67] يعني سدوم، {يَسْتَبْشِرُونَ} [الحجر: 67] بِأَضْيَافِ لُوطٍ أَيْ: يُبَشِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا طَمَعًا فِي رُكُوبِ الْفَاحِشَةِ منهم. [68] {قَالَ} [الحجر: 68] لُوطٌ لِقَوْمِهِ، {إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي} [الحجر: 68] وَحَقٌّ عَلَى الرَّجُلِ إِكْرَامُ ضَيْفِهِ، {فَلَا تَفْضَحُونِ} [الحجر: 68] فِيهِمْ. [69] {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ} [الحجر: 69] وَلَا تُخْجِلُونِ. [70] {قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر: 70] أَيْ: أَلَمْ نَنْهَكَ عَنْ أَنْ تُضِيفَ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: أَلَمْ نَنْهَكَ أَنْ تُدْخِلَ الْغُرَبَاءَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّا نَرْكَبُ مِنْهُمُ الْفَاحِشَةَ. [قوله تعالى قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ] إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. . . . . [71] {قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي} [الحجر: 71] أُزَوِّجُهُنَّ إِيَّاكُمْ إِنْ أَسْلَمْتُمْ فَأْتُوا الْحَلَالَ وَدَعَوُا الْحَرَامَ, {إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الحجر: 71] مَا آمُرُكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْبَنَاتِ نِسَاءَ قَوْمِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَالْوَالِدِ لِأُمَّتِهِ. [72] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَعَمْرُكَ} [الحجر: 72] يَا مُحَمَّدُ أَيْ وَحَيَاتِكَ, {إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ} [الحجر: 72] حيرتهم وضلالتهم {يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] يَتَرَدَّدُونَ, قَالَ قَتَادَةُ: يَلْعَبُونَ. رُوِيَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عباس أنه قَالَ: مَا خَلَقَ

اللَّهُ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةِ أَحَدٍ إِلَّا بِحَيَاتِهِ (¬1) . [73] {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} [الحجر: 73] أَيْ: حِينَ أَضَاءَتِ الشَّمْسُ فَكَانَ ابْتِدَاءُ الْعَذَابِ حِينَ أَصْبَحُوا وَتَمَامُهُ حِينَ أَشْرَقُوا. [74] {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] [75] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلنَّاظِرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. وقال مقاتل: للمتفكرين. [76] {وَإِنَّهَا} [الحجر: 76] يَعْنِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، {لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} [الحجر: 76] أَيْ: بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِطْرِيقٍ مُعَلَّمٍ لَيْسَ بِخَفِيٍ وَلَا زَائِلٍ. [77] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 77] [78] {وَإِنْ كَانَ} [الحجر: 78] وقد كان {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} [الحجر: 78] الغيضة، {لَظَالِمِينَ} [الحجر: 78] لَكَافِرِينَ وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا أَصْحَابَ غياض وشجر ملتف، وكانت عَامَّةُ شَجَرِهِمُ الدَّوْمُ وَهُوَ الْمُقْلُ. [79] {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الحجر: 79] بِالْعَذَابِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ بعث سَحَابَةً فَالْتَجَئُوا إِلَيْهَا يَلْتَمِسُونَ الرَّوْحَ، فبعث عليهم منها نارا فأحرقتهما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189] {وَإِنَّهُمَا} [الحجر: 79] يَعْنِي مَدِينَتَي قَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الأيكة {لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79] لبطريق وَاضِحٍ مُسْتَبِينٍ. [80] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ} [الْحِجْرِ: 80] وَهِيَ مَدِينَةُ ثَمُودَ قَوْمِ صَالِحٍ وَهِيَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، {الْمُرْسَلِينَ} [الحجر: 80] أراد صالحا وحده، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ من كذب رسولا فقد كذب الرسل كلهم. [81] {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا} [الحجر: 81] يعني: الناقة وولدها والبئر والآية فِي النَّاقَةِ خُرُوجُهَا مِنَ الصَّخْرَةِ وَكِبَرُهَا وَقُرْبُ وِلَادِهَا وَغَزَارَةُ لَبَنِهَا، {فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الحجر: 81] [82] {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر: 82] مِنَ الْخَرَابِ وَوُقُوعِ الْجَبَلِ عَلَيْهِمْ. [83] {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [الحجر: 83] يعني: صيحة العذاب, {مُصْبِحِينَ} [الحجر: 83] أَيْ: دَاخِلِينَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ. [84] قوله تعالى: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الحجر: 84] من الشرك والأعمال الخبيثة. [85] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ} [الحجر: 85] يعني: القيامة {لَآتِيَةٌ} [الحجر: 85] يجازي المحسن بإحسانه والمسيئ ¬

(¬1) أخرجه الطبري في تفسيره 14 / 44 والحارث بن أبي أسامة في مسنده وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية. انظر الدر المنثور 5 / 89 والمطالب العالية 3 / 347.

قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن

بإساءته {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاعْفُ عَفْوًا حَسَنًا. نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [86] {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [الحجر: 86] بِخَلْقِهِ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ] الْعَظِيمَ. . . . . [87] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الْحِجْرِ: 87] قال عمر وعلي: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ» (¬1) . ، وَعَنِ ابْنِ مسعود قال: السَّبْعِ الْمَثَانِي هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ والقرآن العظيم سَائِرُ الْقُرْآنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الفاتحة لم سميت مثاني؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسْنُ وَقَتَادَةُ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مَقْسُومَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ بنصفين نِصْفُهَا ثَنَاءٌ وَنِصْفُهَا دُعَاءٌ، كَمَا روينا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ. «يقول الله: "قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» (¬2) . ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مرة بمكة ومرة بالمدينة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا وَادَّخَرَهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَمَا أَعْطَاهَا غَيْرَهُمْ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْبَلْخِيُّ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثْنِي أَهْلَ الشَّرِّ عَنِ الْفِسْقِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ ثَنَيْتُ عَنَانِيَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ أَوَّلَهَا ثَنَاءٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطِّوَالُ أَوَّلُهَا سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآخِرُهَا الْأَنْفَالُ مَعَ التَّوْبَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُورَةَ يُونُسَ بَدَلَ الأنفال، عن ثوبان أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ. «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَانِي السَّبْعَ الطِّوَالَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَأَعْطَانِي الْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَأَعْطَانِي مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَثَانِيَ، وَفَضَّلَنِي ربي بالمفصل» . وقال طاووس: الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَثَانِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزُّمَرِ: 23] وَسُمِّيَ الْقُرْآنُ مَثَانِيَ لِأَنَّ الْأَنْبَاءَ وَالْقَصَصَ ثُنِّيَتْ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ سَبْعَةُ أَسْبَاعِ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ عَلَى هَذَا وَهِيَ القرآن العظيم. [88] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [الحجر: 88] يَا مُحَمَّدُ، {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا} [الحجر: 88] أصنافا , {مِنْهُمْ} [الحجر: 88] أَيْ: مِنَ الْكُفَّارِ مُتَمَنِّيًا لَهَا, نَهَى اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَمُزَاحَمَةِ أَهْلِهَا عَلَيْهَا, {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [الحجر: 88] أَيْ: لَا تَغْتَمَّ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قبلها وذلك أنه لِمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ نَهَاهُ عَنِ الرَّغْبَةِ فِي الدنيا: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} [الحجر: 88] لين جانبك {لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] وارفق بهم والجناحان من ابن آدَمَ جَانِبَاهُ. [89] {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} [الحجر: 89] [90] {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر: 90] قَالَ الْفَرَّاءُ: مَجَازُهُ أُنْذِرُكُمْ عَذَابًا كَعَذَابِ الْمُقْتَسِمِينَ, حُكِيَ عَنِ ابْنِ عباس أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. [91] {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] جزّؤوه فَجَعَلُوهُ أَعْضَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَسَّمُوا كِتَابَهُمْ فَفَرَّقُوهُ وَبَدَّلُوهُ. وَقِيلَ: الْمُقْتَسِمُونَ قَوْمٌ اقْتَسَمُوا الْقُرْآنَ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذِبٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَقِيلَ: الِاقْتِسَامُ هُوَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا الْقَوْلَ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: سَاحِرٌ كَاهِنٌ شَاعِرٌ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ فَاقْتَسَمُوا عِقَابَ مَكَّةَ وطرفها، وقعدوا على نقابها فيقولون لِمَنْ جَاءَ مِنَ الْحُجَّاجِ: لَا تَغْتَرُّوا بِهَذَا الرَّجُلِ الْخَارِجِ الَّذِي يَدَّعِي النُّبُوَّةَ مِنَّا, وَتَقُولُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ وَطَائِفَةٌ إِنَّهُ كَاهِنٌ وَطَائِفَةٌ إِنَّهُ شَاعِرٌ, وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الحجر 8 / 381. (¬2) أخرجه مسلم في الصلاة رقم (395) 1 / 396 والمصنف في شرح السنة 3 / 47.

حَكَمًا فَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ قَالَ: صَدَقَ أُولَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ. وَقَوْلُهُ: {عِضِينَ} [الحجر: 91] قِيلَ: هُوَ جَمْعُ عُضْوٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَضَيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً، إِذَا فَرَّقْتُهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِهَانَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ عِضَةٍ. يُقَالُ: عِضَةٌ وَعِضِينُ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَعِزَةٍ وَعِزِينَ، وَأَصْلُهَا عِضْهَةٌ ذَهَبَتْ هَاؤُهَا الْأَصْلِيَّةُ كَمَا نَقَصُوا مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ شُفَيْهَةً، وَالْمُرَادُ بِالْعِضَةِ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِضِينَ الْعِضَهُ وَهُوَ السِّحْرُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْقُرْآنَ سحرا. [92] {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [93] {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 93] فِي الدُّنْيَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39] قيل: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عَمِلْتُمْ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ وَاعْتَمَدَهُ قُطْرُبُ فَقَالَ: السُّؤَالُ ضَرْبَانِ: سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ وَسُؤَالُ تَوْبِيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرَّحْمَنِ: 39] يَعْنِي: اسْتِعْلَامًا. وَقَوْلُهُ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] يَعْنِي: تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَتَيْنِ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ فيه مواقف مختلفة يُسْأَلُونَ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ وَلَا يسألون في بعضها، نظير ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} [الْمُرْسَلَاتِ: 35] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] [94] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَظْهِرْهُ. وَيُرْوَى عَنْهُ: أَمْضِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَعْلِمْ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: افْرُقْ، أَيِ: افْرُقْ بِالْقُرْآنِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: اقْضِ بِمَا تُؤْمَرُ، وَأَصْلُ الصَّدْعِ الْفَصْلُ وَالْفَرْقُ، أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: كَانَ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [95] {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَاصْدَعْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا تَخَفْ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ مَنْ عَادَاكَ كَمَا كَفَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ - وَكَانَ رَأْسَهُمْ- وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ زَمْعَةَ، وَالْأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الطلاطلة. [96] {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 96] وَقِيلَ: اسْتِهْزَاؤُهُمْ وَاقْتِسَامُهُمْ هُوَ أَنَّ الله لَمَّا أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةَ النَّحْلِ وَسُورَةَ النَّمْلِ وَسُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ، كَانُوا يَجْتَمِعُونَ وَيَقُولُونَ استهزاء يقول هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَيَقُولُ هَذَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَيَقُولُ هَذَا فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ. [97] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97] [98] {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الحجر: 98] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَلِّ بِأَمْرِ ربك، {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] مِنَ الْمُصَلِّينَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، يعني: من الْمُصَلِّينَ. وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمَرٌّ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ» (¬1) . [99] {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] أي ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في الصلاة 2 / 94 والإمام أحمد في المسند 5 / 388 والمصنف في شرح السنة 4 / 155 وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة 1 / 416.

سورة النحل

الْمَوْتُ الْمُوقَنُ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ. {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] [سورة النحل] [قوله تعالى أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ] وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. . . . . (16) سورة النحل [1] {أَتَى} [النحل: 1] أَيْ: جَاءَ وَدَنَا وَقَرُبَ، {أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَتَاكَ الْأَمْرُ وَهُوَ مُتَوَقَّعٌ بَعْدُ، أي: أتى أمر الله وعده. {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] وُقُوعًا، (أَمْرُ اللَّهِ) قَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْقِيَامَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [الْقَمَرِ: 1] قَالَ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتَّى تَنْظُرُوا مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ قَالُوا: مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَ قَوْلُهُ: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الْأَنْبِيَاءِ: 1] فَأَشْفَقُوا فَلَمَّا امْتَدَّتِ الْأَيَّامُ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى شَيْئًا مِمَّا تُخَوِّفُنَا بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) فَوَثَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعَ النَّاسُ رُءُوسَهُمْ وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ حَقِيقَةً فَنَزَلَتْ (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) فَاطْمَأَنُّوا» (¬1) . وَالِاسْتِعْجَالُ: طَلَبُ الشَّيْءِ قَبْلَ حِينِهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ وَإِنْ كَادَتْ لتسبقني» وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا عقوبة المكذوبين وَالْعَذَابُ بِالسَّيْفِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَعْجَلَ الْعَذَابَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» (¬2) . وَقُتِلَ النَّضْرُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1] مَعْنَاهُ تَعَاظَمَ بِالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. [2] {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ} [النحل: 2] قَرَأَ الْعَامَّةُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَ (الْمَلَائِكَةَ) نَصْبٌ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا وَفَتْحِ الزَّايِ وَ (الْمَلَائِكَةُ) رَفْعٌ، {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ} [النحل: 2] بِالْوَحْيِ سَمَّاهُ رُوحًا لِأَنَّهُ يُحْيِيِ بِهِ الْقُلُوبَ وَالْحَقَّ. قَالَ عَطَاءٌ: بِالنُّبُوَّةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالرَّحْمَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بِالرُّوحِ يَعْنِي مَعَ الروح وهو جبرائيل. {مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا} [النحل: 2] أَعْلِمُوا {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُرُوهُمْ بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنْذِرِينَ مُخَوِّفِينَ بِالْقُرْآنِ إِنْ لَمْ يَقُولُوا. وَقَوْلُهُ: فَاتَّقَوْنِ أَيْ: فَخَافُونِ. [3] {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 3] أي: ارتفع عما يشركون. [4] ¬

(¬1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 321 بدون إسناد وبمعناه أخرجه الطبري 14 / 75. (¬2) أخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 50 قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن وأصل الحديث في البخاري كتاب الرقاق 11 / 347 وفي مسلم في كتاب الفتن 4 / 2268.

قوله تعالى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} [النحل: 4] جدل بالباطل، {مُبِينٌ} [النحل: 4] نَزَلَتْ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ وَكَانَ يُنْكِرُ الْبَعْثَ جَاءَ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ فَقَالَ. أَتَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي هَذَا بَعْدَ مَا قَدْ رَمَّ؟ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يَس: 78] نَزَلَتْ فِيهِ أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ، وَفِيهَا بَيَانُ الْقُدْرَةِ وَكَشْفُ قَبِيحِ ما فعلوه، من جحود نِعَمِ اللَّهِ مَعَ ظُهُورِهَا عَلَيْهِمْ. [5] قوله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا} [النحل: 5] يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} [النحل: 5] يَعْنِي: مِنْ أَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَصْوَافِهَا مَلَابِسَ وَلُحُفًا تَسْتَدْفِئُونَ بِهَا، {وَمَنَافِعُ} [النحل: 5] بِالنَّسْلِ وَالدَّرِّ وَالرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ وَغَيْرِهَا، {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] يَعْنِي لُحُومَهَا. [6] {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} [النحل: 6] زينة، {حِينَ تُرِيحُونَ} [النحل: 6] أَيْ: حِينَ تَرُدُّونَهَا بِالْعَشِيِّ مِنْ مَرَاعِيهَا إِلَى مَبَارِكِهَا الَّتِي تَأْوِي إليها، {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6] أَيْ: تُخْرِجُونَهَا بِالْغَدَاةِ مِنْ مَرَاحِهَا إِلَى مَسَارِحِهَا، وَقَدَّمَ الرَّوَاحَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ، وَمَالِكُهَا يَكُونُ أَعْجَبَ بِهَا إِذَا راحت. [قوله تعالى وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا] بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ. . . . [7] {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} [النحل: 7] أحمالكم، {إِلَى بَلَدٍ} [النحل: 7] آخر غير بلدكم. {لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7] أَيْ: بِالْمَشَقَّةِ وَالْجُهْدِ. وَالشِّقُّ: النِّصْفُ أَيْضًا أَيْ: لَمْ تَكُونُوا بَالِغَيْهِ إِلَّا بِنُقْصَانِ قُوَّةِ النَّفْسِ وَذَهَابِ نِصْفِهَا. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (بِشَقِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ رَطل ورِطل. {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل: 7] بخلقه حيث جعل لكم هذه المنافع. [8] {وَالْخَيْلَ} [النحل: 8] يَعْنِي: وَخَلَقَ الْخَيْلَ وَهِيَ اسْمُ جِنْسٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لفظه كالإبل والنساء والسماء. {وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] يَعْنِي وَجَعَلَهَا زِينَةً لَكُمْ مَعَ المنافع التي فيها، {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] من وسائل الانتقال وأسباب الزينة، وقيل: يَعْنِي مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا وَفِي النَّارِ لِأَهْلِهَا مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر عدى قلب بشر. [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] يَعْنِي: بَيَانُ طَرِيقِ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالَةِ. وَقِيلَ: بَيَانُ الْحَقِّ بِالْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، وَالْقَصْدُ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. {وَمِنْهَا جَائِرٌ} [النحل: 9] يَعْنِي: وَمِنَ السَّبِيلِ جَائِرٌ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ مُعْوَجٌّ، فَالْقَصْدُ مِنَ السَّبِيلِ دين الإسلام، والجائر منها دين الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَسَائِرُ مِلَلِ الْكُفْرِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَصْدُ السَّبِيلِ بَيَانُ الشَّرَائِعِ وَالْفَرَائِضِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَسَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَصْدُ السَّبِيلِ السُّنَّةُ. وَمِنْهَا جَائِرٌ: الْأَهْوَاءُ وَالْبِدَعُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الْأَنْعَامِ: 153] {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9] نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السَّجْدَةِ: 13] [10] قوله. {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ} [النحل: 10] تشربونه، {وَمِنْهُ شَجَرٌ} [النحل: 10] أي: من

قوله تعالى وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم

ذلك الماء شراب أشجاركم حياة نباتكم، {فِيهِ} [النحل: 10] يعني: في الشجر، {تُسِيمُونَ} [النحل: 10] تَرْعَوْنَ مَوَاشِيَكُمْ. [11] {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ} [النحل: 11] أَيْ: يُنْبِتُ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ يعني الماء الَّذِي أَنْزَلَ وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (نُنْبِتُ) بِالنُّونِ. {الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11] [12] {وَسَخَّرَ لَكُمُ} [النحل: 12] ذَلَّلَ لَكُمْ {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ} [النحل: 12] مذللات، {بِأَمْرِهِ} [النحل: 12] أي: بإذنه وقرأ حفص عن عاصم (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12] [13] {وَمَا ذَرَأَ} [النحل: 13] خلق، {لَكُمْ} [النحل: 13] لِأَجْلِكُمْ: أَيْ: وَسَخَّرَ مَا خَلَقَ لأجلكم، {فِي الْأَرْضِ} [النحل: 13] مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهَا، {مُخْتَلِفًا} [النحل: 13] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، {أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13] يَعْتَبِرُونَ. [14] {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] يَعْنِي: السَّمَكَ، {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14] يَعْنِي: اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ، {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} [النحل: 14] جواري فيه. قَالَ قَتَادَةُ: مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً وَهُوَ أَنَّكَ تَرَى سَفِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا تُقْبِلُ وَالْأُخْرَى تُدَبِرُ تَجْرِيَانِ بِرِيحٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَوَاخِرَ أَيْ مَمْلُوءَةً. وقال الفراء والأخفش: مواخر شواق تشق الماء يجؤجؤها. قَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخُرُ السُّفُنَ الرِّيَاحُ. وَأَصْلُ الْمَخْرِ: الرَّفْعُ وَالشَّقُّ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْبَوْلَ فَلْيَسْتَمْخِرِ الرِّيحَ» (¬1) . (1) أَيْ: لِيَنْظُرْ مِنْ أين مجراها وهبوبها حتى لا يرث عَلَيْهِ الْبَوْلُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: صَوَائِخُ. وَالْمَخْرُ: صَوْتُ هُبُوبِ الرِّيحِ عِنْدَ شِدَّتِهَا، {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [النحل: 14] يعني: التجارة، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] إذ رَأَيْتُمْ صُنْعَ اللَّهِ فِيمَا سَخَّرَ لكم. [قوله تعالى وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ] وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. . . . [15] {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النَّحْلِ: 15] أَيْ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ أَيْ تَتَحَرَّكَ وَتَمِيلَ، وَالْمَيْدُ: هُوَ الِاضْطِرَابُ وَالتَّكَفُّؤُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّوَّارِ الَّذِي يَعْتَرِي رَاكِبَ الْبَحْرِ: مَيَدٌ قَالَ وَهْبٌ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ هَذِهِ غَيْرُ مُقِرَّةٍ أَحَدًا عَلَى ظَهْرِهَا فَأَصْبَحَتْ وَقَدْ أُرْسِيَتْ بِالْجِبَالِ فَلَمْ تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ، {وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا} [النحل: 15] أَيْ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا وَطُرُقًا مختلفة {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15] إِلَى مَا تُرِيدُونَ فَلَا تَضِلُّونَ. [16] {وَعَلَامَاتٍ} [النحل: 16] يَعْنِي: مَعَالِمَ الطُّرُقِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: ها هنا تَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ ابْتَدَأَ، {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْكَلْبِيُّ: أراد بالعلامات الجبال والجبال تَكُونُ عَلَامَاتِ النَّهَارِ وَالنُّجُومُ عَلَامَاتُ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِالْكُلِّ النُّجُومَ مِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَامَاتٍ ومنها ما يهتدون به. [17] {أَفَمَنْ يَخْلُقُ} [النحل: 17] يَعْنِي: اللَّهَ تَعَالَى، {كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل: 17] يعني: الأصنام، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] [18] {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] لِتَقْصِيرِكُمْ فِي شُكْرِ نِعَمِهِ {رَحِيمٌ} [النحل: 18] بِكُمْ حَيْثُ وَسَّعَ عَلَيْكُمُ النِّعَمَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا عَنْكُمْ بِالتَّقْصِيرِ وَالْمَعَاصِي. [19] {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل: 19] [20] {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النحل: 20] يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالْيَاءِ. {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] [21] {أَمْوَاتٌ} [النحل: 21] أَيِ: الْأَصْنَامُ {غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 21] يعني الأصنام {أَيَّانَ} [النحل: 21] متى {يُبْعَثُونَ} [النحل: 21] وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْنَامَ تُبْعَثُ وَتُجْعَلُ فِيهَا الْحَيَاةُ فَتَتَبَرَّأُ مِنْ عَابِدِيهَا وَقِيلَ: مَا يَدْرِي الْكُفَّارُ عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ مَتَى يُبْعَثُونَ. ¬

(¬1) أخرجه ابن حبان في المجروحين 3 / 108 وذكره الزمخشري في الفائق 3 / 305 وابن الأثير في النهاية 4 / 305 والزيلعي في نصب الراية 2 / 103.

قوله تعالى ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين

[22] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} [النحل: 22] جاحدة، {وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22] متعظمون. [23] {لَا جَرَمَ} [النحل: 23] حَقًّا {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا يدخل الجنة مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونعله حَسَنًا؟ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (¬1) . [24] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [النحل: 24] يَعْنِي: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ الَّذِينَ اقتسموا عقابها إذا سأل منهم الْحَاجُّ، {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل: 24] أحاديثهم وأباطيلهم. [25] {لِيَحْمِلُوا} [النحل: 25] أي: ليجعلوا، {أَوْزَارَهُمْ} [النحل: 25] ذنوب أنفسهم، {كَامِلَةً} [النحل: 25] وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكَمَالَ لِأَنَّ الْبَلَايَا الَّتِي تَلْحَقُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَمَا يفعلون فيها مِنَ الْحَسَنَاتِ لَا تُكَفِّرُ عَنْهُمْ شَيْئًا، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النَّحْلِ: 25] بِغَيْرِ حُجَّةٍ فَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] ما يحملون. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ آثامهم شيئا» (¬2) . [26] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النحل: 26] وَهُوَ نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ، بَنَى الصرح ببابل ليصعد السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: كَانَ طُولُ الصَّرْحِ فِي السَّمَاءِ خَمْسَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَمُقَاتِلٌ: كَانَ طُولُهُ فَرْسَخَيْنِ فَهَبَّتْ رِيحٌ وَأَلْقَتْ رَأْسَهُ فِي الْبَحْرِ وَخَرَّ عَلَيْهِمُ الْبَاقِي وَهُمْ تَحْتَهُ، فذلك قوله تعانى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] أَيْ: قَصَدَ تَخْرِيبَ بُنْيَانِهِمْ مِنْ أصولها، {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ} [النحل: 26] يَعْنِي أَعْلَى الْبُيُوتِ {مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] من مأمنهم. [قوله تعالى ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ] شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ. . . . . [27] {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} [النحل: 27] يُهِينُهُمْ بِالْعَذَابِ، {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: 27] تخالفون، المؤمنون فِيهِمْ مَا لَهُمْ لَا يَحْضُرُونَكُمْ فَيَدْفَعُونَ عَنْكُمُ الْعَذَابَ، وَكَسَرَ نَافِعٌ النُّونَ مِنْ (تُشَاقُّونَ) عَلَى الْإِضَافَةِ، وَالْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا. {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [النحل: 27] وهم المؤمنون، {إِنَّ الْخِزْيَ} [النحل: 27] الهوان، {الْيَوْمَ وَالسُّوءَ} [النحل: 27] أي: العذاب، {عَلَى الْكَافِرِينَ} [النحل: 27] ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الإيمان رقم (91) 1 / 53 والمصنف في شرح السنة 13 / 165. (¬2) أخرجه مسلم في العلم رقم (2674) 4 / 2060 والمصنف في شرح السنة 1 / 232.

قوله تعالى وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا

[28] {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [النحل: 28] يَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وَأَعْوَانُهُ، قَرَأَ حَمْزَةُ (يَتَوَفَّاهُمْ) بِالْيَاءِ وَكَذَا ما بعده، {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النحل: 28] بِالْكُفْرِ وَنُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ: فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} [النحل: 28] أَيِ: اسْتَسْلَمُوا وَانْقَادُوا وَقَالُوا، {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} [النحل: 28] شِرْكٍ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، {بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28] قَالَ عِكْرِمَةُ: عَنَى بِذَلِكَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ بِبَدْرٍ. [29] {فَادْخُلُوا} [النحل: 29] أَيْ: قَالَ لَهُمُ ادْخُلُوا {أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29] عَنِ الْإِيمَانِ، (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) وَذَلِكَ أَنَّ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ كَانُوا يَبْعَثُونَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ مَنْ يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - فإذا جاء يسأل الَّذِينَ قَعَدُوا عَلَى الطُّرُقِ عَنْهُ فَيَقُولُونَ: سَاحِرٌ كَاهِنٌ شَاعِرٌ كَذَّابٌ مَجْنُونٌ، وَلَوْ لَمْ تَلْقَهُ خَيْرٌ، فيقول السائل: إنا شر وفد إِنْ رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي دُونَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ فَأَلْقَاهُ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَرَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، مَبْعُوثٌ. [30] فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا} [النحل: 30] يَعْنِي: أَنْزَلَ خَيْرًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} [النحل: 30] كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ إِلَى الْعَشْرِ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: هِيَ النَّصْرُ وَالْفَتْحُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الرِّزْقُ الحسن {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} [النحل: 30] أَيْ وَلَدَارُ الْحَالِ الْآخِرَةِ، {خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى يَتَزَوَّدُونَ فِيهَا لِلْآخِرَةِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ الْجَنَّةُ، ثُمَّ فَسَّرَهَا. [31] فَقَالَ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 31] [32] {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: 32] مُؤْمِنِينَ طَاهِرِينَ مِنَ الشِّرْكِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: زَاكِيَةً أَفْعَالُهُمْ وَأَقْوَالُهُمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ وَفَاتَهُمْ تَقَعُ طَيِّبَةً سهلة. {يَقُولُونَ} [النحل: 32] يَعْنِي: الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ, {سَلَامٌ عَلَيْكُمُ} [النحل: 32] وقيل: معناه يُبَلِّغُونَهُمْ سَلَامَ اللَّهِ, {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] [33] قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [النحل: 33] لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ, {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَقِيلَ: الْعَذَابُ. {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النحل: 33] أي: كفروا كما كفر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ, {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} [النحل: 33] بِتَعْذِيبِهِ إِيَّاهُمْ, {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33] [34] {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} [النحل: 34] عُقُوبَاتُ كُفْرِهِمْ وَأَعْمَالِهِمِ الْخَبِيثَةِ, {وَحَاقَ بِهِمْ} [النحل: 34] نَزَلَ بِهِمْ, {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [النحل: 34] [قوله تعالى وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا] مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا. . . . [35] {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 35]

قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي

يعني في الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، فَلَوْلَا أن الله رضيها لنا لَغَيَّرَ ذَلِكَ وَهَدَانَا إِلَى غَيْرِهَا، {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35] أَيْ: لَيْسَ إِلَيْهِمُ الْهِدَايَةُ إِنَّمَا إِلَيْهِمُ التَّبْلِيغُ. [36] {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} [النحل: 36] أَيْ: كَمَا بَعَثْنَا فِيكُمْ، {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النَّحْلِ: 36] وهو مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ، {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} [النحل: 36] أَيْ: هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى دِينِهِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] أَيْ وَجَبَتْ: بِالْقَضَاءِ السَّابِقِ حَتَّى مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] أَيْ: مَآلُ أَمْرِهِمْ وَهُوَ خَرَابُ مَنَازِلِهِمْ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ. [37] {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ} [النحل: 37] يَا مُحَمَّدُ، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (يَهْدِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِّ أَيْ: لَا يَهْدِي اللَّهُ مَنْ أَضَلَّهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَهْتَدِي مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ يَعْنِي مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ كَمَا قَالَ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} [الْأَعْرَافِ: 186] {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [النحل: 37] أَيْ: مَانِعِينَ مِنَ الْعَذَابِ. [38] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل: 38] وَهُمْ مُنْكِرُو الْبَعْثِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: {بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 38] [39] {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ} [النحل: 39] أَيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ الْحَقَّ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ، {فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 39] [40] {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَبْعَثَ الْمَوْتَى فَلَا تَعَبَ عَلَيْنَا فِي إِحْيَائِهِمْ وَلَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَحْدُثُ إِنَّمَا نَقُولُ له: كن فيكون. [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [النحل: 41] عذبوا وأوذوا في الله، قال قَتَادَةُ: هُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ حَتَّى لحق منهم طائفة بالحبشة ثم بوأ الله لهم الْمَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ دَارَ هِجْرَةٍ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 41] وهو أنه أنزلهم المدينة. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَنُحْسِنَنَّ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ. {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41] وَقَوْلُهُ: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يعلمونه. [42] {الَّذِينَ صَبَرُوا} [النحل: 42] في الله على ما نالهم، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 42] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي] إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. . . . [43] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [النحل: 43] نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ حَيْثُ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا فهل بَعَثَ إِلَيْنَا مَلَكًا، {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43]

يَعْنِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، {إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] [44] {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [النحل: 44] وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَالِبِ لِلْبَاءِ فِي قَوْلِهِ (بِالْبَيِّنَاتِ) قِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إلى قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا) ، وإلا بمعنى غير، مجاز: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ غَيْرَ رِجَالٍ يُوحَى إِلَيْهِمْ وَلَمْ نَبْعَثْ مَلَائِكَةً. وَقِيلَ: تَأْوِيلُهُ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا يُوحَى إِلَيْهِمْ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] أَرَادَ بِالذِّكْرِ الْوَحْيَ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَيِّنًا لِلْوَحْيِ وَبَيَانُ الْكِتَابِ يُطْلَبُ مِنَ السنة {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] [45] {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا} [النحل: 45] عملوا {السَّيِّئَاتِ} [النحل: 45] مِنْ قَبْلُ يَعْنِي نَمْرُودَ بْنَ كنعان وغيره الْكُفَّارِ، {أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 45] [46] {أَوْ يَأْخُذَهُمْ} [النحل: 46] بالعذاب، {فِي تَقَلُّبِهِمْ} [النحل: 46] تَصَرُّفِهِمْ فِي الْأَسْفَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فِي إِقْبَالِهِمْ وَإِدْبَارِهِمْ، {فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [النحل: 46] السابقين اللَّهَ. [47] {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] والتخوف: النقص، أَيْ: يُنْقِصُ مِنْ أَطْرَافِهِمْ وَنَوَاحِيهِمُ شيئا بعد شيء حَتَّى يَهْلَكَ جَمِيعُهُمْ، يُقَالُ: تَخَوَّفَهُ الدَّهْرُ وَتَخَوَّنَهُ إِذَا نَقَصَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ وَحَشَمَهُ، وَيُقَالُ: هَذَا لُغَةُ بني هذيل. وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف، أي: أن يعذب طائفة ليتخوف الْآخَرُونَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ. {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل: 47] حين لم يعجل بالعقوبة. [48] قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 48] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ، وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ جِسْمٍ قائم له ظل، {يَتَفَيَّأُ} [النحل: 48] قرأ أبو عمر، وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ. {ظِلَالُهُ} [النحل: 48] أَيْ: تَمِيلُ وَتَدُورُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ فَهِيَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَى حَالٍ ثُمَّ تَتَقَلَّصُ ثُمَّ تَعُودُ فِي آخِرِ النَّهَارِ إِلَى حَالٍ أُخْرَى, سُجَّدًا لِلَّهِ فَمَيَلَانُهَا وَدَوَرَانُهَا سُجُودُهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَيُقَالُ لِلظِّلِّ بِالْعَشِيِّ: فَيْءٌ لِأَنَّهُ فَاءَ أَيْ رَجَعَ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ, فَالْفَيْءُ الرُّجُوعُ, والسجود الميل. يقال: سَجَدَتِ النَّخْلَةُ إِذَا مَالَتْ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] قول قَتَادَةُ وَالضَّحَاكُ: أَمَّا الْيَمِينُ فَأَوَّلُ النَّهَارِ وَالشِّمَالُ آخِرُ النَّهَارِ، تَسْجُدُ الظلال لِلَّهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الظِّلَالِ سجود الأشخاص فإذا قِيلَ: لِمَ وَحَّدَ الْيَمِينَ وَجَمَعَ الشَّمَائِلَ؟ قِيلَ: مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ فِي اجْتِمَاعِ الْعَلَامَتَيْنِ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [الْبَقَرَةِ: 7] وَقَوْلِهِ: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الْبَقَرَةِ: 257] وَقِيلَ: الْيَمِينُ يَرْجِعُ إِلَى قوله: (وما خَلَقَ اللَّهُ) وَلَفْظُ (مَا)

قوله تعالى ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف

واحد والشمائل جمع يَرْجِعُ إِلَى الْمَعْنَى. {وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48] صَاغِرُونَ. [49] {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النحل: 49] إِنَّمَا أَخْبَرَ بِـ (مَا) لِغَلَبَةِ مَا لَا يَعْقِلُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ فِي الْعَدَدِ، وَالْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ كَتَغْلِيبِ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ، {مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 49] أَرَادَ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ. وَيُقَالُ: السُّجُودُ الطَّاعَةُ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مُطِيعَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فُصِّلَتْ: 11] وَقِيلَ: سُجُودُ الْأَشْيَاءِ تَذَلُّلُهَا وَتَسَخُّرُهَا لِمَا أُرِيدَتْ لَهُ وَسُخِّرَتْ لَهُ. وَقِيلَ: سُجُودُ الْجَمَادَاتِ وَمَا لَا يَعْقِلُ ظُهُورُ أَثَرِ الصُّنْعِ فِيهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَدْعُو الْغَافِلِينَ إِلَى السُّجُودِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} [فصلت: 53] {وَالْمَلَائِكَةُ} [النحل: 49] خَصَّ الْمَلَائِكَةَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِمْ من جملة ما في السماوات وَالْأَرْضِ تَشْرِيفًا وَرَفْعًا لِشَأْنِهِمْ. وَقِيلَ: لِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْمَوْصُوفِينَ بِالدَّبِيبِ إِذْ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، وَتَسْجُدُ الْمَلَائِكَةُ. {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] [50] {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] كَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] [51] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] [52] {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ} [النحل: 52] الطاعة والإخلاص {وَاصِبًا} [النحل: 52] دَائِمًا ثَابِتًا، مَعْنَاهُ: لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يُدَانُ لَهُ وَيُطَاعُ إِلَّا انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِزَوَالٍ أَوْ هَلَاكٍ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ الطَّاعَةَ تَدُومُ لَهُ وَلَا تنقطع. {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} [النحل: 52] أَيْ: تَخَافُونَ، اسْتِفْهَامٌ عَلَى طَرِيقِ الإنكار. [53] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] أي: وما يكن مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} [النحل: 53] القحط والمرض، {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] تَضِجُّونَ وَتَصِيحُونَ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ. [54] {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] [قوله تعالى لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ] تَعْلَمُونَ. . . . [55] {لِيَكْفُرُوا} [النحل: 55] ليجحدوا، {بِمَا آتَيْنَاهُمْ} [النحل: 55] وَهَذِهِ اللَّامُ تُسَمَّى لَامَ الْعَاقِبَةِ، أَيْ: حَاصِلُ أَمْرِهِمْ هُوَ كُفْرُهُمْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ أَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ النَّعْمَاءِ وكشف الضراء والبلاء، {فَتَمَتَّعُوا} [النحل: 55] أَيْ: عِيشُوا فِي الدُّنْيَا الْمُدَّةَ الَّتِي ضَرَبْتُهَا لَكُمْ، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 55] عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ، هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ. [56] {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 56] لَهُ حَقًّا أَيِ: الْأَصْنَامِ، {نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [النحل: 56] مِنَ الْأَمْوَالِ وَهُوَ مَا جَعَلُوا لِلْأَوْثَانِ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، فَقَالُوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا، ثُمَّ رَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الخطاب فقال: {تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ} [النحل: 56] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل: 56] فِي الدُّنْيَا. [57] {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ} [النحل: 57] وَهُمْ خُزَاعَةُ وَكِنَانَةُ، قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى: {سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57] أَيْ: وَيَجْعَلُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الْبَنِينَ الَّذِينَ يشتهونهم فيكون (مَا) فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، وَيَجُوزُ أن يكون على الابتداء فيكون (مَا) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ. [58] {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: 58] مُتَغَيِّرًا مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرَاهِيَةِ، {وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58] وَهُوَ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا وَغَيْظًا فَهُوَ يَكْظِمُهُ، أَيْ: يُمْسِكُهُ وَلَا يُظْهِرُهُ. [59] {يَتَوَارَى} [النحل: 59] أَيْ: يَخْتَفِي، {مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} [النحل: 59] مِنَ الْحُزْنِ وَالْعَارِ ثُمَّ يَتَفَكَّرُ {أَيُمْسِكُهُ} [النحل: 59] ذَكَرَ الْكِنَايَةَ رَدًّا عَلَى (مَا) {عَلَى هُونٍ} [النحل: 59] أَيْ: هَوَانٌ، {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل: 59] أي: يخفيه فَيَئِدُهُ، وَذَلِكَ أَنْ مُضَرَ وَخُزَاعَةَ وَتَمِيمًا كَانُوا يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ أَحْيَاءً خَوْفًا مِنَ الْفَقْرِ عَلَيْهِمْ وَطَمَعِ غَيْرِ الْأَكْفَاءِ فِيهِنَّ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَرَبِ إِذَا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْيِيَهَا أَلْبَسَهَا جُبَّةً مِنْ صُوفٍ أَوْ

شَعْرٍ وَتَرَكَهَا تَرْعَى لَهُ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فِي الْبَادِيَةِ وَإِذَا أَرَادَ أن يقتلها تركها حتى صَارَتْ سُدَاسِيَّةً قَالَ: لِأُمِّهَا زَيِّنِيهَا حَتَّى أَذْهَبَ بِهَا إِلَى أَحْمَائِهَا، وَقَدْ حَفَرَ لَهَا بِئْرًا فِي الصَّحْرَاءِ فَإِذَا بَلَغَ بِهَا الْبِئْرَ قَالَ لَهَا: انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الْبِئْرِ، فَيَدْفَعُهَا مِنْ خَلْفِهَا فِي الْبِئْرِ ثُمَّ يُهِيلُ عَلَى رَأْسِهَا التُّرَابَ حَتَّى يَسْتَوِيَ الْبِئْرُ بِالْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59] بِئْسَ مَا يَقْضُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ وَلِأَنْفُسِهِمُ الْبَنِينَ، نَظِيرُهُ: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النَّجْمِ: 21 - 22] وَقِيلَ: بِئْسَ حُكْمُهُمْ وَأْدُ الْبَنَاتِ. [60] {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [النحل: 60] يَعْنِي: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَصِفُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ وَلِأَنْفُسِهِمُ الْبَنِينَ {مَثَلُ السَّوْءِ} [النحل: 60] صِفَةُ السُّوءِ مِنَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْوَلَدِ وَكَرَاهِيَةِ الْإِنَاثِ وَقَتْلِهِنَّ خَوْفَ الفقر، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] الصِّفَةُ الْعُلْيَا وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. وَقِيلَ: جَمِيعُ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْبَقَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَثَلُ السوء النار والمثل الْأَعْلَى شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60] [61] {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} [النحل: 61] فَيُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ، {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا} [النحل: 61] أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ، كِنَايَةٌ عَنْ غير مذكور، {مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 61] قَالَ قَتَادَةُ فِي الْآيَةِ: قَدْ فعل الله ذلك من زَمَنِ نُوحٍ فَأَهْلَكَ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي سفينة نوح عليه السلام. وقيل: إن مَعْنَى الْآيَةِ لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ آبَاءَ الظَّالِمِينَ بِظُلْمِهِمُ انْقَطَعَ النَّسْلُ وَلَمْ تُوجَدِ الْأَبْنَاءُ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ. {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [النحل: 61] يُمْهِلُهُمْ بِحِلْمِهِ إِلَى أَجَلٍ، {مُسَمًّى} [النحل: 61] إِلَى مُنْتَهَى آجَالِهِمْ وَانْقِطَاعِ أَعْمَارِهِمْ. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] [62] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} [النحل: 62] لأنفسهم يعني البنات، {وَتَصِفُ} [النحل: 62] أَيْ: تَقُولُ: {أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} [النحل: 62] يَعْنِي الْبَنِينَ مَحَلُّ (أَنَّ) نَصْبٌ بَدَلٌ عَنِ الْكَذِبِ, قَالَ يَمَانِ: يعني بالحسنى: الجنة في المعاد يقولون نحن في الجنة إن كان محمد صادقا بالوعد في البعث. {لَا جَرَمَ} [النحل: 62] حَقًّا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى, {أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} [النحل: 62] في الآخرة, {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل: 62] قرأ نافع بكسر الرَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ: مُضَيِّعُونَ أَمْرَ اللَّهِ, وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ: مَنْسِيُّونَ فِي النَّارِ, قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُبْعَدُونَ, وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَتْرُوكُونَ. قَالَ قَتَادَةُ: مُعَجَّلُونَ إِلَى النار. قال الفراء: مقدمون على النَّارِ, وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحوض» (¬1) أي: متقدمكم. ¬

(¬1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 463 ومسلم في الطهارة رقم (249) 1 / 218.

قوله تعالى والله أنزل من السماء ماء فأحيا به

[63] {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} [النحل: 63] كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [النحل: 63] الخبيثة، {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ} [النحل: 63] ناصرهم، {الْيَوْمَ} [النحل: 63] وَقَرِينُهُمْ سَمَّاهُ وَلِيًّا لَهُمْ لِطَاعَتِهِمْ إياه، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63] فِي الْآخِرَةِ. [64] {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: 64] مِنَ الدِّينِ وَالْأَحْكَامِ، {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] أَيْ: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا بَيَانًا وَهُدًى وَرَحْمَةً فَالْهُدَى وَالرَّحْمَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ (لِتُبَيِّنَ) . [قوله تعالى وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ] الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. . . . [65] {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [النحل: 65] يَعْنِي الْمَطَرَ، {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ} [النحل: 65] بالنبات, {بَعْدَ مَوْتِهَا} [النحل: 65] يُبُوسَتِهَا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65] سَمْعَ الْقُلُوبِ لَا سَمْعَ الْآذَانِ. [66] {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [النحل: 66] لعظة، {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66] قَالَ الْفَرَّاءُ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى النَّعَمِ، وَالنَّعَمُ وَالْأَنْعَامُ وَاحِدٌ، وَلَفْظُ النَّعَمِ مُذَكَّرٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: النَّعَمُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَمَنْ أنث فالمعنى الْجَمْعِ وَمَنْ ذَكَّرَ فَلِحُكْمِ اللَّفْظِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: رَدَّهُ إِلَى مَا يَعْنِي فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: الْكِنَايَةُ مَرْدُودَةٌ إِلَى الْبَعْضِ وَالْجُزْءِ كَأَنَّهُ قَالَ نُسْقِيكُمْ مما في بطونه اللبن إذا لَيْسَ لِكُلِّهَا لَبَنٌ وَاللَّبَنُ فِيهِ مضمر، {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ} [النحل: 66] وَهُوَ مَا فِي الْكَرِشِ مِنَ الثِّقْلِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ لَا يُسَمَّى فَرْثًا، {وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا} [النحل: 66] مِنَ الدَّمِ وَالْفَرْثِ لَيْسَ عَلَيْهِ لَوْنُ دَمٍ وَلَا رَائِحَةُ فَرْثٍ، {سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] هَنِيئًا يَجْرِي عَلَى السُّهُولَةِ فِي الحلق. [67] {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ} [النحل: 67] يَعْنِي: وَلَكُمْ أَيْضًا عِبْرَةٌ فِيمَا نُسْقِيكُمْ وَنَرْزُقُكُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأعناب، {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} [النحل: 67] وَالْكِنَايَةُ فِي (مِنْهُ) عَائِدَةٌ إِلَى (مَا) مَحْذُوفَةٌ أَيْ: مَا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ، {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النَّحْلِ: 67] قال قوم: السكر: الخمر، والرزق الْحَسَنُ الْخَلُّ وَالزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ والرُّبّ, قَالُوا: وَهَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ, وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: السَّكَرُ ما شربت, والرزق الْحَسَنُ: مَا أَكَلْتَ. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ السَّكَرَ هُوَ الْخَلُّ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: السَّكَرُ النَّبِيذُ الْمُسْكِرُ، وَهُوَ نَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا اشْتَدَّ وَالْمَطْبُوخُ مِنَ الْعَصِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَاكِ وَالنَّخَعِيِّ، وَمَنْ يُبِيحُ شُرْبَ النبيذ ومن حرم يَقُولُ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْإِخْبَارُ لَا الْإِحْلَالُ وَأَوْلَى الْأَقَاوِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ: (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) مَنْسُوخٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّكَرُ مَا حَرَّمَ مِنْ ثَمَرِهَا والرزق الْحَسَنُ مَا أَحَلَّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السَّكَرُ الطُّعْمُ يُقَالُ: هَذَا سَكَرٌ لَكَ أَيْ: طُعْمٌ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67] [68] {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النَّحْلِ: 68] أَيْ: أَلْهَمَهَا

قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم

وَقَذَفَ فِي أَنْفُسِهَا فَفَهِمَتْهُ، وَالنَّحْلُ زَنَابِيرُ الْعَسَلِ وَاحِدَتُهَا نَحْلَةٌ. {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] يَبْنُونَ، وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ أَهْلَهَا يَبْنُونَ لَهَا الْأَمَاكِنَ فَهِيَ تَأْوِي إِلَيْهَا، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْكُرُومُ. [69] {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [النحل: 69] لَيْسَ مَعْنَى الْكُلِّ الْعُمُومَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النَّمْلِ: 23] {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} [النحل: 69] قِيلَ: هِيَ نَعْتُ الطُّرُقِ، يَقُولُ: هِيَ مُذَلَّلَةٌ لِلنَّحْلِ سَهْلَةُ الْمَسَالِكِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الذُّلُلُ نَعْتُ النِّحَلِ، أَيْ: مُطِيعَةٌ مُنْقَادَةٌ بِالتَّسْخِيرِ. يُقَالُ: إِنَّ أَرْبَابَهَا يَنْقُلُونَهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَلَهَا يَعْسُوبٌ إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ وَإِذَا سَارَ سَارَتْ، {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ} [النحل: 69] يعني: العسل {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [النحل: 69] أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ وَأَصْفَرُ. {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] أَيْ: فِي الْعَسَلِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَوَّلُ أُولَى، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69] فَيَعْتَبِرُونَ. [70] {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} [النحل: 70] صبيانا أو شبانا أو {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [النحل: 70] أَرْدَئِهِ قَالَ مُقَاتِلٌ. يَعْنِي الْهَرَمَ. قَالَ قَتَادَةُ: أَرْذَلُ الْعُمُرِ: تِسْعُونَ سَنَةً رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أرذل العمر: خمس وسبعون. وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً. {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل: 70] لِكَيْلَا يَعْقِلَ بَعْدَ عَقْلِهِ الْأَوَّلِ شَيْئًا، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [النحل: 70] [71] {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: 71] بَسَطَ عَنْ وَاحِدٍ وَضَيَّقَ عَلَى الْآخَرِ وَقَلَّلَ وَكَثَّرَ. {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [النحل: 71] مِنَ الْعَبِيدِ، {فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [النحل: 71] أَيْ: حَتَّى يَسْتَوُوا هُمْ وَعَبِيدُهُمْ فِي ذَلِكَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَمَمَالِيكُهُمْ فِيمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ سَوَاءً وَقَدْ جَعَلُوا عَبِيدِي شُرَكَائِي فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي يُلْزِمُ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَشْرِكُهُ مَمْلُوكُهُ فِي زَوْجَتِهِ وَفِرَاشِهِ وَمَالِهِ أَفَتَعْدِلُونَ بِاللَّهِ خَلْقَهُ وَعِبَادَهُ. {أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71] بالإشراك به. [72] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل: 72] يَعْنِي: النِّسَاءَ خَلَقَ مِنْ آدَمَ وزوجته حَوَّاءَ، وَقِيلَ: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَيْ: مِنْ جِنْسِكُمْ أَزْوَاجًا، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيُّ: الْحَفَدَةُ أَخْتَانُ الرَّجُلِ عَلَى بَنَاتِهِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا أَنَّهُمُ الْأَصْهَارُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ تُزَوِّجُونَهُمْ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِمُ الْأَخْتَانُ وَالْأَصْهَارُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَاكُ: هُمُ الْخَدَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْأَعْوَانُ مَنْ أَعَانَكَ فَقَدْ حَفَدَكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمْ وَلَدُ وَلَدِ الرَّجُلِ الَّذِينَ يُعِينُونَهُ وَيَخْدُمُونَهُ. وقال قتادة: مهنة تمتهنونهم وَيَخْدُمُونَكُمْ مِنْ أَوْلَادِكُمْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ ومقاتل: البنين الصغار والحفدة كِبَارُ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ يُعِينُونَهُ عَلَى عَمَلِهِ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ وَلَدُ الْوَلَدِ. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: أَنَّهُمْ بَنُو امْرَأَةِ الرَّجُلِ لَيْسُوا منه {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72] من النعم الحلال، {أَفَبِالْبَاطِلِ} [النحل: 72] يعني الأصنام، {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72] يَعْنِي التَّوْحِيدَ وَالْإِسْلَامَ، وَقِيلَ: الْبَاطِلُ الشَّيْطَانُ أَمَرَهُمْ بِتَحْرِيمِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وبنعمة اللَّهِ أَيْ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ لهم يكفرون يجحدون تحليله. [قوله تعالى وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ] رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ. . . . [73] {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ} [النحل: 73] يعني المطر، {وَالْأَرْضِ} [النحل: 73] يعني النبات، {شَيْئًا} [النحل: 73] قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الرِّزْقِ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِنْ أَمْرِ الرِّزْقِ شَيْئًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: نُصِبَ شَيْئًا بِوُقُوعِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ أَيْ لَا يَرْزُقُ شَيْئًا، {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] ولا يقدرون على شيء بذكر عَجْزَ الْأَصْنَامِ عَنْ إِيصَالِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ.

[74] {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74] يَعْنِي الْأَشْبَاهَ فَتُشَبِّهُونَهُ بِخَلْقِهِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ شَرِيكًا فَإِنَّهُ وَاحِدٌ لَا مِثْلَ لَهُ، {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 74] خَطَأَ مَا تَضْرِبُونَ مِنَ الْأَمْثَالِ، ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ. [75] {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] هَذَا مَثَلُ الْكَافِرِ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُقَدِّمْ فِيهِ خَيْرًا {وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} [النحل: 75] هَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَعَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَنْفَقَهُ فِي رِضَاءِ اللَّهِ سِرًّا وَجَهْرًا فَأَثَابَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. {هَلْ يَسْتَوُونَ} [النحل: 75] ولم يقل هل يَسْتَوِيَانِ لِمَكَانِ (مِنْ) وَهُوَ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (لَا يَسْتَطِيعُونَ) بِالْجَمْعِ لِأَجْلِ من، مَعْنَاهُ: هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الْفَقِيرُ الْبَخِيلُ وَالْغَنِيُّ السَّخِيُّ كَذَلِكَ لَا يستوي الكافر العامي والمؤمن المطيع. {الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] يقول ليس الأمر كما يقولون مَا لِلْأَوْثَانِ عِنْدَهُمْ مِنْ يَدٍ وَلَا مَعْرُوفٍ فَتُحْمَدُ عَلَيْهِ إِنَّمَا الْحَمْدُ الْكَامِلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ وَالْخَالِقُ وَالرَّازِقُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْكُفَّارِ لَا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأَصْنَامِ فَقَالَ: [76] {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} [النحل: 76] كَلٌّ ثِقَلٌ وَوَبَالٌ عَلَى مَوْلَاهُ ابْنِ عَمِّهِ وَأَهْلِ وِلَايَتِهِ، {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ} [النحل: 76] يرسله، {لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل: 76] لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، هَذَا مَثَلُ الْأَصْنَامِ لَا تَسْمَعُ وَلَا تَنْطِقُ وَلَا تَعْقِلُ، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ) عَابِدِهِ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَحْمِلَهُ وَيَضَعَهُ وَيَخْدِمَهُ، {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 76] يعني: الله فإنه قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ يَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ، {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي يَدُلُّكُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقِيلَ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقِيلَ: كِلَا الْمِثْلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، يَرْوِيهِ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عباس قال عَطَاءٌ: الْأَبْكَمُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: حَمْزَةُ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي هَاشِمِ بن عمرو بن الحرث بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيِّ، وَكَانَ قَلِيلَ الْخَيْرِ يُعَادِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَمَوْلَاهُ، كَانَ عُثْمَانُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَكَانَ مَوْلَاهُ يَكْرَهُ الْإِسْلَامَ. [77] {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ} [النحل: 77] فِي قُرْبِ كَوْنِهَا، {إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} [النحل: 77] إِذَا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، {أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] بَلْ هُوَ أَقْرَبُ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل: 77] نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القيامة استهزاء. [78] {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] تَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا، {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل: 78]

قوله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَهُمْ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمُ الْعِلْمَ بعد الخروج، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] نعمة كون السمع والأبصار والأفئدة قبل الخروج إذ يسمع الطفل ويبصر ولا يعلم، وهذه الجوارح من غير هذه الصفات كالمعدوم، كما قال فيمن لا يسمع الحق ولا يبصر العبر ولا يعقل الثواب: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] لا يشكرون نعمه. [79] {أَلَمْ يَرَوْا} [النحل: 79] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ: (وَيَعْبُدُونَ) . {إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ} [النحل: 79] مذللات، {فِي جَوِّ السَّمَاءِ} [النحل: 79] وهو الهدف بين السماء والأرض، روى كعب الأحبار أن الطير ترفع اثني عشر ميلا ولا ترفع فَوْقَ هَذَا وَفَوْقَ الْجَوِّ السُّكَاكُ السماء {مَا يُمْسِكُهُنَّ} [النحل: 79] فِي الْهَوَاءِ {إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ] لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا. . . . [80] {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ} [النحل: 80] الَّتِي هِيَ مِنَ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ، {سَكَنًا} [النحل: 80] أَيْ: مَسْكَنًا تَسْكُنُونَهُ، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا} [النحل: 80] يَعْنِي الْخِيَامَ وَالْقِبَابَ وَالْأَخْبِيَةَ وَالْفَسَاطِيطَ من الأنطاع والأدم، {تَسْتَخِفُّونَهَا} [النحل: 80] أَيْ: يَخِفُّ عَلَيْكُمْ حَمْلُهَا، {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} [النحل: 80] رحلتكم في سفركم، {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل: 80] فِي بَلَدِكُمْ لَا تَثْقُلُ عَلَيْكُمْ فِي الْحَالَيْنِ، {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل: 80] يَعْنِي أَصْوَافَ الضَّأْنِ وَأَوْبَارَ الْإِبِلِ أشعار المعز، والكناية راجعة إلى الأنعام، {أَثَاثًا} [النحل: 80] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَالًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَتَاعًا. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْأَثَاثُ المال جميعه من الإبل والغنم وَالْمَتَاعِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنَ الْفَرْشِ وَالْأَكْسِيَةِ، {وَمَتَاعًا} [النحل: 80] بَلَاغًا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، {إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] يعني إلى حين الْمَوْتَ. وَقِيلَ: إِلَى حِينِ تَبْلَى. [81] {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} [النحل: 81] تَسْتَظِلُّونَ بِهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهِيَ ظِلَالُ الْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ, {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] يَعْنِي: الْأَسْرَابَ وَالْغِيرَانَ وَاحِدُهَا كُنٌّ {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} [النحل: 81] قُمُصًا مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقَزِّ وَالْقُطْنِ والصوف, {تَقِيكُمُ} [النحل: 81] تمنعكم, {الْحَرَّ} [النحل: 81] قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَرَادَ الْحَرَّ والبرد اكتفاء بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] يَعْنِي: الدُّرُوعَ , وَالْبَأْسُ: الْحَرْبُ, يَعْنِي تَقِيكُمْ فِي بَأْسِكُمُ السِّلَاحَ أَنْ يُصِيبَكُمْ {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] تخلصون له الطاعة. [82] {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [النحل: 82] فإن أعرضوا فلا يلحق في ذلك عتيب وَلَا سِمَةُ تَقْصِيرٍ, {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 82] [83] {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ} [النحل: 83] قَالَ السُّدِّيُّ يَعْنِي: مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -, {ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [النحل: 83] يُكَذِّبُونَ بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي مَا عُدّ لَهُمْ مِنَ النِّعَمِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يُقِرُّونَ أَنَّهَا من الله, ثم قيل لهم: تصدقوا وامتثلوا لأمر الله فيها ينكرونها

قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم

فيقولون ورثتها مِنْ آبَائِنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهُمْ هَذِهِ النعمة قَالُوا: نَعَمْ هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ وَلَكِنَّهَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا. وَقَالَ عَوْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْلَا فُلَانٌ لَكَانَ كذا وكذا وَلَوْلَا فُلَانٌ لَمَا كَانَ كَذَا، {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} [النحل: 83] الجاحدون. [84] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} [النحل: 84] يَعْنِي رَسُولًا {ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [النحل: 84] فِي الِاعْتِذَارِ، وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ أصلا، {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل: 84] يُسْتَرْضَوْنَ، يَعْنِي: لَا يُكَلَّفُونَ أَنْ يُرْضُوا رَبَّهُمْ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ وَلَا يُرْجَعُونَ إِلَى الدُّنْيَا فَيَتُوبُونَ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِي الِاسْتِعْتَابِ أَنَّهُ التَّعَرُّضُ لِطَلَبِ الرِّضَا وَهَذَا الْبَابُ مُنْسَدٌّ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الْكُفَّارِ. [85] {وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [النحل: 85] كفروا، {الْعَذَابَ} [النحل: 85] يَعْنِي جَهَنَّمَ، {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [النحل: 85] [86] {وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [النحل: 86] يوم القيامة، {شُرَكَاءَهُمْ} [النحل: 86] أَوْثَانَهُمْ، {قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ} [النحل: 86] أربابا ونعبدهم، {فَأَلْقَوْا} [النحل: 86] يعني الأوثان، {إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ} [النحل: 86] أَيْ: قَالُوا لَهُمْ، {إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} [النحل: 86] فِي تَسْمِيَتِنَا آلِهَةً مَا دَعَوْنَاكُمْ إلى عبادتنا. [87] {وَأَلْقَوْا} [النحل: 87] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} [النحل: 87] اسْتَسْلَمُوا وَانْقَادُوا لِحُكْمِهِ فِيهِمْ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ شَيْئًا، {وَضَلَّ} [النحل: 87] وَزَالَ، {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [النحل: 87] من أنها تشفع لهم. [قوله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ] عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ. . . . [88] {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النحل: 88] مَنَعُوا النَّاسَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] فِي الدُّنْيَا بِالْكُفْرِ وَصَدِّ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ. [89] {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [النحل: 89] يعني نبيها لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ تُبْعَثُ إِلَى الأمم منها. {وَجِئْنَا بِكَ} [النحل: 89] يَا مُحَمَّدُ {شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} [النحل: 89] الَّذِينَ بُعِثْتَ إِلَيْهِمْ {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا} [النحل: 89] بيانا، {لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، {وَهُدًى} [النحل: 89] من الضلالة {وَرَحْمَةً وَبُشْرَى} [النحل: 89] بشارة {لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] [90] {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 90] بالإنصاف، {وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] إِلَى النَّاسِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العدل: التوحيد والإحسان: أداء الفرائض. وعنه أيضا: الْإِحْسَانُ: الْإِخْلَاصُ فِي التَّوْحِيدِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (¬1) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: العدل التوحيد، والإحسان: الْعَفْوُ عَنِ النَّاسِ، {وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] صِلَةُ الرَّحِمِ، {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ} [النحل: 90] ما ¬

(¬1) قطعة من الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 114 ومسلم في الإيمان برقم (8) 1 / 36.

ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم

قَبُحَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَقَالَ ابن عباس: الزنا، {وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90] مَا لَا يُعْرَفُ فِي شَرِيعَةٍ ولا سنة، {وَالْبَغْيِ} [النحل: 90] الْكِبْرُ وَالظُّلْمُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: العدل استواء السر والعلانية، والإحسان: أن يكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء وَالْمُنْكَرُ أَنْ تَكُونَ عَلَانِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ، {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] لعلكم تَتَّعِظُونَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَجْمَعُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ: إِنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَى الْوَلِيدِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي أعد فعاد عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ لَهُ وَاللَّهِ لَحَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وما هو بقول البشر. [91] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] وَالْعَهْدُ هَاهُنَا هُوَ الْيَمِينُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: الْعَهْدُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ اليمين، {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] تَشْدِيدِهَا فَتَحْنَثُوا فِيهَا، {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91] شَهِيدًا بِالْوَفَاءِ، {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي حِلْفِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِنَقْضِ الْعَهْدِ. [92] فَقَالَ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} [النحل: 92] أَيْ: مِنْ بَعْدِ غَزْلِهِ وَإِحْكَامِهِ معناه: أَنَّهَا لَمْ تَكُفَّ عَنِ الْعَمَلِ وَلَا حِينَ عَمِلَتْ كَفَّتْ عَنِ النقض، فكذلك أنتم إذا أنقضتم الْعَهْدَ، لَا كَفَفْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ وَلَا حِينَ عَاهَدْتُمْ وَفَيْتُمْ بِهِ، {أَنْكَاثًا} [النحل: 92] يَعْنِي أَنْقَاضًا وَاحِدَتُهَا نَكْثٌ وَهُوَ مَا نُقِضَ بَعْدَ الْفَتْلِ غَزْلًا كَانَ أَوْ حَبْلًا. {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} [النحل: 92] أي: دخلا وخيانة وخديعة والدخل: ما يدخل في شيء للفساد، وقيل: الدخل والدغل أَنْ يُظْهِرَ الْوَفَاءَ وَيُبْطِنَ النَّقْضَ. {أَنْ تَكُونَ} [النحل: 92] أَيْ: لِأَنْ تَكُونَ، {أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى} [النحل: 92] أَيْ: أَكْثَرُ وَأَعْلَى، {مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] قَالَ مُجَاهِدٌ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ نَقَضُوا حِلْفَ هَؤُلَاءِ وَحَالَفُوا الْأَكْثَرَ، فَمَعْنَاهُ: طَلَبْتُمُ الْعِزَّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ بِأَنْ كَانَتْ أُمَّةٌ أَكْثَرَ مِنْ أُمَّةٍ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ} [النحل: 92] يَخْتَبِرُكُمُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل: 92] فِي الدُّنْيَا. [93] {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: 93] عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ، {وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} [النحل: 93] بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ عَدْلًا مِنْهُ، {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [النحل: 93] بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ فَضْلًا مِنْهُ، {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ] بَعْدَ ثُبُوتِهَا. . . . [94] {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا} [النحل: 94] خديعة وفسادا، {بَيْنَكُمْ} [النحل: 94] فَتَغُرُّونَ بِهَا النَّاسَ فَيَسْكُنُونَ إِلَى أَيْمَانِكُمْ وَيَأْمَنُونَ ثُمَّ تَنْقُضُونَهَا، {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل: 94] فتهلكوا بعد ما كُنْتُمْ آمِنِينَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مُبْتَلًى بَعْدَ عَافِيَةٍ أَوْ سَاقِطٍ فِي وَرْطَةٍ بَعْدَ سَلَامَةٍ زَلَّتْ قَدَمُهُ، {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النحل: 94] قِيلَ: مَعْنَاهُ سَهَّلْتُمْ طَرِيقَ نَقْضِ الْعَهْدِ عَلَى النَّاسِ بِنَقْضِكُمُ الْعَهْدَ، {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94] [95] {وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [النحل: 95] يَعْنِي لَا تَنْقُضُوا عُهُودَكُمْ تَطْلُبُونَ بِنَقْضِهَا عَرَضًا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ أَوْفَوْا بِهَا. {إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ} [النحل: 95] مِنَ الثَّوَابِ لَكُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بالعهد، {خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [النحل: 95] فَضْلُ مَا بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ. [96] فَقَالَ: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ} [النحل: 96] أَيِ: الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَفْنَى، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ} [النحل: 96] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ بِالنُّونِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، {الَّذِينَ صَبَرُوا} [النحل: 96] عَلَى الْوَفَاءِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96] [97] قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]

قوله تعالى ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: هِيَ الرِّزْقُ الْحَلَّالُ. قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الْقَنَاعَةُ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَعْنِي الْعَيْشَ فِي الطَّاعَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: هِيَ حَلَاوَةُ الطَّاعَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْجَنَّةُ. وَرَوَاهُ عَوْفٌ عَنِ الْحُسْنِ. وَقَالَ: لَا تَطِيبُ الْحَيَاةُ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] [98] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} [النحل: 98] أي: إذا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [الْمَائِدَةِ: 6] وَالِاسْتِعَاذَةُ سُنَّةٌ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعْدَهَا وَلَفْظُهُ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشيطان الرجيم. وَالِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ هِيَ الِاعْتِصَامُ بِهِ. [99] {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ} [النحل: 99] حُجَّةٌ وَوِلَايَةٌ، {عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] قَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى ذَنْبٍ لَا يُغْفَرُ. [100] {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: 100] يُطِيعُونَهُ وَيَدْخُلُونَ فِي وِلَايَتِهِ، {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] أَيْ: بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ. وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَمَجَازُهُ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْلِهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ. [101] {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101] يَعْنِي وَإِذَا نَسَخْنَا حُكْمَ آيَةٍ فَأَبْدَلْنَا مَكَانَهُ حُكْمًا آخَرَ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101] أَعْلَمُ بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لِخَلِقِهِ فِيمَا يُغَيِّرُ وَيُبَدِّلُ مِنْ أَحْكَامِهِ، {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ} [النحل: 101] يا محمد، {مُفْتَرٍ} [النحل: 101] مُخْتَلِقٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَسْخَرُ بِأَصْحَابِهِ يَأْمُرُهُمُ الْيَوْمَ بِأَمْرٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ غَدًا مَا هُوَ إِلَّا مُفْتَرٍ يَتَقَوَّلُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، قَالَ اللَّهُ: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] حقيقة القرآن، وبيان الناسخ والمنسوخ. [102] {قُلْ نَزَّلَهُ} [النحل: 102] يعني القرآن، {رُوحُ الْقُدُسِ} [النحل: 102] جبريل، {مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102] بالصدق، {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} [النحل: 102] أَيْ: لِيُثَبِّتَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا وَيَقِينًا، {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] [قوله تعالى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ] بَشَرٌ. . . . [103] {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] آدَمِيٌّ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَشَرِ، قال ابن عباس: اسْمُهُ بَلْعَامُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ، «فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَيَخْرُجُ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَلْعَامُ» (¬1) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُ غُلَامًا لِبَنِي الْمُغِيرَةِ يُقَالُ لَهُ يَعِيشُ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بشر، يَعِيشُ» . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ إنما يتعلم من عايش ¬

(¬1) أخرجه ابن جرير 14 / 177.

مَمْلُوكٍ كَانَ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسلامه، وكان أعجمي اللِّسَانِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إِلَى غُلَامٍ رُومِيٍّ نَصْرَانِيٍّ عَبْدٍ لِبَعْضِ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ، يُقَالُ لَهُ جَبْرٌ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَضْرَمِيُّ: كَانَ لَنَا عبدان من أهل عين النمر وكانا يصنعان السيوف بمكة، وكان يَقْرَآنِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فَرُبَّمَا مَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وهما يقرآن التوراة، فَيَقِفُ وَيَسْتَمِعُ. قَالَ الضَّحَاكُ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آذَاهُ الْكَفَّارُ يَقْعُدُ إِلَيْهِمَا ويستريح بِكَلَامِهِمَا، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّمَا يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ مِنْهُمَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} [النحل: 103] أَيْ يَمِيلُونَ وَيُشِيرُونَ إِلَيْهِ، {أَعْجَمِيٌّ} [النحل: 103] الْأَعْجَمِيُّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ وَإِنْ كَانَ يَنْزِلُ بِالْبَادِيَةِ، وَالْعَجَمِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَجَمِ، وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا، وَالْأَعْرَابِيُّ الْبَدَوِيُّ، وَالْعَرَبِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَرَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَصِيحًا، {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] فَصِيحٌ وَأَرَادَ بِاللِّسَانِ الْقُرْآنَ، وَالْعَرَبُ تقول: اللغة لسان. [104] {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} [النحل: 104] لَا يُرْشِدُهُمُ اللَّهُ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 104] ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمُفْتَرُونَ. [105] فَقَالَ: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 105] لَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ، قِيلَ: إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب أخبار عن فعلهم وهم الْكَاذِبُونَ نَعْتٌ لَازِمٌ لَهُمْ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ كَذَبْتَ وَأَنْتَ كَاذِبٌ أَيْ كَذَبْتَ فِي هَذَا الْقَوْلِ، ومن عادتك الكذب. [106] {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} [النحل: 106] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَمَّارٍ وَذَلِكَ أَنَّ المشركين أخذوه وأباه يا سرا وَأُمَّهُ سُمَيَّةَ وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَسَالِمًا فَعَذَّبُوهُمْ, فَأَمَّا سُمَيَّةُ فَإِنَّهَا رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وَوُجِئَ قُبُلها بحربة فقتلت وقتل زوجها يا سر وَهُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلَا فِي الْإِسْلَامِ, وَأَمَّا عَمَّارٌ فَإِنَّهُ أَعْطَاهُمْ ما أرادوا بلسانه مكرها, فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْكِي, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِلْتُ منهم وذكرت آلهتهم بخير, قَالَ: كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ؟ قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ, فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ» (¬1) وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي جَبْرٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَكْرَهَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الْكُفْرِ فَكَفَرَ مكرها, {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النَّحْلِ: 106] ثُمَّ أسلم مولى عامر بن الحضرمي وحسن إسلامه وهاجر ¬

(¬1) أخرجه الطبري 14 / 181 وعبد بن حميد والحاكم انظر الدر المنثور 5 / 172.

قوله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها

جَبْرٌ مَعَ سَيِّدِهِ، {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] أي: فتح صدره بالكفر بالقبول فاختاره، {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ، وَإِذَا قَالَ بِلِسَانِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَا يَكُونُ كُفْرًا وَإِنْ أَبَى أَنْ يَقُولَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ أَفْضَلَ. [107] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا} [النحل: 107] آثروا، {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 107] لَا يُرْشِدُهُمْ. [108] {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [النحل: 108] عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ. [109] {لَا جَرَمَ} [النحل: 109] أي حقا، {أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [النحل: 109] أَيِ الْمَغْبُونُونَ. [110] {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل: 110] عُذِّبُوا وَمُنِعُوا مِنَ الْإِسْلَامِ فَتَنَهُمُ المشركون {ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} [النحل: 110] عَلَى الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} [النحل: 110] مِنْ بَعْدِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَالْغَفْلَةِ {لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 110] [قوله تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا] وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. . . . . [111] {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ} [النحل: 111] تخاصم وتحتج, {عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111] بِمَا أَسْلَفَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ مُشْتَغِلًا بِهَا لَا تَتَفَرَّغُ إِلَى غَيْرِهَا، {وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل: 111] [112] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً} [النحل: 112] يَعْنِي. مَكَّةَ كَانَتْ آمِنَةً لَا يُهَاجُ أَهْلُهَا وَلَا يُغَارُ عَلَيْهَا، {مُطْمَئِنَّةً} [النحل: 112] قَارَّةً بِأَهْلِهَا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الِانْتِقَالِ لِلِانْتِجَاعِ كَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَائِرُ الْعَرَبِ، {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [النحل: 112] يُحْمَلُ إِلَيْهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، نَظِيرُهُ: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [الْقَصَصِ: 57] {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} [النحل: 112] جَمْعُ النِّعْمَةِ، وَقِيلَ: جَمْعُ نَعْمَاءَ مِثْلِ بَأْسَاءَ وَأَبْؤُسٍ، {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ} [النحل: 112] ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ وَقَطَعَتِ الْعَرَبُ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم حتى جهدوا وأكلوا الْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ، وَالْجِيَفَ وَالْكِلَابَ الْمَيِّتَةَ، ثُمَّ إِنَّ رُؤَسَاءَ مَكَّةَ كَلَّمُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وقالوا: ما هذا؟ هبك عَادَيْتَ الرِّجَالَ فَمَا بَالُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ بِحَمْلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بَعْدُ مُشْرِكُونَ، وَذَكَرَ اللِّبَاسَ لِأَنَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْهُزَالِ وَالشُّحُوبِ وَتَغَيُّرِ ظَاهِرِهِمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ كاللباس لهم، {وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] يَعْنِي: بُعُوثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَرَايَاهُ الَّتِي كَانَتْ تُطِيفُ بِهِمْ {بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] [113] {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ} [النحل: 113] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [النحل: 113] [114] {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] [115] {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 115]

قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا

[116] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 116] أَيْ: لَا تَقُولُوا لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ أَوْ لِأَجْلِ وَصْفِكُمُ الْكَذِبَ أَيْ: أَنَّكُمْ تُحِلُّونَ وَتُحَرِّمُونَ لِأَجْلِ الْكَذِبِ لَا لِغَيْرِهِ، {هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116] يَعْنِي الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ، {لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116] فَتَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِهَذَا، {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] لَا يَنْجُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. [117] {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [النحل: 117] يَعْنِي: الَّذِي هُمْ فِيهِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ أَوْ لَهُمْ مَتَاعٌ قَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 117] فِي الْآخِرَةِ. [118] {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل: 118] يعني في سورة الأنعام. وقوله تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الْأَنْعَامِ: 146] الْآيَةَ {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} [النحل: 118] بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] فَحَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ بِبَغْيِهِمْ. [119] {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [النحل: 119] يعني: بالإصلاح والاستقامة عَلَى التَّوْبَةِ، {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} [النحل: 119] أَيْ: مِنْ بَعْدِ الْجَهَالَةِ، {لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119] [قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا] وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. . . . [120] قَوْلُهُ تَعَالَى. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْأُمَّةُ مُعَلِّمُ الخير أي: كان معلم الخير، يَأْتَمُّ بِهِ أَهْلُ الدُّنْيَا، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ ما اجتمع فِي أُمَّةٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ مُؤْمِنًا وَحْدَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ. قَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينٍ إِلَّا يَتَوَلَّوْنَهُ وَيَرْضَوْنَهُ {قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120] مطيعا. وَقِيلَ. قَائِمًا بِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، {حَنِيفًا} [النحل: 120] مُسْتَقِيمًا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: مُخْلِصًا. {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] [121] {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} [النحل: 121] اخْتَارَهُ، {وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 121] أَيْ: إِلَى دِينِ الْحَقِّ. [122] {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 122] يَعْنِي الرِّسَالَةَ وَالْخُلَّةَ. وَقِيلَ: لِسَانَ الصِّدْقِ وَالثَّنَاءَ الْحَسَنَ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بن حيان. يعني الصلاة عليه فِي قَوْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وآل إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: أَوْلَادًا أَبْرَارًا عَلَى الْكِبَرِ. وَقِيلَ: الْقَبُولُ الْعَامُّ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ. {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122] مَعَ آبَائِهِ الصَّالِحِينَ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَجَازُهُ: وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. [123] {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النحل: 123] يَا مُحَمَّدُ {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] حَاجًّا مُسْلِمًا، {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] وَقَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُورًا بِشَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَا نُسِخَ فِي شَرِيعَتِهِ، وَمَا لَمْ يُنْسَخْ صار شرعا. [124] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى} [النحل: 124]

قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة

{الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل: 124] أي: خالفوا فِيهِ. قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ لَعْنَةً عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعْظِيمَ السَّبْتِ وَتَحْرِيمَهُ إِلَّا على الذين اختلفوا فيه، يعني اليهود، قَالَ قَتَادَةُ: الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ هُمُ الْيَهُودُ اسْتَحَلَّهُ بَعْضُهُمْ وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النحل: 124] [قوله تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ] الْحَسَنَةِ. . . . [125] {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125] بالقرآن, {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] يَعْنِي مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ بالترغيب والترهيب. وقيل: هو قول اللين الرقيق من غير تغليظ وَلَا تَعْنِيفٍ، {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وَخَاصِمْهُمْ وَنَاظِرْهُمْ بِالْخُصُومَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَيْ أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ وَلَا تُقَصِّرْ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْحَقِّ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] [126] {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] هَذِهِ الْآيَاتُ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ بِقَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ تَبْقِيرِ الْبُطُونِ وَالْمُثْلَةِ السَّيِّئَةِ حَتَّى لَمَّ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مُثِّلَ بِهِ غَيْرَ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ فَإِنَّ أَبَاهُ أَبَا عمر الرَّاهِبَ كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فَتَرَكُوا حَنْظَلَةَ لِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ رَأَوْا ذَلِكَ: لَئِنْ أَظْهَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَنَزِيدَنَّ عَلَى صَنِيعِهِمْ وَلَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ، فَوَقَفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ جَدَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَهُ وَقَطَعُوا مَذَاكِيرَهُ وَبَقَرُوا بَطْنَهُ فقال: «لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا) الْآيَةَ. {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] أَيْ: وَلَئِنْ عَفَوْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلْعَافِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «بل نصير، وَأَمْسَكَ عَمَّا أَرَادَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ» ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَاكُ: كَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ وَمُنِعَ مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالْقِتَالِ، فَلَمَّا أعز الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، وَأُمِرُوا بالجهاد ونسخت هذه الآية، قال النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ سِيرِينَ: الآية محكمة نزلت فيمن ظُلِمَ بِظُلَامَةٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنَالَ مِنْ ظَالِمِهِ أَكْثَرَ مِمَّا نَالَ الظَّالِمُ مِنْهُ، أُمِرَ بِالْجَزَاءِ وَالْعَفْوِ وَمُنِعَ مِنَ الِاعْتِدَاءِ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [127] {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127] أَيْ: بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل: 127] فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنْكَ، {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] أي: مما فعلوا من الأفاعيل، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الضِّيقُ بِالْكَسْرِ فِي قِلَّةِ الْمَعَاشِ وَفِي الْمَسَاكِنِ، فَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْقَلْبِ والصدر فإنه بفتح الضاد. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّيْقُ تَخْفِيفُ ضَيِّقٍ مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، فَعَلَى هَذَا هُوَ صِفَةٌ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَكُنْ فِي أَمْرٍ ضَيِّقٍ مِنْ مَكْرِهِمْ. [128] {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} [النحل: 128] المناهي، {وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] بالعون والنصرة. [سورة الإسراء] [قوله تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ] الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. . . . (17) سورة الإسراء [1] {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] سبحان الله تنزه اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ سُوءٍ ووصف بِالْبَرَاءَةِ مَنْ كُلِّ نَقْصٍ عَلَى طريق المبالغة وتكون سُبْحَانَ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، أَيْ: سَيَّرَهُ، وَكَذَلِكَ سَرَى بِهِ، وَالْعَبْدُ هُوَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: 1] قِيلَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ. رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحِجْرِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَتَانِي جِبْرِيلُ بِالْبُرَاقِ» ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ وَقَالَ قَوْمٌ: عُرِجَ بِهِ مِنْ دَارِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَيْ: مِنَ الْحَرَمِ. قَالَ مُقَاتِلٌ:

كَانَتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ. وَيُقَالُ: كَانَ فِي رَجَبٍ. وقيل: كان في رمضان. {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَسُمِّيَ أَقْصَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُزَارُ. وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] بِالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَمَّاهُ مُبَارَكًا لِأَنَّهُ مَقَرُّ الْأَنْبِيَاءِ ومهبط الملائكة والوحي، وفيه الصخرة وَمِنْهُ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1] مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِنَا، وَقَدْ رَأَى هُنَاكَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْآيَاتِ الْكُبْرَى، {إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] ذَكَرَ السَّمِيعَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ الْمُجِيبُ لِدُعَائِهِ، وَذَكَرَ الْبَصِيرَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ الْحَافِظُ لَهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: «مَا فُقِدَ جَسَدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ اللَّهَ أَسْرَى بِرُوحِهِ» . وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَتَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ. [2] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا} [الإسراء: 2] بألا، {تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2] ربا كفيلا، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: (لَا يَتَّخِذُوا) بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْهُمْ وَالْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، يَعْنِي قُلْنَا لَهُمْ لَا تتخذوا. [3] {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا} [الإسراء: 3] قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا نِدَاءٌ يَعْنِي: يَا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا، {مَعَ نُوحٍ} [الإسراء: 3] فِي السَّفِينَةِ فَأَنْجَيْنَاهُمْ مِنَ الطُّوفَانِ، {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3] كَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا أَوْ شَرِبَ شَرَابًا أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا، أَيْ: كَثِيرَ الشُّكْرِ. [4] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ} [الإسراء: 4] أَيْ: أَعْلَمْنَاهُمْ وَأَخْبَرْنَاهُمْ فِيمَا آتَيْنَاهُمْ من الكتاب أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ، وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ: يَكُونُ أَمْرًا كَقَوْلِهِ: {وَقَضَى رَبُّكَ} [الْإِسْرَاءِ: 23] وَيَكُونُ حُكْمًا كَقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} [يونس: 93] وَيَكُونُ خَلْقًا: كَقَوْلِهِ {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فُصِّلَتْ: 12] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقتادة: يعني وقضينا عليهم، فإلى بِمَعْنَى عَلَى، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ المحفوظ، {لَتُفْسِدُنَّ} [الإسراء: 4] لَامُ الْقَسَمِ مَجَازُهُ: وَاللَّهِ لَتُفْسِدُنَّ، {فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [الإسراء: 4] بِالْمَعَاصِي، وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الشَّامِ وبيت المقدس، {وَلَتَعْلُنَّ} [الإسراء: 4] وَلَتَسْتَكْبِرُنَّ وَلَتَظْلِمُنَّ النَّاسَ، {عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] [5] {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} [الإسراء: 5] يعني أولى مرتين، قَالَ قَتَادَةُ: إِفْسَادُهُمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَا خَالَفُوا مِنْ أَحْكَامِ التوراة وركبوا المحارم. وقال محمد بن إِسْحَاقَ: إِفْسَادُهُمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: قتل شعياء وَارْتِكَابُهُمُ الْمَعَاصِيَ. {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا} [الإسراء: 5] قال قتادة: يعني جالوت الخزري وَجُنُودَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ دَاوُدُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي سَنْجَارِيبَ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بُخْتُنَصَّرُ الْبَابِلِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وهو الأظهر. {أُولِي} [الإسراء: 5]

قوله تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

{بَأْسٍ} [الإسراء: 5] ذوي بطش، {شَدِيدٍ} [الإسراء: 5] في الحرب، {فَجَاسُوا} [الإسراء: 5] أَيْ: فَطَافُوا وَدَارُوا، {خِلَالَ الدِّيَارِ} [الإسراء: 5] وسطها يطلبونكم، وَالْجَوْسُ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالِاسْتِقْصَاءِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: جَاسُوا قَتَلُوكُمْ بَيْنَ بُيُوتِكُمْ، {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 5] قَضَاءً كَائِنًا لَا خُلْفَ فِيهِ. [6] {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ} [الإسراء: 6] يَعْنِي: الرَّجْعَةَ وَالدَّوْلَةَ، {عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 6] عَدَدًا، أَيْ: مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُمْ وَعَادَ الْبَلَدُ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ. [7] {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7] أَيْ: لَهَا ثَوَابُهَا، {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أَيْ: فَعَلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَلَامٌ لَكَ} [الْوَاقِعَةِ: 91] أَيْ: عَلَيْكَ. وَقِيلَ: فَلَهَا الْجَزَاءُ وَالْعِقَابُ، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} [الإسراء: 7] أَيِ: الْمَرَّةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ إِفْسَادِكُمْ وَذَلِكَ قَصْدُهُمْ قَتْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رُفِعَ وَقَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَسَلَّطَ الله عليهم الفرس والروم حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ وَنَفَوْهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} [الإسراء: 7] أَيْ: تَحْزَنُ وُجُوهُكُمْ وَسُوءُ الْوَجْهِ بِإِدْخَالِ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: (لِنَسُوءَ) بِالنُّونِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّعْظِيمِ، كَقَوْلِهِ (وَقَضَيْنَا) وَ (بَعَثْنَا) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ، أَيْ لِيَسُوءَ اللَّهُ وُجُوهَكُمْ، وَقِيلَ: لِيَسُوءَ الْوَعْدُ وُجُوهَكُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْجَمْعِ، أَيْ لِيَسُوءَ الْعِبَادُ أولوا البأس الشديد {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} [الإسراء: 7] يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَنَوَاحِيَهُ، {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا} [الإسراء: 7] وليهلكوا، {مَا عَلَوْا} [الإسراء: 7] أَيْ: مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ بلادكم {تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7] [8] {عَسَى رَبُّكُمْ} [الإسراء: 8] يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، {أَنْ يَرْحَمَكُمْ} [الإسراء: 8] بَعْدَ انْتِقَامِهِ مِنْكُمْ فَيَرُدَّ الدَّوْلَةَ إليكم، {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8] أَيْ: إِنْ عُدْتُمْ إِلَى الْمَعْصِيَةِ عُدْنَا إِلَى الْعُقُوبَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: فَعَادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَمَّ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8] سِجْنًا وَمَحْبِسًا مِنَ الْحَصْرِ وَهُوَ الْحَبْسُ. قَالَ الْحَسَنُ: حَصِيرًا أَيْ: فِرَاشًا. وَذَهَبَ إِلَى الْحَصِيرِ الَّذِي يبسط ويفرش. [قوله تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] . . . . [9] {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] أَيْ: إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَصْوَبُ. وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ أَعْدَلُ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إلا الله، {وَيُبَشِّرُ} [الإسراء: 9] يَعْنِي: الْقُرْآنُ، {الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ} [الإسراء: 9] بأن لهم، {أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] وَهُوَ الْجَنَّةُ. [10] {وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 10] وهو النار. [11] وقوله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ} [الإسراء: 11] حذف الواو لفظا لاستقلال اللَّامِ السَّاكِنَةِ كَقَوْلِهِ: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [الْعَلَقِ: 18] وَحُذِفَ فِي الْخَطِّ أَيْضًا وَهِيَ غَيْرُ مَحْذُوفَةٍ

فِي الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُ: وَيَدْعُو الْإِنْسَانُ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ، {بِالشَّرِّ} [الإسراء: 11] فَيَقُولُ عِنْدَ الْغَضَبِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ وأهلكه ونحوهما، {دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ} [الإسراء: 11] أَيْ: كَدُعَائِهِ رَبَّهُ بِالْخَيْرِ أَنْ يهب له النعمة والعافية لو اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهَلَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ بفضله، {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] بِالدُّعَاءِ عَلَى مَا يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيهِ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضَجِرًا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. [12] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12] أَيْ: عَلَامَتَيْنِ دَالَّتَيْنِ عَلَى وُجُودِنَا وَوَحْدَانِيِّتِنَا وَقُدْرَتِنَا، {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} [الإسراء: 12] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا وَنُورَ الْقَمَرِ كَذَلِكَ فَمَحَا مِنْ نُورِ الْقَمَرِ تِسْعَةً وَسِتِّينَ جُزْءًا فَجَعَلَهَا مع نور الشمس، {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الْإِسْرَاءُ: 12] مُنِيرَةً مُضِيئَةً، يَعْنِي يُبْصَرُ بِهَا. قَالَ الْكِسَائِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَبْصَرَ النهار إذا أضاءت بِحَيْثُ يُبْصَرُ بِهَا، {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [الإسراء: 12] أَيْ: لَوْ تَرَكَ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كَمَا خَلَقَهُمَا لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَلَمْ يَدْرِ الصَّائِمُ مَتَى يُفْطِرُ وَلَمْ يُدْرَ وَقْتُ الْحَجِّ وَلَا وَقْتُ حُلُولِ الْآجَالِ وَلَا وَقْتُ السُّكُونِ وَالرَّاحَةِ. {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] [13] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الْإِسْرَاءِ: 13] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُهُ وَمَا قُدِّرَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُلَازِمُهُ أَيْنَمَا كَانَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مَعَهُ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُحَاسِبَهُ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يُمْنُهُ وَشُؤْمُهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا فِي عُنُقِهِ وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَرَادَ بِالطَّائِرِ مَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَامِلُهُ وَمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ سُمِّيَ طَائِرًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِيمَا كَانَتْ تَتَفَاءَلُ وَتَتَشَاءَمُ بِهِ مِنْ سَوَانِحِ الطَّيْرِ وَبَوَارِحِهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: أَرَادَ بِالطَّائِرِ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ قَوْلِهِمْ طار سهم فلان بكذا وكذا، وَخُصَّ الْعُنُقُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْقَلَائِدِ وَالْأَطْوَاقِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَزِينُ أَوْ يَشِينُ، فَجَرَى كَلَامُ الْعَرَبِ بِتَشْبِيهِ الْأَشْيَاءِ اللَّازِمَةِ إِلَى الْأَعْنَاقِ، {وَنُخْرِجُ لَهُ} [الإسراء: 13] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَنَحْنُ نُخْرِجُ له، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا} [الإسراء: 13] وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَيَعْقُوبُ: (وَيَخْرُجُ لَهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ، مَعْنَاهُ: وَيَخْرُجُ لَهُ الطَّائِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (يُخْرَجُ) بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتَحِ الرَّاءِ، {يَلْقَاهُ} [الإسراء: 13] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ (يُلَقَّاهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، يَعْنِي: يَلْقَى الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْكِتَابَ، أَيْ: يُؤْتَاهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ خَفِيفَةً أَيْ يراه {مَنْشُورًا} [الإسراء: 13] وَفِي الْآثَارِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ الْمَلَكَ بِطَيِّ الصَّحِيفَةِ إِذَا تَمَّ عُمْرُ الْعَبْدِ فَلَا تُنْشَرُ إلا في يوم القيامة. [14] {اقْرَأْ كِتَابَكَ} [الإسراء: 14] أَيْ: يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ كِتَابَكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] مُحَاسِبًا. قَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ عَدَلَ عَلَيْكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا فِي الدُّنْيَا. [15] {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [الإسراء: 15] لَهَا ثَوَابُهُ، {وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] لِأَنَّ عَلَيْهَا عِقَابَهُ، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15] أَيْ: لَا تَحْمِلُ حَامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرَى مِنَ الْآثَامِ، أَيْ: لَا يؤخذ أحد بذنب أحد. {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15] إقامة للحجة وقطعا لعذر، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ وَجَبَ بِالسَّمْعِ لَا بِالْعَقْلِ. [16] {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] قَرَأَ مُجَاهِدٌ: (أَمَّرْنَا) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: سَلَّطْنَا شِرَارَهَا فَعَصَوْا، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَيَعْقُوبُ (آمَرْنَا) بِالْمَدِّ، أَيْ: أكثرنا. وقرأ الباقون بالقصر مختلفا، أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى

قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها

أَكْثَرْنَا، يُقَالُ: أَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَيْ كثرهم الله وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ قِرَاءَةَ الْعَامَّةِ وَقَالَ: لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ تَجْتَمِعُ فِيهَا يَعْنِي الْأَمْرَ وَالْإِمَارَةَ وَالْكَثْرَةَ. (مُتْرَفِيهَا) مُنَعَّمِيهَا وَأَغْنِيَاءَهَا {فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} [الإسراء: 16] وَجَبَ عَلَيْهَا الْعَذَابُ، {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] أَيْ: خَرَّبْنَاهَا وَأَهْلَكْنَا مَنْ فِيهَا. [17] قَوْلُهُ: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} [الإسراء: 17] أَيِ: الْمُكَذِّبَةِ، {مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] يُخَوِّفُ كُفَّارَ مَكَّةَ، {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 17] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَوْفَى. الْقَرْنُ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ قَرْنٍ، وَكَانَ فِي آخِرِهِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عبد الله بن بشر الْمَازِنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: «سَيَعِيشُ هَذَا الْغُلَامُ قَرْنًا» (¬1) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ فَمَا زِلْنَا نَعُدُّ لَهُ حَتَّى تَمَّ لَهُ مِائَةُ سَنَةٍ، ثم مات. قال الكلبي: القرن: ثَمَانُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. [قَوْلُهُ تَعَالَى مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا] مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ. . . . . [18] {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ} [الإسراء: 18] يَعْنِي الدُّنْيَا أَيِ الدَّارَ الْعَاجِلَةَ، {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ} [الإسراء: 18] مِنَ الْبَسْطِ وَالتَّقْتِيرِ، {لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: 18] أَنْ نَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ أَوْ إهلاكه، {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ} [الإسراء: 18] في الآخرة، {جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا} [الإسراء: 18] يدخل نارها، {مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 18] مَطْرُودًا مُبْعَدًا. [19] {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] عَمِلَ عَمَلَهَا، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] مَقْبُولًا. [20] {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ} [الإسراء: 20] أَيْ: نُمِدُّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، {مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} [الإسراء: 20] أي: يرزقهما جميعا ثم يخلف بِهِمَا الْحَالُ فِي الْمَآلِ، {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ} [الإسراء: 20] رزق ربك، {مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] مَمْنُوعًا عَنْ عِبَادِهِ فَالْمُرَادُ مِنَ الْعَطَاءِ الْعَطَاءُ فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فَلَا حَظَّ لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ. [21] {انْظُرْ} [الإسراء: 21] يَا مُحَمَّدُ، {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 21] فِي الرِّزْقِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ, يَعْنِي: طَالِبَ الْعَاجِلَةِ وَطَالِبَ الْآخِرَةِ, {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21] [22] {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الإسراء: 22] الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَجْعَلْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ, {فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} [الإسراء: 22] مَذْمُومًا مِنْ غَيْرِ حَمْدٍ مَخْذُولًا مِنْ غَيْرِ نَصْرٍ. [23] قَوْلُهُ عَزَّ وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ} [الإسراء: 23] وأمر ربك, قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: وَأَوْجَبَ رَبُّكَ. قال مجاهد: وأوصى رَبُّكَ, {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] أَيْ: وَأَمَرَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا بِرًّا بهما وعطفا عليهما, ¬

(¬1) أخرجه ابن جرير 15 / 58 وذكره البخاري في التاريخ الصغير ص (39) وأخرجه أبو نعيم كما في التهذيب 5 / 139.

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ} [الإسراء: 23] قرأ حمزة والكسائي بِالْأَلِفِ عَلَى التَّثْنِيَةِ فَعَلَى هَذَا قوله: {أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} [الإسراء: 23] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [الْمَائِدَةِ: 71] وَقَوْلِهِ: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الْأَنْبِيَاءِ: 3] وَقَوْلُهُ: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) ابْتِدَاءٌ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ (يَبْلُغَنَّ) عَلَى التَّوْحِيدِ، {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] كَلِمَةُ كَرَاهِيَةٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَصْلُ الْتُّفِّ وَالْأُفِّ الْوَسَخُ عَلَى الْأَصَابِعِ إِذَا فَتَلْتَهَا. وَقِيلَ: الْأُفُّ مَا يَكُونُ فِي الْمَغَابِنِ مِنَ الوسخ، والتف مَا يَكُونُ فِي الْأَصَابِعِ. وَقِيلَ: الأف وسخ الأنف والتف وسخ الأظفار. وقيل. الأف وسخ الظفر والتف مَا رَفَعْتَهُ بِيَدِكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ حَقِيرٍ، {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] وَلَا تَزْجُرْهُمَا، {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] حَسَنًا جَمِيلًا لَيِّنًا قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: كَقَوْلِ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الْفَظِّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تُسَمِّيهِمَا ولا تكنيهما وقل لهما يَا أَبَتَاهُ يَا أُمَّاهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا إِذَا بَلَغَا عِنْدَكَ مِنَ الْكِبَرِ مَا يَبُولَانِ فَلَا تَتَقَذَّرْهُمَا وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ حِينَ تُمِيطُ عَنْهُمَا الْخَلَاءَ وَالْبَوْلَ كَمَا كَانَا يُمِيطَانِهِ عَنْكَ صَغِيرًا. [24] {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الإسراء: 24] أَيْ: أَلِنْ جَانِبَكَ لَهُمَا وَاخْضَعْ لهما. قال عروة بن الزبير: ألن لَهُمَا حَتَّى لَا تَمْتَنِعَ عَنْ شيء أحباه {مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] مِنَ الشَّفَقَةِ، {وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] أَرَادَ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سخط الوالد» (¬1) . وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ وَلَا عَاقٌّ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» (¬2) . [25] {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} [الإسراء: 25] مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَعُقُوقِهِمَا، {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ} [الإسراء: 25] أَبْرَارًا مُطِيعِينَ بَعْدَ تَقْصِيرٍ كَانَ مِنْكُمْ فِي الْقِيَامِ بِمَا لَزِمَكُمْ مِنْ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ} [الإسراء: 25] بعد المعصية {غَفُورًا} [الإِسْرَاءِ: 25] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ مِنْهُ الْبَادِرَةُ إِلَى أَبَوَيْهِ لا يريد به إِلَّا الْخَيْرَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْأَوَّابُ الَّذِي يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الرَّجَّاعُ إِلَى الْخَيْرِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ فِيمَا يحزنه وَيَنُوبُهُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمُ الْمُسَبِّحُونَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سَبَأٍ: 10] قَالَ قَتَادَةُ: هم المصلون، قال عون الْعَقِيلِيُّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضحى. [26] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26] يَعْنِي صِلَةَ الرَّحِمِ، وَأَرَادَ بِهِ قرابة الإنسان وعليه الأكثرون وعن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَرَادَ بِهِ قَرَابَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] أَيْ: لَا تُنْفِقْ مَالَكَ فِي الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَوْ أَنْفَقَ الإنسان ماله كله كَانَ تَبْذِيرًا وَلَوْ أَنْفَقَ مُدًّا فِي بَاطِلٍ كَانَ تَبْذِيرًا. وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ التَّبْذِيرِ فَقَالَ: إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ. [27] {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27] أي: أولياءهم، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مُلَازِمِ سُنَّةَ قَوْمٍ هُوَ أَخُوهُمْ. {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27] جَحُودًا لِنِعَمِهِ. [28] {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} [الإسراء: 28] نَزَلَتْ فِي مَهْجَعٍ وَبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَسَالِمٍ وَخَبَّابٍ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في البر 6 / 25 مرفوعا وموقوفا وقال في الموقوف: أصح، وأخرجه ابن حبان برقم (2026) ص (496) من موارد الظمآن وصححه الحاكم 4 / 152 والمصنف في شرح السنة 13 / 12. (¬2) أخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 28 و 44، والمصنف في شرح السنة 13 / 17 وفيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وللحديث شواهد كثيرا وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2 / 285.

قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَايِينِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَجِدُ فَيُعْرِضُ عَنْهُمْ حَيَاءً مِنْهُمْ وَيُمْسِكُ عَنِ الْقَوْلِ، فَنَزَلَ (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ أَنْ تُؤْتِيَهُمْ، {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} [الإسراء: 28] انْتِظَارَ رِزْقٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُوهُ أَنْ يَأْتِيَكَ، {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء: 28] لَيِّنًا وَهِيَ الْعِدَةُ، أَيْ: عِدْهُمْ وَعْدًا جَمِيلًا. وَقِيلَ: الْقَوْلُ الْمَيْسُورُ أن تقول: رزقنا الله وإياك. [قوله تَعَالَى وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا] تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا. . . . [29] {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] يَعْنِي: وَلَا تُمْسِكْ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ فِي الْحَقِّ كَالْمَغْلُولَةِ يَدُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَدِّهَا، {وَلَا تَبْسُطْهَا} [الإسراء: 29] بالعطاء، {كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] فَتُعْطِيَ جَمِيعَ مَا عِنْدَكَ، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا} [الإسراء: 29] يَلُومُكَ سَائِلُوكَ بِالْإِمْسَاكِ إِذَا لَمْ تعطهم، والملوم الَّذِي أَتَى بِمَا يَلُومُ نَفْسَهُ أو يلوم غيره، {مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] منقطعا لَا شَيْءَ عِنْدَكَ تُنْفِقُهُ. يُقَالُ: حَسَرْتُهُ بِالْمَسْأَلَةِ إِذَا أَلْحَفْتُ عَلَيْهِ وَدَابَّةٌ حَسِيرَةٌ إِذَا كَانَتْ كَالَّةً رازحة. قاد قَتَادَةُ: (مَحْسُورًا) نَادِمًا عَلَى مَا فَرَطَ مِنْكَ. [30] {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ} [الإسراء: 30] يُوسِعُ {الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الإسراء: 30] أَيْ: يُقَتِّرُ وَيُضَيِّقُ، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 30] [31] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31] فقر، {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَئِدُونَ بَنَاتَهُمْ خَشْيَةَ الْفَاقَةِ فَنُهُوا عَنْهُ، وَأُخْبِرُوا أَنَّ رِزْقَهُمْ وَرِزْقَ أَوْلَادِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الْإِسْرَاءِ: 31] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ (خطأ) أَيْ: إِثْمًا كَبِيرًا. [32] {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] [33] {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33] وَحَقُّهَا: مَا رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيُقْتَلُ بِهَا» (¬1) . {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] أي: قوة ولاية عَلَى الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ الضَّحَاكُ: سُلْطَانُهُ هُوَ أَنَّهُ يتخير فإن شاء استفاد مِنْهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وإن شاء عفا عنه. {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (فَلَا تُسْرِفْ) بِالتَّاءِ يُخَاطِبُ وَلِيَ الْقَتِيلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَيْ: لَا يُسْرِفُ الْوَلِيُّ فِي الْقَتْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِسْرَافِ الَّذِي منع منه ولي القتيل، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ لَا يَقْتُلُ غَيْرَ الْقَاتِلِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ قَتِيلٌ لَا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في الديات 6 / 301، والترمذي في الفتن 3 / 373، وابن ماجه في الحدود 2 / 847، والمصنف في شرح السنة 1 / 148 وأخرجه الشيخان عن ابن مسعود نحوه.

أَشْرَفَ مِنْهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا فَلَا يَقْتُلْ جَمَاعَةً بَدَلَ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ شَرِيفًا لَا يَرْضَوْنَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ وَحْدَهُ حَتَّى يَقْتُلُوا مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَقْرِبَائِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَا يُمَثِّلُ بِالْقَاتِلِ. {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَقْتُولِ فِي قَوْلِهِ: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا) يَعْنِي: إِنَّ الْمَقْتُولَ مَنْصُورٌ فِي الدُّنْيَا بإيجاب القول عَلَى قَاتِلِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِتَكْفِيرِ خَطَايَاهُ وَإِيجَابِ النَّارِ لِقَاتِلِهِ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَنْصُورٌ عَلَى الْقَاتِلِ بِاسْتِيفَاءِ الْقَصَاصِ مِنْهُ أَوِ الدِّيَةِ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَاتِلَ المعتدي، يقول: لا يعتدي بالقتل بغير الحق شأنه إن فعل ذلك قولي المقتول منصور عَلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْهُ. [34] {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} [الإسراء: 34] بِالْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَهْدِ مَا يَلْتَزِمُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] وقال السُّدِّيُّ: كَانَ مَطْلُوبًا. وَقِيلَ: الْعَهْدُ يُسْأَلُ عَنْ صَاحِبِ الْعَهْدِ، فَيُقَالُ: فيما نقضت كالموءودة تُسْأَلُ فِيمَ قُتِلَتْ. [35] {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ} [الإسراء: 35] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (بِالْقِسْطَاسِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهِ، وَهُمَا لغتان وهو الميزان صغيرا كان أو كبيرا أَيْ: بِمِيزَانِ الْعَدْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْقَبَّانُ- قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ رُومِيٌّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ عَرَبِيٌّ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ، أَيْ: زِنُوا بِالْعَدْلِ. {الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الْإِسْرَاءِ: 35] أَيْ: عَاقِبَةً. [36] {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] قَالَ قَتَادَةُ. لَا تَقُلْ رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَهُ وَسَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعْهُ وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَرْمِ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَا تُتْبِعْهُ بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اتِّبَاعُ الْأَثَرِ، يُقَالُ: قَفَوْتُ فُلَانًا أَقْفُوهُ وَقَفَيْتُهُ وَأَقْفَيْتُهُ إِذَا اتَّبَعْتُ أَثَرَهُ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْقَافِيَةُ لِتَتَبُّعِهِمُ الْآثَارَ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هو مأخوذ من القفو كَأَنَّهُ يَقْفُو الْأُمُورَ، أَيْ: يَكُونُ فِي إِقْفَائِهَا يَتْبَعُهَا وَيَتَعَرَّفُهَا. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: لَا تَتَكَلَّمْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] قِيلَ: مَعْنَاهُ يُسْأَلُ الْمَرْءُ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَفُؤَادِهِ. وَقِيلَ. يُسْأَلُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْفُؤَادُ عَمَّا فَعَلَهُ الْمَرْءُ. وَقَوْلُهُ (كُلُّ أُولَئِكَ) أَيْ حل هَذِهِ الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَرْجِعُ أُولَئِكَ إِلَى أَرْبَابِهَا. [37] {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء: 37] أَيْ بَطَرًا وَكِبْرًا وَخُيَلَاءَ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمَشْيِ فَلِذَلِكَ أَخْرَجَهُ عَلَى الْمَصْدَرِ، {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} [الإسراء: 37] أَيْ: لَنْ تَقْطَعَهَا بِكِبْرِكَ حَتَّى تَبْلُغَ آخِرَهَا، {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37] أي: لا تقدر أن تطال الْجِبَالَ وَتُسَاوِيَهَا بِكِبْرِكَ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنَالُ بِكِبْرِهِ وَبَطَرِهِ شَيْئًا كَمَنْ يُرِيدُ خَرْقَ الْأَرْضِ وَمُطَاوَلَةَ الْجِبَالِ لَا يَحْصُلُ عَلَى شَيْءٍ. وَقِيلَ: ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ مَشَى مُخْتَالًا يَمْشِي مَرَّةً على عقبه وَمَرَّةً عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَنْ تَنْقُبَ الْأَرْضَ إِنْ مَشَيْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا إِنْ مَشَيْتَ على صدور قدميك. [38] {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْهَاءِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَمَعْنَاهُ كُلُّ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] (كَانَ سَيِّئُهُ) أَيْ: سَيِّئُ مَا عَدَدْنَا عَلَيْكَ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا لأن فيما عددنا أُمُورًا حَسَنَةً كَقَوْلِهِ: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26] {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الإسراء: 24] وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (سَيِّئَةً) مَنْصُوبَةً مُنَوَّنَةً يَعْنِي: كُلُّ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} [الإسراء: 33] إِلَى هَذَا

قوله تعالى ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة

الْمَوْضِعِ سَيِّئَةٌ لَا حَسَنَةَ فِيهِ، إِذِ الْكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَقُلْ مَكْرُوهَةً لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا تقديره كُلُّ ذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا سَيِّئَةً. وَقَوْلُهُ (مَكْرُوهًا) عَلَى التَّكْرِيرِ لَا عَلَى الصِّفَةِ مَجَازُهُ كُلُّ ذَلِكَ كان سيئه وكان مكروها، راجع إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، لِأَنَّ السيئة الذنب وهو مذكر. [قوله تعالى ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ] . . . . [39] {ذَلِكَ} [الإسراء: 39] الذي ذكرناه، {مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء: 39] وَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أو نهى الله عَنْهُ فَهُوَ حِكْمَةٌ. {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الإسراء: 39] خَاطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأُمَّةُ، {فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39] مَطْرُودًا مُبْعَدًا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. [40] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ} [الإسراء: 40] أَيِ: اخْتَارَكُمْ فَجَعَلَ لَكُمُ الصَّفْوَةَ وَلِنَفْسِهِ مَا لَيْسَ بِصَفْوَةٍ، يَعْنِي اخْتَارَكُمْ، {بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} [الإسراء: 40] لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} [الإسراء: 40] يخاطب مشركي مكة. [41] {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ} [الإسراء: 41] يعني الصبر وَالْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحُجَجِ وَالْإِعْلَامِ والتشديد للتكثير والتكرير، {لِيَذَّكَّرُوا} [الإسراء: 41] أَيْ: لِيَتَذَكَّرُوا وَيَتَّعِظُوا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِإِسْكَانِ الذَّالِ وَضَمِّ الْكَافِ وَكَذَلِكَ فِي الْفُرْقَانِ. {وَمَا يَزِيدُهُمْ} [الإسراء: 41] تصريفنا وتذكيرنا وتكريرنا، {إِلَّا نُفُورًا} [الإسراء: 41] ذَهَابًا وَتَبَاعُدًا عَنِ الْحَقِّ. [42] {قُلْ} [الإسراء: 42] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} [الإسراء: 42] قَرَأَ حَفْصٌ وَابْنُ كَثِيرٍ (يَقُولُونَ) بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، {إِذًا لَابْتَغَوْا} [الإسراء: 42] لَطَلَبُوا يَعْنِي الْآلِهَةَ {إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42] بِالْمُبَالَغَةِ وَالْقَهْرِ لِيُزِيلُوا مُلْكَهُ، كَفِعْلِ مُلُوكِ الدُّنْيَا بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَطَلَبُوا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ. قَالَ قَتَادَةُ: لعرفوا الله بفضله وَابْتَغَوْا مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ. فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ} [الإسراء: 43] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (تَقُولُونَ) بِالتَّاءِ والآخرون بالياء، {عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 43] [44] {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ (تُسَبِّحُ) بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لِلْحَائِلِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّأْنِيثِ، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يعني الحيوانات والناميات. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: تُسَبِّحُ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجَمَادَاتُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ سوى العقلاء ما دامت تدل بِلَطِيفِ تَرْكِيبِهَا وَعَجِيبِ هَيْئَتِهَا عَلَى خَالِقِهَا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّسْبِيحِ مِنْهَا. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ السَّلَفِ وَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَنْبَغِي

قوله تعالى قل كونوا حجارة أو حديدا. . . . .

أَنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إِلَيْهِ. {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] أَيْ لَا تَعْلَمُونَ تَسْبِيحَ مَا عَدَا مَنْ يُسَبِّحُ بِلُغَاتِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ، {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] [45] {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: 45] يَحْجُبُ قُلُوبَهُمْ عَنْ فَهْمِهِ وَالِانْتِفَاعِ به. قال قتادة: وهو الْأَكِنَّةُ، وَالْمَسْتُورُ بِمَعْنَى السَّاتِرِ كَقَوْلِهِ: {كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مَرْيَمَ: 61] مَفْعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَقِيلَ: مَسْتُورٌ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَلَا يَرَوْنَهُ. وَفَسَّرَهُ بعضهم بالحجاب عن الأعين. الظاهر كَمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ وَمَعَهَا حَجَرٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَرَهُ، فَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: أَيْنَ صَاحِبُكَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ هَجَانِي؟ فقال: والله ما ينطق عن الهوى ولا يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ وَلَا يَقُولُهُ، فَرَجَعَتْ وَهِيَ تَقُولُ: قَدْ كُنْتُ جِئْتُ بهذا الحجر لأرضخ برأسه، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا رَأَتْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ بَيْنِي وَبَيْنَهَا يَسْتُرُنِي (¬1) . [46] {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الإسراء: 46] أغطية، {أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الإسراء: 46] كَرَاهِيَةَ أَنْ يَفْقَهُوهُ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يفقهوه، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 46] ثِقْلًا لِئَلَّا يَسْمَعُوهُ. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ} [الإسراء: 46] يَعْنِي إِذَا قُلْتَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَنْتَ تَتْلُوهُ، {وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46] جَمْعُ نَافِرٍ مِثْلِ قَاعِدٍ وَقُعُودٍ وَجَالِسٍ وَجُلُوسٍ، أَيْ نَافِرِينَ. [47] {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} [الإسراء: 47] قِيلَ: بِهِ صِلَةٌ أَيْ: يَطْلُبُونَ سمعه، {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [الإسراء: 47] وَأَنْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47] يتناجون في أمرك. وقيل: ذو نجوى، فبعضهم يقول: هو مَجْنُونٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: كَاهِنٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: سَاحِرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: شَاعِرٌ. {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ} [الإسراء: 47] يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابَهُ، {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47] مَطْبُوبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ. يُقَالُ: مَا سَحَرَكَ عَنْ كَذَا؟ أَيْ مَا صرفك عنه؟ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ رَجُلًا لَهُ سَحْرٌ، وَالسَّحْرُ: الرِّئَةُ أَيْ: إنه بشر مثلكم تغذى معللا بالطعام والشراب يأكل ويشرب. [48] {انْظُرْ} [الإسراء: 48] يَا مُحَمَّدُ، {كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} [الإسراء: 48] الْأَشْبَاهَ، قَالُوا: شَاعِرٌ وَسَاحِرٌ وَكَاهِنٌ ومجنون، {فَضَلُّوا} [الإسراء: 48] فَحَارُوا وَحَادُوا، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء: 48] أَيْ: وُصُولًا إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ. [49] {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} [الإسراء: 49] بعد الموت. قَالَ مُجَاهِدٌ: تُرَابًا. وَقِيلَ: حُطَامًا. والرفات: كل ما يكسر ويبلى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَالْفُتَاتِ وَالْحُطَامِ. {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49] [قوله تعالى قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا. . . . .] [50] {قُلْ} [الإسراء: 50] لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ {كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} [الإسراء: 50] فِي الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَمْرِ إِلْزَامٍ بَلْ هُوَ أَمْرُ تَعْجِيزٍ، أَيِ: اسْتَشْعِرُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنَّكُمْ حِجَارَةٌ أَوْ حَدِيدٌ فِي الْقُوَّةِ. [51] {أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الإسراء: 51] قِيلَ: السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ الْمَوْتُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ ابْنِ آدَمَ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنَ الموت، أي: ولو كُنْتُمُ الْمَوْتَ بِعَيْنِهِ لَأُمِيتَنَّكُمْ وَلَأَبْعَثَنَّكُمْ، {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا} [الإسراء: 51] مَنْ يَبْعَثُنَا بَعْدَ الْمَوْتِ، {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ} [الإسراء: 51] خلقكم، {أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 51] وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِنْشَاءِ قَدَرَ عَلَى الْإِعَادَةِ، {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ} [الإسراء: 51] أَيْ: يُحَرِّكُونَهَا إِذَا قُلْتَ لَهُمْ ذَلِكَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهَا، {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ} [الإسراء: 51] أَيِ: الْبَعْثُ وَالْقِيَامَةُ، {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51] أَيْ: هُوَ قَرِيبٌ، لِأَنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الْأَحْزَابِ: 63] [52] {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} [الإسراء: 52] مِنْ قُبُورِكُمْ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 52] قال ابن عباس: ¬

(¬1) أخرجه أبو يعلى وابن أبي حاتم. انظر تفسير ابن كثير 3 / 44 و 4 / 565 ومجمع الزوائد.

بِأَمْرِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ. بِطَاعَتِهِ. وَقِيلَ: مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ خَالِقُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ وَيَحْمَدُونَهُ حتى لا ينفعهم الحمد. قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ حَامِدِينَ. {وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ} [الإسراء: 52] في الدنيا أو في القبور، {إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 52] لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ مَكَثَ أُلُوفًا من السنين في الدنيا أو في القبور عَدَّ ذَلِكَ قَلِيلًا فِي مُدَّةِ الْقِيَامَةِ وَالْخُلُودِ. قَالَ قَتَادَةُ: يَسْتَحْقِرُونَ مُدَّةَ الدُّنْيَا فِي جَنْبِ الْقِيَامَةِ. [53] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا} [الإسراء: 53] للكافرين {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53] وَلَا يُكَافِئُوهُمْ بِسَفَهِهِمْ. قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ لَهُ يَهْدِيكَ اللَّهُ. وَكَانَ هَذَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْجِهَادِ والقتال. وَقِيلَ: أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَقُولُوا وَيَفْعَلُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَيِ: الْخَلَّةُ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَقِيلَ: الْأَحْسَنُ: كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53] أَيْ: يُفْسِدُ وَيُلْقِي الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ، {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] ظَاهِرَ الْعَدَاوَةِ. [54] {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} [الإسراء: 54] يُوَفِّقْكُمْ فَتُؤْمِنُوا، {أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} [الإسراء: 54] يُمِيتُكُمْ عَلَى الشِّرْكِ فَتُعَذَّبُوا، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ فَيُنْجِيكُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَإِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ فَيُسَلِّطَهُمْ عَلَيْكُمْ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 54] حَفِيظًا وَكَفِيلًا. قِيلَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [55] {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الإسراء: 55] أَيْ: رَبُّكَ الْعَالِمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَجَعَلَهُمْ مُخْتَلِفِينَ فِي صورهم وأخلاقهم وأحوالهم وملكهما، {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55] قِيلَ: جَعَلَ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مُخْتَلِفِينَ كَمَا فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ قَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خليلا وكلم الله مُوسَى تَكْلِيمًا وَقَالَ لِعِيسَى كُنْ فيكون، وآتى سليمان ملكا عظيما لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَآتَى دَاوُدَ زَبُورًا كَمَا قَالَ: {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [الإسراء: 55] وَالزَّبُورُ كِتَابٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ دَاوُدَ يَشْتَمِلُ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سُورَةً كُلُّهَا دُعَاءٌ وَتَمْجِيدٌ وَثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيْسَ فِيهَا حَرَامٌ وَلَا حَلَالٌ وَلَا فَرَائِضُ وَلَا حُدُودٌ، مَعْنَاهُ: إِنَّكُمْ لَمْ تُنْكِرُوا تَفْضِيلَ النَّبِيِّينَ فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ فَضْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْطَاءَهُ الْقُرْآنَ؟ وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ مَنْ يُقِرُّ بِتَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ. [56] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الإسراء: 56] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْكِلَابَ وَالْجِيَفَ فَاسْتَغَاثُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدْعُوَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {قُلِ} [الإسراء: 56] للمشركين {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} [الإسراء: 56] أنها آلهة {مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ} [الإسراء: 56] الْقَحْطِ وَالْجُوعِ، {عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] إِلَى غَيْرِكُمْ أَوْ تَحْوِيلَ الْحَالِ مِنَ الْعُسْرِ إِلَى الْيُسْرِ.

قوله تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن

[57] {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57] يعني الذين يدعونهم المشركون أنهم آلِهَةً يَعْبُدُونَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَهُمْ عِيسَى وَأُمُّهُ وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، {يَبْتَغُونَ} [الإسراء: 57] أَيْ يَطْلُبُونَ {إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57] أَيِ الْقُرْبَةَ. وَقِيلَ: الْوَسِيلَةُ الدَّرَجَةُ أَيْ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا. وَقِيلَ: الْوَسِيلَةُ كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [النساء: 11] مَعْنَاهُ يَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيُّهُمْ أَقْرَبُ يَبْتَغِي الْوَسِيلَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ الصالح، {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} [الإسراء: 57] جَنَّتَهُ، {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُ الْحَذَرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَلَمْ يَعْلَمِ الْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَتَمْسَّكُوا بِعِبَادَتِهِمْ فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ وَأَنْزَلَ هَذِهِ الآية، وقرأ ابن مسعود (الَّذِينَ تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ. [58] {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ} [الإسراء: 58] وَمَا مِنْ قَرْيَةٍ {إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الإسراء: 58] أَيْ: مُخَرِّبُوهَا وَمُهْلِكُوا أَهْلَهَا، {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} [الإسراء: 58] بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ إِذَا كَفَرُوا وَعَصَوْا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ: مُهْلِكُوهَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِمَاتَةِ وَمُعَذِّبُوهَا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ أذن الله في إهلاكها. {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ} [الإسراء: 58] في اللوح المحفوظ، {مَسْطُورًا} [الإسراء: 58] مَكْتُوبًا. قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَقَالَ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: الْقَدَرُ، وَمَا كَانَ وَمَا هُوَ كائن إلى الأبد» (¬1) . [قوله تعالى وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ] كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ. . . . [59] قوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ فَيَزْرَعُوا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أَسَتَأْنِيَ بِهِمْ فَعَلْتُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُوتِيهِمْ مَا سَأَلُوا فَعَلْتُ، فَإِنْ لم يؤمنوا أهلكهم كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ» (¬2) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) الَّتِي سَأَلَهَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) فَأَهْلَكْنَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُؤَمِنْ قَوْمُكَ بَعْدَ إِرْسَالِ الآيات أهلكناهم، لأن من شأننا فِي الْأُمَمِ إِذَا سَأَلُوا الْآيَاتِ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ إِتْيَانِهَا أَنْ نُهْلِكَهُمْ وَلَا نُمْهِلَهُمْ، وَقَدْ حكمنا بإمهال هذه الأمة في العذاب، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [الْقَمَرِ: 46] ثُمَّ قَالَ: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59] مضيئة بينة، {فَظَلَمُوا بِهَا} [الإسراء: 59] أَيْ: جَحَدُوا بِهَا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا قَالَ: {بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الْأَعْرَافِ: 9] أَيْ: يَجْحَدُونَ وَقِيلَ: ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَكْذِيبِهَا يُرِيدُ فَعَاجَلْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ} [الإسراء: 59] أَيِ: الْعِبَرِ وَالدَّلَالَاتِ، {إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] لِلْعِبَادِ لِيُؤْمِنُوا. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ النَّاسَ بِمَا شَاءَ مِنْ آيَاتِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. [60] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء: 60] أَيْ: هُمْ فِي قَبْضَتِهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ مَشِيئَتِهِ فَهُوَ حَافِظُكَ وَمَانِعُكَ مِنْهُمْ فَلَا تهبهم وامض إلى ما أمر الله بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، كَمَا قَالَ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [الْمَائِدَةِ: 67] {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في السنة 7 / 69 والترمذي في القدر 6 / 368 والإمام أحمد في المسند 5 / 317 والطيالسي في مسنده ص 79 وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة 1 / 34. (¬2) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 258 والحاكم في المستدرك 2 / 362 قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

وَمَسْرُوقٍ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ جريج والأكثرون (¬1) وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي رُؤْيَةً وَرُؤْيَا، فَلَمَّا ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ أنكر بعضهم ذلك، وكذبوا وكان فِتْنَةً لِلنَّاسِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ دُونَ بَدَنِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كان له معراجان رُؤْيَةٍ بِالْعَيْنِ وَمِعْرَاجُ رُؤْيَا بِالْقَلْبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا مَا رَأَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ دَخَلَ مكة هو وأصحابه فجعل السَّيْرَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ رُجُوعُهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ بعد ما أخبر أنه يدخلها فكان رجوعه فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، حَتَّى دَخَلَهَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الْفَتْحِ: 27] {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء: 60] يَعْنِي شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، مَجَازُهُ وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعَامٍ كَرِيهٍ: طَعَامٌ مَلْعُونٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمَلْعُونُ آكِلُهَا، وَنُصِبَ الشَّجَرَةُ عَطْفًا عَلَى الرُّؤْيَا، أَيْ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، فَكَانَتِ الْفِتْنَةُ فِي الرُّؤْيَا مَا ذَكَرْنَا، وَالْفِتْنَةُ فِي الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُوعِدُكُمْ بِنَارٍ تُحْرِقُ الْحِجَارَةَ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْبُتُ فِيهَا شَجَرَةٌ، وَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَةَ، وَالثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبَعْرَى قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُخَوِّفُنَا بِالزَّقُّومِ وَلَا نَعْرِفُ الزَّقُّومَ إِلَّا الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ، وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا جَارِيَةُ تَعَالِي فَزَقِّمِينَا فَأَتَتْ بِالتَّمْرِ وَالزُّبْدِ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ تَزَقَّمُوا فَإِنَّ هَذَا مَا يُخَوِّفُكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ، فَوَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّافَّاتِ. وَقِيلَ: الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ هِيَ الَّتِي تَلْتَوِي على الشجر فتخنقه، يَعْنِي الْكَشُوثَ، {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ} [الإسراء: 60] التخويف، {إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60] أي: تمردا وعتوا عظيما. [61] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61] أي: خلقته من طين. [62] {قَالَ} [الإسراء: 62] يعني إبليس، {أَرَأَيْتَكَ} [الإسراء: 62] أَيْ أَخْبِرْنِي وَالْكَافُ لِتَأْكِيدِ الْمُخَاطَبَةِ، {هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء: 62] أي: فضلته علي: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِي} [الإسراء: 62] أَمْهَلْتَنِي {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء: 62] أَيْ: لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ بِالْإِضْلَالِ، يُقَالُ: احْتَنَكَ الْجَرَادُ الزَّرْعَ إِذَا أَكَلَهُ كُلَّهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ حنك الدابة يحنك إِذَا شَدَّ فِي حَنَكِهَا الْأَسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُهَا، أَيْ لَأَقُودَنَّهُمْ كَيْفَ شِئْتُ. وَقِيلَ: لَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْإِغْوَاءِ، {إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62] يَعْنِي الْمَعْصُومِينَ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] [63] {قَالَ} [الإسراء: 63] اللَّهُ {اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ} [الإسراء: 63] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الإسراء 8 / 398.

قوله تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون

{جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} [الإسراء: 63] أي: جزاءك وجزاء أتباعك، {جَزَاءً مَوْفُورًا} [الإسراء: 63] وَافِرًا مُكَمَّلًا, يُقَالُ: وَفَّرْتُهُ أُوَفِّرُهُ وفرا. [64] وقوله: {وَاسْتَفْزِزْ} [الإسراء: 64] وَاسْتَخْفِفْ وَاسْتَجْهِدْ، {مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} [الإسراء: 64] أَيْ: مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، {بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: بِدُعَائِكَ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكُلُّ دَاعٍ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ جُنْدِ إِبْلِيسَ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ ادْعُهُمْ دُعَاءً تَسْتَفِزُّهُمْ بِهِ إِلَى جَانِبِكَ، أَيْ: تَسْتَخِفُّهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْغِنَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64] قِيلَ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ مَكَايِدَكَ وَخَيْلَكَ، ويقال: اجلبوا وجلبوا إِذَا صَاحُوا، يَقُولُ: صِحْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَحُثَّهُمْ عَلَيْهِ بِالْإِغْوَاءِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِرُكْبَانِ جُنْدِكَ وَمُشَاتِهِمْ، وَالْخَيْلُ: الرُّكْبَانِ، وَالرَّجِلُ: الْمُشَاةُ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كُلُّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي مَعَاصِي اللَّهِ فَهُوَ مِنْ جُنْدِ إِبْلِيسَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: إِنَّ لَهُ خَيْلًا وَرَجِلًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَهُوَ كُلُّ ما يُقَاتِلُ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَالرَّجُلُ وَالرَّجَّالَةُ وَالرَّاجِلَةُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: رَاجِلٌ وَرَجُلٌ مِثْلُ تَاجِرٍ وَتَجُرٍّ وَرَاكِبٍ وَرَكِبٍ، وَقَرَأَ حَفْصٌ وَرَجِلِكَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُمَا لُغَتَانِ، {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ} [الإسراء: 64] فَالْمُشَارَكَةُ فِي الْأَمْوَالِ كُلُّ مَا أُصِيبَ مِنْ حَرَامٍ أَوْ أُنْفِقَ فِي حَرَامٍ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْحُسْنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ الرِّبَا وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحَرِّمُونَهُ مِنَ الْأَنْعَامِ كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: هُوَ مَا كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ، وَأَمَّا الشَّرِكَةُ فِي الْأَوْلَادِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَاكُ: هُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُوَ أَنَّهُمْ هَوَّدُوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم. وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَقْعُدُ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ فَإِذَا لَمْ يَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَصَابَ مَعَهُ امْرَأَتَهُ وَأَنْزَلَ فِي فَرْجِهَا كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ. {وَعِدْهُمْ} [الإسراء: 64] أي: خذ مَنِّهِمُ الْجَمِيلَ فِي طَاعَتِكَ. وَقِيلَ: قُلْ لَهُمْ: لَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ وَلَا بَعْثَ. {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64] وَالْغُرُورُ تَزْيِينُ الْبَاطِلِ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ حَقٌّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهُوَ يَقُولُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الْأَعْرَافِ: 28] ؟ قِيلَ: هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فُصِّلَتْ: 40] وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: افعل ما شئت فسترى. [65] قَوْلِهِ: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65] أي حافظا ومن يُوكِلُ الْأَمْرَ إِلَيْهِ. [66] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ} [الإسراء: 66] أَيْ: يَسُوقُ وَيُجْرِي لَكُمُ الْفُلْكَ، {فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [الإسراء: 66] لِتَطْلُبُوا مِنْ رِزْقِهِ، {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [الإسراء: 66] [قوله تعالى وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ] إِلَّا إِيَّاهُ. . . . [67] {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} [الإسراء: 67] الشِّدَّةُ وَخَوْفُ الْغَرَقِ، {فِي الْبَحْرِ ضَلَّ} [الإسراء: 67] أَيْ: بَطَلَ وَسَقَطَ، {مَنْ تَدْعُونَ} [الإسراء: 67] من الآلهة، {إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] إِلَّا اللَّهُ فَلَمْ تَجِدُوا مُغِيثًا سواه، {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ} [الإسراء: 67] أَجَابَ دُعَاءَكُمْ وَأَنْجَاكُمْ مِنْ هَوْلِ الْبَحْرِ وَأَخْرَجَكُمْ، {إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} [الإسراء: 67] عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ وَالطَّاعَةِ كُفْرًا مِنْكُمْ لِنِعَمِهِ، {وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] [68] {أَفَأَمِنْتُمْ} [الإسراء: 68] بَعْدَ ذَلِكَ، {أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ} [الإسراء: 68] يغور بكم، {جَانِبَ الْبَرِّ} [الإسراء: 68] نَاحِيَةَ الْبَرِّ وَهِيَ الْأَرْضُ، {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الإسراء: 68] أَيْ: يُمْطِرُ عَلَيْكُمْ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ كَمَا أَمْطَرَ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: الْحَاصِبُ الرِّيحُ الَّتِي تَرْمِي بِالْحَصْبَاءِ، وَهِيَ الْحَصَا الصِّغَارُ، {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 68] قَالَ قَتَادَةُ: مَانِعًا. [69] {أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ} [الإسراء: 69] يعني في البحر، {تَارَةً} [الإسراء: 69] مَرَّةً، {أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ} [الإسراء: 69] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ: عَاصِفًا وَهِيَ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الرِّيحُ الَّتِي تَقْصِفُ

كُلَّ شَيْءٍ، أَيْ تَدُقُّهُ وَتُحَطِّمُهُ. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هِيَ الَّتِي تَقْصِفُ الشَّجَرَ، أَيْ تُكَسِّرُهُ، {فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [الإسراء: 69] ناصرا ولا ثائرا، وتبيع بمعنى تابع أي تابعا أي مُطَالِبًا بِالثَّأْرِ. وَقِيلَ. مَنْ يُتْبِعُنَا بِالْإِنْكَارِ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (أَنْ نَخْسِفَ، وَنُرْسِلَ، وَنُعِيدَكُمْ، فَنُرْسِلَ، فَنُغْرِقَكُمْ) ، بِالنُّونِ فِيهِنَّ، لِقَوْلِهِ (عَلَيْنَا) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ: (إِلَّا إِيَّاهُ) وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ (فَتُغْرِقَكُمْ) بِالتَّاءِ يَعْنِي الرِّيحَ. [70] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِالْأَيْدِي وَغَيْرُ الْآدَمِيِّ يَأْكُلُ بِفِيهِ مِنَ الْأَرْضِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: بِالْعَقْلِ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: بِالنُّطْقِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بِتَعْدِيلِ الْقَامَةِ وَامْتِدَادِهَا، وَالدَّوَابُّ مُنْكَبَّةٌ عَلَى وُجُوهِهَا. وَقِيلَ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ. وَقِيلَ. الرِّجَالُ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءُ بِالذَّوَائِبِ. وَقِيلَ: بِأَنْ سَخَّرَ لَهُمْ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ. وَقِيلَ: بِأَنَّ مِنْهُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70] أَيْ: حَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ عَلَى الدَّوَابِّ وَفِي الْبَحْرِ عَلَى السُّفُنِ، {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الإسراء: 70] يَعْنِي: لَذِيذَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: السَّمْنُ وَالزُّبْدُ وَالتَّمْرُ وَالْحَلْوَى، وَجَعَلَ رِزْقَ غَيْرِهِمْ مَا لَا يَخْفَى. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ فَضَّلَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَهُمْ لَا عَلَى الْكُلِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: فُضِّلُوا عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَّا عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ إِلَّا عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكِ الموت، وأشباههم. [71] قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: بِنَبِيِّهِمْ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ وَالضَّحَاكُ: بِكِتَابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: بِأَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: بِكِتَابِهِمُ الَّذِي فِيهِ أَعْمَالُهُمْ، بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ، {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الإسراء: 71] وَيُسَمَّى الْكِتَابُ إِمَامًا كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يَس: 12] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِإِمَامِ زَمَانِهِمُ الَّذِي دَعَاهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى ضَلَالَةٍ أَوْ هُدًى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 73] وَقَالَ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) ، وَقِيلَ: بِمَعْبُودِهِمْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كُلُّ قَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ إِلَى رَئِيسِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: (بِإِمَامِهِمْ) ، قِيلَ: يَعْنِي بِأُمَّهَاتِهِمْ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْحِكْمَةِ أَحَدُهَا: لِأَجْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالثَّانِي: لِشَرَفِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالثَّالِثِ: لِئَلَّا يَفْتَضِحَ أَوْلَادُ الزِّنَا. {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: 71] أَيْ: لَا يَنْقُصُ مِنْ حَقِّهِمْ قَدْرُ فَتِيلٍ.

قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل

[72] {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى} [الإسراء: 72] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْإِشَارَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ} [الإسراء: 66] إلى قوله (تفضيلا) يقول: ومن كَانَ مِنْكُمْ فِي هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي قَدْ عَايَنَ أَعْمَى، {فَهُوَ فِي} [الإسراء: 72] أمر، {الْآخِرَةِ} [الإسراء: 72] الَّتِي لَمْ يُعَايِنْ وَلَمْ يَرَ، {أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72] يُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الدُّنْيَا يَقُولُ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى الْقَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرُؤْيَةِ الْحَقِّ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى أَيْ أَشَدُّ عَمًى وَأَضَلُّ سَبِيلًا أَيْ أَخْطَأُ طَرِيقًا. وَقِيلَ. مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى عَنِ الِاعْتِبَارِ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى عَنِ الِاعْتِذَارِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ضَالًّا كَافِرًا فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَأَمَالَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ وَفَتْحَهُمَا بَعْضُهُمْ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَكْسِرُ الْأَوَّلَ وَيَفْتَحُ الثَّانِيَ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ عَمًى لِقَوْلِهِ. (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) . [73] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] لَيَصْرِفُونَكَ {عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 73] من القرآن {لِتَفْتَرِيَ} [الإسراء: 73] لتختلق، {عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا} [الإسراء: 73] لَوْ فَعَلْتَ مَا دَعَوْكَ إِلَيْهِ {لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} [الإسراء: 73] أَيْ: وَالَوْكَ وَصَافَوْكَ. [74] {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء: 74] عَلَى الْحَقِّ بِعِصْمَتِنَا، {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ} [الإسراء: 74] أَيْ: تَمِيلُ، {إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74] أي قريبا من الفعل. [75] {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 75] أَيْ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ وَضَعْفَ عَذَابِ الْمَمَاتِ، يَعْنِي أَضْعَفْنَا لَكَ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقِيلَ: الضِّعْفُ هُوَ الْعَذَابُ سُمِّيَ ضِعْفًا لِتَضَاعُفِ الْأَلَمِ فِيهِ. {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 75] أَيْ: نَاصِرًا يَمْنَعُكَ مِنْ عَذَابِنَا. [76] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} [الإسراء: 76] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَرِهَ الْيَهُودُ مُقَامَهُ بِالْمَدِينَةِ حَسَدًا مِنْهُمْ، فَأَتَوْهُ وَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَذِهِ بِأَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ أَرْضَ الْأَنْبِيَاءِ الشام، وهي الأرض المقدسة، فَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا مِثْلَهُمْ فَأْتِ الشام، فَعَسْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَيَخْرُجَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ والأرض هَاهُنَا هِيَ الْمَدِينَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: الْأَرْضُ أَرْضُ مَكَّةَ، وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، هَمَّ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْهَا فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا أَلْيَقُ بِالْآيَةِ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وَقِيلَ: هُمُ الْكُفَّارُ كُلُّهُمُ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّوهُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ بِاجْتِمَاعِهِمْ وَتَظَاهُرِهِمْ عَلَيْهِ، فَمَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنَالُوا مِنْهُ مَا أَمَّلُوا، وَالِاسْتِفْزَازُ هُوَ الْإِزْعَاجُ بِسُرْعَةٍ، {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ} [الإسراء: 76] أي: بعدك {إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76] أَيْ: لَا يَلْبَثُونَ بِعَدَكَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَهْلَكُوا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُدَّةُ حَيَاتِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي مَا بَيْنَ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ قُتِلُوا بِبَدْرٍ. [77] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا} [الإسراء: 77] أَيْ: كَسُنَّتِنَا، فَانْتَصَبَ بِحَذْفِ الْكَافِ، وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي الرُّسُلِ إِذَا كذبتهم الأمم ألا يُعَذِّبَهُمْ مَا دَامَ نَبِيُّهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ نَبِيُّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ عَذَّبَهُمْ. {وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 77] أي تبديلا. [قوله تعالى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ] وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا. . . . [78] قَوْلُهُ: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] اخْتَلَفُوا فِي الدُّلُوكِ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قال: الدلوك هو الغروب، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ

عُمَرَ وَجَابِرٌ: هُوَ زَوَالُ الشَّمْسِ وَمَعْنَى اللَّفْظِ يَجْمَعُهُمَا لِأَنَّ أَصْلَ الدُّلُوكِ الْمَيْلُ وَالشَّمْسُ تَمِيلُ إِذَا زَالَتْ وَغَرَبَتْ، وَالْحَمْلُ عَلَى الزَّوَالِ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَلِأَنَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ كَانَتِ الْآيَةُ جَامِعَةً لِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا، فَدُلُوكُ الشَّمْسِ يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الظُّهْرِ والعصر وإلى غَسَقِ اللَّيْلِ يَتَنَاوَلُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وقرآن الْفَجْرِ هُوَ صَلَاةُ الصُّبْحِ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] أَيْ: ظُهُورِ ظُلْمَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بُدُوُّ اللَّيْلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غروب الشمس، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78] يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ، سَمَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ قُرْآنًا لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا بِقُرْآنٍ، وَانْتِصَابُ الْقُرْآنِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الصَّلَاةِ، أَيْ: وَأَقِمْ قُرْآنَ الْفَجْرِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ: وَعَلَيْكَ قُرْآنَ الْفَجْرِ، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] أَيْ: يَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النهار. [79] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} [الإسراء: 79] أَيْ: قُمْ بَعْدَ نَوْمِكَ، وَالتَّهَجُّدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ النَّوْمِ، يقال: تهجد إذا قام بعد ما نَامَ، وَهَجَدَ إِذَا نَامَ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ: قِيَامُ اللَّيْلِ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَعَلَى الْأُمَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [الْمُزَّمِّلِ: 1 - 2] ثُمَّ نَزَلَ التَّخْفِيفُ فَصَارَ الْوُجُوبُ مَنْسُوخًا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [الْمُزَّمِّلِ: 20] وَبَقِيَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ عز وجل: {نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] أَيْ: زِيَادَةً لَكَ، يُرِيدُ فَضِيلَةٌ زَائِدَةٌ، عَلَى سَائِرِ الْفَرَائِضِ، فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ صَارَ مَنْسُوخًا فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، فَصَارَتْ نَافِلَةً، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (نَافِلَةً لَكَ) وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْكَ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] عَسَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُ أَنْ يُعْطِيَ عِبَادَهُ أَوْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا أَطْمَعَهُمْ فِيهِ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ لِأُمَّتِهِ لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ فيه الأولون والآخرون، والأخبار في الشفاعة متواترة كَثِيرَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ مُبْتَدِعٌ بِاتِّفَاقِ أهل السنة. [80] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] المراد مِنَ الْمُدْخَلِ وَالْمُخْرَجِ الْإِدْخَالُ وَالْإِخْرَاجُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسْنُ وَقَتَادَةُ: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ الْمَدِينَةَ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صدق من مَكَّةَ، نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجْرَةِ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِنْ مَكَّةَ آمِنًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ مَكَّةَ ظَاهِرًا عَلَيْهَا بِالْفَتْحِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَدْخِلْنِي فِي أَمْرِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَنِي بِهِ من النبوة مدخل صدق، وَأَخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيَا وَقَدْ قُمْتُ بِمَا وَجَبَ عَلَيَّ مِنْ حَقِّهَا مُخْرَجَ صِدْقٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ الْجَنَّةَ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِنْ مَكَّةَ وَقِيلَ: أَدْخِلْنِي فِي طَاعَتِكَ وَأَخْرِجْنِي مِنَ الْمَنَاهِي وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَدْخِلْنِي حَيْثُ مَا أَدْخَلْتَنِي بِالصِّدْقِ، وَأَخْرِجْنِي بِالصِّدْقِ، أَيْ: لَا تَجْعَلْنِي مِمَّنْ يَدْخُلُ بِوَجْهٍ وَيَخْرُجُ بِوَجْهٍ، فَإِنَّ ذا الوجهين لا يكون أمينا وَوَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ. وَوَصَفَ الْإِدْخَالَ وَالْإِخْرَاجَ بِالصِّدْقِ لِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ الْخُرُوجُ وَالدُّخُولُ مِنَ النَّصْرِ وَالْعِزِّ وَدَوْلَةِ الدِّينِ، كَمَا وَصَفَ الْقَدَمَ بِالصِّدْقِ فَقَالَ: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يُونُسَ: 2] {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] قَالَ مُجَاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مُلْكًا قَوِيًّا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلَى مَنْ نَاوَأَنِي وَعِزًّا ظَاهِرًا أُقِيمُ بِهِ دِينَكَ، فَوَعَدَهُ اللَّهُ لَيَنْزِعَنَّ مُلْكَ فَارِسٍ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا فَيَجْعَلُهُ لَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: عَلِمَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ألا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ نَصِيرٍ، فَسَأَلَ سُلْطَانًا نَصِيرًا كِتَابَ اللَّهِ

وحدوده وإقامة دينه. [81] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ} [الإسراء: 81] يعني القرآن، {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] أَيِ الشَّيْطَانُ، قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ السدي: الحق الإسلام، والباطل الشِّرْكُ. وَقِيلَ: الْحَقُّ عِبَادَةُ اللَّهِ، والباطل عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ. {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ذَاهِبًا، يُقَالُ: زَهَقَتْ نَفْسُهُ أَيْ خرجت. عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «دَخْلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ صنم، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: " جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] » (¬1) . [82] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] قِيلَ: (مِنْ) لَيْسَ لِلتَّبْعِيضِ، وَمَعْنَاهُ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ كُلُّهُ شِفَاءٌ، أَيْ: بَيَانٌ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ يُتَبَيَّنُ بِهِ الْمُخْتَلَفُ وَيَتَّضِحُ بِهِ الْمُشْكِلُ وَيُسْتَشْفَى بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَيُهْتَدَى بِهِ مِنَ الحيرة، وهو شِفَاءُ الْقُلُوبِ بِزَوَالِ الْجَهْلِ عَنْهَا وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] لِأَنَّ الظَّالِمَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَالْمُؤْمِنَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فَيَكُونُ رَحْمَةً لَهُ، وَقِيلَ: زِيَادَةُ الْخَسَارَةِ لِلظَّالِمِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ تَنْزِلُ يَتَجَدَّدُ مِنْهُمْ تَكْذِيبٌ وَيَزْدَادُ لَهُمْ خَسَارَةٌ، قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يُجَالِسْ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَضَى اللَّهُ الَّذِي قَضَى شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا. [83] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ} [الإسراء: 83] عَنْ ذِكْرِنَا وَدُعَائِنَا، {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83] أي تباعد منا بِنَفْسِهِ، أَيْ تَرَكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: تَعَظَّمَ وَتَكْبَّرَ، وَيَكْسِرُ النُّونَ وَالْهَمْزَةَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَيَفْتَحُ النُّونَ وَيَكْسِرُ الْهَمْزَةَ أَبُو بَكْرٍ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ (وَنَاءَ) مِثْلَ جَاءَ قِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى نَأَى، وَقِيلَ: نَاءَ مِنَ النَّوْءِ وَهُوَ النُّهُوضُ والقيام. {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} [الإسراء: 83] الشدة والضر، {كَانَ يَئُوسًا} [الإسراء: 83] أَيْ آيِسًا قَنُوطًا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَضَرَّعُ وَيَدْعُو عِنْدَ الضُّرِّ وَالشِّدَّةِ, فَإِذَا تَأَخَّرَتِ الْإِجَابَةُ يَئِسَ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَيْأَسَ مِنَ الْإِجَابَةِ, وَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَيَدَعُ الدعاء. [84] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى خَلِيقَتِهِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: عَلَى طَرِيقَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: عَلَى طَبِيعَتِهِ وَجِبِلَّتِهِ. وَقِيلَ: عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ, وَهُوَ مِنَ الشَّكْلِ, يُقَالُ: لَسْتَ عَلَى شَكْلِي وَلَا شاكلتي, وكلها لغات مُتَقَارِبَةٌ, تَقُولُ الْعَرَبُ: طَرِيقٌ ذُو شَوَاكِلَ إِذَا تَشَعَّبَتْ مِنْهُ الطُّرُقُ, وَمَجَازُ الْآيَةِ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى ما يشبهه ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 400.

قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن

كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: كُلُّ امْرِئٍ يُشْبِهُهُ فِعْلُهُ. {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} [الإسراء: 84] أَوْضَحُ طَرِيقًا. [85] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ قَوْلُ الحسن وقتادة، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ لِكُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِكُلِّهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَلْقٌ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ لَهُمْ أَيْدٍ وَأَرْجُلٌ وَرُءُوسٌ وَلَيْسُوا بِمَلَائِكَةَ وَلَا نَاسٍ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقًا أَعْظَمَ مِنَ الرُّوحِ غَيْرَ الْعَرْشِ. وَقِيلَ: الرُّوحُ هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْيَهُودُ ولا كما يقول النَّصَارَى، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الرُّوحُ المركب في الخلق الذي يحيل بِهِ الْإِنْسَانُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَتَكَلَّمَ فِيهِ قَوْمٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الدَّمُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا مَاتَ لَا يَفُوتُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا الدَّمُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ نَفَسُ الْحَيَوَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمُوتُ بِاحْتِبَاسِ النَّفَسِ. وَقَالَ قَوْمٌ. هُوَ عَرَضٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرُّوحُ مَعْنَى اجْتَمَعَ فِيهِ النُّورُ وَالطِّيبُ والعلو والعلم وَالْبَقَاءُ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مَوْصُوفًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا خَرَجَ ذَهَبَ الْكُلُّ، وَأُولَى الْأَقَاوِيلِ: أَنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى الرُّوحِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] قِيلَ: مِنْ عِلْمِ رَبِّي، {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] أَيْ: فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: خِطَابٌ لِلْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: أُوتِينَا التَّوْرَاةَ وَفِيهَا الْعِلْمُ الْكَثِيرُ. وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ مَعْنَى الرُّوحِ وَلَكِنْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا لِأَنَّ تَرْكَ إِخْبَارِهِ بِهِ كَانَ عَلَمًا لِنُبُوَّتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل استأثر بعلمه. [86] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] يَعْنِي الْقُرْآنَ، مَعْنَاهُ: إِنَّا كَمَا مَنَعْنَا عِلْمَ الرُّوحِ عَنْكَ وَعَنْ غَيْرِكَ، لَوْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَعْنِي الْقُرْآنَ، {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} [الإسراء: 86] أَيْ: مَنْ يَتَوَكَّلُ بِرَدِّ الْقُرْآنِ إِلَيْكَ. [87] {إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الإسراء: 87] هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: وَلَكِنْ لَا نَشَاءُ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 87] فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَذْهَبُ الْقُرْآنُ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ مَحْوُهُ مِنَ الْمَصَاحِفِ وَإِذْهَابُ مَا فِي الصُّدُورِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. اقْرَءُوا الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ فَإِنَّهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُرْفَعَ. قِيلَ: هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ فَكَيْفَ بِمَا فِي صُدُورِ النَّاسِ؟ قَالَ: يَسْرِي عَلَيْهِ لَيْلًا فَيُرْفَعُ مَا فِي صُدُورِهِمْ فَيُصْبِحُونَ لَا يَحْفَظُونَ شَيْئًا وَلَا يَجِدُونَ فِي المصاحف شيئا. [قوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ] يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ. . . . [88] قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] عَوْنًا وَمُظَاهِرًا، نَزَلَتْ حِينَ قَالَ الْكُفَّارُ: لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالْقُرْآنُ مُعْجِزٌ فِي النَّظْمِ وَالتَّأْلِيفِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ، وَهُوَ كَلَامٌ فِي أعلى طبقات المبالغة لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لأتوا بمثله. [89] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الإسراء: 89] مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنَ الْعِبَرِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَغَيْرِهَا، {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89] جحودا. [90] {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} [الإسراء: 90] لَنْ نُصَدِّقَكَ، {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ} [الإسراء: 90] يعني. أرض مكة {يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90] أَيْ: عُيُونًا.

قوله تعالى ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل

[91] {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ} [الإسراء: 91] بُسْتَانٌ، {مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} [الإسراء: 91] تَشْقِيقًا. [92] {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} [الإسراء: 92] قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِفَتْحِ السِّينِ، أَيْ: قِطَعًا وَهِيَ جَمْعُ كِسْفَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ وَالْجَانِبُ مِثْلُ كِسْرَةٍ وَكِسَرٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ السِّينِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَجَمْعُهُ أَكْسَافٍ وَكُسُوفٍ، أَيْ: تُسْقِطُهَا طَبَقًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: أَرَادَ جَانِبَهَا عَلَيْنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَيْضًا الْقِطَعُ، وَهِيَ جَمْعُ التَّكْسِيرِ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدْرٍ فِي الشُّعَرَاءِ وَسَبَأٍ (كِسَفًا) بِالْفَتْحِ، حَفْصٌ، وَفِي الرُّومِ سَاكِنَةٌ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ. {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء: 92] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَفِيلًا أَيْ يَكْفُلُونَ بِمَا تَقُولُ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: ضَامِنًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ جَمْعُ الْقَبِيلَةِ أَيْ: بِأَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً قَبِيلَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَيَانًا أَيْ نراهم مقابلة أَيْ مُعَايَنَةً. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ لَقِيتُ فُلَانًا قَبِيلًا، وَقَبِيلًا أَيْ: مُعَايَنَةً. [93] {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} [الإسراء: 93] أَيْ: مِنْ ذَهَبٍ، وَأَصْلُهُ الزِّينَةُ، {أَوْ تَرْقَى} [الإسراء: 93] تصعد، {فِي السَّمَاءِ} [الإسراء: 93] هَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} [الإسراء: 93] لِصُعُودِكَ، {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} [الإسراء: 93] أُمِرْنَا فِيهِ بِاتِّبَاعِكَ، {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} [الإسراء: 93] وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ (قَالَ) يَعْنِي مُحَمَّدًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَلَى الْأَمْرِ، أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93] أَمَرَهُ بِتَنْزِيهِهِ وَتَمْجِيدِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنَزِّلَ مَا طَلَبُوا لَفَعَلَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يُنَزِّلُ الْآيَاتِ عَلَى مَا يَقْتَرِحُهُ الْبَشَرُ، وَمَا أَنَا إِلَّا بَشَرٌ وَلَيْسَ مَا سَأَلْتُمْ فِي طَوْقِ الْبَشَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ مَا يُغْنِي عَنْ هَذَا كُلِّهِ، مِثْلَ الْقُرْآنِ وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَتَفْجِيرِ الْعُيُونِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَالْقَوْمُ عَامَّتُهُمْ كَانُوا مُتَعَنِّتِينَ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ طَلَبَ الدَّلِيلِ لِيُؤْمِنُوا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سؤالهم. [94] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الإسراء: 94] جَهْلًا مِنْهُمْ، {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94] أَرَادَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقُولُونَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ لِأَنَّكَ بَشَرٌ، وَهَلَّا بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا مَلَكًا فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: [95] {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} [الإسراء: 95] مُسْتَوْطِنِينَ مُقِيمِينَ، {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95] مِنْ جِنْسِهِمْ لِأَنَّ الْقَلْبَ إِلَى الْجِنْسِ أَمْيَلُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِ الْجِنْسِ. [96] {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الإسراء: 96] أني رسوله إِلَيْكُمْ، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 96] [قوله تعالى وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ] فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ. . . . [97] {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ} [الإسراء: 97] يَهْدُونَهُمْ، {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} [الإسراء: 97] عَنْ أُنْسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ

الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يمشيه على وجهه» (¬1) {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء: 97] فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ عُمْيٌ وَبُكْمٌ وَصُمٌّ. وَقَدْ قَالَ: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} [الْكَهْفِ: 53] وَقَالَ: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الْفُرْقَانِ: 13] وَقَالَ: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الْفُرْقَانِ: 12] أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ وَالْكَلَامَ وَالسَّمْعَ؟ قِيلَ: يُحْشَرُونَ عَلَى مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ تُعَادُ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَجَوَابٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُمْيًا لَا يَرَوْنَ مَا يَسُرُّهُمْ بُكْمًا لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ صُمًّا لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا حِينَ يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَذَا حِينَ يُقَالُ لَهُمْ: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] يصيرون بِأَجْمَعِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا لَا يَرَوْنَ وَلَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ. {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ} [الإسراء: 97] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلَّمَا سَكَنَتْ، أَيْ: سَكَنَ لَهِيبُهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طُفِئَتْ وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَعُفَتْ وَقِيلَ: هُوَ الْهُدُوُّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ نُقْصَانٌ فِي أَلَمِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} [الزُّخْرُفُ: 75] وَقِيلَ: كُلَّمَا خَبَتْ أَيْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْبُوَ، {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] أَيْ: وَقُودًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ} [الإسراء: 97] أَيْ: نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ وَاحْتَرَقَتْ أُعِيدُوا فِيهَا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَزَيْدَ فِي تَسْعِيرِ النَّارِ لِتَحْرِقَهُمْ. [98] {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 98] فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. [99] فَقَالَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الإسراء: 99] فِي عَظَمَتِهَا وَشِدَّتِهَا، {قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [الإسراء: 99] فِي صِغَرِهِمْ وَضَعْفِهِمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غَافِرٍ: 57] {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا} [الإسراء: 99] أَيْ: وَقْتًا لِعَذَابِهِمْ، {لَا رَيْبَ فِيهِ} [الإسراء: 99] أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ، قِيلَ: هُوَ الْمَوْتُ، وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 99] أَيْ: جُحُودًا وَعِنَادًا. [100] {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء: 100] أَيْ: نِعْمَةِ رَبِّي. وَقِيلَ: رِزْقِ ربي، {إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ} [الإسراء: 100] لبخلتم وحبستم، {خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء: 100] أَيْ: خَشْيَةَ الْفَاقَةِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: خَشْيَةَ النَّفَادِ، يُقَالُ: أَنْفَقَ الرَّجُلُ أَيْ أَمْلَقَ وَذَهَبَ مَالُهُ وَنَفَقَ الشَّيْءُ، أَيْ: ذَهَبَ، وَقِيلَ: لَأَمْسَكْتُمْ عَنِ الْإِنْفَاقِ خَشْيَةَ الْفَقْرِ، {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100] أَيْ: بَخِيلًا مُمْسِكًا عَنِ الْإِنْفَاقِ. [101] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101] أَيْ: دَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ، فَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: هِيَ الْعَصَا وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ وَالْعُقْدَةُ التي كانت بلسانه ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 492 ومسلم في المنافقين 4 / 2161.

قوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما

فَحَلَّهَا وَفَلْقُ الْبَحْرِ وَالطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ وَالدَّمُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: هِيَ الطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ وَالدَّمُ وَالْعَصَا وَالْيَدُ وَالسُّنُونَ وَنَقْصُ الثَّمَرَاتِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّمْسَ وَالْبَحْرَ بَدَلَ السِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثمرات. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُنَّ آيَاتُ الْكِتَابِ {فَاسْأَلْ} [الإسراء: 101] يَا مُحَمَّدُ، {بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ} [الإسراء: 101] مُوسَى، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مَعَهُ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَمَرَهُ بِالسُّؤَالِ لِيَتَبَيَّنَ كَذِبَهُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ. {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء: 101] أَيْ: مَطْبُوبًا سَحَرُوكَ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: سَاحِرًا فَوَضَعَ الْمَفْعُولَ مَوْضِعَ الْفَاعِلِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: مُعْطًى عِلْمُ السِّحْرِ، فَهَذِهِ الْعَجَائِبُ الَّتِي تَفْعَلُهَا مِنْ سِحْرِكَ. [102] {قَالَ} [الإسراء: 102] موسى {لَقَدْ عَلِمْتَ} [الإسراء: 102] قَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِ التَّاءِ خِطَابًا لِفِرْعَوْنَ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَ: لَمْ يَعْلَمِ الْخَبِيثُ أَنَّ مُوسَى عَلَى الْحَقِّ، وَلَوْ عَلِمَ لَآمَنَ وَلَكِنْ مُوسَى هُوَ الَّذِي عَلِمَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلِمَهُ فِرْعَوْنُ وَلَكِنَّهُ عَانَدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النَّمْلُ: 14] وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ وَهِيَ نَصْبُ التَّاءِ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ مُوسَى لَا يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ عَلِيٍّ رَفْعُ التَّاءِ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مَنْ مُرَادٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَذَلِكَ الرَّجُلَ مَجْهُولٌ وَلَمْ يَتَمَسَّكْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ غَيْرَ الْكِسَائِيُّ، {مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ} [الإسراء: 102] هَذِهِ الْآيَاتَ التِّسْعَ، {إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102] جَمْعُ بَصِيرَةٍ أَيْ يُبَصَرُ بِهَا، {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَلْعُونًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَالِكًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُهْلَكًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مَصْرُوفًا مَمْنُوعًا عَنِ الْخَيْرِ يُقَالُ: مَا ثَبَرَكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ مَا مَنَعَكَ وَصَرَفَكَ عَنْهُ. [103] {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ} [الإسراء: 103] أي: أراد فرعون أن يستفزهم مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ يُخْرِجَهُمْ، {مِنَ الْأَرْضِ} [الإسراء: 103] يَعْنِي أَرْضَ مِصْرَ، {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103] وَنَجَّيْنَا مُوسَى وَقَوْمَهُ. [104] {وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ} [الإسراء: 104] أَيْ مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ، {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ} [الإسراء: 104] يَعْنِي أَرْضَ مِصْرَ وَالشَّامِ، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} [الإسراء: 104] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104] أَيْ: جَمِيعًا إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ. وَاللَّفِيفُ: الْجَمْعُ الْكَثِيرُ إِذَا كَانُوا مُخْتَلِطِينَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ، يُقَالُ: لَفَّتِ الْجُيُوشُ إِذَا اخْتَلَطُوا وَجَمْعُ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ يَعْنِي مَجِيءَ عِيسَى مِنَ السَّمَاءِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا أَيِ: النُّزَّاعُ مِنْ كُلِّ قوم من هنا وهنا لفوا جميعا. [قوله تعالى وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا] أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. . . . [105] {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا} [الإسراء: 105] للمطيعين, {وَنَذِيرًا} [الإسراء: 105] للعاصين. [106] {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} [الإسراء: 106] قيل: أَنْزَلْنَاهُ نُجُومًا لَمْ يَنْزِلْ مَرَّةً وَاحِدَةً، بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ) بِالتَّشْدِيدِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: فَصَّلْنَاهُ. وَقِيلَ: بَيَّنَّاهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ فَرَّقْنَا بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: 106] أي: على تؤدة وَتَرَسُّلٍ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] [107] {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا} [الإسراء: 107] هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} [الإسراء: 107] قِيلَ: هُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الدِّينَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ مَبْعَثِهِ، مِثْلُ زَيْدِ بْنِ عمر بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ. {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [الإسراء: 107] يعني القرآن {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} [الإسراء: 107] أَيْ: يَسْقُطُونَ عَلَى الْأَذْقَانِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِهَا الْوُجُوهَ، {سُجَّدًا} [الإسراء: 107]

سورة الكهف

[108] {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 108] أَيْ: كَائِنًا وَاقِعًا. [109] {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: 109] أَيْ: يَقَعُونَ عَلَى الْوُجُوهِ يَبْكُونَ، الْبُكَاءُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، {وَيَزِيدُهُمْ} [الإسراء: 109] نزول القرآن، {خُشُوعًا} [الإسراء: 109] خُضُوعًا لِرَبِّهِمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] [110] {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: يَا أللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَنْهَانَا عَنْ آلِهَتِنَا وَهُوَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (¬1) . وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا اسْمَانِ لِوَاحِدٍ {أَيًّا مَا تَدْعُوا} [الإسراء: 110] (مَا) صِلَةٌ مَعْنَاهُ أَيًّا مَا تَدْعُوا مِنْ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وَمِنْ جَمِيعِ أَسْمَائِهِ، {فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم مختف بمكة إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أَيْ بِقِرَاءَتِكَ فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعَهُمْ {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110] (¬2) أَسْمِعْهُمْ وَلَا تَجْهَرْ حَتَّى يَأْخُذُوا عنك القرآن. وقال قوم: نزلت الآية في الدعاء. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ. [111] {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111] أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بأن يحمد عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَعْنَى الْحَمْدِ لِلَّهِ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: معناه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَرَّفَنِي أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} [الإسراء: 111] قال مجاهد: لم يذل حتى يحتاج إِلَى وَلِيٍّ يَتَعَزَّزُ بِهِ {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] أَيْ: وَعَظِّمْهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ له شريك أو ولي. [سورة الكهف] [قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ] وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا. . . . . (18) سورة الكهف [1] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] أَثْنَى اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ بِإِنْعَامِهِ على خلقه، وخص رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ كَانَ نِعْمَةً عَلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ. {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] [2] {قَيِّمًا} [الكهف: 2] فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (قَيِّمًا) أَيْ مُسْتَقِيمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَدْلًا. وقال الفراء: ¬

(¬1) أخرجه الطبري في التفسير 15 / 182 وانظر أسباب النزول للواحدي ص341 والدر المنثور 5 / 348. (¬2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الإسراء 8 / 404 ومسلم في الصلاة 1 / 329.

قوله تعالى ما لهم به من علم ولا لآبائهم. . .

قَيِّمًا عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا أَيْ: مُصَدِّقًا لَهَا نَاسِخًا لِشَرَائِعِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَيْسَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بَلْ مَعْنَاهُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، ولكن جعله قيما. قوله عز وجل: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] أي: مُخْتَلِفًا، عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النِّسَاءُ: 82] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزُّمُرُ: 28] أَيْ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ. {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} [الكهف: 2] أَيْ لِيُنْذِرَ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ، {مِنْ لَدُنْهُ} [الكهف: 2] أَيْ مِنْ عِنْدِهِ، {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 2] أَيِ الْجَنَّةَ. [3] {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف: 3] أَيْ: مُقِيمِينَ فِيهِ. [4] {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف: 4] [قوله تَعَالَى مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ. . .] . . [5] {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ} [الكهف: 5] أَيْ قَالُوهُ عَنْ جَهْلٍ لَا عن علم، {كَبُرَتْ} [الكهف: 5] أي عظمت، {كَلِمَةً} [الكهف: 5] نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، يُقَالُ: تَقْدِيرُهُ كَبُرَتِ الْكَلِمَةُ كَلِمَةً. وَقِيلَ: مِنْ كَلِمَةٍ، فَحُذِفَ (مِنْ) فَانْتَصَبَ، {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5] أَيْ: تَظْهَرُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، {إِنْ يَقُولُونَ} [الكهف: 5] ما يقولون، {إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] [6] {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} [الكهف: 6] مِنْ بَعْدِهِمْ, {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ} [الكهف: 6] أي: القرآن، {أَسَفًا} [الكهف: 6] أَيْ حُزْنًا وَقِيلَ: غَضَبًا. [7] {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف: 7] فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ زِينَةٍ فِي الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالشَّيَاطِينِ؟ قِيلَ: فِيهَا زِينَةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِهِ الرِّجَالَ خَاصَّةً هم زِينَةُ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْعُلَمَاءَ وَالصُّلَحَاءَ. وَقِيلَ: الزِّينَةُ بِالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، كَمَا قَالَ. {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24] {لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف: 7] لنختبرهم، {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] أَيْ أَصْلَحُ عَمَلًا. وَقِيلَ. أَيَّهُمُّ أَتْرَكُ لِلدُّنْيَا. [8] {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8] فَالصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ, وَقِيلَ هُوَ التراب, جرزا يا بسا أَمْلَسَ لَا يُنْبِتُ شَيْئًا. يُقَالُ: جزرت الْأَرْضُ إِذَا أُكِلَ نَبَاتُهَا. [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف: 9] يَعْنِي أَظَنَنْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا أَيْ هُمْ عَجَبٌ مِنْ آيَاتِنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَعْجَبَ مِنْ آيَاتِنَا فَإِنَّ مَا خَلَقْتُ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ مِنَ الْعَجَائِبِ أَعْجَبُ منهم, والكهف: هُوَ الْغَارُ فِي الْجَبَلِ, وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّقِيمِ, قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ لَوْحٌ كُتِبَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَقَصَصُهُمْ وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقَاوِيلِ، ثُمَّ وَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ وَكَانَ اللَّوْحُ مِنْ رصاص, وقيل, من حجار, فَعَلَى هَذَا يَكُونُ

قوله تعالى وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله

الرَّقِيمُ بِمَعْنَى الْمَرْقُومِ، أَيِ: الْمَكْتُوبِ، وَالرَّقْمُ: الْكِتَابَةُ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عباس أنه قال: هو اسْمٌ لِلْوَادِي الَّذِي فِيهِ أَصْحَابُ الْكَهْفِ، وَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ رَقْمَةِ الْوَادِي وَهُوَ جَانِبُهُ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هُوَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَصْحَابُ الْكَهْفِ، وَقِيلَ: اسْمٌ لِلْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الكهف، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. [10] فَقَالَ: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف: 10] أي صاروا إليه، يُقَالُ: أَوَى فَلَانٌ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا أَيِ: اتَّخَذَهُ مَنْزِلًا {إِلَى الْكَهْفِ} [الْكَهْفِ: 10] وَهُوَ غَارٌ فِي جَبَلِ مخلوس وَاسْمُ الْكَهْفِ: خَيْرَمُ. {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [الكهف: 10] وَمَعْنَى الرَّحْمَةِ الْهِدَايَةُ فِي الدِّينِ. وقيل: الرزق، {وَهَيِّئْ لَنَا} [الكهف: 10] يَسِّرْ لَنَا، {مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] أي: ما نلتمس من خير رِضَاكَ وَمَا فِيهِ رُشْدُنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَشَّدَا أَيْ: مَخْرَجًا مِنَ الْغَارِ فِي سَلَامَةٍ. [11] {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} [الكهف: 11] أَيْ أَنَمْنَاهُمْ وَأَلْقَيْنَا عَلَيْهِمُ النَّوْمَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنَعْنَا نُفُوذَ الْأَصْوَاتِ إِلَى مَسَامِعِهِمْ، فَإِنَّ النَّائِمَ إِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ يَنْتَبِهُ، {فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} [الكهف: 11] أَيْ: أَنَمْنَاهُمْ سِنِينَ مَعْدُودَةً وَذِكْرُ الْعَدَدِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وَقِيلَ: ذِكْرُهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ فَإِنَّ الْقَلِيلَ لَا يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ. [12] {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} [الكهف: 12] يعني من نومهم، {لِنَعْلَمَ} [الكهف: 12] أَيْ: عِلْمَ الْمُشَاهَدَةِ {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} [الكهف: 12] أَيُّ: الطَّائِفَتَيْنِ، {أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف: 12] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ تَنَازَعُوا فِي مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِي الْكَهْفِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ {أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا} [الكهف: 12] حفظ لِمَا مَكَثُوا فِي كَهْفِهِمْ نِيَامًا أَمَدًا أَيْ: غَايَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَدَدًا وَنَصْبُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ. [13] {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} [الكهف: 13] نقرأ عليك {نَبَأَهُمْ} [الكهف: 13] خبر أصحاب الكهف. {بِالْحَقِّ} [الكهف: 13] بالصدق {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} [الكهف: 13] شُبَّانٌ، {آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] إيمانا وبصيرة. [14] {وَرَبَطْنَا} [الكهف: 14] شددنا، {عَلَى قُلُوبِهِمْ} [الكهف: 14] بِالصَّبْرِ وَالتَّثْبِيتِ وَقَوَّيْنَاهُمْ بِنُورِ الْإِيمَانِ حَتَّى صَبَرُوا عَلَى هِجْرَانِ دَارِ قَوْمِهِمْ وَمُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ من خفض الْعَيْشِ وَفَرُّوا بِدِينِهِمْ إِلَى الْكَهْفِ، {إِذْ قَامُوا} [الكهف: 14] بَيْنَ يَدَيْ دِقْيَانُوسَ حِينَ عَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ عِبَادَةِ الصَّنَمِ، {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} [الكهف: 14] قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْمَهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف: 14] يَعْنِي إِنْ دَعَوْنَا غَيْرَ اللَّهِ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَوْرًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَذِبًا. وَأَصْلُ الشَّطَطِ وَالْإِشْطَاطِ مُجَاوَزَةُ القدر والإفراط. [15] {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا} [الكهف: 15] يَعْنِي أَهْلَ بَلَدِهِمْ، {اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ} [الكهف: 15] أَيْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، {آلِهَةً} [الكهف: 15] يعني الأصنام يعبدونها، {لَوْلَا} [الكهف: 15] أي هلا، {يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ} [الكهف: 15] أَيْ عَلَى عِبَادَتِهِمْ، {بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} [الكهف: 15] بحجة واضحة، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف: 15] وزعم أَنَّ لَهُ شَرِيكًا أَوْ وَلَدًا. [قوله تعالى وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ] . . . . [16] ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} [الكهف: 16] يعني قومكم، {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [الكهف: 16] قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهَ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ فَمَعْنَاهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الله ويعبدون معه الأوثان يقول: إذا اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَجَمِيعَ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا الله فإنكم لم تعتزلوا، {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} [الْكَهْفِ: 16] فَالْجَأُوا إِلَيْهِ، {يَنْشُرْ لَكُمْ} [الكهف: 16] يَبْسُطْ لَكُمْ، {رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ} [الكهف: 16] يُسَهِّلْ لَكُمْ، {مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف: 16] أَيْ: مَا يَعُودُ إِلَيْهِ يُسْرُكُمْ وَرِفْقُكُمْ. قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (مَرْفِقًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ الْإِنْسَانُ. [17] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ} [الكهف: 17] قرأ ابن عامر ويعقوب: بِسُكُونِ الزَّايِ

وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى وَزْنِ تَحْمَرُّ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِفَتْحِ الزَّايِ خَفِيفَةً وَأَلِفٍ بَعْدَهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ: تَمِيلُ وَتَعْدِلُ، {عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} [الكهف: 17] أَيْ: جَانِبِ الْيَمِينِ، {وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ} [الكهف: 17] أَيْ: تَتْرُكُهُمْ وَتَعْدِلُ عَنْهُمْ، {ذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: 17] أَصْلُ الْقَرْضِ الْقَطْعُ، {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} [الكهف: 17] أَيْ: مُتَّسَعٍ مِنَ الْكَهْفِ وَجَمْعُهَا فَجَوَاتٌ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَانَ كَهْفُهُمْ مُسْتَقْبِلَ بَنَاتِ نَعْشٍ، لَا تَقَعُ فِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ الطُّلُوعِ ولا عند الغروب وفيما بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ: اخْتَارَ اللَّهُ لَهُمْ مُضْطَجَعًا فِي مَقْنَاةٍ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَتُؤْذِيهِمْ بِحَرِّهَا وَتُغَيِّرُ أَلْوَانَهُمْ وَهُمْ فِي مُتَّسَعٍ يَنَالُهُمْ بَرْدُ الرِّيحِ وَنَسِيمُهَا وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ كَرْبَ الْغَارِ وَغُمُومَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ وَهُوَ أَنَّ الْكَهْفَ كَانَ مُسْتَقْبِلَ بَنَاتِ نَعْشٍ فَكَانَتِ الشَّمْسُ لَا تَقَعُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَ الشَّمْسَ عَنْهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} [الكهف: 17] مِنْ عَجَائِبِ صُنْعِ اللَّهِ وَدَلَالَاتِ قُدْرَتِهِ الَّتِي يُعْتَبَرُ بِهَا، {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ} [الكهف: 17] أَيْ: مَنْ يُضْلِلْهُ اللَّهُ وَلَمْ يُرْشِدْهُ، {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا} [الكهف: 17] معينا، {مُرْشِدًا} [الكهف: 17] [18] قوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا} [الكهف: 18] أي: منتبهين جمع: يقظ، {وَهُمْ رُقُودٌ} [الكهف: 18] نِيَامٌ جَمْعُ رَاقِدٍ مِثْلِ قَاعِدٍ وَقُعُودٍ وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ حَالُهُمْ لِأَنَّهُمْ كانوا مفتحة أعينهم يَتَنَفَّسُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ، {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: 18] مَرَّةً لِلْجَنْبِ الْأَيْمَنِ وَمَرَّةً لِلْجَنْبِ الْأَيْسَرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا يُقَلَّبُونَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً مِنْ جنب إلى جنب لِئَلَّا تَأْكُلَ الْأَرْضُ لُحُومَهُمْ. وَقِيلَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمَ تَقَلُّبِهِمْ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ تَقَلُّبَانِ، {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18] أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَنْ جِنْسِ الْكِلَابِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَنَّهُ كَانَ أسد أو سمي الْأَسَدُ كَلْبًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كلابك» (¬1) فافترسه أسد، والأول المعروف قوله {بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَاكُ: وَالْوَصِيدُ فِنَاءُ الكهف. وقال عطاء: عَتَبَةُ الْبَابِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْوَصِيدُ الْبَابُ. وَهُوَ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لِلْكَهْفِ بَابٌ وَلَا عَتَبَةٌ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ مَوْضِعُ الْبَابِ وَالْعَتَبَةِ كَانَ الْكَلْبُ قَدْ بَسَطَ ذِرَاعَيْهِ وَجَعَلَ وَجْهَهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ إِذَا انْقَلَبُوا انْقَلَبَ الْكَلْبُ مَعَهُمْ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى الْيَمِينِ كَسَرَ الْكَلْبُ أُذُنَهُ الْيُمْنَى وَرَقَدَ عَلَيْهَا، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى الشَّمَالِ كَسَرَ أُذُنَهُ الْيُسْرَى. وَرَقَدَ عَلَيْهَا. {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} [الكهف: 18] يَا مُحَمَّدُ، {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} [الكهف: 18] لما ألبسهم الله من ¬

(¬1) صححه الحاكم في المستدرك 2 / 539 ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري 4 / 39.

قوله تعالى وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن

الْهَيْبَةِ حَتَّى لَا يَصِلَ إِلَيْهِمْ أَحَدٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ فَيُوقِظُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَقْدَتِهِمْ، {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18] خَوْفًا قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْآخَرُونَ بِتَخْفِيفِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرُّعْبَ كَانَ لِمَاذَا؟ قِيلَ: مِنْ وَحْشَةِ الْمَكَانِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِأَنَّ أَعْيُنَهُمْ كَانَتْ مُفَتَّحَةً كَالْمُسْتَيْقِظِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَهُمْ نِيَامٌ وَقِيلَ لِكَثْرَةِ شُعُورِهِمْ وَطُولِ أَظْفَارِهِمْ وَلِتَقَلُّبِهِمْ مِنْ غَيْرِ حِسٍّ ولا شعور. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَهُمْ بالرعب لئلا يراهم أحد. [19] قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} [الكهف: 19] أَيْ كَمَا أَنَمْنَاهُمْ فِي الْكَهْفِ وَحَفِظْنَا أَجْسَادَهُمْ مِنَ الْبِلَى عَلَى طُولِ الزَّمَانِ فَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ مِنَ النَّوْمَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْمَوْتَ، {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف: 19] لِيَسْأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاللَّامُ فِيهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبْعَثُوا للسؤال، {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} [الكهف: 19] وَهُوَ رَئِيسُهُمْ مَكْسِلْمِينَا، {كَمْ لَبِثْتُمْ} [الكهف: 19] فِي نَوْمِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا طُولَ نَوْمِهِمْ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَاعَهُمْ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالُوا ذلك، {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا} [الكهف: 19] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ دَخَلُوا الْكَهْفَ غُدْوَةً فَقَالُوا فَانْتَبَهُوا حِينَ انْتَبَهُوا عَشِيَّةً فَقَالُوا: لَبِثْنَا يَوْمًا ثُمَّ نَظَرُوا وَقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةٌ، فقالوا: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19] فلما نظروا إلى شُعُورِهِمْ وَأَظْفَارِهِمْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَبِثُوا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ، {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [الكهف: 19] وَقِيلَ: إِنَّ رَئِيسَهُمْ مَكْسِلْمِينَا لَمَّا سَمِعَ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ قَالَ. دَعُوا الِاخْتِلَافَ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ، {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} [الكهف: 19] يعني تمليخا، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ بِوَرْقِكُمْ سَاكِنَةَ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بكسرهما وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهِيَ الْفِضَّةُ مَضْرُوبَةٌ كَانَتْ أَوْ غَيْرُ مَضْرُوبَةٍ. {إِلَى الْمَدِينَةِ} [الكهف: 19] قِيلَ: هِيَ طَرْسُوسُ وَكَانَ اسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَسُوسُ فَسَمَّوْهَا فِي الْإِسْلَامِ طَرْسُوسَ، {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف: 19] أَيْ: أَحَلَّ طَعَامًا حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ غَصْبٍ أَوْ سَبَبٍ حَرَامٍ، وَقِيلَ: أَمَرُوهُ أَنْ يَطْلُبَ ذَبِيحَةَ مُؤْمِنٍ وَلَا يَكُونَ مِنْ ذَبِيحَةِ مَنْ يَذْبَحُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ يُخْفُونَ إِيمَانَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: أَطْيَبُ طَعَامًا. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: أَجْوَدُ طَعَامًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَكْثَرُ، وَأَصْلُ الزَّكَاةِ الزِّيَادَةُ. وَقِيلَ: أَرْخَصُ طَعَامًا. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19] أَيْ قُوتٍ وَطَعَامٍ تَأْكُلُونَهُ، {وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] وَلِيَتَرَفَّقْ فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْمَدِينَةِ وَلْيَكُنْ فِي سَتْرٍ وَكِتْمَانٍ، {وَلَا يُشْعِرَنَّ} [الكهف: 19] ولا يعلمن {بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19] مِنَ النَّاسِ. [20] {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [الكهف: 20] أي: يعلموا بمكانكم، {يَرْجُمُوكُمْ} [الكهف: 20] قال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بِالْقَوْلِ. وَقِيلَ: يَقْتُلُوكُمْ، وَقِيلَ: كَانَ من عادتهم الْقَتْلُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ أَخْبَثُ الْقَتْلِ. وَقِيلَ: يَضْرِبُوكُمْ، {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} [الكهف: 20] أَيْ: إِلَى الْكُفْرِ، {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 20] إن عدتم إليه. [قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ] وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا. . . . [21] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا} [الكهف: 21] أي: أطلعنا، {عَلَيْهِمْ} [الكهف: 21] يُقَالُ: عَثَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ وَأَعْثَرْتُ غَيْرِي أَيْ أَطْلَعْتُهُ، {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الكهف: 21] يعني أصحاب بيدروس الحاكم حين بعثوا الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، {وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} [الكهف: 21] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. يَتَنَازَعُونَ فِي الْبُنْيَانِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ النَّاسُ لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينِنَا، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ ديننا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَنَازَعُوا فِي الْبَعْثِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْبَعْثُ لِلْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ، وَقَالَ قَوْمٌ لِلْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَجْسَادِ، فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَرَاهُمْ أَنَّ الْبَعْثَ لِلْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ. وَقِيلَ: تَنَازَعُوا فِي مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. وَقِيلَ: فِي عَدَدِهِمْ. {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} [الكهف: 21] بَيْدَرُوسُ الْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ، {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] [22] {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} [الكهف: 22]

أي ظنا وحدسا مع غَيْرِ يَقِينٍ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا فِي حَقِّ السَّبْعَةِ، فَقَالَ: {وَيَقُولُونَ} [الكهف: 22] يَعْنِي: الْمُسْلِمِينَ، {سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] اخْتَلَفُوا فِي الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: {وَثَامِنُهُمْ} [الكهف: 22] وقيل. تَرْكُهَا وَذِكْرُهَا سَوَاءٌ. وَقِيلَ: هِيَ وَاوُ الْحُكْمِ وَالتَّحْقِيقِ كَأَنَّهُ حَكَى اخْتِلَافَهُمْ، وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ ثُمَّ حَقَّقَ هَذَا القول بقوله: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] وَالثَّامِنُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ السَّابِعِ. وَقِيلَ: هَذِهِ وَاوُ الثَّمَانِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ فَتَقُولُ: وَاحِدٌ اثْنَانِ ثَلَاثَةٌ أَرْبَعَةٌ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ، لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ عِنْدَهُمْ سَبْعَةً كَمَا هُوَ الْيَوْمَ عِنْدَنَا عَشْرَةٌ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} [التوبة: 112] إِلَى قَوْلِهِ: {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التَّوْبَةِ: 112] وَقَالَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التَّحْرِيمِ: 5] {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} [الكهف: 22] أَيْ: بِعَدَدِهِمْ {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} [الكهف: 22] أَيْ: إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا مِنَ الْقَلِيلِ كَانُوا سَبْعَةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بن إسحاق: كانوا ثمانية {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ} [الكهف: 22] أَيْ: لَا تُجَادِلْ وَلَا تَقُلْ فِي عَدَدِهِمْ وَشَأْنِهِمْ، {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف: 22] إِلَّا بِظَاهِرِ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ، يقول: بحسبك مَا قَصَصْتُ عَلَيْكَ فَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ وَقِفْ عِنْدَهُ، {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ} [الكهف: 22] من أهل الكتاب، {أَحَدًا} [الكهف: 22] أَيْ: لَا تَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرْنَاكَ. [23] {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [الكهف: 23] [24] {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الْكَهْفِ: 24] يَعْنِي: إِذَا عَزَمْتَ عَلَى أَنْ تَفْعَلَ غَدًا شَيْئًا فَلَا تَقُلْ أَفْعَلُ غَدًا حَتَّى تَقُولَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَعَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: أُخْبِرُكُمْ غَدًا وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَبِثَ الْوَحْيُ أَيَّامًا ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: مَعْنَاهُ إِذَا نَسِيتَ الِاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ ذَكَرْتَ فَاسْتَثْنِ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَبَّاسٍ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ وَإِنْ كَانَ إِلَى سَنَةٍ وَجَوَّزَهُ الْحَسَنُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ إِذَا قَرُبَ الزَّمَانُ، فَإِنْ بَعُدَ فَلَا يصح، ولم يجوزه جماعة حتى يكون الكلام مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنَى الْآيَةِ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا غَضِبْتَ. وَقَالَ وَهْبٌ: مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ أَذْكُرُكَ حِينَ أَغْضَبُ. وَقَالَ الضَّحَاكُ والسدي: هذا في الصلاة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَسْيِ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (¬1) . {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف: 24] أَيْ يُثَبِّتُنِي عَلَى طَرِيقٍ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَأَرْشَدُ. وَقِيلَ: أَمَرَ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في المواقيت 2 / 70 ومسلم في المساجد رقم (597) 2 / 241 والمصنف في شرح السنة 2 / 241.

قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم

اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَذْكُرَهُ إِذَا نَسِيَ شَيْئًا وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذِكْرِ مَا نَسِيَهُ. وَيُقَالُ: هُوَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخْبِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَيُؤْتِيهِ مِنَ الْحُجَجِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ مَا هُوَ أَدَلُّ لَهُمْ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَقَدْ فَعَلَ حَيْثُ أَتَاهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ حال الْمُرْسَلِينَ مَا كَانَ أَوْضَحَ لَهُمْ فِي الْحُجَّةِ وَأَقْرَبَ إِلَى الرُّشْدِ مِنْ خَبَرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا شَيْءٌ أُمِرَ أَنْ يَقُولَهُ مَعَ قَوْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا ذَكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النِّسْيَانِ وَإِذَا نَسِيَ الْإِنْسَانُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَتَوْبَتُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: (عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) . [25] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} [الكهف: 25] يَعْنِي أَصْحَابَ الْكَهْفِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَدْرِ لُبْثِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف: 26] وَجْهٌ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَقَالُوا لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف: 26] وَقَالَ الْآخَرُونَ. هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قَدْرِ لُبْثِهِمْ فِي الْكَهْفِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف: 26] فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ نَازَعُوكَ فِيهَا فَأَجِبْهُمْ: وَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، أَيْ: هُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مِنْ لَدُنْ دَخَلُوا الْكَهْفَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعُ سِنِينَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا يَعْنِي بَعْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ} [الكهف: 25] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (ثَلَاثَ مِائَةَ) بِلَا تَنْوِينٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالتَّنْوِينِ، فإن قيل: لم قال ثلاثمائة سِنِينَ وَلَمْ يَقُلْ سَنَةً؟ قِيلَ: نَزَلَ قَوْلُهُ: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ} [الكهف: 25] فَقَالُوا: أَيَّامًا أَوْ شُهُورًا أَوْ سنين؟ فنزلت {سِنِينَ} [الكهف: 25] قَالَ الْفَرَّاءُ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَضَعُ سِنِينَ فِي مَوْضِعِ سَنَةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ سنين ثلاثمائة. {وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25] قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتْ نَصَارَى نَجْرَانَ: أما ثلاثمائة فَقَدْ عَرَفْنَا وَأَمَّا التِّسْعُ فَلَا عِلْمَ لَنَا بِهَا فَنَزَلَتْ. [26] {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} [الكهف: 26] رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَبِثُوا ثلاثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلاثمائة قَمَرِيَّةً وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الشَّمْسِيَّةِ وَالْقَمَرِيَّةِ فِي كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ ثَلَاثَ سنين، فيكون في ثلاثمائة تِسْعُ سِنِينَ فَلِذَلِكَ قَالَ: {وَازْدَادُوا تِسْعًا - لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الكهف: 25 - 26] فالغيب ما يغيب عن إدراكك وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَغِيبُ عَنْ إِدْرَاكِهِ شَيْءٌ. {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} [الكهف: 26] أَيْ مَا أَبْصَرَ اللَّهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَأَسْمَعَهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ، أَيْ لَا يَغِيبُ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ شيء، {مَا لَهُمْ} [الكهف: 26] أَيْ: مَا لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، {مِنْ دُونِهِ} [الكهف: 26] أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، {مِنْ وَلِيٍّ} [الكهف: 26] نَاصِرٍ, {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ: وَلَا تُشْرِكْ بِالتَّاءِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ وَالنَّهْيِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ أَيْ لَا يُشْرِكُ اللَّهُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا. وَقِيلَ: الْحُكْمُ هَنَا عِلْمُ الْغَيْبِ لَا يُشْرِكُ فِي عِلْمِ غَيْبِهِ أحدا. [27] قوله عز وجل: {وَاتْلُ} [الكهف: 27] أي: وَاقْرَأْ يَا مُحَمَّدُ، {مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27] يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ، {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف: 27] قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا مُغَيِّرَ لِلْقُرْآنِ. وَقِيلَ: لَا مُغَيِّرَ لِمَا أَوْعَدَ بِكَلِمَاتِهِ أَهْلَ مَعَاصِيهِ، {وَلَنْ تَجِدَ} [الكهف: 27] أنت، {مِنْ دُونِهِ} [الكهف: 27] إِنْ لَمْ تَتَّبِعِ الْقُرْآنَ، {مُلْتَحَدًا} [الكهف: 27] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: حِرْزًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَدْخَلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَلْجَأً. وَقِيلَ: مَعْدَلًا. وَقِيلَ: مَهْرَبًا. وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَيْلِ. [قوله تعالى وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ] بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . . . [28] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} [الكهف: 28] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ فِيهِمْ سَلْمَانُ

وَعَلَيْهِ شَمْلَةٌ قَدْ عَرِقَ فِيهَا وَبِيَدِهِ خُوصَةٌ يَشُقُّهَا ثُمَّ يَنْسِجُهَا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا يُؤْذِيكَ رِيحُ هَؤُلَاءِ وَنَحْنُ سَادَاتُ مُضَرَ وَأَشْرَافُهَا، فَإِنْ أَسْلَمْنَا أَسْلَمَ النَّاسُ وَمَا يَمْنَعُنَا مِنَ اتِّبَاعِكَ إِلَّا هَؤُلَاءِ فَنَحِّهِمْ عَنْكَ حَتَّى نَتْبَعَكَ أَوِ اجْعَلْ لَنَا مَجْلِسًا وَلَهُمْ مَجْلِسًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} [الكهف: 28] أَيِ: احْبِسْ يَا مُحَمَّدُ نَفْسَكَ، {مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف: 28] طرفي النهار {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] لَا يُرِيدُونَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الصُّفَةِ وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ فُقَرَاءَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا يَرْجِعُونَ إِلَى تِجَارَةٍ وَلَا إِلَى زَرْعٍ وَلَا ضَرْعٍ يُصَلُّونَ صَلَاةً وَيَنْتَظِرُونَ أُخْرَى، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ» . {وَلَا تَعْدُ} [الكهف: 28] أَيْ: لَا تَصْرِفْ وَلَا تَتَجَاوَزْ، {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28] إِلَى غَيْرِهِمْ، {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] أَيْ طَلَبَ مُجَالَسَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْأَشْرَافِ وَصُحْبَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا، {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف: 28] أَيْ جَعَلْنَا قَلْبَهُ غَافِلًا عَنْ ذِكْرِنَا يَعْنِي عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ. وَقِيلَ: أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف: 28] أَيْ مُرَادَهُ فِي طَلَبِ الشَّهَوَاتِ، {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: ضَيَاعًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ضَيَّعَ أَمْرَهُ وَعَطَّلَ أَيَّامَهُ. وقيل: ندما. وقال مقاتل ابن حَيَّانَ: سَرَفًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَتْرُوكًا. وَقِيلَ: بَاطِلًا. وَقِيلَ: مُخَالِفًا لِلْحَقِّ. وقال الأخفش: مجاوز لِلْحَدِّ. قِيلَ: مَعْنَى التَّجَاوُزِ فِي الْحَدِّ، هُوَ قَوْلُ عُيَيْنَةَ: إِنْ أَسْلَمْنَا أَسْلَمَ النَّاسُ وَهَذَا إِفْرَاطٌ عَظِيمٌ. [29] {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف: 29] أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، مَعْنَاهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبَهُمْ عَنْ ذكرنا: أيها الناس الحق من ربكم وَإِلَيْهِ التَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَالُ، لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ كَقَوْلِهِ: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فُصِّلَتْ: 40] وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَسْتُ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ لِهَوَاكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا فَإِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمْ رَبُّكُمْ نَارًا أَحَاطَ بِكُمْ سُرَادِقُهَا، وَإِنْ آمَنْتُمْ فَلَكُمْ مَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ آمَنَ وَمَنْ شَاءَ لَهُ الْكُفْرَ، كَفَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] {إِنَّا أَعْتَدْنَا} [الكهف: 29] أعددنا وهيأنا من العتاد وهو العدة، {لِلظَّالِمِينَ} [الكهف: 29] لِلْكَافِرِينَ، {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] السرادق الحجزة التي تطيف بالفساطيط، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ كَثْفُ كُلِّ جِدَارٍ مِثْلُ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» (¬1) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ حَائِطٌ مِنْ نَارٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ فَيُحِيطُ بِالْكُفَّارِ كَالْحَظِيرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ دُخَانٌ يُحِيطُ بِالْكُفَّارِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30] {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا} [الكهف: 29] مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} [الكهف: 29] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} [الكهف: 29] قَالَ كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ» (¬2) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَاءٌ غَلِيظٌ مِثْلُ دُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْقَيْحُ وَالدَّمُ، وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْمُهْلِ؟ فَدَعَا بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَأَوْقَدَ عَلَيْهِمَا النَّارَ حَتَّى ذَابَا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْمُهْلِ، {يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف: 29] ينضج الوجوه من ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في صفة جهنم 7 / 306 وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين وفي رشدين بن سعد مقال، وأخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 29 والحاكم 4 / 601 والطبري 15 / 239 والمصنف في شرح السنة 15 / 245. (¬2) أخرجه الترمذي في الموضع السابق 7 / 305 وأحمد في المسند 3 / 70 والحاكم 4 / 604 والمصنف في شرح السنة 15 / 245 بنفس الإسناد، وهو ضعيف.

حره، {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ} [الكهف: 29] النار، {مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْزِلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُجْتَمَعًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَقَرًّا. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: مَجْلِسًا. وَأَصْلُ الْمُرْتَفَقِ المتكأ. [30] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ جَوَابُ قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف: 30] ؟ قِيلَ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي} [الكهف: 31] وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ} [الكهف: 30] فَكَلَامٌ مُعْتَرِضٌ. وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَإِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَهُمْ بَلْ نُجَازِيهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجَزَاءَ. [31] فَقَالَ: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} [الكهف: 31] أَيْ: إِقَامَةٌ، يُقَالُ: عَدَنَ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ، سُمِّيَتْ عَدْنًا لِخُلُودِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا، {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الكهف: 31] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحَلَّى كل واحد منهم ثلاثة أَسَاوِرَ: وَاحِدٌ مِنْ ذَهَبٍ, وَوَاحِدٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَوَاحِدٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَيَوَاقِيتَ، {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ} [الكهف: 31] وهو مارق من الديباج، {وَإِسْتَبْرَقٍ} [الكهف: 31] وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْهُ، وَمَعْنَى الْغِلَظِ فِي ثِيَابِ الْجَنَّةِ إِحْكَامُهُ. وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: السُّنْدُسُ هُوَ الدِّيبَاجُ الْمَنْسُوجُ بِالذَّهَبِ، {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} [الكهف: 31] في الجنان، {عَلَى الْأَرَائِكِ} [الكهف: 31] وَهِيَ السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ وَاحِدَتُهَا أريكة، {نِعْمَ الثَّوَابُ} [الكهف: 31] أي نعم الجزاء، {وَحَسُنَتْ} [الكهف: 31] الجنان {مُرْتَفَقًا} [الكهف: 31] أَيْ: مَجْلِسًا وَمَقَرًّا. [32] {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} [الكهف: 32] اذْكُرْ لَهُمْ خَبَرَ رَجُلَيْنِ، {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} [الكهف: 32] بُسْتَانَيْنِ، {مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} [الكهف: 32] أَيْ: أَطَفْنَاهُمَا مِنْ جَوَانِبِهِمَا بِنَخْلٍ, وَالْحِفَافُ الْجَانِبُ، وَجَمْعُهُ أَحِفَّةٌ، يُقَالُ: حَفَّ بِهِ الْقَوْمُ أَيْ طَافُوا بجوانبه، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32] أَيْ جَعَلْنَا حَوْلَ الْأَعْنَابِ النَّخِيلَ وَوَسَطَ الْأَعْنَابِ الزَّرْعَ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ الْجَنَّتَيْنِ زَرْعًا يَعْنِي لم يكن بين الجنتين موضوع خراب. [33] {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ} [الكهف: 33] أَيْ أَعْطَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الجنتين، {أُكُلَهَا} [الكهف: 33] ثمرها تاما، {وَلَمْ تَظْلِمْ} [الكهف: 33] لَمْ تُنْقِصْ، {مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا} [الكهف: 33] قَرَأَ الْعَامَّةُ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بتخفيف الجيم، {خِلَالَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 33] يَعْنِي شَقَقْنَا وَأَخْرَجْنَا وَسَطَهُمَا نَهْرًا. [34] {وَكَانَ لَهُ} [الكهف: 34] لصاحب البستان، {ثَمَرٌ} [الكهف: 34] قَرَأَ عَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ ثَمَرٌ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، وَكَذَلِكَ بِثَمَرِهِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثَّاءِ سَاكِنَةَ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهِمَا، فَمَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ هُوَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ وَهُوَ مَا تُخْرِجُهُ الشَّجَرَةُ مِنَ الثِّمَارِ الْمَأْكُولَةِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالضَّمِّ فَهِيَ الْأَمْوَالُ الْكَثِيرَةُ الْمُثْمِرَةُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، جَمْعُ ثِمَارٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. وَقِيلَ: جَمِيعُ الثَّمَرَاتِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ تُجْمَعُ عَلَى ثَمَرٍ، وَيُجْمَعُ الثَّمَرُ

قوله تعالى ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما

عَلَى ثِمَارٍ، ثُمَّ تُجْمَعُ الثِّمَارُ على ثمر. {فَقَالَ} [الكهف: 34] يعني صاحب البستان، {لِصَاحِبِهِ} [الكهف: 34] المؤمن، {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: 34] يُخَاطِبُهُ وَيُجَاوِبُهُ، {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34] أَيْ: عَشِيرَةً وَرَهْطًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: خَدَمًا وَحَشَمًا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَلَدًا، تصديقه قوله تعالى: {إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا} [الكهف: 39] [قوله تعالى وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا] أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. . . . . [35] {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} [الكهف: 35] يَعْنِي الْكَافِرُ، أَخَذَ بِيَدِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَطُوفُ بِهِ فِيهَا وَيُرِيهِ أثمارها، {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [الكهف: 35] بِكَفْرِهِ، {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} [الكهف: 35] تهلك، {هَذِهِ أَبَدًا} [الكهف: 35] قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: رَاقَهُ حُسْنُهَا وَغَرَّتْهُ زَهْرَتُهَا فَتَوَهَّمَ أَنَّهَا لَا تَفْنَى أَبَدًا وَأَنْكَرَ الْبَعْثَ. [36] فَقَالَ: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف: 36] كَائِنَةً, {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ هَكَذَا عَلَى التَّثْنِيَةِ، يَعْنِي مِنَ الْجَنَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ مِنْهَا أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ التي دخلها، {مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36] أَيْ: مَرْجِعًا إِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} [الكهف: 36] وَهُوَ مُنْكِرُ الْبَعْثِ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي عَلَى مَا تَزْعُمُ أَنْتَ يُعْطِينِي هُنَالِكَ خَيْرًا مِنْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطِنِي هَذِهِ الْجَنَّةَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِيُعْطِيَنِي فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلَ مِنْهَا. [37] {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} [الكهف: 37] الْمُسْلِمُ، {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} [الكهف: 37] أَيْ خَلَقَ أَصْلَكَ مِنْ تُرَابٍ، {ثُمَّ} [الكهف: 37] خَلَقَكَ، {مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37] أَيْ: عَدَلَكَ بَشَرًا سَوِيًّا ذَكَرًا. [38] {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} [الكهف: 38] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ لَكِنَّا بِالْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِلَا أَلِفٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الْوَقْفِ، وَأَصْلُهُ " لَكِنَّ أَنَا " فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا ثُمَّ أُدْغِمَتْ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى، قَالَ الْكِسَائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَجَازُهُ: لَكِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي {وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38] [39] {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} [الكهف: 39] أَيْ هَلَّا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، {قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 39] أَيِ: الْأَمْرُ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ مُضْمَرٌ أَيْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَقَوْلُهُ: {لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39] أَيْ لَا أَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ مَالِي أَوْ دَفْعِ شَيْءٍ عَنْهُ إلا بالله، وَرُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَوْ دَخْلَ حَائِطًا مَنْ حِيطَانِهِ. قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: {إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا} [الكهف: 39] (أَنَا) عِمَادٌ (¬1) وَلِذَلِكَ نُصِبَ أَقَلَّ مَعْنَاهُ: إِنْ تَرَنِي أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَتَكَبَّرْتَ وَتَعَظَّمْتَ عَلَيَّ. [40] {فَعَسَى رَبِّي} [الكهف: 40] فلعل ربي، {أَنْ يُؤْتِيَنِي} [الكهف: 40] يُعْطِيَنِي فِي الْآخِرَةِ، {خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} [الكهف: 40] أي على جنتك، {حُسْبَانًا} [الكهف: 40] قال قتادة: ¬

(¬1) وهكذا في طبعة 1343 هـ وكذا في طبعة النمر وهو صحيح.

قوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات

عَذَابًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَارًا. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: مرامي. {مِنَ السَّمَاءِ} [الكهف: 40] وَهِيَ مِثْلُ صَاعِقَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُهْلِكُهَا، وَاحِدَتُهَا حُسْبَانَةٌ، {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40] أَيْ أَرْضًا جَرْدَاءَ مَلْسَاءَ لَا نَبَاتَ فِيهَا. وَقِيلَ: تَزْلَقُ فِيهَا الْأَقْدَامُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رَمْلًا هَائِلًا. [41] {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا} [الكهف: 41] أَيْ: غَائِرًا مُنْقَطِعًا ذَاهِبًا لَا تناله الأيدي، ولا الدلاء، والغور مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، مِثْلُ زَوْرٍ وَعَدْلٍ، {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [الكهف: 41] يَعْنِي: إِنْ طَلَبْتَهُ لَمْ تَجِدْهُ. [42] {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] أَيْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِثَمَرِ جَنَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ عَلَيْهَا نَارًا فَأَهْلَكَتْهَا وَغَارَ مَاؤُهَا، {فَأَصْبَحَ} [الكهف: 42] صاحبها الكافر {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} [الكهف: 42] أَيْ يُصَفِّقُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى وَيُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ تَأَسُّفًا وَتَلَهُّفًا، {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ} [الكهف: 42] أي ساقطة، {عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف: 42] سُقُوفِهَا، {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42] [43] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ} [الكهف: 43] جَمَاعَةٌ، {يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الكهف: 43] يَمْنَعُونَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ {وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} [الكهف: 43] ممتنعا منتقما لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِصَارِ لِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ مَا ذَهَبَ عَنْهُ. [44] {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف: 44] يَعْنِي فِي الْقِيَامَةِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (الوِلاية) بِكَسْرِ الْوَاوِ، يَعْنِي السُّلْطَانَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْوَاوِ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَالنَّصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [الْبَقَرَةِ: 257] قال القتيبي: يريد أنهم يتلونه يَوْمَئِذٍ وَيَتَبَرَّءُونَ مِمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ. وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ الرُّبُوبِيَّةُ وَبِالْكَسْرِ الْإِمَارَةُ، {الْحَقُّ} [الكهف: 44] بِرَفْعِ الْقَافِ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ عَلَى نَعْتِ الْوِلَايَةِ، وَتَصْدِيقُهُ قِرَاءَةُ أبي: (هنالك الولاية الحق لله) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَرِّ عَلَى صِفَةِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الْأَنْعَامِ: 62] {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا} [الكهف: 44] أَفْضَلُ جَزَاءً لِأَهْلِ طَاعَتِهِ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ يُثِيبُ، {وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف: 44] أَيْ عَاقِبَةُ طَاعَتِهِ خَيْرٌ مِنْ عَاقِبَةِ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ خَيْرٌ إثابة، وعاقبة: طَاعَةٌ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ (عُقْبًا) سَاكِنَةَ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا. [45] قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ} [الكهف: 45] يَا مُحَمَّدُ أَيْ لِقَوْمِكَ: {مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} [الكهف: 45] يَعْنِي الْمَطَرَ، {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} [يونس: 24] خَرَجَ مِنْهُ كُلُّ لَوْنٍ وَزَهْرَةٍ، {فَأَصْبَحَ} [الكهف: 45] عن قريب {هَشِيمًا} [الكهف: 45] يا بسا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ الضَّحَاكُ: كَسِيرًا. وَالْهَشِيمُ: مَا يَبِسَ وَتَفَتَّتَ مِنَ النَّبَاتَاتِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا، {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45] قال ابن عباس: تفرقه الرياح. وقال أبو عبيدة مثله. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: تَنْسِفُهُ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45] قادرا. [قوله تعالى الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ] الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا. . . . [46] {الْمَالُ وَالْبَنُونَ} [الكهف: 46] الَّتِي يَفْتَخِرُ بِهَا عُتْبَةُ وَأَصْحَابُهُ الأغنياء، {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46] لَيْسَتْ مِنْ زَادِ الْآخِرَةِ، قَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمَالُ وَالْبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيَا وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ حَرْثُ الْآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهَا اللَّهُ لِأَقْوَامٍ. {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} [الكهف: 46] اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ قَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ والله أكبر» (¬1) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَسْرُوقٌ وإبراهيم: الباقيات الصَّالِحَاتُ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ. وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} [الكهف: 46] أَيْ جَزَاءً، الْمُرَادُ {وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46] أَيْ مَا يُأَمِّلُهُ الْإِنْسَانُ. [47] {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47] قرأ ابن كثير وأبو ¬

(¬1) أخرجه البخاري تعليقا في الأيمان والنذور 11 / 566 ومسلم من حديث سمرة بن جندب 3 / 1675 والنسائي وابن حبان. انظر فتح الباري 11 / 567.

عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ (تُسَيَّرُ " بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ " الْجِبَالُ " رَفْعٌ ") دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التَّكْوِيرِ: 3] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَكَسْرِ الياء، الجبال نصب، وسير الْجِبَالِ نَقْلُهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مكان، {وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف: 47] أَيْ ظَاهِرَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا شَجَرٌ وَلَا جَبَلٌ وَلَا نَبَاتٌ، كَمَا قَالَ: {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا - لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طَهَ: 106 - 107] قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ بُرُوزُ مَا فِي بَاطِنِهَا مِنَ الْمَوْتَى وَغَيْرِهِمْ، فَتَرَى بَاطِنَ الْأَرْضِ ظَاهِرًا، {وَحَشَرْنَاهُمْ} [الكهف: 47] جَمِيعًا إِلَى الْمَوْقِفِ وَالْحِسَابِ، {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ} [الكهف: 47] أي نترك منهم، {أَحَدًا} [الكهف: 47] [48] {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} [الكهف: 48] أَيْ صَفًّا صَفًّا فَوْجًا فَوْجًا، لَا أَنَّهُمْ صَفٌّ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: قِيَامًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ يَعْنِي الْكُفَّارَ: {لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الكهف: 48] يَعْنِي أَحْيَاءً، وَقِيلَ: فُرَادَى كَمَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ. وَقِيلَ: غُرْلًا. {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 48] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُهُ لِمُنْكِرِي الْبَعْثِ. [49] قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} [الكهف: 49] يعني كتاب أعمال العباد يوضع فِي أَيْدِي النَّاسِ فِي أَيْمَانِهِمْ وشمائلهم وقيل: معناه يوضع بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى. {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ} [الكهف: 49] خائفين، {مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49] من الأعمال السيئة، {وَيَقُولُونَ} [الكهف: 49] إذا رأوها، {يا وَيْلَتَنَا} [الكهف: 49] يا هلاكنا، والويل والويلة الهلكة، وكان مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ دَعَا بِالْوَيْلِ، وَمَعْنَى النِّدَاءِ تَنْبِيهُ الْمُخَاطَبِينَ، {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} [الكهف: 49] مِنْ ذُنُوبِنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الْقَهْقَهَةُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصغيرة: اللمم واللمس والقبلة، والكبيرة: الزنا. {إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] عددها، قال السدي: كتبها أثبتها. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: حَفِظَهَا {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الْكَهْفِ: 49] مَكْتُوبًا مُثْبَتًا فِي كِتَابِهِمْ، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] أَيْ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا. وَقَالَ الضَّحَاكُ: لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِجُرْمٍ لَمْ يَعْمَلْهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ, فَأَمَّا الْعَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ, وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي, فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ. وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عن أبي موسى. [50] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الكهف: 50] يَقُولُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مِنْ حَيٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ, فَهُوَ أَصْلُ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أصل الإنس, {فَفَسَقَ} [الكهف: 50] أَيْ خَرَجَ, {عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] عن طاعة ربه, {أَفَتَتَّخِذُونَهُ} [الكهف: 50] يَعْنِي يَا بَنِي آدَمَ {وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الكهف: 50] أي أعداء عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ»

قوله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من

«عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سراياه يفتنون الناس، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ. فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ» . قَالَ الْأَعْمَشُ: أَرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ (¬1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] قَالَ قَتَادَةُ: بِئْسَ مَا اسْتَبْدَلُوا طَاعَةَ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ. [51] {مَا أَشْهَدْتُهُمْ} [الكهف: 51] مَا أَحْضَرْتُهُمْ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (مَا أَشْهَدْنَاهُمْ) بِالنُّونِ وَالْأَلْفِ عَلَى التَّعْظِيمِ، أَيْ أَحْضَرْنَاهُمْ يَعْنِي إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ. وَقِيلَ: الْكُفَّارُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، {خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51] يَقُولُ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقًا فَأَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى خَلْقِهَا وَأُشَاوِرُهُمْ فِيهَا، {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف: 51] أَيِ الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ عضدا أي: أنصارا وأعوانا. [52] قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ} [الكهف: 52] قَرَأَ حَمْزَةُ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ أَيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة، {نَادُوا شُرَكَائِيَ} [الكهف: 52] يعني الأوثان {الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} [الكهف: 52] أنهم شركائي، {فَدَعَوْهُمْ} [الكهف: 52] فَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ، {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} [الكهف: 52] أَيْ لَمْ يُجِيبُوهُمْ وَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} [الكهف: 52] يَعْنِي بَيْنَ الْأَوْثَانِ وَعَبَدَتِهَا وَقِيلَ: بين أهل الهدى وأهل الضلال، {مَوْبِقًا} [الكهف: 52] مَهْلِكًا قَالَهُ عَطَاءٌ وَالضَّحَاكُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ وَادٍ فِي النَّارِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ نَهْرٌ فِي النَّارِ يَسِيلُ نَارًا عَلَى حَافَّتِهِ حَيَّاتٌ مِثْلُ الْبِغَالِ الدُّهْمِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَكُلُّ حَاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ مَوْبِقٌ، وَأَصْلُهُ الْهَلَاكُ يُقَالُ: أَوْبَقَهُ أَيْ أَهْلَكَهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَجَعَلْنَا تَوَاصُلَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُهْلِكًا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَالْبَيْنُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ التَّوَاصُلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ. [53] {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} [الكهف: 53] أي المشركون، {فَظَنُّوا} [الكهف: 53] أيقنوا، {أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] دَاخِلُوهَا وَوَاقِعُونَ فِيهَا، {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53] مَعْدِلًا لِأَنَّهَا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ كل جانب. [قوله تعالى وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ] كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. . . . [54] قَوْلُهُ تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} [الكهف: 54] بَيَّنَّا، {فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الكهف: 54] أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا وَيَتَّعِظُوا، {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54] خُصُومَةً فِي الْبَاطِلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَجِدَالَهُ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَرَادَ بِهِ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الْجُمَحِيَّ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْكُفَّارُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ} [الْكَهْفِ: 56] وَقِيلَ: هِيَ على العموم، وهذا أصح. [55] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى} [الكهف: 55] الْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ وَالْبَيَانُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} [الكهف: 55] يَعْنِي سُنَّتَنَا فِي إِهْلَاكِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وَقِيلَ: إِلَّا طَلَبَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ مِنْ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، كَمَا قَالُوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الْأَنْفَالِ: 32] {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف: 55] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ: عَيَانًا مِنَ الْمُقَابَلَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَجْأَةً، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ {قُبُلًا} [الكهف: 55] بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ، جَمْعُ قَبِيلٍ أَيْ: أَصْنَافُ الْعَذَابِ نَوْعًا نَوْعًا. [56] {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ} [الكهف: 56] وَمُجَادَلَتُهُمْ قَوْلُهُمْ: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94] وقوله: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزُّخْرُفِ: 31] وما أشبهه. {لِيُدْحِضُوا} [الكهف: 56] ليبطلوا، {بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56] وَأَصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ يُرِيدُ لِيُزِيلُوا بِهِ الْحَقَّ، {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] فِيهِ إِضْمَارٌ يَعْنِي وَمَا أُنْذِرُوا ¬

(¬1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين برقم (2813) (4 / 216) والمصنف في شرح السنة (14 / 410) .

قوله تعالى فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد

بِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ, هُزُوًا أَيِ استهزأ. [57] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ} [الكهف: 57] وُعِظَ، {بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الكهف: 57] تَوَلَّى عَنْهَا وَتَرَكَهَا وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهَا، {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف: 57] أَيْ مَا عَمِلَ مِنَ الْمَعَاصِي مِنْ قَبْلُ، {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الكهف: 57] أغطية، {أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الكهف: 57] أَيْ يَفْهَمُوهُ يُرِيدُ لِئَلَّا يَفْهَمُوهُ، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: 57] أَيْ صَمَمًا وَثِقَلًا، {وَإِنْ تَدْعُهُمْ} [الكهف: 57] يا محمد {إِلَى الْهُدَى} [الكهف: 57] إِلَى الدِّينِ، {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57] وَهَذَا فِي أَقْوَامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. [58] {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58] ذو النعمة {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ} [الكهف: 58] يعاقب الكفار، {بِمَا كَسَبُوا} [الكهف: 58] مِنَ الذُّنُوبِ {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} [الكهف: 58] فِي الدُّنْيَا، {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} [الكهف: 58] يَعْنِي الْبَعْثَ وَالْحِسَابَ، {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58] ملجأ. [59] {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ} [الكهف: 59] يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمَ لُوطٍ وَغَيْرَهُمْ، {لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59] كفروا، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59] أَيْ أَجَلًا، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ (لِمَهْلَكِهِمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ، وَقَرَأَ حَفْصٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وكذلك في النمل {مَهْلِكَ} [النمل: 49] أَيْ لِوَقْتِ هَلَاكِهِمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: لإهلاكهم. [60] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [الكهف: 60] عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: إِنَّهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا مِنْ أولاد يوسف. والأول أصح {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60] يُوشَعَ بْنِ نُونَ، {لَا أَبْرَحُ} [الكهف: 60] أَيْ لَا أَزَالُ أَسِيرُ {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف: 60] أي وَإِنْ كَانَ حُقُبًا أَيْ دَهْرًا طَوِيلًا وَزَمَانًا، وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ، وَالْحِقَبُ: جَمْعُ الْحِقْبِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَالْحِقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً، فَحَمَلَا خُبْزًا وَسَمَكَةً مَالِحَةً حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي عِنْدَ مجمع البحرين ليلا. [61] فذلك قوله: {فَلَمَّا بَلَغَا} [الكهف: 61] يَعْنِي مُوسَى وَفَتَاهُ، {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} [الكهف: 61] أي: بين الفريقين، {نَسِيَا} [الكهف: 61] تركا، {حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] وَإِنَّمَا كَانَ الْحُوتُ مَعَ يُوشَعَ، وَهُوَ الَّذِي نَسِيَهُ وَأَضَافَ النِّسْيَانَ إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا تَزَوَّدَاهُ لِسَفَرِهِمَا، كَمَا يُقَالُ: خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَحَمَلُوا مِنَ الزَّادِ كَذَا وَإِنَّمَا حَمَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، {فَاتَّخَذَ} [الكهف: 61] أَيِ الْحُوتُ، {سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 61] أي مسلكا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ الْحُوتُ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ الْبَحْرِ إِلَّا يَبِسَ حَتَّى صَارَ صَخْرَةً. [قوله تعالى فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ] لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا. . . . [62] قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَا} [الكهف: 62] يَعْنِي ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَهُوَ مَجْمَعُ البحرين، {قَالَ} [الكهف: 62] موسى {لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا} [الكهف: 62] أَيْ طَعَامَنَا، وَالْغَدَاءُ مَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ غُدْوَةً، وَالْعَشَاءُ مَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ عَشِيَّةً، {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62] أَيْ تَعَبًا وَشِدَّةً وَذَلِكَ أَنَّهُ

أُلْقِيَ عَلَى مُوسَى الْجُوعُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الصَّخْرَةِ، لِيَتَذَكَّرَ الْحُوتَ وَيَرْجِعَ إلى مطلبه. [63] {قَالَ} [الكهف: 63] له فتاه يذكر {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} [الكهف: 63] وَهِيَ صَخْرَةٌ كَانَتْ بِالْمَوْضِعِ الْمَوْعُودِ {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} [الكهف: 63] أَيْ تَرَكْتُهُ وَفَقَدْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ يُوشَعَ حِينَ رَأَى ذَلِكَ مِنَ الْحُوتِ قَامَ لِيُدْرِكَ مُوسَى فَيُخْبِرَهُ، فَنَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ فَمَكَثَا يَوْمَهُمَا حَتَّى صَلَّيَا الظُّهْرَ مِنَ الْغَدِ. قِيلَ: فِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: نَسِيتُ أَنْ أَذْكُرَ لَكَ أَمْرَ الْحُوتِ، ثُمَّ قَالَ: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] أَيْ وَمَا أَنْسَانِي أَنْ أَذْكُرَ لَكَ أَمْرَ الْحُوتِ إِلَّا الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْسَانِيهُ لِئَلَّا أَذْكُرَهُ، {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف: 63] قِيلَ: هَذَا مِنْ قَوْلِ يُوشَعَ، وَيَقُولُ طَفَرَ الْحُوتُ إِلَى الْبَحْرِ فَاتَّخَذَ فِيهِ مَسْلَكًا فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا. وَرُوِّينَا فِي الْخَبَرِ: كَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسَى وَفَتَاهُ عجبا (¬1) . [64] {قَالَ} [الكهف: 64] مُوسَى {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: 64] أَيْ نَطْلُبُ، {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] أَيْ: رَجَعَا يَقُصَّانِ الْأَثَرَ الَّذِي جاءا منه يبتغيانه، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا، قِيلَ: كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَ فِي التَّوَارِيخِ، وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ الْخَضِرُ» (¬2) وَاسْمُهُ بَلِيَا بْنُ مَلْكَانَ، قِيلَ: كَانَ مِنْ نَسْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقِيلَ: كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَزَهَّدُوا فِي الدُّنْيَا، وَالْخَضِرُ لَقَبٌ لَهُ. [65] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً} [الكهف: 65] أَيْ نِعْمَةً، {مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] أي إِلْهَامًا وَلَمْ يَكُنِ الْخَضِرُ نَبِيًّا عند أكثر أهل العلم، يقول: جئت لأتبعك. [66] {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ} [الكهف: 66] وَأَصْحَبَكَ، {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: (رَشَدًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ، أَيْ صَوَابًا. وَقِيلَ: عِلْمًا تُرْشِدُنِي بِهِ. وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ مُوسَى هَذَا قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: كَفَى بِالتَّوْرَاةِ عِلْمًا وبني إِسْرَائِيلَ شُغْلًا, فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِهَذَا فَحِينَئِذٍ. [67] {قَالَ} [الكهف: 67] لَهُ الْخَضِرُ، {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67] وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَرَى أُمُورًا مُنْكَرَةً, وَلَا يَجُوزُ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى الْمُنْكَرَاتِ, ثُمَّ بَيَّنَ عُذْرَهُ فِي ترك الصبر. [68] فقال له: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 68] أي علما. [69] {قَالَ} [الكهف: 69] مُوسَى، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} [الكهف: 69] إِنَّمَا اسْتَثْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ مِنْ نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69] أي لا أخالفك فيما تأمرني. ¬

(¬1) في رواية البخاري في كتاب التفسير: (فكان لفتاه عجبا وللحوت سربا) . (¬2) انظر صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى (6 / 431) .

[70] {قَالَ} [الكهف: 70] الخضر، {فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي} [الكهف: 70] فَإِنْ صَحِبْتَنِي وَلَمْ يَقُلْ اتَّبِعْنِي وَلَكِنْ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا فَقَالَ، {فَلَا تَسْأَلْنِي} [الكهف: 70] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَالْآخَرُونَ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، {عَنْ شَيْءٍ} [الكهف: 70] أعمله فيما تنكره وتعترض عليه، عن شيء، حتى ابتدأ لَكَ بِذِكْرِهِ فَأُبَيِّنُ لَكَ شَأْنَهُ. [71] {فَانْطَلَقَا} [الكهف: 71] يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ يَطْلُبَانِ سَفِينَةً يركبانها فوجدا سفينة فركباها، وَرُوِّينَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «مَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا لَجَّجُوا الْبَحْرَ أَخَذَ الْخَضِرُ فَأْسًا فَخَرَقَ لَوْحًا مِنَ السفينة» فذلك قوله: {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ} [الكهف: 71] لَهُ مُوسَى، {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [الكهف: 71] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: لِيَغْرَقَ بِالْيَاءِ وفتحها وفتح الراء وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَرَفْعِهَا وَكَسْرِ الراء أهلها النصب عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْخَضِرِ، {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71] أَيْ مُنْكَرًا، وَالْإِمْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدَّاهِيَةُ، وَأَصْلُهُ كُلُّ شَيْءٍ شَدِيدٌ كَثِيرٌ، يُقَالُ: أَمِرَ الْقَوْمُ إِذَا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ أَمْرُهُمْ. وَقَالَ القتيبي: {إِمْرًا} [الكهف: 71] أي عجبا. [72] {قَالَ} [الكهف: 72] الْعَالِمُ وَهُوَ الْخَضِرُ، {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 72] [73] {قَالَ} [الكهف: 73] مُوسَى، {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [الكهف: 73] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّهُ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ، فَكَأَنَّهُ نَسِيَ شَيْئًا آخَرَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بِمَا تَرَكْتُ مِنْ عَهْدِكَ وَالنِّسْيَانُ التَّرْكُ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عمدا» (¬1) {وَلَا تُرْهِقْنِي} [الكهف: 73] وَلَا تَغْشَنِي، {مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73] وَقِيلَ: لَا تُكَلِّفْنِي مَشَقَّةً، يُقَالُ: أَرْهَقْتُهُ عُسْرًا أَيْ كَلَّفْتُهُ ذَلِكَ، يَقُولُ لَا تُضَيِّقْ عَلَيَّ أَمْرِي وَعَامِلْنِي بِالْيُسْرِ وَلَا تُعَامِلْنِي بِالْعُسْرِ. [74] {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف: 74] فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ يَمْشِيَانِ فَمَرَّا بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ فَأَخَذَ الْخَضِرُ غُلَامًا ظَرِيفًا وَضِيءَ الْوَجْهِ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ قال الضَّحَاكُ: كَانَ غُلَامًا يَعْمَلُ بِالْفَسَادِ وتأذى منه أبواه، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا» (¬2) . {قَالَ} [الكهف: 74] موسى، {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} [الكهف: 74] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (زَاكِيَةً) بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: زَكِيَّةً، قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، مِثْلُ: الْقَاسِيَةُ وَالْقَسِيَّةُ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: الزَّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قط، والزكية الَّتِي أَذْنَبَتْ ثُمَّ تَابَتْ، {بِغَيْرِ نَفْسٍ} [الكهف: 74] أَيْ لَمْ تَقْتُلْ نَفْسًا بِشَيْءٍ وَجَبَ بِهِ عَلَيْهَا الْقَتْلُ، {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] أَيْ مُنْكَرًا. قَالَ قَتَادَةُ: النُّكْرُ أَعْظَمُ مِنَ الْإِمْرِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْهَلَاكِ، وَفِي خَرْقِ السَّفِينَةِ كَانَ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: الْإِمْرُ أَعْظَمُ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ تَغْرِيقُ جَمْعٍ كَثِيرٍ. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو بَكْرٍ هَاهُنَا نَكِرًا وَفِي سُورَةِ الطَّلَاقِ بِضَمِّ الْكَافِ، والآخرون بسكونها. [75] {قَالَ} [الكهف: 75] يَعْنِي الْخَضِرَ {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 75] قيل: زاد هنا لِأَنَّهُ نَقَضَ الْعَهْدَ مَرَّتَيْنِ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ يُوشَعَ كَانَ يَقُولُ لِمُوسَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ اذْكُرِ الْعَهْدَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ. [76] {قَالَ} [الكهف: 76] مُوسَى، {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا} [الكهف: 76] بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ، {فَلَا تُصَاحِبْنِي} [الكهف: 76] وَفَارِقْنِي، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: فَلَا تصحبنِي بِغَيْرِ أَلِفٍ مِنَ الصُّحْبَةِ. {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ مِنْ لَدُنِي خَفِيفَةَ النُّونِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ، بِتَشْدِيدِهَا، قَالَ ابْنُ عباس: أي قد ¬

(¬1) انظر صحيح البخاري 5 / 326 ومسلم 4 / 1847. (¬2) أخرجه مسلم في القدر برقم (2661) 4 / 2050.

قوله تعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما

أُعْذِرْتَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَقِيلَ: قد حَذَّرْتَنِي أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا. وَقِيلَ: اتَّضَحَ لَكَ الْعُذْرُ في مفارقتي. عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وعلى موسى لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ» (¬1) {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} [الكهف: 76] فَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ. [قَوْلُهُ تعالى فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا] أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا. . . . . [77] قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} [الكهف: 77] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَنْطَاكِيَةَ. وقال ابن سيرين. هي الأيلة وَهِيَ أَبْعَدُ الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: بَرْقَةُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَلْدَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ. {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف: 77] قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامًا فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا» (¬2) . وَرُوِيَ أنهما طافا في القرية فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا. وروي أنهما طافا في القوم فَاسْتَطْعَمَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُوهُمَا وَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمَا. قَالَ قَتَادَةُ: شَرُّ الْقُرَى التي لا تضيف الضيف. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] أَيْ يَسْقُطَ، وَهَذَا مِنْ مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ الْجِدَارَ لَا إِرَادَةَ لَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ قَرُبَ وَدَنَا مِنَ السُّقُوطِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلَانٍ إِذَا كَانَتْ تُقَابِلُهَا. {فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] أي سواه {قَالَ} [الكهف: 77] مُوسَى {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ لَتَخِذْتَ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْخَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ لَتَّخَذْتَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ اتَّبَعَ وَتَبِعَ عَلَيْهِ يَعْنِي على إصلاح الجدار، {أَجْرًا} [الكهف: 77] يَعْنِي جُعْلًا، مَعْنَاهُ: إِنَّكَ قَدْ علمت وإننا جِيَاعٌ وَأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَمْ يُطْعِمُونَا فَلَوْ أَخَذْتَ عَلَى عَمَلِكَ أجرا. [78] قَالَ الْخَضِرُ، {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] يَعْنِي هَذَا وَقْتُ فِرَاقٍ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. وَقِيلَ: هَذَا الْإِنْكَارُ عَلَى تَرْكِ الْأَجْرِ هُوَ الْمُفَرِّقُ بَيْنَنَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِنَا أَيْ فِرَاقُ اتِّصَالِنَا وَكَرَّرَ بين تأكيدا {سَأُنَبِّئُكَ} [الكهف: 78] أَيْ سَوْفَ أُخْبِرُكَ {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الْكَهْفِ: 78] وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ مُوسَى أَخَذَ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ. أَخْبِرْنِي بِمَعْنَى مَا عَمِلْتَ قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَنِي. [79] فَقَالَ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] أَيْ: يُؤَاجِرُونَ وَيَكْتَسِبُونَ بِهَا، {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] أَجْعَلُهَا ذَاتَ عَيْبٍ، {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ} [الكهف: 79] أَيْ أَمَامَهُمْ، / 360 مَلِكٌ، كَقَوْلِهِ: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} [إِبْرَاهِيمَ: 16] وَقِيلَ: وَرَاءَهُمْ خَلْفَهُمْ، وَكَانَ رُجُوعُهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ قراءة ابن عباس ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الفضائل برقم (2380) 14 / 1851. (¬2) قطعة من الحديث السابق.

قوله تعالى إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من

وكان أمامهم {مَلِكٌ} [الكهف: 79] {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] أَيْ: كل سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ كَذَلِكَ فَخَرَقَهَا وَعَيَّبَهَا الْخَضِرُ حَتَّى لَا يأخذها الملك الغاصب. [80] قوله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا} [الكهف: 80] أَيْ فَعَلِمْنَا، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنِينَ فَخَشِينَا، أَيْ فعلمنا، {أَنْ يُرْهِقَهُمَا} [الكهف: 80] يُغْشِيَهُمَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يُكَلِّفَهُمَا، {طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَخَشِينَا أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ. [81] {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} [الكهف: 81] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عمر بِالتَّشْدِيدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ والقلم، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: التَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ الشَّيْءِ أَوْ تَغْيِيرُ حَالِهِ وَعَيْنُ الشيء قاصم والإبدال رَفْعُ الشَّيْءِ وَوَضْعُ شَيْءٍ آخَرَ مَكَانَهُ، {رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} [الكهف: 81] أَيْ صَلَاحًا وَتَقْوَى، {وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: 81] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْبَاقُونَ بِجَزْمِهَا أَيْ: عَطْفًا مِنَ الرَّحْمَةِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ وَأَبَرُّ بوالديه، قال مطرف: شرح بِهِ أَبَوَاهُ حِينَ وُلِدَ وَحَزِنَا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ. وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ فِيهِ هَلَاكُهُمَا، فَلْيَرْضَ امْرُؤٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ قَضَائِهِ فِيمَا يُحِبُّ. [82] قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف: 82] وَكَانَ اسْمُهُمَا أَصْرَمُ وَصَرِيمٌ، {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} [الكهف: 82] اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْكَنْزِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً» (¬1) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ مَالًا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كَانَ الْكَنْزُ صُحُفًا فيها علم {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82] قيل: كان اسمه كاشح وَكَانَ مِنَ الْأَتْقِيَاءِ. قَالَ ابْنُ عباس: حفظا بصلاح أبيهما، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ الصَّالِحِ سَبْعَةُ آبَاءٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَعِتْرَتَهُ وَعَشِيرَتَهُ وَأَهْلَ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ، فَمَا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ اللَّهِ مَا دَامَ فِيهِمْ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنِّي لَأُصَلِّي فَأَذْكُرُ وَلَدِي فَأَزِيدُ فِي صَلَاتِي. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82] أَيْ يَبْلُغَا وَيَعْقِلَا. وَقِيلَ: أَنْ يدركا شدتهما وقوتهما. وقيل: ثمان عشرة سنة، {وَيَسْتَخْرِجَا} [الكهف: 82] حينئذ {كَنْزَهُمَا رَحْمَةً} [الكهف: 82] نِعْمَةً، {مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] أَيْ بِاخْتِيَارِي وَرَأْيِي، بَلْ فَعَلْتُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِلْهَامِهِ، {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] أَيْ لَمْ تُطِقْ عَلَيْهِ صَبْرًا، واستطاع واسطاع بمعنى واحد. [83] قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: 83] خبرا، واختلفوا في نبوته وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا عادلا صالحا. [قوله تعالى إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ] كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. . . . [84] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [الكهف: 84] أوطأنا، والتمكين: تمهيد الأسباب. وقال عَلِيٌّ: سَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَمَدَّ لَهُ فِي الْأَسْبَابِ وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءً، فَهَذَا مَعْنَى تمكنه فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ سَهَّلَ عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيهَا وَذَلَّلَ لَهُ طُرُقَهَا. {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [الكهف: 84] أي: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ. وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ الْمُلُوكُ عَلَى فَتْحِ المدن ومحاربة الأعداء، {سَبَبًا} [الكهف: 84] أَيْ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَا يُرِيدُ، وَيَسِيرُ بِهِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَالسَّبَبُ: مَا يوصل به إِلَى الشَّيْءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: بَلَاغًا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ. وَقِيلَ: قَرَّبْنَا إليه أقطار الأرض. ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الكهف 8 / 600 والحاكم في المستدرك 2 / 369 والبخاري في تاريخه والطبراني. انظر تحفة الأحوذي 8 / 601.

[85] {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 85] أي: سلك وسار طريقا، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: فَاتَّبَعَ ثم اتبع موصولا مشددا، قرأ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَجَزْمِ التَّاءِ: وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قَطَعَ الْأَلِفَ فَمَعْنَاهُ أَدْرَكَ وَلَحِقَ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَمَعْنَاهُ سَارَ، يُقَالُ: مَا زِلْتُ أَتْبَعُهُ حَتَّى أَتْبَعْتُهُ أَيْ: مَا زِلْتُ أَسِيرُ خَلْفَهُ حَتَّى لَحِقْتُهُ. وَقَوْلُهُ: سَبَبًا أَيْ طَرِيقًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْزِلًا. [86] {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ (حَامِيَةٍ) بِالْأَلِفِ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ، أَيْ حَارَّةٍ، وقرأ الآخرون {حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] مَهْمُوزًا بِغَيْرِ الْأَلِفِ أَيْ ذَاتُ حَمْأَةٍ، وَهِيَ الطِّينَةُ السَّوْدَاءُ، وَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ كَعْبًا: كَيْفَ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؟ قَالَ: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهَا تَغْرُبُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] أَيْ عِنْدَهَا عَيْنٌ حَمِئَةٌ أَوْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ. {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} [الكهف: 86] أي عند العين أمة {قُلْنَا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 86] يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْإِلْهَامُ، {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ} [الكهف: 86] يَعْنِي إِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُمْ إِنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، {وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} [الكهف: 86] يَعْنِي تَعْفُو وَتَصْفَحُ. وَقِيلَ: تَأْسِرُهُمْ فَتُعَلِّمُهُمُ الْهُدَى، خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. [87] {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} [الكهف: 87] كفر، {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} [الكهف: 87] أَيْ: نَقْتُلُهُ، {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ} [الكهف: 87] فِي الْآخِرَةِ {فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} [الكهف: 87] أَيْ: مُنْكَرًا يَعْنِي بِالنَّارِ، وَالنَّارُ أَنْكَرُ مِنَ الْقَتْلِ. [88] {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} [الكهف: 88] قرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب {جَزَاءً} [الكهف: 88] مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا أَيْ: فَلَهُ الْحُسْنَى جزاء نصب على المصدر، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْإِضَافَةِ، والحسنى الجنة وإضافة الحسن إليها كما قال: {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ} [الأعراف: 169] وَالدَّارُ هِيَ الْآخِرَةُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بالحسنى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 88] أَيْ نُلِينُ لَهُ الْقَوْلَ وَنُعَامِلُهُ بِالْيُسْرِ مِنْ أَمْرِنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْرًا أَيْ مَعْرُوفًا. [89] {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 89] أَيْ سَلَكَ طُرُقًا وَمَنَازِلَ. [90] {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [الكهف: 90] أَيْ مَوْضِعَ طُلُوعِهَا، {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} [الكهف: 90] قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّمْسِ سِتْرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوُا فِي مَكَانٍ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بِنَاءٌ، فَكَانُوا يَكُونُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْهُمْ خَرَجُوا إِلَى معايشهم وحروثهم. [91] قوله عز وجل: {كَذَلِكَ} [الكهف: 91] قِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ كَذَلِكَ بَلَغَ مَطْلِعَهَا،

وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا حَكَمَ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ غروب الشَّمْسِ كَذَلِكَ حَكَمَ فِي الَّذِينَ هم عند طلوع الشَّمْسِ، {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف: 91] يَعْنِي بِمَا عِنْدَهُ وَمَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعُدَّةِ وَالْآلَاتِ خُبْرًا أَيْ علما. [92] {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 92] [93] {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} [الكهف: 93] هما هنا جبلان سدد، والقرنين مَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَنْ وَرَائَهُمْ. {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا} [الكهف: 93] يَعْنِي: أَمَامَ السَّدَّيْنِ. {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يُفْقِهُونَ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ عَلَى مَعْنَى لا يفهمون غَيْرَهُمْ قَوْلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الياء والقاف، أي لا يفهمون كَلَامَ غَيْرِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا يفهمون كَلَامَ أَحَدٍ وَلَا يَفْهَمُ النَّاسُ كَلَامَهُمْ. [94] {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 94] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا ذَلِكَ وهم لا يفهمون؟ قِيلَ: كَلَّمَ عَنْهُمْ مُتَرْجِمٌ، دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِمْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ. {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} [الكهف: 94] قرأهما عاصم مهموزين، والآخرون بغير همز، وَهُمَا لُغَتَانِ أَصْلُهُمَا مِنْ أَجِيجِ النار، وهو ضوؤها وَشَرَرُهَا، شُبِّهُوا بِهِ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ، وقيل: بالهمز من أَجِيجِ النَّارِ وَبِتَرْكِ الْهَمْزِ اسْمَانِ أعجميان، مثل هاروت وماروت قوله تعالى: {مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [الكهف: 94] قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَسَادُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ أَيَّامَ الرَّبِيعِ إِلَى أَرْضِهِمْ فَلَا يَدَعُونَ فِيهَا شَيْئًا أَخْضَرَ إلا أكلوه ولا يا بسا إلا احتملوه، وَأَدْخَلُوهُ أَرْضَهُمْ، وَقَدْ لَقُوا مِنْهُمْ أَذًى شَدِيدًا وَقَتْلًا. وَقِيلَ: فَسَادُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاسَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} [الكهف: 94] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (خَرَاجًا) بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ خَرْجًا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ جُعْلًا وَأَجْرًا مِنْ أَمْوَالِنَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الْخَرْجُ مَا تَبَرَّعْتَ به، والخراج مَا لَزِمَكَ أَدَاؤُهُ. وَقِيلَ: الْخَرَاجُ على الأرض والخرج عَلَى الرِّقَابِ. يُقَالُ: أَدِّ خَرْجَ رَأْسِكَ وَخَرَاجَ مَدِينَتِكَ. {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94] أَيْ حَاجِزًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْنَا. [95] {قَالَ} [الكهف: 95] لَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ} [الكهف: 95] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ ظَاهِرَيْنِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، أَيْ مَا قواني عليه، {رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95] من جعلكم، {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أُرِيدُ الْمَالَ بَلْ أَعِينُونِي بِأَبْدَانِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ، {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95] أَيْ سَدًّا، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْقُوَّةُ؟ قَالَ: فَعَلَةٌ وَصُنَّاعٌ يُحْسِنُونَ الْبِنَاءَ وَالْعَمَلَ، وَالْآلَةُ. قَالُوا وَمَا تلك الآلة؟ قال: [96] {آتُونِي} [الكهف: 96] أَعْطُوْنِي وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ ائْتُونِي أي جيئوني، {زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96] أَيْ قِطَعَ الْحَدِيدِ وَاحِدَتُهَا زُبْرَةٌ، فَآتَوْهُ بِهَا وَبِالْحَطَبِ وَجَعَلَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَلَمْ يَزَلْ يَجْعَلُ الْحَدِيدَ عَلَى الْحَطَبِ وَالْحَطَبَ عَلَى الْحَدِيدِ، {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الصَّادِّ وَالدَّالِّ، وَجَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الدَّالَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا الْجَبَلَانِ، سَاوَى أَيْ: سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيِ الجبلين. {قَالَ انْفُخُوا} [الكهف: 96] وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْفَحْمَ وَالْحَطَبَ فِي خِلَالِ زُبَرِ الْحَدِيدِ ثُمَّ قَالَ انْفُخُوا يَعْنِي فِي النَّارِ، {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} [الكهف: 96] أَيْ صَارَ الْحَدِيدُ نَارًا، {قَالَ آتُونِي} [الكهف: 96] قَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَصْلًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ. {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] أَيْ آتَوْنِي قِطْرًا أُفْرِغْ عَلَيْهِ، والإفراغ الصب والقطر هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، فَجَعَلَتِ النَّارُ تَأْكُلُ الْحَطَبَ وَيَصِيرُ النُّحَاسُ مَكَانَ الْحَطَبِ حَتَّى لَزِمَ الْحَدِيدُ النُّحَاسَ. قال قتادة: هو كالبر والبحر طَرِيقَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ عَرْضَهُ كَانَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا

قوله تعالى قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد

وَارْتِفَاعَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَطُولُهُ فَرْسَخٌ. [97] {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97] أَنْ يَعْلُوهُ مِنْ فَوْقِهِ لِطُولِهِ وَمَلَاسَتِهِ، {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97] مِنْ أَسْفَلِهِ لِشِدَّتِهِ وَلِصَلَابَتِهِ. وَقَرَأَ حمزة {فَمَا اسْطَاعُوا} [الكهف: 97] بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَدْغَمَ تَاءَ الافْتِعَالِ في الطاء. [قوله تعالى قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ] رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. . . . . [98] {قَالَ} [الكهف: 98] يعني ذا القرنين، {هَذَا} [الكهف: 98] أي السد، {رَحْمَةٌ} [الكهف: 98] نِعْمَةٌ، {مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي} [الكهف: 98] قيل: الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: وَقْتُ خُرُوجِهِمْ. {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} [الكهف: 98] قرأ أهل الكوفة {دَكَّاءَ} [الكهف: 98] بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ، أَيْ أَرْضًا مَلْسَاءَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِلَا مَدٍّ أَيْ: جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مُسْتَوِيًا مَعَ وَجْهِ الْأَرْضِ، {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98] [99] قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] قِيلَ: هَذَا عِنْدَ فَتْحِ السَّدِّ، يَقُولُ: تَرَكْنَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَمُوجُ أَيْ يَدْخُلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، كَمَوْجِ الْمَاءِ وَيَخْتَلِطُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لِكَثْرَتِهِمْ، وَقِيلَ: هَذَا عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ يَدْخُلُ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَيَخْتَلِطُ إِنْسِيُّهُمْ بِجِنِّيِّهِمْ حَيَارَى، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الكهف: 99] لِأَنَّ خُرُوجَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ، {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف: 99] في صعيد واحد. [100] {وَعَرَضْنَا} [الكهف: 100] أَبْرَزْنَا، {جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100] حَتَّى يُشَاهِدُوهَا عِيَانًا. [101] {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ} [الكهف: 101] أي غشاء والغطاء مَا يُغَطَّى بِهِ الشَّيْءُ وَيَسْتُرُهُ، {عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101] يَعْنِي عَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ. وَعَنِ الْهُدَى وَالْبَيَانِ. وَقِيلَ. عَنْ رُؤْيَةِ الدَّلَائِلِ. {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 101] أَيْ سَمْعَ الْقَبُولِ، وَالْإِيمَانِ لِغَلَبَةِ الشَّقَاوَةِ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَعْقِلُونَ وَقِيلَ: كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَيْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ عداوتهم، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا لِعَدَاوَتِهِ. [102] {أَفَحَسِبَ} [الكهف: 102] أَفَظَنَّ، {الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} [الكهف: 102] أَرْبَابًا يُرِيدُ بِالْعِبَادِ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ، كَلَّا بَلْ هُمْ لَهُمْ أَعْدَاءٌ وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشَّيَاطِينَ أَطَاعُوهُمْ مِنْ دُونِ الله. وقال مقاتل: الأصنام سماها عِبَادًا، كَمَا قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الْأَعْرَافِ: 194] وَجَوَابُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ إِنِّي لَأَغْضَبُ لِنَفْسِي، يَقُولُ أَفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا غَيْرِي أَوْلِيَاءَ وَأَنِّي لَا أَغْضَبُ لِنَفْسِي وَلَا أُعَاقِبُهُمْ؟ ! وَقِيلَ: أَفَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَنْفَعُهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ. {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} [الكهف: 102] أَيْ: مَنْزِلًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ مَثْوَاهُمْ. وَقِيلَ: النُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ، يُرِيدُ هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُمْ عِنْدَنَا كالنُّزُلِ لِلضَّيْفِ. [103] {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف: 103] يعني الذين اتبعوا أَنْفُسَهُمْ فِي عَمَلٍ يَرْجُونَ بِهِ فَضْلًا وَنَوَالًا فَنَالُوا هَلَاكًا وَبَوَارًا، كَمَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً يَرْجُو عَلَيْهَا رِبْحًا فَخَسِرَ وَخَابَ سَعْيُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَقِيلَ: هُمُ الرُّهْبَانُ. [104] {الَّذِينَ} [الكهف: 104] حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هُمْ أهل حروراء. {ضَلَّ سَعْيُهُمْ} [الكهف: 104] بَطَلَ عَمَلُهُمْ وَاجْتِهَادُهُمْ، {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] أَيْ عَمَلًا. [105] {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ} [الكهف: 105] بَطَلَتْ، {أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] أَيْ لَا نَجْعَلُ لَهُمْ خَطَرًا وَقَدْرًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدِي وَزْنٌ أَيْ قَدْرٌ لِخِسَّتِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ الله جناح بعوضة» (¬1) وقال: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] قال ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 426 ومسلم في صفات المنافقين برقم (2785) 4 / 2147.

أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: يَأْتِي أُنَاسٌ بِأَعْمَالٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هِيَ عِنْدَهُمْ فِي الْعِظَمِ كَجِبَالِ تِهَامَةَ، فَإِذَا وَزَنُوهَا لَمْ تَزِنْ شَيْئًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] [106] {ذَلِكَ} [الكهف: 106] الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ حُبُوطِ أَعْمَالِهِمْ وَخِسَّةِ أَقْدَارِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي} [الكهف: 106] يعني القرآن، {وَرُسُلِي هُزُوًا} [الكهف: 106] أَيْ سُخْرِيَةً وَمَهْزُوءًا بِهِمْ. [107] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ} [الكهف: 107] رُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» (¬1) . قَالَ كَعْبٌ: لَيْسَ فِي الْجِنَانِ جَنَّةٌ أَعْلَى مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ فِيهَا الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأقصاها وَأَرْفَعُهَا. قَالَ كَعْبٌ: الْفِرْدَوْسُ هُوَ الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ الْأَعْنَابُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ. هُوَ الْبُسْتَانُ بِالرُّومِيَّةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ الْجَنَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ بِالرُّومِيَّةِ مَنْقُولٌ إِلَى لَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْجَنَّةُ الْمُلْتَفَّةُ الْأَشْجَارِ. وَقِيلَ: هِيَ الرَّوْضَةُ الْمُسْتَحْسَنَةُ. وَقِيلَ. هِيَ الَّتِي تُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبَاتِ، وجمعه فراديس, {نُزُلًا} [الكهف: 107] قِيلَ أَيْ مَنْزِلًا. وَقِيلَ: مَا يُهَيَّأُ لِلنَّازِلِ عَلَى مَعْنَى كَانَتْ لَهُمْ ثِمَارُ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ وَنَعِيمُهَا نُزُلًا، وَمَعْنَى كَانَتْ لَهُمْ أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا. [108] {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ} [الكهف: 108] لا يطلبون، {عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف: 108] أَيْ تَحَوُّلًا إِلَى غَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْهَا كَمَا يَنْتَقِلُ الرَّجُلُ من دار إلى دار إذا توافقه إلى دار أخرى. [109] {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 109] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتِ الْيَهُودُ يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّا قَدْ أُوتِينَا الْحِكْمَةَ, وَفِي كِتَابِكَ {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] ثم نقول: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] قَالَتِ الْيَهُودُ: أُوتِينَا التَّوْرَاةَ وَفِيهَا عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا} [الكهف: 109] سمي المداد مدادا لإمداد الكتاب, وَأَصْلُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَمَجِيءُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِلْقَلَمِ وَالْقَلَمُ يكتب, {لَنَفِدَ الْبَحْرُ} [الكهف: 109] أَيْ مَاؤُهُ, {قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ} [الكهف: 109] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَنْفَدَ بِالْيَاءِ لِتَقَدُّمِ الْفِعْلِ, وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ, {كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] أَيْ عِلْمُهُ وَحُكْمُهُ, {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الْخَلَائِقُ يَكْتُبُونَ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُمْ لَنَفِدَ الْبَحْرُ وَلَمْ تنفد ¬

(¬1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 404.

سورة مريم

كلمات الله، ولو جئنا بمثله مددا بِمِثْلِ مَاءِ الْبَحْرِ فِي كَثْرَتِهِ مدادا وزيادة، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27] [110] {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَّمَ اللَّهُ رَسُولَهُ التَّوَاضُعَ لِئَلَّا يَزْهُوَ عَلَى خلقه، فأمره الله أن يقر فيقول: أنا آدَمِيٌّ مِثْلُكُمْ إِلَّا أَنِّي خُصِّصْتُ بِالْوَحْيِ وَأَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهِ، يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110] أَيْ يَخَافُ الْمَصِيرَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: يَأْمُلُ رُؤْيَةَ رَبِّهِ، فَالرَّجَاءُ يَكُونُ بمعنى الخوف والأمل جميعا فجمع به الْمَعْنَيَيْنِ، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الْكَهْفِ: 110] أي لا يرائي بعمله، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (¬1) وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: " الرياء» (¬2) . [سورة مريم] [قوله تعالى كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. .] . . . (19) سورة مريم [1] قوله عز وجل {كهيعص} [مريم: 1] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَضِدُّهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَبِكَسْرِهِمَا الْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ والباقون بفتحهما. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: اسْمٌ لِلسُّورَةِ. وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ أقسم الله به. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ {كهيعص} [مريم: 1] قَالَ: الْكَافُ مِنْ كِرِيمٍ وَكَبِيرٍ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادٍ، وَالْيَاءُ مِنْ رَحِيمٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ، وَعَظِيمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ كَافٍ لِخَلْقِهِ، هَادٍ لِعِبَادِهِ، يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عَالِمٌ بِبَرِّيَّتِهِ، صادق في وعده. [2] {ذِكْرُ} [مريم: 2] رُفِعَ بِالْمُضْمَرِ أَيْ هَذَا الَّذِي نتلوه عليك ذكر {رَحْمَتِ رَبِّكَ} [مريم: 2] وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: ذِكْرُ ربك، {عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2] برحمته. [3] {إِذْ نَادَى} [مريم: 3] دعا {رَبَّهُ} [مريم: 3] في محرابه، {نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3] دَعَا سِرًّا مِنْ قَوْمِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. [4] {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ} [مريم: 4] ضعف ورق، {الْعَظْمُ مِنِّي} [مريم: 4] مِنَ الْكِبَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: اشْتَكَى سقوط الأضراس، {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ} [مريم: 4] أَيْ ابْيَضَّ شَعْرُ الرَّأْسِ، {شَيْبًا} [مريم: 4] شَمْطًا، {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم: 4] يَقُولُ عَوَّدْتَنِي الْإِجَابَةَ فِيمَا مَضَى وَلَمْ تُخَيِّبْنِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَمَّا دَعَوْتَنِي إِلَى الْإِيمَانِ آمَنْتُ وَلَمْ أَشْقَ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ. [5] {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} [مريم: 5] والموالى: بَنُو الْعَمِّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَصَبَةُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: الْكَلَالَةُ. وَقَالَ الكلبي: الورثة. {مِنْ وَرَائِي} [مريم: 5] مِنْ بَعْدِ مَوْتِي، قَرَأَ ابْنُ كثير {مِنْ وَرَائِي} [مريم: 5] بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِإِسْكَانِهَا. {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} [مريم: 5] لَا تَلِدُ، {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ} [مريم: 5] أعطني من عندك {وَلِيًّا} [مريم: 5] [6] {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 6] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِجَزْمِ الثَّاءِ فِيهِمَا عَلَى جَوَابِ الدُّعَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحَالِ والصفة، يعني وَلِيًّا وَارِثًا، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الإرث، قال الحسن: معناه يرث مَالِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ والْحُبُورَةَ. وَقِيلَ: أَرَادَ مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ. وَقِيلَ: أَرَادَ إِرْثَ الْحُبُورَةِ، لِأَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ رَأْسَ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الرقاق 11 / 235 ومسلم في البر والصلة برقم (2642) 4 / 2034 والمصنف في شرح السنة 14 / 323. (¬2) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد في مسنده ج5 ص428، 429 والمصنف في شرح السنة 14 / 324 قال الهيثمي: (رجاله رجال الصحيح) وقال المسند: " إسناده جيد ".

الأحبار. وقال الزَّجَّاجُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مِيرَاثِ غَيْرِ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُشْفِقَ زَكَرِيَّا وَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَرِثَهُ بَنُو عَمِّهِ مَالَهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ خَافَ تَضْيِيعَ بَنِي عَمِّهِ دِينَ اللَّهِ وَتَغْيِيرَ أَحْكَامِهِ عَلَى مَا كَانَ شَاهَدَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ تَبْدِيلِ الدِّينِ وَقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، فَسَأَلَ ربه ولدا صَالِحًا يَأْمَنُهُ عَلَى أُمَّتِهِ، وَيَرِثُ نبوته وعمله لِئَلَّا يَضِيعَ الدِّينُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 6] أي برا تقيا مرضيا. [7] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ} [مريم: 7] وَفِيهِ اخْتِصَارٌ، مَعْنَاهُ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَقَالَ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ، {بِغُلَامٍ} [مريم: 7] بِوَلَدٍ ذَكَرٍ، {اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7] قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ قَبْلَهُ يَحْيَى. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ شَبَهًا وَمِثْلًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] أَيْ مِثْلًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ. وقيل: لم يكن له ميل فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيْ لَمْ تَلِدِ الْعَوَاقِرُ مِثْلَهُ وَلَدًا. وَقِيلَ: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ اجْتِمَاعَ الْفَضَائِلِ كُلِّهَا لِيَحْيَى إِنَّمَا أَرَادَ بَعْضَهَا لِأَنَّ الْخَلِيلَ وَالْكَلِيمَ كَانَا قَبْلَهُ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْهُ. [8] {قَالَ رَبِّ أَنَّى} [مريم: 8] مِنْ أَيْنَ، {يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8] أي يبسا، وقال قتادة: يريد تحول الْعَظْمِ، يُقَالُ: عَتَا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا وَعِسِيًّا، إِذَا انْتَهَى سِنَّهُ وَكَبِرَ، وَشَيْخٌ عَاتٍ وَعَاسٍ إِذَا صَارَ إِلَى حَالَةِ الْيَبَسِ وَالْجَفَافِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: عِتِيًّا وَبِكِيًّا وَصِلِيًّا وَجِثِيًّا بِكَسْرِ أَوَائِلِهِنَّ، وَالْبَاقُونَ بِرَفْعِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. [9] {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 9] يسير، {وَقَدْ خَلَقْتُكَ} [مريم: 9] قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ (خَلَقْنَاكَ) بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ عَلَى التَّعْظِيمِ، {مِنْ قَبْلُ} [مريم: 9] أَيْ مِنْ قَبْلِ يَحْيَى، {وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] [10] {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [مريم: 10] دَلَالَةً عَلَى حَمْلِ امْرَأَتِي، {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم: 10] أَيْ صَحِيحًا سَلِيمًا مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ وَلَا خَرَسٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ مَرَضٌ. وَقِيلَ: ثَلَاثَ لَيَالٍ سويا أي متتابعا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ فِيهَا أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ النَّاسِ فَإِذَا أَرَادَ ذِكْرَ الله تعالى انطلق لسانه. [11] قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} [مريم: 11] وَكَانَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْمِحْرَابِ يَنْتَظِرُونَهُ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمُ الْبَابَ فَيَدْخُلُونَ وَيُصَلُّونَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ زكريا متغيرا لونه فأنكروه، فقالوا:

قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم

مالك يا زكريا؟ {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11] قال مجاهد: كتب لهم بالأرض، {أَنْ سَبِّحُوا} [مريم: 11] أي صلوا لله {بُكْرَةً} [مريم: 11] غدوة، {وَعَشِيًّا} [مريم: 11] أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى قَوْمِهِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا فَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ حَمْلِ امْرَأَتِهِ وَمَنَعَ الكلام خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ إِشَارَةً. [قوله تعالى يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ] صَبِيًّا. . . . [12] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا يَحْيَى} [مريم: 12] قيل: فيه حذف معناه: وهبنا لَهُ يَحْيَى وَقُلْنَا لَهُ: يَا يحيى، {خُذِ الْكِتَابَ} [مريم: 12] يعني التوراة، {بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] بجد، {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ} [مريم: 12] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: النبوة، {صَبِيًّا} [مريم: 12] وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْحُكْمِ فَهْمَ الْكِتَابِ، فَقَرَأَ التَّوْرَاةَ وَهُوَ صَغِيرٌ. وَعَنْ بَعْضِ السلف قال. مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَهُوَ مِمَّنْ أُوتِيَ الْحُكْمَ صبيا (¬1) . [13] {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} [مريم: 13] رحمة من عندنا {وَزَكَاةً} [مريم: 13] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي بِالزَّكَاةِ الطَّاعَةَ وَالْإِخْلَاصَ. وَقَالَ قَتَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هِيَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَمَعْنَى الْآيَةِ وَآتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَتَحَنُّنًا عَلَى الْعِبَادِ، لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَيَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا فِي إِخْلَاصٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَى أَبَوَيْهِ، {وَكَانَ تَقِيًّا} [مريم: 13] مُسْلِمًا وَمُخْلِصًا مُطِيعًا، وَكَانَ مِنْ تَقْوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً وَلَا هَمَّ بِهَا. [14] {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ} [مريم: 14] أَيْ بَارًّا لَطِيفًا بِهِمَا مُحْسِنًا إِلَيْهِمَا. {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم: 14] الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، وَقِيلَ: الْجَبَّارُ الَّذِي يضرب، ويقتل على الغضب، والعصي العاصي. [15] {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ} [مريم: 15] أي: سلام لَهُ، {يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15] قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَوْحَشُ مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَوْمَ وُلِدَ فَيَخْرُجُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، وَيَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ عَايَنَهُمْ، وَيَوْمَ يبعث حيا فَيَرَى نَفْسَهُ فِي مَحْشَرٍ لَمْ ير مثله، فخصر يَحْيَى بِالسَّلَامَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ. [16] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ} [مريم: 16] فِي الْقُرْآنِ، {مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ} [مريم: 16] تنحت واعتزلت، {مِنْ أَهْلِهَا} [مريم: 16] من قومها، {مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم: 16] أَيْ مَكَانًا فِي الدَّارِ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ، وَكَانَ يَوْمًا شَاتِيًا شَدِيدَ الْبَرْدِ فَجَلَسَتْ فِي مَشْرُقَةٍ تَفْلِي رَأْسَهَا. وَقِيلَ: كَانَتْ طَهُرَتْ من الحيض، فَذَهَبَتْ لِتَغْتَسِلَ. قَالَ الْحَسَنُ: وَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ قِبْلَةً. [17] {فَاتَّخَذَتْ} [مريم: 17] فضربت، {مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} [مريم: 17] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سِتْرًا. وَقِيلَ: جَلَسَتْ وَرَاءَ جِدَارٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَرَاءَ جَبَلٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا حَاضَتْ تَحَوَّلَتْ إِلَى بَيْتِ خَالَتِهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ عَادَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فبينما هي تغتسل من الحيض قَدْ تَجَرَّدَتْ إِذْ عَرَضَ لَهَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ وَضِيءَ الْوَجْهِ جَعْدَ الشَّعْرِ سَوِيَّ الْخَلْقِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ. {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] وقيل: المراد بالروح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَاءَ فِي صورة بشر فحملت به. الأول أَصَحُّ فَلَمَّا رَأَتْ مَرْيَمُ جِبْرِيلَ يَقْصِدُ نَحْوَهَا نَادَتْهُ مِنْ بَعِيدٍ. [18] و {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] مُؤْمِنًا مُطِيعًا، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُسْتَعَاذُ مِنَ الْفَاجِرِ فَكَيْفَ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا؟ قِيلَ: هَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَلَا تَظْلِمْنِي أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِيمَانُكَ مَانِعًا مِنَ الظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ هاهنا معناه: وينبغي أن يكون تَقْوَاكَ مَانِعًا لَكَ مِنَ الْفُجُورِ. ¬

(¬1) أخرجه ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس مرفوعا، وأخرجه ابن أبي حاتم والديلمي موقوفا على ابن عباس. انظر الدر المنثور 5 / 485 كشف الخفا للعجلوني 2 / 86.

[19] {قَالَ} [مريم: 19] لَهَا جِبْرِيلُ، {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ} [مريم: 19] قرأ نافع وأهل البصرة: (لهيب لك) أي لهيب لكربك، وقرأ الآخرون: {لِأَهَبَ لَكِ} [مريم: 19] أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى الرَّسُولِ، وَإِنْ كَانَتِ الْهِبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ، {غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 19] وَلَدًا صَالِحًا طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ. [20] {قَالَتْ} [مريم: 20] مريم {أَنَّى} [مريم: 20] مِنْ أَيْنَ، {يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [مريم: 20] لَمْ يَقْرَبْنِي زَوْجٌ، {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 20] فاجرة، تريد أن الولد إنما يَكُونُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا. [21] {قَالَ} [مريم: 21] جبريل، {كَذَلِكِ} [مريم: 21] قيل: معنا، كَمَا قُلْتِ يَا مَرْيَمُ وَلَكِنْ، {قَالَ رَبُّكَ} [مريم: 21] وَقِيلَ: هَكَذَا قَالَ رَبُّكِ {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 21] أَيْ خَلْقُ وَلَدٍ بِلَا أَبٍ {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً} [مريم: 21] علامة {لِلنَّاسِ} [مريم: 21] دلالة على قدرتنا، {وَرَحْمَةً مِنَّا} [مريم: 21] وَنِعْمَةً لِمَنْ تَبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، {وَكَانَ} [مريم: 21] ذلك، {أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم: 21] مَحْكُومًا مَفْرُوغًا عَنْهُ لَا يُرَدُّ وَلَا يُبَدَّلُ. [22] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَحَمَلَتْهُ} [مريم: 22] قيل: إن جبريل رفع عنها درعها فنفخ في جيبها فحملت حين أصبحت. وَقِيلَ: مَدَّ جَيْبَ دِرْعَهَا بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ نَفَخَ فِي الْجَيْبِ. وَقِيلَ: نَفَخَ فِي كُمِّ قَمِيصِهَا. وَقِيلَ: فِي فِيهَا. وَقِيلَ. نَفَخَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَفْخًا مِنْ بَعِيدٍ فَوَصَلَ الرِّيحُ إِلَيْهَا فَحَمَلَتْ بِعِيسَى في الحال، {فَانْتَبَذَتْ بِهِ} [مريم: 22] أي تنحت بالحمل فلما حملته انتبذت به أي وانفردت، {مَكَانًا قَصِيًّا} [مريم: 22] أي بَعِيدًا مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَقْصَى الْوَادِي، وَهُوَ وَادِي بَيْتِ لَحْمٍ، فِرَارًا مَنْ قَوْمِهَا أَنْ يُعَيِّرُوهَا بِوِلَادَتِهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ حَمْلِهَا وَوَقْتِ وَضْعِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ الْحَمْلُ وَالْوِلَادَةُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقِيلَ. كَانَ مُدَّةُ حَمْلِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ كَحَمْلِ سَائِرِ النساء. وقيل: كان مدة ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ آيَةً أخرى لأنه ليلا يَعِيشُ وَلَدٌ يُولَدُ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَوُلِدَ عِيسَى لِهَذِهِ الْمُدَّةِ وَعَاشَ. وَقِيلَ. وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ. حَمَلَتْهُ مَرْيَمُ فِي سَاعَةٍ وَصُوِّرَ فِي سَاعَةٍ ووضعته حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِهَا، وَهِيَ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَتْ قَدْ حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تحمل بعيسى. [23] {فَأَجَاءَهَا} [مريم: 23] أَيْ أَلْجَأَهَا وَجَاءَ بِهَا، {الْمَخَاضُ} [مريم: 23] وَهُوَ وَجَعُ الْوِلَادَةِ، {إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 23] وكانت نخلة يا بسة فِي الصَّحْرَاءِ، فِي شِدَّةِ الشِّتَاءِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا سَعَفٌ، وَقِيلَ: الْتَجَأَتْ إِلَيْهَا لِتَسْتَنِدَ إِلَيْهَا وَتَتَمَسَّكَ بِهَا عَلَى وَجَعِ الْوِلَادَةِ، {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [مريم: 23] تَمَنَّتِ الْمَوْتَ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ وخوف الفضيحة، {وَكُنْتُ نَسْيًا} [مريم: 23] قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ (نَسْيًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، مِثْلَ الْوَتْرِ وَالْوِتْرِ وَالْجِسْرِ وَالْجَسْرِ، وهو الشيء المنسي، والنسي فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا أُلْقِيَ

قوله تعالى فكلي واشربي وقري عينا. . . .

وَنُسِيَ وَلَمْ يُذْكَرْ لِحَقَارَتِهِ، {مَنْسِيًّا} [مريم: 23] أَيْ مَتْرُوكًا. قَالَ قَتَادَةُ: شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُذْكَرُ. قَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: جِيفَةٌ مُلْقَاةٌ. وَقِيلَ: تَعْنِي لَمْ أُخْلَقْ. [24] {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} [مريم: 24] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ مِنْ تَحْتِهَا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالتَّاءِ يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ مَرْيَمُ عَلَى أَكَمَةٍ وَجِبْرِيلُ وَرَاءَ الْأَكَمَةِ تَحْتَهَا فَنَادَاهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّاءِ وَأَرَادَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْضًا نَادَاهَا مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ. وَقِيلَ: هُوَ عِيسَى لَمَّا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ نَادَاهَا، {أَلَّا تَحْزَنِي} [مريم: 24] وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهما، والسدي وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُنَادِيَ كَانَ جِبْرِيلَ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَهَا وَعَرَفَ جَزَعَهَا نَادَاهَا أَلَّا تَحْزَنِي، {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: 24] والسري: النَّهْرُ الصَّغِيرُ. وَقِيلَ: تَحْتَكَ أَيْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَحْتَ أَمْرِكِ إِنْ أَمَرْتِيهِ أَنْ يَجْرِيَ جَرَى وَإِنْ أَمَرْتِيهِ بِالْإِمْسَاكِ أَمْسَكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ضَرَبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَيُقَالُ: ضَرَبَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَظَهَرَتْ عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ وَجَرَى. وَقِيلَ: كَانَ هُنَاكَ نهر يا بس أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ الْمَاءَ وَحَيِيَتِ النَّخْلَةُ الْيَابِسَةُ، فَأَوْرَقَتْ وَأَثْمَرَتْ وَأَرْطَبَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَحْتَكِ سَرِيًّا يَعْنِي عِيسَى وَكَانَ وَاللَّهِ عَبْدًا سَرِيًّا يَعْنِي رَفِيعًا. [25] {وَهُزِّي إِلَيْكِ} [مريم: 25] يَعْنِي قِيلَ لِمَرْيَمَ: حَرِّكِي {بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 25] تَقُولُ الْعَرَبُ: هَزَّهُ وَهَزَّ بِهِ، كَمَا يَقُولُ حَزَّ رَأْسَهُ وَحَزَّ برأسه، وأمدد الجبل وأمدد به، {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ} [مريم: 25] الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ وتشديد السين، يعني تَتَسَاقَطُ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي السين يعني تُسْقِطُ عَلَيْكِ النَّخْلَةُ رُطَبًا، وَخَفَّفَ حَمْزَةُ السِّينَ وَحَذَفَ التَّاءَ الَّتِي أَدْغَمَهَا غَيْرُهُ، وَقَرَأَ حَفْصٌ بِضَمِّ التاء وكسر القاف خفيف عَلَى وَزْنِ تَفَاعُلٍ وتُسَاقِطُ بِمَعْنَى أَسْقَطَ، وَالتَّأْنِيثُ لِأَجْلِ النَّخْلَةِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (يَسَّاقَطُ) بِالْيَاءِ مُشَدَّدَةً رِدَّةً إلى الجذع، {رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25] مَجْنِيًّا. وَقِيلَ: الْجَنْيُ هُوَ الَّذِي بَلَغَ الْغَايَةَ، وَجَاءَ أَوَانَ اجْتِنَائِهِ. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: مَا لِلنُّفَسَاءِ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ، وَلَا لِلْمَرِيضِ خَيْرٌ مِنَ الْعَسَلِ. [قوله تعالى فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا. . . .] [26] قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي} [مريم: 26] يعني فَكُلِي يَا مَرْيَمُ مِنَ الرُّطَبِ وَاشْرَبِي مِنْ مَاءِ النَّهْرِ، {وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم: 26] يعني طِيبِي نَفْسًا وَقِيلَ: قَرِّي عَيْنَكِ بِوَلَدِكِ عِيسَى. يُقَالُ: أَقَرَّ اللَّهُ عينك يعني صَادَفَ فُؤَادَكَ مَا يُرْضِيكَ، فَتَقَرُّ عينك من النظر إليه. وَقِيلَ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ يَعْنِي أَنَامَهَا، يُقَالُ: قَرَّ يَقِرُّ إِذَا سَكَنَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَيْنَ إِذَا بَكَتْ مِنَ السُّرُورِ فَالدَّمْعُ بَارِدٌ وَإِذَا بَكَتْ مِنَ الْحُزْنِ فَالدَّمْعُ يَكُونُ حَارًّا، فَمِنْ هَذَا قِيلَ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَأَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} [مريم: 26] يعني ترين، فَدَخَلَ عَلَيْهِ نُونُ التَّأْكِيدِ فَكُسِرَتِ الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، مَعْنَاهُ: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَيَسْأَلُكِ عَنْ وَلَدِكِ {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] يعني: صَمْتًا، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكَلَامِ. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ في بني إسرائيل من إذا أَرَادَ أَنْ يَجْتَهِدَ صَامَ عَنِ الْكَلَامِ كَمَا يَصُومُ عَنِ الطَّعَامِ فَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُمْسِيَ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمْرَهَا أَنْ تَقُولَ هَذَا إِشَارَةً. وَقِيلَ: أَمَرَهَا أَنْ تَقُولَ هَذَا الْقَدْرَ نُطْقًا ثُمَّ تُمْسِكُ عَنِ الْكَلَامِ بَعْدَهُ، {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] يُقَالُ كَانَتْ تُكَلِّمُ الْمَلَائِكَةَ وَلَا تُكَلِّمُ الْإِنْسَ. [27] {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} [مريم: 27] وقيل: إنه وَلَدَتْهُ ثُمَّ حَمَلَتْهُ فِي الْحَالِ إِلَى قَوْمِهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَمَلَ يوسف النجار مريم عليها السلام وابنها عيسى صلوات الله على نبينا وعليه إلى غار ومكث أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى طَهُرَتْ مِنْ نِفَاسِهَا، ثُمَّ

حَمَلَتْهُ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ إِلَى قَوْمِهَا. فَكَلَّمَهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ أَبْشِرِي فَإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَمَسِيحُهُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَى أَهْلِهَا وَمَعَهَا الصَّبِيُّ بَكَوْا وَحَزِنُوا وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ صَالِحِينَ، {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} [مَرْيَمَ: 27] عَظِيمًا مُنْكَرًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ أَمْرٍ فَائِقٍ مِنْ عَجَبٍ أَوْ عَمَلٍ فَهُوَ فَرِيٌّ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَرَ: «فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يفري فريه» (¬1) يعني عمله. [28] {يا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28] يُرِيدُ يَا شَبِيهَةَ هَارُونَ، قَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: كَانَ هَارُونُ رَجُلًا صَالِحًا عَابِدًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وروي أَنَّهُ اتَّبَعَ جَنَازَتَهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمْ يُسَمَّى هَارُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِوَى سَائِرِ الناس، شبهوها عَلَى مَعْنَى إِنَّا ظَنَنَّا أَنَّكِ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاحِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْأُخُوَّةَ فِي النَّسَبِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإِسْرَاءِ: 27] أَيْ أشباههم. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ هَارُونُ أَخَا مَرْيَمَ مِنْ أَبِيهَا، وَكَانَ أَمْثَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا عَنَوْا بِهِ هَارُونَ أَخَا مُوسَى لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نَسْلِهِ كَمَا يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ يَا أَخَا تَمِيمٍ. وَقِيلَ: كَانَ هَارُونُ رَجُلًا فَاسِقًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَظِيمَ الْفِسْقِ فَشَبَّهُوهَا بِهِ. {مَا كَانَ أَبُوكِ} [مريم: 28] عمران، {امْرَأَ سَوْءٍ} [مريم: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: زَانِيًا، {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ} [مريم: 28] حنة، {بَغِيًّا} [مريم: 28] أَيْ زَانِيَةً فَمِنْ أَيْنَ لَكِ هذا الولد؟ [29] {فَأَشَارَتْ} [مريم: 29] مريم {إِلَيْهِ} [مريم: 29] أَيْ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أن كلموه. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما. لَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهَا حُجَّةٌ أَشَارَتْ إِلَيْهِ لِيَكُونَ كَلَامُهُ حُجَّةً لَهَا، وَفِي الْقِصَّةِ: لَمَّا أَشَارَتْ إِلَيْهِ غَضِبَ الْقَوْمُ، وَقَالُوا مَعَ ما فعلت أتسخرين بنا؟ ثم، {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29] أَيْ: مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ، وَهُوَ حِجْرُهَا. وَقِيلَ: هُوَ الْمَهْدُ بعينه، {كَانَ} [مريم: 29] بِمَعْنَى هُوَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ صِلَةٌ أَيْ كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ، وَقَدْ يَجِيءُ كَانَ حَشْوًا فِي الْكَلَامِ لَا مَعْنَى لَهُ كَقَوْلِهِ: {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإِسْرَاءِ: 93] أَيْ: هَلْ أَنَا؟ قَالَ السُّدِّيُّ: فَلَمَّا سَمِعَ عِيسَى كَلَامَهُمْ تَرَكَ الرِّضَاعَ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: لَمَّا أَشَارَتْ إِلَيْهِ تَرَكَ الثَّدْيَ وَاتَّكَأَ عَلَى يَسَارِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَمِينِهِ. [30] {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] وَقَالَ وَهْبٌ: أَتَاهَا زَكَرِيَّا عِنْدَ مُنَاظَرَتِهَا الْيَهُودَ فَقَالَ لِعِيسَى: انْطِقْ بِحُجَّتِكَ إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ بِهَا، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَلْ هُوَ يَوْمَ وُلِدَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ إِلَهًا، {آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30] قِيلَ: مَعْنَاهُ سَيُؤْتِينِي الْكِتَابَ وَيَجْعَلُنِي نَبِيًّا. وَقِيلَ: هَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا كتب فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كَمَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَتَّى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» (¬2) . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: أُوتِيَ الْإِنْجِيلَ وَهُوَ صَغِيرٌ طِفْلٌ، وَكَانَ يَعْقِلُ عَقْلَ الرِّجَالِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: أُلْهِمَ التَّوْرَاةَ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. [31] {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31] أَيْ نَفَّاعًا حَيْثُ مَا تَوَجَّهْتُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ. وَقِيلَ: مُبَارَكًا عَلَى مَنْ تَبِعَنِي: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 31] أَيْ أَمَرَنِي بِهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لِعِيسَى مَالٌ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالزَّكَاةِ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ بِالزَّكَاةِ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ. وَقِيلَ: أوصاني بالزكاة أي أمرني أن أوصيكم بالزكاة. وَقِيلَ: بِالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْرِ. {مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] [32] {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} [مريم: 32] أَيْ وَجَعَلَنِي بَرًّا بِوَالِدَتِي، {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32] أي عاصيا لربه. وقيل: ¬

(¬1) أخرجه البخاري في المناقب 6 / 629 ومسلم في فضائل الصحابة برقم (2393) 4 / 1862. (¬2) صححه الحاكم في المستدرك 2 / 609 وأخرجه الإمام أحمد في المسند 5 / 379 والبخاري في تاريخه 7 / 374.

قوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر

الشَّقِيُّ الَّذِي يُذْنِبُ وَلَا يَتُوبُ. [33] {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ} [مريم: 33] أي السلام عِنْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ طَعْنِ الشَّيْطَانِ. {وَيَوْمَ أَمُوتُ} [مريم: 33] أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنَ الشِّرْكِ، {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] من الأهوال، فلما كَلَّمَهُمْ عِيسَى بِهَذَا عَلِمُوا بَرَاءَةَ مَرْيَمَ ثُمَّ سَكَتَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ الْمُدَّةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا الصِّبْيَانُ. [34] {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [مَرْيَمَ: 34] قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ ذَلِكَ الَّذِي قَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ: {قَوْلَ الْحَقِّ} [مريم: 34] بِنَصْبِ اللَّامِ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ: قَالَ: قَوْلَ الْحَقِّ، {الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم: 34] يَخْتَلِفُونَ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُوَ اللَّهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُوَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ, وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ اللَّامِ يَعْنِي هُوَ قَوْلُ الْحَقِّ، أَيْ هَذَا الْكَلَامُ هُوَ قَوْلُ الْحَقِّ، أَضَافَ الْقَوْلَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ: حق اليقين، ووعد الصِّدْقِ، وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، يَعْنِي ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ وَيَشُكُّونَ وَيَخْتَلِفُونَ وَيَقُولُونَ غَيْرَ الْحَقِّ، ثُمَّ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ الْوَلَدَ، ثم عظم نفسه فَقَالَ: [35] {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} [مريم: 35] أَيْ مَا كَانَ مِنْ صِفَتِهِ اتِّخَاذُ الْوَلَدِ. وَقِيلَ: اللَّامُ مَنْقُولَةٌ أي ما كان الله أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، {سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا} [مريم: 35] إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ أَمْرًا، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [مريم: 35] [36] {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} [مريم: 36] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 31] وَبِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَقَرَأَ أَهْلُ الشَّامِ وَالْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، {فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [مريم: 36] [37] قوله: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} [مريم: 37] يَعْنِي النَّصَارَى سُمُّوا أَحْزَابًا لِأَنَّهُمْ تَحَزَّبُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ فِي أَمْرِ عِيسَى، النُّسْطُورِيَّةُ وَالمَلِكَانِيَّةُ وَاليَعْقُوبِيَّةُ. {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: 37] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [38] {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} [مريم: 38] أَيْ مَا أَسْمَعَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ وَيُبْصِرُونَ فِي الْآخِرَةِ مَا لَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُبْصِرُوا فِي الدُّنْيَا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا أَحَدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَسْمَعُ مِنْهُمْ وَلَا أَبْصَرُ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِيسَى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: 116] الآية. {يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [مريم: 38] أَيْ: فِي خَطَأٍ بَيِّنٍ. [قَوْلُهُ تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ] وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [39] {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: 39] فُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ وَأُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، وذبح الموت. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ

أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيُشْرِفُونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ ينادي: يا أهل النار فيشرقون وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» (¬1) ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39] أَيْ عَمَّا يُفْعَلُ بِهِمْ فِي الآخرة، {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] لا يصدقون. [40] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} [مَرْيَمَ: 40] أَيْ نُمِيتُ سُكَّانَ الْأَرْضِ وَنُهْلِكُهُمْ جَمِيعًا، وَيَبْقَى الرَّبُّ وَحْدَهُ فَيَرِثُهُمْ، {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40] فنجزيهم بأعمالهم. [41] {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41] الصِّدِّيقُ الْكَثِيرُ الصِّدْقِ الْقَائِمُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَنْ صَدَّقَ اللَّهَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصَدَّقَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَصَدَّقَ بِالْبَعْثِ، وَقَامَ بِالْأَوَامِرِ فَعَمِلَ بِهَا، فهو الصديق. والنبي الْعَالِي فِي الرُّتْبَةِ بِإِرْسَالِ اللَّهِ تعالى إياه. [42] قوله تعالى: {إِذْ قَالَ} [مريم: 42] إبراهيم، {لِأَبِيهِ} [مريم: 42] آزَرَ وَهُوَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ} [مريم: 42] صوتا، {وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: 42] شيئا، {وَلَا يُغْنِي عَنْكَ} [مريم: 42] أي لا يكفيك، {شَيْئًا} [مريم: 42] [43] {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ} [مريم: 43] بِاللَّهِ وَالْمَعْرِفَةِ، {مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي} [مريم: 43] عَلَى دِينِي، {أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: 43] مُسْتَقِيمًا. [44] {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم: 44] لَا تُطِعْهُ فِيمَا يُزَيِّنُ لَكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم: 44] عَاصِيًا، كَانَ بِمَعْنَى الْحَالِ، أَيْ هُوَ كَذَلِكَ. [45] {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ} [مريم: 45] أي أعلم، {أَنْ يَمَسَّكَ} [مريم: 45] يصيبك، {عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} [مريم: 45] إِنْ أَقَمْتَ عَلَى الْكُفْرِ، {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45] قرينا في النار. [46] {قَالَ} [مريم: 46] أَبُوهُ مُجِيبًا لَهُ، {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ} [مريم: 46] لَئِنْ لَمْ تَسْكُتْ وَتَرْجِعْ عَنْ عَيْبِكَ آلِهَتَنَا وَشَتْمِكَ إِيَّاهَا، {لَأَرْجُمَنَّكَ} [مريم: 46] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: لَأَشْتُمَنَّكَ وَلَأُبْعِدَنَّكَ عَنِّي بِالْقَوْلِ الْقَبِيحِ. قَالَ ابن عباس: لأضربنك. وقال الحسن: لأقتلنك بالحجارة. {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46] قال الكلبي: اجتنبني طَوِيلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: حِينًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: دَهْرًا. أصله المكث، ومنه يقال: تمليت حِينًا، وَالْمَلَوَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: سَالِمًا. وَقَالَ ابْنُ ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 428 ومسلم في الجنة وصفة نعيمها برقم (2849) 4 / 2188.

قوله تعالى واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا

عَبَّاسٍ: اعْتَزِلْنِي سَالِمًا لَا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، يُقَالُ: فُلَانٌ مَلِيٌّ بِأَمْرِ كَذَا إِذَا كَانَ كَافِيًا. [47] {قَالَ} [مريم: 47] إبراهيم، {سَلَامٌ عَلَيْكَ} [مريم: 47] أَيْ سَلِمْتَ مِنِّي لَا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالِهِ عَلَى كُفْرِهِ. وَقِيلَ: هَذَا سَلَامُ هِجْرَانٍ وَمُفَارَقَةٍ. وَقِيلَ: سَلَامُ بر ولطف، هو جَوَابُ الْحَلِيمِ لِلسَّفِيهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: 47] قِيلَ. إِنَّهُ لَّمَّا أَعْيَاهُ أَمَرَهُ وَوَعَدَهُ أَنْ يُرَاجِعَ اللَّهَ فِيهِ، فَيَسْأَلَهُ أَنْ يَرْزُقَهُ التَّوْحِيدَ وَيَغْفِرَ لَهُ، مَعْنَاهُ سَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى لَكَ تَوْبَةً تَنَالُ بِهَا الْمَغْفِرَةَ. {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: 47] بَرًّا لَطِيفًا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَالِمًا يَسْتَجِيبُ لِي إِذَا دَعَوْتُهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: عَوَّدَنِي الْإِجَابَةَ لِدُعَائِي. [48] {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم: 48] أَيْ: أَعْتَزِلُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ اعْتِزَالُهُ إِيَّاهُمْ أَنَّهُ فَارَقَهُمْ مِنْ كُوثَى، فَهَاجَرَ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ المقدسة، {وَأَدْعُو رَبِّي} [مريم: 48] أَيْ أَعْبُدُ رَبِّي، {عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48] أي عسى ألا أشقى بدعائه وعبادته، كما أنتم تشقون بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: عَسَى أَنْ يُجِيبَنِي إِذَا دَعَوْتُهُ وَلَا يُخَيِّبَنِي. [49] {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم: 49] فذهب مهاجرا. [50] {وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} [مريم: 50] أي: نعمتنا. قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَالُ وَالْوَلَدُ، وَهُوَ قول الأكثرين، قالوا معناه: مَا بُسِطَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ سَعَةِ الرِّزْقِ. وَقِيلَ: الْكِتَابُ وَالنُّبُوَّةُ، {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم: 50] يَعْنِي ثَنَاءً حَسَنًا رَفِيعًا فِي كُلِّ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، فَكُلُّهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُمْ ويثنون عليهم. [قوله تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا] وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا. . . . [51] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} [مريم: 51] غَيْرَ مُرَاءٍ أَخْلَصَ الْعِبَادَةَ وَالطَّاعَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَرَأَ أَهْلُ الكوفة ميم مُخْلَصًا بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مُخْتَارًا اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: أَخْلَصَهُ اللَّهُ مِنَ الدَّنَسِ {وَكَانَ رسولا نبيا} [مريم: 51] [52] {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} [مريم: 52] يَعْنِي يَمِينَ مُوسَى، وَالطَّورُ: جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ وَمَدْيَنَ. وَيُقَالُ اسْمُهُ الزُّبَيْرُ، وَذَلِكَ حِينَ أَقْبَلَ مِنْ مدين ورأى النار {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القَصَصِ: 30] {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52] أَيْ: مُنَاجِيًا، فَالنَّجِيُّ الْمُنَاجِي، كَمَا يُقَالُ: جَلِيسٌ وَنَدِيمٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ قَرَّبَهُ فَكَلَّمَهُ، وَمَعْنَى التَّقْرِيبِ إِسْمَاعُهُ كَلَامَهُ. وَقِيلَ: رَفَعَهُ عَلَى الْحَجْبِ حَتَّى سَمِعَ صَرِيرَ الْقَلَمِ. [53] {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53] وَذَلِكَ حِينَ دَعَا مُوسَى فَقَالَ: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي - هَارُونَ أَخِي} [طَهَ: 29 - 30] فَأَجَابَ اللَّهُ دعاءه وأرسل إلى هَارُونَ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ هِبَةً لَهُ. [54] {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} [مريم: 54] وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ

بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54] قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَعِدْ شَيْئًا إلا وفى به {وَكَانَ رَسُولًا} [مريم: 54] إلى جرهم، {نَبِيًّا} [مريم: 54] مُخْبِرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [55] {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} [مريم: 55] أَيْ: قَوْمَهُ. وَقِيلَ: أَهْلَهُ وَجَمِيعَ أمته، {بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم: 55] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الَّتِي افْتُرِضَتْ عَلَيْنَا، {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 55] قائما لله بطاعته. وقيل: رَضِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنُبُّوتِهِ ورسالته. [56] قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ} [مريم: 56] هو جَدُّ أَبِي نُوحٍ، وَاسْمُهُ: أَخْنُوخُ، سُمِّيَ إِدْرِيسَ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ الْكُتُبَ. وَكَانَ خَيَّاطًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ خَاطَ الثياب، ولبس الثياب المخيطة، وَكَانُوا مِنْ قَبْلِهِ يَلْبَسُونَ الْجُلُودَ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ السِّلَاحَ, وَقَاتَلَ الْكُفَّارَ، وَأَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمِ النُّجُومِ وَالْحِسَابِ، {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 56] [57] {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57] قيل: هي الْجَنَّةَ. وَقِيلَ: هِيَ الرِّفْعَةُ بِعُلُوِّ الرتبة في الدنيا. وقيل: أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. [58] {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} [مريم: 58] أَيْ إِدْرِيسَ وَنُوحًا، {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [مريم: 58] أَيْ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، يُرِيدُ إبراهيم لأنه ولد سَامِ بْنِ نُوحٍ، {وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} [مريم: 58] يُرِيدُ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، قَوْلُهُ: {وَإِسْرَائِيلَ} [مريم: 58] أَيْ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ وَهُمْ موسى وهارون وزكريا ويحيى، {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [مريم: 58] هَؤُلَاءِ كَانُوا مِمَّنْ أَرْشَدْنَا وَاصْطَفَيْنَا، {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] سُجَّدًا جَمْعُ سَاجِدٍ وَبُكِيًّا جَمْعُ بَاكٍ، أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا بِآيَاتِ اللَّهِ سجدوا وبكوا. [59] قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [مريم: 59] أَيْ: مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّينَ الْمَذْكُورِينَ خَلْفٌ وَهُمْ قَوْمُ سُوءٍ وَالْخَلَفُ بِالْفَتْحِ الصَّالِحُ وَبِالْجَزْمِ الطَّالِحُ قَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِمُ الْيَهُودَ وَمَنْ لَحِقَ بِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هم قوم فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} [مريم: 59] تَرَكُوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمُ: أَخَّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: هُوَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَصْرُ وَلَا الْعَصْرَ حَتَّى تغرب الشمس، {وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59] أي المعاصي وشرب الخمر، أي آثَرُوا شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يظهرون في آخر الزمان ينزوا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْأَسْوَاقِ والأزقة. {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] قال ابن وَهْبٌ: الْغَيُّ نَهْرٌ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدٌ قَعْرُهُ خَبِيثٌ طَعْمُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، وَإِنَّ أَوْدِيَةَ جَهَنَّمَ لَتَسْتَعِيذُ مِنْ حَرِّهِ أُعِدَّ لِلزَّانِي الْمُصِرِّ عَلَيْهِ، وَلِشَارِبِ الْخَمْرِ الْمُدْمِنِ عَلَيْهَا، وَلِآكِلِ الرِّبَا الَّذِي لَا يَنْزِعُ عَنْهُ، وَلِأَهْلِ الْعُقُوقِ وَلِشَاهِدِ الزُّورِ، ولا مرأة أدخلت على زوجها ولدا، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ قَيْحًا وَدَمًا. وَقَالَ كَعْبٌ: هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أبعدها قعرا، وأشدها حرا فيه بِئْرٍ تُسَمَّى الْهِيمُ، كُلَّمَا خَبَتْ جَهَنَّمُ فَتَحَ اللَّهُ تِلْكَ الْبِئْرَ فيسعر بها جهنم وَقَالَ الضَّحَّاكُ: غَيًّا وَخُسْرَانًا. وَقِيلَ: هَلَاكًا. وَقِيلَ: عَذَابًا. وَقَوْلُهُ: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ليس مراده يَرَوْنَ فَقَطْ بَلْ مَعْنَاهُ الِاجْتِمَاعُ والملابسة مع الروية. [60] {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم: 60] [61] {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} [مريم: 61] وَلَمْ يَرَوْهَا، {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم: 61] يَعْنِي آتِيًا مَفْعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ آتِيًا لِأَنَّ كل من أتاك فقد أتته، وَالْعَرَبُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ أَتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ سَنَةً وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَتَيْتُ عَلَى خَمْسِينَ سَنَةً، وَيَقُولُ: وَصَلَ إِلَيَّ الْخَيْرُ ووصلت إلى الخير، قال ابن جرير: وعده أي موعوده، وَهُوَ الْجَنَّةُ مَأْتِيًّا يَأْتِيهِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ.

قوله تعالى ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج

[62] {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا} [مريم: 62] في الجنة {لَغْوًا} [مريم: 62] بَاطِلًا وَفُحْشًا وَفُضُولًا مِنَ الْكَلَامِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، {إِلَّا سَلَامًا} [مريم: 62] اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ يَعْنِي بَلْ يَسْمَعُونَ فِيهَا سَلَامًا أَيْ قَوْلًا يَسْلَمُونَ مِنْهُ، وَالسَّلَامُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ السَّلَامَةَ، مَعْنَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَسْمَعُونَ مَا يُؤَثِّمُهُمْ, إِنَّمَا يَسْمَعُونَ مَا يُسَلِّمُهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَتَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ تَسْلِيمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ يُعْرَفُ بِهِ الْبُكْرَةُ وَالْعَشِيُّ، بَلْ هُمْ فِي نُورٍ أبدا ولكنهم يؤتون بِأَرْزَاقِهِمْ عَلَى مِقْدَارِ طَرَفَيِ النَّهَارِ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ وَقْتَ النَّهَارِ بِرَفْعِ الْحُجُبِ، وَوَقْتَ اللَّيْلِ بِإِرْخَاءِ الْحُجُبِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ رَفَاهِيَةُ الْعَيْشِ وَسَعَةُ الرِّزْقِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: كَانَتِ الْعَرَبُ لَا تَعْرِفُ مِنَ الْعَيْشِ أَفْضَلَ مِنَ الرِّزْقِ بِالْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ، فَوَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أهل جَنَّتَهَ بِذَلِكَ. [63] {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} [مريم: 63] أَيْ: نُعْطِي ونُنْزِلُ. وَقِيلَ: يُورِثُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَسَاكِنَ الَّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ آمَنُوا، {مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63] أي المتقين من عباده. [64] {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تَزُورَنَا؟» فَنَزَلَتْ {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} [مريم: 64] الْآيَةَ: قَالَ: كَانَ هَذَا الْجَوَابُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (¬1) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: «احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ قَوْمُهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ، فَقَالَ: أُخْبِرُكُمْ غَدًا وَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تم نَزَلَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتَّى سَاءَ ظَنِّي وَاشْتَقْتُ إِلَيْكَ "، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنِّي كُنْتُ أَشْوَقَ، وَلَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ إِذَا بُعِثْتُ نَزَلْتُ وَإِذَا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] وأَنْزَلَ: {وَالضُّحَى - وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى - مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1 - 3] » {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} [مريم: 64] أَيْ لَهُ عِلْمُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَمَا خَلْفَنَا مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا وَمَا بَيْنَ ذلك ما يكون هذا من الْوَقْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ أَمْرِ الآخرة وما خلفنا من أمر الدنيا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ أَيْ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا خَلْفَنَا مَا مَضَى مِنْهَا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مُدَّةُ حَيَاتِنَا. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِينَا بَعْدَ أَنْ نَمُوتَ وَمَا خَلْفَنَا قَبْلَ أَنْ نُخْلَقَ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مُدَّةُ الْحَيَاةِ. وقيل: ما بين أيدينا من الْأَرْضُ إِذَا أَرَدْنَا النُزُولَ إِلَيْهَا وَمَا خَلْفَنَا السَّمَاءُ إِذَا نَزَلْنَا مِنْهَا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ الْهَوَاءُ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِأَمْرِهِ. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] أَيْ نَاسِيًا، يَقُولُ: مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ أَيْ مَا تَرَكَكَ، وَالنَّاسِي التَّارِكُ. [65] {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم: 65] أَيِ اصْبِرْ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: مثلا. وقال سعيد بن جبير: عدلا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ. هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا يسمى الله غيره. [قوله تعالى وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ] حَيًّا. . . . [66] {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ} [مريم: 66] يَعْنِي أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الْجُمَحِيَّ كَانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ، قَالَ: {أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [مريم: 66] من القبر، قاله استهزاء وتكذيبا للبعث. ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 428 وفي التوحيد 13 / 440 والمصنف في شرح السنة 13 / 325.

[67] قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَلَا يَذْكُرُ} [مريم: 67] أَيْ يَتَذَكَّرُ وَيَتَفَكَّرُ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ يَذْكُرُ خفيف، {الْإِنْسَانُ} [مريم: 67] يَعْنِي أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 67] أَيْ لَا يَتَفَكَّرُ هَذَا الْجَاحِدُ فِي بَدْءِ خَلْقِهِ فَيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ، ثُمَّ أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ، فقال: [68] {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} [مريم: 68] أي لَنَجْمَعَنَّهُمْ فِي الْمَعَادِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ المنكرين للبعث، {وَالشَّيَاطِينَ} [مريم: 68] مَعَ الشَّيَاطِينِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحْشُرُ كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيْطَانِهِ فِي سِلْسِلَةٍ، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ} [مريم: 68] قيل: في جهنم، {جِثِيًّا} [مريم: 68] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَمَاعَاتٍ، جَمْعُ جَثْوَةٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ: جَمْعُ جَاثٍ أَيْ جَاثِينَ عَلَى الرُّكَبِ. قَالَ السُّدِّيُّ: قَائِمِينَ عَلَى الرُّكَبِ لِضِيقِ الْمَكَانِ. [69] {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ} [مريم: 69] لنخرجن، {مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} [مريم: 69] أَيْ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَأَهْلِ دِينٍ مِنَ الْكُفَّارِ. {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69] عُتُوًّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي جَرْأَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فُجُورًا يُرِيدُ الْأَعْتَى فَالْأَعْتَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَائِدُهُمْ وَرَأْسُهُمْ فِي الشَّرِّ يُرِيدُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ فِي إدخال النار مَنْ هُوَ أَكْبَرُ جُرْمًا وَأَشَدُّ كفرا. وفي بعض الآثار أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلمين مَغْلُولِينِ، ثُمَّ يُقَدَّمُ الْأَكْفَرُ فَالْأَكْفَرُ وَرَفَعَ أَيُّهُمْ عَلَى مَعْنَى الَّذِي، يُقَالُ لَهُمْ: أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا. وَقِيلَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، ثُمَّ لَننْزِعَنَّ يَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ. [70] {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم: 70] أَيْ أَحَقُّ بِدُخُولِ النَّارِ، يُقَالُ: صَلِي يَصْلَى صِلِيًّا مِثْلُ لَقِيَ يلقى لقيا، صلى يَصْلِي صُلِيًّا مِثْلُ مَضَى يَمْضِي مُضِيًّا إِذَا دَخَلَ النَّارَ وَقَاسَى حرها. [71] {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مَرْيَمَ: 71] أي وَمَا مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا, وَقِيلَ: القسم في مُضْمَرٌ أَيْ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَارِدُهَا, وَالْوُرُودُ هُوَ مُوَافَاةُ الْمَكَانِ, وَاخْتَلَفُوا فِي الْوُرُودِ هَاهُنَا وَفِيمَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الكناية في قوله: {وَارِدُهَا} [مريم: 71] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مَعْنَى الْوُرُودِ هَاهُنَا هُوَ الدُّخُولُ، وَالْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّارِ، وَقَالُوا: النَّارُ يَدْخُلُهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، ثُمَّ يُنْجِّي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُرُودَ هُوَ الدُّخُولُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: 98] وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْوُرُودِ الدُّخُولَ, وَقَالُوا: النَّارُ لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ أَبَدًا, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 101 - 102] وَقَالُوا: كُلُّ مَنْ دَخَلَهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا, وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] الْحُضُورُ وَالرُّؤْيَةُ, لَا الدُّخُولُ, كَمَا قال تَعَالَى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} [القصص: 23]

أراد به الحضور. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا يَعْنِي الْقِيَامَةَ وَالْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ جَمِيعًا يَدْخُلُونَ النَّارَ ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72] أَيِ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ. وَالنَّجَاةُ إِنَّمَا تَكُونُ مِمَّا دَخَلْتَ فيه لا ما وردت والدليل على هذا ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجُ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» (¬1) وَأَرَادَ بِالْقَسَمِ قَوْلَهُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مَرْيَمَ: 71] عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ. وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» (¬2) وَقَالَ أَبَانُ عَنْ قَتَادَةَ " مِنْ إِيمَانٍ " مكان " خير " وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 102] قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنْ وَقْتِ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يكون قَدْ سَمِعُوا ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَمْ يسمعوا حسيسها ويجوز ألا يَسْمَعُوا حَسِيسَهَا عِنْدَ دُخُولِهِمْ إِيَّاهَا، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُهَا عليهم بردا وسلاما. {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71] أَيْ كَانَ وُرُودُكُمْ جَهَنَّمَ حَتْمًا لَازِمًا مَقْضِيًّا قَضَاهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. [72] {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72] أَيِ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ (نُنْجِي) بِالتَّخْفِيفِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72] جَمِيعًا. وَقِيلَ: جَاثِينَ عَلَى الرُّكَبِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ دَخَلُوهَا ثُمَّ أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا الْمُتَّقِينَ، وَتَرَكَ فِيهَا الظَّالِمِينَ، وَهُمُ المشركون. [73] {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [مريم: 73] واضحات، {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [مريم: 73] يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَذَوِيهِ من قريش، {لِلَّذِينَ آمَنُوا} [مريم: 73] يَعْنِي فُقَرَاءَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ فِيهِمْ قَشَافَةٌ وَفِي عَيْشِهِمْ خُشُونَةٌ وَفِي ثِيَابِهِمْ رَثَاثَةٌ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُرَجِّلُونَ أشعارهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون ثِيَابِهِمْ، فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا} [مريم: 73] مَنْزِلًا وَمَسْكَنًا، وَهُوَ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (مُقَامًا) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ إِقَامَةً، {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] أَيْ مَجْلِسًا، وَمِثْلُهُ النَّادِي، فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: [74] {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا} [مريم: 74] أَيْ مَتَاعًا وَأَمْوَالًا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لباسا وثيابا، {وَرِئْيًا} [مريم: 74] قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ بِالْهَمْزِ أَيْ مَنْظَرًا مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ غَيْرَ ورش ريا مُشَدَّدًا بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَلَهُ تَفْسِيرَانِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ الْأَوَّلُ بِطَرْحِ الْهَمْزِ وَالثَّانِي مِنَ الرَّيِّ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَطَشِ، وَمَعْنَاهُ الِارْتِوَاءُ مِنَ النِّعْمَةِ، فَإِنَّ الْمُتَنَعِّمَ يَظْهَرُ فِيهِ ارْتِوَاءُ النِّعْمَةِ، وَالْفَقِيرُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ ذُيُولُ الْفَقْرِ. [75] {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] هَذَا أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، مَعْنَاهُ يَدَعُهُ فِي طُغْيَانِهِ وَيُمْهِلُهُ فِي كُفْرِهِ، {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ} [مريم: 75] وَهُوَ الْأَسْرُ وَالْقَتْلُ فِي الدُّنْيَا، {وَإِمَّا السَّاعَةَ} [مريم: 75] يَعْنِي الْقِيَامَةُ فَيَدْخُلُونَ النَّارَ، {فَسَيَعْلَمُونَ} [مريم: 75] عِنْدَ ذَلِكَ {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا} [مريم: 75] منزلا، {وَأَضْعَفُ جُنْدًا} [مريم: 75] أَقَلُّ نَاصِرًا أَهُمْ أَمِ الْمُؤْمِنُونَ؟ لِأَنَّهُمْ فِي النَّارِ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي الْجَنَّةِ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا} [مريم: 73] [76] {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] أَيْ إِيمَانًا وَإِيقَانًا عَلَى يَقِينِهِمْ، {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} [الكهف: 46] ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور 11 / 541 ومسلم في البر والصلة برقم (2632) 4 / 2028. (¬2) أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 103 ومسلم في الإيمان رقم (192) 1 / 182.

قوله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين

الْأَذْكَارُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي تَبْقَى لِصَاحِبِهَا، {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم: 76] عاقبة ومرجعا. [قوله تعالى أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ] مَالًا وَوَلَدًا. . . . [77] قوله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم: 77] عَنْ مَسْرُوقٍ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَاجْتَمَعَ مَالِي عِنْدَهُ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تبعث، قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قلت: نعم، قال: إنه سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأِقْضِيَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم: 77] (¬1) . [78] {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} [مريم: 78] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَظَرَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؟ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَعَلِمَ الغيب حتى يعلم في الجنة هو أم لا؟ {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 78] يَعْنِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله. وقال قتادة: يعني أعمل عَمَلًا صَالِحًا قَدَّمَهُ؟ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَعُهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ. [79] {كَلَّا} [مريم: 79] رَدَّ عَلَيْهِ يَعْنِي لَمْ يَفْعَلْ ذلك، {سَنَكْتُبُ} [مريم: 79] سنحفظ عليه، {مَا يَقُولُ} [مريم: 79] فَنُجَازِيهِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: نأمر الْمَلَائِكَةَ حَتَّى يَكْتُبُوا مَا يَقُولُ. {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [مريم: 79] أَيْ نَزِيدُهُ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ. وَقِيلَ: نُطِيلُ مُدَّةَ عَذَابِهِ. [80] {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} [مريم: 80] أَيْ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ بِإِهْلَاكِنَا إِيَّاهُ وَإِبْطَالِ مُلْكِهِ وَقَوْلُهُ مَا يَقُولُ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ لَهُ مَالًا وَوَلَدًا فِي الْآخِرَةِ، أَيْ لَا نُعْطِيهِ وَنُعْطِي غَيْرَهُ فَيَكُونُ الْإِرْثُ رَاجِعًا إِلَى مَا تَحْتَ الْقَوْلِ لَا إِلَى نَفْسِ الْقَوْلِ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} [مريم: 80] أَيْ: نَحْفَظُ مَا يَقُولُ حَتَّى نجازيه به، {وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم: 80] يوم القيامة لا مال ولا ولد. [81] {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً} [مريم: 81] يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ اتَّخَذُوا الْأَصْنَامَ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا، {لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81] أي منعة، يعني يكونون لَهُمْ شُفَعَاءَ يَمْنَعُونَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [82] {كَلَّا} [مريم: 82] أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} [مريم: 82] أي يجحد الْأَصْنَامُ وَالْآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِبَادَةَ الْمُشْرِكِينَ وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [الْقَصَصِ: 63] {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 82] أَيْ أَعْدَاءً لَهُمْ، وَكَانُوا أَوْلِيَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: أَعْوَانًا عَلَيْهِمْ يكذبونهم ويلعنونهم. [83] {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} [مريم: 83] أَيْ سَلَّطْنَاهُمْ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ حِينَ قَالَ لِإِبْلِيسَ: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] الآية {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] تُزْعِجُهُمْ إِزْعَاجًا مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْأَزُّ وَالْهَزُّ التَّحْرِيكُ أَيْ تحركهم وتحثهم على المعاصي. ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 430.

قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. . . .

[84] {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} [مريم: 84] أي لا تطلب عُقُوبَتِهِمْ، {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} [مريم: 84] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ وَالشُّهُورَ وَالْأَعْوَامَ. وَقِيلَ: الْأَنْفَاسَ الَّتِي يَتَنَفَّسُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي أُجِّلَ لِعَذَابِهِمْ. [85] قَوْلُهُ: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم: 85] أَيْ اذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ اليوم الذي يجتمع فِيهِ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي الدنيا بطاعته {إِلَى الرَّحْمَنِ} [مريم: 85] أي إِلَى جَنَّتِهِ وَفْدًا أَيْ جَمَاعَاتٍ جَمْعُ وَافِدٍ، مِثْلُ رَاكِبٍ وَرَكْبٍ. وَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رُكْبَانًا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَلَى الْإِبِلِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا يُحْشَرُونَ وَاللَّهِ عَلَى أَرْجُلِهِمْ وَلَكِنْ عَلَى نُوقٍ رِحَالُهَا الذَّهَبُ وَنَجَائِبُ سَرْجِهَا يَوَاقِيتُ إِنْ هَمُّوا بِهَا سَارَتْ وَإِنْ هَمُّوا بها طارت. [86] {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ} [مريم: 86] الكافرين الكاذبين، {إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم: 86] أَيْ مُشَاةً. وَقِيلَ: عِطَاشًا قَدْ تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ. وَالْوِرْدُ جَمَاعَةٌ يَرِدُونَ الْمَاءَ وَلَا يَرِدُ أَحْدٌ الْمَاءَ إِلَّا بَعْدَ عَطَشٍ. [87] {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مَرْيَمَ: 87] يَعْنِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَشْفَعُ الشَّافِعُونَ إِلَّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عهدا يعني المؤمنين، كقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ} [الْأَنْبِيَاءِ: 28] وَقِيلَ: لَا يَشْفَعُ إِلَّا مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَيْ لَا يَشْفَعُ إلا المؤمن. [قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. . . .] [88] {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [مريم: 88] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (وُلْدًا) بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ هَاهُنَا وَفِي الزُّخْرُفِ وَسُورَةِ نُوحٍ، وَوَافَقَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ فِي سُورَةِ نوح، والباقون بفتح الواو هاهنا، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْعَرَبِ وَالْعُرْبِ العجم وَالْعُجْمِ. [89] {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} [مريم: 89] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْكَرًا. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: عَظِيمًا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَقَدْ قُلْتُمْ قَوْلًا عَظِيمًا. وَالْإِدُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَعْظَمُ الدَّوَاهِي. [90] {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ} [مريم: 90] قرأ نافع والكسائي يكاد بالياء هاهنا وفي حمعسق لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لتأنيث السماوات، {يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم: 90] ها هنا وفي حمعسق بِالنُّونِ مِنَ الِانْفِطَارِ، أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ وَافَقَ ابْنَ عَامِرٍ وَحَمْزَةَ هَاهُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانْفِطَارِ: 1] وَ {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ} [الْمُزَّمِّلِ: 18] وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالتاء من التفطير وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، يُقَالُ: انْفَطَرَ الشَّيْءُ وَتَفَطَّرَ أَيْ تَشَقَّقَ، {وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90] أي: تنكسر كسرا. وقيل: تنشق الْأَرْضُ أَيْ تَنْخَسِفُ بِهِمْ، وَالِانْفِطَارُ فِي السَّمَاءِ أَنْ تُسْقَطَ عَلَيْهِمْ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَيْ تَنْطَبِقُ عليهم. [91] {أَنْ دَعَوْا} [مريم: 91] أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنْ جَعَلُوا. [ {لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 91]] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ: فَزِعَتِ السماوات وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَجَمِيعُ الْخَلَائِقِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، وَكَادَتْ أَنْ تَزُولَ وَغَضِبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَاسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ حِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، ثُمَّ نَفَى اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ الْوَلَدَ فَقَالَ: [92] {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] أَيْ مَا يَلِيقُ بِهِ اتِّخَاذُ الْوَلَدِ وَلَا يُوصَفُ بِهِ. [93] {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ} [مريم: 93] أَيْ إِلَّا آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {عَبْدًا} [مريم: 93] ذليلا خاضعا يعني الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عَبِيدُهُ. [94] {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} [مريم: 94] أَيْ عَدَّ أَنْفَاسَهُمْ وَأَيَّامَهُمْ وَآثَارَهُمْ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ. [95] {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مَرْيَمَ: 95] وَحِيدًا لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الدُّنْيَا شيء. [96] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96] أَيْ: مَحَبَّةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ

سورة طه

الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرَائِيلَ: قَدْ أَحْبَبْتُ فَلَانًا فأحبُّه، فَيُحِبُّهُ جِبْرَائِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ الْعَبْدَ» قَالَ مَالِكٌ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ في البغض مثل ذلك (¬1) . [97] {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [مريم: 97] أَيْ سَهَّلْنَا الْقُرْآنَ بِلِسَانِكَ يَا محمد، {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} [مريم: 97] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97] شِدَادًا فِي الْخُصُومَةِ، جَمْعُ الْأَلَدِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: صُمًّا عَنِ الْحَقِّ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَلَدُّ الظَّالِمُ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَلَدُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ وَيَدَّعِي الْبَاطِلَ. [98] {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ} [مريم: 98] هَلْ تَرَى، وَقِيلَ: هَلْ تَجِدُ {مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98] أَيْ صَوْتًا، وَالرِّكْزُ: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، قال الحسن: أي بَادُوا جَمِيعًا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ. [سُورَةُ طه] [قوله تعالى طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. .] . . (20) سورة طه [1] {طه} [طه: 1] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَبِكَسْرِهِمَا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهِمَا، قِيلَ: هُوَ قَسَمٌ. وَقِيلَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ يَا رَجُلُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ يَا رَجُلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ يَا إِنْسَانُ بِلُغَةِ عَكٍّ. وقال مقاتل: مَعْنَاهُ طَإِ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْكَ يُرِيدُ فِي التَّهَجُّدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كعب القرظي: هو قسم أَقْسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِطَوْلِهِ وَهِدَايَتِهِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الطاء افتتاح اسمه طاهر والهاء افتتاح اسمه هاد، قال الْكَلْبِيُّ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ بِمَكَّةَ اجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى كَانَ يُرَاوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِطُولِ قِيَامِهِ وَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: [2] {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2] وَقِيلَ: لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ اجْتِهَادَهُ فِي الْعِبَادَةِ قَالُوا: مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا لِشَقَائِكَ، فَنَزَلَتْ {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2] أي لتعني وَتَتْعَبَ، وَأَصْلُ الشَّقَاءِ فِي اللُّغَةِ الْعَنَاءُ. [3] {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 3] أَيْ لَكِنْ أَنْزَلْنَاهُ عِظَةً لِمَنْ يخشى. وقيل: تقديره ما أنزل عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى مَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى. [4] {تَنْزِيلًا} [طه: 4] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ تَذْكِرَةً، {مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ} [طه: 4] ¬

(¬1) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 953 والبخاري في الأدب 10 / 461 ومسلم في البر والصلة رقم (2637) 4 / 2030.

قوله تعالى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. . . .

أَيْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الأرض، {وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا} [طه: 4] يَعْنِي الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ وَهِيَ جَمْعُ العليا كقولهم كبرى وَصُغْرَى وَصُغَرُ. [5] {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] [6] {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [طه: 6] يَعْنِي الْهَوَاءَ، {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6] والثرى هو التراب الندي. [7] {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ} [طه: 7] أَيْ تُعْلِنْ بِهِ {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] قال الحسن: السر ما أسره الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَخْفَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَسَرَّ مِنْ نَفْسِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: السِّرُّ مَا تُسِرُّ فِي نَفْسِكَ وَأَخْفَى مِنَ السِّرِّ مَا يُلْقِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِكَ مِنْ بَعْدُ وَلَا تَعْلَمُ أَنَّكَ سَتُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ لِأَنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُسِرُّ بِهِ الْيَوْمَ وما تَعْلَمُ مَا تُسِرُّ بِهِ غَدًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا أَسْرَرْتَ الْيَوْمَ وما تسر به غدا. قال ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السِّرُّ مَا أَسَرَّ ابْنُ آدم في نفسه، والخفي مَا خَفِيَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فاعله قبل أن يعمله. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: السِّرُّ: الْعَمَلُ الَّذِي تسره مِنَ النَّاسِ، وَأَخْفَى: الْوَسْوَسَةُ. وَقِيلَ: السِّرُّ هُوَ الْعَزِيمَةُ وَأَخْفَى مَا يَخْطُرُ عَلَى الْقَلْبِ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى أَيْ يَعْلَمُ أَسْرَارَ الْعِبَادِ، وَأَخْفَى سِرَّهُ مِنْ عِبَادِهِ فَلَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ وَحَّدَ نَفْسَهَ، فَقَالَ: [8] {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] [9] {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه: 9] أَيْ قَدْ أَتَاكَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التقرير. [10] {إِذْ رَأَى نَارًا} [طه: 10] وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى اسْتَأْذَنَ شُعَيْبًا فِي الرُّجُوعِ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ لِزِيَارَةِ وَالِدَتِهِ وَأُخْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَكَانَتْ أيام الشتاء فَسَارَ فِي الْبَرِيَّةِ غَيْرَ عَارِفٍ بِطُرُقِهَا، فَأَلْجَأَهُ الْمَسِيرُ إِلَى جَانِبِ الطُّورِ الْغَرْبِيِّ الْأَيْمَنِ فِي لَيْلَةٍ مظلمة مثلجة شديدة البرد فَأَبْصَرَ نَارًا مِنْ بَعِيدٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ {فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [طه: 10] أَقِيمُوا، قَرَأَ حَمْزَةُ بِضَمِّ الْهَاءِ ههنا وفي القصص، {إِنِّي آنَسْتُ} [طه: 10] أَيْ أَبْصَرْتُ، {نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} [طه: 10] قطعة مِنْ نَارٍ، وَالْقَبَسُ قِطْعَةٌ مِنَ نار يأخذها في طرف عمود {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه: 10] أَيْ أَجِدُ عِنْدَ النَّارِ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى الطَّرِيقِ. [11] {فَلَمَّا أَتَاهَا} [طه: 11] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي رَآهُ مُوسَى نَارًا بَلْ كَانَ نُورًا ذُكِرَ بِلَفْظِ النَّارِ لِأَنَّ مُوسَى حَسِبَهُ نَارًا. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ نُورُ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ النَّارُ بِعَيْنِهَا وَهِيَ إِحْدَى حُجُبِ اللَّهِ تَعَالَى، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «حجابه النار لو كشفها الله لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إليه بصره من خلقه» (¬1) {نُودِيَ يا مُوسَى} [طه: 11] [12] {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [طه: 12] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو، " أَنِّي" بِفَتْحِ الْأَلِفِ عَلَى مَعْنَى: نُودِيَ بِأَنِّي، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ أَيْ نُودِيَ، فقيل: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} [طه: 12] أي المطهر، {طُوًى} [طه: 12] وطوى اسم الوادي وَقَالَ الضَّحَّاكُ: طُوًى وَادٍ مُسْتَدِيرٌ عَمِيقٌ مِثْلُ الطَّوِيِّ فِي اسْتِدَارَتِهِ. [قوله تعالى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. . . .] [13] {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} [طه: 13] اصْطَفَيْتُكَ بِرِسَالَاتِي، قَرَأَ حَمْزَةُ وَأَنَّا مُشَدَّدَةَ النُّونِ، اخْتَرْنَاكَ عَلَى التَّعْظِيمِ {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 13] إِلَيْكَ. [14] {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] وَلَا تَعْبُدْ غَيْرِي، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِتَذْكُرَنِي بها، وقال مقاتل: إذا تركت صلاة ثم ذكرتها، فأقمها. [15] {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أخفيها وأكاد صِلَةٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: مَعْنَاهُ أكاد أخفيها من نفسي وذكر ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الايمان برقم (179) 1 / 161.

ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا بَالَغُوا فِي كِتْمَانِ الشَّيْءِ يَقُولُونَ: كَتَمْتُ سِرَّكَ مِنْ نَفْسِي أَيْ أخفيته غاية الإخفاء والله تعالى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ: أَكَادُ أَيْ أُرِيدُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أُرِيدُ أُخْفِيهَا، وَالْمَعْنَى فِي إِخْفَائِهَا التَّهْوِيلُ وَالتَّخْوِيفُ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ كَانُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا كُلَّ وَقْتٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِفَتْحِ الْأَلِفِ أَيْ أُظْهِرُهَا، يُقَالُ: خَفِيتُ الشَّيْءَ إِذَا أَظْهَرْتَهُ وَأَخْفَيْتُهُ إذا سترته، وقوله تَعَالَى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15] أي تَعْمَلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. [16] {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} [طه: 16] فَلَا يَصْرِفَنَّكَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالسَّاعَةِ، {مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [طه: 16] مُرَادُهُ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ {فَتَرْدَى} [طه: 16] أَيْ فَتَهْلَكَ. [17] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا السُّؤَالِ تَنْبِيهُهُ وَتَوْقِيفُهُ عَلَى أَنَّهَا عَصًا حَتَّى إِذَا قَلَبَهَا حَيَّةً عَلِمَ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا؟ وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْضَمَّ إِقْرَارُهُ بِلِسَانِهِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِقَلْبِهِ. [18] {قَالَ هِيَ عَصَايَ} [طه: 18] قِيلَ: وَكَانَتْ لَهَا شُعْبَتَانِ وَفِي أسفلها سنان ولها محجن {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] أَعْتَمِدُ عَلَيْهَا إِذَا مَشَيْتُ وَإِذَا عييت وَعِنْدَ الْوَثْبَةِ، {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه: 18] أَضْرِبُ بِهَا الشَّجَرَةَ الْيَابِسَةَ لِيَسْقُطَ وَرَقُهَا فَتَرْعَاهُ الْغَنَمُ، وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ (وَأَهُسُّ) بِالسِّينِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ أزجر بها الغنم، والهس زَجْرُ الْغَنَمِ، {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] حَاجَاتٌ وَمَنَافِعُ أُخْرَى، جَمْعُ مَأْرَبَةٍ بفتح الراء، ولم يقل (أخر) لرؤوس الْآيِ، وَأَرَادَ بِالْمَآرِبِ مَا يُسْتَعْمَلُ فيه العصا في السفر، فكان يَحْمِلُ بِهَا الزَّادَ وَيَشُدُّ بِهَا الْحَبْلَ فَيَسْتَقِي الْمَاءَ مِنَ الْبِئْرِ، وَيَقْتُلُ بِهَا الْحَيَّاتِ وَيُحَارِبُ بِهَا السِّبَاعَ، وَيَسْتَظِلُّ بِهَا إِذَا قَعَدَ وغير ذلك. [19] {قَالَ} [طه: 19] اللَّهُ تَعَالَى، {أَلْقِهَا يَا مُوسَى} [طه: 19] انْبِذْهَا، قَالَ وَهْبٌ: ظَنَّ مُوسَى أنه يقول ارفضها. [20] {فَأَلْقَاهَا} [طه: 20] عَلَى وَجْهِ الرَّفْضِ ثُمَّ حَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ، {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ} [طه: 20] صَفْرَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ من الحيات، {تَسْعَى} [طه: 20] تَمْشِي بِسُرْعَةٍ عَلَى بَطْنِهَا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النَّمْلِ: 10] وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ الْخَفِيفَةُ الْجِسْمِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: {ثُعْبَانٌ} [الأعراف: 107] وَهُوَ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَّاتِ، فَأَمَّا الْحَيَّةُ فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَقِيلَ: الْجَآنُّ عِبَارَةٌ عَنِ ابْتِدَاءِ حَالِهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ حَيَّةً عَلَى قَدْرِ الْعَصَا ثُمَّ كَانَتْ تَتَوَرَّمُ وَتَنْتَفِخُ حتى صارت ثعبان، وَالثُّعْبَانُ عِبَارَةٌ عَنِ انْتِهَاءِ حَالِهَا، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي عِظَمِ الثُّعْبَانِ وَسُرْعَةِ الْجَانِّ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: نَظَرَ مُوسَى فَإِذَا الْعَصَا حَيَّةٌ مِنْ أَعْظَمِ مَا يكون من الحيات فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ

قوله تعالى واضمم يدك إلى جناحك. . . .

مُوسَى وَلَّى مُدْبِرًا وَهَرَبَ، ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ فَوَقَفَ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، ثُمَّ نُودِيَ أَنْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ، فَرَجَعَ وَهُوَ شَدِيدُ الْخَوْفِ. [21] {قَالَ خُذْهَا} [طه: 21] بِيَمِينِكَ، {وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه: 21] هَيْئَتَهَا الْأُولَى أَيْ نَرُدُّهَا عَصًا كما كانت، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرِيَ مُوسَى مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا مَخْلُوقٌ لِئَلَّا يَفْزَعَ مِنْهَا إِذَا أَلْقَاهَا عِنْدَ فِرْعَوْنَ. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ. . . .] [22] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} [طه: 22] يعني إِبْطِكَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: تَحْتَ عَضُدِكَ، وَجَنَاحُ الْإِنْسَانِ عَضُدُهُ إِلَى أَصْلِ إبطه، {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} [طه: 22] نَيِّرَةً مُشْرِقَةً، {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] من غير عيب، والسوء ههنا بِمَعْنَى الْبَرَصِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ لِيَدِهِ نُورٌ سَاطِعٌ يُضِيءُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، {آيَةً أُخْرَى} [طه: 22] يعني دَلَالَةً أُخْرَى عَلَى صِدْقِكَ سِوَى الْعَصَا. [23] {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه: 23] ولم يقل الكبر لرؤوس الْآيِ وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى، دَلِيلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ يَدُ موسى أكبر آياته. [24] قوله تَعَالَى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه: 24] يعني جَاوَزَ الْحَدَّ فِي الْعِصْيَانِ وَالتَّمَرُّدِ، فادعه إلى عبادتي. [25] {قَالَ} [طه: 25] مُوسَى، {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25] وَسِّعْهُ لِلْحَقِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ حَتَّى لَا أَخَافَ غَيْرَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَخَافُ فِرْعَوْنَ خَوْفًا شَدِيدًا لِشِدَّةِ شَوْكَتِهِ وَكَثْرَةِ جُنُودِهِ، وَكَانَ يَضِيقُ صَدْرًا بِمَا كُلِّفَ مِنْ مُقَاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وجنده فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَضَرَّتِهِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ لم يخف من فِرْعَوْنَ وَشَدَّةَ شَوْكَتِهِ وَكَثْرَةَ جُنُودِهِ. [26] {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه: 26] يعني سَهِّلْ عَلَيَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ. [27، 28] {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي - يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27 - 28] يَقُولُ: احْلُلِ الْعُقْدَةَ كَيْ يَفْقَهُوا كلامي. [29] {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا} [طه: 29] معينًا وظهيرًا، {مِنْ أَهْلِي} [طه: 29] وَالْوَزِيرُ مَنْ يُوَازِرُكَ وَيُعِينُكَ وَيَتَحَمَّلُ عَنْكَ بَعْضَ ثِقَلِ عَمَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ هُوَ فَقَالَ: [30] {هَارُونَ أَخِي} [طه: 30] وَكَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى بِأَرْبَعِ سِنِينَ وَكَانَ أَفْصَحَ مِنْهُ لسانًا وأجمل وأوسم، أبيض اللَّوْنِ، وَكَانَ مُوسَى آدَمَ أَقْنَى أجعد. [31] {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه: 31] قوِّ بِهِ ظَهْرِي. [32] {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 32] يعني فِي النُّبُوَّةِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (أَشْدُدْ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ (وَأُشْرِكْهُ) بِضَمِّهَا عَلَى الْجَوَابِ حِكَايَةً عن موسى يعني أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَلَى الدُّعَاءِ، وَالْمَسْأَلَةِ عَطْفًا عَلَى مَا تقدم من قوله: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي - وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه: 25 - 26] [33] {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} [طه: 33] قَالَ الْكَلْبِيُّ: نُصَلِّي لَكَ كَثِيرًا. [34] {وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [طه: 34] نَحْمَدُكَ وَنُثْنِي عَلَيْكَ بِمَا أَوْلَيْتَنَا مِنْ نِعَمِكَ. [35] {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} [طه: 35] خبيرًا عليمًا. [قوله تعالى قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. . . .] [36] {قَالَ} [طه: 36] الله تعالى {قَدْ أُوتِيتَ} [طه: 36] أعطيت، {سُؤْلَكَ} [طه: 36] جَمِيعَ مَا سَأَلْتَهُ، {يَا مُوسَى} [طه: 36] [37] {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ} [طه: 37] أنعمنا عليك، {مَرَّةً أُخْرَى} [طه: 37] يَعْنِي قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ وَهِيَ. [38] {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ} [طه: 38] وحي إلهام، {مَا يُوحَى} [طه: 38] مَا يُلْهَمُ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الإلهام وعدد نعمه عليك فقال: [39] {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ} [طه: 39] يعني أَلْهَمْنَاهَا أَنِ اجْعَلِيهِ فِي التَّابُوتِ، {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} [طه: 39] يَعْنِي نَهْرَ النِّيلِ، {فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} [طه: 39] يَعْنِي شَاطِئَ النَّهْرِ، لَفْظُهُ أَمْرٌ ومعناه خبر، ومجازه حَتَّى يُلْقِيَهُ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} [طه: 39] يعني

فرعون، فاتخذت تابوتًا ووضعت فيه موسى ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي النِّيلِ، وَكَانَ يَشْرَعُ مِنْهُ نَهْرٌ كَبِيرٌ فِي دَارِ فِرْعَوْنَ، فَبَيْنَمَا فِرْعَوْنُ جَالِسٌ عَلَى رَأْسِ الْبِرْكَةِ مَعَ امْرَأَتِهِ آسية إذ تابوت يَجِيءُ بِهِ الْمَاءُ فَأَمَرَ الْغِلْمَانَ وَالْجَوَارِيَ بِإِخْرَاجِهِ، فَأَخْرَجُوهُ وَفَتَحُوا رَأْسَهُ فَإِذَا صَبِيٌّ مِنْ أَصْبَحِ النَّاسِ وَجْهًا، فَلَمَّا رَآهُ فِرْعَوْنُ أَحَبَّهُ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَالَكْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: 39] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَبَّهُ وَحَبَّبَهُ إِلَى خَلْقِهِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: مَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّهُ. قَالَ قَتَادَةُ: مَلَاحَةٌ كَانَتْ فِي عَيْنَيْ مُوسَى، مَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا عشقه {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] يعني لتربى بمرآي ومخطر مِنِّي، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَلِتُصْنَعَ بالجزم. [40] {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ} [طه: 40] وَاسْمُهَا مَرْيَمُ مُتَعَرِّفَةً خَبَرَهُ، {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه: 40] يعني عَلَى امْرَأَةٍ، تُرْضِعُهُ وَتَضُمُّهُ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأَةٍ، فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لَهُمْ أُخْتُهُ، قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَتْ بِالْأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} [طه: 40] بلقائك، {وَلَا تَحْزَنَ} [طه: 40] أي ليذهب عنها الحزن، {وَقَتَلْتَ نَفْسًا} [طه: 40] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ قَتَلَ قِبْطِيًّا كَافِرًا. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: كَانَ إذْ ذَاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً, {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} [طه: 40] أَيْ مِنْ غَمِّ الْقَتْلِ وَكَرْبِهِ, {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. اخْتَبَرْنَاكَ اخْتِبَارًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلَاءً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَخْلَصْنَاكَ إِخْلَاصًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْفُتُونَ وُقُوعُهُ فِي مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنْهَا، أَوَّلُهَا أَنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فيها الْأَطْفَالَ، ثُمَّ إِلْقَاؤُهُ فِي الْبَحْرِ فِي التَّابُوتِ، ثُمَّ مَنْعُهُ الرِّضَاعَ إِلَّا مِنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ أخذ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ حَتَّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَنَاوُلُهُ الْجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ الْقِبْطِيَّ، وَخُرُوجُهُ إِلَى مَدْيَنَ خَائِفًا، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُصُّ الْقِصَّةَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جبير، فعلى هذا معنى فتناك: خَلَّصْنَاكَ مِنْ تِلْكَ الْمِحَنِ كَمَا يفتن الذهب من النار فَيُخَلَّصُ مَنْ كُلِّ خَبَثٍ فِيهِ، والفتون مصدر {فَلَبِثْتَ} [طه: 40] فمكثت أي فخرجت من أرض مصر إلى مدين فَلَبِثْتَ، {سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [طه: 40] يَعْنِي تَرْعَى الْأَغْنَامَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَدْيَنُ بَلْدَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنْ مِصْرَ، هرب إليها موسى {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يا مُوسَى} [طه: 40] قَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى مَوْعِدٍ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَوْعِدُ مَعَ مُوسَى وَإِنَّمَا كَانَ مَوْعِدًا فِي تَقْدِيرِ اللَّهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: جِئْتَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي قَدَّرْتُ لك أنك تجيء إلي فيه. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ: عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُوحَى فِيهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، أَيْ عَلَى الْمَوْعِدِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً. [41] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] أَيِ اخْتَرْتُكَ وَاصْطَفَيْتُكَ لِوَحْيِي وَرِسَالَتِي، يعني لتتصرف عَلَى إِرَادَتِي وَمَحَبَّتِي وَذَلِكَ أَنَّ قِيَامَهُ بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ تَصَرُّفٌ عَلَى إِرَادَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: اخْتَرْتُكَ لِأَمْرِي وَجَعَلْتُكَ الْقَائِمَ بِحُجَّتِي وَالْمُخَاطَبَ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي، كَأَنِّي الَّذِي أَقَمْتُ بِكَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَخَاطَبْتُهُمُ. [42] {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} [طه: 42] بدلالاتي، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْآيَاتِ التِّسْعَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا مُوسَى {وَلَا تَنِيَا} [طه: 42] ولا تَضْعُفَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا تَفْتُرَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا تقصرا، {فِي ذِكْرِي} [طه: 42] [43، 44] {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: 43 - 44] يقول دارياه وارفقا بِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنه: لَا تُعَنِّفَا فِي قَوْلِكُمَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ: كَنِّيَاهُ فَقُولَا يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: يَا أَبَا الوليد وقيل: أمرهما بِاللَّطَافَةِ فِي الْقَوْلِ لِمَا لَهُ من حق التربية وَكَانَ هَارُونُ يَوْمَئِذٍ بِمِصْرَ، فَأَمْرَ اللَّهُ

قوله تعالى قال فما بال القرون الأولى. . . .

مُوسَى أَنْ يَأْتِيَ هَارُونَ وَأَوْحَى إِلَى هَارُونَ وَهُوَ بِمِصْرَ أَنْ يَتَلَقَّى مُوسَى فَتَلَقَّاهُ إِلَى مَرْحَلَةٍ وَأَخْبَرَهُ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] أَيِ يتعظ ويخاف ويسلم، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: 44] وقد سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَتَذَكَّرُ وَلَا يُسْلِمُ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ اذْهَبَا عَلَى رَجَاءٍ مِنْكُمَا وَطَمَعٍ وَقَضَاءُ اللَّهِ وَرَاءَ أَمْرِكُمَا. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِ فِرْعَوْنَ مَجَازُهُ لَعَلَّهُ يتذكر وَيَخْشَى خَاشٍ إِذَا رَأَى بِرِّي وَأَلْطَافِي بِمَنْ خَلَقْتُهُ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ ثم ادعى الربوبية. [45] {قَالَا} [طه: 45] يَعْنِي مُوسَى وَهَارُونَ، {رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} [طه: 45] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْجَلُ عَلَيْنَا بِالْقَتْلِ وَالْعُقُوبَةِ، يُقَالُ: فَرَطَ عَلَيْهِ فُلَانٌ إِذَا عَجِلَ بِمَكْرُوهٍ، وَفَرَطَ مِنْهُ أَمْرٌ أَيْ بَدَرَ وَسَبَقَ، {أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه: 45] أَيْ يُجَاوِزُ الْحَدَّ فِي الْإِسَاءَةِ إِلَيْنَا. [46] {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْمَعُ دُعَاءَكُمَا فَأُجِيبُهُ وَأَرَى مَا يُرَادُ بِكُمَا فَأَمْنَعُهُ لَسْتُ بِغَافِلٍ عَنْكُمَا فَلَا تَهْتَمَّا. [47] {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [طه: 47] أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [طه: 47] أَيْ خلِّ عَنْهُمْ وَأَطْلِقْهُمْ مِنْ أعمالك، {وَلَا تُعَذِّبْهُمْ} [طه: 47] لَا تُتْعِبْهُمْ فِي الْعَمَلِ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ، {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ} [طه: 47] قَالَ فِرْعَوْنُ: وَمَا هِيَ؟ فَأَخْرَجَ يَدَهُ لَهَا شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ، {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47] لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّحِيَّةَ إِنَّمَا معناه يسلم مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَنْ أَسْلَمَ. [48] {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: 48] أي إِنَّمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ مَنْ كَذَّبَ بِمَا جِئْنَا بِهِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ. [49] {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يا مُوسَى} [طه: 49] مَنْ إِلَهُكُمَا الَّذِي أَرْسَلَكُمَا. [50] {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صَلَاحَهُ وَهُدَاهُ لِمَا يُصْلِحُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ لَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الْإِنْسَانِ كَخَلْقِ الْبَهَائِمِ، وَلَا خَلْقَ الْبَهَائِمِ كَخَلْقِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ هَدَاهُ إِلَى مَنَافِعِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَنْكَحِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يَعْنِي الْيَدَ لِلْبَطْشِ وَالرِّجْلَ لِلْمَشْيِ وَاللِّسَانَ لِلنُّطْقِ وَالْعَيْنَ لِلنَّظَرِ والأذن للسمع. [قوله تعالى قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. . . .] [51] {قَالَ} [طه: 51] فِرْعَوْنُ، {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] وَمَعْنَى الْبَالِ الْحَالُ، أَيْ مَا حَالُ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ فِيمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَعْبُدُ الْأَوْثَانَ وَتُنْكِرُ الْبَعْثَ. [52] {قَالَ} [طه: 52] موسى، {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [طه: 52] أَيْ أَعْمَالُهُمْ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يُجَازِي بِهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا

رَدَّ مُوسَى عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، فإن التوراة أنزلت إليه بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. {فِي كِتَابٍ} [طه: 52] يَعْنِي فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، {لَا يَضِلُّ رَبِّي} [طه: 52] أَيْ لَا يُخْطِئُ. وَقِيلَ: لَا يغيب عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَغِيبُ عَنْ شيء، {وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَقِيلَ: لَا يَنْسَى أي لا يترك الانتقام فينتقم من الكفار وَيُجَازِي الْمُؤْمِنَ. [53] {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [طه: 53] قرأ أهل الكوفة: (مَهْدًا) ، ههنا وَفِي الزُّخْرُفِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا أَيْ فَرْشًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (مِهَادا) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} [النَّبإِ: 6] أَيْ فِرَاشًا وَهُوَ اسْمٌ يُفْرَشُ كَالْبِسَاطِ اسْمٌ لِمَا يُبْسَطُ، {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} [طه: 53] السَّلْكُ إِدْخَالُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ وَالْمَعْنَى: أَدْخَلَ فِي الْأَرْضِ لِأَجْلِكُمْ طُرُقًا تَسْلُكُونَهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سلك لَكُمْ فِيهَا طُرُقًا تَسْلُكُونَهَا، {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [طه: 53] يَعْنِي الْمَطَرَ، تَمَّ الْإِخْبَارُ عَنْ مُوسَى. ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نفسه بقوله. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} [طه: 53] بذلك الماء {أَزْوَاجًا} [طه: 53] أصنافا، {مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه: 53] مُخْتَلِفِ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْمَنَافِعِ مِنْ أَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَأَصْفَرَ، فَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا زَوْجٌ، فَمِنْهَا لِلنَّاسِ ومنها للدواب. [54] {كُلُوا وَارْعَوْا} [طه: 54] أي وارتعوا، {أَنْعَامَكُمْ} [طه: 54] تَقُولُ الْعَرَبُ: رَعَيْتُ الْغَنَمَ فَرَعَتْ أَيْ أَسِيمُوا أَنْعَامَكُمْ تَرْعَى، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} [طه: 54] الذي ذكرت، {لِأُولِي النُّهَى} [طه: 54] لِذَوِي الْعُقُولِ، وَاحِدَتُهَا نُهْيَةٌ سُمِّيَتْ نُهْيَةً لِأَنَّهَا تَنْهَى صَاحِبَهَا عَنِ الْقَبَائِحِ وَالْمَعَاصِي. قَالَ الضَّحَّاكُ: لِأُولِي النهى الذي ينتهون عما حرم الله عَلَيْهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: لِذَوِي الْوَرَعِ. [55] {مِنْهَا} [طه: 55] أي من الأرض، {خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] يعني أباكم آدم {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] يوم البعث. [56] قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} [طه: 56] يعني فرعون، {آيَاتِنَا كُلَّهَا} [طه: 56] يَعْنِي الْآيَاتِ التِّسْعَ الَّتِي أَعْطَاهَا الله موسى، {فَكَذَّبَ} [طه: 56] بِهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا سِحْرٌ، {وَأَبَى} [طه: 56] أن يسلم. [57] {قَالَ} [طه: 57] يَعْنِي فِرْعَوْنَ {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} [طه: 57] يعني أرض مصر، {بِسِحْرِكَ يا مُوسَى} [طه: 57] أَيْ تُرِيدُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَى دِيَارِنَا فَيَكُونَ لَكَ الْمُلْكُ وَتُخْرِجَنَا مِنْهَا. [58] {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} [طه: 58] أي فاضرب بينا وبينك أجلا وميقاتا، {لَا نُخْلِفُهُ} [طه: 58] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ {لَا نُخْلِفُهُ} [طه: 58] جزمًا لَا نُجَاوِزُهُ، {نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [طه: 58] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ: (سُوًى) بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ عُدًى وعِدًى وطُوًى وطِوًى، قَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: مَكَانًا عَدْلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَصَفًا، وَمَعْنَاهُ تَسْتَوِي مَسَافَةُ الْفَرِيقَيْنِ إِلَيْهِ. قال أبو عبيدة والقتيبي: وسطًا بين الفريقين. قَالَ مُجَاهِدٌ: مُنْصِفًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي سِوَى هَذَا الْمَكَانِ. [59] {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لَهُمْ يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ النَّيْرُوزِ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَوْمُ عَاشُورَاءَ، {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه: 59] أَيْ وَقْتَ الضَّحْوَةِ نَهَارًا جِهَارًا لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنَ الرَّيْبَةِ. [60] {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} [طه: 60] مَكْرَهُ وَحِيلَتَهُ وَسَحَرَتَهُ، {ثُمَّ أَتَى} [طه: 60] أي الميعاد. [61] {قَالَ لَهُمْ مُوسَى} [طه: 61] يَعْنِي لِلسَّحَرَةِ الَّذِينَ جَمَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ سَاحِرًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ حَبْلٌ وَعَصًا. وَقِيلَ: كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: {فَيُسْحِتَكُمْ} [طه: 61] بِضَمِّ

الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: فَيُهْلِكَكُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ. فَيَسْتَأْصِلَكُمْ، {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61] [62] {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [طه: 62] أَيْ تَنَاظَرُوا وَتَشَاوَرُوا، يَعْنِي السَّحَرَةَ فِي أَمْرِ مُوسَى سِرًّا مِنْ فِرْعَوْنَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا سِرًّا: إِنْ غَلَبَنَا مُوسَى اتَّبَعْنَاهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا قَالَ لَهُمْ مُوسَى: لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ما هذا بقول السحر. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه: 62] أَيِ الْمُنَاجَاةَ يَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمًا. [63] ثم {قَالُوا} [طه: 63] وَأَسَرَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَتَنَاجَوْنَ، {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] يعني موسى وهارون، وقرأ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ: (إِنْ) بِتَخْفِيفِ النون {هَذَانِ} [طه: 63] أَيْ مَا هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ، كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 186] أَيْ مَا نَظُنُّكَ إِلَّا من الكاذبين، وشدد ابْنُ كَثِيرٍ النُّونَ مِنْ هَذَانِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: (إِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (هَذَيْنِ) بِالْيَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: إِنَّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ هَذَانِ بالألف واختلفوا فيه وقال قوم: هو لغة بلحارث ابن كَعْبٍ وَخَثْعَمَ وَكِنَانَةَ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الاثنين في موضع الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ بِالْأَلِفِ، يَقُولُونَ: أَتَانِي الزَّيْدَانِ وَرَأَيْتُ الزَّيْدَانِ وَمَرَرْتُ بالزَّيْدَانِ، فَلَا يَتْرُكُونَ أَلِفَ التَّثْنِيَةِ في شيء، وكذلك يجعلون كل ياء سَاكِنَةٍ انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا ألِفًا، كَمَا فِي التَّثْنِيَةِ، يَقُولُونَ: كَسَرْتُ يَدَاهُ وَرَكِبْتُ عَلَاهُ، يَعْنِي يَدَيْهِ وعليه. قال شاعرهم: تزود مني بين أدناه ضَرَبَةً ... دَعَتْهُ إِلَى هَابِي التُّرَابِ عقيم وَقِيلَ. تَقْدِيرُ الْآيَةِ (إِنَّهُ هَذَانِ) ، فَحَذَفَ الْهَاءَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أن حرف (إنّ) ههنا بِمَعْنَى نَعَمْ، أَيْ نَعَمْ هَذَانِ (¬1) . {يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] مِصْرَ، {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه: 63] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِسَرَاةِ قَوْمِكُمْ وَأَشْرَافِكُمْ، يُقَالُ هَؤُلَاءِ طَرِيقَةُ قومهم أي أشرافهم، والمثلى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ، حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: يَصْرِفَانِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِمَا. قَالَ قَتَادَةُ: طريقتهم المثلى كان بنو إسرائيل يومئذ أَكْثَرَ الْقَوْمِ عَدَدًا وَأَمْوَالًا، فَقَالَ عدو الله: يريد أَنْ يَذْهَبَا بِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: بطريقتكم المثلى أن بِسُنَّتِكُمْ وَدِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، والمثلى نعت الطريق، تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ عَلَى الطَّرِيقَةِ المثلى، يعني على ¬

(¬1) ذكر الإمام أبو حيان في تفسيره البحر المحيط ج 6 ص 255-: صحة وثبوت الاستعمال "إن" بمعنى "نعم" في اللغة العربية فقال: "إن" بمعنى "نعم"، وثبت ذلك في اللغة، فتحمل الآية عليه، و"هذان لساحران" مبتدأ وخبر. وقد ساق أوجهًا صحيحة في اللغة لإثبات صحة القراءة المتواترة الثابتة في المصحف الشريف، فارجع إليه إن شئت. وانظر ما ذكر الإمام الشوكاني في ذلك في تفسيره فيض القدير ج 3 ص 373.

قوله تعالى قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن

الصراط المستقيم. [64] {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} [طه: 64] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (فَاجْمَعُوا) بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، مِنَ الْجَمْعِ أي لا تدعوا أشياء من كيدهم إلا جئتم به وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْعَزْمُ وَالْإِحْكَامُ، أَيِ اعْزِمُوا كُلُّكُمْ عَلَى كَيْدِهِ مجتمعين له لا تَخْتَلِفُوا فَيَخْتَلَّ أَمْرُكُمْ، {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [طه: 64] أَيْ جَمِيعًا، قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَيْ مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ لِيَكُونَ أَشَدَّ لِهَيْبَتِكُمْ، وَقَالَ أَبُو عبدة: الصف المجتمع، وَيُسَمَّى الْمُصَلَّى صَفًّا مَعْنَاهُ ثُمَّ ائتوا المكان الموعد صَفًّا، {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [طه: 64] أي فاز من غلب. [قوله تعالى قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ] نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى. . . . . [65] {قَالُوا} [طه: 65] يَعْنِي السَّحَرَةَ، {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [طه: 65] عِصِيَّنَا. [66] {قَالَ} [طه: 66] موسى، {بَلْ أَلْقُوا} [طه: 66] أنتم أولا، {فَإِذَا حِبَالُهُمْ} [طه: 66] وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ فَأَلْقَوْا فَإِذَا حبالهم، {وَعِصِيُّهُمْ} [طه: 66] جمع العصا، {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} [طه: 66] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ تُخَيَّلُ بالتاء رد إِلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدُّوهُ إِلَى الْكَيْدِ وَالسِّحْرِ، {مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] حتى تظن أنها تسعى أي تمشي وذلك أنهم كانوا لطخوا حبالهم وعصيهم بالزئبق، فلما أصابه حر الشمس انهمست واهتازت فظن موسى أنها تقصده وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمَّا أَلْقَوُا الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ أَخَذُوا أَعْيُنَ النَّاسِ فَرَأَى مُوسَى وَالْقَوْمُ كَأَنَّ الْأَرْضَ امْتَلَأَتْ حَيَّاتٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَخَذَتْ مَيْلًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَرَأَوْا أَنَّهَا تَسْعَى. [67] {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 67] أَيْ وَجَدَ، وَقِيلَ. أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ خَوْفًا، وَاخْتَلَفُوا فِي خَوْفِهِ طَبْعِ الْبَشَرِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا تَقْصِدُهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خَافَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ فَيَشُكُّوا فِي أَمْرِهِ فَلَا يتبعونه. [68] {قُلْنَا} [طه: 68] لِمُوسَى، {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68] أَيِ الْغَالِبُ، يَعْنِي لَكَ الْغَلَبَةُ وَالظَّفَرُ. [69] {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} [طه: 69] يعني العصا، {تَلْقَفْ} [طه: 69] تلتقم وتبتلع، {مَا صَنَعُوا} [طه: 69] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ تَلْقُفُ بِرَفْعِ الفاء ههنا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الأمر، {إِنَّمَا صَنَعُوا} [طه: 69] أي الذي صنعوا، (كَيْدُ سِحْرٍ) ، أَيْ حِيلَةُ سِحْرٍ هَكَذَا قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ بِلَا ألف وقرأ الآخرون، {سَاحِرٍ} [طه: 69] لِأَنَّ إِضَافَةَ الْكَيْدِ إِلَى الْفَاعِلِ أَوْلَى مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَسْعَدُ حَيْثُ كَانَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَيْثُ احْتَالَ. [70، 71] {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى - قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ} [طه: 70 - 71] لَرَئِيسُكُمْ وَمُعَلِّمُكُمْ، {الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] يعني عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا} [طه: 71] يعني على إيمانكم به أنا أَوْ رَبُّ مُوسَى عَلَى تَرْكِ الإيمان به، {وَأَبْقَى} [طه: 71] يعني أدوم. [72] {قَالُوا} [طه: 72] يعني السحرة، {لَنْ نُؤْثِرَكَ} [طه: 72] لَنْ نَخْتَارَكَ، {عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [طه: 72] يَعْنِي الدَّلَالَاتِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْيَدَ الْبَيْضَاءَ وَالْعَصَا. وَقِيلَ: كَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ كَانَ هَذَا سِحْرًا فَأَيْنَ حِبَالُنَا وَعِصِيُّنَا. وَقِيلَ: مِنَ الْبَيِّنَاتِ يَعْنِي مِنَ اليقين والعلم {وَالَّذِي فَطَرَنَا} [طه: 72] يعني لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى اللَّهِ الَّذِي فَطَرَنَا، وَقِيلَ: هُوَ قَسَمٌ، {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72] يعني فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ، {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72] يعني أَمْرُكَ وَسُلْطَانُكَ فِي الدُّنْيَا وَسَيَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ. [73] {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [طه: 73] فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالُوا هَذَا وَقَدْ جَاءُوا مُخْتَارِينَ يَحْلِفُونَ بِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ أَنَّ لَهُمُ الْغَلَبَةَ. قِيلَ: رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِرْعَونُ يُكْرِهُ قَوْمًا عَلَى تَعَلُّمِ السِّحْرِ لِكَيْلَا يَذْهَبَ أَصْلُهُ وَقَدْ كَانَ

قوله تعالى ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي

أَكْرَهَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَتِ السَّحَرَةُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، اثْنَانِ مِنَ الْقِبْطِ، وَسَبْعُونَ مِنْ بَنِي إسرائيل، كان عدو الله فِرْعَوْنُ أَكْرَهَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، فذلك قوله: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [طه: 73] قال عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانَ: قَالَتِ السَّحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ: أَرِنَا مُوسَى إِذَا نَامَ، فَأَرَاهُمْ مُوسَى نَائِمًا وَعَصَاهُ تَحْرُسُهُ، فَقَالُوا لِفِرْعَوْنَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِسَاحِرٍ إِنَّ السَّاحِرَ إِذَا نَامَ بَطَلَ سِحْرُهُ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [طه: 73] {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: خَيْرٌ منك ثوابًا وأبقى عذابًا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: خَيْرٌ مِنْكَ ثَوَابًا إِنْ أُطِيعَ وَأَبْقَى مِنْكَ عَذَابًا إِنْ عُصِيَ وَهَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71] [74] {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} [طه: 74] قِيلَ: هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: مِنْ تَمَامِ قَوْلِ السَّحَرَةِ مُجْرِمًا أَيْ مُشْرِكًا يعني من مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ، {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا} [طه: 74] فيستريح، {وَلَا يَحْيَا} [طه: 74] حَيَاةً يَنْتَفِعُ بِهَا. [75] {وَمَنْ يَأْتِهِ} [طه: 75] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وَيَخْتَلِسُهَا أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ وَيَعْقُوبُ، وقرأ الآخرون بالإشباع، {مُؤْمِنًا} [طه: 75] أي: من مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، {قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا} [طه: 75] أي الرفيعة، والعُلى جمع والعليا تَأْنِيثُ الْأَعْلَى. [76] {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76] يعني تطهر من الذنوب. [قوله تعالى وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي] فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا. . . . [77] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} [طه: 77] يعني أسر بِهِمْ لَيْلًا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ} [طه: 77] يعني اجْعَلْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ بالضرب بالعصا، {يَبَسًا} [طه: 77] لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ وَلَا طِينٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَيْبَسَ لَهُمُ الطَّرِيقَ فِي الْبَحْرِ، {لَا تَخَافُ دَرَكًا} [طه: 77] قَرَأَ حَمْزَةُ لَا تَخَفْ بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ، وَالْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ وَالرَّفْعِ عَلَى النَّفْيِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَخْشَى} [طه: 77] قِيلَ: لَا تَخَافُ أَنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ مِنْ وَرَائِكَ وَلَا تَخْشَى أَنْ يُغْرِقَكَ الْبَحْرُ أَمَامَكَ. [78] {فَأَتْبَعَهُمْ} [طه: 78] فلحقهم، {فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} [طه: 78] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَمَرَ فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ أَنْ يَتْبَعُوا مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَالْبَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ وَكَانَ هُوَ فِيهِمْ، {فَغَشِيَهُمْ} [طه: 78] أَصَابَهُمْ، {مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] وَهُوَ الْغَرَقُ. وَقِيلَ: غَشِيَهُمْ عَلَاهُمْ وسترهم من اليم ما غشيهم يريد غشيهم بَعْضُ مَاءِ الْيَمِّ لَا كُلُّهُ. وَقِيلَ: غَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غشيهم قوم موسى فغرقهم وَنَجَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. [79] {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 79] يعني مَا أَرْشَدَهُمْ وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِفِرْعَوْنَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]

[80] قوله: {يا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ} [طه: 80] فِرْعَوْنَ {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [طه: 80] [81] {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [طه: 81] قرأ حمزة والكسائي أنجيتكم وواعدتكم ورزقتكم بِالتَّاءِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وَنَزَّلْنَا لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بالألف، {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} [طه: 81] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَظْلِمُوا. وقال الْكَلْبِيُّ: لَا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ فَتَكُونُوا ظالمين طَاغِينَ. وَقِيلَ: لَا تُنْفِقُوا فِي معصيتي. وقيل: لا تتقووا بنعمتي على معاصي. وقيل: لا تدخروا فادخروا فتدود، {فَيَحِلَّ} [طه: 81] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَالْكِسَائِيُّ فَيَحُلَّ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَمَنْ يَحْلُلْ بِضَمِّ اللَّامِ، يعني ينزل، وقرأ الآخرون بكسرها يعني يَجِبُ، {عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 81] هَلَكَ وَتَرَدَّى فِي النَّارِ. [82] {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَابَ مِنَ الشرك، {وَآمَنَ} [طه: 82] وَوَحَّدَ اللَّهَ وَصَدَّقَهُ، {وَعَمِلَ صَالِحًا} [طه: 82] أدى الفرائض، {ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَعْنِي لَزِمَ الْإِسْلَامَ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: علم أن ذلك ثَوَابًا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ كَيْفَ يَعْمَلُ. قَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتَقَامَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَقَامَ عَلَى السنة والجماعة. [83] {وَمَا أَعْجَلَكَ} [طه: 83] يعني وَمَا حَمَلَكَ عَلَى الْعَجَلَةِ، {عَنْ قَوْمِكَ} [طه: 83] وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا حَتَّى يَذْهَبُوا معه إلى الجبل لِيَأْخُذُوا التَّوْرَاةَ فَسَارَ بِهِمْ ثُمَّ عَجَّلَ مُوسَى مِنْ بَيْنِهِمْ شَوْقًا إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَلَّفَ السَّبْعِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوهُ إِلَى الجبل فقال الله تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسَى} [طه: 83] [84] {قَالَ} [طه: 84] مُجِيبًا لِرَبِّهِ تَعَالَى: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} [طه: 84] يعني هُمْ بِالْقُرْبِ مِنِّي يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84] لِتَزْدَادَ رِضًا. [85] {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} [طه: 85] أَيِ ابْتَلَيْنَا الَّذِينَ خَلَّفْتَهُمْ مَعَ هَارُونَ وَكَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ فَافْتُتِنُوا بِالْعِجْلِ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْ بَعْدِكَ: أَيْ مِنْ بَعْدِ انْطِلَاقِكَ إِلَى الْجَبَلِ، {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85] أَيْ دَعَاهُمْ وَصَرَفَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَأَضَافَهُ إِلَى السَّامِرِيِّ لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا بِسَبَبِهِ. [86] {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86] حزينا. {قَالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} [طه: 86] صِدْقًا أَنَّهُ يُعْطِيكُمُ التَّوْرَاةَ، {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} [طه: 86] مُدَّةُ مُفَارَقَتِي إِيَّاكُمْ، {أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [طه: 86] أَيْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَجِبُ عَلَيْكُمْ بِهِ الْغَضَبُ مِنْ ربكم {فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} [طه: 86]

قوله تعالى فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا

[87] {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} [طه: 87] قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَعَاصِمٌ: {بِمَلْكِنَا} [طه: 87] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا، أَيْ: وَنَحْنُ نَمْلِكُ أَمْرَنَا. وَقِيلَ: بِاخْتِيَارِنَا، وَمَنْ قَرَأَ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ بِقُدْرَتِنَا وَسُلْطَانِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَلِيَّةِ وَالْفِتْنَةِ لَمْ يملك نفسه، {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا} [طه: 87] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ حَمَلْنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ جَعَلُونَا نَحْمِلُهَا وَكُلِّفْنَا حَمْلَهَا، {أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} [طه: 87] مِنْ حُلي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، سَمَّاهَا أَوْزَارًا لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا عَلَى وَجْهِ العارية فلم يردها، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا قَدِ اسْتَعَارُوا حُلِيًّا مِنَ الْقِبْطِ وَكَانَ ذَلِكَ مَعَهُمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ نَبَذَ الْبَحْرُ حُلِيَّهُمْ فَأَخَذُوهَا وَكَانَتْ غَنِيمَةً ولما تَكُنِ الْغَنِيمَةُ حَلَالًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَسَمَّاهَا أَوْزَارًا لِذَلِكَ، {فَقَذَفْنَاهَا} [طه: 87] قِيلَ: إِنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمُ احْفِرُوا حُفَيْرَةً فَأَلْقُوهَا فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى، قَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ لَهُمْ هَارُونُ: إِنَّ تِلْكَ غَنِيمَةٌ لَا تَحِلُّ فَاحْفِرُوا حُفَيْرَةً فَأَلْقُوهَا فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى، فَيَرَى رَأْيَهُ فِيهَا، فَفَعَلُوا. قَوْلُهُ: {فَقَذَفْنَاهَا} [طه: 87] أَيْ طَرَحْنَاهَا فِي الْحُفْرَةِ، {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ} [طه: 87] مَا مَعَهُ مِنَ الْحُلِيِّ فِيهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَوْقَدَ هَارُونُ نَارًا وَقَالَ: اقْذِفُوا فِيهَا مَا مَعَكُمْ، فَأَلْقَوْهُ فِيهَا ثُمَّ أَلْقَى السَّامِرِيُّ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ تُرْبَةِ حَافِرِ فَرَسِ جبريل. قال قتادة: كان صر قَبْضَةً مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ فِي عمامته. [قوله تعالى فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا] هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. . . . [88] {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88] أي تركه موسى ههنا وَذَهَبَ يَطْلُبُهُ. وَقِيلَ: أَخْطَأَ الطَّرِيقَ وَضَلَّ. [89] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} [طه: 89] أَيْ: لَا يَرَوْنَ أَنَّ الْعِجْلَ لا يكلمهم ولا يجيبهم إِذَا دَعَوْهُ، {وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه: 89] وَقِيلَ: إِنَّ هَارُونَ مَرَّ عَلَى اَلسَّامِرِيِّ وَهُوَ يَصُوغُ الْعِجْلَ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصْنَعُ مَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ فَادْعُ لِي، فَقَالَ هَارُونُ: اللَّهُمَّ أَعْطِهِ مَا سَأَلَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، فَأَلْقَى التُّرَابَ فِي فَمِ الْعِجْلِ وَقَالَ: كُنْ عِجْلًا يَخُورُ فكان ذلك بِدَعْوَةِ هَارُونَ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِتْنَةً ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. [90] {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ} [طه: 90] أي من قبل رجوع موسى، {يا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90] ابْتُلِيتُمْ بِالْعِجْلِ، {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي} [طه: 90] عَلَى دِينِي فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، {وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه: 90] فِي تَرْكِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ. [91] {قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ} [طه: 91] أي لن نزال، {عَلَيْهِ} [طه: 91] على عبادته، {عَاكِفِينَ} [طه: 91] مُقِيمِينَ، {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 91] فَاعْتَزَلَهُمْ هَارُونُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ ألفا وهم الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى وَسَمِعَ الصِّيَاحَ وَالْجَلَبَةَ وَكَانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ الْعِجْلِ، قَالَ للسبعين الذين كانوا مَعَهُ: هَذَا صَوْتُ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا رَأَى هَارُونَ أَخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بيمينه ولحيته بشماله. [92] و {قَالَ} [طه: 92] له {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا} [طه: 92] أشركوا. [93] {أَلَّا تَتَّبِعَنِي} [طه: 93] أَيْ: أَنْ تَتَّبِعَنِي وَ (لَا) صِلَةٌ أَيْ تَتَّبِعَ أَمْرِي وَوَصِيَّتِي، يَعْنِي: هَلَّا قَاتَلْتَهُمْ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لَوْ كُنْتُ فِيهِمْ لِقَاتَلْتُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. وَقِيلَ: أَنْ لَا تَتَّبِعَنِي، أَيْ: مَا مَنَعَكَ مِنَ اللُّحُوقِ بِي وَإِخْبَارِي بِضَلَالَتِهِمْ، فَتَكُونَ مفارقتك إياهم تقريعًا وزجرًا لَهُمْ عَمَّا أَتَوْهُ، {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] أي خالفت أمري. [94] {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي} [طه: 94] أَيْ بِشَعْرِ رَأْسِي وَكَانَ قَدْ أخذ ذوائبه، {إِنِّي خَشِيتُ} [طه: 94] لَوْ أَنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ لَصَارُوا حِزْبَيْنِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، {أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [طه: 94] أَيْ خَشِيتُ إِنْ فَارَقْتُهُمْ وَاتَّبَعْتُكَ صَارُوا أَحْزَابًا

يَتَقَاتَلُونَ، فَتَقُولُ أَنْتَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] وَلَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّتِي حِينَ قُلْتُ لَكَ: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي، وَأَصْلِحْ أَيِ ارْفُقْ بِهِمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُوسَى عَلَى السَّامِرِيِّ. [95] {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ} [طه: 95] أي مَا أَمْرُكَ وَشَأْنُكَ؟ وَمَا الَّذِي حملك على ما صنعت؟ {يا سَامِرِيُّ} [طه: 95] [96] {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} [طه: 96] رَأَيْتُ مَا لَمْ يَرَوْا وَعَرَفْتُ مَا لَمْ يَعْرِفُوا، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مَا لَمْ تَبْصُرُوا بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} [طه: 96] أَيْ مِنْ تُرَابِ أَثَرِ فَرَسِ جبريل، {فَنَبَذْتُهَا} [طه: 96] أَيْ أَلْقَيْتُهَا فِي فَمِ الْعِجْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا خَارَ لِهَذَا لِأَنَّ التُّرَابَ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَهُ وَرَأَى جِبْرِيلَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ أُمَّهُ لَمَّا وَلَدَتْهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي يُقْتَلُ فِيهَا الْبَنُونَ وَضَعَتْهُ فِي الْكَهْفِ حَذَرًا عَلَيْهِ فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ لِيُرَبِّيَهُ لِمَا قَضَى عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ. {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ} [طه: 96] أي زينت، {لِي نَفْسِي} [طه: 96] [97] {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ} [طه: 97] أَيْ مَا دُمْتَ حَيًّا، {أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} [طه: 97] أَيْ لَا تُخَالِطْ أَحَدًا وَلَا يُخَالِطْكَ أَحَدٌ وَأَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يُخَالِطُوهُ وَلَا يَقْرَبُوهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا مساس لك ولولدك، والمساس مِنَ الْمُمَاسَّةِ مَعْنَاهُ لَا يَمَسُّ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَصَارَ السَّامِرِيُّ يَهِيمُ فِي الْبَرِّيَّةِ مَعَ الْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ لَا يَمَسُّ أَحَدًا وَلَا يَمَسُّهُ أحد، فعاقبه اللَّهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَ أَحَدًا يَقُولُ: لَا مِسَاسَ، أَيْ لَا تَقْرَبْنِي وَلَا تَمَسَّنِي، وَقِيلَ: كَانَ إِذَا مَسَّ أَحَدًا أَوْ مَسَّهُ أَحَدٌ حُمَّا جَمِيعًا حَتَّى أَنَّ بَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا مَسَّ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حُمَّا جَمِيعًا فِي الوقت، {وَإِنَّ لَكَ} [طه: 97] يا سامري، {مَوْعِدًا} [طه: 97] لعذابك، {لَنْ تُخْلَفَهُ} [طه: 97] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: لَنْ تُخْلِفَهُ بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ وَلَا مَذْهَبَ لَكَ عَنْهُ بَلْ تُوَافِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ لَنْ تُكَذِّبَهُ وَلَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَافِئُكَ عَلَى فِعْلِكَ وَلَا تفوته، {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} [طه: 97] بِزَعْمِكَ، {الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [طه: 97] أَيْ ظَلْتَ وَدُمْتَ عَلَيْهِ مُقِيمًا تَعْبُدُهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ظَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا بِمَعْنَى ظَلَلْتُ ومستُ بِمَعْنَى مسستُ، وقرأ أَبُو جَعْفَرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِحْرَاقِ، {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ} [طه: 97] لنذرينه، {فِي الْيَمِّ} [طه: 97] في البحر، {نَسْفًا} [طه: 97] رُوِيَ أَنَّ مُوسَى أَخْذَ الْعِجْلَ فَذَبَحَهُ فَسَالَ مِنْهُ دَمٌ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ لَحْمًا وَدَمًا ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ ذَرَاهُ فِي الْيَمِّ، قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الرَّاءِ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالْمِبْرَدِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمِبْرَدِ الْمُحْرِقُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ. أَخَذَ مُوسَى الْعِجْلَ فَذَبَحَهُ ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالْمِبْرَدِ

قوله تعالى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق

ثم ذاره فِي الْيَمِّ. [98] {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98] وسع علمه كل شيء. [قوله تعالى كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ] وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا. . . . [99] {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ} [طه: 99] مِنَ الْأُمُورِ، {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99] يَعْنِي الْقُرْآنَ. [100] {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} [طه: 100] أَيْ عَنِ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ، {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 100] حِمْلًا ثَقِيلًا مِنَ الْإِثْمِ. [101] {خَالِدِينَ فِيهِ} [طه: 101] مُقِيمِينَ فِي عَذَابِ الْوِزْرِ، {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 101] أَيْ بِئْسَ مَا حَمَلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْإِثْمِ كُفْرًا بِالْقُرْآنِ. [102] {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [طه: 102] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّ الْفَاءِ لِقَوْلِهِ: {وَنَحْشُرُ} [طه: 102] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتَحِ الْفَاءِ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ} [طه: 102] المشركين، {يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه: 102] وَالزُّرْقَةُ هِيَ الْخُضْرَةُ فِي سَوَادِ الْعَيْنِ فَيُحْشَرُونَ زُرْقَ الْعُيُونِ سُودَ الْوُجُوهِ. وَقِيلَ: زُرْقًا أَيْ عُمْيًا. وقيل: عطاشًا. [103] {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} [طه: 103] أَيْ يَتَشَاوَرُونَ بَيْنَهُمْ وَيَتَكَلَّمُونَ خُفْيَةً، {إِنْ لَبِثْتُمْ} [طه: 103] أَيْ مَا مَكَثْتُمْ فِي الدُّنْيَا، {إِلَّا عَشْرًا} [طه: 103] أَيْ عَشْرَ لَيَالٍ. وَقِيلَ: فِي القبور: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، لِأَنَّ الْعَذَابَ يُرْفَعُ عَنْهُمْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لَبْثِهِمْ لِهَوْلِ مَا عَايَنُوا. [104] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} [طه: 104] أي يتشاورون بَيْنَهُمْ، {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} [طه: 104] أَوْفَاهُمْ عَقْلًا وَأَعْدَلُهُمْ قَوْلًا، {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} [طه: 104] قَصُرَ ذَلِكَ فِي أَعْيُنِهِمْ فِي جَنْبِ مَا اسْتَقْبَلَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: نَسُوا مِقْدَارَ لَبْثِهِمْ لِشِدَّةِ مَا دَهَمَهُمْ. [105] قَوْلُهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه: 105] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تَكُونُ الْجِبَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآية، والنسف هو القلع يعني يَقْلَعُهَا مِنْ أَصْلِهَا وَيَجْعَلُهَا هَبَاءً منثورا. [106] {فَيَذَرُهَا} [طه: 106] يعني فَيَدَعُ أَمَاكِنَ الْجِبَالِ مِنَ الْأَرْضِ، {قَاعًا صَفْصَفًا} [طه: 106] يعني أَرْضًا مَلْسَاءَ مُسْتَوِيَةً لَا نَبَاتَ فيها، والقاع ما انبسط من الأرض والصفصف الْأَمْلَسُ. [107] {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 107] قَالَ مُجَاهِدٌ: انْخِفَاضًا وَارْتِفَاعًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْعِوَجُ مَا انْخَفَضَ مِنَ الأرض، والأمت ما نشز من الروابي، يعني لَا تَرَى وَادِيًا وَلَا رَابِيَةً. قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَرَى فِيهَا صَدْعًا وَلَا أَكَمَةً. [108] {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} [طه: 108] أَيْ صَوْتَ الدَّاعِي الَّذِي يَدْعُوهُمْ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ إِسْرَافِيلُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَضَعُ الصُّورَ فِي فِيهِ، وَيَقُولُ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ وَالْجُلُودُ الْمُتَمَزِّقَةُ وَاللُّحُومُ الْمُتَفَرِّقَةُ هَلُمُّوا إِلَى عَرْضِ الرَّحْمَنِ، {لَا عِوَجَ لَهُ} [طه: 108] يعني لدعائه، وهو من المقلوب يعني لا عوج لهم من دُعَاءِ الدَّاعِي لَا يَزِيغُونَ عَنْهُ يمينًا ولا شمالا وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بَلْ يَتَّبِعُونَهُ سراعًا، {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108] يعني سكتت وذلت وخضعت، وصف الْأَصْوَاتَ بِالْخُشُوعِ وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا، {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108] يَعْنِي صَوْتَ وَطْءِ الْأَقْدَامِ إِلَى المحشر، والهمس الصَّوْتُ الْخَفِيُّ كَصَوْتِ أَخْفَافِ الْإِبِلِ فِي الْمَشْيِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ تَخَافُتُ الْكَلَامِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ. وَرَوَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَحْرِيكُ الشِّفَاهِ مِنْ غير منطق. [109] {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} [طه: 109] يَعْنِي لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [طه: 109] يعني إلا من أذن الله لَهُ أَنْ يَشْفَعَ، {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] يَعْنِي وَرَضِيَ قَوْلَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ.

قوله تعالى فتعالى الله الملك الحق. . . .

[110] {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [طه: 110] الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ، أَيْ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا بين أيديهم وَمَا خَلْفَهُمْ وَمَا خَلَّفُوا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] قِيلَ: الْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى (مَا) أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ. وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى (اللَّهِ) لِأَنَّ عِبَادَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا. [111] {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111] أي ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ: عَانٍ، وَقَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: هُوَ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَالظُّلْمُ هُوَ الشِّرْكُ. [112] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ} [طه: 112] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "فَلَا يَخَفْ" مَجْزُومًا عَلَى النَّهْيِ جَوَابًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (فَلَا يخافُ) مَرْفُوعًا عَلَى الْخَبَرِ، {ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَخَافُ أن يزداد على سيئاته لا أن يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ مُسِيْءٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُؤْخَذُ بِذَنْبٍ لم يعمله وتبطل حَسَنَةٌ عَمِلَهَا، وَأَصِلُ الْهَضْمِ النَّقْصُ وَالْكَسْرُ، وَمِنْهُ هَضْمُ الطَّعَامِ. [113] {وَكَذَلِكَ} [طه: 113] أَيْ كَمَا بَيَّنَّا فِي هَذِهِ السورة، {أَنْزَلْنَاهُ} [طه: 113] يَعْنِي أَنْزَلْنَا هَذَا الْكِتَابَ، {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [طه: 113] يعني بلسان العرب، {وَصَرَّفْنَا} [طه: 113] يعني بينا {فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} [طه: 113] أَيْ صَرَّفْنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِذِكْرِ الوعيد، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [طه: 113] أَيْ يَجْتَنِبُونَ الشِّرْكَ، {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113] أَيْ يُجَدِّدُ لَهُمُ الْقُرْآنُ عِبْرَةً وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عتاب الله للأمم الخالية. [قَوْلِهِ تَعَالَى فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ. . . .] [114] {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه: 114] جَلَّ اللَّهُ عَنْ إِلْحَادِ الْمُلْحِدِينَ وَعَمَّا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ، {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} [طه: 114] أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جبريل بالقرآن يبدر فَيَقْرَأُ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ جِبْرِيلُ مِمَّا يُرِيدُ مِنَ التِّلَاوَةِ، وَمَخَافَةَ الِانْفِلَاتِ وَالنِّسْيَانِ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} [طه: 114] أَيْ لَا تَعْجَلْ بِقِرَاءَتِهِ، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرَغَ جِبْرِيلُ مِنَ الْإِبْلَاغِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} [الْقِيَامَةِ: 16] وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (نَقْضِي) بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الضَّادِ، وَفَتْحِ الْيَاءِ: (وحيه) بالنصب، وقال مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَا تُقْرِئْهُ أَصْحَابَكَ وَلَا تُمْلِهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ مَعَانِيهِ، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] يَعْنِي بِالْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ. وَقِيلَ عِلْمًا إِلَى مَا عَلِمْتُ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قال: اللهم زدني إيمانًا وَيَقِينًا.

[115] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ} [طه: 115] يعني أمرناه وأوحينا إليه ألا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ وَتَرَكُوا الْإِيمَانَ بِي، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَعَلَّهُمْ يتقون) ، {فَنَسِيَ} [طه: 115] فَتَرْكَ الْأَمْرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَإِنَّ آدَمَ أَيْضًا عَهِدْنَا إِلَيْهِ فَنَسِيَ، {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ نَجِدْ لَهُ صَبْرًا عَمَّا نُهي عَنْهُ وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: حِفْظًا لِمَا أُمِرَ به. وقال قُتَيْبَةَ: رَأْيًا مَعْزُومًا حَيْثُ أَطَاعَ عَدُوَّهُ إِبْلِيسَ الَّذِي حَسَدَهُ وَأَبَى أن يسجد له، والعزم فِي اللُّغَةِ هُوَ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الْفِعْلِ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ: لَوْ وُزِنَ حِلْمُ آدَمَ بِحِلْمِ جَمِيعِ وَلَدِهِ لَرَجَحَ حِلْمُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] فَإِنْ قِيلَ: أَتَقُولُونَ إِنَّ آدَمَ كَانَ نَاسِيًا لِأَمْرِ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ؟ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ أَمْرَهُ، وَلَمْ يَكُنِ النِّسْيَانُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَرْفُوعًا عَنِ الْإِنْسَانِ بَلْ كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ، وَإِنَّمَا رُفِعَ عَنَّا، وَقِيلَ: نَسِيَ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَظَنَّ أنه نهاه تنزيها. [116] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116] أن يسجد. [117] {فَقُلْنَا يا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} [طه: 117] حَوَّاءَ، {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] يَعْنِي تَتْعَبُ وَتَنْصَبُ، وَيَكُونُ عَيْشُكَ مِنْ كَدِّ يَمِينِكَ بِعَرَقِ جَبِينِكَ. قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْحَرْثَ وَالزَّرْعَ والحصيد والطحن والخبز. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قَالَ أهبط إلى آدم ثورًا أَحْمَرُ فَكَانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَذَلِكَ شَقَاؤُهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَتَشْقَيَا رُجُوعًا بِهِ إِلَى آدَمَ لِأَنَّ تَعَبَهُ أَكْثَرُ فَإِنَّ الرَّجُلَ هُوَ السَّاعِي عَلَى زَوْجَتِهِ. وَقِيلَ: لِأَجْلِ رُءُوسِ الْآيِ. [118] {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا} [طه: 118] أَيْ فِي الْجَنَّةِ {وَلَا تَعْرَى} [طه: 118] [119] {وَأَنَّكَ} [طه: 119] قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: {أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا - لَا تَظْمَأُ} [طه: 118 - 119] لَا تَعْطَشُ، {فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 119] يَعْنِي لَا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَيُؤْذِيكَ حرها. وقال عرمة: لَا تُصِيبُكَ الشَّمْسُ وَأَذَاهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَمْسٌ، وَأَهْلُهَا فِي ظِلٍّ مَمْدُودٍ. [120] {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} [طه: 120] يَعْنِي عَلَى شَجَرَةٍ إِنْ أَكَلْتَ منها بقيت مخلدًا، يَعْنِي عَلَى شَجَرَةٍ إِنْ أَكَلْتَ مِنْهَا بَقِيتَ مُخَلَّدًا، {وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120] لَا يَبِيدُ وَلَا يَفْنَى. [121] {فَأَكَلَا} [طه: 121] يَعْنِي آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، {مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ} [طه: 121] بأكل الشجرة، {فَغَوَى} [طه: 121] يَعْنِي فَعْلَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ. وَقِيلَ: أَخْطَأَ طَرِيقَ الحق وَضَلَّ حَيْثُ طَلَبَ الْخُلْدَ بِأَكْلِ ما نهي عنه أكله، فخاب ولم لم ينل مراده. وقال ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَيْ فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ وَصَارَ مِنَ الْعِزِّ إِلَى الذُّلِّ، وَمِنَ الرَّاحَةِ إِلَى التَّعَبِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَصَى آدَمُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ آدَمُ عَاصٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ عَاصٍ لِمَنِ اعْتَادَ فِعْلَ الْمَعْصِيَةِ، كَالرَّجُلِ يَخِيطُ ثَوْبَهُ يُقَالُ خَاطَ ثَوْبَهُ وَلَا يُقَالُ هُوَ خَيَّاطٌ حَتَّى يُعَاوِدَ ذَلِكَ ويعتاده. [122] {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] اختاره واصطفاه، {فَتَابَ عَلَيْهِ} [طه: 122] بالعفو، {وَهَدَى} [طه: 122] هداه إلى التوبة حتى قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا. [123] {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} [طه: 123] يَعْنِي الْكِتَابَ وَالرَّسُولَ، {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَوَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] وَقَالَ الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَجَارَ اللَّهُ تَعَالَى تَابِعَ الْقُرْآنِ مِنْ أَنْ يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَيَشْقَى فِي الْآخِرَةِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.

قوله تعالى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا

[124] {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124] يَعْنِي الْقُرْآنَ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] ضيقًا قيل: هو عذاب القبر وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الزَّقُّومُ وَالضَّرِيعُ وَالْغِسْلِينُ فِي النَّارِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْحَرَامُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الْكَسْبُ الْخَبِيثُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: الشَّقَاءُ. ورُوي عَنْهُ أَنَّهُ قال. كل ما أُعْطِيَ الْعَبْدُ قَلَّ أَمْ كَثُرَ فَلَمْ يَتَّقِ فِيهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَهُوَ الضَّنْكُ فِي الْمَعِيشَةِ، وَإِنَّ أَقْوَامًا أَعْرَضُوا عَنِ الْحَقِّ وَكَانُوا أُولِي سَعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا مُكْثِرِينَ فَكَانَتْ مَعِيشَتُهُمْ ضَنْكًا، وَذَلِكَ أنهم يرون الله ليس بمختلف لهم فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ مَعَايِشُهُمْ مِنْ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْلُبُهُ الْقَنَاعَةَ حَتَّى لَا يَشْبَعَ، {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَعْمَى الْبَصَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَعْمَى عَنِ الْحُجَّةِ. [قوله تعالى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا] . . . . [125] {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} [طه: 125] بِالْعَيْنِ أَوْ بَصِيرًا بِالْحُجَّةِ. [126] {قَالَ كَذَلِكَ} [طه: 126] أَيْ كَمَا {أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [طه: 126] فَتَرَكْتَهَا وَأَعْرَضَتْ عَنْهَا، {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 126] تُتْرَكُ فِي النَّارِ. قَالَ قَتَادَةُ: نسُوا مِنَ الْخَيْرِ وَلَمْ يُنْسَوْا من العذاب. [127] {وَكَذَلِكَ} [طه: 127] أَيْ وَكَمَا جَزَيْنَا مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ، {نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} [طه: 127] أَشَرَكَ، {وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ} [طه: 127] مِمَّا يُعَذِّبُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا والقبر، {وَأَبْقَى} [طه: 127] وأدوم. [128] {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [طه: 128] يُبَيِّنْ لَهُمُ الْقُرْآنُ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128] دِيَارِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ إِذَا سَافَرُوا، وَالْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ كَانُوا يُسَافِرُونَ إِلَى الشَّامِ فَيَرَوْنَ دِيَارَ الْمُهْلَكِينَ مَنْ أَصْحَابِ الحجر وثمود وقريات قوم لُوطٍ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 128] لِذَوِي الْعُقُولِ. [129] {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه: 129] فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لزامًا وأجلا مُسَمًّى، وَالْكَلِمَةُ الْحُكْمُ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، أَيْ وَلَوْلَا حُكْمٌ سَبَقَ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ وَأَجَلٌ مُسَمًّى وَهُوَ الْقِيَامَةُ لَكَانَ لِزَامًا، أَيْ لَكَانَ الْعَذَابُ لَازِمًا لَهُمْ كَمَا لَزِمَ الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ الْكَافِرَةَ. [130] {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [طه: 130] نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [طه: 130] أَيْ صَلِّ بِأَمْرِ رَبِّكَ. وَقِيلَ: صلِّ لله بالحمدلة وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} [طه: 130] يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] صَلَاةَ الْعَصْرِ، {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ} [طه: 130] ساعاتها واحدها أنى، {فَسَبِّحْ} [طه: 130] يَعْنِي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه: 130] يَعْنِي صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَسَمَّى وَقْتَ الظُّهْرِ أَطْرَافَ النَّهَارِ لِأَنَّ وَقْتَهُ عند الزوال، وهو

النِّصْفِ الْأَوَّلِ انْتِهَاءً وَطَرَفُ النِّصْفِ الْآخَرِ ابْتِدَاءً، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَمِنْ أَطْرَافِ النَّهَارِ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، لِأَنَّ الظَّهْرَ فِي آخِرِ الطَّرَفِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّهَارِ، وَفِي أَوَّلِ الطرف الآخر من النهار، فَهُوَ فِي طَرَفَيْنِ مِنْهُ وَالطَّرَفُ الثَّالِثُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يصلي المغرب، {لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] أَيْ تَرْضَى ثَوَابَهُ فِي الْمَعَادِ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: تُرضي بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ تُعْطَى ثَوَابَهُ. وَقِيلَ: تَرْضَى أَيْ يَرْضَاكَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مَرْيَمَ: 55] وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ لَعَلَّكَ تَرْضَى بِالشَّفَاعَةِ، كَمَا قَالَ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] [131] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [طه: 131] قَالَ أَبُو رَافِعٍ: «نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفٌ فَبَعَثَنِي إِلَى يَهُودِيٍّ فَقَالَ لِي: "قُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ الله يقول لك يعني كَذَا وَكَذَا مِنَ الدَّقِيقِ وَأَسْلِفْنِي إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ" فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَا أَبِيعُهُ وَلَا أُسْلِفُهُ إِلَّا بَرْهَنٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَاعَنِي وَأَسْلَفَنِي لَقَضَيْتُهُ وَإِنِّي لِأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ وَأَمِينٌ فِي الْأَرْضِ، اذْهَبْ بِدِرْعِي الْحَدِيدِ إِلَيْهِ» (¬1) . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [طه: 131] لَا تَنْظُرْ، {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ} [طه: 131] أعطينا، {أَزْوَاجًا} [طه: 131] أَصْنَافًا، {مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه: 131] أَيْ زِينَتَهَا وَبَهْجَتَهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ زَهَرَةَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بجزمها، {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131] أَيْ لِنَجْعَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ بِأَنْ أُزِيدَ لَهُمُ النِّعْمَةَ فَيَزِيدُوا كفرًا وطغيانًا، {وَرِزْقُ رَبِّكَ} [طه: 131] في المعاد يعني في الجنة، {خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] قال أبي ابن كعب: من لم يستعز بعز اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ، وَمَنْ يتبع بصره فيما في أيدي النَّاسِ بَطَلَ حُزْنُهُ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَلْبَسِهِ فَقَدْ قَلَّ عَمَلُهُ وَحَضَرَ عَذَابُهُ. [132] {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} [طه: 132] أَيْ قَوْمَكَ. وَقِيلَ: مَنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ} [مَرْيَمَ: 55] {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] أَيِ اصْبِرْ عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} [طه: 132] لَا نُكَلِّفُكَ أَنْ تَرْزُقَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِنَا، وَلَا أَنْ تَرْزُقَ نَفْسَكَ وَإِنَّمَا نُكَلِّفُكَ عَمَلًا، {نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ} [طه: 132] الخاتمة الجميلة المحمودة، {لِلتَّقْوَى} [طه: 132] أَيْ لِأَهْلِ التَّقْوَى. قَالَ ابْنُ عباس: يعني الَّذِينَ صَدَّقُوكَ وَاتَّبَعُوكَ وَاتَّقَوْنِي. وَفِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ إِذَا أَصَابَ أَهْلَهُ ضُرٌّ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ» . [133] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا} [طه: 133] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، {لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ} [طه: 133] أي الآية ¬

(¬1) أخرجه إسحاق وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار والطبري والطبراني وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو متروك انظر الكافي الشافي ص 109 وأسباب النزول للواحدي ص 352 وأيد القرطبي بطلان هذه الرواية 11 / 263.

سورة الأنبياء

الْمُقْتَرَحَةُ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَاهُمْ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ، {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ} [طه: 133] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ عن عاصم {تَأْتِهِمْ} [طه: 133] لِتَأْنِيثِ الْبَيِّنَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ لتقدم الفعل، لأن الْبَيِّنَةَ هِيَ الْبَيَانُ فَرُدَّ إِلَى المعنى، {مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه: 133] يعني بَيَانُ مَا فِيهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ أَقْوَى دَلَالَةٍ وَأَوْضَحُ آيَةٍ. وَقِيلَ: أو لم يأتهم مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنْبَاءِ الْأُمَمِ أَنَّهُمُ اقْتَرَحُوا الْآيَاتِ، فَلَمَّا أَتَتْهُمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، كَيْفَ عَجَّلْنَا لَهُمُ الْعَذَابَ وَالْهَلَاكَ، فَمَا يُؤَمِّنُهُمْ إِنْ أَتَتْهُمُ الْآيَةُ أَنْ يَكُونَ حَالُهُمْ كَحَالِ أُولَئِكَ. [134] {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ} [طه: 134] يعني مِنْ قَبْلِ إِرْسَالِ الرَّسُولِ وَإِنْزَالِ القرآن، {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا} [طه: 134] هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [طه: 134] يَدْعُونَا، أَيْ لَقَالُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134] بِالْعَذَابِ وَالذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَالْخِزْيِ وَالِافْتِضَاحِ. [135] {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ} [طه: 135] مُنْتَظِرٌ دَوَائِرَ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ حَوَادِثَ الدَّهْرِ، فَإِذَا مَاتَ تَخَلَّصْنَا، قَالَ الله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا} [طه: 135] فانتظروا، {فَسَتَعْلَمُونَ} [طه: 135] إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، {مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ} [طه: 135] المستقيم، {وَمَنِ اهْتَدَى} [طه: 135] مِنَ الضَّلَالَةِ نَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ؟ . [سورة الأنبياء] [قوله تعالى اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ] . . . . . (21) سورة الأنبياء [1] {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ} [الأنبياء: 1] قيل: اللام بمعنى من، يعني اقترب من الناس {حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] يعني وَقْتُ مُحَاسَبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَزَلَتْ فِي مُنْكِرِي الْبَعْثِ، {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1] عَنِ التَّأَهُّبِ لَهُ. [2] {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] يَعْنِي مَا يُحْدِثُ اللَّهُ مِنْ تَنْزِيلِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُذَكِّرُهُمْ وَيَعِظُهُمْ بِهِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يُحْدِثُ الله الأمر بعد الأمر. وقيل: الذِّكْرُ الْمُحْدَثُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَّنَهُ من السنن والمواعظ سوى الْقُرْآنِ، وَأَضَافَهُ إِلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ قَالَ بِأَمْرِ الرَّبِّ، {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] يعني اسْتَمَعُوهُ لَاعِبِينَ لَا يَعْتَبِرُونَ وَلَا يتعظون. [3] {لَاهِيَةً} [الأنبياء: 3] ساهية غافلة، {قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 3] مُعْرِضَةً عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: {لَاهِيَةً} [الأنبياء: 3] نَعْتٌ تَقَدَّمَ الِاسْمَ، وَمِنْ حَقِّ النَّعْتِ أَنْ يَتْبَعَ الِاسْمَ فِي الْإِعْرَابِ، وَإِذَا تَقَدَّمَ النَّعْتُ الِاسْمَ فَلَهُ حَالَتَانِ: فَصْلٌ وَوَصْلٌ، فَحَالَتُهُ فِي الْفَصْلِ النَّصْبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} [القمر: 7] وَفِي الْوَصْلِ حَالَةُ مَا قَبْلَهُ من الإعراب كقوله: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النِّسَاءِ: 75] {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] يعني

قوله تعالى وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا

أشركوا، قوله: {وَأَسَرُّوا} [الأنبياء: 3] فِعْلٌ تَقَدَّمَ الْجَمْعَ وَكَانَ حَقُّهُ وَأَسَرَّ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتأخير، أراد: الذين ظَلَمُوا أَسَرُّوا النَّجْوَى. وَقِيلَ: مَحَلُّ الذين رفع على أَسَرُّوا. قَالَ الْمُبَرِّدُ: هَذَا كَقَوْلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ فِي الدَّارِ انْطَلَقُوا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، عَلَى الْبَدَلِ مِمَّا فِي انْطَلَقُوا. ثُمَّ بَيَّنَ سِرَّهِمُ الَّذِي تَنَاجَوْا بِهِ فَقَالَ: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3] أَنْكَرُوا إِرْسَالَ الْبَشَرِ وَطَلَبُوا إِرْسَالَ الملائكة، {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} [الأنبياء: 3] يعني تَحْضُرُونَ السِّحْرَ وَتَقْبَلُونَهُ، {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] تعلمون أنه سحر. [4] {قَالَ} [الأنبياء: 4] لهم مُحَمَّدُ، {رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأنبياء: 4] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: {قَالَ رَبِّي} [الأنبياء: 4] عَلَى الْخَبَرِ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأنبياء: 4] أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، {وَهُوَ السَّمِيعُ} [الأنبياء: 4] لأقوالهم، {الْعَلِيمُ} [الأنبياء: 4] بِأَفْعَالِهِمْ. [5] {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} [الأنبياء: 5] أَبَاطِيلُهَا وَأَقَاوِيلُهَا وَأَهَاوِيلُهَا رَآهَا فِي النوم، {بَلِ افْتَرَاهُ} [الأنبياء: 5] أختلقه، {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] يَعْنِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ اقْتَسَمُوا الْقَوْلَ فِيهِ وَفِيمَا يَقُولُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ فِرْيَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مُحَمَّدٌ شَاعِرٌ وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ شعر. {فَلْيَأْتِنَا} [الأنبياء: 5] محمد، {بِآيَةٍ} [الأنبياء: 5] إن كان صادقًا ماله {كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] مِنَ الرُّسُلِ بِالْآيَاتِ. [6] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ} [الأنبياء: 6] أي قَبْلَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، {مِنْ قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 6] أَيْ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ أَتَتْهُمُ الآيات، {أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء: 6] أهلكناهم بالتكذيب، {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 6] إن جاءتهم آية، معناه: أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْآيَاتِ لَمَّا أَتَتْهُمْ أَفَيُؤْمِنُ هَؤُلَاءِ. [7] {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7] هَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3] يَعْنِي إِنَّا لَمْ نُرْسِلِ الْمَلَائِكَةَ إِلَى الْأَوَّلِينَ إِنَّمَا أَرْسَلْنَا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [الأنبياء: 7] يَعْنِي أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يُرِيدُ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ الرُّسُلَ كَانُوا بَشَرًا، وَإِنْ أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَ الْمُشْرِكِينَ بِمَسْأَلَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ إِلَى تَصْدِيقِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إِلَى تَصْدِيقِ مَنْ آمَنَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرَادَ بِالذِّكْرِ الْقُرْآنَ فَاسْأَلُوا الْمُؤْمِنِينَ الْعَالَمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ، {إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] [8] {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ} [الأنبياء: 8] أي الرسل، {جَسَدًا} [الأنبياء: 8] وَلَمْ يَقُلْ أَجْسَادًا لِأَنَّهُ اسْمُ الجنس، {لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء: 8] هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} [الفُرْقَانِ: 7] يَقُولُ: لَمْ نَجْعَلِ الرُّسُلَ مَلَائِكَةً بَلْ جَعَلْنَاهُمْ بَشَرًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، {وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء: 8] فِي الدُّنْيَا. [9] {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ} [الأنبياء: 9] الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ بِإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِمْ، {فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ} [الأنبياء: 9] يعني أَنْجَيْنَا الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ، {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء: 9] يعني الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ، وَكُلُّ مُشْرِكٍ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ. [10] {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا} [الأنبياء: 10] يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 10] يعني شَرَفُكُمْ، كَمَا قَالَ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزُّخْرُفِ: 44] وَهُوَ شَرَفٌ لمن آمن به، وقال مُجَاهِدٌ: فِيهِ حَدِيثُكُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَيْ ذِكْرُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] [قوله تعالى وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا] بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ. . . . [11] {وَكَمْ قَصَمْنَا} [الأنبياء: 11] أَهْلَكْنَا، وَالْقَصْمُ الْكَسْرُ، {مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} [الأنبياء: 11] أَيْ كَافِرَةً، يَعْنِي أَهْلَهَا، {وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا} [الأنبياء: 11] يعني: أَحْدَثْنَا بَعْدَ هَلَاكِ أَهْلِهَا، {قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11] [12] {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا} [الأنبياء: 12] يعني رَأَوْا عَذَابَنَا بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء: 12] يعني يسرعون هاربين. [13] {لَا تَرْكُضُوا} [الأنبياء: 13] يعني قِيلَ لَهُمْ لَا تَرْكُضُوا

لا تهربوا لا تذهبوا، {وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} [الأنبياء: 13] يعنى نَعِمْتُمْ بِهِ، {وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 13] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنْ قَتْلِ نبيكم وقيل: من دنياكم شيئا. [14] {قَالُوا يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 14] [15] {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} [الأنبياء: 15] أَيْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ وَهِيَ قَوْلُهُمْ يَا وَيْلَنَا، دُعَاؤُهُمْ يَدْعُونَ بِهَا ويرددونها؟ {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا} [الأنبياء: 15] كما يحصد الزرع، {خَامِدِينَ} [الأنبياء: 15] ميتين. [16] {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16] أَيْ عَبَثًا وَبَاطِلًا. [17] {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا} [الأنبياء: 17] اخْتَلَفُوا فِي اللَّهْوِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: اللَّهْوُ ههنا الْمَرْأَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ. اللَّهْوُ الْوَلَدُ وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ، وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُسَمَّى لَهْوًا فِي اللُّغَةِ، وَالْمَرْأَةُ مَحَلُّ الْوَطْءِ {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17] يعني من عندنا من حور الْعَيْنِ لَا مِنْ عِنْدِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ذَلِكَ فِي صِفَتِهِ لَمْ يَتَّخِذْهُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لَهُمْ بل يستر ذَلِكَ حَتَّى لَا يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ، وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ أَنَّ النَّصَارَى لَمَّا قَالُوا فِي الْمَسِيحِ وَأَمِّهِ مَا قَالُوا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا وقال: {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17] لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتَهُ يَكُونَانِ عِنْدَهُ، لَا عِنْدَ غيره، {إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: (إن) للنفي، معناه: مَا كُنَّا فَاعِلِينَ. وَقِيلَ: {إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] لِلشَّرْطِ أَيْ إِنْ كُنَّا مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا، وَلَكِنَّا لَمْ نَفْعَلْهُ لِأَنَّهُ لَا يليق بالربوبية. [18] {بَلْ} [الأنبياء: 18] يعني دَعْ ذَلِكَ الَّذِي قَالُوا فَإِنَّهُ كذب وباطل، {نَقْذِفُ} [الأنبياء: 18] نرمي ونسلط، {بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 18] بالإيمان، {عَلَى الْبَاطِلِ} [الأنبياء: 18] عَلَى الْكُفْرِ، وَقِيلَ. الْحَقُّ قَوْلُ الله، فإنه لَا وَلَدَ لَهُ، وَالْبَاطِلُ قَوْلُهُمُ أتخذ الله ولدا، {فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء: 18] يعني يهلكه، وَأَصْلُ الدَّمْغِ شَجُّ الرَّأْسِ حَتَّى يَبْلُغَ الدِّمَاغَ، {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ذاهب، والمعنى: أنا نبطل كذبهم بما تبين مِنَ الْحَقِّ حَتَّى يَضْمَحِلَّ وَيَذْهَبَ، ثُمَّ أَوْعَدَهَمْ عَلَى كَذِبِهِمْ فَقَالَ: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ} [الأنبياء: 18] يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ. {مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] اللَّهَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ. مِمَّا تَكْذِبُونَ. [19] {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنبياء: 19] عبيدا وملكا، {وَمَنْ عِنْدَهُ} [الأنبياء: 19] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ. {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأنبياء: 19] ولا يَأْنَفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَتَعَظَّمُونَ عنها، {وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] لَا يَعْيَوْنَ، يُقَالُ: حَسِرَ وَاسْتَحْسَرَ إِذَا تَعِبَ وَأَعْيَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لا ينقطعون عَنِ الْعِبَادَةِ. [20] {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] لا يضعفون، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: التَّسْبِيحُ لَهُمْ كَالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ. [21] {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً} [الأنبياء: 21] اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْجَحْدِ

قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي

أَيْ لَمْ يَتَّخِذُوا، {مِنَ الْأَرْضِ} [الأنبياء: 21] يَعْنِي الْأَصْنَامَ مِنَ الْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ وَهُمَا مِنَ الْأَرْضِ، {هُمْ يُنْشِرُونَ} [الأنبياء: 21] يُحْيُونَ الْأَمْوَاتَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْإِلَهِيَّةَ إِلَّا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِيجَادِ مِنَ الْعَدَمِ وَالْإِنْعَامِ بِأَبْلَغِ وُجُوهِ النِّعَمِ. [22] {لَوْ كَانَ فِيهِمَا} [الأنبياء: 22] يعني فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، {آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} [الأنبياء: 22] يعني غير الله، {لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] لَخَرِبَتَا وَهَلَكَ مَنْ فِيهِمَا بِوُجُودِ التَّمَانُعِ بَيْنَ الْآلِهَةِ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ صَدَرَ عَنِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يَجْرِ عَلَى النِّظَامِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] يعني يصمه بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ. [23] {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] وَيَحْكُمُ عَلَى خَلْقِهِ لِأَنَّهُ الرَّبُّ {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] عَنْ أَفْعَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ. [24] {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الأنبياء: 24] اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 24] يعني حُجَّتَكُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ مستأنفا، {هَذَا} [الأنبياء: 24] يَعْنِي الْقُرْآنَ. {ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} [الأنبياء: 24] فِيهِ خَبَرُ مَنْ مَعِيَ عَلَى ديني ومن تبعني إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِمَا لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِقَابِ على المعصية. {وَذِكْرُ} [الأنبياء: 24] خبر، {مَنْ قَبْلِي} [الأنبياء: 24] مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَمَا يُفْعَلُ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ: الْقُرْآنُ، وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَمَعْنَاهُ: رَاجِعُوا الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَسَائِرَ الْكُتُبِ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ وَلَدًا، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 24] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. . . . . [25] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ} [الأنبياء: 25] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ نُوحِي إِلَيْهِ بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى التَّعْظِيمِ، لِقَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وحدون. [26] {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [الأنبياء: 26] نزلت في خزاعة حيث قال: الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ} [الأنبياء: 26] نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا قَالُوا، {بَلْ عِبَادٌ} [الأنبياء: 26] أَيْ هُمْ عِبَادٌ، يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، {مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] [27] {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء: 27] لا يقدمونه بِالْقَوْلِ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27] مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَهُ قَوْلًا وَلَا عَمَلًا. [28] {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [الأنبياء: 28] أَيْ مَا عَمِلُوا وَمَا هُمْ عَامِلُونَ. وَقِيلَ: مَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَمَا يَكُونُ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] قال ابن عباس: أي إلا لِمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ، {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] خَائِفُونَ لَا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ. [29] {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ} [الأنبياء: 29] قال مقاتل: عَنَى بِهِ إِبْلِيسَ حِينَ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ وَأَمَرَ بِطَاعَةِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَقُلْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ، {فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29] الْوَاضِعِينَ الْإِلَهِيَّةَ وَالْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. [30] {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 30] قرأ العامة بالواو وقرأ ابْنُ كَثِيرٍ أَلَمْ يَرَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ مَعْنَاهُ: أَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ كَفَرُوا، {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما والضحاك وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: كَانَتَا شَيْئًا وَاحِدًا ملتزقتين، {فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] فَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِالْهَوَاءِ وَالرَّتْقُ فِي اللُّغَةِ السَّدُّ، وَالْفَتْقُ الشَّقُّ، قَالَ كعب: خلق الله السماوات وَالْأَرْضَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ خلق ريحا فوسطها ففتحهما بِهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانَتِ السماوات مرتقة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة ففتحها فَجَعَلَهَا

سَبْعَ أَرَضِينَ. قَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ: كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَالْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ، وَإِنَّمَا قال: {رَتْقًا} [الأنبياء: 30] عَلَى التَّوْحِيدِ وَهُوَ مِنْ نَعْتِ السماوات وَالْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، مِثْلَ الزَّوْرِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، {وَجَعَلْنَا} [الأنبياء: 30] وَخَلَقْنَا، {مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] أي أحيينا بِالْمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَيْ مِنَ الْحَيَوَانِ وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّبَاتُ وَالشَّجَرُ، يَعْنِي أَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ كُلِّ شَيْءٍ. وَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فَهُوَ مَخْلُوقٌ من الماء. لقوله تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النُّورِ: 45] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَعْنِي النُّطْفَةَ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَلَقَ اللَّهُ بَعْضَ مَا هُوَ حَيٌّ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ؟ قِيلَ: هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّكْثِيرِ، يَعْنِي أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْيَاءِ فِي الأرض مخلوق مِنَ الْمَاءِ أَوْ بَقَاؤُهُ بِالْمَاءِ، {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] [31] {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} [الأنبياء: 31] أي جِبَالًا ثَوَابِتَ، {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] لئلا تميد بهم، {وَجَعَلْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 31] في الرواسي، {فِجَاجًا} [الأنبياء: 31] طُرُقًا وَمَسَالِكَ، وَالْفَجُّ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، أَيْ جَعَلْنَا بَيْنَ الجبال طرقا كي يهتدوا إلى مقاصدهم، {سُبُلًا} [الأنبياء: 31] تفسير للفجاج، {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] [32] {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الْأَنْبِيَاءِ: 32] مِنْ أَنْ تَسْقُطَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحَجِّ: 65] وَقِيلَ: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّيَاطِينِ بِالشُّهُبِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [الحِجْرِ: 17] {وَهُمْ} [الأنبياء: 32] يعني الكفار، {عَنْ آيَاتِهَا} [الأنبياء: 32] أي عن مَا خَلْقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَغَيْرِهَا، {مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا. [33] {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] يَجْرُونَ وَيَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كَالسَّابِحِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَسْبَحُونَ، وَلَمْ يقل تسبح عَلَى مَا يُقَالُ لِمَا لَا يَعْقِلُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَنْهَا فِعْلَ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْجَرْيِ وَالسَّبْحِ، فَذُكِرَ عَلَى مَا يَعْقِلُ، وَالْفَلَكُ مَدَارُ النُّجُومِ الَّذِي يَضُمُّهَا، وَالْفَلَكُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ وجمعه أفلاك، ومنه فلكة الْمِغْزَلِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْفَلَكُ طَاحُونَةٌ كَهَيْئَةِ فَلَكَةِ الْمِغْزَلِ، يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ النُّجُومُ مُسْتَدِيرٌ كاستدارة الطاحونة. قال الضحاك: فلكها مجراها وسرعة سيرها. قال مجاهد: كهيئة حديد الرحى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَلَكُ السَّمَاءُ الَّذِي فِيهِ ذَلِكَ الْكَوْكَبُ، فَكُلُّ كَوْكَبٍ يَجْرِي فِي السَّمَاءِ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْفَلَكُ اسْتِدَارَةُ السَّمَاءِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم. [34] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 34]

قوله تعالى خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا

دَوَامَ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الْأَنْبِيَاءُ: 34] أَيْ أفهم الخالدون إن مت، قيل: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ قَالُوا: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ. [35] {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ} [الأنبياء: 35] نختبركم {بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} [الأنبياء: 35] بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَقِيلَ: بِمَا تُحِبُّونَ وَمَا تكرهون، {فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] ابتلاء لننظر كيف شكرتم فِيمَا تُحِبُّونَ، وَصَبْرُكُمْ فِيمَا تَكْرَهُونَ، {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] [36] {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ} [الأنبياء: 36] ما يتخذونك، {إِلَّا هُزُوًا} [الأنبياء: 36] سُخْرِيًّا، قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ، وَقَالَ: هَذَا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مناف، {أَهَذَا الَّذِي} [الأنبياء: 36] أَيْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَهَذَا الذي، {يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 36] أَيْ يَعِيبُهَا، يُقَالُ: فُلَانٌ يَذْكُرُ فُلَانًا أَيْ يَعِيبُهُ، وَفُلَانٌ يَذْكُرُ الله أي يعظمه ويبجله، {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء: 36] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، و {هُمْ} [الأنبياء: 36] الثانية صلة. [قوله تعالى خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا] تَسْتَعْجِلُونِ [37] {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ. مَعْنَاهُ أَنْ بِنْيَتَهُ وَخِلْقَتَهُ مِنَ الْعَجَلَةِ وعليها طبع، كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ آدَمُ، وَأُورِثَ أَوْلَادُهُ الْعَجَلَةَ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يُكْثُرُ مِنْهُ الشَّيْءُ: خُلِقْتَ مِنْهُ، كَمَا يقول: خلقت من تعب وخلقت من غضب، تريد الْمُبَالَغَةُ فِي وَصْفِهِ بِذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] وَقَالَ قَوْمُّ: مَعْنَاهُ خُلِقَ الْإِنْسَانُ يَعْنِي آدَمَ مِنْ تَعْجِيلٍ فِي خَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهُ، لِأَنَّ خَلْقَهُ كَانَ بَعْدَ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَسْرَعَ فِي خَلْقِهِ قَبْلَ مَغِيبِ الشمس {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الْأَنْبِيَاءِ: 37] هذا خطاب للمشركين، نَزَلَ هَذَا فِي الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يستعجلون بالعذاب وَيَقُولُونَ أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ: وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّضِرِ بْنِ الْحَارِثِ، فَقَالَ تَعَالَى: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي} [الأنبياء: 37] أَيْ مَوَاعِيدِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ، أَيْ فلا تطلبوا العذاب من وَقْتِهِ، فَأَرَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ الْقِيَامَةَ. [38، 39] {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء: 38] فَقَالَ تَعَالَى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ} [الأنبياء: 39] لَا يَدْفَعُونَ {عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ} [الأنبياء: 39] قِيلَ: وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمُ السِّيَاطَ، {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الأنبياء: 39] يُمْنَعُونَ مِنَ الْعَذَابِ، وَجَوَابُ لَوْ فِي قَوْلِهِ: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ} [الأنبياء: 39] مَحْذُوفٌ مَعْنَاهُ: وَلَوْ عَلِمُوا لَمَا أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَلَمَا اسْتَعْجَلُوا، وَلَا قَالُوا مَتَى هَذَا الْوَعْدُ. [40] {بَلْ تَأْتِيهِمْ} [الأنبياء: 40] يعني الساعة {بَغْتَةً} [الأنبياء: 40] فجأة، {فَتَبْهَتُهُمْ} [الأنبياء: 40] أَيْ تُحَيِّرُهُمْ، يُقَالُ: فُلَانٌ

قوله تعالى قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع

مَبْهُوتٌ أَيْ مُتَحَيِّرٌ، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [الأنبياء: 40] يُمْهَلُونَ. [41] {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ} [الأنبياء: 41] نَزَلَ {بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنبياء: 41] أَيْ جَزَاءُ اسْتِهْزَائِهِمْ. [42] {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} [الأنبياء: 42] يَحْفَظُكُمْ، {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء: 42] إِنْ أَنْزَلَ بِكُمْ عَذَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يَمْنَعُكُمْ مِنْ عَذَابِ الرَّحْمَنِ، {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ} [الأنبياء: 42] عَنِ الْقُرْآنِ وَمَوَاعِظِ اللَّهِ، {مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 42] [43] {أَمْ لَهُمْ} [الأنبياء: 43] أي: صِلَةٌ فِيهِ، وَفِي أَمْثَالِهِ {آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا} [الأنبياء: 43] فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ مِنْ دُونِنَا تَمْنَعُهُمْ، ثُمَّ وَصَفَ الْآلِهَةَ بِالضَّعْفِ، فَقَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} [الأنبياء: 43] مَنْعَ أَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يَنْصُرُونَ عَابِدِيهِمْ، {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُمْنَعُونَ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: عَنْهُ يُجَارُونَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنَا لَكَ جَارٌ وَصَاحِبٌ مَنْ فُلَانٍ، أَيْ مُجِيرٌ مِنْهُ. وَقَالَ مجاهد: ينصرون ويحفظون. وقال قتادة: لا يُصْبِحُونَ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ. [44] {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ} [الأنبياء: 44] الكفار، {وَآبَاءَهُمْ} [الأنبياء: 44] فِي الدُّنْيَا أَيْ أَمْهَلْنَاهُمْ. وَقِيلَ: أَعْطَيْنَاهُمُ النِّعْمَةَ، {حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [الأنبياء: 44] أَيِ امْتَدَّ بِهِمُ الزَّمَانُ فَاغْتَرُّوا، {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء: 44] أي مَا نَنْقُصُ مِنْ أَطْرَافِ الْمُشْرِكِينَ وَنَزِيدُ فِي أَطْرَافِ الْمُؤْمِنِينَ، يُرِيدُ ظُهُورَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَتْحَهُ دِيَارَ الشِّرْكِ أَرْضًا فأرضا، {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء: 44] أم نحن. [قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ] الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ. . . . . [45] {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45] أَيْ أُخَوِّفُكُمْ بِالْقُرْآنِ، {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ} [الأنبياء: 45] قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِ الْمِيمِ، (الصُّمَّ) نصبا، جَعَلَ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَفَتْحِ الْمِيمِ، الصُّمُّ رُفِعَ، {إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} [الأنبياء: 45] يخوفون. [46] {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ} [الأنبياء: 46] أصابتهم {نَفْحَةٌ} [الأنبياء: 46] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما طرف. وقيل: قليل. وقال ابْنُ جُرَيْجٍ. نَصِيبٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ نَفَحَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مِنْ مَالِهِ أي أعطاه حظا ونصيبا مِنْهُ. وَقِيلَ: ضَرْبَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَفَحَتِ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا إِذَا ضَرَبَتْ بها، {مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46] أَيْ بِإِهْلَاكِنَا إِنَّا كُنَّا مُشْرِكِينَ، دَعَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ بَعْدَمَا أَقَرُّوا بِالشِّرْكِ. [47] {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} [الأنبياء: 47] أَيْ ذَوَاتِ الْقِسْطِ وَالْقِسْطُ: الْعَدْلُ، {لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] أي: لا تنقص من ثواب حسناتها ولا يزاد على سيئاتها {وَإِنْ كَانَ} [الأنبياء: 47] الشيء، {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} [الأنبياء: 47] أي زنة مثقال حبة. {مِنْ خَرْدَلٍ} [الأنبياء: 47] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (مِثْقَالَ) بِرَفْعِ اللَّامِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ لُقْمَانَ يعني: وإن وقع مثقال حبة من خردل وَنَصَبَهَا الْآخَرُونَ عَلَى مَعْنًى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خردل، {أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء: 47] أَحْضَرْنَاهَا لِنُجَازِيَ بِهَا، {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] قَالَ السُّدِّيُّ: مُحْصِينَ، وَالْحَسْبُ مَعْنَاهُ: الْعَدُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَالِمِينَ حَافِظِينَ، لِأَنَّ مَنْ حَسَبَ شَيْئًا عَلِمَهُ وَحَفِظَهُ. [48] {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48] يَعْنِي الْكِتَابَ الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْفَرْقَانُ النَّصْرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الْأَنْفَالِ: 41] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ لِأَنَّهُ قال {وَضِيَاءً} [الأنبياء: 48] أَدْخَلَ الْوَاوَ فِيهِ أَيْ آتَيْنَا مُوسَى النَّصْرَ وَالضِّيَاءَ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ. وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْفُرْقَانِ التَّوْرَاةُ، قَالَ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: {وَضِيَاءً} [الأنبياء: 48] زَائِدَةٌ مُقْحَمَةٌ، مَعْنَاهُ: آتَيْنَاهُ التَّوْرَاةَ ضِيَاءً، وَقِيلَ: هُوَ صِفَةٌ أُخْرَى للتوراة، {وَذِكْرًا} [الأنبياء: 48] تذكيرا، {لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] [49] {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الْأَنْبِيَاءِ: 49] أَيْ

قوله تعالى فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم

يَخَافُونَهُ وَلَمْ يَرَوْهُ، {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] خائفون. [50] {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبياء: 50] يَعْنِي الْقُرْآنَ وَهُوَ ذِكْرٌ لِمَنْ تذكر به، مبارك لمن يَتَبَرَّكُ بِهِ وَيَطْلُبُ مِنْهُ الْخَيْرَ، {أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ} [الأنبياء: 50] يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء: 50] جاحدون، هذا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَتَعْبِيرٍ. [51] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء: 51] قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ صَلَاحَهُ، {مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: 51] يعني مِنْ قَبْلِ مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَالَ المفسرون: رشده من قبل، أي هداه مِنْ قَبْلِ الْبُلُوغِ، وَهُوَ حِينُ خَرَجَ مِنَ السَّرْبِ وَهُوَ صَغِيرٌ، يُرِيدُ هَدْيَنَاهُ صَغِيرًا كَمَا قَالَ تَعَالَى لِيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مَرْيَمَ: 12] {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْهِدَايَةِ وَالنُّبُوَّةِ. [52] {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ} [الأنبياء: 52] أَيْ الصُّوَرُ، يَعْنِي الْأَصْنَامَ {الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] يعني عَلَى عِبَادَتِهَا مُقِيمُونَ. [53] {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 53] فاقتدينا بهم. [54] {قَالَ} [الأنبياء: 54] إِبْرَاهِيمُ، {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء: 54] خَطَأٍ بَيِّنٍ بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا. [55] {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55] يَعْنُونَ أَجَادٌّ أَنْتَ فِيمَا تَقُولُ أم لاعب؟ . [56] {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ} [الأنبياء: 56] خَلَقَهُنَّ، {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] يعني عَلَى أَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ غَيْرُهُ. وَقِيلَ: مِنَ الشاهدين على أنه خالق السماوات والأرض. [57] {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] لَأَمْكُرَنَّ بِهَا، {بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء: 57] يعني بَعْدَ أَنْ تُدْبِرُوا مُنْطَلِقِينَ إِلَى عيدكم. [قوله تعالى فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ] إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. . . . . [58] {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء: 58] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ "جِذَاذًا" بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ كِسَرًا وَقِطَعًا جَمْعُ جَذِيذٍ، وهو الهشم مِثْلُ خَفِيفٍ وَخِفَافٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بضمها، مِثْلَ الْحُطَامِ وَالرُّفَاتِ، {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [الأنبياء: 58] فَإِنَّهُ لَمْ يَكْسِرْهُ وَوَضَعَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِهِ، وَقِيلَ: رَبَطَهُ بِيَدِهِ وَكَانَتِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صَنَمًا بَعْضُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَبَعْضُهَا مِنْ فِضَّةٍ وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وَشَبَّةٍ وَخَشَبٍ وَحَجَرٍ، وَكَانَ الصَّنَمُ الْكَبِيرُ مِنَ الذَّهَبِ مُكَلَّلًا بِالْجَوَاهِرِ في عينيه يا قوتتان تَتَّقِدَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] قِيلَ: مَعْنَاهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى دِينِهِ وَإِلَى مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إِذَا عَلِمُوا ضَعْفَ الْآلِهَةِ وَعَجْزِهَا، وَقِيلَ: لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فَيَسْأَلُونَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ الْقَوْمُ مِنْ عِيدِهِمْ إِلَى بَيْتِ آلِهَتِهِمْ وَرَأَوْا أَصْنَامَهُمْ جُذَاذًا. [59] {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 59] يعني من المجرمين. [60] {قَالُوا} [الأنبياء: 60] يَعْنِي الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ، {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60]

يَعِيبُهُمْ وَيَسُبُّهُمْ، {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60] وهو الذي نظن أنه صَنَعَ هَذَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَمْرُودَ الْجَبَّارَ وَأَشْرَافَ قَوْمِهِ. [61] {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} [الأنبياء: 61] قاله نَمْرُودُ يَقُولُ: جِيئُوا بِهِ ظَاهِرًا بِمَرْأَى مِنَ النَّاسِ، {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] عَلَيْهِ أَنَّهُ الَّذِي فَعَلَهُ، كَرِهُوا أن يأخذوه بغير بينة، قاله الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ ابن إسحاق: {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] أَيْ يَحْضُرُونَ عِقَابَهُ وَمَا يُصْنَعُ به فلما أتوا به. [62] {قَالُوا} [الأنبياء: 62] لَهُ {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 62] [63] {قَالَ} [الأنبياء: 63] إِبْرَاهِيمُ، {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] غضب من أن يعبد معه الصِّغَارَ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا فَكَسَّرَهُنَّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] حَتَّى يُخْبَرُوا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ. قَالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ فَجَعَلَ النُّطْقَ شَرْطًا لِلْفِعْلِ أَيْ إِنْ قَدَرُوا عَلَى النُّطْقِ قَدَرُوا عَلَى الْفِعْلِ، فَأَرَاهُمْ عَجْزَهُمْ عَنِ النُّطْقِ، وَفِي ضميره أنا فعلت. [64] {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأنبياء: 64] أي تفكروا بِقُلُوبِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى عُقُولِهِمْ، {فَقَالُوا} [الأنبياء: 64] مَا نَرَاهُ إِلَّا كَمَا قَالَ، {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء: 64] يَعْنِي بِعِبَادَتِكُمْ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ. وَقِيلَ: أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ هَذَا الرَّجُلَ سُؤَالِكُمْ إِيَّاهُ وَهَذِهِ آلِهَتُكُمْ حَاضِرَةٌ فَاسْأَلُوهَا. [65] {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} [الأنبياء: 65] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَجْرَى اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِمْ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَدْرَكَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ، فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} [الأنبياء: 65] أَيْ رُدُّوا إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ، يُقَالُ: نُكِسَ الْمَرِيضُ إِذَا رَجَعَ إلى حالته الأولى، وَقَالُوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 65] فَكَيْفَ نَسْأَلُهُمْ؟ فَلَمَّا اتَّجَهَتِ الْحُجَّةُ لإبراهيم عليه السلام. [66] {قَالَ} [الأنبياء: 66] لَهُمْ، {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا} [الأنبياء: 66] إن عبدتموه، {وَلَا يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء: 66] إِنْ تَرَكْتُمْ عِبَادَتَهُ. [67] {أُفٍّ لَكُمْ} [الأنبياء: 67] يعني تَبًّا وَقَذَرًا لَكُمْ، {وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67] يعني أليس لكم عقل تعرفون به هَذَا، فَلَمَّا لَزِمَتْهُمُ الْحُجَّةُ وَعَجَزُوا عَنِ الْجَوَابِ. [68] {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] يعني إِنْ كُنْتُمْ نَاصِرِينَ لَهَا. [69] قَالَ الله تعالى: {قُلْنَا يا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَوْ لَمْ يَقُلْ سَلَامًا لَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بردها. [70] قوله: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء: 70] قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ خَسِرُوا السَّعْيَ وَالنَّفَقَةَ

قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا

وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مُرَادُهُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أرسل على نمرود وأهله الْبَعُوضَ فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ وَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ فِي دِمَاغِهِ فَأَهْلَكَتْهُ. [71] قوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا} [الأنبياء: 71] مِنْ نَمْرُودَ وَقَوْمِهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71] يَعْنِي الشَّامَ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا بِالْخِصْبِ وَكَثْرَةِ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، ومنها بعث أكثر الأنبياء. خرج مِنْ كَوْثَى مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ، وَمَعَهُ لُوطٌ وَسَارَةُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العَنْكَبُوتِ: 26] فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ الْفِرَارَ بِدِينِهِ وَالْأَمَانَ عَلَى عبادة ربه. [72] {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: مَعْنَى النَّافِلَةِ: الْعَطِيَّةُ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ عَطَاءِ الله نافعة يَعْنِي عَطَاءً، قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ. فَضْلًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي زَيْدٍ وَقَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: النَّافِلَةُ هُوَ يَعْقُوبُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْطَاهُ إِسْحَاقَ بِدُعَائِهِ حَيْثُ قَالَ: {هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصَّافَّاتِ: 100] وزاد يعقوب وهو وِلْدُ الْوَلَدِ، وَالنَّافِلَةُ الزِّيَادَةُ، {وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء: 72] يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب. [قوله تَعَالَى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا] إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ. . . . [73] {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 73] يقتدى بهم في الخيرات يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى دِينِنَا، {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73] يعني العمل بالشرائع، {وَإِقَامَ الصَّلَاةِ} [الأنبياء: 73] يَعْنِي الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا، {وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [الأنبياء: 73] إعطاءها، {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73] موحدين. [74] {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ} [الأنبياء: 74] يعني وَآتَيْنَا لُوطًا، وَقِيلَ: وَاذْكُرْ لُوطًا آتيناه، {حُكْمًا} [الأنبياء: 74] يَعْنِي الْفَصْلَ بَيْنَ الْخُصُومِ بِالْحَقِّ، {وَعِلْمًا} [الأنبياء: 74] {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} [الأنبياء: 74] يعني سدوما وَكَانَ أَهْلُهَا يَأْتُونَ الذُّكْرَانَ فِي أَدْبَارِهِمْ وَيَتَضَارَطُونَ فِي أَنْدِيَتِهِمْ مَعَ أشياء أخر، كانوا يعملونها مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء: 74] [75] {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 75] [76] {وَنُوحًا إِذْ نَادَى} [الأنبياء: 76] دعا، {مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: 76] يعني مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ، {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ الْغَرَقِ وَتَكْذِيبِ قَوْمِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ أَطْوَلَ الْأَنْبِيَاءِ عُمْرًا وَأَشَدَّهُمْ بَلَاءً والكرب أشد الغم. [77] {وَنَصَرْنَاهُ} [الأنبياء: 77] مَنَعْنَاهُ، {مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بِسُوءٍ. وَقَالَ أبو عبيدة: يعني عَلَى الْقَوْمِ، {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77] [78] قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] اخْتَلَفُوا فِي الْحَرْثِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ الْحَرْثُ كَرْمًا قَدْ تَدَلَّتْ عَنَاقِيدُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ زَرْعًا، {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: 78] يعني رَعَتْهُ لَيْلًا فَأَفْسَدَتْهُ، وَالنَّفْشُ الرَّعْيُ بِاللَّيْلِ وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ وَهُمَا الرَّعْيُ بِلَا رَاعٍ، {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] يعني كان ذلك بعلمنا وبمرأى مِنَّا لَا يَخْفَى عَلَيْنَا عِلْمُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى داود أحدهما صاحب زرع وَالْآخَرُ صَاحِبُ غَنَمٍ، فَقَالَ صَاحِبُ الزَّرْعِ إِنَّ هَذَا انْفَلَتَتْ غَنَمُهُ لَيْلًا وَوَقَعَتْ فِي حَرْثِي فَأَفْسَدَتْهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَعْطَاهُ دَاوُدُ رِقَابَ الْغَنَمِ بِالْحَرْثِ، فَخَرَجَا فَمَرَّا عَلَى سُلَيْمَانَ فَقَالَ: كَيْفَ قَضَى بَيْنَكُمَا؟ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَوْ وُلِّيتُ أَمْرَهُمَا لَقَضَيْتُ بِغَيْرِ هذا فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ دَاوُدُ فَدَعَاهُ فَقَالَ: كيف تقضي؟ قَالَ: ادْفَعِ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُ بِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا وَمَنَافِعِهَا وَيَبْذُرُ صَاحِبُ الْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ مِثْلَ حَرْثِهِ، فَإِذَا صَارَ الحرث كهيئة يَوْمَ أُكِلَ دُفِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْغَنَمِ غَنَمَهُ، فَقَالَ دَاوُدُ: الْقَضَاءُ مَا قَضَيْتَ وَحَكَمَ بذلك.

[79] قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] أَيْ عَلَّمْنَاهُ الْقَضِيَّةَ وَأَلْهَمْنَاهَا سُلَيْمَانَ، {وَكُلًّا} [الأنبياء: 79] يَعْنِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، {آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] قَالَ الْحَسَنُ. لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لرأيت الحكام قد أهلكوا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمِدَ هَذَا بِصَوَابِهِ وأثنى على هذا باجتهاده، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا فَجَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكَ؟ وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ وَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، ففالت الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَهُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» (¬1) . قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79] أَيْ وَسَخَّرْنَا الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ يُسَبِّحْنَ مَعَ دَاوُدَ إِذَا سَبَّحَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَفْهَمُ تَسْبِيحَ الحجر والشجر. وقال وَهْبٌ: كَانَتِ الْجِبَالُ تُجَاوِبُهُ بِالتَّسْبِيحِ وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ. وَقَالَ قَتَادَةُ. يُسَبِّحْنَ أَيْ يُصَلِّينَ مَعَهُ إِذَا صَلَّى. وقيل: كان داود إذ فَتَرَ يُسْمِعُهُ اللَّهُ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ لِيَنْشَطَ فِي التَّسْبِيحِ وَيَشْتَاقَ إليه. {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] مَا ذَكَرَ مِنَ التَّفْهِيمِ وَإِيتَاءِ الْحُكْمِ وَالتَّسْخِيرِ. [80] {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء: 80] المراد بِاللَّبُوسِ هُنَا الدُّرُوعُ لِأَنَّهَا تُلْبَسُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْأَسْلِحَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَلْبُوسِ كَالْجُلُوسِ وَالرُّكُوبِ، قَالَ قَتَادَةُ: أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ الدُّرُوعَ وَسَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا دَاوُدُ وَكَانَتْ مِنْ قَبْلُ صَفَائِحَ وَالدِّرْعُ يجمع الخفة والحصانة، {لِتُحْصِنَكُمْ} [الأنبياء: 80] لتحرزكم وتمنعكم، {مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] أي من حَرْبِ عَدُوِّكُمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ وقع السلاح فيكم وقيل: ليحصنكم الله {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80] يَقُولُ لِدَاوُدَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ. وَقِيلَ: يَقُولُ لِأَهْلِ مَكَّةَ. فَهَلْ أَنْتُمْ شاكرون نعمي بطاعة الرسول. [81] {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} [الأنبياء: 81] أَيْ وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَهِيَ هواء متحرك وهم جِسْمٌ لَطِيفٌ يَمْتَنِعُ بِلُطْفِهِ مِنَ الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَيَظْهَرُ لِلْحِسِّ بِحَرَكَتِهِ، وَالرِّيحُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، عَاصِفَةٌ شَدِيدَةُ الْهُبُوبِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً وَالرُّخَاءُ اللِّينُ؟ قِيلَ: كَانَتِ الرِّيحُ تَحْتَ أَمْرِهِ إِنْ أَرَادَ أَنْ تَشْتَدَّ اشْتَدَّتْ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ تَلِينَ لَانَتْ، {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81] يَعْنِي الشَّامَ وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْرِي لِسُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ حَيْثُ شَاءَ سليمان ثم يعود إِلَى مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ} [الأنبياء: 81] علمناه، {عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81] بصحة التدبير فيه أي عَلِمْنَا أَنَّ مَا يُعْطَى سُلَيْمَانُ من ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الأنبياء 6 / 458 ومسلم في الأقضية رقم (1720) 3 / 1343.

قوله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر

تَسْخِيرِ الرِّيحِ وَغَيْرِهِ يَدْعُوهُ إِلَى الخضوع لربه عَزَّ وَجَلَّ. [82] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ} [الأنبياء: 82] يعني وَسَخَّرْنَا لَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ، {مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء: 82] يعني يَدْخُلُونَ تَحْتَ الْمَاءِ فَيُخْرِجُونَ لَهُ مِنْ قَعْرِ الْبَحْرِ الْجَوَاهِرَ، {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء: 82] يعني دُونَ الْغَوْصِ وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} [سَبَأٍ: 13] الْآيَةَ. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] حَتَّى لَا يَخْرُجُوا مِنْ أَمْرِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ حَفِظْنَاهُمْ مِنْ أن يفسدوا ما عملوا. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ] وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. . . . . [83] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [الأنبياء: 83] يعني دعا ربه، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ نِدَائِهِ وَالسَّبَبِ الَّذِي قَالَ لِأَجْلِهِ: إِنِّي مَسَّنِي الضر وفي مدة بلائه، فروى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ أَنَّ أَيُّوبَ لَبِثَ فِي بَلَائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ وَهْبٌ: لَبِثَ أَيُّوبُ فِي الْبَلَاءِ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَزِدْ يَوْمًا. وَقَالَ كعب: كان أيوب في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبع أيام. وقار الْحَسَنُ: مَكَثَ أَيُّوبُ مَطْرُوحًا عَلَى كُنَاسَةٍ فِي مَزْبَلَةٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا تَخْتَلِفُ فِيهِ الدَّوَابُّ لَا يَقْرَبُهُ أَحَدٌ غَيْرَ امرأته رَحْمَةَ صَبَرَتْ مَعَهُ بِصِدْقٍ وَتَأْتِيهِ بِطَعَامٍ وَتَحْمَدُ اللَّهَ مَعَهُ إِذَا حمد، وأيوب مع ذَلِكَ لَا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِ الله والصبر على ما ابتلاه به فَلَمَّا نَظَرَ أَيُّوبُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ وَلَا صَدِيقٌ خر ساجدا لله وَقَالَ: رَبِّ {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ دَائِهِ شَيْءٌ ظَاهِرٌ إِلَّا سَقَطَ وَعَادَ إِلَيْهِ شَبَابُهُ وَجَمَالُهُ أَحْسَنُ مَا كان. ثم ركض برجله ركضة أخرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرَى فَشَرِبَ مِنْهَا فَلَمْ يَبْقَ فِي جَوْفِهِ دَاءٌ إِلَّا خَرَجَ فَقَامَ صَحِيحًا وَكُسِيَ حُلَّةً قَالَ: فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ فَلَا يَرَى شَيْئًا مِمَّا كَانَ لَهُ مَنْ أَهْلٍ وَمَالٍ إِلَّا وَقَدْ ضاعفه الله فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ صَابِرًا وَقَدْ أَظْهَرَ الشَّكْوَى وَالْجَزَعَ، بقوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83] و {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ} [ص: 41] قِيلَ: لَيْسَ هَذَا شِكَايَةً إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84] عَلَى أَنَّ الْجَزَعَ إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّكْوَى إِلَى الْخَلْقِ فَأَمَّا الشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَكُونُ جَزَعًا وَلَا تَرْكَ صبرا كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يُوسُفَ: 86] قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَكَذَلِكَ مَنْ أَظْهَرَ الشَّكْوَى إِلَى النَّاسِ وَهُوَ رَاضٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ جَزَعًا كَمَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ دَخْلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي مَغْمُومًا وَأَجِدُنِي مَكْرُوبًا» (¬1) . وَقَالَ لعائشة حين قالت وارأساه: «قال: بل أنا وارأساه» (¬2) . [84] قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء: 84] وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ بِأَعْيَانِهِمْ أحياهم الله وَأَعْطَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: قَالَ الْحَسَنُ: آتَاهُ اللَّهُ الْمِثْلَ مِنْ نَسْلِ مَالِهِ الَّذِي رد اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَهْلَهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما روي عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَدَّ إِلَى الْمَرْأَةِ شَبَابَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ ستة وعشرين ذكرا. قَالَ عِكْرِمَةُ: قِيلَ لِأَيُّوبَ: إِنَّ أَهْلَكَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ فَإِنْ شِئْتَ عَجَّلْنَاهُمْ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ شِئْتَ كَانُوا لَكَ فِي الْآخِرَةِ، وَآتَيْنَاكَ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ: يَكُونُونَ لِي فِي الْآخِرَةِ، وَأُوتَى مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ فِي الْآخِرَةِ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَأَرَادَ بِالْأَهْلِ الْأَوْلَادَ، {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الأنبياء: 84] أَيْ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا، {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] أي عظة وعبرة لهم. ¬

(¬1) قطعة من حديث طويل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3 / 139 قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ وهو ذاهب الحديث. (¬2) أخرجه البخاري في المرضى 10 / 123.

قوله تعالى وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن

[85] قوله: {وَإِسْمَاعِيلَ} [الأنبياء: 85] يعني ابن إبراهيم، {وَإِدْرِيسَ} [الأنبياء: 85] وَهُوَ أَخْنُوخُ، {وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذا الكفل، فقال عَطَاءٌ: إِنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي أُرِيدُ قَبْضَ رُوحِكَ فَاعْرِضْ مُلْكَكَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَنْ تَكَفَّلَ لَكَ أَنْ يُصَلِّيَ بِاللَّيْلِ ولا يَفْتُرُ وَيَصُومَ بِالنَّهَارِ وَلَا يُفْطِرُ، وَيَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يَغْضَبُ، فَادْفَعْ مُلْكَكَ إِلَيْهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَامَ شَابٌّ فَقَالَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذَا فَتَكَفَّلَ، وَوَفَّى بِهِ فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ وَنَبَّأَهُ فَسُمِّيَ ذا الكفل وَقِيلَ: إِنَّ ذَا الْكِفْلِ رَجُلٌ كَفَلَ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ إِلَى أَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ فَوَفَّى بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ نَبِيًّا. وَقِيلَ: هُوَ إِلْيَاسُ. وَقِيلَ: زَكَرِيَّا. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَكِنْ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا. [86] {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا} [الأنبياء: 86] يعني ما أنعم به عليهم في الدنيا مِنَ النُّبُوَّةِ وَصَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الثَّوَابِ، {إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 86] [قوله تعالى وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ] نَقْدِرَ عَلَيْهِ. . . . . . [87] {وَذَا النُّونِ} [الأنبياء: 87] أَيْ اذْكُرْ صَاحِبَ الْحُوتِ وَهُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 87] والمغاضبة ههنا مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ واحد، كالمسافر وَالْمُعَاقَبَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ مُغَاضِبًا أَيْ غضبان. وقال الحسن: إنما غاضب رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى قَوْمِهِ لِيُنْذِرَهُمْ بَأْسَهُ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنْظِرَهُ لِيَتَأَهَّبَ لِلشُّخُوصِ إِلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ الْأَمْرَ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلَ أن ينظر إلى أَنْ يَأْخُذَ نَعْلًا يَلْبَسُهَا فَلَمْ يُنْظَرْ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ فَذَهَبَ مُغَاضِبًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ يُونُسَ فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى فَأَنْذِرْهُمْ، فقال: أَلْتَمِسُ دَابَّةً، قَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ فَغَضِبَ فَانْطَلَقَ إِلَى السفينة {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] أي لن نقضي عليه العقوبة، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُقَالُ: قَدَّرَ اللَّهُ الشَّيْءَ تَقْدِيرًا وَقَدَرَ يَقْدِرُ قَدْرًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} [الوَاقِعَةِ: 60] فِي قِرَاءَةِ من خففها دَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نضيق عليه الحبس، كقوله تَعَالَى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرَّعْدِ: 26] أَيْ يُضَيِّقُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ معناه فظن أَنَّهُ يُعْجِزُ رَبَّهُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ يُقْدَرَ بِضَمِّ الياء على المجهول خفيف {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] يعني ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَظُلْمَةِ بطن الحوت، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ أَنْ خُذْهُ وَلَا تَخْدِشْ لَهُ لَحْمًا وَلَا تَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا فَأَخَذَهُ ثُمَّ هَوَى بِهِ إِلَى مَسْكَنِهِ فِي الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ، قَالَ: فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ. فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: صَوْتًا مَعْرُوفًا مِنْ مَكَانٍ مَجْهُولٍ، فَقَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقَالُوا: الْعَبْدَ الصَّالِحَ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ فَشَفَعُوا لَهُ، عِنْدَ ذَلِكَ فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ إِلَى السَّاحِلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] [88] فذلك قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 88] أي أجبناه، {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} [الأنبياء: 88] مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] مِنْ كُلِّ كَرْبٍ إِذَا دَعَوْنَا واستغاثوا بنا وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ رِسَالَةَ يُونُسَ بن متى مَتَى كَانْتْ؟ فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ

قوله تعالى والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من

الصَّافَّاتِ، {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ} [الصَّافَّاتِ: 145] ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصَّافَّاتِ: 147] وَقَالَ الْآخَرُونَ. إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصَّافَّاتِ: 140] [89] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [الأنبياء: 89] أي دَعَا رَبَّهُ، {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء: 89] وَحِيدًا لَا وَلَدَ لِي وَارْزُقْنِي وارثا، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89] أثنى عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مَنْ بَقِيَ حَيًّا. [90] {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} [الأنبياء: 90] ولدا {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] أَيْ جَعَلْنَاهَا وَلُودًا بَعْدَ مَا كَانَتْ عَقِيمًا، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ فأصلحها الله لَهُ بِأَنْ رَزْقَهَا حُسْنَ الْخُلُقِ. {إِنَّهُمْ} [الأنبياء: 90] الأنبياء، يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ {كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا} [الأنبياء: 90] طمعا {وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] خوفا، رغبا في رَحْمَةِ اللَّهِ، وَرَهبًا مِنْ عَذَابِ الله، {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] أَيْ مُتَوَاضِعِينَ، قَالَ قَتَادَةُ: ذُلِّلَا لِأَمْرِ اللَّهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْخُشُوعُ هُوَ الْخَوْفُ اللَّازِمُ فِي الْقَلْبِ. [قوله تعالى وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ] رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ. . . . . [91] {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91] حَفِظَتْ مِنَ الْحَرَامِ وَأَرَادَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] أَيْ أَمَرْنَا جِبْرَائِيلَ حَتَّى نَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا، وَأَحْدَثْنَا بِذَلِكَ النَّفْخَ الْمَسِيحَ فِي بَطْنِهَا، وَأَضَافَ الرُّوحَ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] أَيْ دَلَالَةٍ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِنَا عَلَى خَلْقِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ وَهُمَا آيَتَانِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ وَجَعَلْنَا شَأْنَهُمَا وَأَمْرَهُمَا آيَةً وَلِأَنَّ الْآيَةَ كَانَتْ فِيهِمَا وَاحِدَةً، وَهِيَ أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ. [92] قوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} [الأنبياء: 92] أَيْ مِلَّتُكُمْ وَدِينُكُمْ، {أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92] أَيْ دِينًا وَاحِدًا وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَأُبْطِلُ مَا سِوَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَدْيَانِ، وَأَصْلُ الْأُمَّةِ الْجَمَاعَةُ الَّتِي هِيَ عَلَى مَقْصِدٍ وَاحِدٍ فَجُعِلَتِ الشَّرِيعَةُ أُمَّةً وَاحِدَةً لِاجْتِمَاعِ أَهْلِهَا عَلَى مَقْصِدٍ وَاحِدٍ وَنَصَبَ أُمَّةً عَلَى الْقَطْعِ. {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] [93] {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [الأنبياء: 93] أَيِ اخْتَلَفُوا فِي الدِّينِ فَصَارُوا فِرَقًا وَأَحْزَابًا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَرَّقُوا دِينَهُمْ بَيْنَهُمْ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالتَّقَطُّعُ ههنا بِمَعْنَى التَّقْطِيعِ، {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 93] فَنَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. [94] {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء: 94] لا يجحد ولا يبطل عمله سَعْيُهُ بَلْ يُشْكَرُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] لِعَمَلِهِ حَافِظُونَ، وَقِيلَ: مَعْنَى الشُّكْرِ من الله المجازاة، ومعنى الكفران ترك المجازاة.

[95] {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 95] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَى الْآيَةِ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَيْ أَهْلِ قرية، {أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء: 95] أَنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ الْهَلَاكِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ (لَا) صِلَةً، وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَرَامُ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، فَعَلَى هذا تكون (لا) ثابتة معناه واجب عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهُمْ {أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ حرام عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهُمْ أَيْ حكمنا بهلاكهم أن يتقبل أَعْمَالُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَيْ لَا يَتُوبُونَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا المعنى أنه قال الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} [الأنبياء: 94] أَيْ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ عَقِيبَهُ وَبَيَّنَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ. [96] قَوْلُهُ تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ} [الأنبياء: 96] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ: (فُتِّحَتْ) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء: 96] يُرِيدُ فُتِحَ السَّدُّ عَنْ يَأْجُوجَ، {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96] أَيْ نَشَزٍ وَتَلٍّ، وَالْحَدَبُ الْمَكَانُ المرتفع، {يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96] يُسْرِعُونَ النُّزُولَ مَنَ الْآكَامِ وَالتِّلَالِ كَنَسَلَانِ الذِّئْبِ، وَهُوَ سُرْعَةُ مَشْيِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ، فَقَالَ قوم: عنى بها يأجوج ومأجوج وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ جَمِيعَ الْخَلْقِ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ. [97] قوله تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء: 97] يَعْنِي الْقِيَامَةَ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَاقْتَرَبَ مُقْحَمَةٌ فَمَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومأجوج اقترب الوعد الحق وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ طَرْحُ الْوَاوِ، وَجَعَلُوا جَوَابَ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ فِي قَوْلِهِ يَا وَيْلَنَا، فَيَكُونُ مَجَازُ الْآيَةِ: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا. قَوْلُهُ: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 97] وَفِي قَوْلِهِ هِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْأَبْصَارِ، ثُمَّ أَظْهَرَ الْأَبْصَارَ بَيَانًا مَعْنَاهُ: فَإِذَا الْأَبْصَارُ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَالثَّانِي: أَنَّ هِيَ تَكُونُ عمدا كَقَوْلِهِ: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} [الحَجِّ: 46] وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَمَامُ الكلام عند قوله: {هِيَ} [الأنبياء: 97] عَلَى مَعْنَى فَإِذَا هِيَ بَارِزَةٌ يَعْنِي مِنْ قُرْبِهَا كَأَنَّهَا حَاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ: {شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء: 97] عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، مَجَازُهَا: أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شَاخِصَةٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ شَخَصَتْ أَبْصَارُ الْكُفَّارِ فَلَا تَكَادُ تَطْرُفُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهَوْلِهِ، يَقُولُونَ: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [الأنبياء: 97] اليوم، {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97] بِوَضْعِنَا الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. [98] {إِنَّكُمْ} [الأنبياء: 98] أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98] يعني الأصنام، {حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] يعني وَقُودُهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: حَطَبُهَا، وَالْحَصَبُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ الحطب. وقال

قوله تعالى يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب

عكرمة: هذا الْحَطَبُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي يَرْمُونَ بِهِمْ فِي النَّارِ كما يرمى بالحصب. وأصل الحصب المرمي، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا} [الْقَمَرِ: 34] أَيْ رِيحًا تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَطَبُ جَهَنَّمَ، {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] أَيْ فِيهَا دَاخِلُونَ. [99] {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ} [الأنبياء: 99] يعني الأصنام، {آلِهَةً} [الأنبياء: 99] على الحقيقة، {مَا وَرَدُوهَا} [الأنبياء: 99] أَيْ مَا دَخَلَ عَابِدُوهَا النَّارَ، {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] يَعْنِي الْعَابِدَ وَالْمَعْبُودِينَ. [100، 101] {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ - إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 100 - 101] قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ ههنا بمعنى إلا معناه: إِلَّا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى، يَعْنِي السَّعَادَةَ وَالْعِدَّةَ الْجَمِيلَةَ بالجنة، {أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] قِيلَ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَنِيَ بِذَلِكَ كُلَّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ لِلَّهِ طَائِعٌ ولعبادة من يعبده كاره. [102] {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء: 102] يَعْنِي صَوْتَهَا وَحَرَكَةَ تَلَهُّبِهَا إِذَا نَزَلُوا مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَالْحِسُّ وَالْحَسِيسُ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء: 102] مُقِيمُونَ كَمَا قَالَ: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزَّخْرُفِ: 71] [103] {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وجل: {يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [النَّمُلِ: 87] قَالَ الْحَسَنُ: حِينَ يُؤْمَرُ بِالْعَبْدِ إِلَى النَّارِ. قَالَ ابْنُ جريج: حين يذبح الموت وتنادي: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ أَنْ تُطْبِقَ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْهَا مَنْ يُرِيدُ أن يخرجه. {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [الأنبياء: 103] أَيْ تَسْتَقْبِلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُهَنِّئُونَهُمْ، وَيَقُولُونَ: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103] [قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ] . . . . . [104] {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] اختلفوا فِي السِّجِلِّ، فَقَالَ السُّدِّيُّ، السِّجِلُّ مَلَكٌ يَكْتُبُ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَاللَّامُ زائدة، أي كطي السجل الكتب كَقَوْلِهِ: {رَدِفَ لَكُمْ} [النَمْلِ: 72] اللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَكْثَرُونَ: السِّجِلُّ الصَّحِيفَةُ لِلْكُتُبِ أَيْ لِأَجْلِ مَا كُتِبَ، مَعْنَاهُ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى مَكْتُوبِهَا، وَالسِّجِلُّ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُسَاجَلَةِ وَهِيَ المكاتبة، والطي الدَّرْجُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النَّشْرِ، {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] أَيْ كَمَا بَدَأْنَاهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94] [105] {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء: 105]

سورة الحج

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: الزَّبُورُ جَمِيعُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَالذِّكْرُ أُمُّ الْكِتَابِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَالْمَعْنَى مِنْ بَعْدِ مَا كَتَبَ ذِكْرَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: الزَّبُورُ التَّوْرَاةُ وَالذِّكْرُ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ بَعْدِ التَّوْرَاةِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الزَّبُورُ كِتَابُ دَاوُدَ، وَالذِّكْرُ التَّوْرَاةُ، وَقِيلَ: الزَّبُورُ زَبُورُ دَاوُدَ وَالذِّكْرُ الْقُرْآنُ، وَبَعْدُ بِمَعْنَى قَبْلَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] أي أمامهم {أَنَّ الْأَرْضَ} [الأنبياء: 105] يَعْنِي أَرْضَ الْجَنَّةِ، {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ} [الزُّمَرِ: 74] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ أَنَّ أَرَاضِي الْكُفَّارِ يَفْتَحُهَا الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ بِإِظْهَارِ الدِّينِ وَإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَرْضِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ. [106] {إِنَّ فِي هَذَا} [الأنبياء: 106] أَيْ فِي هَذَا الْقُرْآنِ، {لَبَلَاغًا} [الأنبياء: 106] وُصُولًا إِلَى الْبُغْيَةِ أَيْ مَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِهِ وَصَلَ إِلَى مَا يَرْجُوهُ مِنَ الثَّوَابِ. وَقِيلَ: بَلَاغًا أَيْ كِفَايَةً. يُقَالُ في هذا الشيء بلاغ وبلغة أَيْ كِفَايَةٌ، وَالْقُرْآنُ زَادُ الْجَنَّةِ كبلاغ المسافر، {لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 106] أَيِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَالِمِينَ وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ الصلوات الخمس وصوم شهر رَمَضَانَ. [107] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فَهُوَ رَحْمَةٌ لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ مَنْ آمَنَ وَمَنْ لم يؤمن، فمن آمن رَحْمَةٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ فَهُوَ رَحْمَةٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ وَرَفْعِ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ وَالِاسْتِئْصَالِ عَنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» (¬1) . [108] {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [الأنبياء: 108] أَيْ أَسْلِمُوا. [109] {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ} [الأنبياء: 109] أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ بِالْحَرْبِ وَأَنْ لَا صلح بيننا، {عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109] يعني إنذارا بينا نستوي فِي عِلْمِهِ لَا اسْتِيذَانًا بِهِ دُونَكُمْ لِتَتَأَهَّبُوا لِمَا يُرَادُ بِكُمْ، يعني آذَنْتُكُمْ عَلَى وَجْهٍ نَسْتَوِي نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْعِلْمِ بِهِ، وَقِيلَ: لتستووا في الإيمان به {وَإِنْ أَدْرِي} [الأنبياء: 109] يعني وَمَا أَعْلَمُ. {أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109] يَعْنِي الْقِيَامَةَ. [110] {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110] [111] {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ} [الأنبياء: 111] يعني لَعَلَّ تَأْخِيرَ الْعَذَابِ عَنْكُمْ كِنَايَةٌ عن غير مذكور، {فِتْنَةٌ} [الأنبياء: 111] اختبار، {لَكُمْ} [الأنبياء: 111] لِيَرَى كَيْفَ صَنِيعُكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ، {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] يعني تَتَمَتَّعُونَ إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ. [112] {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 112] قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ} [الأنبياء: 112] وقرأ الآخرون: قُل رَبِّ احْكُم يعني افْصِلْ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ كَذَّبَنِي بِالْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: احكم بالحق؟ قيل: الحق ههنا بمعنى العذاب لأنه اسْتَعْجَلَ الْعَذَابَ لِقَوْمِهِ فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89] قال أَهْلُ الْمَعَانِي: مَعْنَاهُ رَبِّ احْكُمْ بِحُكْمِكَ الْحَقِّ فَحُذِفَ الْحُكْمُ وَأُقِيمَ الْحَقُّ مَقَامَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْكُمْ بالحق طلب منه أَوْ لَمْ يَطْلُبْ، وَمَعْنَى الطَّلَبِ ظُهُورُ الرَّغْبَةِ مِنَ الطَّالِبِ فِي حكمه من الْحَقِّ، {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112] مِنَ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ. [سُورَةُ الْحَجِّ] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ] السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . . ¬

(¬1) أخرجه الدارمي عن أبي صالح مرسلا 1 / 9 ووصله الحاكم 1 / 35 وصححه على شرط الشيخين. قال الهيثمي في المجمع 8 / 257: (رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجال البزار رجال الصحيح) .

(22) سورة الحج [1] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 1] أَيْ: احْذَرُوا عِقَابَهُ بِطَاعَتِهِ، {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] وَالزَّلْزَلَةُ وَالزِّلْزَالُ شِدَّةُ الْحَرَكَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْهَائِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ فَقَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: هِيَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: قِيَامُ الساعة. وقال الحسن والسدي: هده الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قِيَامُهَا فتكون معها. [2] {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} [الحج: 2] يَعْنِي السَّاعَةَ، وَقِيلَ: الزَّلْزَلَةُ، {تَذْهَلُ} [الحج: 2] ابْنُ عَبَّاسٍ: تُشْغَلُ، وَقِيلَ: تَنْسَى، يقال ذهلت عن كذا إذا تركته واشتغلت بغيره عنه {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] أَيْ: كُلُّ امْرَأَةٍ مَعَهَا وَلَدٌ تُرْضِعُهُ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ بِلَا هَاءٍ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ مِثْلَ حَائِضٍ وَحَامِلٍ، فَإِذَا أَرَادُوا الْفِعْلَ أَدْخَلُوا الْهَاءَ. {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج: 2] أَيْ: تُسْقِطُ وَلَدَهَا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ الْحَسَنُ: تَذْهَلُ الْمُرْضِعَةُ عَنْ وَلَدِهَا بِغَيْرِ فِطَامٍ وَتَضَعُ الْحَامِلُ مَا فِي بَطْنِهَا بِغَيْرِ تَمَامٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ لَا يَكُونُ حَمْلٌ. وَمَنْ قَالَ. تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ: هَذَا عَلَى وَجْهِ تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا عَلَى حقيقته كقولهم أصابني أمر يشيب منه الوليد يريد به شِدَّتَهُ. {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى} [الحج: 2] قَالَ الْحَسَنُ. مَعْنَاهُ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى مِنَ الْخَوْفِ وَمَا هُمْ بِسُكَارَى مِنَ الشَّرَابِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَتَرَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ سُكَارَى {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] [3] قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج: 3] نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وكان كَثِيرَ الْجَدَلِ وَكَانَ يَقُولُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْقُرْآنُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَكَانَ يُنْكِرُ الْبَعْثَ وَإِحْيَاءَ مَنْ صَارَ تُرَابًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَتَّبِعُ} [الحج: 3] أَيْ: يَتَّبِعُ فِي جِدَالِهِ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، {كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج: 3] والمريد المتمرد الغالي العاتي الْمُسْتَمِرُّ فِي الشَّرِّ. [4] {كُتِبَ عَلَيْهِ} [الحج: 4] قُضِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ، {أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ} [الحج: 4] اتبعه {فَأَنَّهُ} [الحج: 4] يعني الشيطان {يُضِلُّهُ} [الحج: 4] أَيْ: يَضِلُّ مَنْ تَوَلَّاهُ، {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 4] ثم ألزم الحجة، مُنْكِرِي الْبَعْثِ. [5] فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} [الحج: 5] يعني: فِي شَكٍّ، {مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} [الحج: 5] يَعْنِي: أَبَاكُمْ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النَّسْلِ، {مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [الحج: 5] يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ وَالنُّطْفَةُ هِيَ الْمَنِيُّ وَأَصْلُهَا الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَجَمْعُهَا نِطَافٌ، {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} [الحج: 5] وهي الدم الغليظ المتجمد الطري، وَجَمْعُهَا عِلَقٌ وَذَلِكَ أَنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ دَمًا غَلِيظًا ثُمَّ تَصِيرُ لحما، {ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ} [الحج: 5] وَهِيَ لَحْمَةٌ قَلِيلَةٌ قَدْرُ مَا يمضغ،

قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم

{مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مُخَلَّقَةٍ أي تامة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ أَيْ نَاقِصَةِ الْخَلْقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُصَوَّرَةٍ وَغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ يَعْنِي السَّقْطَ. وَقِيلَ: الْمُخَلَّقَةُ الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْمَرْأَةُ لِوَقْتِهِ، وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ السَّقْطُ. {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج: 5] كما قُدْرَتِنَا وَحِكْمَتَنَا فِي تَصْرِيفِ أَطْوَارِ خَلْقِكُمْ وَلِتَسْتَدِلُّوا بِقُدْرَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ. وَقِيلَ. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ مَا تَأْتُونَ وما تذرون وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ، {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: 5] فَلَا تَمُجُّهُ وَلَا تُسْقِطُهُ، {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج: 5] إلى وَقْتِ خُرُوجِهَا مِنَ الرَّحِمِ تَامَّةَ الخلق والمدة. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} [الحج: 5] من بطون أمهاتكم {طِفْلًا} [الحج: 5] أَيْ: صِغَارًا وَلَمْ يَقُلْ أَطْفَالًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْجَمْعَ بِاسْمِ الْوَاحِدِ. وَقِيلَ. تَشْبِيهًا بِالْمَصْدَرِ مِثْلَ عَدْلٍ وَزُورٍ. {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5] يَعْنِي: الْكَمَالَ وَالْقُوَّةَ، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى} [الحج: 5] مِنْ قَبْلِ بُلُوغِ الْكِبَرِ، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [الحج: 5] أَيِ: الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ، {لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] أَيْ: يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ فَلَا يَعْقِلُ شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْبَعْثِ فَقَالَ: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً} [الحج: 5] أي يا بسة لَا نَبَاتَ فِيهَا، {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ} [الحج: 5] المطر، {اهْتَزَّتْ} [الحج: 5] تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تَرْتَفِعُ بِالنَّبَاتِ فَذَلِكَ تَحَرُّكُهَا، {وَرَبَتْ} [الحج: 5] أي: ارتفعت وزادت، وقرأ أبو جعفر: (ورأبت) بِالْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حم السَّجْدَةِ أي: ارتفعت وعلت، قال المبرد: أراد اهتز وَرَبَا نَبَاتُهَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَالِاهْتِزَازُ فِي النَّبَاتِ أَظْهَرُ، يُقَالُ. اهْتَزَّ النَّبَاتُ أَيْ: طَالَ وَإِنَّمَا أُنِّثَ لذكر الأرض. وَقِيلَ. فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: ربت واهتزت، {وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] أَيْ: صِنْفٍ حَسَنٍ يُبْهَجُ بِهِ مَنْ رَآهُ أَيْ: يُسَرُّ، فَهَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْبَعْثِ. [6] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [الحج: 6] أَيْ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، {وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 6] [7] {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] [قَوْلُهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ] وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ. . . . . . [8] {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج: 8] يَعْنِي: النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، {وَلَا هُدًى} [الحج: 8] بيان {وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 8] [9] {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الحج: 9] مُتَبَخْتِرًا لِتَكَبُّرِهِ. وَقَالَ. مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أي لَاوِيَ عُنُقِهِ. قَالَ عَطِيَّةُ وَابْنُ زَيْدٍ: مُعْرِضًا عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ تَكَبُّرًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا. وَالْعِطْفُ: الْجَانِبُ، وَعِطْفَا الرَّجُلِ: جَانِبَاهُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْطِفُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَلْوِيهِ وَيُمِيلُهُ عِنْدَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا} [لُقْمَانُ: 7] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ} [المُنَافِقُونَ: 5] {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 9] عَنْ دِينِ اللَّهِ، {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج: 9] عذاب وهوان هو الْقَتْلُ بِبَدْرٍ، فَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 9] [10] وَيُقَالُ لَهُ: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 10] فَيُعَذِّبُهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَهُوَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ تَصَرَّفَ فِي عَبْدِهِ فَحُكْمُهُ عَدْلٌ وهو غير ظالم. [11] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الْحَجِّ: 11] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتِهِمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَحَّ بِهَا جِسْمُهُ ونتجت فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ ذكرا وَكَثُرَ مَالُهُ قَالَ: هَذَا دِينٌ حَسَنٌ وَقَدْ أَصَبْتُ فِيهِ خَيْرًا وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ وولدت امرأته جارية وأجهضت فرسه وَقَلَّ مَالُهُ قَالَ: مَا أَصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ فِي هَذَا الدِّينِ إِلَّا شَرًّا فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ

وَجَلَّ. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11] أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا عَلَى شَكٍّ وَأَصْلُهُ مِنْ حَرْفِ الشَّيْءِ وَهُوَ طَرَفُهُ نَحْوُ حَرْفِ الْجَبَلِ وَالْحَائِطِ الَّذِي كَالْقَائِمِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَقِيلَ لِلشَّاكِّ فِي الدِّينِ إِنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ لِأَنَّهُ عَلَى طَرَفٍ وَجَانِبٍ مِنَ الدِّينِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ عَلَى الثَّبَاتِ والتمكن كَالْقَائِمِ عَلَى حَرْفِ الْجَبَلِ مُضْطَرِبٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ يَعْرِضُ أَنْ يَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الطَّرَفِ لِضَعْفِ قِيَامِهِ، وَلَوْ عَبَدُوا اللَّهَ فِي الشُّكْرِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى الضَّرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى حَرْفٍ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ يَعْبُدُهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ. {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} [الحج: 11] صِحَّةٌ فِي جِسْمِهِ وَسِعَةٌ فِي معيشته، {اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج: 11] أَيْ: رَضِيَ بِهِ وَسَكَنَ إِلَيْهِ، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} [الحج: 11] بَلَاءٌ فِي جَسَدِهِ وَضِيقٌ فِي معيشته، {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11] ارْتَدَّ وَرَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الكفر، {خَسِرَ الدُّنْيَا} [الحج: 11] يَعْنِي هَذَا الشَّاكُّ خَسِرَ الدُّنْيَا بفوات ما كان يؤمله، {وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11] بِذَهَابِ الدِّينِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] الظَّاهِرُ. [12] {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ} [الحج: 12] إن عصاه لم يعبده، {وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} [الحج: 12] إِنْ أَطَاعَهُ وَعَبَدَهُ {ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [الحج: 12] عَنِ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ. [13] {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج: 13] أَيْ: ضَرُّ عِبَادَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ وَلَا نَفْعَ فِي عِبَادَةِ الصَّنَمِ أَصْلًا؟ قِيلَ: هَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَا لَا يَكُونُ أَصْلًا بَعِيدٌ، كقوله: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] أَيْ: لَا رَجْعَ أَصْلًا فَلَمَّا كَانَ نَفْعُ الصَّنَمِ بَعِيدًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ أَصْلًا قيل: ضره أقرب من نفعه لأنه كائن. {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} [الحج: 13] أَيِ: النَّاصِرُ. وَقِيلَ: الْمَعْبُودُ. {وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 13] أَيِ: الصَّاحِبُ وَالْمُخَالِطُ يَعْنِي الْوَثَنَ، والعرب تسمي الزوج العشير لِأَجْلِ الْمُخَالَطَةِ. [14] {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14] [15] {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ} [الحج: 15] يَعْنِي نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} [الحج: 15] أي: بحبل {إِلَى السَّمَاءِ} [الحج: 15] أَرَادَ بِالسَّمَاءِ سَقْفَ الْبَيْتِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ أَيْ: لِيَشْدُدْ حَبْلًا فِي سَقْفِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ حتى يموت، {ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15] الْحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ. وَقِيلَ: ثُمَّ لْيَقْطَعْ أَيْ لِيَمُدَّ الْحَبْلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتُ مُخْتَنِقًا، {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} [الحج: 15] صنعه وحيلته، {مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] (مَا) بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ وَحِيلَتُهُ غَيْظَهُ مَعْنَاهُ فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتَّى يَمُوتَ، وَلَيْسَ هذا على سبيل الحتم أَنْ يَفْعَلَهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ وَالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا يُقَالُ لِلْحَاسِدِ: إِنْ لَمْ تَرْضَ هَذَا فَاخْتَنِقْ وَمُتْ غَيْظًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُرَادُ مِنَ

قوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات

السَّمَاءِ السَّمَاءُ الْمَعْرُوفَةُ وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَيَكِيدَ فِي أَمْرِهِ لِيَقْطَعَهُ عَنْهُ فَلْيَقْطَعْهُ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنَّ أَصْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ الَّذِي يأتيه من السماء فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَقْدِرُ عَلَى إِذْهَابِ غيظه بهذا الفعل. [16] {وَكَذَلِكَ} [الحج: 16] أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، {أَنْزَلْنَاهُ} [الحج: 16] يَعْنِي الْقُرْآنَ {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} [الحج: 16] [17] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج: 17] يَعْنِي: عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} [الحج: 17] يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] [قوله تَعَالَى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ] وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ. . . . . [18] {أَلَمْ} [الحج: 18] أَلَمْ تَعْلَمْ، وَقِيلَ: أَلَمْ {تَرَ} [الحج: 18] بِقَلْبِكَ {أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} [الحج: 18] قَالَ مُجَاهِدٌ: سُجُودُهَا تَحَوُّلُ ظِلَالِهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ إِلَّا يَقَعُ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ. وَقِيلَ: سُجُودُهَا بِمَعْنَى الطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ جَمَادٍ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ لله خاشع لله مسبح له كما أخبرنا الله تعالى عن السماوات وَالْأَرْضِ {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فُصِّلَتْ: 11] وَقَالَ فِي وَصْفِ الْحِجَارَةِ {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الْبَقَرَةُ: 74] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الْإِسْرَاءُ: 44] وهذا مذهب حسن موافق لأهل السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ. {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] وَهُمُ الْكُفَّارُ لِكُفْرِهِمْ وَتَرْكِهِمُ السُّجُودَ وَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ تَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ. {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ} [الحج: 18] أَيْ: يُهِنْهُ اللَّهُ {فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18] أَيْ: مَنْ يُذِلُّهُ اللَّهُ فَلَا يُكْرِمُهُ أَحَدٌ، {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] أَيْ: يُكْرِمُ وَيُهِينُ فَالسَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ بإرادته ومشيئته. [19] قوله تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] أَيْ: جَادَلُوا فِي دِينِهِ وَأَمْرِهِ وَالْخَصْمُ اسْمٌ شَبِيهٌ بِالْمَصْدَرِ، فَلِذَلِكَ قال: {اخْتَصَمُوا} [الحج: 19] بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. فقيل: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ علي وحمزة وعبيدة وشيبة ابن رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بن عتبة. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَحْنُ أَوْلَى بالله منكم وَأَقْدَمُ مِنْكُمْ كِتَابًا، وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِاللَّهِ آمَنَّا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَبِيِّكُمْ وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ نَبِيَّنَا

وَكِتَابَنَا وَكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، فَهَذِهِ خُصُومَتُهُمْ فِي رَبِّهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْكَلْبِيُّ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ كُلُّهُمْ مِنْ أَيِّ مِلَّةٍ كَانُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ جَعَلَ الْأَدْيَانَ سِتَّةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [البقرة: 62] الْآيَةَ فَجَعَلَ خَمْسَةً لِلنَّارِ وَوَاحِدًا لِلْجَنَّةِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] يَنْصَرِفُ إِلَيْهِمْ فَالْمُؤْمِنُونَ خَصْمٌ وَسَائِرُ الخمسة خصم ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا لِلْخَصْمَيْنِ فَقَالَ: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج: 19] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ثِيَابٌ مِنْ نُحَاسٍ مُذَابٍ وَلَيْسَ مِنَ الْآنِيَةِ شَيْءٌ إِذَا حَمِيَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ وَسُمِّيَ بِاسْمِ الثِّيَابِ لِأَنَّهَا تُحِيطُ بِهِمْ كَإِحَاطَةِ الثِّيَابِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْبَسُ أَهْلُ النَّارِ مُقَطَّعَاتٍ مِنَ النَّارِ، {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج: 19] الْحَمِيمُ: هُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي انتهت حرارته. [20] {يُصْهَرُ بِهِ} [الحج: 20] أَيْ: يُذَابُ بِالْحَمِيمِ، {مَا فِي بُطُونِهِمْ} [الحج: 20] يُقَالُ: صَهَرْتُ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمَ بِالنَّارِ إِذَا أَذَبْتَهُمَا أَصْهَرُهَا صَهْرًا مَعْنَاهُ يُذَابُ بِالْحَمِيمِ الَّذِي يُصَبُّ مِنْ فوق رؤوسهم حَتَّى يَسْقُطَ مَا فِي بُطُونِهِمْ من الشحوم والأحشاء، {وَالْجُلُودُ} [الحج: 20] أَيْ: يَشْوِي حَرُّهَا جُلُودَهُمْ فَتَتَسَاقَطُ. [21] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 21] سِيَاطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدَتُهَا مِقْمَعَةٌ، قال الليث: المقمعة شبه الجزر مِنَ الْحَدِيدِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَمَعْتُ رَأْسَهُ إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا عَنِيفًا. [22] {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ} [الحج: 22] يعني: كُلَّمَا حَاوَلُوا الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ الَّذِي يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ {أُعِيدُوا فِيهَا} [الحج: 22] يعني: رُدُّوا إِلَيْهَا بِالْمَقَامِعِ. وَفِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَجِيشُ بِهِمْ فَتُلْقِيهِمْ إِلَى أَعْلَاهَا فَيُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فتضربهم الزبانية بمقامع الْحَدِيدِ فَيَهْوُونَ فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا. {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 22] أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، أَيِ: الْمُحْرِقِ مِثْلُ الْأَلِيمِ وَالْوَجِيعِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هَؤُلَاءِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ. [23] {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الحج: 23] جمع سوار، {وَلُؤْلُؤًا} [الحج: 23] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ (وَلُؤْلُؤًا) ههنا وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ بِالنَّصْبِ وَافَقَ يعقوب ههنا عَلَى مَعْنَى وَيُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا وَلِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي الْمَصَاحِفِ بِالْأَلِفِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ من ذهب، {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] أي: أنهم يَلْبَسُونَ فِي الْجَنَّةِ ثِيَابَ الْإِبْرَيْسَمِ وَهُوَ الَّذِي حَرُمَ لَبْسُهُ فِي الدنيا على الرجال. [24] قوله تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج: 24] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيِ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صدقنا وعده. {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24] إِلَى دِينِ اللَّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْحَمِيدُ هُوَ اللَّهُ الْمَحْمُودُ فِي أفعاله. [25] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الْحَجُّ: 25] عطف المستقبل عن الْمَاضِي لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النِسَاءُ: 167] وقيل: مَعْنَاهُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا فِيمَا تَقَدَّمَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَالِ، أَيْ: وَهُمْ يَصُدُّونَ. {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج: 25] أَيْ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} [الحج: 25] قِبْلَةً لِصَلَاتِهِمْ وَمَنْسَكًا وَمُتَعَبَّدًا كَمَا قَالَ: {وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 96] {سَوَاءً} [الحج: 25] قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبُ: {سَوَاءً} [الحج: 25] نصبا بإيقاع الجعل عليه يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُسْتَوِيًا فِيهِ، {الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وما بعده خبر،

قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن

وتم الكلام عند قوله: {لِلنَّاسِ} [الحج: 25] وَأَرَادَ بِالْعَاكِفِ الْمُقِيمَ فِيهِ، وَبِالْبَادِي الطَّارِئَ الْمُنْتَابَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ يعني فِي تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَقَضَاءِ النُّسُكِ فِيهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْسُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ هُوَ التَّسْوِيَةُ فِي تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ والطواف بالبيت، وقال الآخرون: الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ أَنَّ الْمُقِيمَ وَالْبَادِيَ سَوَاءٌ فِي النُّزُولِ بِهِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ بالمَنْزِلِ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْآخَرِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُزْعِجُ فيه أحد إِذَا كَانَ قَدْ سَبَقَ إِلَى مَنْزِلٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: هُمَا سَوَاءٌ فِي البيوت والمنازل. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتُهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ} [الحَجِّ: 40] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» (¬1) فَنَسَبَ الدَّارَ إِلَيْهِ نَسَبَ مِلْكٍ، وَاشْتَرَى عُمْرُ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا وَهَذَا قول طاوس وعمر بْنِ دِينَارٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] أي: في المسجد الحرام وهو الميل إلى الظلم، والباء في قوله {بِإِلْحَادٍ} [الحج: 25] زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المُؤْمِنُونَ: 20] وَمَعْنَاهُ مَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا بظلم، وَأَنْكَرَ الْمُبْرَدُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً وَقَالَ: مَعْنَى الْآيَةِ مَنْ تَكُنْ إِرَادَتُهُ فِيهِ بِأَنْ يُلْحِدَ بِظُلْمٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِلْحَادِ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّرْكُ وهو عبادة غَيْرِ اللَّهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَتَّى شَتْمِ الْخَادِمِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ دُخُولُ الْحَرَمِ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَوِ ارْتِكَابُ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَرَمِ مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ أَوْ قَطْعِ شَجَرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تَقْتُلَ فِيهِ مَنْ لَا يقتلك أو تظلم مَنْ لَا يَظْلِمُكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ. وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: وَهُوَ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مسعود: لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ أَوْ بِبَلَدٍ آخَرَ أَذَاقَهُ الله من عذاب أليم. قال السدي: إلا أن يتوب. [قوله تَعَالَى وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ] لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا. . . . . [26] قوله تَعَالَى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: 26] أَيْ: وَطَّأْنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلْنَا. وَقِيلَ: بَيَّنَّا. قَالَ الزَّجَّاجُ. جعلنا مكان البيت مبوأ لِإِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هيئنا. وإنما ذكر مكان البيت لأنه لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَبْنِي فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا خَجُوجًا فَكَنَسَتْ لَهُ مَا حَوْلَ الْبَيْتِ على الأساس. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج: 26] أَيْ: عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَقُلْنَا لَهُ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26] أي: الذين يطوفون بالبيت، {وَالْقَائِمِينَ} [الحج: 26] أي: المقيمين، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] أَيِ: الْمُصَلِّينَ. [27] {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ} [الحج: 27] أي: أعلم ونادى في الناس، {بِالْحَجِّ} [الحج: 27] فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فقال: عليك الأذان وعلينا البلاغ، فقام إبراهيم وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إن ربكم قد بنى لكم بَيْتًا وَكَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ فَأَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَأَجَابَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ يَحُجُّ مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيك، قال ابن عباس وَزَعَمَ الْحَسَنُ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهَذَا التَّأْذِينِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ. وَرَوَى أَبُو هريرة قال: ¬

(¬1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجهاد والسير رقم (1780) 3 / 1405.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا» (¬1) . قَوْلُهُ تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27] أي: مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ جَمْعُ رَاجِلٍ، مِثْلُ قَائِمٍ وَقِيَامٍ وَصَائِمٍ وَصِيَامٍ، {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27] أَيْ: رُكْبَانًا عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ، وَالضَّامِرُ: الْبَعِيرُ الْمَهْزُولُ. {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] من كل طريق بعيد. [28] {لِيَشْهَدُوا} [الحج: 28] ليحضروا، {مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] قال سعيد بن المسيب: العفو والمغفرة. وقال سعيد بن جبير: التجارة، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْأَسْوَاقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التِّجَارَةُ وَمَا يَرْضَى اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] يَعْنِي عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. قِيلَ لَهَا: مَعْلُومَاتٍ لِلْحِرْصِ عَلَى عِلْمِهَا بِحِسَابِهَا مِنْ أَجْلِ وَقْتِ الْحَجِّ فِي آخِرِهَا. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَالنَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28] يَعْنِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا تَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. وَاخْتَارَ الزَّجَّاجُ أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ يَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ عَلَى نَحْرِهَا وَنَحْرُ الْهَدَايَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 28] أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مِنْ لُحُومِ هَدَايَاهُمْ شَيْئًا وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وكذلك أضحية التطوع. وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا مِثْلَ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالدَّمِ الْوَاجِبِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ وَفَوَاتِهِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَمِنْ كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْمَنْذُورِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ يَأْكُلُ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ سِوَاهُمَا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] يَعْنِي: الزَّمِنَ الْفَقِيرَ الَّذِي لَا شيء له والبائس الَّذِي اشْتَدَّ بُؤْسُهُ، وَالْبُؤْسُ شِدَّةُ الفقر. [29] {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] التَّفَثُ الْوَسَخُ وَالْقَذَارَةُ مِنْ طُولِ الشعر والأظفار وَالشَّعَثِ، تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ تَسْتَقْذِرُهُ: مَا أتْفَثَكَ أَيْ مَا أَوَسَخَكَ. والحاج أشعث أغبر أي: لَمْ يَحْلِقْ شَعْرَهُ وَلَمْ يُقَلِّمْ ظُفْرَهُ فَقَضَاءُ التَّفَثِ إِزَالَةُ هَذِهِ الأشياء ليقضوا ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الحج رقم (1337) 2 / 975 والمصنف في شرح السنة 7 / 3.

قوله تعالى حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك

تَفَثَهُمْ، أَيْ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: قَضَاءُ التَّفَثِ مَنَاسِكُ الْحَجِّ كُلُّهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَأَخْذُ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وقلم الأظفار. وقيل: التفث ههنا رَمْيُ الْجِمَارِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا نَعْرِفُ التَّفَثَ وَمَعْنَاهُ إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ نَذْرَ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ وَمَا يُنْذِرُ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْحَجِّ أَيْ: لِيُتِمُّوهَا بِقَضَائِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخُرُوجَ عَمَّا وجب عليه نذرا ولم يَنْذِرْ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَفَّى بِنَذْرِهِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ (وَلِيُوَفُّوا) بِنَصْبِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الفاء {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] أَرَادَ بِهِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، وَالطَّوَافُ ثَلَاثَةُ، طَوَافُ الْقُدُومِ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا يَرْمُلُ ثَلَاثًا مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ وَيَمْشِي أَرْبَعًا، وَهَذَا الطَّوَافُ سُنَّةٌ لَا شيء على من تركه. وَالطَّوَافُ الثَّانِي: هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الْإِحْرَامِ مَا لَمْ يَأْتِ به. وَالطَّوَافُ الثَّالِثُ هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ لَا رُخْصَةَ فِيهِ لِمَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَنْ يُفَارِقَهَا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا فَمَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ إِلَّا الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ يَجُوزُ لَهَا ترك طواف الوداع. قوله: {بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] واختلفوا في معنى العتيق، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى تَخْرِيبِهِ، فَلَمْ يَظْهَرْ عليه جبار قط. وقال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ وَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، يُقَالُ دِينَارٌ عَتِيقٌ أي قديم، وقيل: سمي عتيق لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنَ الْغَرَقِ فَإِنَّهُ رُفِعَ أَيَّامَ الطُّوفَانِ. [30] {ذَلِكَ} [الحج: 30] أَيِ: الْأَمْرُ ذَلِكَ يَعْنِي مَا ذُكِرَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} [الحج: 30] أَيْ مَعَاصِي اللَّهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَتَعْظِيمُهَا تَرْكُ مُلَابَسَتِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حُرُمَاتُ اللَّهِ مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْحُرْمَةُ مَا وَجَبَ الْقِيَامُ بِهِ وَحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أن معنى الحرمات ههنا المناسك بدليل مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وقال ابن زيد: الحرمات ههنا الْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْإِحْرَامُ. {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] أَيْ: تَعْظِيمُ الْحُرُمَاتِ، خَيْرٌ لَهُ عند الله في الآخرة، {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ} [الحج: 30] أَنْ تَأْكُلُوهَا إِذَا ذَبَحْتُمُوهَا وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [الحج: 30] تَحْرِيمُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المَائِدَةِ: 3] الْآيَةَ، {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] أَيْ: عِبَادَتَهَا، يَقُولُ: كُونُوا عَلَى جَانِبٍ مِنْهَا فَإِنَّهَا رِجْسٌ، أَيْ: سَبَبُ الرِّجْسِ، وَهُوَ الْعَذَابُ وَالرِّجْسُ: بِمَعْنَى الرِّجْزِ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: (مِنْ) ههنا لِلتَّجْنِيسِ أَيْ: اجْتَنِبُوا الْأَوْثَانَ الَّتِي هِيَ رِجْسٌ، {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] يَعْنِي: الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ. وَقَالَ ابْنُ مسعود: شهادة الزور، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تملكه وما ملك. [قوله تعالى حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ] بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ. . . . [31] {حُنَفَاءَ لِلَّهِ} [الحج: 31] مُخْلِصِينَ لَهُ، {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 31] قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا فِي الشِّرْكِ يَحُجُّونَ وَيُحْرِمُونَ الْبَنَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ حُنَفَاءَ، فَنَزَلَتْ: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 31] أَيْ: حُجَّاجًا لِلَّهِ مُسْلِمِينَ مُوَحِّدِينَ يَعْنِي: مَنْ أَشْرَكَ لَا يَكُونُ حَنِيفًا. {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ} [الحج: 31] أي: سقط، {مِنَ السَّمَاءِ} [الحج: 31] إلى الأرض،

{فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج: 31] أَيْ: تَسْتَلِبُهُ الطَّيْرُ وَتَذْهَبُ بِهِ، وَالْخَطْفُ وَالِاخْتِطَافُ تَنَاوُلُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَتَخَطَّفُهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَيْ يَتَخَطَّفُهُ، {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ} [الحج: 31] أَيْ: تَمِيلُ وَتَذْهَبُ بِهِ، {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] أي: بعيد معناه أن بعد من أشرك بالحق كَبُعْدِ مَنْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ فَذَهَبَتْ بِهِ الطَّيْرُ، أَوْ هَوَتْ به الريح، فلا يصل بِحَالٍ. وَقِيلَ: شَبَّهَ حَالَ الْمُشْرِكِ بِحَالِ الْهَاوِي مِنَ السَّمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ حِيلَةً حَتَّى يَقَعَ بِحَيْثُ تُسْقِطُهُ الرِّيحُ، فَهُوَ هَالِكٌ لَا مَحَالَةَ إِمَّا بِاسْتِلَابِ الطَّيْرِ لَحْمَهُ وَإِمَّا بِسُقُوطِهِ إِلَى الْمَكَانِ السَّحِيقِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: شَبَّهَ أَعْمَالَ الْكَفَّارِ بِهَذِهِ الْحَالِ فِي أَنَّهَا تَذْهَبُ وَتَبْطُلُ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. [32] {ذَلِكَ} [الحج: 32] يَعْنِي: الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ اجْتِنَابِ الرِّجْسِ وَقَوْلِ الزُّورِ، {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَعَائِرُ اللَّهِ الْبُدْنُ وَالْهَدْيُ وَأَصْلُهَا مِنَ الْإِشْعَارِ وهو إعلامها ليعلم أَنَّهَا هَدْيٌ وَتَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا، وَقِيلَ: شَعَائِرُ اللَّهِ أَعْلَامُ دِينِهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، أَيْ: فَإِنَّ تَعْظِيمَهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. [33] {لَكُمْ فِيهَا} [الحج: 33] أَيْ: فِي الْبُدْنِ قَبْلَ تَسْمِيَتِهَا للهدى، {مَنَافِعُ} [الحج: 33] فِي دَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَرُكُوبِ ظُهُورِهَا، {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج: 33] وَهُوَ أَنْ يُسَمِّيَهَا وَيُوجِبَهَا هَدْيًا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهَا، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَرَوَاهُ مُقْسِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَكُمْ فِي الْهَدَايَا مَنَافِعُ بَعْدَ إِيجَابِهَا وَتَسْمِيَتِهَا هَدْيًا بِأَنْ تَرْكَبُوهَا وَتَشْرَبُوا أَلْبَانَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، يَعْنِي إِلَى أَنْ تَنْحَرُوهَا وَهُوَ قَوْلُ عطاء ابن أبي رباح. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالشَّعَائِرِ الْمَنَاسِكَ وَمُشَاهَدَةَ مَكَّةَ، لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ بِالتِّجَارَةِ وَالْأَسْوَاقِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ مَكَّةَ. وَقِيلَ. لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ فِي قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، أَيْ: إِلَى انْقِضَاءِ أَيَّامِ الحج، {ثُمَّ مَحِلُّهَا} [الحج: 33] أَيْ: مَنْحَرُهَا، {إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] أَيْ: مَنْحَرُهَا عِنْدَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، يُرِيدُ أَرْضَ الْحَرَمِ كُلَّهَا، كَمَا قَالَ: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التَّوْبَةِ: 28] أَيِ: الْحَرَمُ كُلُّهُ. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَحَرْتُ ههنا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ» (¬1) . وَمَنْ قَالَ: الشَّعَائِرُ الْمَنَاسِكُ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] أَيْ: مَحِلُّ النَّاسِ مِنْ إِحْرَامِهِمْ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، أَيْ: أَنْ يَطُوفُوا بِهِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النحر. [34] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} [الحج: 34] يعني جَمَاعَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلَفَتْ قَبْلَكُمْ، {جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج: 34] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ ههنا وَفِي آخِرِ السُّورَةِ، عَلَى مَعْنَى الاسم مثل المسجد والمطلع، يعني مَذْبَحًا وَهُوَ مَوْضِعُ الْقُرْبَانِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْمَصْدَرِ، مثل المدخل والمخرج يعني إِرَاقَةُ الدِّمَاءِ وَذَبْحُ الْقَرَابِينَ، {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34] عِنْدَ نَحْرِهَا وَذَبْحِهَا وَسَمَّاهَا بَهِيمَةً لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَقَالَ: {بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34] وَقَيَّدَهَا بِالنَّعَمِ لِأَنَّ مِنَ الْبَهَائِمِ مَا لَيْسَ مِنَ الْأَنْعَامِ كَالْخَيْلِ والبغال والحمير، لا يجوز ذبحها فِي الْقَرَابِينَ. {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الحج: 34] أَيْ: سَمُّوا عَلَى الذَّبَائِحِ اسْمَ اللَّهِ وَحْدَهُ فَإِنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ واحد، {فَلَهُ أَسْلِمُوا} [الحج: 34] انقادوا وأطيعوا، {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُطْمَئِنِّينَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْخَبْتُ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْخَاشِعِينَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: الْمُخْلِصِينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمر بْنُ أَوْسٍ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ وَإِذَا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا. ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الحج رقم (1218) 2 / 893 والمصنف في شرح السنة 7 / 150.

[35] {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} [الحج: 35] مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمَصَائِبِ، {وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ} [الحج: 35] أَيِ: الْمُقِيمِينَ لِلصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 35] أي: يتصدقون. [36] {وَالْبُدْنَ} [الحج: 36] جَمْعُ بَدَنَةٍ سُمِّيَتْ بَدَنَةً لِعِظَمِهَا وَضَخَامَتِهَا يُرِيدُ الْإِبِلَ الْعِظَامَ الصِّحَاحَ الْأَجْسَامِ، يُقَالُ: بَدُنَ الرَّجُلُ بُدْنًا وَبَدَانَةً إِذَا ضَخُمَ، فَأَمَّا إِذَا سن وَاسْتَرْخَى يُقَالُ: بَدَنَ تَبْدِينًا. قَالَ عطاء والسدي: البُدن البقر أَمَّا الْغَنَمُ فَلَا تُسَمَّى بَدَنَةً. {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36] مِنْ أَعْلَامِ دِينِهِ، سُمِّيَتْ شَعَائِرَ لِأَنَّهَا تُشْعِرُ، وَهُوَ أَنْ تُطعن بِحَدِيدَةٍ فِي سَنَامِهَا فَيُعْلَمَ أَنَّهَا هدي، {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج: 36] النَّفْعُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَجْرُ فِي الْعُقْبَى، {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [الحج: 36] أي: عند نحرها، {صَوَافَّ} [الحج: 36] أَيْ: قِيَامًا عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ قد صفت رجلها وَإِحْدَى يَدَيْهَا وَيَدُهَا الْيُسْرَى مَعْقُولَةٌ فينحرها كذلك. وقرأ أبي الحسن وَمُجَاهِدٌ (صَوَافِي) بِالْيَاءِ أَيْ صَافِيَةً خَالِصَةً لِلَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فيها، {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] يعني: سَقَطَتْ بَعْدَ النَّحْرِ فَوَقَعَتْ جُنُوبُهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَصِلُ الْوُجُوبِ: الْوُقُوعُ. يُقَالُ: وَجَبَتِ الشَّمْسُ إِذَا سَقَطَتْ للمغيب، {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36] أَمْرُ إِبَاحَةٍ، {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُمَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ: الْقَانِعُ الْجَالِسُ فِي بَيْتِهِ الْمُتَعَفِّفُ يَقْنَعُ بِمَا يُعطى ولا يسأل، والمعترّ الَّذِي يَسْأَلُ. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقَانِعُ الَّذِي لَا يعترض وَلَا يَسْأَلُ، فَعَلَى هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ الْقَانِعُ مِنَ الْقَنَاعَةِ يُقَالُ: قنع قانعة إِذَا رَضِيَ بِمَا قُسم لَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ: الْقَانِعُ الَّذِي يَسْأَلُ وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ وَلَا يَسْأَلُ، فَيَكُونُ القانع من قنع قنوعًا إذا سأل. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْقَانِعُ الْمِسْكِينُ، وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي لَيْسَ بِمِسْكِينٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ ذَبِيحَةٌ يَجِيءُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَتَعَرَّضُ لَهُمْ لِأَجْلِ لَحْمِهِمْ. {كَذَلِكَ} [الحج: 36] يعني: مِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنْ نَحْرِهَا قيامًا {سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} [الحج: 36] نِعْمَةً مِنَّا لِتَتَمَكَّنُوا مِنْ نَحْرِهَا، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36] لكي تشكروا إنعامي عَلَيْكُمْ. [37] {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا} [الحج: 37] وذلك أن الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا نَحَرُوا الْبُدْنَ لَطَّخُوا الْكَعْبَةَ بِدِمَائِهَا قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا} [الحج: 37] قَرَأَ يَعْقُوبُ (تَنَالُ وَتَنَالُهُ) بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالْيَاءِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَنْ يُرفع إِلَى اللَّهِ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا، {وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] وَلَكِنْ تُرَفَعُ إِلَيْهِ مِنْكُمُ الْأَعْمَالُ الصالحة والتقوى، والإخلاص وما أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} [الحج: 37] يَعْنِي: الْبُدْنَ، {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج: 37] أَرْشَدَكُمْ لِمَعَالِمِ دِينِهِ وَمَنَاسِكِ حَجِّهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى

قوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن

مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَبْلَانَا وَأَوْلَانَا، {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37] قال ابن عباس: الموحدين. [38] قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ (يَدْفَعُ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يُدَافِعُ) بِالْأَلِفِ يُرِيدُ يَدْفَعُ غَائِلَةَ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَمْنَعُهُمْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] يعني: خَوَّانٍ فِي أَمَانَةِ اللَّهِ كَفُورٍ لِنِعْمَتِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَانُوا اللَّهَ فَجَعَلُوا مَعَهُ شَرِيكًا وَكَفَرُوا نِعَمَهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى الْأَصْنَامِ بِذَبِيحَتِهِ وَذَكَرَ عَلَيْهَا اسم غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ خَوَّانٌ كَفُورٌ. [قوله تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ] اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. . . . . [39] {أُذِنَ} [الحج: 39] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ أُذِنَ بِضَمِّ الْأَلِفِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: أَذِنَ اللَّهُ، {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} [الحج: 39] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وحفص {يُقَاتَلُونَ} [الحج: 39] بِفَتْحِ التَّاءِ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ التَّاءِ يَعْنِي الَّذِينَ أُذِنَ لَهُمْ بِالْجِهَادِ (يُقَاتِلُونَ) الْمُشْرِكِينَ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ يُؤْذُونَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَزَالُونَ مَحْزُونِينَ مِنْ بَيْنِ مَضْرُوبٍ وَمَشْجُوجٍ، وَيَشْكُونَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ لَهُمُ: اصبروا فإني لم أومر بِالْقِتَالِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ أَذِنَ اللَّهُ فِيهَا بِالْقِتَالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بالمدينة وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانُوا يُمْنَعُونَ فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهُمْ مِنَ الهجرة، {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] يعني: بسبب ما ظلموا واعتدوا عَلَيْهِمْ بِالْإِيذَاءِ، {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] [40] {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ} [الحج: 40] بدل من الَّذِينَ الْأُولَى {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40] يعني: لَمْ يُخْرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ إِلَّا لِقَوْلِهِمْ رَبُّنَا اللَّهُ وَحْدَهُ، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الحج: 40] بالجهاد وإقامة الحدود، {لَهُدِّمَتْ} [الحج: 40] قرا أهل المدينة بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ على التكثير فالتخفيف يكون للتقليل وَالتَّكْثِيرُ وَالتَّشْدِيدُ يَخْتَصُّ بِالتَّكْثِيرِ، {صَوَامِعُ} [الحج: 40] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي: صَوَامِعُ الرُّهْبَانِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: صَوَامِعُ الصَّابِئِينَ، {وَبِيَعٌ} [الحج: 40] يعني بِيَعُ النَّصَارَى جَمْعُ بَيْعَةٍ وَهِيَ كنيسة النصارى، {وَصَلَوَاتٌ} [الحج: 40] يعني كنائس اليهود ويسمونها بالعبرية صَلُوتَا، {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] يَعْنِي مَسَاجِدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَ فِي شَرِيعَةِ كُلِّ نَبِيٍّ مَكَانُ صَلَاتِهِمْ، لَهُدِمَ فِي زَمَنِ مُوسَى الْكَنَائِسُ، وَفِي زَمَنِ عِيسَى الْبِيَعُ وَالصَّوَامِعُ، وَفِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَاجِدُ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرَادَ بِالصَّلَوَاتِ صَلَوَاتِ أَهْلِ الإسلام فإنها لا تَنْقَطِعُ إِذَا

قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله

دَخَلَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ. {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] يعني: يَنْصُرُ دِينَهُ وَنَبِيَّهُ، {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] [41] {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41] قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا مِنْ صِفَةِ ناصريه ومعنى مكناهم نَصَرْنَاهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ حَتَّى يَتَمَكَّنُوا في البلاد قال: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم. قال الحسن: هَذِهِ الْأُمَّةُ {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] يعني: آخَرُ أُمُورِ الْخَلْقِ وَمَصِيرُهُمْ إِلَيْهِ يَعْنِي يُبْطَلُ كُلُّ مُلْكٍ سِوَى مُلْكِهِ فَتَصِيرُ الْأُمُورُ إِلَيْهِ بِلَا منازع ولا مدع. [42] قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} [الحج: 42] يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} [الحج: 42] [43] {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ} [الحج: 43] [44] {وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} [الحج: 44] يعني: أَمْهَلْتُهُمْ وَأَخَّرْتُ عُقُوبَتَهُمْ، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} [الحج: 44] عاقبتهم، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44] يعني: إِنْكَارِي، أَيْ: كَيْفَ أَنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ يُخَوِّفُ بِهِ مَنْ يُخَالِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويكذبه. [45] {فَكَأَيِّنْ} [الحج: 45] فكم {مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الحج: 45] بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ عَلَى التَّعْظِيمِ، {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج: 45] يعني: وأهلها ظالمون، {فَهِيَ خَاوِيَةٌ} [الحج: 45] ساقطة {عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج: 45] على سقوفها، {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} [الحج: 45] يعني وَكَمْ مِنْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ مَتْرُوكَةٍ مُخْلَاةٍ عَنْ أَهْلِهَا {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45] قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: رَفِيعٌ طَوِيلٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: شَادَ بِنَاءَهُ إِذَا رَفَعَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: مُجَصَّصٌ مِنَ مشيد، وهو الجص. [46] {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الحج: 46] يَعْنِي: كَفَّارَ مَكَّةَ فَيَنْظُرُوا إِلَى مَصَارِعِ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 46] يَعْنِي: مَا يُذْكَرُ لَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ذَكَرَ الَّتِي فِي الصُّدُورِ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الْأَنْعَامِ: 38] مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَى الضَّارَّ هُوَ عَمَى الْقَلْبِ، فَأَمَّا عَمَى الْبَصَرِ فَلَيْسَ بِضَارٍّ فِي أَمْرِ الدِّينِ، قَالَ قَتَادَةُ: الْبَصَرُ الظَّاهِرُ بُلْغةٌ وَمُتْعَةٌ وَبَصَرُ الْقَلْبِ هُوَ الْبَصَرُ النَّافِعُ. [قوله تعالى وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ] وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. . . . . [47] {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج: 47] نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ حَيْثُ قَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ. {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج: 47] فأُنجز ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ الله فيها السماوات وَالْأَرْضَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْشِرُوا يا معاشر صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَلِكَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» (¬1) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هذه أيام الآخرة: وقوله: (مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُمْ يَسْتَعْجِلُونَ بِالْعَذَابِ، وَإِنَّ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ عَذَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ أَلْفُ سَنَةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إن يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْعَذَابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ فِي الثِّقَلِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالشِّدَّةِ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَهُ هَذَا كَمَا يُقَالُ: أَيَّامُ الْهُمُومِ طِوَالٌ، وَأَيَّامُ السُّرُورِ قِصَارٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وَأَلْفَ سَنَةٍ فِي الْإِمْهَالِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ قَادِرٌ مَتَى شَاءَ أَخَذَهُمْ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ بِالتَّأْخِيرِ فَيَسْتَوِي فِي قُدْرَتِهِ وُقُوعُ مَا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَتَأَخُّرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ. [48] {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} [الحج: 48] يعني أَمْهَلْتُهَا، {وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48] ¬

(¬1) أخرجه أبو داود في العلم 5 / 255 قال المنذري: في إسناده المعلى بن زياد وفيه مقال.

[49] {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الحج: 49] [50] {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الحج: 50] الرِّزْقُ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا. وَقِيلَ: هُوَ الْجَنَّةُ. [51] {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا} [الحج: 51] يعني عَمِلُوا فِي إِبْطَالِ آيَاتِنَا، {مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو معجزين بالتشديد ههنا وفي سورة سبأ يعني مُثَبِّطِينَ النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ، وَقَرَأَ الآخرون {مُعَاجِزِينَ} [الحج: 51] بالألف يعني مُعَانِدِينَ مُشَاقِّينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ. مَعْنَاهُ ظَانِّينَ وَمُقَدِّرِينَ أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَنَا بِزَعْمِهِمْ ألا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، وَمَعْنَى يُعْجِزُونَنَا أَيْ يفوتوننا فلا نقدر عليهم، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج: 51] وَقِيلَ: مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. [52، 53] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ} [الحج: 52] وَهُوَ الَّذِي يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ عيانًا، {وَلَا نَبِيٍّ} [الحج: 52] وهو الذي يكون نُبُوَّتُهُ إِلْهَامًا أَوْ مَنَامًا، وَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رسولا {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} [الحج: 52] قَالَ بَعْضُهُمْ. أَيْ: أَحَبَّ شَيْئًا واشتهاه وحدث به نفسه مما لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] يعني مُرَادِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حديثه ما وجد إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا تَمَنَّى أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ قَوْمُهُ وَلَمْ يَتَمَنَّ ذَلِكَ نَبِيٌّ إِلَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ مَا يَرْضَى بِهِ قَوْمُهُ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قالوا: معنى قوله {تَمَنَّى} [الحج: 52] يعني تَلَا وَقَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ألقى الشيطان في أمنيته يعني في تلاوته، {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج: 52] أَيْ: يُبْطِلُهُ وَيُذْهِبُهُ، {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الحج: 52] فَيُثْبِتُهَا، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً} [الحج: 52 - 53] أي: محنة وبلية، {لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الحج: 53] شك ونفاق، {وَالْقَاسِيَةِ} [الحج: 53] يعني: الجافية، {قُلُوبِهِمْ} [الحج: 53] عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} [الحج: 53] المشركين {لَفِي شِقَاقٍ} [الحج: 53] ضلال، {بَعِيدٍ} [الحج: 53] أَيْ: فِي خِلَافٍ شَدِيدٍ. [54] {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [الحج: 54] التَّوْحِيدَ وَالْقُرْآنَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: التَّصْدِيقَ بنسخ الله تعالى، {أَنَّهُ} [الحج: 54] يعني: الَّذِي أَحْكَمَ اللَّهُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ هُوَ {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ} [الحج: 54] أي: يعتقدون أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] يعني: فَتَسْكُنَ إِلَيْهِ قُلُوبُهُمْ، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 54] أَيْ: طَرِيقٍ قَوِيمٍ هُوَ الْإِسْلَامُ. [55] {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [الحج: 55] يعني فِي شَكٍّ مِمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مِنْهُ أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: مِنَ الدِّينِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} [الحج: 55] يَعْنِي: الْقِيَامَةَ. وَقِيلَ: الْمَوْتُ {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] قَالَ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ: عَذَابُ يَوْمٍ لَا لَيْلَةَ

قوله تعالى الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين

لَهُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْعَقِيمَ يَوْمُ بَدْرٍ لِأَنَّهُ ذَكَرَ السَّاعَةَ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَسُمِّيَ يَوْمَ بَدْرٍ عَقِيمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْكُفَّارِ خير وَالْعُقْمُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ إِذَا مُنع مِنَ الْوَلَدِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي عِظَمِ أَمْرِهِ لِقِتَالِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لأنهما لَمْ يُنظروا فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ حتى قتلوا قبل المساء. [قوله تعالى الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ] آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. . . . . [56] {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} [الحج: 56] يعني يوم القيامة، {لِلَّهِ} [الحج: 56] غير منازع، {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} [الحج: 56] ثُمَّ بَيَّنَ الْحُكْمَ فَقَالَ تَعَالَى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الحج: 56] [57] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الحج: 57] [58] {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج: 58] فَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ رِضَاهُ، {ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا} [الحج: 58] وَهُمْ كَذَلِكَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج: 58] وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أبدا وهو رِزْقُ الْجَنَّةِ، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج: 58] قِيلَ: هُوَ قَوْلُهُ: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 169] [59] {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} [الحج: 59] لأن لهم فيه مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ} [الحج: 59] بنياتهم، {حَلِيمٌ} [الحج: 59] عنهم. [60] {ذَلِكَ} [الحج: 60] يعني: الْأَمْرُ ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ، {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} [الحج: 60] جَازَى الظَّالِمَ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قاتلوه، {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} [الحج: 60] يعني ظُلِمَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ يَعْنِي مَا أَتَاهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْبَغْيِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَحْوَجُوهُمْ إِلَى مُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ، نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَتَوْا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنَ الْمُحَرَّمِ فَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ قِتَالَهُمْ وَسَأَلُوهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقِتَالِ مِنْ أَجْلِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ وَقَاتَلُوهُمْ فَذَلِكَ بَغْيُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ لهم فنصروا عليهم، قال تعالى: {لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60] وَالْعِقَابُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] عَفَا عَنْ مَسَاوِئِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَفَرَ ذنوبهم. [61] {ذَلِكَ} [الحج: 61] يعني ذلك النصر {بِأَنَّ اللَّهَ} [الحج: 61] الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ فَمِنْ قُدْرَتِهِ أَنَّهُ {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 61] [62] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ} [الحج: 62] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ} [الحج: 62] الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، {الْكَبِيرُ} [الحج: 62] الْعَظِيمُ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ

قوله تعالى ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض

[63] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج: 63] بالنبات، {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} [الحج: 63] بِأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَاسْتِخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنَ الأرض، {خَبِيرٌ} [الحج: 63] بما في قلوب العباد إِذَا تَأَخَّرَ الْمَطَرُ عَنْهُمْ. [64] {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحج: 64] عَبِيدًا وَمُلْكًا، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ} [الحج: 64] عن عباده، {الْحَمِيدُ} [الحج: 64] في أفعاله. [قوله تَعَالَى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ] وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ. . . . [65] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ} [الحج: 65] يعني وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفَلْكَ، {تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج: 65] وَقِيلَ: مَا فِي الْأَرْضِ الدَّوَابُّ التي تركب في البر، والفلك التي تُرْكَبُ فِي الْبَحْرِ، {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ} [الحج: 65] لِكَيْلَا تَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ، {إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65] [66] {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ} [الحج: 66] يعني: أَنْشَأَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الحج: 66] عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الحج: 66] يَوْمَ الْبَعْثِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج: 66] لنعم الله. [67] {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج: 67] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَرِيعَةً هُمْ عَامِلُونَ بِهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: عِيدًا. قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: مَوْضِعَ قُرْبَانٍ يَذْبَحُونَ فِيهِ. وقيل: موضع عبادة مَألفًا يَأْلَفُونَهُ. وَالْمَنْسَكُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْمَوْضِعُ الْمُعْتَادُ لِعَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْهُ مَنَاسِكُ الْحَجِّ لِتَرَدُّدِ النَّاسِ إِلَى أَمَاكِنِ أَعْمَالِ الْحَجِّ. {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ} [الحج: 67] يَعْنِي فِي أَمْرِ الذَّبَائِحِ. نَزَلَتْ فِي بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ وَيَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قَالُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكُمْ تَأْكُلُونَ مِمَّا تَقْتُلُونَ بِأَيْدِيكُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مِمَّا قَتَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ الزَّجَّاجُ: معنى قوله "لا يُنَازِعُنَّكَ" أَيْ: لَا تُنَازِعْهُمْ أَنْتَ، كَمَا يُقَالُ: لَا يُخَاصِمُكَ فُلَانٌ، أَيْ: لَا تُخَاصِمْهُ، وَهَذَا جَائِزٌ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْاثْنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَا يَضْرِبَنَّكَ فُلَانٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ لَا تَضْرِبْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَازَعَةَ وَالْمُخَاصَمَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاثْنَيْنِ، فَإِذَا تُرِكَ أَحَدُهُمَا فَلَا مُخَاصَمَةَ هُنَاكَ. {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [الحج: 67] إِلَى الْإِيمَانِ بِرَبِّكَ، {إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] [68] {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج: 68] [69] {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج: 69] فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ. وَالِاخْتِلَافُ ذَهَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ إِلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْآخَرُ. [70] {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ} [الحج: 70] كله، {فِي كِتَابٍ} [الحج: 70] يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، {إِنَّ ذَلِكَ} [الحج: 70] يَعْنِي: عِلْمَهُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] [71] {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الحج: 71] حجة وبرهانًا، {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} [الحج: 71] يَعْنِي أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا عَنْ جَهْلٍ لَا عَنْ عِلْمٍ،

قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له

{وَمَا لِلظَّالِمِينَ} [الحج: 71] للمشركين، {مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71] مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. [72] {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} [الحج: 72] يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ} [الحج: 72] يَعْنِي الْإِنْكَارَ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَالْعُبُوسِ، {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} [الحج: 72] يعني: يَقَعُونَ وَيَبْسُطُونَ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بِالسُّوءِ. وَقِيلَ: يَبْطِشُونَ، {بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [الحج: 72] يعني: بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ. يُقَالُ: سَطَا عَلَيْهِ وَسَطَا بِهِ إذا تناوشه بِالْبَطْشِ وَالْعُنْفِ، وَأَصَّلُ السَّطْوِ الْقَهْرُ. {قُلْ} [الحج: 72] يَا مُحَمَّدُ، {أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ} [الحج: 72] يعني بِشَرٍّ لَكُمْ وَأَكْرَهَ إِلَيْكُمْ مِنْ القرآن الذي تستمعون، {النَّارُ} [الحج: 72] يعني: هِيَ النَّارُ، {وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج: 72] [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ] . . . . . . [73] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} [الحج: 73] مَعْنَى: ضُرِبَ جُعِلَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَ السُّلْطَانُ الْبَعْثَ عَلَى النَّاسِ وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيْ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: جُعِلَ لِي شَبَهٌ وَشَبَّهَ بِيَ الْأَوْثَانَ، أَيْ: جَعَلَ الْمُشْرِكُونَ الْأَصْنَامَ شُرَكَائِي فَعَبَدُوهَا وَمَعْنَى {فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الحج: 73] يعني: فَاسْتَمِعُوا حَالَهَا وَصِفَتَهَا، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الحج: 73] يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، قَرَأَ يَعْقُوبُ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج: 73] وَاحِدًا فِي صِغَرِهِ وَقِلَّتِهِ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالذُّبَابُ وَاحِدٌ وجمعه القليل أذبة والكثير ذباب مِثْلُ غُرَابٍ وَأَغْرِبَةٍ وَغِرْبَانٍ، {وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73] يعني خلقه، {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج: 73] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَطْلُونَ الْأَصْنَامَ بِالزَّعْفَرَانِ، فَإِذَا جَفَّ جَاءَ الذُّبَابُ فَاسْتَلَبَ مِنْهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا يَضَعُونَ الطَّعَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْأَصْنَامِ فَتَقَعُ الذُّبَابُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلْنَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا يُحَلُّونَ الْأَصْنَامَ بِالْيَوَاقِيتِ وَاللَّآلِئِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، وَيُطَيِّبُونَهَا بِأَلْوَانِ الطِّيبِ فَرُبَّمَا تَسْقُطُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَيَأْخُذُهَا طَائِرٌ أَوْ ذُبَابٌ فَلَا تَقْدِرُ الْآلِهَةُ عَلَى اسْتِرْدَادِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا} [الحج: 73] أَيْ: وَإِنْ يَسْلُبِ الذُّبَابُ الْأَصْنَامَ شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهَا لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّالِبُ الذُّبَابُ يَطْلُبُ مَا يَسْلُبُ مِنَ الطِّيبِ من الصنم، والمطلوب الصَّنَمُ يَطْلُبُ الذُّبَابَ مِنْهُ السَّلْبَ. وَقِيلَ: عَلَى الْعَكْسِ: الطَّالِبُ الصَّنَمُ والمطلوب الذُّبَابُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الطَّالِبُ الْعَابِدُ والمطلوب الْمَعْبُودُ. [74] {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج: 74] مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ وَمَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ إِنْ أَشْرَكُوا بِهِ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبَابِ وَلَا يَنْتَصِفُ مِنْهُ، {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 74] [75] {اللَّهُ يَصْطَفِي} [الحج: 75] يَعْنِي يَخْتَارُ {مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} [الحج: 75] وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وغيرهم، {وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] يعني يَخْتَارُ مِنَ النَّاسِ رُسُلًا مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، نَزَلَتْ حِينَ قال المشركون أأنزل الله عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا، فَأَخْبَرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلقِهِ {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] يعني سَمِيعٌ لِقَوْلِهِمْ بَصِيرٌ بِمَنْ يَخْتَارُهُ لِرِسَالَتِهِ. [76] {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الحج: 76] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا قَدَّمُوا {وَمَا خَلْفَهُمْ} [الحج: 76] مَا خَلَّفُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا عَمِلُوا وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُمْ عَامِلُونَ مِنْ بَعْدُ. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَلَائِكَتُهُ وَكُتُبُهُ وَرُسُلُهُ قَبْلَ أَنْ خلقهم وما خلفهم أي ويعلم مَا هُوَ كَائِنٌ بَعَدَ فَنَائِهِمْ. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الحج: 76] [77] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] يعني صَلُّوا لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77] أي: وحدوه، {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صِلَةُ الرَّحِمِ ومكارم الأخلاق، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] لِكَيْ تَسْعَدُوا وَتَفُوزُوا بِالْجَنَّةِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي

سجود التلاوة عقيب قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْجَدُ عِنْدَهَا وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المبارك وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنه لا يسجد ههنا وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَعِدَّةُ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفْصَّلِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي المفصل سجود. [78] قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] قِيلَ: جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْدَاءَ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقَةِ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَهُوَ حَقُّ الْجِهَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المَائِدَةِ: 54] قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ وَاعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التَّغَابُنِ: 16] وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. حَقُّ الْجِهَادِ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ خَالِصَةً صَادِقَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَهُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ حَقُّ الجهاد. {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج: 78] يعني: اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] ضِيقٍ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يبتلى بشيء، الذُّنُوبِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا بَعْضُهَا بِالتَّوْبَةِ وَبَعْضُهَا بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالْقِصَاصِ، وَبَعْضُهَا بِأَنْوَاعِ الْكَفَّارَاتِ، فَلَيْسَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ما لَا يَجِدُ الْعَبْدُ سَبِيلًا إِلَى الْخَلَاصِ مِنَ الْعِقَابِ فِيهِ. وَقِيلَ: مِنْ ضِيقٍ فِي أَوْقَاتِ فُرُوضِكُمْ مِثْلَ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالْفِطْرِ وَوَقْتِ الْحَجِّ إِذَا الْتَبَسَ ذَلِكَ عليكم وسع الله عَلَيْكُمْ حَتَّى تَتَيَقَّنُوا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الرُّخَصَ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ كَقَصْرِ الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْإِفْطَارِ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالصَّلَاةِ قَاعِدًا عِنْدَ العجز عن القيام. وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَرَجُ مَا كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ من الأعمال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ وَضَعَهَا اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] يعني كَلِمَةَ أَبِيكُمْ نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، يعني اتَّبِعُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ} [الحج: 78] وَلَيْسَ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ يَرْجِعُ نَسَبُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ؟ قِيلَ: خَاطَبَ بِهِ الْعَرَبَ وَهُمْ كَانُوا مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَإِبْرَاهِيمُ أَبٌ لَهُمْ عَلَى مَعْنَى وُجُوبِ احْتِرَامِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ كَمَا يَجِبُ احْتِرَامُ الْأَبِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الْأَحْزَابِ: 6] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الوالد» (¬1) {هُوَ سَمَّاكُمُ} [الحج: 78] يعني ¬

(¬1) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الطهارة 1 / 18 والنسائي في الطهارة 1 / 38 وابن ماجة في الطهارة 1 / 114 والدارمي 1 / 172 وصححه ابن حبان برقم (128) ص 62 ورواه المصنف فى شرح السنة 1 / 356 وقال: هذا حديث صحيح.

سورة المؤمنون

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاكُمُ {الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78] يَعْنِي مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ. {وَفِي هَذَا} [الحج: 78] يعني: وفي الْكِتَابِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ يَرْجِعُ إلى إِبْرَاهِيمَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيَّامِهِ، مِنْ قَبْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البَقَرَةِ: 128] {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ} [الحج: 78] يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ قَدْ بَلَّغَكُمْ، {وَتَكُونُوا} [الحج: 78] أنتم، {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] أَنَّ رُسُلَهُمْ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ، {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} [الحج: 78] ثِقُوا بِاللَّهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ. قَالَ الْحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ يَعْصِمَكُمْ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ. وَقِيلَ. مَعْنَاهُ ادْعُوهُ لِيُثَبِّتَكُمْ عَلَى دِينِهِ. وَقِيلَ: الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، {هُوَ مَوْلَاكُمْ} [الحج: 78] وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ وَحَافِظُكُمْ، {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78] الناصر لكم. [سورة المؤمنون] [قَوْلُهُ تَعَالَى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ] خَاشِعُونَ. . . . . (23) سورة المؤمنون [1] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 1] قَدْ حَرْفُ تَأْكِيدٍ، وَقَالَ المحققون: قد يقرب الْمَاضِيَ مِنَ الْحَالِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَلَاحَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ وَأَنَّهُمْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ تَجْرِيدِ ذِكْرِ الْفِعْلِ، وَالْفَلَاحُ. النَّجَاةُ وَالْبَقَاءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَعِدَ الْمُصَدِّقُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَبَقُوا فِي الْجَنَّةِ. [2] {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخُشُوعِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُخْبِتُونَ أَذِلَّاءُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: خَائِفُونَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مُتَوَاضِعُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَضُّ الْبَصَرِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ، وَالْخُشُوعُ قَرِيبٌ مِنَ الْخُضُوعِ إِلَّا أَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْبَدَنِ وَالْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصَرِ وَالصَّوْتِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108] عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ أَنْ لَا يَعْرِفَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا مَنْ على شماله، وَلَا يَلْتَفِتَ مِنَ الْخُشُوعِ لِلَّهِ عز وجل. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: هُوَ السُّكُونُ وَحُسْنُ الْهَيْئَةِ. وَقَالَ ابْنُ سيرين وغيره: هو ألا تَرْفَعَ بَصَرَكَ عَنْ مَوْضِعِ سُجُودِكَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا نَزَلَ: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] رَمَوْا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ. وقال عطاء: هو ألا تَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِكَ فِي الصلاة. وَقِيلَ: الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ هُوَ جَمْعُ الْهِمَّةِ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهَا،

قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين

وَالتَّدَبُّرُ فِيمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ من القراءة والذكر. [3] قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ الشِّرْكِ وَقَالَ الْحَسَنُ: عَنِ الْمَعَاصِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: عَنْ كُلِّ باطل ولهو ومالا يجمل مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَقِيلَ: هُوَ مُعَارَضَةُ الْكَفَّارِ بِالشَّتْمِ وَالسَّبِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفُرْقَانِ: 72] أَيْ: إِذَا سَمِعُوا الْكَلَامَ الْقَبِيحَ أَكْرَمُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ. [4] {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] أَيْ: لِلزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ مُؤَدُّونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّأْدِيَةِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهَا فِعْلٌ. وقيل: الزكاة ههنا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، أَيْ: وَالَّذِينَ هُمْ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فَاعِلُونَ. [5] {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] الْفَرْجُ اسْمٌ يَجْمَعُ سَوْأَةَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَحِفْظُ الْفَرْجِ التَّعَفُّفُ عَنِ الحرام. [6] {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} [المؤمنون: 6] أي: من أزواجهم، وعلى بِمَعْنَى مِنْ {أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] (مَا) فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ يَعْنِي أو مما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ، وَالْآيَةُ فِي الرِّجَالِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6] وَالْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِفَرْجِ مَمْلُوكِهَا. {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] يَعْنِي يَحْفَظُ فَرْجَهُ إِلَّا مِنَ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَا يُلَامُ فِيهِمَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ دُونَ الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى، وَفِي حَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ وَهُوَ عَلَى فِعْلِهِ مَلُومٌ. [7] {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 7] أَيْ: الْتَمَسَ وَطَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ المملوكة، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 7] الظَّالِمُونَ الْمُتَجَاوِزُونَ مِنَ الْحَلَالِ إِلَى الحرام. [8] {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ} [المؤمنون: 8] قرأ ابن كثير (لأماناتهم) على التوحيد ههنا وفي سورة المعارج، كقوله تعالى: {وَعَهْدِهِمْ} [المؤمنون: 8] وَالْبَاقُونَ (¬1) بِالْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النَّسَاءِ: 58] {وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] حَافِظُونَ، أَيْ يَحْفَظُونَ مَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ، وَالْعُقُودُ الَّتِي عَاقَدُوا النَّاسَ عَلَيْهَا، يَقُومُونَ بِالْوَفَاءِ بِهَا، وَالْأَمَانَاتُ تَخْتَلِفُ فَتَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وبين العباد كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي أَوْجَبَهَا الله عليه، ويكون من الْعَبِيدِ كَالْوَدَائِعِ وَالصَّنَائِعِ فَعَلَى الْعَبْدِ الْوَفَاءُ بِجَمِيعِهَا. [9] {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ} [المؤمنون: 9] قرأ حمزة ة وَالْكِسَائِيُّ (صَلَاتِهِمْ) ، عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْآخَرُونَ "صلواتهم" على الجمع. {يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] أَيْ يُدَاوِمُونَ، عَلَى حِفْظِهَا وَيُرَاعُونَ أَوْقَاتَهَا، كَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلَاةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ كَمَا أَنَّ الْخُشُوعَ فِيهَا وَاجِبٌ. [10] {أُولَئِكَ} [المؤمنون: 10] أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ، {هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 10] يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الجنة. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْوِرَاثَةِ هُوَ أنه يؤول أَمْرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَنَالُونَهَا كَمَا يؤول أمر الميراث إلى الوارث. [11] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} [المؤمنون: 11] وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 11] لا يموتون ولا يخرجون. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ] . . . . . [12] وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} [المؤمنون: 12] يعني: ولد آدم، والإنسان اسْمُ الْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى، الْوَاحِدِ والجمع، {مِنْ سُلَالَةٍ} [المؤمنون: 12] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: السُّلَالَةُ صَفْوَةُ الْمَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ يُسِيلُ مِنَ الظَّهْرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي النُّطْفَةَ سُلَالَةً وَالْوَلَدَ سَلِيلًا وَسُلَالَةً لِأَنَّهُمَا مَسْلُولَانِ مِنْهُ. قوله: {مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12] يَعْنِي: طِينَ آدَمَ. وَالسُّلَالَةُ: تَوَلَّدَتْ مِنْ طِينٍ خُلِقَ آدَمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْإِنْسَانِ هُوَ آدم. وقوله: {مِنْ سُلَالَةٍ} [المؤمنون: 12] أَيْ: سُلَّ مِنْ كُلِّ تُرْبَةٍ. ¬

(¬1) أي وقرا الباقون بالجمع.

قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه

[13] {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} [المؤمنون: 13] يَعْنِي الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ جَعَلْنَاهُ نطفة، {فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 13] حريز وهو الرحم مكن وهيئ لِاسْتِقْرَارِهَا فِيهِ إِلَى بُلُوغِ أَمَدِهَا. [14، 15] {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} [المؤمنون: 14] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ (عظما) {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14] بسكون الظاء عَلَى التَّوْحِيدِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ذُو عِظَامٍ كثيرة. وقيل: بين كل خلقتين أربعون عاما. {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14] أَيْ أَلْبَسْنَا، {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عباس وغيره: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَبَاتُ الْأَسْنَانِ وَالشَّعَرِ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ اسْتِوَاءُ الشَّبَابِ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ذَلِكَ تَصْرِيفُ أَحْوَالِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ مِنَ الاستهلال إلى الاتضاع، إِلَى الْقُعُودِ إِلَى الْقِيَامِ، إِلَى الْمَشْيِ إِلَى الْفِطَامِ, إِلَى أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ، وَيَتَقَلَّبَ فِي الْبِلَادِ إِلَى ما بعدها. {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} [المؤمنون: 14] أَيْ: اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ وَالثَّنَاءَ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] المصورين والمقدرين. والخلق فِي اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَصْنَعُونَ وَيَصْنَعُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الصَّانِعِينَ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَالِقٌ أَيْ: صَانِعٌ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا جَمَعَ الْخَالِقِينَ لِأَنَّ عِيسَى كَانَ يَخْلُقُ كَمَا قَالَ: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ} [آلِ عِمْرَانَ: 49] فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] وَالْمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالمَائِتُ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ وَسَيَمُوتُ، وَالْمَيِّتُ بِالتَّخْفِيفِ مَنْ مَاتَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التخفيف ههنا. كَقَوْلِهِ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزُّمَرِ: 30] [16] {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16] [17] {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} [المؤمنون: 17] أي: سبع سماوات، سُمِّيَتْ طَرَائِقَ لِتَطَارُقِهَا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ، يُقَالُ: طَارَقْتُ النَّعْلَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ طَرَائِقَ لِأَنَّهَا طَرَائِقُ الْمَلَائِكَةِ. {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17] أَيْ كُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكُهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحَجِّ: 65] وَقِيلَ: مَا تَرَكْنَاهُمْ سُدَىً بِغَيْرِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ. وَقِيلَ: وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ أَيْ بَنَيْنَا فَوْقَهُمْ سَمَاءً أَطْلَعْنَا فِيهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ. [قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ] فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ. . . [18] {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] يَعْلَمُهُ اللَّهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِمْ لِلْمَعِيشَةِ، {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} [المؤمنون: 18] يُرِيدُ مَا يَبْقَى فِي الْغُدْرَانِ وَالْمُسْتَنْقَعَاتِ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي الصَّيْفِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ. وَقِيلَ: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ أَخْرَجْنَا مِنْهَا يَنَابِيعَ، فَمَاءُ الْأَرْضِ كُلُّهُ مِنَ السَّمَاءِ، {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] حَتَّى تَهْلَكُوا عَطَشًا وَتَهْلَكَ مَوَاشِيكُمْ وتخرب أراضيكم. [19] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ} [المؤمنون: 19] يعني بِالْمَاءِ، {جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [المؤمنون: 19] فِي الْجَنَّاتِ، {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 19] شِتَاءً وَصَيْفًا، وَخُصَّ النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ فَوَاكِهِ الْعَرَبِ. [20] {وَشَجَرَةً} [المؤمنون: 20] أي: أنشأ لَكُمْ شَجَرَةً {تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ} [المؤمنون: 20] وَهِيَ الزَّيْتُونُ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو (سِينَاءَ) بِكَسْرِ السِّينِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي معناه وفي {سِينِينَ} [التين: 2] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطُورِ سِينِينَ} [التَّينِ: 2] قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ الْبَرَكَةُ، أَيْ: مِنْ جَبَلٍ مُبَارَكٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ الْحُسْنُ، أَيْ مِنَ الْجَبَلِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ الْحُسْنُ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ الشَّجَرُ، أَيْ: جَبَلٌ ذُو شَجَرٍ. وَقِيلَ: هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْمُلْتَفَّةُ بِالْأَشْجَارِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ فَهُوَ سِينًا،

قوله تعالى فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك

وَسِينِينَ بِلُغَةِ النَّبَطِ. وَقِيلَ: هُوَ فَيْعَالُ مِنَ السَّنَاءِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ. قال ابن زيد: هو الحمل الَّذِي نُودِيَ مِنْهُ مُوسَى بَيْنَ مِصْرَ وَأَيْلَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَيْنَا اسْمُ حِجَارَةٍ بِعَيْنِهَا أُضِيفَ الْجَبَلُ إِلَيْهَا لِوُجُودِهَا عِنْدَهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ اسْمُ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ هذا الجبل، {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَعْقُوبُ تُنْبِتُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ التَّاءِ فَمَعْنَاهُ تَنْبُتُ تُثْمِرُ الدُّهْنَ وَهُوَ الزَّيْتُونُ. وَقِيلَ: تَنْبُتُ وَمَعَهَا الدُّهْنُ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ التَّاءِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ مَعْنَاهُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ كَمَا يُقَالُ أَخَذْتُ ثَوْبَهُ وَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ نَبَتَ وأنبت لغتان بمعنى واحد، {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} [المؤمنون: 20] الصبغ والصباغ الإدام الذي لون الخبز إذ غُمِسَ فِيهِ وَيَنْصَبِغُ، وَالْإِدَامُ كُلُّ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ سَوَاءٌ ينصبغ به الخبز ولا يصبغ. قَالَ مُقَاتِلٌ: جَعَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ أُدْمًا وَدُهْنًا، فَالْأُدُمُ: الزَّيْتُونُ، وَالدُّهْنُ الزَّيْتُ، وَقَالَ: خَصَّ الطَّوْرُ بِالزَّيْتُونِ لِأَنَّ أَوَّلَ الزَّيْتُونِ نبت بها. ويقال: لأن الزَّيْتُونَ أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ فِي الدنيا بعد الطوفان. [21] قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [المؤمنون: 21] يعني: آية تعتبرون بها، {نُسْقِيكُمْ} [المؤمنون: 21] قرأ العامة بالنون، وقرأ أبو جعفر ههنا بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا، {مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 21] [22] {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون: 22] يعني: عَلَى الْإِبِلِ فِي الْبَرِّ وَعَلَى الفلك في البحر. [23] {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [المؤمنون: 23] وَحِّدُوهُ، {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 23] معبود سواه، {أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23] أَفَلَا تَخَافُونَ عُقُوبَتَهُ إِذَا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. [24] {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24] يعني: يَتَشَرَّفَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكُمْ فَيَصِيرَ مَتْبُوعًا وَأَنْتُمْ لَهُ تبع، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} [المؤمنون: 24] ألا يعبد سواه، {لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} [المؤمنون: 24] يَعْنِي بِإِبْلَاغِ الْوَحْيِ {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا} [المؤمنون: 24] الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ نُوحٌ {فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 24] وَقِيلَ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا أَيْ: بِإِرْسَالِ بَشَرٍ رَسُولًا. [25] {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون: 25] يعني جُنُونٌ، {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 25] يعني إِلَى أَنْ يَمُوتَ فَتَسْتَرِيحُوا مِنْهُ. [26] {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 26] يعني: أَعِنِّي بِإِهْلَاكِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ. [27] {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا} [المؤمنون: 27] أَدْخِلْ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ، {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ} [المؤمنون: 27] يعني مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْهَلَاكِ. {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27] [قوله تعالى فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ] فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. . . .

[28، 29] {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ} [المؤمنون: 28] اعْتَدَلْتَ {أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28] يعني الْكَافِرِينَ، {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} [المؤمنون: 29] قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (مَنْزِلًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ يُرِيدُ مَوْضِعَ النُّزُولِ، قِيلَ: هذا هُوَ السَّفِينَةُ بَعْدَ الرُّكُوبِ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَرْضُ بَعْدَ النُّزُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي السَّفِينَةِ، وَيُحْتَمَلُ بَعْدَ الْخُرُوجِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُنْزَلًا بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ أَيْ إنزالا، مباركا، فَالْبَرَكَةُ فِي السَّفِينَةِ النَّجَاةُ وَفِي النُّزُولِ بَعْدَ الْخُرُوجِ كَثْرَةُ النَّسْلِ مِنْ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29] [30] {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [المؤمنون: 30] يعني الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ أَمْرِ نُوحٍ وَالسَّفِينَةِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَاءِ اللَّهِ {لَآيَاتٍ} [المؤمنون: 30] لَدَلَالَاتٍ عَلَى قُدْرَتِهِ، {وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30] يعني: وَقَدْ كُنَّا وَقِيلَ: وَمَا كُنَّا إِلَّا مُبْتَلِينَ أَيْ: مُخْتَبِرِينَ إِيَّاهُمْ بِإِرْسَالِ نُوحٍ وَوَعْظِهِ وَتَذْكِيرِهِ لِنَنْظُرَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ نُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ. [31] {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} [المؤمنون: 31] مِنْ بَعْدِ إِهْلَاكِهِمْ، {قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون: 31] [32] {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [المؤمنون: 32] يَعْنِي هُودًا وَقَوْمَهُ. وَقِيلَ: صَالِحًا وَقَوْمَهُ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 32] [33] {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ} [المؤمنون: 33] أَيِ الْمَصِيرِ إِلَى الْآخِرَةِ {وَأَتْرَفْنَاهُمْ} [المؤمنون: 33] نَعَّمْنَاهُمْ وَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ، {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33] يعني مِمَّا تَشْرَبُونَ مِنْهُ. [34] {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 34] لَمَغْبُونُونَ. [35] {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً وَأَعَادَ أَنَّكُمْ لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا مُخْرَجُونَ؟ وَكَذَلِكَ هُوَ في قراءة عبد الله. [36] {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون: 36] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ كَلِمَةُ بُعْدٍ، أَيْ: بَعِيدٌ مَا تُوعِدُونَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (هَيْهَاتِ هَيْهَاتِ) بكسر التاء، وقرأ نصر ابن عَاصِمٍ بِالضَّمِّ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ فَمَنْ نَصَبَ جَعْلَهُ مِثْلَ أَيْنَ وَكَيْفَ، وَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ مِثْلَ مُنْذُ وَقَطُّ وَحَيْثُ، وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ مِثْلَ أَمْسِ وَهَؤُلَاءِ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ بِالتَّاءِ، وَيُرْوَى عَنِ الْكِسَائِيِّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا بِالْهَاءِ. [37] {إِنْ هِيَ} [المؤمنون: 37] يَعْنُونَ الدُّنْيَا، {إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [المؤمنون: 37] قِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ: نَحْيَا وَنَمُوتُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: يَمُوتُ الْآبَاءُ وَيَحْيَا الْأَبْنَاءُ. وَقِيلَ: يَمُوتُ قَوْمٌ وَيَحْيَا قَوْمٌ. {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] بِمُنْشَرِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ.

قوله تعالى ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا

[38] {إِنْ هُوَ} [المؤمنون: 38] يَعْنِي الرَّسُولَ، {إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون: 38] بِمُصَدِّقِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. [39، 40] {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 39] {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ} [المؤمنون: 40] أَيْ: عَنْ قَلِيلٍ وَ (مَا) صلة، {لَيُصْبِحُنَّ} [المؤمنون: 40] ليصيرن، {نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40] عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ. [41] {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [المؤمنون: 41] يعني صيحة العذاب، {بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 41] قِيلَ: أَرَادَ بِالصَّيْحَةِ الْهَلَاكَ. وَقِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَتَصَدَّعَتْ قلوبهم، {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} [المؤمنون: 41] وَهُوَ مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ حَشِيشٍ وَعِيدَانِ شَجَرٍ، مَعْنَاهُ: صَيَّرْنَاهُمْ هَلْكَى فَيَبِسُوا يَبَسَ الْغُثَاءِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، {فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 41] [42] {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ} [المؤمنون: 42] يعني: أقواما آخرين. [44] {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] يعني: مُتَرَادِفِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا غَيْرَ مُتَوَاصِلِينَ، لِأَنَّ بَيْنَ كُلِّ نَبِيِّينَ زَمَانًا طَوِيلًا وَهِيَ فَعَلَى مَنَ الْمُوَاتَرَةِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ وَاتَرْتُ الخبر إذا أَتْبَعْتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وَبَيْنَ الْخَبْرَيْنِ مهملة. {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا} [المؤمنون: 44] بِالْهَلَاكِ، أَيْ: أَهْلَكْنَا بَعْضَهُمْ فِي إثر بعض، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [المؤمنون: 44] يعني سَمَرًا وَقَصَصًا يَتَحَدَّثُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِأَمْرِهِمْ وَشَأْنِهِمْ، وَهِيَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ. وَقِيلَ: جَمْعُ حَدِيثٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّرِّ وَأَمَّا فِي الْخَيْرِ فَلَا يُقَالُ جَعَلْتُهُمْ أَحَادِيثَ وَأُحْدُوثَةً إِنَّمَا يُقَالُ صَارَ فُلَانٌ حَدِيثًا، {فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44] [قوله تعالى ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا] وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. . . . . [45] {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون: 45] يعني بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ مِنَ الْيَدِ وَالْعَصَا. وَغَيْرِهِمَا. [46] {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا} [المؤمنون: 46] تَعَظَّمُوا عَنِ الْإِيمَانِ، {وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} [المؤمنون: 46] متكبرين قاهرين بالظلم. [47] {فَقَالُوا} [المؤمنون: 47] يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} [المؤمنون: 47] يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُونَ، {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] مُطِيعُونَ مُتَذَلِّلُونَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ دَانَ لِلْمَلِكِ عَابِدًا لَهُ. [48] {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون: 48] بِالْغَرَقِ. [49] {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [المؤمنون: 49] التوراة، {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون: 49] أَيْ لِكَيْ يَهْتَدِيَ بِهِ قَوْمُهُ. [50، 51] {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَلَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ شَأْنُهُمَا آيَةٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} [الكَهْفِ: 33] {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} [المؤمنون: 50] الرَّبْوَةُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ فِيهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ دِمَشْقٌ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: غُوطَةُ دِمَشْقَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هِيَ الرَّمَلَةُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَكَعْبٍ. وَقَالَ كَعْبٌ: هِيَ أَقْرَبُ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ مِصْرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرْضُ فلسطين. {ذَاتِ قَرَارٍ} [المؤمنون: 50] أَيْ: مُسْتَوِيَةٍ مُنْبَسِطَةٍ وَاسِعَةٍ يَسْتَقِرُّ عليها ساكنوها. {وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] فَالْمَعِينُ الْمَاءُ الْجَارِي الظَّاهِرُ الَّذِي تَرَاهُ الْعُيُونُ، مَفْعُولٌ مَنْ عَانَهُ يعنيه إذا أدركه البصر. قوله: {يا أَيُّهَا الرُّسُلُ} [المؤمنون: 51] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ والكلبى وجماعة: أراد بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَةِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ عِيسَى وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51] أي الحلالات،

{وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] الصَّلَاحُ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ، {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] [52] {وَإِنَّ هَذِهِ} [المؤمنون: 52] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَإِنَّ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَخَفَّفَ ابْنُ عَامِرٍ النُّونَ وَجَعَلَ إِنَّ صِلَةً مَجَازُهُ وهذه {أُمَّتُكُمْ} [المؤمنون: 52] قرأ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى وَبِأَنَّ هَذَا تَقْدِيرُهُ بِأَنَّ هَذِهِ أَمَتُّكُمْ، أَيْ مِلَّتُكُمْ وَشَرِيعَتُكُمُ الَّتِي أنتم عليها، {أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52] أَيْ مِلَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْإِسْلَامُ؟ {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] أَيْ: اتَّقُونِي لِهَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُ بِهِ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَأَمْرُكُمْ وَاحِدٌ {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] فاحذروني وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيِ: اعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ أُمَتُّكُمْ أَيْ مِلَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا ربكم فاتقون. [53] {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ} [المؤمنون: 53] دينهم، {بَيْنَهُمْ} [المؤمنون: 53] تَفَرَّقُوا فَصَارُوا فِرَقًا يَهُودًا وَنَصَارَى ومجوسا، {زُبُرًا} [المؤمنون: 53] أَيْ: فِرَقًا وَقِطَعًا مُخْتَلِفَةً، وَاحِدُهَا زَبُورٌ وَهُوَ الْفِرْقَةُ وَالطَّائِفَةُ، وَمِثْلُهُ الزُّبْرَةُ وَجَمْعُهَا زُبَرٌ، وَمِنْهُ. {زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكَهْفِ: 96] أَيْ: صَارُوا فِرَقًا كَزُبَرِ الْحَدِيدِ. وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ (زُبَرًا) بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: (زُبُرًا) أَيْ: كُتُبًا يَعْنِي دَانَ كُلُّ فَرِيقٍ بِكِتَابٍ غَيْرِ الْكِتَابِ الَّذِي دَانَ بِهِ الْآخَرُونَ. وَقِيلَ: جَعَلُوا كُتُبَهُمْ قِطَعًا مُخْتَلِفَةً آمَنُوا بِالْبَعْضِ وَكَفَرُوا بِالْبَعْضِ، وَحَرَّفُوا الْبَعْضَ {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} [المؤمنون: 53] أي: بما عندهم منهم الذين، {فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] مُعْجَبُونَ وَمَسْرُورُونَ. [54] {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} [المؤمنون: 54] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، وَقِيلَ: عَمَايَتِهِمْ، وَقِيلَ: غَفْلَتِهُمْ {حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 54] إِلَى أَنْ يَمُوتُوا. [55] {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} [المؤمنون: 55] مَا نُعْطِيهِمْ وَنَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ فِي الدُّنْيَا. [56] {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} [المؤمنون: 56] أي: نجعل لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ وَنُقَدِّمُهَا ثَوَابًا لِأَعْمَالِهِمْ لِمَرْضَاتِنَا عَنْهُمْ، {بَل لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 56] أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ فَقَالَ: [57] {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] أَيْ: خَائِفُونَ، وَالْإِشْفَاقُ: الْخَوْفُ, وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ خَائِفُونَ مِنْ عِقَابِهِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْمُؤْمِنُ مَنْ جَمَعَ إِحْسَانًا وَخَشْيَةً وَالْمُنَافِقُ مَنْ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا. [58] {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 58] يُصَدِّقُونَ. [59] {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] [60] {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} [المؤمنون: 60] أَيْ: يُعْطُونَ مَا أُعْطُوا مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أنها كانت تقرأ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} [المؤمنون: 60] أَيْ: يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أعمال البر، {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] أَنَّ ذَلِكَ

قوله تعالى ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا

لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] لِأَنَّهُمْ يُوقِنُونَ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الْحَسَنُ: عَمِلُوا لِلَّهِ بِالطَّاعَاتِ وَاجْتَهَدُوا فِيهَا، وخافوا أن ترد عليهم. «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] أَهْوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُ؟ قَالَ: "لَا يَا بِنْتَ الصَّدِيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه» (¬1) . [61] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [المؤمنون: 61] يُبَادِرُونَ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] أَيْ: إِلَيْهَا سَابِقُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِمَا نُهُوا} [الأنعام: 28] أي: إلى ما نهوا، و {لِمَا قَالُوا} [المجادلة: 3] وَنَحْوِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: سبقوا الأمم في الخيرات. [قوله تعالى وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا] كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. . . . . [62] قَوْلُهُ {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [المؤمنون: 62] أَيْ: طَاقَتَهَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فَلْيُصَلِّ قَاعِدًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ فَلْيُفْطِرْ، {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 62] وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ يُبَيِّنُ بِالصِّدْقِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا إِلَّا مَا أَطَاقَتْ مِنَ الْعَمَلِ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا عَمَلَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهُوَ يَنْطِقُ بِهِ وَيُبَيِّنُهُ. وَقِيلَ: هُوَ كَتْبُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّتِي تَكْتُبُهَا الْحَفَظَةُ، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ. [63] ثُمَّ ذَكَرَ الْكُفَّارَ فَقَالَ: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ} [المؤمنون: 63] أَيْ: فِي غَفْلَةٍ وَجَهَالَةٍ، {مِنْ هَذَا} [المؤمنون: 63] أَيْ: مِنَ الْقُرْآنِ {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} [المؤمنون: 63] أَيْ: لِلْكُفَّارِ أَعْمَالٌ خَبِيثَةٌ مِنَ المعاصي، والخطايا محكومة عليهما مِنْ دُونِ ذَلِكَ، يَعْنِي مِنْ دُونِ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63] لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا فَيَدْخُلُوا بِهَا النَّارَ لِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ لَهُمْ أَعْمَالًا سِوَى مَا عَمِلُوا مِنَ الْخَيْرَاتِ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. [64] {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} [المؤمنون: 64] أَيْ: أَخَذْنَا أَغْنِيَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، {بِالْعَذَابِ} [المؤمنون: 64] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ السَّيْفُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْجُوعَ حِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطَأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِّيِّ يُوسُفَ» (¬2) فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَحْطِ حَتَّى أَكَلُوا الْكِلَابَ وَالْجِيَفَ. {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64] يجزعون وَيَسْتَغِيثُونَ وَأَصْلُ الْجَأْرِ رَفَعُ الصَّوْتِ بالتضرع. [65] {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ} [المؤمنون: 65] أَيْ لَا تَضِجُّوا، {إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} [المؤمنون: 65] لَا تُمْنَعُونَ مَنَّا وَلَا يَنْفَعُكُمْ تَضَرُّعُكُمْ. [66] {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 66] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} [المؤمنون: 66] تَرْجِعُونَ الْقَهْقَرَى تَتَأَخَّرُونَ عَنِ الْإِيمَانِ. [67] {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} [المؤمنون: 67] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ فَأَظْهَرُ الأقاويل أنما تَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أَيْ: مُسْتَكْبِرِينَ مُتَعَظِّمِينَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ وَتَعَظُّمُهُمْ بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَجِيرَانُ بَيْتِهِ فَلَا يَظْهَرُ عَلَيْنَا أَحَدٌ وَلَا نَخَافُ أَحَدًا فَيَأْمَنُونَ فِيهِ وَسَائِرُ النَّاسِ فِي الْخَوْفِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أَيْ بِالْقُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، الْمُرَادُ مِنْهُ ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في التفسير 9 / 19 والإمام أحمد 6 / 159 - 206 والحاكم 2 / 393 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والطبري 18 / 34. (¬2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الدعوات 11 / 193 ومسلم في المساجد رقم (675) 1 / 466.

الحرم، {سَامِرًا} [المؤمنون: 67] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ أَنَّهُمْ يسهرون بِاللَّيْلِ فِي مَجَالِسِهِمْ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَوَحَّدَ سَامِرًا وَهُوَ بِمَعْنَى السُّمَّارِ لِأَنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الْوَقْتِ، أَرَادَ تهجرون ليلا. وقيل: وحد سامر، ومعناه الجمع، قوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [الحَجِّ: 5] {تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] قال نَافِعٌ (تُهْجِرُونَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مِنَ الْإِهْجَارِ وَهُوَ الْإِفْحَاشُ فِي الْقَوْلِ، أَيْ تُفْحِشُونَ وَتَقُولُونَ الْخَنَا، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسُبُّونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (تَهْجُرُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ: تُعْرِضُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَتَرْفُضُونَهَا. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْهَجْرِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَبِيحُ، يُقَالُ: هَجَرَ يَهْجُرُ هَجْرًا إِذَا قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ. وقيل. تهزؤون وَتَقُولُونَ مَا لَا تَعْلَمُونَ، مِنْ قَوْلِهِمْ هَجَرَ الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ إذا هذى. [68] {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا} [المؤمنون: 68] يعني يتدبروا {الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68] يَعْنِي مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْقَوْلِ وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَيَعْرِفُوا مَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] فَأَنْكَرُوا، يُرِيدُ إِنَّا قَدْ بَعَثْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ كَذَلِكَ بَعَثْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ. وَقِيلَ. أَمْ بِمَعْنَى بَلْ يَعْنِي جَاءَهُمْ مَا لم يأت أبائهم الْأَوَّلِينَ فَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا. [69] {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} [المؤمنون: 69] مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 69] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَعَرَفُوا نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَوَفَاءَهُ بِالْعُهُودِ، وَهَذَا على سبيل التوبيخ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ بَعْدَمَا عَرَفُوهُ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ. [70] {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون: 70] جُنُونٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 70] يَعْنِي بِالصِّدْقِ وَالْقَوْلِ الَّذِي لَا تَخْفَى صِحَّتُهُ وَحُسْنُهُ عَلَى عَاقِلٍ، {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: 70] [71] {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} [المؤمنون: 71] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ أَيْ لَوِ اتَّبَعَ اللَّهُ مُرَادَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ، وَقِيلَ. لَوِ اتَّبَعَ مُرَادَهُمْ، فَسَمَّى لِنَفْسِهِ شَرِيكًا وَوَلَدًا كَمَا يقولون: {لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] وَقَالَ الْفرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ الْقُرْآنُ أَيْ لَوْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ جَعْلِ الشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ {لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} [المؤمنون: 71] بِمَا يُذَكِّرُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ بِمَا فِيهِ فَخْرُهُمْ وَشَرَفُهُمْ يَعْنِي الْقُرْآنَ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الْأَنْبِيَاءِ: 10] أَيْ: شَرَفُكُمْ {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزُّخْرُفِ: 44] أَيْ شَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. {فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ} [المؤمنون: 71] يعني عن شرفهم, {مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] [72] {أَمْ تَسْأَلُهُمْ} [المؤمنون: 72] عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، {خَرْجًا} [المؤمنون: 72] أَجْرًا وَجُعْلًا {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} [المؤمنون: 72] يعني

قوله تعالى ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر

مَا يُعْطِيكَ اللَّهُ مِنْ رِزْقِهِ وَثَوَابِهِ خَيْرٌ، {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون: 72] قرأ حمزة والكسائي (خراجا) (فخرج) كِلَاهُمَا بِالْأَلِفِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كِلَاهُمَا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (خرجا) بغير الألف (فَخَرَاجُ) بِالْأَلِفِ. [73] {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون: 73] وَهُوَ الْإِسْلَامُ. [74] {وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ} [المؤمنون: 74] أَيْ عَنْ دِينِ الْحَقِّ، {لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون: 74] لعادلون مائلون. [قوله تعالى وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ] لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. . . . . [75] {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ} [المؤمنون: 75] قحط وجدوبة {لَلَجُّوا} [المؤمنون: 75] تمادوا، {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75] وَلَمْ يُنْزَعُوا عَنْهُ. [76] {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} [المؤمنون: 76] «وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِّيِّ (¬1) . يُوسُفَ فَأَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: بَلَى، فَقَالَ: قَدْ قَتَلْتَ الْآبَاءَ بِالسَّيْفِ وَالْأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ فَادْعُ اللَّهَ أَنَّ يَكْشِفَ عَنَّا هَذَا الْقَحْطَ، فَدَعَا فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ} [المؤمنون: 76] » ، أَيْ: مَا خَضَعُوا وَمَا ذَلُّوا لِرَبِّهِمْ، وَأَصْلُهُ طَلَبُ السُّكُونِ، {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76] أَيْ: لَمْ يَتَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بَلْ مَضَوْا عَلَى تَمَرُّدِهِمْ. [77] {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} [المؤمنون: 77] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْقَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ؟ {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون: 77] آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. [78] {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ} [المؤمنون: 78] أَيْ: أَنْشَأَ لَكُمُ الْأَسْمَاعَ {وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [المؤمنون: 78] لِتَسْمَعُوا وَتُبْصِرُوا وَتَعْقِلُوا، {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] أَيْ: لَمْ تَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ. [79] {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ} [المؤمنون: 79] خَلَقَكُمْ، {فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79] تُبْعَثُونَ. [80] {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [المؤمنون: 80] أَيْ: تَدْبِيرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: جَعَلَهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ وَيَخْتَلِفَانِ فِي السَّوَادِ والبياض، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] مَا تَرَوْنَ مِنْ صَنْعَةٍ فَتُعْتَبَرُونَ. [81] {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ} [المؤمنون: 81] أَيْ: كَذَّبُوا كَمَا كَذَّبَ الْأَوَّلُونَ. [82] {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: 82] لَمَحْشُورُونَ، قَالُوا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الإنكار في التعجب. [83] {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا} [المؤمنون: 83] الوعد، {مِنْ قَبْلُ} [المؤمنون: 83] أي: وعد أباءنا قوم زعموا أنهم رسل ¬

(¬1) هكذا في الأصل، وفي طبعة النمر وزميله.

قوله تعالى بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون

اللَّهِ فَلَمْ نَرَ لَهُ حَقِيقَةً، {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 83] أكاذيب الأولين. [84] {قُلْ} [المؤمنون: 84] يَا مُحَمَّدُ مُجِيبًا لَهُمْ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، {لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} [المؤمنون: 84] مِنَ الْخَلْقِ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 84] خالقها ومالكها. [85] {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 85] وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ. {قُلْ} [المؤمنون: 85] لَهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 85] فَتَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا ابْتِدَاءً يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ. [86] {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [المؤمنون: 86] [87] {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 87] قَرَأَ الْعَامَّةُ (لِلَّهِ) وَمِثْلُهُ مَا بَعْدَهُ فَجَعَلُوا الْجَوَابَ عَلَى الْمَعْنَى كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ: مَنْ مَوْلَاكَ؟ فَيَقُولُ: لِفُلَانٍ، أَيْ أَنَا لِفُلَانٍ وَهُوَ مَوْلَايَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فيها (اللَّهُ) وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَفِي سَائِرِ الْمَصَاحِفِ مَكْتُوبٌ بِالْأَلِفِ كَالْأَوَّلِ، {قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 87] تَحْذرُونَ. [88] {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [المؤمنون: 88] الْمَلَكُوتُ الْمُلْكُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، {وَهُوَ يُجِيرُ} [المؤمنون: 88] أَيْ: يُؤَمِّنُ مَنْ يَشَاءُ {وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88] أَيْ: لَا يُؤمَّنُ مَنْ أَخَافُهُ اللَّهُ أَوْ يَمْنَعُ هُوَ مِنَ السُّوءِ مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 88] قِيلَ: مَعْنَاهُ أَجِيبُوا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. [89] {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89] أَيْ: تُخْدَعُونَ وَتُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَالْمَعْنَى: كَيْفَ يُخَيَّلُ لَكُمُ الحق باطلا؟ . [قوله تعالى بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] . . . . . [90] {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 90] بالصدق {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 90] فيما يدعون من الشريك والولد. [91] {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] أَيْ: مِنْ شَرِيكٍ، {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 91] أَيْ: تَفَرَّدَ بِمَا خَلَقَهُ فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُضَافَ خَلْقُهُ وَإِنْعَامُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَنَعَ الْإِلَهَ الْآخَرَ عن الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَا خَلَقَ. {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] أَيْ: طَلَبَ بَعْضُهُمْ مُغَالَبَةَ بَعْضٍ كَفِعْلِ مُلُوكِ الدُّنْيَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] [92] {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [المؤمنون: 92] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ (عَالِمُ) بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَرِّهَا عَلَى نَعْتِ اللَّهِ فِي سُبْحَانَ اللَّهِ، {فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92] أَيْ: تَعَظَّمَ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ. [93] قَوْلُهُ: {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي} [المؤمنون: 93] أَيْ: إِنْ أَرَيْتَنِي، {مَا يُوعَدُونَ} [المؤمنون: 93] أَيْ: مَا أَوْعَدْتَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. [94] {رَبِّ} [المؤمنون: 94] أَيْ: يَا رَبِّ، {فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 94] أَيْ: لَا تُهْلِكْنِي بِهَلَاكِهِمْ. [95] {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} [المؤمنون: 95] من العذاب لهم، {لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 95] [96] {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96] أَيْ: ادْفَعْ بِالْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هِيَ الصَّفْحُ وَالْإِعْرَاضُ وَالصَّبْرُ، {السَّيِّئَةَ} [المؤمنون: 96] يَعْنِي أَذَاهُمْ، أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكَفِّ عَنِ الْمُقَاتَلَةِ، نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] يَكْذِبُونَ وَيَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ. [97] {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ} [المؤمنون: 97] أَيْ: أَمْتَنِعُ وَأَعْتَصِمُ بِكَ، {مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون: 97] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَعَاتُهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَسَاوِسُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَفْخُهُمْ وَنَفْثُهُمْ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: دَفْعُهُمْ بِالْإِغْوَاءِ إِلَى الْمَعَاصِي، وَأَصْلُ الْهَمْزِ شِدَّةُ الدَّفْعِ. [98] {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 98] فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِي، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحُضُورَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا حَضَرَهُ يُوَسْوِسُهُ.

ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ. [99] فَقَالَ: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] وَلَمْ يَقِلِ ارْجِعْنِي وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ وَحْدَهُ الرَّجْعَةَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الْوَاحِدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجْرِ: 9] وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: هَذَا الْخِطَابُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ رَوْحَهُ ابْتِدَاءً بِخِطَابِ اللَّهِ لِأَنَّهُمُ اسْتَغَاثُوا بِاللَّهِ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَسْأَلَةِ الْمَلَائِكَةِ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا. [100] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 100] أَيْ: ضَيَّعْتُ أَنْ أَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: أَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ. قَالَ قَتَادَةُ: مَا تَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَلَا لِيَجْمَعَ الدُّنْيَا وَيَقْضِيَ الشَّهَوَاتِ، وَلَكِنْ تَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امرءًا أعمل فِيمَا يَتَمَنَّاهُ الْكَافِرُ إِذَا رَأَى العذاب {كَلَّا} [المؤمنون: 100] كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، أَيْ: لَا يرجع إليها، {إِنَّهَا} [المؤمنون: 100] يَعْنِي: سُؤَالَهُ الرَّجْعَةَ، {كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 100] وَلَا يَنَالُهَا، {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} [المؤمنون: 100] أَيْ أَمَامَهُمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَاجِزٌ، {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] وَالْبَرْزَخُ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا في معناه ههنا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَقِيَّةُ الدُّنْيَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْبَرْزَخُ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَبْرُ وَهُمْ فِيهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. [101] {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون: 101] اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ النَّفْخَةِ، فَرَوَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا النَّفْخَةُ الْأُولَى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الزُّمَرِ: 68] {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزُّمَرِ: 68] {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 27] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهَا النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ: يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ عَلَى رؤوس الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: هذا فلان بن فُلَانٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ قَبْلَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ فَيَفْرَحُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ على والده وولده وزوجته أَوْ أَخِيهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 101] وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ مسعود: أَنَّهَا الثَّانِيَةُ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ أَيْ: لَا يَتَفَاخَرُونَ بِالْأَنْسَابِ يَوْمَئِذٍ كَمَا كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ سُؤَالَ تَوَاصُلٍ كَمَا كَانُوا يَتَسَاءَلُونَ فِي الدُّنْيَا. مَنْ أَنْتَ وَمِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ أَنْتَ؟ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ الْأَنْسَابَ تَنْقَطِعُ. فإن قيل: قد قال ههنا {وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 27] ؟ الْجَوَابُ. مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ لِلْقِيَامَةِ أَحْوَالًا وَمُوَاطِنَ فَفِي مَوْطِنٍ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمُ

قوله تعالى ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها

الْخَوْفُ فَيَشْغَلُهُمْ عِظَمُ الْأَمْرِ عَنِ التَّسَاؤُلِ فَلَا يَتَسَاءَلُونَ، وَفِي مَوْطِنٍ يفيقون إفاقة فيتساءلون. [102] قوله: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون: 102] [103] {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] [104] . {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [المؤمنون: 104] أَيْ: تَسْفَعُ وَقِيلَ: تُحْرِقُ، {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104] عابسون. [قوله تعالى أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا] تُكَذِّبُونَ. . . . . [105] قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 105] يَعْنِي الْقُرْآنَ تُخَوَّفُونَ بِهَا، {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 105] [106] {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [المؤمنون: 106] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: شَقَاوَتُنَا بِالْأَلِفِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْ: غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْنَا فَلَمْ نَهْتَدِ. {وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون: 106] عَنِ الْهُدَى. [107] {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} [المؤمنون: 107] أَيْ: مِنَ النَّارِ، {فَإِنْ عُدْنَا} [المؤمنون: 107] لما تكره {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107] [108] {قَالَ اخْسَئُوا} [المؤمنون: 108] أبعدوا، {فِيهَا} [المؤمنون: 108] كَمَا يُقَالُ لِلْكَلْبِ إِذَا طُرِدَ اخسأ، {وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] فِي رَفْعِ الْعَذَابِ فَإِنِّي لَا أَرْفَعُهُ عَنْكُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَيِسَ الْمَسَاكِينُ مِنَ الْفَرَجِ، قَالَ الْحَسَنُ. هُوَ آخِرُ كَلَامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ ثُمَّ لَا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهَا إِلَّا الشَّهِيقَ وَالزَّفِيرَ، وَيَصِيرُ لَهُمْ عُوَاءٌ كَعُوَاءِ الْكِلَابِ لَا يُفهمون ولا يفهمون. [109] {إِنَّهُ} [المؤمنون: 109] الْهَاءُ فِي (إِنَّهُ) عِمَادٌ وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمَجْهُولَةَ، {كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي} [المؤمنون: 109] وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109] [110] {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} [المؤمنون: 110] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (سُخْرِيًّا) بِضَمِّ السِّينِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ ص، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهِمَا وَاتَّفَقُوا عَلَى الضَّمِّ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ. قَالَ الْخَلِيلُ: هُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: بَحْرٌ لُجِّيٌّ، ولِجِّيٌّ بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، مِثْلَ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ وَدِرِّيٍّ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ: الْكَسْرُ بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ بِالْقَوْلِ، وَالضَّمُّ بِمَعْنَى التَّسْخِيرِ وَالِاسْتِعْبَادِ بِالْفِعْلِ وَاتَّفَقُوا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى التسخير، {حَتَّى أَنْسَوْكُمْ} [المؤمنون: 110] أَيْ: أَنْسَاكُمُ اشْتِغَالُكُمْ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ وَتَسْخِيرِهِمْ، {ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110] نَظِيرُهُ {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المُطَفِّفِينَ: 29] قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي بِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَابٍ وَصُهَيْبٍ وَسَلْمَانَ وَالْفُقَرَاءِ من أصحابه، كان كفار قريش يستهزؤون بِهِمْ. [111] {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} [المؤمنون: 111] عَلَى أَذَاكُمْ وَاسْتِهْزَائِكُمْ فِي الدُّنْيَا، {أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 111] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (أَنَّهُمْ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِصَبْرِهِمُ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ. [112] {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ} [المؤمنون: 112] قرأ حمزة والكسائي: وقل إن، على الأمر والنهي. وَمَعْنَى الْآيَةِ: قُولُوا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْوَاحِدِ، وَالْمُرَادُ منه الجماعة إذا كَانَ مَعْنَاهُ مَفْهُومًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَّابُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَيْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْ كَمْ عَلَى الْأَمْرِ، وَقَالَ أَنْ عَلَى الْخَبَرِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ جَوَابٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَالَ فِيهِمَا جَمِيعًا أَيْ قال الله تعالى لِلْكُفَّارِ يَوْمَ الْبَعْثِ كَمْ لَبِثْتُمْ، {فِي الْأَرْضِ} [المؤمنون: 112] أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَفِي الْقُبُورِ {عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون: 112] [113] {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [المؤمنون: 113] نَسُوا مُدَّةَ لَبْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِعِظَمِ مَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ العذاب، {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون: 113] الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَيُحْصُونَهَا عَلَيْهِمْ. [114] {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ} [المؤمنون: 114] أَيْ: مَا لَبِثْتُمْ فِي الدُّنْيَا، {إِلَّا قَلِيلًا} [المؤمنون: 114] سَمَّاهُ قَلِيلًا لِأَنَّ الْوَاحِدَ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَلِيلًا فِي جَنْبِ

سورة النور

مَا يَلْبَثُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ لبثه في الدنيا والقبر مُتَنَاهٍ {لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 114] قدر لبثكم في الدنيا. [115] {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] لَعِبًا وَبَاطِلًا لَا لِحِكْمَةٍ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: عَابِثِينَ. وَقِيلَ: لِلْعَبَثِ، أَيْ: لِتَلْعَبُوا وَتَعْبَثُوا كَمَا خَلَقْتُ الْبَهَائِمَ لَا ثَوَابَ لَهَا وَلَا عِقَابَ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القِيَامَةِ: 36] وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ وإقامة أوامر الله تعالى، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] أَيْ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فِي الْآخِرَةِ لِلْجَزَاءِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: لَا تَرْجِعُونَ بفتح التاء وكسر الجيم. ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. [116] فَقَالَ جَلَّ ذِكْرِهِ: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] يَعْنِي السَّرِيرَ الْحَسَنَ. وَقِيلَ: الْمُرْتَفِعُ. [117] {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] أَيْ: لَا حُجَّةَ لَهُ بِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي دَعْوَى الشِّرْكِ، {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} [المؤمنون: 117] جزاؤه، {عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: 117] يجازيه بعلمه كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغَاشَيَةِ: 26] {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] لَا يَسْعَدُ مَنْ جَحَدَ وَكَذَّبَ. [118] {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] [سورة النور] [قوله تعالى سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا] آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. . . . (24) سورة النور [1] {سُورَةٌ} [النور: 1] أَيْ: هَذِهِ سُورَةٌ، {أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] قرأ ابن كثير وأبو عمر (وَفَرَّضْنَاهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: أَوْجَبْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَلْزَمْنَاكُمُ الْعَمَلَ بِهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَدَّرْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْحُدُودِ، وَالْفَرْضُ: التَّقْدِيرُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [الْبَقَرَةِ: 237] أَيْ: قَدَّرْتُمْ، وَدَلِيلُ التخفيف قوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} [القصص: 85] وأما التشديد فمعناه فصلناه وَبَيَّنَّاهُ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْفَرْضِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ أَيْضًا وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ لِكَثْرَةٍ مَا فِيهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، أَيْ أَوْجَبْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. {وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [النور: 1] واضحات، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 1] تَتَّعِظُونَ. [2] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] أَرَادَ إِذَا كَانَا حُرَّيْنِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ بِكْرَيْنِ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، فَاجْلِدُوا فَاضْرِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جِلْدَةٍ، يُقَالُ جَلَدَهُ إِذَا ضَرَبَ جِلْدَهُ، كَمَا يُقَالُ رَأَسَهُ وَبَطَنَهُ، إِذَا ضَرَبَ رَأْسَهُ وَبَطْنَهُ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَلْدِ لِئَلَّا يُبَرَّحَ وَلَا يُضْرَبُ بِحَيْثُ يَبْلُغُ اللَّحْمَ، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً ويغرب عاما (¬1) وهو ¬

(¬1) أخرج البخاري في الشهادات 5 / 255 أن رسول الله أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام.

قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ (¬1) {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} [النور: 2] أي: رَحْمَةٌ وَرِقَّةٌ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (رأفة) بفتح الهمزة، والرأفة معنى يكون فِي الْقَلْبِ، لَا يُنْهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِاخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ. . وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الْحُدُودَ وَلَا تُقِيمُوهَا وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَاهَا وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ وَلَكِنْ أَوَجِعُوهُمَا ضَرْبًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: يُجْتَهَدُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالْفِرْيَةِ وَيُخَفَّفُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُجْتَهَدُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَيُخَفَّفُ فِي الشُّرْبِ وَالْفِرْيَةِ. {فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2] أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ، {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2] مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا تَأْخُذُهُ الرَّأْفَةُ إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ تعالى، {وَلْيَشْهَدْ} [النور: 2] وليحضر {عَذَابَهُمَا} [النور: 2] حَدَّهُمَا إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمَا {طَائِفَةٌ} [النور: 2] نفر، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ: أَقَلُّهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ: رَجُلَانِ فَصَاعِدًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ زَيْدٍ: أَرْبَعَةٌ بِعَدَدِ شُهُودِ الزنا. [3] قوله: - {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَحُكْمِهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ وَفِيهِمْ فُقَرَاءُ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَا عَشَائِرَ، وَبِالْمَدِينَةِ نِسَاءٌ بَغَايَا يُكْرِينَ أَنْفُسَهُنَّ وَهُنَّ يَوْمَئِذٍ أَخْصَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَرَغَبَ أُنَاسٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي نِكَاحِهِنَّ لِيُنْفِقْنَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أَنْ يَتَزَوَّجُوا تِلْكَ الْبَغَايَا لِأَنَّهُنَّ كُنَّ مُشْرِكَاتٍ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي نِسَاءٍ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، مِنْهُنَّ تِسْعٌ لَهُنَّ رَايَاتٌ كَرَايَاتِ الْبِيطَارِ يُعْرَفْنَ بِهَا, مِنْهُنَّ أُمُّ مَهْزُولٍ جَارِيَةُ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السائب المخزومي، فكان الرَّجُلُ يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يتخذها مالكة, فَأَرَادَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهُنَّ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ أُمِّ مَهْزُولٍ وَاشْتَرَطَتْ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآية. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ مِنَ النِّكَاحِ هو الجماع، ومعناه أن الزَّانِي لَا يَزْنِي إِلَّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ وَالزَّانِيَةُ لَا تَزْنِي إِلَّا بِزَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ بن مزاحم. ورواه الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. إِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُسْتَحِلٌّ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ جَامَعَهَا وَهُوَ مُحَرِّمٌ فَهُوَ زَانٍ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُحَرِّمُ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ وَيَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَ الزَّانِي بِالزَّانِيَةِ فَهُمَا زَانِيَانِ أَبَدًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الزَّانِي الْمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً مَجْلُودَةً وَالزَّانِيَةُ الْمَجْلُودَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ مَجْلُودٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ حُكْمَ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ، فَكَانَ نِكَاحُ الزَّانِيَةِ حَرَامًا بِهَذِهِ الْآيَةِ فنسخها قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] فَدَخَلَتِ الزَّانِيَةُ فِي أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ. [4] قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] أَرَادَ بِالرَّمْيِ الْقَذْفَ بِالزِّنَا وَكُلُّ مَنْ رَمَى مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً بِالزِّنَا، فَقَالَ لَهُ: زَنَيْتَ أَوْ يَا زَانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَلْدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، إِنْ كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَيُجْلَدُ أَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَعَلَى الْقَاذِفِ التَّعْزِيرُ وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ خَمْسَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ والعفة من الزاني حَتَّى أَنَّ مَنْ زَنَى مَرَّةً فِي أَوَّلِ بُلُوغِهِ ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ وَامْتَدَّ عُمْرُهُ فَقَذَفَهُ ¬

(¬1) آية: 16.

قَاذِفٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَوْ أَقَامَ الْقَاذِفُ أَرْبَعَةً مِنَ الشُّهُودِ عَلَى زِنَاهُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ لِأَنَّ الْحَدَّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ وَقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُ، وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) أَيْ: يَقْذِفُونَ بِالزِّنَا الْمُحْصَنَاتِ يَعْنِي الْمُسْلِمَاتِ الْحَرَائِرَ الْعَفَائِفَ {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4] يَشْهَدُونَ عَلَى زِنَاهُنَّ {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] أَيْ: اضْرِبُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] [5] {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قُبُولِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَفِي حُكْمِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقَاذِفَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِنَفْسِ الْقَذْفِ وَإِذَا تَابَ وَنَدِمَ عَلَى مَا قَالَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، سَوَاءً تَابَ بَعْدَ إِقَامَةِ الحد عليه أو قبلها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) وقالوا: الاستثناء يرجع إلى رد الشَّهَادَةِ وَإِلَى الْفِسْقِ فَبَعْدَ التَّوْبَةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الفسق وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ، وَقَالُوا: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْكُلِّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ الْمَقْذُوفُ فَيَسْقُطَ كَالْقَصَّاصِ يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قَبِلْتُمْ شَهَادَتَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَمَا معنى قوله {أَبَدًا} [النور: 4] قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أبدا ما دام هو مُصِرًّا عَلَى قَذْفِهِ لِأَنَّ أَبَدَ كُلِّ إِنْسَانٍ مُدَّتُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، كَمَا يُقَالُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكَافِرِ أَبَدًا: يُرَادُ ما دام كافرا. [6] {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6] يَقْذِفُونَ نِسَاءَهُمْ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ} [النور: 6] يَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوا، {إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} [النور: 6] غَيْرَ أَنْفُسِهِمْ، {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) بِرَفْعِ الْعَيْنِ عَلَى خَبَرِ الِابْتِدَاءِ، أَيْ: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ الَّتِي تَدْرَأُ الْحَدَّ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ أَيْ: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. [7] {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 7] قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ (أَنْ) خَفِيفَةٌ وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ (لَعْنَةُ اللَّهِ) رَفْعٌ، ثم يعقوب قرأ (غضب) بالرفع، وَقَرَأَ نَافِعٌ (غَضِبَ) بِكَسْرِ الضَّادِ وفتح الباء على الفعل الْمَاضِي (اللَّهُ) رَفَعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {أَنَّ} [النور: 7] بالتشديد فيهما، {لَعْنَتَ} [النور: 7] نصب، و {غَضَبَ} [النور: 9] بِفَتْحِ الضَّادِ عَلَى الِاسْمِ، {اللَّهِ} [النور: 9] جَرٌّ، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ {وَالْخَامِسَةَ} [النور: 9] الثَّانِيَةُ نَصْبٌ، أَيْ وَيَشْهَدُ الشَّهَادَةَ الْخَامِسَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي أَنْ كَالْأُولَى.

قوله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم

[8] قوله: {وَيَدْرَأُ} [النور: 8] يَدْفَعُ، {عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 8] [9] {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 9] وَأَرَادَ بِالْعَذَابِ الْحَدَّ كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] أي: أحدهما ومعنى الآية أن الزوج إذ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ حَدُّ الزِّنَا، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا بِلِعَانِهِ فَأَرَادَتْ إِسْقَاطَهُ عَنْ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا تُلَاعِنَ فَتَقُومُ وَتَشْهَدُ بَعْدَ تَلْقِينِ الْحَاكِمِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ عَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إِنْ كَانَ زَوْجِي مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي به. [10] قَوْلُهُ: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10] جَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ يَعْنِي لَعَاجَلَكُمْ بالعقوبة ولكنه ستر عليكم ورفع عَنْكُمُ الْحَدَّ بِاللِّعَانِ، {وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ} [النور: 10] يَعُودُ عَلَى مَنْ يَرْجِعُ عَنِ المعاصي بالرحمة {حَكِيمٌ} [النور: 10] فيما فرض من الحدود. [قوله تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ] لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. . . . [11] قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} [النور: 11] بالكذب وهو أَسْوَأُ الْكَذِبِ سُمِّيَ إِفْكًا لِكَوْنِهِ مصروفا عن الحق، من قوله: أَفَكَ الشَّيْءَ إِذَا قَلَبَهُ عَنْ وجهه "وهو ما مثل في عائشة رضي الله عنها عند تخلفها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم في أحد غزواته بعد أن أحضرها صفوان السلمي" وذلك أن عائشة تَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَصَانَةِ وَالشَّرَفِ فَمَنْ رَمَاهَا بِالسُّوءِ قَلَبَ الْأَمْرَ عَنْ وَجْهِهِ, {عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ زَوْجَةُ طَلْحَةَ ابن عُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمْ، {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} [النور: 11] يَا عَائِشَةُ وَيَا صَفْوَانُ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِعَائِشَةَ وَلِأَبَوَيْهَا وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِصَفْوَانَ، يَعْنِي لَا تَحْسَبُوا الْإِفْكَ شَرًّا لَكُمْ، {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور: 11] لِأَنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى ذَلِكَ ويظهر براءتكم. قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ} [النور: 11] يَعْنِي مِنَ الْعُصْبَةِ الْكَاذِبَةِ {مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} [النور: 11] أَيْ: جَزَاءُ مَا اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلَى قَدْرِ مَا خَاضَ فيه، {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] أَيْ: تَحَمَّلَ مُعْظَمَهُ فَبَدَأَ بِالْخَوْضِ فِيهِ، قَرَأَ يَعْقُوبُ (كُبْرَهُ) بِضَمِّ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالْكَسْرِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: قَامَ بِإِشَاعَةِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} [النور: 11] قَالَتْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ هُوَ النار في الآخرة. [12] قوله: {لَوْلَا} [النور: 12] هَلَّا، {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ} [النور: 12] بإخوانهم، {خَيْرًا} [النور: 12] قَالَ الْحَسَنُ: بِأَهْلِ دِينِهِمْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النِّسَاءِ: 29] {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النُّورِ: 61] {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12] أَيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ. [13] {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 13] عَلَى مَا زَعَمُوا، {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِيرُونَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبِينَ إِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ وَمَنْ كَذَبَ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبٌ سَوَاءٌ أَتَى بِالشُّهَدَاءِ أَوْ لَمْ يَأْتِ "؟ قِيلَ: عِنْدَ اللَّهِ أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَذِّبُوهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: هَذَا فِي حَقِّ عَائِشَةَ وَمَعْنَاهُ أُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ فِي غَيْبِي وَعِلْمِي. [14] {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] خضتم، {فِيهِ} [النور: 14] من الإفك, {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 14] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ عَذَابٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَذَابَ الدُّنْيَا مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] وقد أصابهم فإنه قد جلد وحد، وقد روت عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَدَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ وَمِسْطَحَ بْنَ أثاثة وحمنة بنت جحش.

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات

[15] قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} [النور: 15] تقولونه، {بِأَلْسِنَتِكُمْ} [النور: 15] قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: بَلَغَنِي كَذَا وَكَذَا يَتَلَقَّوْنَهُ تلقيا، وكذا قرأه أبي بن كعب. وَقَالَ الزُّجَاجُ: يُلْقِيهِ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَرَأَتْ عَائِشَةُ (تَلِقَوْنَهُ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفُ الْقَافِ مِنَ الْوَلَقِ وَهُوَ الْكَذِبُ، {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} [النور: 15] تَظُنُّونَ أَنَّهُ سَهْلٌ لَا إِثْمَ فِيهِ، {وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15] فِي الْوِزْرِ. [16] {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ} [النور: 16] هذا اللفظ هاهنا بمعنى التعجب، {هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] يعني كَذِبٌ عَظِيمٌ يَبْهَتُ وَيَتَحَيَّرُ مِنْ عَظَمَتِهِ. وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ أُمَّ أَيُّوبَ قَالَتْ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: أَمَا بَلَغَكَ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى وِفْقِ قَوْلِهِ. [17] {يَعِظُكُمُ اللَّهُ} [النور: 17] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُحَرِّمُ اللَّهُ عَلَيْكُمُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَنْهَاكُمُ اللَّهُ. {أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17] [18] {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} [النور: 18] بالأمر والنهي، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [النور: 18] بأمر عائشة وصفوان بن المعطل، {حَكِيمٌ} [النور: 18] حكم ببراءتهما. [19] قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور: 19] يعني يظهر وَيَذِيعَ الزِّنَا، {فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19] يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ الْمُنَافِقِينَ، وَالْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا الْحَدُّ وَفِي الْآخِرَةِ النَّارُ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} [النور: 19] كَذِبَهُمْ وَبَرَاءَةَ عَائِشَةَ وَمَا خَاضُوا فِيهِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ، {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] [20] {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 20] جَوَابُ (لَوْلَا) مَحْذُوفٌ يَعْنِي: لَعَاجَلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مسطحا وحسان بن ثابت وحمنة. [قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ] الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. . . [21] قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [النور: 21] يعني بالقبائح من الأفعال، {وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21] كل ما يكرهه الله، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا} [النور: 21] قَالَ مُقَاتِلٌ: مَا صَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَا طَهُرَ، {مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ} [النور: 21] وَالْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالُوا: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُهُ وَرَحْمَتُهُ بِالْعِصْمَةِ مَا صَلَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا الْخِطَابُ لِلَّذِينِ خَاضُوا فِي الْإِفْكِ، وَمَعْنَاهُ: مَا طَهُرَ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ وَلَا صَلُحَ أَمْرُهُ بَعْدَ الَّذِي فَعَلَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، قَالَ: مَا قَبِلُ تَوْبَةَ أَحَدٍ مِنْكُمْ، {أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي} [النور: 21] يطهر {مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21] مِنَ الذَّنْبِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]

[22] قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ} [النور: 22] يعني ولا يحلف، وهو يفعل مِنَ الْأَلْيَةِ وَهِيَ الْقَسَمُ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ يَتَأَلَّ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ وَتَأْخِيرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ يَتَفَعَّلُ مِنَ الألية وهي القسم. {أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] يعني أولو الغنى وَالسَّعَةِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ {أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور: 22] يَعْنِي مِسْطَحًا وَكَانَ مِسْكِينًا مُهَاجِرًا بَدْرِيًّا ابْنَ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، حَلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا ينفق عليه، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور: 22] عَنْهُمْ خَوْضَهُمْ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ، {أَلَا تُحِبُّونَ} [النور: 22] يُخَاطِبُ أَبَا بَكْرٍ، {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] فَلَمَّا قَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَ: بَلَى أَنَا أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَرَجَّعَ إِلَى مسطح نفقته التي كانت ينفقها عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا (¬1) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: أَقْسَمَ نَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فيهم أبو بكر ألا يتصدقون عَلَى رَجُلِ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِفْكِ وَلَا يَنْفَعُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. [23] {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 23] العفائف، {الْغَافِلَاتِ} [النور: 23] عن الفواحش، {الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 23] والغافلة عن الفاحشة التي لَا يَقَعُ فِي قَلْبِهَا فِعْلُ الْفَاحِشَةِ وَكَانَتْ عَائِشَةُ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ تعالى: {لُعِنُوا} [النور: 23] عذبوا، {فِي الدُّنْيَا} [النور: 23] بالحد، {وَالْآخِرَةِ} [النور: 23] بالنار، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] قال مقاتل: هذا خاص فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المنافق. وروي عَنْ خَصِيفٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ قَذْفَ مُؤْمِنَةً يَلْعَنُهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ خَاصَّةً. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِعَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً دون سائر المؤمنات وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وكان ذلك كذلك حتى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: 4] إِلَى قَوْلِهِ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5] فأنزل الْجَلْدَ وَالتَّوْبَةَ. [24] {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} [النور: 24] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ لِتَقْدِيمِ الفعل وقرأ الآخرون بالتاء، {أَلْسِنَتُهُمْ} [النور: 24] وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى أفواههم، {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ} [النور: 24] يروى أنه يختم على الْأَفْوَاهُ فَتَتَكَلَّمُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا عَمِلَتْ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَشْهَدُ أَلْسِنَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24] [25] {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25] جَزَاءَهُمُ الْوَاجِبَ. وَقِيلَ: حِسَابَهُمُ الْعَدْلَ. {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25] يُبَيِّنُ لَهُمْ حَقِيقَةَ مَا كَانَ يَعِدُهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَذَلِكَ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كَانَ يَشُكُّ فِي الدِّينِ فَيَعْلَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ الله هو الحق المبين. ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 455 ومسلم في التوبة رقم (2770) 4 / 2129.

قوله تعالى فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها

[26] قوله سبحانه تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ لِلْخَبِيثَيْنِ مِنَ النَّاسِ. {وَالْخَبِيثُونَ} [النور: 26] من الناس, {لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26] من القول، {وَالطَّيِّبَاتُ} [النور: 26] من القول {لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] من الناس، {وَالطَّيِّبُونَ} [النور: 26] من الناس، {لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] مِنَ الْقَوْلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخَبِيثَ مِنَ الْقَوْلِ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْخَبِيثِ مِنَ النَّاسِ وَالطِّيبَ لَا يليق إلا بالطيب، فعائشة لا تليق بها الخبيثات من القول لأنمها طيبة فتضاف إليها طيبات الكلام من المدح والثناء الحسن وما يليق بها. قال الزُّجَاجُ: مَعْنَاهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْخَبِيثَاتِ إِلَّا الْخَبِيثَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالطَّيِّبَاتِ إِلَّا الطَّيِّبَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهَذَا ذَمٌّ لِلَّذِينِ قَذَفُوا عَائِشَةَ، وَمَدْحٌ لِلَّذِينَ بَرَّؤُوهَا بِالطَّهَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنَاهُ الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْخِبِّيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ أَمْثَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَالشَّاكِّينَ فِي الدِّينِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ. يُرِيدُ عَائِشَةَ طَيَّبَهَا اللَّهُ لِرَسُولِهِ الطَّيِّبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ} [النور: 26] يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ ذَكَرَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النِّسَاءِ: 11] أَيْ: إِخْوَانٌ. وَقِيلَ: أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ يَعْنِي الطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبَاتِ مُنَزَّهُونَ، {مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] فَالْمَغْفِرَةُ هِيَ الْعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ وَالرِّزْقِ الْكَرِيمِ الْجَنَّةُ. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْتَخِرُ بِأَشْيَاءَ أُعْطِيَتْهَا لَمْ تُعْطَهَا امْرَأَةٌ غَيْرَهَا، مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَسَهُ فِي حِجْرِهَا، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ مَعَهَا فِي لِحَافِهِ، وَنَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّهَا ابْنَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدِيقِهِ, وَخُلِقَتْ طَيِّبَةً، وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا، وَكَانَ مَسْرُوقٌ إِذَا رَوَى عن عائشة قال: حَدَّثَتْنِي الصِّدِيقَةُ بِنْتُ الصَّدِيقِ حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم المبرأة من السماء. [27] قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أَيْ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَكَانَ ابْنُ عباس يقرأ حتى تستأذنوا وكذلك كان يقرأ أبي بن كَعْبٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَسْتَأْنِسُوا وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ. وَقِيلَ: الِاسْتِئْنَاسُ طَلَبُ الْأُنْسِ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ في البيت ناس فَيُؤْذِنَهُمْ إِنِّي دَاخِلٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِبْصَارُ مِنْ قَوْلِهِ: آنَسْتُ نارا أي: أبصرتها. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ يَتَنَحْنَحَ، يُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَجُمْلَةُ حُكْمِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْغَيْرِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ أَمِ السَّلَامَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ فَيَقُولُ: أَأَدْخُلُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ تعالى: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلَامَ فَيَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ. وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهَا: حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود. [قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا] حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ. . . [28] قوله: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا} [النور: 28] أَيْ إِنْ لَمْ تَجِدُوا فِي الْبُيُوتِ أَحَدًا يَأْذَنُ لَكُمْ فِي دُخُولِهَا فَلَا تَدْخُلُوهَا، {حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور: 28] يَعْنِي إِذَا كَانَ فِي الْبَيْتِ قَوْمٌ فَقَالُوا: ارْجِعْ فَلْيَرْجِعْ وَلَا يقعد عَلَى الْبَابِ مُلَازِمًا، {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور: 28] يَعْنِي الرُّجُوعُ أَطْهَرُ وَأَصْلَحُ لَكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 28] مِنَ الدُّخُولِ بِالْإِذْنِ وَغَيْرِ الْإِذْنِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الِاسْتِئْذَانِ قَالُوا: كَيْفَ بِالْبُيُوتِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَعَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ؟ [29] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} [النور: 29] أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، {فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} [النور: 29]

يَعْنِي مَنْفَعَةً لَكُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْبُيُوتِ, فَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الحانات وَالْبُيُوتُ وَالْمَنَازِلُ الْمَبْنِيَّةُ لِلسَّابِلَةِ لِيَأْوُوا أمتعتهم إليها فيجوز دُخُولُهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِ وَالْمَنْفَعَةُ فِيهَا بِالْنُزُولِ وَإِيوَاءِ الْمَتَاعِ وَالِاتِّقَاءِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ بُيُوتُ التُّجَّارِ وَحَوَانِيتُهُمُ الَّتِي بِالْأَسْوَاقِ يَدْخُلُونَهَا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَيْسَ على حوانيت السوق إذن، وَقِيلَ: هِيَ جَمِيعُ الْبُيُوتِ الَّتِي لَا سَاكِنَ لَهَا لِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ إِنَّمَا جَاءَ لِئَلَّا يُطَّلَعَ عَلَى عَوْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يُخَفْ ذَلِكَ فَلَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ, {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] [30] قوله تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] أَيْ: عَنْ النَّظَرِ إِلَى مَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ: وَقِيلَ: (مِنْ) صلة يعني يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ ثَابِتٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِغَضِّ الْبَصَرِ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغَضُّ عَمَّا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ, وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِأَنْ يَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرَ إِلَيْهِ, {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] عَمَّا لَا يَحِلُّ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ عَنِ الزِّنَا وَالْحَرَامِ، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِتَارَ حَتَّى لَا يَقَعَ بَصَرُ الْغَيْرِ عليه، {ذلك} [النور: 30] يعني غَضُّ الْبَصَرِ وَحِفْظُ الْفَرْجِ، {أَزْكَى لَهُمْ} [النور: 30] يعني خَيْرٌ لَهُمْ وَأَطْهَرُ، {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] يعني عليم بما يفعلون. [31] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31] عَمَّا لَا يَحِلُّ، {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] عَمَّنْ لَا يَحِلُّ. وَقِيلَ أَيْضًا: يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ يَعْنِي يَسْتُرْنَهَا حَتَّى لا يراها أحد، {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] يعني لَا يُظْهِرْنَ زِينَتَهُنَّ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَأَرَادَ بِهَا الزِّينَةَ الْخَفِيَّةَ وَهُمَا زِينَتَانِ خَفِيَّةٌ وَظَاهِرَةٌ, فَالْخَفِيَّةُ مِثْلُ الْخَلْخَالِ وَالْخِضَابِ فِي الرِّجْلِ وَالسُّوَارِ فِي الْمِعْصَمِ وَالْقُرْطِ وَالْقَلَائِدِ, فَلَا يَجُوزُ لَهَا إِظْهَارُهَا, وَلَا لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَيْهَا, وَالْمُرَادُ مِنَ الزِّينَةِ مَوْضِعُ الزِّينَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] أَرَادَ بِهِ الزِّينَةَ الظَّاهِرَةَ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الثِّيَابُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الْأَعْرَافِ: 31] وَأَرَادَ بِهَا الثِّيَابَ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْوَجْهُ وَالثِّيَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَالْخِضَابُ فِي الْكَفِّ, فَمَا كَانَ مِنَ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَشَهْوَةً، فَإِنْ خَافَ شيئا منها غض البصر, قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} [النور: 31] يعني: ليلقين بمقانعهن, {عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] وَصُدُورِهِنَّ لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ وَأَعْنَاقَهُنَّ وَأَقْرَاطَهُنَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ

قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من

الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي لَا يَضَعْنَ الْجِلْبَابَ وَلَا الْخِمَارَ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، أَيْ إِلَّا لِأَزْوَاجِهِنَّ، {أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} [النور: 31] فَيَجُوزُ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور: 31] أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى بَدَنِ الْمَرْأَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَالرَّجُلِ الْمَحْرَمِ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً، فَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكَشِفَ لَهَا. اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَقَالَ بعضهم. يجور كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَنْكَشِفَ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ النِّسَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) وَالْكَافِرَةُ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِنَا وَلِأَنَّهَا أجنبية في الدين، وكانت أبعد من الرجل الأجنبي، قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النور: 31] اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: عَبْدُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا، فَيَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ عَلَيْهَا إِذَا كَانَ عَفِيفًا وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَدَنِ مَوْلَاتِهِ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، كالمحارم وهو ظاهر القرآن وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مَعَهَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْإِمَاءُ دون العبيد، قوله: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور: 31] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ غَيْرَ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الْقَطْعِ لِأَنَّ (التَّابِعِينَ) مَعْرِفَةٌ وَ (غَيْرَ) نَكِرَةٌ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى (إِلَّا) فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَعْنَاهُ: يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِلتَّابِعِينَ إِلَّا ذَا الْإِرْبَةِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُنَّ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ذَا إِرْبَةٍ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَرِّ عَلَى نَعْتِ (التَّابِعِينَ) وَالْإِرْبَةِ وَالْأَرَبِ الْحَاجَةُ، وَالْمُرَادُ بِـ (التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) هُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْقَوْمَ لِيُصِيبُوا مِنْ فَضْلِ طَعَامِهِمْ لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ فِي النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْأَحْمَقُ الْعِنِّينُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَشِرُ وَلَا يَسْتَطِيعُ غِشْيَانَ النِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهِيهِنَّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْمَعْتُوهُ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْمَجْبُوبُ. وَقِيلَ هُوَ الْمُخَنَّثُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الشيني الْهَرِمُ وَالْعِنِّينُ وَالْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ وَنَحْوُهُ. {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31] أَرَادَ بِالطِّفْلِ الْأَطْفَالَ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا، أَيْ: لَمْ يَكْشِفُوا عَنْ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ لِلْجِمَاعِ فَيَطَّلِعُوا عَلَيْهَا. وَقِيلَ: لَمْ يَعْرِفُوا الْعَوْرَةَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الصِّغَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: لَمْ يُطِيقُوا أَمْرَ النِّسَاءِ. وَقِيلَ: لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الشَّهْوَةِ. {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا مَشَتْ ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا لِيُسْمَعَ صَوْتُ خَلْخَالِهَا أَوْ يُتَبَيَّنَ خَلْخَالُهَا، فَنُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ. {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} [النور: 31] مِنَ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَقِيلَ: رَاجِعُوا طَاعَةَ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ الْآدَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السورة، {أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَا «أَيُّهَا النَّاسُ توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» (¬1) . [قَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ] عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. . . [32] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32] الْأَيَامَى جَمْعُ أَيِّمٍ وَهُوَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ يُقَالُ رَجُلٌ: أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمَةٌ، وَأَيِّمٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: زوجوا أيها المؤمنون مِنْ أَحْرَارِ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] وَهَذَا الْأَمْرُ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ. يستحب لمن تاقت ¬

(¬1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء برقم (2072) 4 / 2076 والمصنف في شرح السنة 5 / 571.

نَفْسُهُ إِلَى النِّكَاحِ وَوَجَدَ أُهْبَةَ النِّكَاحِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أُهْبَةَ النِّكَاحِ يَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بالصوم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغُضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (¬1) وَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم «تناكحوا تكثروا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ حَتَّى بالسقط» (¬2) . {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32] قِيلَ: الْغِنَى هَاهُنَا الْقَنَاعَةُ. وَقِيلَ اجْتِمَاعُ الرِّزْقَيْنِ رِزْقُ الزَّوْجِ وَرِزْقُ الزوجة. وقات عُمَرُ: عَجِبْتُ لِمَنِ ابْتَغَى الْغِنَى بِغَيْرِ النِّكَاحِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) . وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْغِنَيَّ بِالنِّكَاحِ وَبِالتَّفَرُّقِ فَقَالَ تَعَالَى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النِّسَاءِ: 130] [33] {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور: 33] أَيْ: لِيَطْلُبِ الْعِفَّةَ عَنِ الْحَرَامِ والزنا الذين لا يجدون مالا يَنْكِحُونَ بِهِ لِلصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ، {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] أَيْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} [النور: 33] أَيْ: يَطْلُبُونَ الْمُكَاتَبَةَ، {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ غُلَامًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عبد العزيز سَأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَكَاتَبَهُ حُوَيْطِبٌ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَدَّاهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي الْحَرْبِ، وَالْكِتَابَةُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لمملوك: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا مِنَ الْمَالِ وَيُسَمِّيَ مَالًا مَعْلُومًا يُؤَدَّى ذَلِكَ فِي نَجْمَيْنِ أَوْ نُجُومٍ مَعْلُومَةٍ فِي كُلِّ نَجْمٍ كَذَا، فَإِذَا أَدَّيْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَالْعَبْدُ يَقْبَلُ ذَلِكَ، فَإِذَا أَدَّى الْمَالَ عَتَقَ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ بَعْدَ أداء المال، وَإِذَا أُعْتِقَ بَعْدَ أَدَاءِ الْمَالِ فَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ، يَكُونُ لَهُ وَيَتْبَعُهُ أَوْلَادُهُ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي حَالِ الْكِتَابَةِ فِي الْعِتْقِ، وَإِذَا عَجْزَ عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ كَانَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَفْسِخَ كِتَابَتَهُ وَيَرُدَّهُ إِلَى الرِّقِّ، وَمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ يكون لمولاه، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أن قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] أمرا يَجِبُ! عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ الَّذِي عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا إِذَا سَأَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، عَلَى قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ سَأَلَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَلَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بن دينار، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أنه أمر ندب واستحباب، {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْخَيْرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قُوَّةً عَلَى الْكَسْبِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مَالًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [الْبَقَرَةِ: 180] أي: مالا، قَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْ أَرَادَ بِهِ الْمَالَ لَقَالَ إِنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدَةُ: صِدْقًا وَأَمَانَةً. وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَالًا وَأَمَانَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَظْهَرُ مَعَانِي الْخَيْرِ فِي الْعَبْدِ الِاكْتِسَابُ مَعَ الْأَمَانَةِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ كتابته إذا كان هكذا. وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا أَيْ: أَقَامُوا الصَّلَاةَ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَالِغًا عَاقِلًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا تَصْحُ كِتَابَتُهُمَا لِأَنَّ الِابْتِغَاءَ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ كِتَابَةَ الصبي المراهق. قوله سبحانه وتعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمَوَالِي يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْ مُكَاتَبِهِ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فَقَالَ قَوْمٌ: يَحُطُّ عَنْهُ رُبُعَ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلَيٍّ مَرْفُوعًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تعالى عنهما: ¬

(¬1) أخرجه البخاري في النكاح 9 / 106 ومسلم في النكاح رقم (1400) 2 / 1018. (¬2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 6 / 173 عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ مرسلا.

يَحُطُّ عَنْهُ الثُّلُثَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ حَدٌّ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ مَا شَاءَ، وهو قول الشافعي وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، وَالْوُجُوبُ أَظْهَرُ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَآتَوْهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ أَيْ سَهْمَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، بِقَوْلِهِ تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177] وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: هُوَ حَثٌّ لجميع الناس على معونتهم، قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] الْآيَةُ، نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ الْمُنَافِقِ كَانَتْ لَهُ جَارِيَتَانِ مُعَاذَةُ وَمُسَيْكَةُ، وَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا بِالضَّرِيبَةِ يَأْخُذُهَا مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤَجِّرُونَ إِمَاءَهُمْ، فَلَمَّا جاء الإسلام أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَكَتَا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ) إِمَاءَكُمْ (عَلَى الْبِغَاءِ) أَيْ الزِّنَا (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) أَيْ إِذَا أردن، وليسر مَعْنَاهُ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِكْرَاهُهُنَّ عَلَى الزِّنَا وَإِنْ لَمْ يُرِدْنَ تَحَصُّنًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 139] أَيْ إِذَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: شَرَطَ إِرَادَةَ التَّحَصُّنِ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ، فَإِذَا لَمْ تُرِدِ التَّحَصُّنَ بَغَتْ طَوْعًا، وَالتَّحَصُّنُ التَّعَفُّفُ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهَا: وَأَنْكَحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ. {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33] أَيْ: لِتَطْلُبُوا مِنْ أَمْوَالِ الدُّنْيَا يُرِيدُ مِنْ كَسْبِهِنَّ وَبَيْعِ أَوْلَادِهِنَّ، {وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] يَعْنِي لِلْمُكْرَهَاتِ، وَالْوِزْرُ عَلَى الْمُكْرِهِ. [34] قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} [النور: 34] مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، {وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [النور: 34] أَيْ شَبَهًا مِنْ حَالِكُمْ بِحَالِهِمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ، وَهَذَا تَخْوِيفٌ لَهُمْ أَنْ يَلْحَقَهُمْ مَا لَحِقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ، {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور: 34] لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ. [35] قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَهُمْ بِنُورِهِ إِلَى الْحَقِّ يَهْتَدُونَ وَبِهُدَاهُ مِنَ الضَّلَالَةِ يَنْجُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُقَالُ: نَوَّرَ السَّمَاءَ بِالْمَلَائِكَةِ وَنَوَّرَ الْأَرْضَ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُدَبِّرُ الْأُمُورِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: مُزَيِّنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، زَيَّنَ السَّمَاءَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَزَيَّنَ الْأَرْضَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ. ويقال: بالنبات والأشجار. قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} [النور: 35] أَيْ مَثَلَ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ كَمَا قَالَ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَثَلُ نُورِهِ الَّذِي أَعْطَى الْمُؤْمِنَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْكِنَايَةُ عَائِدَةٌ إِلَى الْمُؤْمِنِ، أَيْ: مَثَلُ نُورِ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَكَانَ أُبَيٌّ يَقْرَأُ: (مَثَلُ نُورِ مَنْ آمَنَ بِهِ) وَهُوَ عَبْدٌ جُعِلَ الْإِيمَانُ وَالْقُرْآنُ فِي صَدْرِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَرَادَ بِالنُّورِ الْقُرْآنَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالنُّورِ الطَّاعَةَ، سَمَّى طَاعَةَ اللَّهِ نُورًا وَأَضَافَ هَذِهِ الْأَنْوَارَ إِلَى نَفْسِهِ تَفْضِيلًا، {كَمِشْكَاةٍ} [النور: 35] وَهِيَ الْكُوَّةُ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا فَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْفَذٌ فَهِيَ كُوَّةٌ. وَقِيلَ: الْمِشْكَاةُ حَبَشِيَّةٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْقِنْدِيلُ {فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35] أَيْ: سِرَاجٌ، أَصْلُهُ مِنَ الضَّوْءِ، وَمِنْهُ الصُّبْحُ، وَمَعْنَاهُ: كَمِصْبَاحٍ فِي مشكاة، {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [النور: 35] يَعْنِي الْقِنْدِيلَ، قَالَ الزَّجَّاجُ. إِنَّمَا ذَكَرَ الزُّجَاجَةَ لِأَنَّ النُّورَ وَضَوْءَ النَّارِ فِيهَا أَبْيَنُ مِنْ كُلِّ شيء، وضوء يَزِيدُ فِي الزُّجَاجِ، ثُمَّ وَصَفَ الزُّجَاجَةَ، فَقَالَ: {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [النور: 35] قرأ أبو عمر والكسائي (درئ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَالْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الدَّالِ وَالْهَمْزَةِ، فَمَنْ كَسَرَ

الدَّالَ فَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ وَهُوَ الدَّفْعُ لِأَنَّ الْكَوْكَبَ يَدْفَعُ الشَّيَاطِينَ مِنَ السَّمَاءِ وَشَبَّهَهُ بِحَالَةِ الدَّفْعِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَضْوَأَ وَأَنْوَرَ، وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ دَرَأَ الْكَوْكَبَ إِذَا انْدَفَعَ منقبضا فيتضاعف ضوؤه فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَقِيلَ: دُرِّيٍّ مكرر أَيْ طَالِعٍ، يُقَالُ: دَرَأَ النَّجْمُ إِذَا طَلَعَ وَارْتَفَعَ. وَيُقَالُ: دَرَأَ عَلَيْنَا فُلَانٌ أَيْ طَلَعَ وَظَهَرَ، فَأَمَّا رَفْعُ الدَّالِ مَعَ الْهَمْزَةِ كَمَا قَرَأَ حَمْزَةُ قَالَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ: هُوَ لَحْنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فُعِّيلٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَأَنَا أَرَى لَهَا وَجْهًا وَذَلِكَ أَنَّهَا دُرُّوءٌ عَلَى وَزْنِ فعول، مِثْلُ سُبُّوحٍ وَقُدُّوسٍ، وَقَدِ اسْتَثْقَلُوا كَثْرَةَ الضَّمَّاتِ فَرَدُّوا بَعْضَهَا إِلَى الْكَسْرِ، كَمَا قَالُوا: عِتِيًّا وَهُوَ فُعُولٌ مِنْ عَتَوْتُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (دُرِّيُّ) بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِلَا هَمْزٍ، أَيْ: شَدِيدُ الْإِنَارَةِ نسبت إِلَى الدُّرِ فِي صَفَائِهِ وَحُسْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْكَوْكَبُ أَكْثَرَ ضَوْءًا من الدر لكنه يفضل الكوكب بِضِيَائِهِ، كَمَا يَفْضُلُ الدُّرُّ سَائِرَ الْحَبِّ. وَقِيلَ: الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ وَاحِدٌ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْخَمْسَةِ الْعِظَامِ، وَهِيَ زُحَلُ وَالْمِرِّيخُ وَالْمُشْتَرِي وَالزُّهَرَةُ وَعُطَارِدُ. وَقِيلَ: شَبَّهَهُ بِالْكَوْكَبِ، وَلَمْ يُشَبِّهْهُ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَلْحَقُهُمَا الْخُسُوفُ وَالْكَوَاكِبَ لَا يَلْحَقُهَا الخسوف. {يُوقَدُ} [النور: 35] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ (تَوَقَّدَ) بِالتَّاءِ وفتحها وفتح الواو والدال أو تشديد الْقَافِ عَلَى الْمَاضِي يَعْنِي الْمِصْبَاحَ، أَيْ: اتَّقَدَ يُقَالُ تَوَقَّدَتِ النَّارُ إذا اتَّقَدَتْ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ تُوقَدُ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْقَافِ خَفِيفًا، يَعْنِي الزُّجَاجَةَ أَيْ: نَارَ الزُّجَاجَةِ لِأَنَّ الزُّجَاجَةَ لَا تُوقَدُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا خَفِيفًا يَعْنِي الْمِصْبَاحَ، {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} [النور: 35] أَيْ مِنْ زَيْتِ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} [النور: 35] وَأَرَادَ بِالشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ الزَّيْتُونَةَ وَهِيَ كَثِيرَةُ الْبَرَكَةِ، وَفِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ لأن الزيت يسرج به هو أَضْوَأُ وَأَصْفَى الْأَدْهَانِ، وَهُوَ إِدَامٌ وَفَاكِهَةٌ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي اسْتِخْرَاجِهِ إِلَى إِعْصَارٍ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يستخرجه، قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} [النور: 35] أَيْ: لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً وَحْدَهَا حَتَّى لَا تُصِيبَهَا الشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ وَلَا غَرْبِيَّةً وَحْدَهَا فَلَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ بِالْغَدَاةِ إِذَا طَلَعَتْ، بَلْ هِيَ ضَاحِيَةُ الشَّمْسِ طُولَ النَّهَارِ تُصِيبُهَا الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا فَتَكُونُ شَرْقِيَّةً وَغَرْبِيَّةً تَأْخُذُ حَظَّهَا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَيَكُونُ زَيْتُهَا أَضْوَأَ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَيْسَ بِأَسْوَدَ وَلَا بِأَبْيَضَ يُرِيدُ لَيْسَ بِأَسْوَدَ خَالِصٍ وَلَا بِأَبْيَضَ خَالِصٍ، بَلِ اجْتَمَعَ فِيهِ كُلُّ واحد منهما. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَقْنَاةٍ لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ وَلَا فِي مَضْحَاةٍ لَا يُصِيبُهَا الظِّلُّ، فَهِيَ لَا تَضُرُّهَا شَمْسٌ وَلَا ظِلٌّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ لَيْسَتْ فِي شَرْقٍ يَضُرُّهَا الْحَرُّ، وَلَا فِي غَرْبٍ يَضُرُّهَا الْبَرْدُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هِيَ شَامِيَّةٌ لِأَنَّ الشَّامَ لَا شَرْقِيٌّ وَلَا غَرْبِيٌّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ أَشْجَارِ الدُّنْيَا وَلَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا لَكَانَتْ شَرْقِيَّةً أَوْ غَرْبِيَّةً وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ. {يَكَادُ زَيْتُهَا} [النور: 35] دهنها، {يُضِيءُ} [النور: 35] مِنْ صَفَائِهُ، {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35] أَيْ: قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُ النَّارُ، {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] يَعْنِي نُورُ الْمِصْبَاحِ عَلَى نُورِ الزُّجَاجَةِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا التَّمْثِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَعَ هَذَا التَّمْثِيلُ لِنُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) فَقَالَ كَعْبٌ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْمِشْكَاةُ صَدْرُهُ وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُهُ وَالْمِصْبَاحُ فِيهِ النُّبُوَّةُ تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ هِيَ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، يَكَادُ نُورُ مُحَمَّدٍ وَأَمْرُهُ يَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ وَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ كَمَا يَكَادُ ذَلِكَ الزَّيْتُ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نار وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَعَ هَذَا التَّمْثِيلُ لِنُورِ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: هَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ، فَالْمِشْكَاةُ نَفْسُهُ وَالزُّجَاجَةُ صَدْرُهُ، وَالْمِصْبَاحُ مَا

قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر

جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْقُرْآنِ فِي قَلْبِهِ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ وَهِيَ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي الْتَفَّ بِهَا الشَّجَرُ خَضْرَاءُ نَاعِمَةٌ لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ لَا إِذَا طَلَعَتْ وَلَا إِذَا غَرَبَتْ فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ، قَدِ احْتَرَسَ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفِتَنِ فَهُوَ بَيْنُ أَرْبَعِ خِلَالٍ: إِنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِنِ ابْتُلِيَ صَبْرَ، وَإِنْ حَكَمَ عَدَلَ، وَإِنْ قَالَ صَدَقَ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ أَيْ يَكَادُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ يَعْرِفُ الْحَقَّ قَبْلَ أن يتبين له بموافقته إياه نور على نور. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مَثَلُ الْقُرْآنِ، فَالْمِصْبَاحُ هُوَ الْقُرْآنُ فَكَمَا يُسْتَضَاءُ بِالْمِصْبَاحِ يُهْتَدَى بِالْقُرْآنِ، وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَالْمِشْكَاةُ فَمُهُ وَلِسَانُهُ وَالشَّجَرَةُ الْمُبَارَكَةُ شَجَرَةُ الْوَحْيِ، (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) تَكَادُ حُجَّةُ الْقُرْآنِ تَتَّضِحُ وَإِنْ لَمْ يُقْرَأْ، نُورٌ عَلَى نُورٍ يَعْنِي الْقُرْآنُ نور من الله لِخَلْقِهِ مَعَ مَا أَقَامَ لَهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ قَبِلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، فَازْدَادَ بِذَلِكَ نُورًا عَلَى نور قوله تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 35] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ نُورُ الْبَصِيرَةِ وَقِيلَ: الْقُرْآنُ {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [النور: 35] يُبَيِّنُ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ لِلنَّاسِ تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ وَتَسْهِيلًا لِسُبُلِ الْإِدْرَاكِ، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35] [36] قَوْلُهُ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ} [النور: 36] أَيْ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ فِي بُيُوتٍ. وَقِيلَ: يُوقَدُ فِي بُيُوتٍ، وَالْبُيُوتُ: هِيَ الْمَسَاجِدُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: الْمَسَاجِدُ بيوت الله في الْأَرْضِ، وَرَوَى صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ) ، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ مَسَاجِدَ لَمْ يَبْنِهَا إِلَّا نَبِيٌّ: الْكَعْبَةُ بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ فَجَعَلَاهَا قِبْلَةً، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ بَنَاهُ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ بَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدُ قُبَاءٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى بَنَاهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. قوله: {أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ تُبْنَى نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [الْبَقَرَةِ: 127] قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ تُعَظَّمَ أَيْ لَا يُذْكَرَ فِيهِ الْخَنَا مِنَ الْقَوْلِ. {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ، (يُسَبِّحُ) ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ (يُسَبَّحُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَالْوَقْفُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (وَالْآصَالِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْبَاءِ جَعَلُوا التَّسْبِيحَ فعلا للرجال، {يُسَبِّحُ لَهُ} [النور: 36] أي: يصلي، {فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36] أَيْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَرَادَ بِهِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ. فَالَّتِي تُؤَدَّى بِالْغَدَاةِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالَّتِي تُؤَدَّى بِالْآصَالِ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّ اسْمَ الْأَصِيلِ يَجْمَعُهُمَا. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الصبح والعصر. [قوله تعالى رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ] اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. . . [37] قوله: {رِجَالٌ} [النور: 37] قِيلَ: خَصَّ الرِّجَالَ

بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، {لَا تُلْهِيهِمْ} [النور: 37] لا تشغلهم، {تِجَارَةٌ} [النور: 37] قِيلَ: خَصَّ التِّجَارَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالطَّاعَاتِ، وَأَرَادَ بِالتِّجَارَةِ الشِّرَاءَ وَإِنْ كَانَ اسْمُ التِّجَارَةِ يَقَعُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْعَ بَعْدَ هَذَا، كَقَوْلِهِ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الْجُمُعَةِ: 11] يَعْنِي الشِّرَاءَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ - التِّجَارَةُ لِأَهْلِ الْجَلْبِ وَالْبَيْعِ مَا بَاعَهُ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ. قَوْلُهُ: {وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النُّورِ: 37] عَنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، {وَإِقَامِ} [النور: 37] أي: لإقامة، {الصَّلَاةِ} [النور: 37] حَذَفَ الْهَاءَ وَأَرَادَ أَدَاءَهَا فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا لَا يَكُونُ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَأَعَادَ ذِكْرَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ حِفْظَ الْمَوَاقِيتِ. رَوَى سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ النَّاسُ وَأَغْلَقُوا حَوَانِيتَهُمْ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِيهِمْ نَزَلَتْ: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ) {وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور: 37] الْمَفْرُوضَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَضَرَ وَقْتُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَمْ يَحْبِسُوهَا. وَقِيلَ: هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37] قِيلَ: تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ والكفر، وتنفتح أبصار مِنَ الْأَغْطِيَةِ. وَقِيلَ: تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ تَخْشَى الْهَلَاكَ وَتَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ، وَتَقَلُّبُ الْأَبْصَارِ مِنْ هَوْلِهِ أَيْ: نَاحِيَةَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ أَمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَمِنْ أَيْنَ يُؤْتُونَ الْكُتُبَ أم مِنْ قِبَلِ الْأَيْمَانِ أَمْ مِنْ قِبَلِ الشَّمَائِلِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وقيل: فتقلب الْقُلُوبُ فِي الْجَوْفِ فَتَرْتَفِعُ إِلَى الحنجرة فلا تزل وَلَا تَخْرُجُ، وَتَقَلُّبُ الْبَصَرِ شُخُوصُهُ مِنْ هَوْلِ الْأَمْرِ وَشِدَّتِهِ. [38] {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [النور: 38] يُرِيدُ أَنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسُنَ مَا عَمِلُوا، أَيْ بِأَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، يُرِيدُ يَجْزِيهِمْ بحسناتهم، وما كان من مساوي أَعْمَالِهِمْ لَا يَجْزِيهِمْ بِهَا، {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 38] مَا لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأَعْمَالِهِمْ، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 38] ثُمَّ ضَرَبَ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ مَثَلًا. [39] فَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} [النور: 39] السَّرَابُ الشُّعَاعُ الَّذِي يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الْبَرَارِيِّ، يُشْبِهُ الْمَاءَ الْجَارِيَ عَلَى الْأَرْضِ يَظُنُّهُ مَنْ رَآهُ مَاءً، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ انْفَشَّ فَلَمْ ير شيئا، والقيعة: جَمْعُ الْقَاعِ وَهُوَ الْمُنْبَسِطُ الْوَاسِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ، {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ} [النور: 39] أَيْ يَتَوَهَّمُهُ الْعَطْشَانُ، {مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ} [النور: 39] أَيْ: جَاءَ مَا قَدْ رَأَى أَنَّهُ مَاءٌ. وَقِيلَ: جَاءَ مَوْضِعَ السراب، {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَحَسِبَهُ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَبُ أَنَّ عَمَلَهُ نَافِعُهُ فَإِذَا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَاحْتَاجَ إِلَى عَمَلِهِ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أَغْنَى مِنْهُ شَيْئًا وَلَا نَفَعَهُ. {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} [النور: 39] أَيْ عِنْدَ عَمَلِهِ، أَيْ وَجَدَ اللَّهَ بِالْمِرْصَادِ. وَقِيلَ: قَدِمَ عَلَى الله، {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: 39] أَيْ جَزَاءَ عَمَلِهِ، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] [40] {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} [النور: 40] وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ، يَقُولُ مَثَلُ أَعْمَالِهِمْ مِنْ فَسَادِهَا وَجَهَالَتِهِمْ فِيهَا كَظُلُمَاتٍ، {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} [النور: 40] وَهُوَ الْعَمِيقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ، وَلُجَّةُ البحر: معظمه، {يَغْشَاهُ} [النور: 40] يَعْلُوهُ، {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} [النور: 40] متراكم، {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} [النور: 40] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْقَوَّاسِ (سَحَابٌ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، ظُلُمَاتٌ، بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ) . وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْبُرِّيُّ عَنْهُ: (سَحَابُ ظُلُمَاتٍ) بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ) كِلَاهُمَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، فَيَكُونُ تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ (سَحَابٌ) ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: (ظلمات) ، {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور: 40]

ظُلْمَةُ السَّحَابِ وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، أَيْ: ظُلْمَةُ الْمَوْجِ عَلَى ظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ الْمَوْجِ فَوْقَ الْمَوْجِ، وَظُلْمَةُ السَّحَابِ عَلَى ظُلْمَةِ الْمَوْجِ، وَأَرَادَ بِالظُّلُمَاتِ أَعْمَالَ الْكَافِرِ وَبِالْبَحْرِ اللُّجِّيِّ قَلْبَهُ، وَبِالْمَوْجِ مَا يَغْشَى قَلْبَهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ، وَبِالسَّحَابِ الختم والطبع على قلبه. {إِذَا أَخْرَجَ} [النور: 40] يَعْنِي النَّاظِرَ، {يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] يَعْنِي لَمْ يَقْرُبْ مِنْ أَنْ يَرَاهَا مِنْ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ. وَقَالَ الفراء: {يَكَدْ} [النور: 40] صِلَةٌ أَيْ لَمْ يَرَهَا، قَالَ المبرد. بعني لَمْ يَرَهَا إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: مَا كِدْتُ أَرَاكَ مِنَ الظُّلْمَةِ وَقَدْ رَآهُ، وَلَكِنْ بَعْدَ يَأْسٍ وَشِدَّةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ رُؤْيَتِهَا وَلَمْ يَرَهَا, كَمَا يُقَالُ: كَادَ النَّعَامُ يَطِيرُ. {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ دِينًا وَإِيمَانًا فَلَا دِينَ لَهُ. وَقِيلَ: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا إِيمَانَ لَهُ وَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ يَلْتَمِسُ الدِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَلْبَسُ الْمُسُوحَ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَفْرَ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ في جميع الكفار. [41] قوله تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} [النور: 41] بَاسِطَاتٍ أَجْنِحَتَهُنَّ بِالْهَوَاءِ. قِيلَ: خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَتَكُونُ خَارِجَةً عَنْ حُكْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] قَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّلَاةُ لِبَنِي آدَمَ، وَالتَّسْبِيحُ لِسَائِرِ الْخَلْقِ. وَقِيلَ: إِنَّ ضَرْبَ الْأَجْنِحَةِ صَلَاةُ الطَّيْرِ وَصَوْتَهُ تَسْبِيحُهُ. قَوْلُهُ: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ) أَيْ: كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٍ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلُّ مُصَلٍّ وَمُسَبِّحٍ مِنْهُمْ قَدْ عَلِمَ صَلَاةَ نَفْسِهِ وَتَسْبِيحَهُ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] [42] {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [النور: 42] [43] {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي} [النور: 43] يعني يسوق بأمره، {سَحَابًا} [النور: 43] إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ، {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور: 43] يعني يَجْمَعُ بَيْنَ قِطَعِ السَّحَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور: 43] مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، {فَتَرَى الْوَدْقَ} [النور: 43] يَعْنِي الْمَطَرَ، {يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: 43] وَسَطِهِ وَهُوَ جَمْعُ الْخَلَلِ، كَالْجِبَالِ جَمْعِ الْجَبَلِ. {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور: 43] يَعْنِي: يُنَزِّلُ الْبَرَدَ، وَ (مِنْ) صِلَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ أَيْ مِقْدَارَ جِبَالٍ فِي الْكَثْرَةِ مِنَ الْبَرَدِ، (مِنْ) فِي قَوْلِهِ (مِنْ جِبَالٍ) صِلَةٌ أَيْ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ جِبَالًا مِنْ بَرَدٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُنَزِّلُ مِنْ جِبَالٍ فِي السَّمَاءِ تِلْكَ الْجِبَالُ مِنْ بَرَدٍ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِي السَّمَاءِ جِبَالًا مِنْ بَرَدٍ، وَمَفْعُولُ الْإِنْزَالِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا

قوله تعالى يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك

بَرَدٌ، فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ. قَالَ أَهْلُ النَّحْوِ. ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى (مِنْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَوْلُهُ: (مِنَ السَّمَاءِ) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ جِبَالٍ) لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ مَا يُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضُ تِلْكَ الْجِبَالِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَرَدٍ) لِلتَّجْنِيسِ لِأَنَّ تِلْكَ الْجِبَالَ مَنْ جِنْسِ البرد. {فَيُصِيبُ بِهِ} [النور: 43] يعني بالبرد {مَنْ يَشَاءُ} [النور: 43] فَيُهْلِكُ زُرُوعَهُ وَأَمْوَالَهُ {وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 43] فَلَا يَضُرُّهُ، {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} [النور: 43] يَعْنِي ضَوْءَ بَرْقِ السَّحَابِ، {يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43] من شدة ضوئه وبريقه. [قوله تعالى يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ] لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ. . . [44] {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [النور: 44] يُصَرِّفُهُمَا فِي اخْتِلَافِهِمَا وَتَعَاقُبِهِمَا يَأْتِي بالليل ويذهب بالنهار ويذهب بالليل, ويذهب بالنهار ويذهب بالليل، {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [النور: 44] يَعْنِي فِي ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، {لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] يَعْنِي دَلَالَةً لِأَهْلِ الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ. [45] قوله تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} [النور: 45] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (خَالِقُ كُلِّ) بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (خَلَقَ كُلَّ) على الفعل، {مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] يَعْنِي مِنْ نُطْفَةٍ وَأَرَادَ بِهِ كُلَّ حَيَوَانٍ يُشَاهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ وَلَا الْجِنُّ، لِأَنَّا لَا نُشَاهِدُهُمْ. وَقِيلَ: أَصْلُ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَاءً ثُمَّ جَعَلَ بَعْضَهُ رِيحًا فَخَلَقَ مِنْهَا الْمَلَائِكَةَ، وَبَعْضَهُ نَارًا فَخَلَقَ مِنْهَا الْجِنَّ، وَبَعْضَهَا طِينًا فَخَلَقَ مِنْهَا آدَمَ، {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النور: 45] كَالْحَيَّاتِ وَالْحِيتَانِ وَالدِّيدَانِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} [النور: 45] مِثْلُ بَنِي آدَمَ وَالطَّيْرِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور: 45] كَالْبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ مِثْلَ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا فِي الصُّورَةِ كَالَّتِي يَمْشِي عَلَى الْأَرْبَعِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (مَنْ يَمْشِي) ، وَ (مَنْ) إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يَعْقِلُ دُونَ مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنَ الْحَيَّاتِ وَالْبَهَائِمِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ كُلَّ دَابَّةٍ، فَدَخْلَ فِيهِ النَّاسُ وَغَيْرُهُمْ، وَإِذَا جَمَعَ اللَّفْظُ مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ تُجْعَلُ الْغَلَبَةُ لِمَنْ يَعْقِلُ. {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45] [46] {لَقَدْ أَنْزَلْنَا} [النور: 46] إِلَيْكَ، {آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور: 46] [47] {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} [النور: 47] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهُ، {ثُمَّ يَتَوَلَّى} [النور: 47] يُعْرِضُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، {فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور: 47] أَيْ مِنْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ آمَنَّا، وَيَدْعُو إِلَى غَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ. قال الله تعالى: {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بِشْرٍ الْمُنَافِقِ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.

قوله تعالى قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن

[48] {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [النور: 48] الرسول يحكم بِحُكْمِ اللَّهِ، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48] يعني عَنِ الْحُكْمِ. وَقِيلَ: عَنِ الْإِجَابَةِ. [49] {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 49] مطيعين منقادين لحكمه، يعني إِذَا كَانَ الْحَقُّ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ أَسْرَعُوا إِلَى حُكْمِهِ لِثِقَتِهِمْ بِأَنَّهُ كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ يَحْكُمُ لَهُمْ أَيْضًا بِالْحَقِّ. [50] {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا} [النور: 50] يعني شَكُّوا، هَذَا اسْتِفْهَامُ ذَمٍّ وَتَوْبِيخٍ، يعني هُمْ كَذَلِكَ، {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} [النور: 50] يعني بِظُلْمٍ، {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور: 50] لِأَنْفُسِهِمْ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ. [51] {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور: 51] إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [النور: 48] هَذَا لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْخَبَرِ لَكِنَّهُ تَعْلِيمُ أَدَبِ الشَّرْعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا، وَنَصْبُ الْقَوْلِ عَلَى الْخَبَرِ وَاسْمُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51] يعني سَمِعْنَا الدُّعَاءَ وَأَطَعْنَا بِالْإِجَابَةِ. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] [52] {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ} [النور: 52] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: فيما ساءه وسره ويخشى اللَّهَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنَ الذنوب. {وَيَتَّقْهِ} [النور: 52] فيما بعد, {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] النَّاجُونَ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ (يَتَّقِهْ) سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وَيَخْتَلِسُهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَقَالُونُ، كَمَا فِي نَظَائِرِهَا وَيُشْبِعُهَا الْبَاقُونَ كَسْرًا، وَقَرَأَ حَفْصٌ (يَتَّقْهِ) بِسُكُونِ الْقَافِ وَاخْتِلَاسِ الْهَاءِ، وَهَذِهِ اللُّغَةُ إِذَا سميت الْيَاءُ لِلْجَزْمِ يُسَكِّنُونَ مَا قَبْلَهَا يَقُولُونَ لَمْ أَشْتَرْ طَعَامًا بِسُكُونِ الراء. [53] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [النور: 53] جَهْدُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ وَلَا حَلِفَ فَوْقَ الْحَلِفِ بِاللَّهِ، {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور: 53] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَمَا كُنْتَ نَكُنْ مَعَكَ، لَئِنْ خَرَجْتَ خَرَجْنَا وَإِنْ أَقَمْتَ أَقَمْنَا وَإِنْ أَمَرْتَنَا بِالْجِهَادِ جَاهَدْنَا، فقال تعالى: {قُلْ} [النور: 53] لهم, {لَا تُقْسِمُوا} [النور: 53] لَا تَحْلِفُوا، وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ، ثم قال: {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور: 53] يعني هَذِهِ طَاعَةٌ بِالْقَوْلِ وَبِاللِّسَانِ دُونَ الاعتقاد، وهي معروفة يعني أمر عرف أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ وَتَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ أَفْضَلُ وَأَمْثَلُ مِنْ يَمِينٍ بِاللِّسَانِ لَا يُوَافِقُهَا الْفِعْلُ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سليمان: لكن مِنْكُمْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ. {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور: 53] [قَوْلُهُ تَعَالَى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ] تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ. . . [54] {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} [النور: 54] يعني تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} [النور: 54] يَعْنِي عَلَى الرَّسُولِ مَا كُلِّفَ وَأُمِرَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور: 54] مِنَ الْإِجَابَةِ وَالطَّاعَةِ، {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] أي التبليغ البين. [55] قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْوَحْيِ عَشْرَ سِنِينَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَأُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْكَفَّارِ، وَكَانُوا يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ خَائِفِينَ ثُمَّ أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأُمِرُوا بِالْقِتَالِ وَهُمْ عَلَى خَوْفِهِمْ لَا يُفَارِقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِلَاحَهُ فَقَالَ رَجُلٌ منهم: أما يأتي علينا يوم نؤمن فِيهِ وَنَضَعُ السِّلَاحَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) أَدْخَلَ اللَّامَ لِجَوَابِ الْيَمِينِ الْمُضْمَرَةِ، يَعْنِي وَاللَّهِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ أَيْ لَيُوَرِّثَنَّهُمْ أَرْضَ الْكُفَّارِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَيَجْعَلُهُمْ مُلُوكَهَا وَسَاسَتَهَا وَسُكَّانَهَا، {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55] قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (كَمَا اسْتُخْلِفَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ) قَالَ قَتَادَةُ: (كَمَا اسْتَخْلَفَ) دَاوُدَ

وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقِيلَ: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَيْثُ أَهْلَكَ الْجَبَابِرَةَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] أَيْ اخْتَارَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُوَسِّعُ لَهُمْ فِي الْبِلَادِ حَتَّى يُمَلَّكُوهَا وَيُظْهِرَ دِينَهُمْ عَلَى سَائِرِ الأديان، {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} [النور: 55] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِبْدَالِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّبْدِيلِ، وَهُمَا لغتان، وقال بعضهم: التبديل تغير حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالْإِبْدَالُ رَفْعُ الشَّيْءِ وَجَعْلُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، {مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي} [النور: 55] آمِنِينَ، {لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَأَظْهَرَ دِينَهُ وَنَصَرَ أَوْلِيَاءَهُ وَأَبْدَلَهُمْ بَعْدَ الْخَوْفِ أمنا وبسطا في الأرض. {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} [النور: 55] أَرَادَ بِهِ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ، وَلَمْ يُرِدِ الْكُفْرَ بِاللَّهِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] الْعَاصُونَ لِلَّهِ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَجَحَدَ حَقَّهَا الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ غَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفَ حَتَّى صَارُوا يَقْتَتِلُونَ بعد أن كانوا إخوانا. 56, [57] قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] أَيْ افْعَلُوهَا عَلَى رَجَاءِ الرَّحْمَةِ. {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النور: 57] قَرَأَ عَامِرٌ وَحَمْزَةُ (لَا يَحْسَبَنَّ) بِالْيَاءِ أَيْ لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْفُسَهُمْ، {مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ} [النور: 57] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ يَقُولُ: لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينِ فَائِتِينَ عَنَّا، {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور: 57] [58] قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ} [النور: 58] اللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] يَعْنِي الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ، {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: 58] مِنَ الْأَحْرَارِ، لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُمُ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، بَلِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَمْرَ النِّسَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يَبْلُغُوا. {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58] أَيْ لِيَسْتَأْذِنُوا فِي ثَلَاثِ أَوْقَاتٍ، {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور: 58] يُرِيدُ الْمَقِيلَ، {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} [النور: 58] وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا سَاعَاتُ الْخَلْوَةِ وَوَضْعِ الثِّيَابِ فَرُبَّمَا يَبْدُو مِنَ الْإِنْسَانِ مَا لَا يُحِبُّ أَنَّ يَرَاهُ أَحَدٌ، أَمَرَ الْعَبِيدَ وَالصِّبْيَانَ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلْيَسْتَأْذِنُوا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58] قرأ حمزة والكسائي (ثلاث) بنصب التاء بدلا من قَوْلِهِ: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، سُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ عَوْرَاتٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَضَعُ فِيهَا ثِيَابَهُ فَتَبْدُو عَوْرَتَهُ، {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] جناح {وَلَا عَلَيْهِمْ} [النور: 58] عَلَى الْعَبِيدِ وَالْخَدَمِ وَالصِّبْيَانِ، {جُنَاحٌ} [النور: 58] فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ مِنْ غَيْرِ استئذان، {بَعْدَهُنَّ} [النور: 58] أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ

قوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا

الثلاثة، {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] أَيْ: الْعَبِيدُ وَالْخَدَمُ يَطُوفُونَ عَلَيْكُمْ فَيَتَرَدَّدُونَ وَيَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ فِي أَشْغَالِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النور: 58] أَيْ يَطُوفُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 58] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَنْسُوخٌ. قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتُورٌ وَلَا حِجَابٌ، فَكَانَ الْخَدَمُ وَالْوَلَائِدُ يَدْخُلُونَ فَرُبَّمَا يَرَوْنَ مِنْهُمْ مَا لَا يُحِبُّونَ، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِئْذَانِ، وَقَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَاتَّخَذَ النَّاسُ السُّتُورَ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَغْنَى عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، رَوَى سُفْيَانُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أَمَنْسُوخَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ لَا يَعْمَلُونَ بِهَا، قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (¬1) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: نُسِخَتْ وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ به الناس. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا] كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. . . [59] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} [النور: 59] أَيْ: الِاحْتِلَامَ يُرِيدُ الْأَحْرَارَ الَّذِينَ بلغوا، {فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] أَيْ يَسْتَأْذِنُونَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ، {كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] مِنَ الْأَحْرَارِ وَالْكِبَارِ. وَقِيلَ: يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} [النور: 59] دَلَالَاتِهِ. وَقِيلَ: أَحْكَامُهُ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [النور: 59] بأمور خلقه، {حَكِيمٌ} [النور: 59] بِمَا دَبَّرَ لَهُمْ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى أُمِّهِ فَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ. وَسُئِلَ حُذَيْفَةُ أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى وَالِدَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ رَأَى مِنْهَا ما يكره. [60] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} [النور: 60] يَعْنِي اللَّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الْوَلَدِ وَالْحَيْضِ مِنَ الْكِبَرِ لَا يَلِدْنَ وَلَا يَحِضْنَ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدٌ بِلَا هَاءٍ. وَقِيلَ: قَعَدْنَ عَنِ الْأَزْوَاجِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: 60] أَيْ لَا يُرِدْنَ الرِّجَالَ لِكِبَرِهِنَّ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ قَاعِدًا إِذَا كَبُرَتْ لِأَنَّهَا تُكْثِرُ الْقُعُودَ. وَقَالَ رَبِيعَةُ الرَّأْيُ: هُنَّ العجز اللائي إذا رأوهن الرِّجَالُ اسْتَقْذَرُوهُنَّ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ جِمَالٍ وَهِيَ مَحَلُّ الشَّهْوَةِ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور: 60] عِنْدَ الرِّجَالِ، يَعْنِي يَضَعْنَ بَعْضَ ثِيَابِهِنَّ، وَهِيَ الْجِلْبَابُ وَالرِّدَاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيَابِ، وَالْقِنَاعِ الَّذِي فَوْقَ الْخِمَارِ، فَأَمَّا الْخِمَارُ فَلَا يَجُوزُ وَضْعُهُ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه وأبي ابن كَعْبٍ (أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ) ، {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور: 60] أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِدْنَ بِوَضْعِ الْجِلْبَابِ، وَالرِّدَاءُ إِظْهَارُ زِينَتِهِنَّ، وَالتَّبَرُّجُ هُوَ أَنْ تُظْهِرَ الْمَرْأَةُ ¬

(¬1) أخرجه الطبري 18 / 162، 163 ونسبه السيوطى 6 / 319 للفريابي.

قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله

مِنْ مَحَاسِنِهَا مَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتَنَزَّهَ عَنْهُ. {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ} [النور: 60] فَلَا يُلْقِينَ الْجِلْبَابَ وَالرِّدَاءَ، {خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60] [61] قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61] الْآيَةَ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الآية فقيل: (عَلَى) بِمَعْنَى فِي أَيْ لَيْسَ فِي الْأَعْمَى يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مُؤَاكَلَةِ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ. وقال مجاهد: نزلت الآية ترخصا لِهَؤُلَاءِ فِي الْأَكْلِ مِنْ بُيُوتِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمْنَاهُمْ وَيَدْفَعُونَ إِلَيْهِمْ مَفَاتِيحَ أَبْوَابِهِمْ وَيَقُولُونَ: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا فِي بُيُوتِنَا، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: لَا نَدْخُلُهَا وَهُمْ غُيَّبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ رُخْصَةً لَهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً لِهَؤُلَاءِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ. قَالَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) ، وَقَوْلُهُ تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ. وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ. {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النِّسَاءِ: 29] قَالُوا: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} [النور: 61] أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ. قِيلَ: أَرَادَ مِنْ أَمْوَالِ عِيَالِكُمْ وَأَزْوَاجِكُمُ، وَبَيْتُ الْمَرْأَةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَرَادَ مِنْ بُيُوتِ أَوْلَادِكُمْ نسب الْأَوْلَادِ إِلَى الْآبَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (¬1) {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} [النور: 61] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنَيَ بِذَلِكَ وَكِيلَ الرَّجُلِ وَقَيِّمَهُ فِي ضَيْعَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ، لَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِ ضَيْعَتِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَاشِيَتِهِ، وَلَا يَحْمِلُ وَلَا يَدَّخِرُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي فِي بُيُوتِ عَبِيدِكُمْ وَمَمَالِيكِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مَنْزِلَ عَبْدِهِ وَالْمَفَاتِيحُ الْخَزَائِنُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} [الْأَنْعَامِ: 59] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْتَحُ بِهِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ الْمِفْتَاحَ فَهُوَ خَازِنٌ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْعَمَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الرَّجُلُ يُوَلِّي طَعَامَهُ غَيْرَهُ يَقُومُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. وَقَالَ قوم: وما مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ مَا خَزَنْتُمُوهُ عِنْدَكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنْ بُيُوتِ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا أَحْرَزْتُمْ وَمَلَكْتُمْ، {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] الصَّدِيقُ الَّذِي صَدَقَكَ فِي الْمَوَدَّةِ، وَالْمَعْنَى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا} [النور: 61] مِنْ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلْتُمُوهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَزَوَّدُوا وَتَحْمِلُوا. قَوْلُهُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: 61] رخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا مُتَفَرِّقِينَ، {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] أَيْ يُسَلِّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، هذا في دخول الرجل ببيت نَفْسِهِ يُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَنْ في بيته. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَى أَهْلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ مَنْ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَتْ بَيْتًا لَا أَحَدَ فِيهِ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النور: 61] نُصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ تُحَيُّونَ تحية، {مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْبَرَكَةَ وَالطِّيبَةَ هَاهُنَا لِمَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61] [قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ] وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . . [62] {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ} [النور: 62] أَيْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} [النور: 62] يَجْمَعُهُمْ مِنْ حَرْبٍ حَضَرَتْ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ تَشَاوُرٍ فِي أمر نزل، {لَمْ يَذْهَبُوا} [النور: 62] لم يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ لَمْ يَنْصَرِفُوا عَمَّا ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه في التجارات برقم (2291) 2 / 769. قال في الزوائد: وإسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري.

اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، {حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَعَدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ أَوْ عُذْرٍ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَقُومَ بِحِيَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَرَاهُ فَيَعْرِفُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَامَ يَسْتَأْذِنُ، فَيَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَإِذْنُ الْإِمَامِ يَوْمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مَعَ الْإِمَامِ لَا يُخَالِفُونَهُ وَلَا يَرْجِعُونَ عَنْهُ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ فَلِلْإِمَامِ إِنْ شَاءَ أَذِنَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْذَنْ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمَقَامِ، فَإِنْ حَدَثَ سَبَبٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمَقَامِ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَحِيضُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ أَوْ يَجْنُبُ رَجُلٌ أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَرَضٌ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ. {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} [النور: 62] أَيْ أَمَرَهُمْ، {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62] فِي الِانْصِرَافِ، مَعْنَاهُ إِنْ شِئْتَ فَأْذَنْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَأْذَنْ، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] [63] {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَقُولُ احْذَرُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكُمْ إِذَا أَسْخَطْتُمُوهُ فَإِنَّ دُعَاءَهُ مُوجَبٌ لِنُزُولِ الْبَلَاءِ بِكُمْ لَيْسَ كَدُعَاءِ غَيْرِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: لَا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَا مُحَمَّدُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ فَخِّمُوهُ وَشَرِّفُوهُ، فَقُولُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ} [النور: 63] أي: يخرجون {مِنْكُمْ لِوَاذًا} [النور: 63] أَيْ يَسْتُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَرُوغُ فِي خِيفَةٍ، فَيَذْهَبُ، وَاللِّوَاذُ مَصْدَرُ لَاوَذَ يُلَاوِذُ مُلَاوَذَةً، وَلِوَاذًا، قِيلَ: كَانَ هَذَا فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَنْصَرِفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَفِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِوَاذًا أَيْ يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمُ الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتِمَاعُ خُطْبَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا يَلُوذُونَ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي اسْتِتَارٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ) لِلتَّهْدِيدِ بِالْمُجَازَاةِ، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] أَيْ أَمْرَهُ، وَ (عَنْ) صِلَةٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُعْرِضُونَ عَنْ أَمْرِهِ وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور: 63] أَيْ لِئَلَّا تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: بَلَاءٌ فِي الدُّنْيَا، {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَجِيعٌ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: عَذَابٌ أَلِيمٌ عَاجِلٌ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ عَظَّمَ نَفْسَهُ. [64] فَقَالَ: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 64] مَلِكًا وَعَبِيدًا، {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [النور: 64] مِنَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ أَيْ يَعْلَمُ، وَ (قَدْ) صِلَةٌ {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} [النور: 64] يَعْنِي يَوْمَ الْبَعْثِ، {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} [النور: 64] مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 64]

سورة الفرقان

[سورة الفرقان] [قوله تعالى تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ] لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. . . . (25) سورة الفرقان [1] {تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] تَفَاعَلَ، مِنَ الْبَرَكَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ، دليله قوله الْحَسَنِ: مَجِيءُ الْبَرَكَةِ مِنْ قِبَلِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ، {الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} [الْفُرْقَانَ: 1] أَيْ الْقُرْآنَ، {عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] أَيْ: لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. قِيلَ: النَّذِيرُ هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [2] {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الفرقان: 2] مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] فَسَوَّاهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ، وَقِيلَ: قَدَّرَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا مِنَ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ، فَجَرَتِ الْمَقَادِيرُ على ما خلق. [قوله تعالى وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا] وَهُمْ يُخْلَقُونَ. . . [3] قوله عز وجل: {وَاتَّخَذُوا} [الفرقان: 3] يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، {مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الفرقان: 3] يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [الفرقان: 3] أَيْ دَفْعَ ضُرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، {وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً} [الفرقان: 3] أي إماتة ولا إحياء، {وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] أَيْ بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ. [4] {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الفرقان: 4] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الحارث وأصحابه، {إِنْ هَذَا} [الفرقان: 4] مَا هَذَا الْقُرْآنُ، {إِلَّا إِفْكٌ} [الفرقان: 4] كذب، {افْتَرَاهُ} [الفرقان: 4] اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْيَهُودَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ الْخِضْرِ الْحَبَشِيُّ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ: جَبْرٌ وَيَسَارٌ وَعَدَّاسُ بْنُ عُبَيْدٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {فَقَدْ جَاءُوا} [الفرقان: 4] يَعْنِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، {ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] أَيْ بِظُلْمٍ وَزُورٍ. فَلَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ انْتُصِبَ، يَعْنِي جَاؤُوا شِرْكًا وَكَذِبًا بِنِسْبَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ. [5] {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} [الفرقان: 5] يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ، اكْتَتَبَهَا انْتَسَخَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَبْرٍ وَيَسَارٍ وَعَدَّاسٍ، وَمَعْنَى اكْتَتَبَ يَعْنِي طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ، {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} [الفرقان: 5] يَعْنِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا لَا ليكتبها، {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] غُدْوَةً وَعَشِيًّا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ: [6] {قُلْ أَنْزَلَهُ} [الفرقان: 6] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ} [الفرقان: 6] يَعْنِي الْغَيْبَ، {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6] [7] {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ} [الفرقان: 7] يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {يَأْكُلُ الطَّعَامَ} [الفرقان: 7] كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، {وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَمْشِي فَلَا يَجُوزُ

قوله تعالى إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها

أَنْ يَمْتَازَ عَنَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ لَسْتَ أَنْتَ بِمَلَكٍ وَلَا بِمَلِكِ، لِأَنَّكَ تَأْكُلُ وَالْمَلَكِ لَا يَأْكُلُ، وَلَسْتَ بِمَلِكٍ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يَتَسَوَّقُ، وَأَنْتَ تَتَسَوَّقُ وَتَتَبَذَّلُ. وَمَا قَالُوهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ أَكْلَهُ الطَّعَامَ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ لِتَوَاضُعِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ. {لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} [الفرقان: 7] فيصدقه، {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7] دَاعِيًا. [8] {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ} [الفرقان: 8] أَيْ: يُنْزَلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّمَاءِ يُنْفِقُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ، {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} [الفرقان: 8] بستان، {يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان: 8] قَرَأَ حَمْزَةٌ وَالْكِسَائِيُّ (نَأْكُلُ) بِالنُّونِ أَيْ نَأْكُلُ نَحْنُ مِنْهَا، {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان: 8] مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ. [9] {انْظُرْ} [الفرقان: 9] يَا مُحَمَّدُ، {كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} [الفرقان: 9] يعني الأشباه، فقال: مسحور محتاج وغيره، {فَضَلُّوا} [الفرقان: 9] عَنِ الْحَقِّ، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان: 9] إِلَى الْهُدَى وَمَخْرَجًا عَنِ الضَّلَالَةِ. [10] {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان: 10] الَّذِي قَالُوا أَوْ أَفْضَلَ مِنَ الْكَنْزِ وَالْبُسْتَانِ الَّذِي ذَكَرُوا وَرَوَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالتَّمَاسِ الْمَعَاشِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ فَقَالَ: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان: 10] بُيُوتًا مُشَيَّدَةً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بيت مشيد قصرا. [11] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} [الفرقان: 11] بِالْقِيَامَةِ، {وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان: 11] نارا مستعرة. [قوله تَعَالَى إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا] تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا. . . [12] {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [الفرقان: 12] ثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا» . قَالُوا: وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ أَلَمْ تَسْتَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [الفرقان: 12] » وَقِيلَ: إِذَا رَأَتْهُمْ زَبَانِيَتُهَا {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا} [الفرقان: 12] غَلَيَانًا كَالْغَضْبَانِ إِذَا غَلَى صَدْرُهُ من الغضب. {وَزَفِيرًا} [الفرقان: 12] صَوْتًا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْمَعُ التَّغَيُّظَ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ رَأَوْا وَعَلِمُوا أَنَّ لَهَا تَغَيُّظًا وَسَمِعُوا لَهَا زفيرا، وَقِيلَ: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا أَيْ: صوت التغيظ مع التلهب والتوقد. [13] {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا} [الفرقان: 13] قال ابن عباس: يضيق عَلَيْهِمْ كَمَا يَضِيقُ الزُّجُّ فِي الرمح، {مُقَرَّنِينَ} [الفرقان: 13] مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ. وَقِيلَ. مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّيَاطِينِ فِي السَّلَاسِلِ، {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْلًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكًا، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيسُ، فَيَضَعُهَا عَلَى حَاجِبَيْهِ وَيَسْحَبُهَا مِنْ خَلْفِهِ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ، وَهُمْ يُنَادُونَ يَا ثُبُورَهُمْ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَيُنَادُونَ يَا ثُبُورَاهُ وَيُنَادِي يَا ثُبُورَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: [14] {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان: 14] » ، قِيلَ: أَيْ هَلَاكُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا مَرَّةً وَاحِدَةً فَادْعُوا أَدْعِيَةً كَثِيرَةً. [15] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ. {قُلْ أَذَلِكَ} [الفرقان: 15] يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا، {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً} [الفرقان: 15] ثوابا {وَمَصِيرًا} [الفرقان: 15] مَرْجِعًا. [16] {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} [الفرقان: 16] مَطْلُوبًا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رسلك، يَقُولُ: كَانَ أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ خُلْدٍ وَعْدًا وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّلَبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عدن التي وعدتهم. [17] {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} [الفرقان: 17] قرأ ابن كثير وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ (يَحْشُرُهُمْ) بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ،

{وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الفرقان: 17] قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْأَصْنَامَ ثُمَّ يخاطبهم، {فَيَقُولُ} [الفرقان: 17] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17] أخطئوا الطريق. [18] {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [الفرقان: 18] نَزَّهُوا اللَّهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان: 18] يَعْنِي مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَالِيَ أَعْدَاءَكَ بَلْ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ. وَقِيلَ: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ (أَنْ نُتَّخَذَ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ فَتَكُونُ (مِنْ) الثَّانِي صِلَةٌ، {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ} [الفرقان: 18] فِي الدُّنْيَا بِطُولِ الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ والنعمة، {حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} [الفرقان: 18] تَرَكُوا الْمَوْعِظَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تركوا ذكركم وَغَفَلُوا عَنْهُ، {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان: 18] يَعْنِي هَلْكَى غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَهُوَ الْكَسَادُ وَالْفَسَادُ، وَمِنْهُ بَوَارُ السِّلْعَةِ وَهُوَ كَسَادُهَا. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كَالزُّورِ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. [19] {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} [الفرقان: 19] هذا الخطاب مَعَ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ كَذَّبَكُمُ الْمَعْبُودُونَ, {بِمَا تَقُولُونَ} [الفرقان: 19] إنهم آلهة، {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} [الفرقان: 19] قَرَأَ حَفْصٌ بِالتَّاءِ يَعْنِي الْعَابِدِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي: الْآلِهَةُ. {صَرْفًا} [الفرقان: 19] يعني صرف الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، {وَلَا نَصْرًا} [الفرقان: 19] يعني ولا نصر أنفسهم. قيل: وَلَا نَصْرَكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ وَقِيلَ: الصَّرْفُ الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّهُ لِيَصْرِفَ أَيْ يَحْتَالُ، {وَمَنْ يَظْلِمْ} [الفرقان: 19] يُشْرِكْ، {مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: 19] [20] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الفرقان: 20] يَا مُحَمَّدُ، {إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الفرقان: 20] رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا عَيَّرَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي مَا أَنَا إِلَّا رَسُولٌ وَمَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ كَانُوا بَشَرًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، {وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا قِيلَ لَهُمْ مِثْلَ هَذَا أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ للرسل من قبلك، {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان: 20] أَيْ بَلِيَّةً فَالْغَنِيُّ فِتْنَةً لِلْفَقِيرِ، يَقُولُ الْفَقِيرَ: مَا لِي لَمْ أَكُنْ مَثَلَهُ، وَالصَّحِيحُ فِتْنَةً لِلْمَرِيضِ، وَالشَّرِيفُ فِتْنَةً لِلْوَضِيعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ بَلَاءً لِبَعْضٍ لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ منهم، وترون من خلاقهم، وَتَتْبَعُوا الْهُدَى. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي ابْتِلَاءِ

قوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل

الشَّرِيفِ بِالْوَضِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ فَرَأَى الْوَضِيعَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَنِفَ، وَقَالَ: أُسْلِمُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السَّابِقَةَ وَالْفَضْلَ، فَيُقِيمُ عَلَى كُفْرِهِ وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ افتتان بعضهم ببعض {أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: 20] يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنَ الْفَقْرِ وَالشِّدَّةِ وَالْأَذَى، {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] بمن صبر وبمن جزع. [قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ] عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا. . . [21] {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21] أَيْ لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ لُغَةُ تِهَامَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نُوحٍ: 13] أَيْ: لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ} [الفرقان: 21] فَتُخْبِرُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، {أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان: 21] فيخبرنا بذلك، {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا} [الفرقان: 21] أي تعظموا. {فِي أَنْفُسِهِمْ} [الفرقان: 21] بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان: 21] قَالَ مُجَاهِدٌ: عَتَوْا طَغَوْا فِي القول والعتو أَشَدُّ الْكُفْرِ وَأَفْحَشُ الظُّلْمِ. وَعُتُوُّهُمْ طَلَبُهُمْ رُؤْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا به. [22] {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ} [الفرقان: 22] عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ. {لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 22] لِلْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ: لَا بُشْرَى لَكُمْ، هَكَذَا قَالَ عَطِيَّةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُشْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُجْرِمِينَ، أَيْ لَا بِشَارَةَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، كَمَا يُبَشَّرُ الْمُؤْمِنُونَ. {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22] قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: حَرَامًا مُحَرَّمًا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ قُبُورِهِمْ قَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: حَرَامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَكُمُ الْبُشْرَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا قَوْلُ الْكُفَّارِ لِلْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَأَوْا مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا: حِجْرًا مَحْجُورًا، فَهُمْ يَقُولُونَهُ إِذَا عَايَنُوا الْمَلَائِكَةَ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوْذًا مُعَاذًا يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الملائكة. [23] {وَقَدِمْنَا} [الفرقان: 23] وَعَمَدْنَا، {إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الْفُرْقَانِ: 23] أَيْ بَاطِلًا لَا ثَوَابَ لَهُ، فَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَبَاءِ قَالَ عَلَيٌّ: هُوَ مَا يُرَى فِي الْكُوَّةِ إِذَا وَقَعَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فيها كالغبار يَمَسُّ بِالْأَيْدِي، وَلَا يْرَى فِي الظِّلِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ ومجاهد، والمنثور: المفرق، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ مَا تَسَفِّيهِ الرِّيَاحُ وَتَذْرِيهِ مِنَ التُّرَابِ وَحُطَامِ الشَّجَرِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مَا يَسْطَعُ مِنْ حَوَافِرِ الدَّوَابِّ عِنْدَ السَّيْرِ. وَقِيلَ: الْهَبَاءُ الْمَنْثُورُ مَا يرى في الكوة والهباء الْمُنْبَثُّ هُوَ مَا تُطَيِّرُهُ الرِّيَاحُ مِنْ سَنَابِكِ الْخَيْلِ. [24] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان: 24] أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ، {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] مَوْضِعَ قَائِلَةٍ يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَمُرُّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا قَدْرَ النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى وَقْتِ الْقَائِلَةِ حَتَّى يَسْكُنُوا مَسَاكِنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقِيلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ فِي النار، قال الأزهري: القيلولة والمقيل الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] والجنة لا نوم فيها. [25] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان: 25] أَيْ عَنِ الْغَمَامِ الْبَاءُ وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ كَمَا يُقَالُ: رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ وَبِالْقَوْسِ وَتَشَقَّقُ بِمَعْنَى تَتَشَقَّقُ، أدغموا إحدى التاءين في الأخرى، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ (ق) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ الآخرون بالتشديد، أي تنشق بِالْغَمَامِ وَهُوَ غَمَامٌ أَبْيَضٌ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ. {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} [الفرقان: 25] قرأ ابن كثير (وننزل) بِنُونَيْنِ خَفِيفٌ وَرَفْعُ اللَّامِ، (الْمَلَائِكَةَ) نَصْبٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الدُّنْيَا فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ

الثَّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَزِيدُونَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ يَنْزِلُ الْكَرُوبِيُّونَ ثُمَّ حَمَلَةُ الْعَرْشِ. [26] {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 26] أَيْ الْمُلْكُ الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ الْحَقُّ حَقًّا مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مُلْكَ يُقْضَى غَيْرُهُ. {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان: 26] شَدِيدًا فَهَذَا الْخِطَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ عَسِيرًا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ يُهَوِّنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَخَفَّ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْهَا فِي الدُّنْيَا» (¬1) . [27] {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} [الفرقان: 27] أَرَادَ بِالظَّالِمِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي معيط تَحَسُّرًا عَلَى مَا فَعَلَ {يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ} [الفرقان: 27] فِي الدُّنْيَا، {مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّخَذْتُ مَعَهُ سَبِيلًا إلى الهدى. [28] {يا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 28] يَعْنِي أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ. [29] {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ} [الفرقان: 29] عَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ, {بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} [الفرقان: 29] يَعْنِي الذَّكَرَ مَعَ الرَّسُولِ {وَكَانَ الشَّيْطَانُ} [الفرقان: 29] وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَكُلُّ مَنْ صَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَيْطَانٌ. {لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 29] أَيْ تَارِكًا يَتْرُكُهُ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ، وَحُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ عَامٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُتَحَابِّينَ اجْتَمَعَا عَلَى مَعْصِيَةِ الله. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ من يخالل» (¬2) . [30] {وَقَالَ الرَّسُولُ} [الفرقان: 30] يَعْنِي: وَيَقُولُ الرَّسُولُ فِي ذَلِكَ اليوم: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] يعني مَتْرُوكًا فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ. وَقِيلَ: جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ الْهَجْرِ وَهُوَ الهذيان, والقول السيئ فَزَعَمُوا أَنَّهُ شِعْرٌ وَسِحْرٌ، وَهُوَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: قَالَ الرَّسُولُ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يشكو قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ يَا رَبِّ: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا فَعَزَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: [31] {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} [الفرقان: 31] يَعْنِي كَمَا جَعَلَنَا لَكَ أَعْدَاءً مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ كَذَلِكَ جَعْلَنَا، {لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 31] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُ: لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قبلك قد لقوا هَذَا مِنْ قَوْمِهِمْ فَاصْبِرْ لِأَمْرِي كَمَا صَبَرُوا فَإِنِّي نَاصِرُكَ وَهَادِيكَ، {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31] [32] {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32] ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في المسند 3 / 75 وقال الهيثمي في المجمع 10 / 337: وإسناده حسن على ضعف في رواية. (¬2) أخرجه أبو داود في الأدب 7 / 186 والترمذي في الزهد 7 / 49 وقال: هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم 4 / 171 والإمام أحمد 2 / 303 والمصنف في شرح السنة 13 / 70.

قوله تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق

كَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى وَالزَّبُورُ عَلَى داود، قال الله سبحانه وتعالى. {كَذَلِكَ} [الفرقان: 32] فعلنا، {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32] يعني أَنْزَلْنَاهُ مُتَفَرِّقًا لِيَقْوَى بِهِ قَلْبُكَ فَتَعِيهِ وَتَحْفَظَهُ فَإِنَّ الْكُتُبَ أُنْزِلَتْ على الأنبياء يكتبون ويقرؤون، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيٍّ أُمِّيٍّ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ، وَلِأَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَمِنْهُ مَا هُوَ جَوَابٌ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ أُمُورٍ فَفَرَّقْنَاهُ لِيَكُونَ أَوْعَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَيْسَرَ عَلَى الْعَامِلِ به. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيَّنَّاهُ بَيَانًا، والترتيل التبيين في ترتل وَتَثَبُّتٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بعض. وقال النخعي والحسن: فَرَّقْنَاهُ تَفْرِيقًا آيَةً بَعْدَ آيَةٍ. [قوله تعالى وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ] وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا. . . [33] {وَلَا يَأْتُونَكَ} [الفرقان: 33] يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، {بِمَثَلٍ} [الفرقان: 33] يَضْرِبُونَهُ فِي إِبْطَالِ أَمْرِكَ {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ} [الفرقان: 33] يَعْنِي بِمَا تَرُدُّ بِهِ مَا جاؤوا بِهِ مِنَ الْمَثَلِ وَتُبْطِلُهُ، فَسُمِّيَ ما يردون مِنَ الشُّبَهِ مَثَلًا، وَسُمِّي مَا يَدْفَعُ بِهِ الشُّبَهَ حَقًّا، {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] يعني بيانا وتفصيلا، والتفسير تَفْعِيلٌ مِنَ الْفَسْرِ وَهُوَ كَشْفُ مَا قَدْ غُطِّيَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما لهؤلاء المشركين فقال: [34] {الَّذِينَ} [الفرقان: 34] أَيْ: هُمُ الَّذِينَ، {يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ} [الفرقان: 34] فَيُسَاقُونَ وَيُجَرُّونَ، {إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} [الفرقان: 34] يعني مَكَانَةً وَمَنْزِلَةً، وَيُقَالُ: مَنْزِلًا وَمَصِيرًا {وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 34] أَخْطَأُ طَرِيقًا. [35] {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان: 35] مُعِيَنًا وَظَهِيرًا. [36] {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الفرقان: 36] يعني القبط، {فَدَمَّرْنَاهُمْ} [الفرقان: 36] فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَكَذَّبُوهُمَا فَدَمَّرْنَاهُمْ، {تَدْمِيرًا} [الفرقان: 36] أَهْلَكْنَاهُمْ إِهْلَاكًا. 37, [38] {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} [الفرقان: 37] أَيْ: الرَّسُولَ، وَمَنْ كَذَبَ رَسُولًا وَاحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} [الفرقان: 37] يَعْنِي لِمَنْ بَعْدَهُمْ عِبْرَةٌ، {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} [الفرقان: 37] في الآخرة {عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان: 37] سِوَى مَا حَلَّ بِهِ مِنْ عاجل العذاب. {وَعَادًا وَثَمُودَ} [الفرقان: 38] يعني وَأَهْلَكْنَا عَادًا وَثَمُودَ، {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} [الفرقان: 38] اخْتَلَفُوا فِيهِمْ، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانُوا أَهْلَ بِئْرٍ قُعُودًا عَلَيْهَا وَأَصْحَابَ مَوَاشِي يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَوَجَّهَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ شُعَيْبًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَمَادَوْا فِي طُغْيَانِهِمْ، وَفِي أَذَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فبينما هم حوالي البئر في منازلهم انهارت بهم البئر فخسف الله بِهِمْ وَبِدِيَارِهِمْ وَرِبَاعِهِمْ، فَهَلَكُوا جَمِيعًا، والرس: الْبِئْرُ وَكُلُّ رَكِيَّةٍ لَمْ تُطْوَ بِالْحِجَارَةِ وَالْآجُرِّ فَهُوَ رَسٌّ. وَقَالَ قتادة والكلبي: الرس بئر بأرض الْيَمَامَةِ قَتَلُوا نَبِيَّهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ بقية ثمود وقوم صَالِحٍ، وَهُمْ

قوله تعالى أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون

أَصْحَابُ الْبِئْرِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الْحَجِّ: 45] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ لَهُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ فَقَتَلُوهُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ كَعْبٌ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: الرَّسُّ بِئْرٌ بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النَّجَّارَ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ يس. وَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، وَالرَّسُّ هُوَ الْأُخْدُودُ الَّذِي حَفَرُوهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ. هُمْ قَوْمٌ رَسُّوا نَبِيَّهُمْ فِي بِئْرٍ. وَقِيلَ: الرَّسُّ الْمَعْدِنُ وَجَمْعُهُ رِسَاسٌ، {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: 38] يعني وَأَهْلَكْنَا قُرُونًا كَثِيرًا بَيْنَ عَادٍ وَأَصْحَابِ الرَّسِّ. [39] {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ} [الفرقان: 39] يعني الْأَشْبَاهُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ نُهْلِكْهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ، {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان: 39] يعني أَهْلَكْنَا إِهْلَاكًا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَسَّرْنَا تَكْسِيرًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَّرْتُهُ وَفَتَّتُّهُ فَقَدْ تَبَّرْتُهُ. [40] {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: 40] يَعْنِي الْحِجَارَةَ وَهِيَ قَرْيَاتُ قَوْمِ لُوطٍ "وَكَانَتْ خَمْسُ قُرًى فَأَهْلَكَ الله أربعا منها وبقيت واحدة، هي أَصْغَرُهَا وَكَانَ أَهْلُهَا لَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} [الفرقان: 40] إذا مَرُّوا بِهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا ويتفكروا لِأَنَّ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِهِمْ عِنْدَ مَمَرِّهِمْ إِلَى الشَّامِ، {بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ} [الفرقان: 40] لا يخافون، {نُشُورًا} [الفرقان: 40] بَعْثًا. [41] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ} [الفرقان: 41] يَعْنِي مَا يَتَّخِذُونَكَ، {إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان: 41] يعني مَهْزُوءًا بِهِ، نَزَلَتْ فِي أَبِي جهل كان إذا مَرَّ بِأَصْحَابِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُسْتَهْزِئًا: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41] [42] {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا} [الفرقان: 42] يعني قَدْ قَارَبَ أَنْ يُضِلَّنَا, {عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} [الفرقان: 42] يعني لَوْ لَمْ نَصْبِرْ عَلَيْهَا لَصُرِفْنَا عَنْهَا، {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 42] مَنْ أَخْطَأُ طَرِيقًا. [43] {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43] وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ يَعْبُدُ الْحَجَرَ فَإِذَا رَأَى حَجَرًا أَحْسَنَ مِنْهُ طَرَحَ الْأَوَّلَ وأخذ الآخر، فعبدوه. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ مَنْ تَرَكَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَخَالِقَهُ ثُمَّ هَوِيَ حَجَرًا فَعَبَدَهُ مَا حَالُهُ عِنْدِي، {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43] يعني حَافِظًا، يَقُولُ: أَفَأَنْتَ عَلَيْهِ كَفِيلٌ تَحْفَظُهُ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ وَعِبَادَةِ مَنْ يَهْوَى مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي لست كذلك. [قوله تعالى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ] إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. . . [44] {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} [الفرقان: 44] مَا تَقُولُ سَمَاعَ طَالِبِ الْإِفْهَامِ، {أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان: 44] ما يعاينون من الحجة والإعلام، {إِنْ هُمْ} [الفرقان: 44] مَا هُمْ، {إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] لِأَنَّ الْبَهَائِمَ تَهْتَدِي لِمَرَاعِيهَا وَمَشَارِبِهَا وَتَنْقَادُ لِأَرْبَابِهَا الَّذِينَ يَتَعَهَّدُونَهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَلَا يُطِيعُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَرَزَقَهُمْ، وَلِأَنَّ الْأَنْعَامَ تَسْجُدُ وَتُسَبِّحُ لِلَّهِ وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَا يَفْعَلُونَ. [45] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] مَعْنَاهُ أَلَمْ تَرَ إِلَى مَدِّ رَبِّكَ الظِّلَّ وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، جَعَلَهُ مَمْدُودًا لِأَنَّهُ ظِلٌّ لَا شَمْسَ مَعَهُ، كَمَا قَالَ فِي ظِلِّ الْجَنَّةِ: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الْوَاقِعَةِ: 30] لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَمْسٌ. {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان: 45] أي: دَائِمًا ثَابِتًا لَا يَزُولُ، وَلَا تُذْهِبُهُ الشَّمْسُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ مَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، وَهُوَ بالغداوة والفيء مَا نَسَخَ الشَّمْسَ، وَهُوَ بَعْدُ الزَّوَالِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأَنَّهُ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ الْمَشْرِقِ إِلَى جَانِبٍ الْمَغْرِبِ، {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان: 45] يعني عَلَى الظِّلِّ. وَمَعْنَى دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ لَمَا عُرِفَ الظِّلُّ وَلَوْلَا النُّورُ لَمَا عُرِفَتِ الظُّلْمَةُ، وَالْأَشْيَاءُ تُعَرَفُ بأضدادها. [46] {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} [الفرقان: 46] يَعْنِي الظِّلَّ، {إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان: 46] بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جَمْعُ الْمُنْبَسِطِ مِنَ الشَّيْءِ مَعْنَاهُ أَنَّ الظِّلَّ يَعُمُّ جَمِيعَ

الْأَرْضِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَبَضَ اللَّهُ الظِّلَّ جُزْءًا فَجُزْءًا قَبْضًا يَسِيرًا أَيْ خَفِيًّا. [47] {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} [الفرقان: 47] أَيْ سِتْرًا تَسْتَتِرُونَ بِهِ، يُرِيدُ أَنَّ ظُلْمَتَهُ تَغْشَى كُلَّ شَيْءٍ، كَاللِّبَاسِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَى لَابِسِهُ، {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} [الفرقان: 47] رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ وَقَطْعًا لِعَمَلِكُمْ، وَأَصْلُ السَّبْتِ الْقَطْعُ، وَالنَّائِمُ مَسْبُوتٌ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَحَرَكَتُهُ. {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47] أَيْ يَقِظَةً وَزَمَانًا تَنْتَشِرُونَ فِيهِ لِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ وَتَنْتَشِرُونَ لِأَشْغَالِكُمْ. [48] {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان: 48] يَعْنِي الْمَطَرَ {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] والطهور هو الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالسَّحُورِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَالْفَطُورُ اسْمٌ لِمَا يُفْطَرُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (¬1) وَأَرَادَ بِهِ الْمُطَهِّرَ فَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، كَمَا قال في آية أخرف: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الْأَنْفَالِ: 11] فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ التَّطْهِيرَ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الطَّاهِرُ حَتَّى جَوَّزُوا إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ، مِثْلَ الْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَرَقِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ جَازَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهَا لَجَازَ إِزَالَةُ الْحَدَثِ بِهَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الطَّهُورَ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ التَّطْهِيرُ كَالصَّبُورِ اسْمٌ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصَّبْرُ وَالشَّكُورُ اسْمٌ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الشُّكْرُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ حَتَّى جَوَّزَ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ مَرَّةً. [49] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لِنُحْيِيَ بِهِ} [الفرقان: 49] أي: بالمطر، {بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان: 49] وَلَمْ يَقُلْ مَيِّتَةً لِأَنَّهُ رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ وَالْمَكَانِ، {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا} [الفرقان: 49] نُسْقِي مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ أَنْعَامًا {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان: 49] أَيْ بَشَرًا كَثِيرًا، وَالْأَنَاسِيُّ جَمْعُ أُنْسِيُّ، وَقِيلَ: جَمَعُ إِنْسَانٍ، وَأَصْلُهُ أَنَاسِينُ مِثْلُ بُسْتَانٍ وَبَسَاتِينٍ، فَجَعَلَ الْيَاءَ عِوَضًا عَنِ النُّونِ. [50] {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} [الفرقان: 50] يعني المطر مرة ببلد وَمَرَّةً بِبَلَدٍ آخَرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا مِنْ عَامٍ بِأَمْطَرَ مِنْ عَامٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِفُّهُ فِي الْأَرْضِ. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ تَصْرِيفِ الْمَطَرِ تَصْرِيفُهُ وَابِلًا وَطَلًّا وَرَذَاذًا وَنَحْوَهَا. وَقِيلَ: التَّصْرِيفُ رَاجِعٌ إِلَى الرِّيحِ. {لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان: 50] أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا وَيَتَفَكَّرُوا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان: 50] وَكُفْرَانُهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ إِذَا مُطِرُوا قالوا مطرنا بنوء كذا وكذا. عن زيد بن خالد ¬

(¬1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 1 / 22 وأبو داود في الوضوء بماء البحر 1 / 80 والترمذي فيما جاء في ماء البحر 1 / 224 وقال: (حديث حسن صحيح) والنسائي في الطهارة 1 / 50 وابن ماجه في الوضوء بماء البحر 1 / 136 وصححه الحاكم 1 / 140.

قوله تعالى وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا. .

الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ: قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بالكواكب» (¬1) . [51] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} [الفرقان: 51] رسولا ينذرهم، لكن بَعَثْنَاكَ إِلَى الْقُرَى كُلِّهَا وَحَمَّلْنَاكَ ثِقَلَ النِّذَارَةِ جَمِيعِهَا لِتَسْتَوْجِبَ بِصَبْرِكَ على مَا أَعْدَدْنَا لَكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ. [52] {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان: 52] فيما يدعونك فيه مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَمُدَاهَنَتِهِمْ. {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان: 52] أي: بالقرآن، {جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] شَدِيدًا. [53] {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان: 53] أي: خَلَطَهُمَا وَأَفَاضَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، وَقِيلَ: أَرْسَلَهُمَا فِي مَجَارِيهِمَا وَخَلَاهُمَا كَمَا يُرْسَلُ الْخَيْلُ فِي الْمَرَجِ، وَأَصْلُ الْمَرَجِ الْخَلْطُ وَالْإِرْسَالُ، يُقَالُ: مَرَجْتُ الدَّابَّةَ وَأَمْرَجْتُهَا إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْمَرْعَى وَخَلَّيْتُهَا تَذْهَبُ حَيْثُ تشاء، {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} [الفرقان: 53] شديد العذوبة والفرات أَعْذَبُ الْمِيَاهِ، {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53] شَدِيدُ الْمُلُوحَةِ. وَقِيلَ: أُجَاجٌ أَيْ مر، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} [الفرقان: 53] أَيْ: حَاجِزًا بِقُدْرَتِهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطُ الْعَذْبُ بِالْمِلْحِ وَلَا الْمِلْحُ بِالْعَذْبِ، {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53] أَيْ: سِتْرًا مَمْنُوعًا فَلَا يَبْغِيَانِ، فلا يُفْسِدُ الْمِلْحُ الْعَذْبَ. [54] {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ} [الفرقان: 54] مِنَ النُّطْفَةِ، {بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان: 54] أي: جعله ذا نسب وذا صهر، قِيلَ. النَّسَبُ مَا لَا يَحِلُّ نكاحه والصهر مَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ، فَالنَّسَبُ مَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَالصِّهْرُ مَا لَا يُوجِبُهَا، وَقِيلَ- وَهُوَ الصَّحِيحُ- النَّسَبُ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرُ الْخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ الْقَرَابَةَ، وَهُوَ السَّبَبُ الْمُحَرِّمُ للنكاح، {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] [55] {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الفرقان: 55] يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، {مَا لَا يَنْفَعُهُمْ} [الفرقان: 55] إن عبدوه، {وَلَا يَضُرُّهُمْ} [الفرقان: 55] إِنْ تَرَكُوهُ، {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان: 55] أَيْ: مُعِينًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى رَبِّهِ بالمعاصي. وقال الزَّجَّاجُ: أَيْ يُعَاوِنُ الشَّيْطَانُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ لِأَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ مُعَاوَنَةٌ لِلشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا أَيْ هَيِّنًا ذَلِيلًا كَمَا يُقَالُ: الرَّجُلُ جَعَلَنِي بِظَهِيرٍ أَيْ جَعَلَنِي هَيِّنًا. ويقال: ظهر بِهِ إِذَا جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فلم يلتفت إليه. [قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. .] . . [56] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفرقان: 56] أَيْ: مُنْذِرًا. [57] {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [الفرقان: 57] أي عَلَى تَبْلِيغِ الْوَحْيِ، {مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان: 57] فَتَقُولُوا إِنَّمَا يَطْلُبُ مُحَمَّدٌ أَمْوَالُنَا بِمَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ فَلَا نَتَّبِعُهُ، {إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان: 57] هَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، مَجَازُهُ: لَكِنْ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: لَا أَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي أَجْرًا وَلَكِنْ لَا أَمْنَعُ مِنْ إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي طَلَبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاتِّخَاذِ السَّبِيلِ إِلَى جَنَّتِهِ. [58] {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58] أَيْ صَلِّ لَهُ شُكْرًا عَلَى نِعَمِهِ. وَقِيلَ: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58] عالما بصغيرها وكبيرها فَيُجَازِيهِمْ بِهَا. [59] {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الْفُرْقَانِ: 59] أَيْ بِالرَّحْمَنِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ فَاسْأَلِ الخبير بذلك يعني بما ذكرنا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ: وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلرَّسُولِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ لَا تَرْجِعُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ¬

(¬1) أخرجه مالك في الاستسقاء 1 / 192 والبخاري في الاستسقاء 2 / 522 ومسلم في الإيمان رقم (71) 1 / 83 والمصنف في شرح السنة 4 / 419.

بِهَذَا إِلَى غَيْرِي. وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: فَاسْأَلْ عَنْهُ خبير وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. [60] {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا رَحِمْنَ الْيَمَامَةِ، يَعْنُونَ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابَ، كَانُوا يُسَمُّونَهُ رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ. {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [الفرقان: 60] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يَأْمُرُنَا) بِالْيَاءِ أَيْ لِمَا يَأْمُرُنَا مُحَمَّدٌ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ أَيْ لِمَا تَأْمُرُنَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، {وَزَادَهُمْ} [الفرقان: 60] يَعْنِي زَادَهُمْ قَوْلُ الْقَائِلِ لَهُمْ: (اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ) {نُفُورًا} [الفرقان: 60] عَنِ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ. [61] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان: 61] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: (الْبُرُوجُ) هِيَ النُّجُومُ الْكِبَارُ سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِهَا، وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: بُرُوجًا أَيْ: قُصُورًا فِيهَا الْحَرَسُ، كَمَا قَالَ: {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النِّسَاءِ: 78] وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الْبُرُوجُ الِاثْنَا عَشْرَ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ، وَهِيَ الْحَمَلُ وَالثَّوْرُ وَالْجَوْزَاءُ وَالسَّرَطَانُ وَالْأَسَدُ وَالسُّنْبُلَةُ وَالْمِيزَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالْقَوْسُ وَالْجَدْيُ وَالدَّلْوُ وَالْحُوتُ، فَالْحَمَلُ وَالْعَقْرَبُ بَيْتَا الْمِرِّيخِ، وَالثَّوْرُ وَالْمِيزَانُ بَيْتَا الزُّهَرَةِ، وَالْجَوْزَاءُ وَالسُّنْبُلَةُ بَيْتًا عُطَارِدِ، وَالسَّرَطَانُ بَيْتُ الْقَمَرِ وَالْأَسَدُ بَيْتُ الشَّمْسِ، وَالْقَوْسُ وَالْحُوتُ بَيْتَا الْمُشْتَرَى، وَالْجَدْيُ وَالدَّلْوُ بَيْتَا زُحَلَ. وَهَذِهِ الْبُرُوجُ مَقْسُومَةٌ عَلَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ فَيَكُونُ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ بُرُوجٍ تُسَمَّى الْمُثَلَّثَاتُ، فَالْحَمَلُ وَالْأَسَدُ وَالْقَوْسُ مُثَلَّثَةٌ نَارِيَّةٌ، وَالثَّوْرُ وَالسُّنْبُلَةُ وَالْجَدْيُ مُثَلَّثَةٌ أَرْضِيَّةٌ وَالْجَوْزَاءُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ مُثَلَّثَةٌ هَوَائِيَّةٌ وَالسَّرَطَانُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُوتُ مُثَلَّثَةٌ مائية. {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} [الفرقان: 61] يَعْنِي الشَّمْسَ كَمَا قَالَ: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نُوحٍ: 16] وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (سُرُجًا) بِالْجَمْعِ يَعْنِي النُّجُومَ. {وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61] وَالْقَمَرُ قَدْ دَخَلَ فِي السُّرُجِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْجَمْعِ، غَيْرَ أَنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِنَوْعِ فَضِيلَةٍ، كَمَا قَالَ: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرَّحْمَنِ: 68] خَصَّ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي الْفَاكِهَةِ. [62] {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان: 62] اخْتَلَفُوا فِيهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي خَلَفًا وَعِوَضًا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ، فَمَنْ فَاتَهُ عَمَلُهُ فِي أَحَدِهِمَا قَضَاهُ في الآخر. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي جَعْلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفًا لِصَاحِبِهِ فَجَعَلَ هَذَا أَسْوَدُ وَهَذَا أَبْيَضُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا جَاءَ الْآخَرُ فَهُمَا يَتَعَاقَبَانِ فِي الضِّيَاءِ وَالظُّلْمَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} [الفرقان: 62] قرأ حمزة بتخفيف الدال وَالْكَافِ وَضَمِّهَا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهِمَا أَيْ يَتَذَكَّرَ وَيَتَّعِظَ {أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]

قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر

قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ شُكْرَ نِعْمَةِ ربه عليه فيهما. [63] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} [الفرقان: 63] يعني أَفَاضِلُ الْعِبَادِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ، وَإِلَّا فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِبَادُ اللَّهِ. {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] يعني بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مُتَوَاضِعِينَ غَيْرَ أَشِرِينَ وَلَا مَرِحِينَ، وَلَا مُتَكَبِّرِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عُلَمَاءٌ وَحُكَمَاءٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: أَصْحَابُ وَقَارٍ وَعِفَّةٍ لَا يُسَفِّهُونَ، وَإِنْ سُفِّهَ عَلَيْهِمْ حلموا، والهون فِي اللُّغَةِ الرِّفْقُ وَاللِّينُ، {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ} [الفرقان: 63] يَعْنِي السُّفَهَاءُ بِمَا يَكْرَهُونَ {قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا مِنَ الْقَوْلِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: قُولًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ جَهَلَ عَلَيْهِمْ جَاهِلٌ حَلُمُوا وَلَمْ يَجْهَلُوا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ السَّلَامُ الْمَعْرُوفُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: مَعْنَاهُ سَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ. {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الْقَصَصِ: 55] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ: وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: هَذَا وَصْفُ نَهَارِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ و {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] قال: هذا وصف ليلهم. [64] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ} [الفرقان: 64] يُقَالُ لِمَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ: بَاتَ نَامَ أَوْ لَمْ يَنَمْ، يُقَالُ: بَاتَ فُلَانٌ قَلِقًا, وَالْمَعْنَى يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ بِاللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ، {سُجَّدًا} [الفرقان: 64] على وجوههم، {وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] عَلَى أَقْدَامِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ بَاتَ لله ساجدا وقائما. [65] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65] يعني مُلِحًّا دَائِمًا لَازِمًا غَيْرَ مُفَارِقٍ مَنْ عُذِّبَ بِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَمِنْهُ سُمِّي الْغَرِيمُ لِطَلَبِهِ حَقَّهُ والحاجة على صاحبه وملازمته إياه. وقيل: غراما هلاكا. [66] {إِنَّهَا} [الفرقان: 66] يعني جهنم، {سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66] يعني بِئْسَ مَوْضِعُ قَرَارٍ وَإِقَامَةٍ. [67] {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْإِسْرَافُ النَّفَقَةُ فِي معصية الله وإن قلت، والإقتار مَنَعُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يُنْفِقُوا فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَلَمْ يُمْسِكُوا عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْإِنْفَاقِ، حَتَّى يدخل في حد التبذير، والإقتار التَّقْصِيرُ عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لَا يُجِيعُهُمْ وَلَا يُعَرِّيهِمْ وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةً يَقُولُ النَّاسُ قَدْ أَسْرَفَ، {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] قَصْدًا وَسَطًا بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ، حسنة بين السيئتين. [قوله تعالى وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ] وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ. . . [68] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] الآية. «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ " قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ. "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ "، قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارك» ، فأنزل الله تصديقها: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) ، أَيْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأفعال، (يَلْقَ أَثَامًا) ، يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّمَا يُرِيدُ جَزَاءَ الْإِثْمِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْآثَامُ الْعُقُوبَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْآثَامُ واد في جهنم. [69] {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 69] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ (يُضَاعَفُ) وَ (يَخْلُدُ) بِرَفْعِ الْفَاءِ والدال على الابتداء وشداد بن عَامِرٍ (يُضَعِّفُ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِ الْفَاءِ وَالدَّالِ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ.

[70] {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان: 70] قَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ بِرَبِّهِ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فيما بينه وبين ربه {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70] فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّبْدِيلَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَاكُ: يُبَدِّلُهُمُ اللَّهُ بِقَبَائِحِ أَعْمَالِهِمْ فِي الشِّرْكِ مَحَاسِنَ الْأَعْمَالِ فِي الْإِسْلَامِ، فَيُبَدِّلُهُمْ بِالشِّرْكِ إيمانهم وَبِقَتْلِ الْمُؤْمِنِينَ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ، وَبِالزِّنَا عِفَّةً وَإِحْصَانًا. وَقَالَ قَوْمٌ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الْإِسْلَامِ حَسَنَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمَكْحُولٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالنَّدَمِ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يُثْبِتُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حسنة. [71] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [الفرقان: 71] قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا فِي التَّوْبَةِ عَنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنَ الْقَتْلِ وَالزِّنَا، يَعْنِي مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ وَعَمِلَ صَالِحًا أَيْ: أَدَّى الْفَرَائِضَ مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَزْنِ، {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ} [الفرقان: 71] أي يعود إليه بالموت {مَتَابًا} [الفرقان: 71] حَسَنًا يُفَضَّلُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ ممن قتل وزنا فَالتَّوْبَةُ الْأُولَى وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَابَ) رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ وَالثَّانِي رُجُوعٌ إِلَى اللَّهِ لِلْجَزَاءِ وَالْمُكَافَأَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا فِي التَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ. وَمَعْنَاهُ: وَمَنْ أَرَادَ التَّوْبَةَ وَعَزَمَ عَلَيْهَا فَلْيَتُبْ لِوَجْهِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: (يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: لِيَتُبْ إِلَى اللَّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَوْبَتَهُ وَمَصِيرَهُ إِلَى اللَّهِ. [72] {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] قَالَ الضَّحَّاكُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي الشِّرْكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ: يعني شهادة الزور. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَعْنِي الْكَذِبَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أَعْيَادَ الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: النَّوْحُ، قَالَ قَتَادَةُ: لَا يُسَاعِدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى بَاطِلِهِمْ. وقال محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ: لَا يَشْهَدُونَ اللَّهْوَ وَالْغِنَاءَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ. وَأَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ، فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِلِ بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72] قَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا سَمِعُوا مِنَ الْكُفَّارِ الشَّتْمَ وَالْأَذَى أَعْرَضُوا وَصَفَحُوا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [الْقَصَصِ: 55] قَالَ السُّدِّيُّ: وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ. قَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ: اللَّغْوُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا يَعْنِي إِذَا مَرُّوا بِمَجْلِسِ اللَّهْوِ وَالْبَاطِلِ مَرُّوا كِرَامًا مُسْرِعِينَ مُعْرِضِينَ. يُقَالُ: تَكَّرَمَ فَلَانٌ عما يشينه إذا تنزه وأكره نَفْسَهُ عَنْهُ. [73] {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا} [الفرقان: 73] لَمْ يَقَعُوا وَلَمْ يَسْقُطُوا، {عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] كَأَنَّهُمْ صُمٌّ عُمْيٌ بَلْ يَسْمَعُونَ مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ فَيَفْهَمُونَهُ وَيَرَوْنَ الْحَقَّ فِيهِ فَيَتَّبِعُونَهُ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَمْ يَتَغَافَلُوا عَنْهَا كَأَنَّهُمْ صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوهَا وَعُمْيٌ لَمْ يَرَوْهَا. [74] {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74] يعني أَوْلَادًا أَبْرَارًا أَتْقِيَاءَ، يَقُولُونَ: اجْعَلْهُمْ صَالِحِينَ فَتَقَرَّ أَعْيُنُنَا بِذَلِكَ. قَالَ الْقُرَظِيُّ: لَيْسَ شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَهُ الْحَسَنُ: وَوَحَّدَ الْقُرَّةَ لِأَنَّهَا مصدر وأصلها من القر لِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَأَذَّى مِنَ الْحَرِّ وَتَسْتَرْوِحُ إِلَى الْبَرْدِ وَتُذْكَرُ قُرَّةُ الْعَيْنِ عِنْدَ السُّرُورِ وَسُخْنَةُ الْعَيْنِ عِنْدَ الْحُزْنِ، وَيُقَالُ: دَمْعُ الْعَيْنِ عِنْدَ السُّرُورِ بَارِدٌ، وَعِنْدَ الْحُزْنِ حَارٌّ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَى قُرَّةِ الْأَعْيُنِ أَنْ يُصَادِفَ قَلْبُهُ مَنْ يَرْضَاهُ فَتَقَرُّ عَيْنُهُ بِهِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ. {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] يعني أَئِمَّةً يَقْتَدُونَ فِي الْخَيْرِ بِنَا. قَالَ الْحَسَنُ: نَقْتَدِي بِالْمُتَّقِينَ وَيَقْتَدِي بِنَا الْمُتَّقُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اجْعَلْنَا أَئِمَّةً

هُدَاةً، كَمَا قَالَ: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73] وَلَا تَجْعَلْنَا أَئِمَّةَ ضَلَالَةٍ كَمَا قَالَ: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [الْقَصَصِ: 41] وَقِيلَ: هَذَا مِنَ المقرب يَعْنِي وَاجْعَلِ الْمُتَّقِينَ لَنَا إِمَامًا وَاجْعَلْنَا مُؤْتَمِّينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، وَهُوَ قول مجاهد. [75] {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ} [الفرقان: 75] يعني ينالون، {الْغُرْفَةَ} [الفرقان: 75] يعني الدرجة الرفيعة في الجنة والغرفة كُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ عَالٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ غُرَفَ الدُّرِّ وَالزَّبَرْجَدِ في الجنة، {بِمَا صَبَرُوا} [الفرقان: 75] عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ. وَقِيلَ: عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: عن الشهوات {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً} [الفرقان: 75] أَيْ مُلْكًا وَقِيلَ: بَقَاءً دَائِمًا، {وَسَلَامًا} [الفرقان: 75] أَيْ: يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وقال الكلبي: يحيي بعضهم بِالسَّلَامِ، وَيُرْسِلُ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ بِالسَّلَامِ. وَقِيلَ: سَلَامًا أَيْ سَلَامَةً مِنَ الْآفَاتِ. [76] {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 76] أَيْ: مَوْضِعَ قَرَارٍ وَإِقَامَةٍ. [77] {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} [الفرقان: 77] قَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ. أَيْ مَا يَصْنَعُ وَمَا يَفْعَلُ بِكُمْ؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُقَالُ: مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا أَيْ لَمْ أَعُدَّهُ، فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، مَجَازُهُ: أَيُّ وَزْنٍ وَأَيُّ مِقْدَارٍ لَكُمْ عنده، {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] إِيَّاهُ، وَقِيلَ: لَوْلَا إِيمَانُكُمْ، وَقِيلَ: لَوْلَا عِبَادَتُكُمْ، وَقِيلَ: لَوْلَا دُعَاؤُهُ إِيَّاكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِذَا آمَنْتُمْ ظَهَرَ لَكُمْ قَدْرٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهَا قُلْ مَا يَعْبَأُ بِخَلْقِكُمْ رَبِّي لَوْلَا عِبَادَتُكُمْ وَطَاعَتُكُمْ إِيَّاهُ يَعْنِي إِنَّهُ خَلَقَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، كَمَا قَالَ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذَّارِيَاتِ: 56] وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: قُلْ مَا يَعْبَأُ مَا يُبَالِي بمغفرتكم لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ مَعَهُ آلِهَةً, أَوْ مَا يَفْعَلُ بِعَذَابِكُمْ لَوْلَا شِرْكُكُمْ, كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النِّسَاءِ: 147] وَقِيلَ: مَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إِيَّاهُ فِي الشَّدَائِدِ, كَمَا قَالَ: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 65] وَقَالَ: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الْأَنْعَامِ: 42] وَقِيلَ: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] يَقُولُ مَا خَلَقْتُكُمْ وَلِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ إِلَّا أَنْ تَسْأَلُونِي فَأُعْطِيَكُمْ وَتَسْتَغْفِرُونِي فَأَغْفِرَ لَكُمْ. {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} [الفرقان: 77] أَيُّهَا الْكَافِرُونَ يُخَاطِبُ أَهْلَ مَكَّةَ يَعْنِي إِنِ اللَّهَ دَعَاكُمْ بِالرَّسُولِ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ فَقَدْ كَذَّبْتُمُ الرَّسُولَ وَلَمْ تُجِيبُوهُ. {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان: 77] هذا تهذيبه لهم أي يكون تكذيبهم لِزَامًا, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَوْتًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هَلَاكًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قِتَالًا. وَالْمَعْنَى يَكُونُ التَّكْذِيبُ لَازِمًا لِمَنْ كَذَّبَ فَلَا يُعْطَى التَّوْبَةَ حَتَّى يُجَازَى بِعَمَلِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: عَذَابًا دَائِمًا وَهَلَاكًا مُقِيمًا يُلْحِقُ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وأسر سبعون. وَقِيلَ: اللِّزَامُ هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ.

سورة الشعراء

[سورة الشعراء] [قوله تعالى طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. . .] (26) سورة الشعراء [1] {طسم} [الشعراء: 1] روى علي بن طَلْحَةَ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَسَمٌ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْمٌ لِلسُّورَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِطَوْلِهِ وسنائه وملكه. [2] {تِلْكَ} [الشعراء: 2] أي هذه، {آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء: 2] [3] {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ} [الشعراء: 3] قَاتِلٌ، {نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] إن لم يؤمنوا ذلك حِينَ كَذَّبَهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَشَقَّ عليه وَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى إِيمَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. [4] {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] قَالَ قَتَادَةُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِهَا فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عُنُقَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنَاهُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لِأَرَاهُمْ أَمْرًا مِنْ أَمْرِهِ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَهُ مَعْصِيَةً. وقوله عز وجل: {خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] وَلَمْ يَقُلْ خَاضِعَةً وَهِيَ صِفَةُ الأعناق، ففيه أَقَاوِيلُ: أَحُدُهَا: أَرَادَ أَصْحَابَ الْأَعْنَاقِ فَحَذَفَ الْأَصْحَابَ وَأَقَامَ الْأَعْنَاقَ مَقَامَهُمْ، لِأَنَّ الْأَعْنَاقَ إِذَا خَضَعَتْ فَأَرْبَابُهَا خاضعون، جعل الْفِعْلَ أَوَّلًا لِلْأَعْنَاقِ ثُمَّ جَعَلَ خَاضِعِينَ لِلرِّجَالِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: رَدَّ الْخُضُوعَ عَلَى الْمُضْمَرِ الَّذِي أَضَافَ الْأَعْنَاقَ إِلَيْهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: ذَكَرَ الصِّفَةَ لِمُجَاوَرَتِهَا الْمُذَكَّرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَذْكِيرِ الْمُؤَنَّثِ إِذَا أَضَافُوهُ إِلَى مُذَكَّرٍ، وَتَأْنِيثِ الْمُذَكَّرِ إِذَا أَضَافُوهُ إِلَى المؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبروا بِالْعُنُقِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، كَقَوْلِهِ: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الْحَجِّ: 10] وَ {أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الْإِسْرَاءِ: 13] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِالْأَعْنَاقِ الرُّؤَسَاءَ وَالْكُبَرَاءَ، أَيْ فَظَلَّتْ كُبَرَاؤُهُمْ خَاضِعِينَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَعْنَاقِ الْجَمَاعَاتِ، يُقَالُ: جَاءَ الْقَوْمُ عُنُقًا عُنُقًا أَيْ جَمَاعَاتٍ وَطَوَائِفَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قال خاضعين على وفاق رؤوس الْآَيِ لِيَكُونَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ. [5] {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ} [الشعراء: 5] وَعْظٍ وَتَذْكِيرٍ، {مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} [الشعراء: 5] أَيْ مُحْدَثٍ إِنْزَالُهُ، فَهُوَ مُحْدَثٌ فِي التَّنْزِيلِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلَّمَا نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ شَيْءٍ فَهُوَ أَحْدَثُ مِنَ الْأَوَّلِ {إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5] أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ. [6] {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ} [الشعراء: 6] أي. فسوف يأتيهم، {أَنْبَاءُ} [الشعراء: 6] أَخْبَارُ وَعَوَاقِبُ، {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الشعراء: 6] [7] {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} [الشعراء: 7] صنف وضرب، {كَرِيمٍ} [الشعراء: 7] حَسَنٍ مِنَ النَّبَاتِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ إِذَا طَابَ حَمْلُهَا، وَنَاقَةٌ كَرِيمَةٌ إِذَا كَثُرَ لَبَنُهَا. قَالَ الشَّعْبِيُّ:

قوله تعالى قال فعلتها إذا وأنا من الضالين. .

النَّاسُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَهُوَ كَرِيمٌ، وَمِنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ لَئِيمٌ. [8] {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الشعراء: 8] الذي ذكرت، {لَآيَةً} [الشعراء: 8] دَلَالَةً عَلَى وُجُودِي وَتَوْحِيدِي وَكَمَالِ قُدْرَتِي، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8] مُصَدِّقِينَ أَيْ سَبْقَ عِلْمِي فِيهِمْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: كَانَ هَاهُنَا صِلَةٌ مَجَازُهُ: وَمَا أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. [9] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ} [الشعراء: 9] الْعَزِيزُ بِالنِّقْمَةِ مِنْ أَعْدَائِهِ، {الرَّحِيمُ} [الشعراء: 9] ذُو الرَّحْمَةِ بِأَوْلِيَائِهِ. [10] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} [الشعراء: 10] وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى حِينَ رَأَى الشَّجَرَةَ وَالنَّارَ، {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء: 10] يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَظَلَمُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِاسْتِعْبَادِهِمْ وَسَوْمِهِمْ سُوءَ الْعَذَابِ. [11] {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} [الشعراء: 11] أَلَّا يَصْرِفُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ عُقُوبَةَ الله بطاعته. [12] {قَالَ} [الشعراء: 12] يَعْنِي مُوسَى، {رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [الشعراء: 12] [13] {وَيَضِيقُ صَدْرِي} [الشعراء: 13] بتكذيبهم إياي، و {وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي} [الشعراء: 13] قَالَ: هَذَا لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى لِسَانِهِ، قَرَأَ يَعْقُوبُ (وَيَضِيقَ) ، (وَلَا يَنْطَلِقَ) بِنَصْبِ الْقَافَيْنِ عَلَى مَعْنَى وَأَنْ يَضِيقَ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِهِمَا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (إِنِّي أخاف) ، {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء: 13] لِيُؤَازِرَنِي وَيُظَاهِرَنِي عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. [14] {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} [الشعراء: 14] أَيْ دَعْوَى ذَنْبٍ، وَهُوَ قَتْلُهُ القبطي، {فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [الشعراء: 14] أي يقتلونني به. [15] {قَالَ} [الشعراء: 15] الله تعالى {كَلَّا} [الشعراء: 15] أَيْ لَنْ يَقْتُلُوكَ {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] سَامِعُونَ مَا يَقُولُونَ، ذَكَرَ مَعَكُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهُمَا اثْنَانِ أَجْرَاهُمَا مَجْرَى الْجَمَاعَةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ مَعَكُمَا وَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَسْمَعُ مَا يُجِيبُكُمْ فِرْعَوْنُ. [16] {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 16] وَلَمْ يَقُلْ رَسُولَا رَبِّ الْعَالَمِينَ لأنه أراد الرسالة أَنَا ذُو رِسَالَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بِمَعْنَى الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذَا رَسُولِي وَوَكِيلِي وَهَذَانِ وَهَؤُلَاءِ رَسُولِي وَوَكِيلِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [الْكَهْفِ: 50] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [17] {أَنْ أَرْسِلْ} [الشعراء: 17] أَيْ بِأَنْ أَرْسِلْ، {مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 17] أي إِلَى فِلَسْطِينَ، وَلَا تَسْتَعْبِدْهُمْ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ اسْتَعْبَدَهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانُوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى مِصْرَ وَهَارُونُ بِهَا فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. [18] {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء: 18] صَبِيًّا، {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: 18] وَهُوَ ثَلَاثُونَ سَنَةً. [19] {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} [الشعراء: 19] يَعْنِي قَتْلَ الْقِبْطِيِّ، {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء: 19] قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي وَأَنْتَ من الكافرين بإلهك الذي تدعيه، ومعناه: عَلَى دِينِنَا هَذَا الَّذِي تَعِيبُهُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ وأنت من الكافرين يعني مِنَ الْجَاحِدِينَ لِنِعْمَتِي وَحَقِّ تَرْبِيَتِي، يَقُولُ رَبَّيْنَاكَ فِينَا فَكَافَأْتَنَا أَنْ قَتَلْتَ مِنَّا نَفْسًا وَكَفَرْتَ بِنِعْمَتِنَا. وَهَذَا رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عباس: إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكفر بالربوبية. [قوله تعالى قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. .] . [20] {قَالَ} [الشعراء: 20] موسى {فَعَلْتُهَا إِذًا} [الشعراء: 20] أَيْ فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ حِينَئِذٍ، {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] أي من الجاهلين، لم يأت من الله شيئا. وَقِيلَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى قَتْلِهِ. وَقِيلَ: مِنَ الضَّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ. وَقِيلَ. مِنَ الْمُخْطِئِينَ. [21] {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} [الشعراء: 21] إِلَى مَدْيَنَ، {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} [الشعراء: 21] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ، {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 21] [22] {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22] اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الإٌقرار

وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَمَنْ قَالَ هُوَ إِقْرَارٌ قَالَ عَدَّهَا مُوسَى نِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِ حَيْثُ رَبَّاهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ كَمَا قَتَلَ سَائِرَ غِلْمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَسْتَعْبِدْهُ كَمَا اسْتَعْبَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَجَازُهُ: بلى وتلك نعمة لك عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَرَكْتَنِي فَلَمْ تَسْتَعْبِدْنِي. وَمَنْ قَالَ: هُوَ إِنْكَارٌ قَالَ قَوْلُهُ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ هُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ أي: أو تلك نِعْمَةٌ؟ حُذِفَ أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، كَقَوْلِهِ: {فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] ؟ يَقُولُ: تَمُنُّ عَلَيَّ أَنْ رَبَّيْتَنِي وَتَنْسَى جِنَايَتَكَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالِاسْتِعْبَادِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْقَبِيحَةِ؟ أَوْ يُرِيدُ: كَيْفَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ وَقَدِ اسْتَعْبَدْتَ قَوْمِي، وَمَنْ أُهِينَ قَوْمُهُ ذُلَّ، فَتَعْبِيدُكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَحْبَطَ إِحْسَانَكَ إِلَيَّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَمُنُّ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ. وَقَوْلُهُ: {أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22] أَيْ بِاسْتِعْبَادِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَتْلِكَ أَوْلَادَهُمْ، دُفِعْتُ إِلَيْكَ حَتَّى رَبَّيْتَنِي وَكَفَلْتَنِي وَلَوْ لَمْ تَسْتَعْبِدْهُمْ وَتَقْتُلْهُمْ كان لي من أهل مَنْ يُرَبِّينِي وَلَمْ يُلْقُونِي فِي الْيَمِّ، فَأَيُّ نِعْمَةٍ لَكَ عَلَيَّ؟ قوله: {عَبَّدْتَ} [الشعراء: 22] أَيْ اتَّخَذْتَهُمْ عَبِيدًا، يُقَالُ: عَبَّدْتُ فُلَانًا وَأَعْبَدْتُهُ وَتَعَبَّدْتُهُ وَاسْتَعْبَدْتُهُ، أَيْ اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا. [23] {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ رَسُولُهُ إِلَيَّ يَسْتَوْصِفُهُ إِلَهَهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مما هو سُؤَالٌ عَنْ جِنْسِ الشَّيْءِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِنْسِيَّةِ، فَأَجَابَهُ مُوسَى عليه السلام يذكر أَفْعَالِهِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا. [24] {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 24] إِنَّهُ خَالِقُهُمَا. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَيْ كَمَا تُوقِنُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُعَايِنُونَهَا فَأَيْقِنُوا أَنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا قَالَ مُوسَى ذَلِكَ تَحَيَّرَ فِرْعَوْنُ فِي جَوَابِ مُوسَى. [25] {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ} [الشعراء: 25] من أشراف قومه اسْتِبْعَادًا لِقَوْلِ مُوسَى، {أَلَا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ آلِهَتَهُمْ مُلُوكُهُمْ، فَزَادَهُمْ مُوسَى فِي الْبَيَانِ. [26] {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26] [27] {قَالَ} [الشعراء: 27] يَعْنِي فِرْعَوْنَ، {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَا نَعْقِلُهُ وَلَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ مَا يَعْتَقِدُونَ لَيْسَ بِعَاقِلٍ، فَزَادَ مُوسَى فِي الْبَيَانِ. [28] {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28] [29] {قَالَ} [الشعراء: 29] فِرْعَوْنُ حِينَ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ وَانْقَطَعَ عَنِ الْجَوَابِ تَكَبُّرًا عَنِ الْحَقِّ: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] من المحبوسين. [30] {قَالَ} [الشعراء: 30] لَهُ مُوسَى حِينَ تَوَعَّدَهُ بِالسِّجْنِ {أَوَلَوْ جِئْتُكَ} [الشعراء: 30] أَيْ: وَإِنْ جِئْتُكَ، {بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 30] بِآيَةٍ مُبِينَةٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَتَفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنْ أَتَيْتُكَ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُوسَى لِأَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ

قوله تعالى لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين

السُّكُونَ إِلَى الْإِنْصَافِ وَالْإِجَابَةَ إِلَى الحق بعد البيان. [31] {قَالَ} [الشعراء: 31] له فرعون، {فَأْتِ بِهِ} [الشعراء: 31] فَإِنَّا لَنْ نَسْجُنَكَ حِينَئِذٍ، {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 31] 32, [33] {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء: 32] فقال وهل غيرها، {وَنَزَعَ} [الشعراء: 33] مُوسَى، {يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الشعراء: 33] [34] {قَالَ} [الشعراء: 34] فِرْعَوْنُ. {لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الشعراء: 34] [35] {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء: 35] [36] {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء: 36] [37] {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} [الشعراء: 37] [38] {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 38] وَهُوَ يَوْمُ الزِّينَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَافَقَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ السَّبْتِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ وَهُوَ يَوْمُ النَّيْرُوزِ. [39] {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} [الشعراء: 39] لِتَنْظُرُوا إِلَى مَا يَفْعَلُ الْفَرِيقَانِ ولمن تكون الغلبة. [قوله تعالى لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ] . . . . [40] {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40] لِمُوسَى، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَأَرَادُوا بِالسَّحَرَةِ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَوْمَهُمَا. [41] {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 41] [42] {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الشعراء: 42] [43] {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [الشعراء: 43] [44] {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44] [45] {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء: 45] [46] {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الشعراء: 46] [47] {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 47] [48] {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الشعراء: 48] [49] {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الشعراء: 49] [50] {قَالُوا لَا ضَيْرَ} [الشعراء: 50] لَا ضَرَرَ, {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 50] [51] {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 51] مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا. [52] {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء: 52] يَتْبَعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ لِيَحُولُوا بَيْنَكُمْ وبين الخروج من مصر. [53] {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء: 53] يَحْشُرُونَ النَّاسَ يَعْنِي الشُّرَطَ لِيَجْمَعُوا السَّحَرَةَ. وَقِيلَ: حَتَّى يَجْمَعُوا لَهُ الجيش. [54] {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] عصابة {قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54]

قوله تعالى فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى

وَالشِّرْذِمَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّاسِ غَيْرِ الكثير، وجمعها شراذم. [55] {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء: 55] يُقَالُ غَاظَهُ وَأَغَاظَهُ وَغَيَّظَهُ إِذَا أَغْضَبَهُ، وَالْغَيْظُ وَالْغَضَبُ وَاحِدٌ، يَقُولُ: أغضبونا لمخالفتهم ديننا، وَخُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِنَا بِغَيْرِ إِذْنٍ منا. [56] {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 56] قال أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَاذِرُونَ أَيْ مُؤْدُونَ وَمُقْوُونَ، أَيْ: ذَوُو أَدَاةٍ وَقُوَّةٍ مُسْتَعِدُّونَ شَاكُونَ فِي السِّلَاحِ، وَمَعْنَى حذرون أَيْ خَائِفُونَ شَرَّهُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الحاذر المستعد، والحذر المستيقظ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَاذِرُ الَّذِي يَحْذَرُكَ الآن، والحذر الْمُخَوِّفُ. وَكَذَلِكَ لَا تَلْقَاهُ إِلَّا حَذِرًا. وَالْحَذَرُ اجْتِنَابُ الشَّيْءِ خَوْفًا منه. [57] {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ} [الشعراء: 57] وَفِي الْقِصَّةِ الْبَسَاتِينُ كَانَتْ مُمْتَدَّةً على حافتي النيل، {وَعُيُونٍ} [الشعراء: 57] أنهار جارية. [58] {وَكُنُوزٍ} [الشعراء: 58] يَعْنِي الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: سَمَّاهَا كُنُوزًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُعْطَ حَقُّ الله منها فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء: 58] أَيْ مَجْلِسٍ حَسَنٍ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَرَادَ مَجَالِسَ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَحُفُّهَا الْأَتْبَاعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الْمَنَابِرُ. [59] {كَذَلِكَ} [الشعراء: 59] كما وصفنا، {وَأَوْرَثْنَاهَا} [الشعراء: 59] بهلاكهم، {بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 59] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ بني إسرائيل إلى مصر بعدما أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَأَعْطَاهُمْ جَمِيعَ مَا كَانَ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنَ الأموال والمساكن. [60] {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء: 60] يعني لَحِقُوهُمْ فِي وَقْتِ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ إِضَاءَتُهَا أَيْ أَدْرَكَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مُوسَى وَأَصْحَابَهُ وَقْتَ شُرُوقِ الشمس. [قوله تَعَالَى فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى] إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. . . [61] {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} [الشعراء: 61] يعني تَقَابَلَا بِحَيْثُ يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ صاحبه {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] يعني سَيُدْرِكُنَا قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَلَا طَاقَةَ لنا بهم. [62] {قَالَ} [الشعراء: 62] مُوسَى ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُ {كَلَّا} [الشعراء: 62] لَنْ يُدْرِكُونَا، {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] يَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ. [63] {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] يعني فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ فَانْشَقَّ، {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} [الشعراء: 63] قِطْعَةٌ مِنَ الْمَاءِ، {كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] كالجبل الضخم. [64] {وَأَزْلَفْنَا} [الشعراء: 64] يعني وقربنا، {ثَمَّ الْآخَرِينَ} [الشعراء: 64] يَعْنِي قَوْمَ فِرْعَوْنَ، يَقُولُ: قَدَّمْنَاهُمْ إِلَى الْبَحْرِ وَقَرَّبْنَاهُمْ إِلَى الْهَلَاكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَأَزْلَفْنَا: جَمَعْنَا، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ أَيْ لَيْلَةُ الجمع. [65] {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء: 65] [66] {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشعراء: 66] فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ الْبَحْرُ سَاكِنًا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا اضْطَرَبَ فَجَعَلَ يَمُدُّ وَيَجْزُرُ. [67] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 67] أَيْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، قِيلَ. لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وحزقيل المؤمن، ومريم بنت مأمويا الَّتِي دَلَّتْ عَلَى عِظَامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. [68] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 68] الْعَزِيزُ فِي الِانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنِينَ حِينَ أَنْجَاهُمْ. [69] قَوْلُهُ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} [الشعراء: 69] [70] {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء: 70] أَيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ. [71] {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: 71] يعني نُقِيمُ عَلَى عِبَادَتِهَا. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا قَالَ: (فَنَظَلُّ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا بِالنَّهَارِ، دُونَ اللَّيْلِ، يُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا فَعَلَ بِالنَّهَارِ. [72] {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} [الشعراء: 72] أَيْ هَلْ يَسْمَعُونَ

دعاءكم، {إِذْ تَدْعُونَ} [الشعراء: 72] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْمَعُونَ لَكُمْ؟ [73] {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ} [الشعراء: 73] قيل: بالرزق، {أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 73] إِنْ تَرَكْتُمْ عِبَادَتَهَا. [74] {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74] مَعْنَاهُ إِنَّهَا لَا تَسْمَعُ قَوْلًا وَلَا تَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ ضَرًّا لَكِنِ اقْتَدَيْنَا بِآبَائِنَا, فِيهِ إِبْطَالُ التَّقْلِيدِ فِي الدِّينِ. 75, [76] {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} [الشعراء: 75 - 76] الأولون. [77] {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء: 77] يعني أعدائي وَوَحَّدَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لَكُمْ عَدُوٌّ لِي، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَصَفَ الْأَصْنَامَ بِالْعَدَاوَةِ وَهِيَ جَمَادَاتٌ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لَوْ عَبَدْتُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مَرْيَمَ: 82] وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ أراد فإنهم عَدُوٌّ لَهُمْ لِأَنَّ مَنْ عَادَيْتَهُ فَقَدْ عَادَاكَ. وَقِيلَ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي عَلَى مَعْنَى إِنِّي لَا أتوهم وَلَا أَطْلُبُ مِنْ جِهَتِهِمْ نَفْعًا كَمَا لَا يُتَوَلَّى الْعَدُوُّ وَلَا يُطْلَبُ مِنْ جِهَتِهِ النَّفْعُ، قَوْلُهُ: {إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 77] اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، قِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لَكِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَلِيِّي. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ مَعَ اللَّهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كُلُّ مَنْ تَعْبُدُونَ أَعْدَائِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ غَيْرُ مَعْبُودٍ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَإِنِّي أَعْبُدُهُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ عند رَبَّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ وَصَفَ مَعْبُودَهُ فَقَالَ: [78] {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] أَيْ يُرْشِدُنِي إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ. [79] {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] أي يرزقني ويغذيني بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَهُوَ رَازِقِي وَمِنْ عنده رزقي. [80] {وَإِذَا مَرِضْتُ} [الشعراء: 80] أَضَافَ الْمَرَضَ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كان المرض والشفا كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ، اسْتِعْمَالًا لِحُسْنِ الْأَدَبِ كَمَا قَالَ الْخَضِرُ: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الْكَهْفِ: 79] وَقَالَ: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الْكَهْفِ: 82] {فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] أَيْ يُبْرِئُنِي مِنَ الْمَرَضِ. [81] {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 81] أَدْخَلَ (ثُمَّ) هَاهُنَا لِلتَّرَاخِي أَيْ يُمِيتُنِي فِي الدُّنْيَا وَيُحْيِينِي فِي الآخرة. [82] {وَالَّذِي أَطْمَعُ} [الشعراء: 82] أَرْجُو، {أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82] أَيْ خَطَايَايَ يَوْمَ الْحِسَابِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصَّافَاتِ: 89] وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] وَقَوْلُهُ لِسَارَّةَ: هَذِهِ أُخْتِي، وَزَادَ الْحَسَنُ وَقَوْلُهُ لِلْكَوَاكِبِ: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] وَهَذَا كُلُّهُ احْتِجَاجٌ مَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ وَإِخْبَارٌ أَنَّهُ لَا تصلح الإلهية إلا لمن يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ. [83] {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} [الشعراء: 83] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْرِفَةُ حُدُودِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْفَهْمُ

قوله تعالى واجعل لي لسان صدق في الآخرين. . .

وَالْعِلْمُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: النُّبُوَّةُ، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83] بِمَنْ قَبْلِي مِنَ النَّبِيِّينَ فِي المنزلة والدرجة. [قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. . .] [84] {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] أَيْ ثَنَاءً حَسَنًا وَذِكْرًا جَمِيلًا وَقَبُولًا عَامًّا فِي الْأُمَمِ الَّتِي تَجِيءُ بَعْدِي، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ فَجُعِلَ كُلُّ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: وُضِعَ اللِّسَانُ مَوْضِعَ الْقَوْلِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ يَكُونُ بِهِ. [85] {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [الشعراء: 85] أَيْ مِمَّنْ تُعْطِيهِ جَنَّةَ النَّعِيمِ. [86] {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 86] وَقَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ له أنه عدو الله، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ التوبة. [87] {وَلَا تُخْزِنِي} [الشعراء: 87] لا تفضحني {يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء: 87] 88, [89] {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] أَيْ خَالِصٌ مِنَ الشِّرْكِ وَالشَّكِّ فَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ مَرِيضٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الْبَقَرَةِ: 10] قَالَ ابْنُ عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ: هُوَ الْقَلْبُ الْخَالِي مِنَ الْبِدْعَةِ الْمُطْمَئِنُّ عَلَى السُّنَّةِ. 90, [91] {وَأُزْلِفَتِ} [الشعراء: 90] قربت {الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ - وَبُرِّزَتِ} [الشعراء: 90 - 91] أظهرت، {الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء: 91] للكافرين. 92, [93] {وَقِيلَ لَهُمْ} [الشعراء: 92] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ} [الشعراء: 92 - 93] يَمْنَعُونَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، {أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [الشعراء: 93] لأنفسهم. [94] {فَكُبْكِبُوا فِيهَا} [الشعراء: 94] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جُمِعُوا. وَقَالَ مجاهد: دهورا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قُذِفُوا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طُرِحَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ القتيبي: ألقوا على رؤوسهم. {هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء: 94] يعني الشياطين، قاله قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَفَرَةُ الجن. [95] {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء: 95] وَهُمْ أَتْبَاعُهُ وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَيُقَالُ: ذُرِّيَّتُهُ. [96] {قَالُوا} [الشعراء: 96] أَيْ: قَالَ الْغَاوُونَ لِلشَّيَاطِينِ وَالْمَعْبُودِينَ، {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} [الشعراء: 96] مَعَ الْمَعْبُودِينَ وَيُجَادِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [97] {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 97] [98] {إِذْ نُسَوِّيكُمْ} [الشعراء: 98] نعدلكم, {بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 98] فنعبدكم. [99] {وَمَا أَضَلَّنَا} [الشعراء: 99] أَيْ: مَا دَعَانَا إِلَى الضَّلَالِ، {إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [الشعراء: 99] قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الشَّيَاطِينَ. وَقَالَ الكلبي: إلا ولونا الَّذِينَ اقْتَدَيْنَا بِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي إِبْلِيسَ وَابْنَ آدَمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَابِيلُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، وَأَنْوَاعَ الْمَعَاصِي.

قوله تعالى قال وما علمي بما كانوا يعملون. . .

[100] {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء: 100] أَيْ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. [101] {وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 101] أَيْ قَرِيبٍ يَشْفَعُ لَنَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ حِينَ تُشَفَّعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالصَّدِيقُ هُوَ الصَّادِقُ فِي المودة بشرط الدين. [102] {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} [الشعراء: 102] أَيْ: رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا, {فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 102] [103] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 103] [104] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 104] الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ, فَاللَّهُ عزير وَهُوَ فِي وَصْفِ عِزَّتِهِ رَحِيمٌ. [105] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] و {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123] و {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 141] وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ وَاحِدٌ؟ قَالَ: إِنِ الْآخَرَ جَاءَ بِمَا جاء به الْأَوَّلُ، فَإِذَا كَذَّبُوا وَاحِدًا فَقَدْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَجْمَعِينَ. [106] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} [الشعراء: 106] فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ. {نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 106] [107] {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 107] على الوحي. [108] {فَاتَّقُوا اللَّهَ} [الشعراء: 108] بطاعته وعبادته، {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 108] فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ. [109] {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ} [الشعراء: 109] ثَوَابِيَ {إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109] [110] {فَاتَّقُوا اللَّهَ} [الشعراء: 110] بطاعته وعبادته {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 110] [111] {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] السَّفَلَةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّاغَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْحَاكَةُ وَالْأَسَاكِفَةُ. [قوله تعالى قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. . .] [112] {قَالَ} [الشعراء: 112] نُوحٌ، {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 112] أَيْ مَا أَعْلَمُ أَعْمَالَهُمْ وَصَنَائِعَهُمْ، وَلَيْسَ عَلَيَّ مِنْ دَنَاءَةِ مَكَاسِبِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ شَيْءٌ إِنَّمَا كُلِّفْتُ أَنْ أَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَلِي مِنْهُمْ ظاهر أمرهم. [113] {إِنْ حِسَابُهُمْ} [الشعراء: 113] مَا حِسَابُهُمْ، {إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء: 113] لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَا عِبْتُمُوهُمْ بِصَنَائِعِهِمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الصِّنَاعَاتُ لَا تَضُرُّ فِي الدِّيَانَاتِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَيْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ وَيُضِلُّكُمْ وَيُوَفِّقُهُمْ وَيَخْذُلُكُمْ. [114, 115] {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ - إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الشعراء: 114 - 115] [116] {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ} [الشعراء: 116] عَمَّا تَقُولُ، {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116] قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: مِنَ الْمَقْتُولِينَ بِالْحِجَارَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مِنَ الْمَشْتُومِينَ. [117, 118] {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ - فَافْتَحْ} [الشعراء: 117 - 118] فاحكم، {بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} [الشعراء: 118] حُكْمًا {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118] [119] {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الشعراء: 119] الْمُوَقَّرِ الْمَمْلُوءِ مِنَ النَّاسِ وَالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ كُلِّهَا. [120] {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} [الشعراء: 120] أَيْ أَغْرَقْنَا بَعْدَ إِنْجَاءِ نُوحٍ، وَأَهْلِهِ: مَنْ بَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ. [121] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 121] [122] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 122] [123] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 123] [124] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} [الشعراء: 124] يَعْنِي فِي النَّسَبِ لَا فِي الدين، {هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 124] [125] {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء: 125] عَلَى الرِّسَالَةِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَمِينٌ فيكم قبل الرسالة فكيف تتهموني اليوم. [126] {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 126] [127] {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 127] [128] {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} [الشعراء: 128] قَالَ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ

قوله تعالى إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين

عباس: بِكُلِّ شَرَفٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّهُ الْمَنْظَرَةُ (¬1) . {آيَةً} [الشعراء: 128] علامة {تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] بِمَنْ مَرَّ بِالطَّرِيقِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْنُونَ الْمَوَاضِعَ الْمُرْتَفِعَةَ لِيُشْرِفُوا عَلَى الْمَارَّةِ وَالسَّابِلَةِ فَيَسْخَرُوا مِنْهُمْ ويعبثوا بهم. [129] {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} [الشعراء: 129] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْنِيَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُصُورًا مُشَيَّدَةً. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ: أَنَّهَا الْحُصُونُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَآخِذُ الْمَاءِ يَعْنِي الْحِيَاضَ، وَاحِدَتُهَا مَصْنَعَةٌ، {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 129] أَيْ كَأَنَّكُمْ تَبْقُونَ فِيهَا خَالِدِينَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْثِقُونَ الْمَصَانِعَ كَأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ. [130] {وَإِذَا بَطَشْتُمْ} [الشعراء: 130] أخذتم وسطوتم، {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130] قَتْلًا بِالسَّيْفِ وَضَرْبًا بِالسَّوْطِ، وَالْجَبَّارُ الَّذِي يَقْتُلُ وَيَضْرِبُ عَلَى الْغَضَبِ. [131] {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 131] [132] {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء: 132] أَيْ أَعْطَاكُمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا تَعْلَمُونَ ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَعْطَاهُمْ فَقَالَ: [133, 134] {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ - وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء: 133 - 134] يعني بَسَاتِينَ وَأَنْهَارٍ. [135] {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} [الشعراء: 135] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ عَصَيْتُمُونِي، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 135] [136] {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا} [الشعراء: 136] يعني مُسْتَوٍ عِنْدَنَا، {أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} [الشعراء: 136] الْوَعْظُ كَلَامٌ يُلِينُ الْقَلْبَ بِذِكْرِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَهَيْتَنَا أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ النَّاهِينَ لنا. [قوله تعالى إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ] . . . . [137] {إِنْ هَذَا} [الشعراء: 137] مَا هَذَا، {إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 137] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (خَلْقُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ وَكَذِبُهُمْ، دَلِيلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (خُلُقُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ، أَيْ عَادَةُ الْأَوَّلِينَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأَمْرُهُمْ أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ مَا عَاشُوا ثُمَّ يَمُوتُونَ وَلَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ. [138] {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 138] [139] {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 139] [140] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 140] [141- 146] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا} [الشعراء: 141 - 146] يعني في الدنيا {آمِنِينَ} [الشعراء: 146] من العذاب. ¬

(¬1) بوزن المتربة وهي المرقبة انظر مختار الصحاح ص667.

قوله تعالى كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم

[147, 148] {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا} [الشعراء: 147 - 148] ثَمَرُهَا يُرِيدُ مَا يَطْلُعُ مِنْهَا من الثمر، {هَضِيمٌ} [الشعراء: 148] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَطِيفٌ، وَمِنْهُ هَضِيمُ الْكَشْحِ إِذَا كَانَ لَطِيفًا. وروى عطية عنه: يا نع نَضِيجٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ اللَّيِّنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الرَّخْوُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَهَشِّمٌ مُتَفَتِّتٌ إِذَا مُسَّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا فَهُوَ هَضِيمٌ، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ هَشِيمٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: قَدْ رَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا حَتَّى هَضَمَ بَعْضُهُ بَعْضًا، أَيْ كَسَرَهُ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ الْمُنْضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي وِعَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْهَضِيمُ هُوَ الدَّاخِلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ مِنَ النُّضْجِ وَالنُّعُومَةِ. وَقِيلَ. هَضِيمٌ أَيْ هَاضِمٌ يَهْضِمُ الطَّعَامَ. وَكُلُّ هَذَا لِلَطَافَتِهِ. [149] {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء: 149] وَقُرِئَ: (فَرِهِينَ) ، قِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقِيلَ: فَارِهِينَ أَيْ حَاذِقِينَ بِنَحْتِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرِهَ الرَّجُلُ فَرَاهَةً فَهُوَ فَارِهٌ، وَمَنْ قَرَأَ (فَرِهِينَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشِرِينَ بَطِرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَاعِمِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَرِهِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: مُعْجَبِينَ بِصَنِيعِكُمْ. قَالَ السُّدِّيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: فَرِحِينِ. وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْحَاءِ مِثْلَ مَدَحْتُهُ وَمَدَهْتُهُ. قَالَ الضَّحَّاكُ: كَيِّسِينَ. [150، 151] {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} [الشعراء: 150 - 151] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا الناقة وهم. [152] {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} [الشعراء: 152] بالمعاصي، {وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 152] لَا يُطِيعُونَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. [153] {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء: 153] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مِنَ الْمَسْحُورِينَ المخدوعين، أي ممن يسحر مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ الْمُعَلَّلِينَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يُقَالُ: سَحَرَهُ أَيْ عَلَّلَهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، يُرِيدُ إِنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَلَسْتَ بَمَلَكٍ، بَلْ: [154] {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ} [الشعراء: 154] عَلَى صِحَّةِ مَا تَقُولُ. {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 154] أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْنَا. [155] {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ} [الشعراء: 155] حَظٌّ وَنَصِيبٌ مِنَ الْمَاءِ، {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155] [156] {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [الشعراء: 156] بِعَقْرٍ، {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 156] [157] {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} [الشعراء: 157] عَلَى عَقْرِهَا حِينَ رَأَوُا الْعَذَابَ. [158] {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 158] [159] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 159] [قَوْلُهُ تَعَالَى كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ] أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ. . .

قوله تعالى واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين

[160- 165] قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 160 - 164] {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ} [الشعراء: 165] قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي جِمَاعَ الرِّجَالِ. {مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 165] يَعْنِي مِنْ بَنِي آدَمَ. [166] {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} [الشعراء: 166] قَالَ مُجَاهِدٌ: تَرَكْتُمْ أَقْبَالَ النِّسَاءِ إِلَى أَدْبَارِ الرِّجَالِ، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 166] مُعْتَدُونَ مُجَاوِزُونَ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ. [167] {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء: 167] مِنْ قَرْيَتِنَا. [168] {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168] الْمُبْغِضِينَ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ: [169] {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 169] مِنَ الْعَمَلِ الْخَبِيثِ. [170, 171] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} [الشعراء: 170 - 171] وَهِيَ امْرَأَةُ لُوطٍ بَقِيَتْ فِي الْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ. [172] {ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ} [الشعراء: 172] أي: أهلكناهم. [173] {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [الشعراء: 173] قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: الْكِبْرِيتُ وَالنَّارُ. [174] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 174] [175] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 175] [176] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 176] وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَرَأَ الْعِرَاقِيُّونَ: (الْآيْكَةِ) هَاهُنَا وَفِي ص بِالْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (لَيْكَةَ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالتَّاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ، جَعَلُوهَا اسم البلدة، وَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا في سورة الحجر وق أَنَّهُمَا مَهْمُوزَانِ مَكْسُورَانِ، وَالْأَيْكَةُ: الْغَيْضَةُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ. [177] {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء: 177] وَلَمْ يَقُلْ أَخُوهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فِي النَّسَبِ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَدْيَنَ قَالَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ أَهْلِ مَدْيَنَ وَإِلَى أَصْحَابِ الأيكة. {أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 177] [178- 180] {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 178 - 180] وَإِنَّمَا كَانَتْ دَعْوَةُ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى الدَّعْوَةِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. [181] {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} [الشعراء: 181] النَّاقِصِينَ لِحُقُوقِ النَّاسِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. [قوله تعالى وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ] . . . [182- 184] {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ - وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ - وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ} [الشعراء: 182 - 184]

الخليقة، {الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 184] يَعْنِي الْأُمَمَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْجِبِلَّةُ: الْخَلْقُ، يُقَالُ: جُبِلَ أَيْ خُلِقَ. [185- 188] {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ - وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ - فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 185 - 188] أَيْ مِنْ نُقْصَانِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَلَيْسَ الْعَذَابُ إِلَيَّ وَمَا عَلَيَّ إِلَّا الدَّعْوَةُ. [189] {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189] وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْأَسْرَابَ فَإِذَا دَخَلُوهَا وَجَدُوهَا أَشَدَّ حَرًّا فَخَرَجُوا فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ وَهِيَ الظُّلَّةُ فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نَارًا فَاحْتَرَقُوا، ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ هُودٍ (¬1) . {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] [190] {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 190] [191] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 191] [192-193] قوله عز وجل: {وَإِنَّهُ} [الشعراء: 192] يعني القرآن، {لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 192 - 193] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ: (نَزَلَ) خَفِيفٌ (الرُّوحُ الْأَمِينُ) بِرَفْعِ الْحَاءِ وَالنُّونِ، أَيْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَالنُّونِ أَيْ: نَزَّلَ اللَّهُ بِهِ جِبْرِيلَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192] [194] {عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 194] يَا مُحَمَّدُ حَتَّى وَعَيْتَهُ، {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 194] المخوفين. [195] {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ليفهموا ما فيه. [196] {وَإِنَّهُ} [الشعراء: 196] أَيْ ذِكْرُ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ذِكْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعته، {لَفِي زُبُرِ} [الشعراء: 196] كتب {الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196] [197] {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً} [الشعراء: 197] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (تَكُنْ) بِالتَّاءِ آيَةٌ بِالرَّفْعِ، جَعَلَ الْآيَةَ اسْمًا وخبره: {أَنْ يَعْلَمَهُ} [الشعراء: 197] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، (آيَةً) نَصْبٌ، جَعَلُوا الْآيَةَ خَبَرَ يَكُنْ، مَعْنَاهُ: أولم يكن لهؤلاء المتكبرين عِلْمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ آيَةً، أَيْ عَلَامَةً وَدَلَالَةً عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يُخْبِرُونَ بِوُجُودِ ذِكْرِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى الْيَهُودِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَزَمَانُهُ وَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ. قوله تعالى: {أَنْ يَعْلَمَهُ} [الشعراء: 197] يعني يعلم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197] قال عطية: كانوا خمسة: ¬

(¬1) من آية 84 إلى 95.

قوله تعالى ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون. . . .

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وابن يا مين وَثَعْلَبَةُ وَأَسَدٌ وَأُسَيْدٌ. [198] {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ} [الشعراء: 198] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ} [الشعراء: 198] جَمْعُ الْأَعْجَمِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُفْصِحُ وَلَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فِي النَّسَبِ، وَالْعَجَمِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَجَمِ, وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا. وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِعَرَبِيِّ اللِّسَانِ. [199] {فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ} [الشعراء: 199] بِغَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ، {مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 199] وَقَالُوا: مَا نَفْقَهُ قَوْلَكَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فُصِّلَتْ: 44] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِ لَمَا آمَنُوا بِهِ أَنَفَةً من اتباعه. [200] {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} [الشعراء: 200] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ أَدْخَلْنَا الشِّرْكَ وَالتَّكْذِيبَ {فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الشعراء: 200] [201] {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الشعراء: 201] أَيْ بِالْقُرْآنِ، {حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الشعراء: 201] يعني عند الموت. [202] {فَيَأْتِيَهُمْ} [الشعراء: 202] يعني العذاب، {بَغْتَةً} [الشعراء: 202] فجأة, {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الشعراء: 202] بِهِ فِي الدُّنْيَا. [203] {فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} [الشعراء: 203] أَيْ لِنُؤْمِنَ وَنُصَدِّقَ، يَتَمَنَّوْنَ الرَّجْعَةَ والنظرة. قال مقاتل: لما أوعد النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَذَابِ، قَالُوا: إِلَى مَتَى تُوعِدُنَا بِالْعَذَابِ مَتَى هَذَا الْعَذَابُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [204, 205] {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ - أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} [الشعراء: 204 - 205] كَثِيرَةً فِي الدُّنْيَا يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ وَلَمْ نُهْلِكْهُمْ. [206] {ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} [الشعراء: 206] يعني بالعذاب. [قوله تعالى مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ. . . .] [207] {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 207] بِهِ فِي تِلْكَ السِّنِينَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ وَإِنْ طَالَ تَمَتُّعُهُمْ بِنَعِيمِ الدُّنْيَا فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعَذَابُ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ طُولُ التَّمَتُّعِ شَيْئًا، وَيَكُونُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي نَعِيمٍ قَطُّ. [208] {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] رسل ينذرونهم. [209] {ذِكْرَى} [الشعراء: 209] مَحَلُّهَا نَصْبٌ أَيْ يُنْذِرُونَهُمْ، تَذْكِرَةً، وَقِيلَ: رَفْعٌ أَيْ تِلْكَ ذِكْرَى، {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء: 209] فِي تَعْذِيبِهِمْ حَيْثُ قَدَّمْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَعْذَرْنَا إِلَيْهِمْ. [210] {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء: 210] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ يُلْقُونَ الْقُرْآنَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ} [الشعراء: 210] أَيْ بِالْقُرْآنِ، الشَّيَاطِينُ. [211] {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ} [الشعراء: 211] أَنْ يُنَزَّلُوا بِالْقُرْآنِ, {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: 211] ذلك. [212] {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ} [الشعراء: 212] أَيْ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ مِنَ السماء، {لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212] أَيْ مَحْجُوبُونَ بِالشُّهُبِ مَرْجُومُونَ. [213] {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَذِّرُ بِهِ غَيْرَهُ، يَقُولُ: أَنْتَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيَّ وَلَوِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَعَذَّبْتُكَ. [214] {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فهتف يا صباحاه، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خيلا تخرج من سفح هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ "؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ" فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لهذا؟! ثم قال: فَنَزَلَتْ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتب) » (¬1) . [215] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} [الشعراء: 215] يعني ألن جانبك {لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 215] [216] {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216] مِنَ الْكُفْرِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ¬

(¬1) أخرجه البخاري في التفسير 8 / 737 ومسلم في الإيمان رقم (208) 1 / 193 والمصنف في شرح السنة 13 / 327.

[217] {وَتَوَكَّلْ} [الشعراء: 217] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ فَتَوَكَّلْ بِالْفَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْوَاوِ (وَتَوَكَّلْ) ، {عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء: 217] لِيَكْفِيَكَ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ. [218] {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} [الشعراء: 218] إِلَى صَلَاتِكَ، عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الَّذِي يَرَاكَ أَيْنَمَا كُنْتَ وَقِيلَ: حِينَ تَقُومُ لِدُعَائِهِمْ. [219] {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] يعني يَرَى تَقَلُّبَكَ فِي صَلَاتِكَ فِي حَالِ قِيَامِكَ وَرُكُوعِكَ وَسُجُودِكَ وَقُعُودِكَ. قَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي السَّاجِدِينَ أَيْ فِي الْمُصَلِّينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: أَيْ مَعَ الْمُصَلِّينَ فِي الْجَمَاعَةِ، يَقُولُ: يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَحْدَكَ لِلصَّلَاةِ وَيَرَاكَ إِذَا صَلَّيْتَ مَعَ الْمُصَلِّينَ في الجماعة. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أَيْ تَصَرُّفَكَ وَذَهَابَكَ وَمَجِيئَكَ فِي أَصْحَابِكَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي وَتَصَرُّفَكَ فِي أَحْوَالِكَ كَمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِكَ وَالسَّاجِدُونَ. هُمُ الْأَنْبِيَاءُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَرَادَ تَقَلُّبَكَ فِي أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى أَخْرَجَكَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. [220] {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الشعراء: 220] [221] {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} [الشعراء: 221] أُخْبِرُكُمْ، {عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء: 221] هذا جواب قولهم: (تتنزل عليه الشياطين) . ثم بين فقال: [222] {تَنَزَّلُ} [الشعراء: 222] أَيْ تَتَنَزَّلُ، {عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ} [الشعراء: 222] كذاب {أَثِيمٍ} [الشعراء: 222] فَاجِرٍ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْكَهَنَةُ يَسْتَرِقُ الْجِنُّ السَّمْعَ ثُمَّ يُلْقُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ. وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ. [223] {يُلْقُونَ السَّمْعَ} [الشعراء: 223] أَيْ يَسْتَمِعُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسْتَقِرِّينَ فَيُلْقُونَ إِلَى الْكَهَنَةِ، {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 223] لِأَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ بِهِ كَذِبًا كَثِيرًا. [224] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَرَادَ شُعَرَاءَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَهْجُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و (الْغَاوُونَ) ، هم الرواة الذين يروون هجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقال قتادة ومجاهد: الغاوون هم الشياطين. [225] {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ} [الشعراء: 225] من أودية الكلام، {يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225] حائرون وعن طريق الحق جائرون، وَالْهَائِمُ: الذَّاهِبُ عَلَى وَجْهِهِ لَا مَقْصِدَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي كُلِّ فَنٍّ يَفْتِنُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَمْدَحُونَ بِالْبَاطِلِ وَيَسْتَمِعُونَ وَيَهْجُونَ بِالْبَاطِلِ، فَالْوَادِي مَثَلٌ لِفُنُونِ الْكَلَامِ، كَمَا يُقَالُ: أَنَا فِي وَادٍ وَأَنْتَ فِي وَادٍ. وَقِيلَ: فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ أَيْ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ يَصُوغُونَ الْقَوَافِيَ. [226] {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 226] أَيْ:

سورة النمل

يَكْذِبُونَ فِي شِعْرِهِمْ يَقُولُونَ فَعَلْنَا وفعلنا وهم كذبة، ثُمَّ اسْتَثْنَى شُعَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُجِيبُونَ شُعَرَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَهْجُونَ شُعَرَاءَ الْكُفَّارِ، وَيُنَافِحُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ: [227] {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: 227] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ به نضح النبل» (¬1) . وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، مَا يُنَافِحُ أَوْ يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ الله» (¬2) . {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الشعراء: 227] أَيْ لَمْ يَشْغَلْهُمُ الشِّعْرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، {وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227] قال مقاتل: انتصروا في المشركين لأنهم بدأوا بِالْهِجَاءِ، ثُمَّ أَوْعَدَ شُعَرَاءَ الْمُشْرِكِينَ فقال: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الشعراء: 227] أَشْرَكُوا وَهَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] أَيَّ مَرْجِعٍ يُرْجَعُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِلَى جَهَنَّمَ وَالسَّعِيرِ. وَاللَّهُ أعلم. [سورة النمل] [قوله تعالى طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى] لِلْمُؤْمِنِينَ. . . (27) سورة النمل [1] {طس} [النمل: 1] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ. {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ} [النمل: 1] أَيْ هَذِهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ، {وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل: 1] يعني وَآيَاتُ كِتَابٍ مُبِينٍ. [2] {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 2] يَعْنِي هُوَ هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ بِالْجَنَّةِ. [3] {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [النمل: 3] أي يؤدون الصلاة بأركانها وشروطها، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النمل: 3] يعطون ما وجب عليهم من زكاة أموالهم لأربابها، {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل: 3] [4] {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل: 4] الْقَبِيحَةَ حَتَّى رَأَوْهَا حَسَنَةً، {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل: 4] أَيْ يَتَرَدَّدُونَ فِيهَا مُتَحَيِّرِينَ. [5] {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ} [النمل: 5] شِدَّةُ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ بِبَدْرٍ، {وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} [النمل: 5] لِأَنَّهُمْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَصَارُوا إِلَى النَّارِ. [6] {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ} [النمل: 6] أي تؤتى الْقُرْآنَ، {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] أَيْ وَحْيًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ. [7] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} [النمل: 7] أي واذكر يا محمد إذا قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ فِي مَسِيرِهِ مِنْ مَدْيَنَ إِلَى مِصْرَ، {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [النمل: 7] أَيْ أَبْصَرْتُ نَارًا، {سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} [النمل: 7] أَيْ امْكُثُوا مَكَانَكُمْ سَآتِيكُمْ بِخَبَرٍ عن الطريق أو النار، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ الطَّرِيقَ، {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} [النمل: 7] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِشِهَابٍ بِالتَّنْوِينِ جَعَلُوا الْقَبَسَ نَعْتًا لِلشِّهَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَهُوَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الشِّهَابَ وَالْقَبَسَ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْعُودُ الَّذِي فِي أحد طرفيه فيه نَارٌ، وَلَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ نَارٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشِّهَابُ هُوَ شَيْءٌ ذُو نُورٍ، مِثْلَ الْعَمُودِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أَبِيضَ ذِي نور شهابا، والقبس: القطعة ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق في كتاب الجامع 11 / 263 وصححه ابن حبان ص 494 من موارد الظمآن والبيهقي في السنن 10 / 239 والإمام أحمد في المسند 3 / 456 والمصنف في شرح السنة 12 / 378. (¬2) أخرجه الترمذي في الأدب 8 / 137 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وصححه الحاكم 3 / 487 والمصنف في شرح السنة 12 / 377.

من النار، {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] تَسْتَدْفِئُونَ مِنَ الْبَرْدِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الشِّتَاءِ. [8] {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل: 8] أَيْ بُورِكَ عَلَى مَنْ فِي النَّارِ أَوْ مَنْ فِي النَّارِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بَارَكَهُ اللَّهُ وَبَارَكَ فِيهِ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَرَكَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُوسَى وَالْمَلَائِكَةِ، مَعْنَاهُ: بُورِكَ فِي مَنْ طَلَبَ النَّارَ، وَهُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَنْ حَوْلَهَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ حَوْلَ النَّارِ، وَمَعْنَاهُ: بُورِكَ فِيكَ يَا مُوسَى وَفِي الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ النَّارِ، وَهَذَا تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى بِالْبَرَكَةِ، كَمَا حَيَّا إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمَلَائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّارِ النور، وذكر بِلَفْظِ النَّارِ لِأَنَّ مُوسَى حَسِبَهُ نارا، ومن فِي النَّارِ هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي رَآهُ مُوسَى كَانَ فِيهِ مَلَائِكَةٌ لَهُمْ زَجَلٌ بالتقديس والتسبيح، ومن حولها مُوسَى لِأَنَّهُ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا. وَقِيلَ: مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا جَمِيعًا الْمَلَائِكَةُ وَقِيلَ: مَنْ فِي النَّارِ موسى ومن حَوْلَهَا الْمَلَائِكَةُ، وَمُوسَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّارِ كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا كَمَا يُقَالُ: بَلَغَ فُلَانٌ الْمَنْزِلَ إِذَا قَرُبَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ بَعْدُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّارِ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ بُورِكَتِ النَّارُ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيًّا يَقْرَأُ: أَنْ بُورِكَتِ النَّارُ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَ (مَنْ) قَدْ يأتي بمعنى ما وَ (مَا) قَدْ يَكُونُ صِلَةً فِي الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ} [ص: 11] وَمَعْنَاهُ: بُورِكَ فِي النَّارِ وَفِيمَنْ حَوْلَهَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وموسى عليه السَّلَامُ، وَسَمَّى النَّارَ مُبَارَكَةً كَمَا سَمَّى الْبُقْعَةَ مُبَارَكَةً فَقَالَ: {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} [القصص: 30] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: {بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} [النمل: 8] يَعْنِي قُدِّسَ مَنْ فِي النَّارِ، وَهُوَ اللَّهُ عَنَى بِهِ نَفْسَهُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ نَادَى مُوسَى مِنْهَا وَأَسْمَعَهُ كَلَامَهُ مِنْ جِهَتِهَا، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ وَهُوَ الْمُنَزَّهُ مَنْ كُلِّ سُوءٍ وَعَيْبٍ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ. {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 8] ثُمَّ تَعَرَّفَ إِلَى مُوسَى بِصِفَاتِهِ، فَقَالَ: [9] {يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل: 9] وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهُ) عِمَادٌ وَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَقِيلَ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ، أَيِ الْأَمْرُ والشأن أي المعبود أنا، ثُمَّ أَرَى مُوسَى آيَةً عَلَى قُدْرَتِهِ، فَقَالَ: [10] {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} [النمل: 10] تتحرك، {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النَّمْلِ: 10] وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يَكْثُرُ اضْطِرَابُهَا، {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10] وهرب من الخوف، {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] ولم يَرْجِعْ، يُقَالُ: عَقِبَ فُلَانٌ إِذَا رَجَعَ، وَكُلُّ رَاجِعٍ مُعَقِّبٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] يريد إذا آمنهم لَا يَخَافُونَ أَمَّا الْخَوْفُ

قوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما

الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْإِيمَانِ فَلَا يُفَارِقُهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ» (¬1) . [11] وَقَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النمل: 11] وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، قِيلَ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُوسَى حِينَ قَتَلَ الْقِبْطِيَّ خَافَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَابَ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ لَهُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى: إِنَّمَا أَخَفْتُكَ لِقَتْلِكَ النَّفْسَ. وَقَالَ: مَعْنَى الْآيَةِ لَا يُخِيفُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ إِلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ أَحَدُهُمْ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَخَافَهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا وَتَنَاهَى الْخَبَرُ عَنِ الرُّسُلِ عِنْدَ قوله: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} [النمل: 11] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرُ عَنْ حَالِ مَنْ ظَلَمَ مِنَ النَّاسِ كَافَّةً، وَفِي الْآيَةِ مَتْرُوكٌ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ هَذَا بِاسْتِثْنَاءٍ مِنَ الْمُرْسَلِينَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الظُّلْمُ، بَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَتْرُوكِ فِي الْكَلَامِ، مَعْنَاهُ لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِنَّمَا الْخَوْفُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الظَّالِمِينَ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ تَابَ، وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، مَعْنَاهُ: لَكِنْ مَنْ ظَلَمَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَخَافُ، فَإِنْ تَابَ وَبَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَعْنِي يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ وَيُزِيلُ الْخَوْفَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: (إِلَّا هَاهُنَا بِمَعْنَى وَلَا، يَعْنِي: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ وَلَا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَقُولُ: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ وَلَا الْمُذْنِبُونَ التَّائِبُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [الْبَقَرَةِ: 150] يعني ولا الذين ظلموا، ثُمَّ أَرَاهُ اللَّهُ آيَةً أُخْرَى فَقَالَ: [12] {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [النمل: 12] والجيب حيث جبب مِنَ الْقَمِيصِ، أَيْ قُطِعَ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَتْ عَلَيْهِ مُدَرَّعَةٌ مِنْ صُوفٍ لَا كُمَّ لَهَا ولا أزرار فأدخل يد، فِي جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا، فَإِذَا هِيَ تَبْرُقُ مِثْلَ الْبَرْقِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل: 12] مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ، {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12] يَقُولُ هَذِهِ آيَةٌ مَعَ تِسْعِ آيَاتٍ أَنْتَ مُرْسَلٌ بِهِنَّ، {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل: 12] [13] {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} [النمل: 13] بَيِّنَةً وَاضِحَةً يُبْصَرُ بِهَا، {قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [النمل: 13] ظاهر. [قوله تَعَالَى وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا] وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. . . [14] {وَجَحَدُوا بِهَا} [النمل: 14] أَيْ أَنْكَرُوا الْآيَاتِ وَلَمْ يُقِرُّوا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] يعني عَلِمُوا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قوله: {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] يعني شِرْكًا وَتَكَبُّرًا عَنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] [15] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل: 15] يعني عِلْمَ الْقَضَاءِ وَمَنْطِقَ الطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَتَسْخِيرَ الشَّيَاطِينِ وَتَسْبِيحَ الْجِبَالِ، {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا} [النمل: 15] بِالنُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ وَتَسْخِيرِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ {عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15] [16] {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل: 16] نُبُوَّتَهُ وَعِلْمَهُ وَمُلْكَهُ دُونَ سَائِرِ أَوْلَادِهِ، وَكَانَ لِدَاوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا، وَأُعْطِيَ سُلَيْمَانُ مَا أُعْطِيَ دَاوُدُ مِنَ الْمُلْكِ، وَزِيدَ لَهُ تسخير الريح وتسخير الشياطين. وقال مُقَاتِلٌ: كَانَ سُلَيْمَانُ أَعْظَمَ مُلْكًا مِنْ دَاوُدَ وَأَقْضَى مِنْهُ، وَكَانَ دَاوُدُ أَشَدَّ تَعَبُّدًا مِنْ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ شَاكِرًا لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [النمل: 16] سَمَّى صَوْتَ الطَّيْرِ مَنْطِقًا لِحُصُولِ الْفَهْمِ مِنْهُ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كلام الناس {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 16] يُؤْتَى الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُلُوكُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَالْمُلْكَ وَتَسْخِيرَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالرِّيَاحِ، {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16] الزِّيَادَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى مَا أَعْطَى غيرنا. ¬

(¬1) قطعة من حديث رواه البخاري في النكاح 9 / 104 ومسلم في الصيام رقم (1108) 2 / 779.

قوله تعالى إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من

[17] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ} [النمل: 17] وجمع لِسُلَيْمَانَ، {جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ} [النمل: 17] في مسيره، {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] فهم يكفون. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يُوزَعُونَ يُسَاقُونَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُوقَفُونَ. وَقِيلَ: يُجْمَعُونَ. وَأَصْلُ الوزع الكف والمنع. [18] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ} [النمل: 18] قَالَ كَعْبٌ: إِنَّهُ وَادٍ بِالطَّائِفِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ. هُوَ أَرْضٌ بالشام. {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] وَلَمْ تَقُلْ: ادْخُلْنَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ لَهُمْ قَوْلًا كَالْآدَمِيِّينَ خُوطِبُوا بخطاب الآدميين، {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} [النمل: 18] لا يكسرنكم، {سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} [النمل: 18] وَالْحَطْمُ الْكَسْرُ، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] فسمع سليمان قولها. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّكُمْ لَوْ لَمْ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ وَطَؤُوكُمْ وَلَمْ يَشْعُرُوا بكم. [19] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 19] قَالَ الزَّجَاجُ: أَكْثَرُ ضَحِكِ الْأَنْبِيَاءِ التبسم. وقوله: {ضَاحِكًا} [النمل: 19] أَيْ مُتَبَسِّمًا. قِيلَ: كَانَ أَوَّلَهُ التبسم وآخره الضحك ثُمَّ حَمِدَ سُلَيْمَانُ رَبَّهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} [النمل: 19] أَلْهِمْنِي، {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] أَيْ أَدْخِلْنِي فِي جُمْلَتِهِمْ، وَأَثْبِتِ اسْمِى مَعَ أَسْمَائِهِمْ وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِنَ النَّبِيِّينَ. وَقِيلَ: أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ مِنْ عِبَادِكَ الصالحين. [20] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} [النمل: 20] أَيْ: طَلَبَهَا وَبَحَثَ عَنْهَا، وَالتَّفَقُّدُ طَلَبُ مَا فُقِدَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ. طَلَبَ مَا فَقَدَ مِنَ الطَّيْرِ، {فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20] أَيْ مَا لِلْهُدْهُدِ لَا أَرَاهُ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الشَّكُّ فِي غَيْبَتِهِ، فَقَالَ: {أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20] يَعْنِي أَكَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، وَالْمِيمُ صِلَةٌ، وَقِيلَ: أَمْ بِمَعْنَى بَلْ، ثُمَّ أَوْعَدَهُ عَلَى غَيْبَتِهِ، فَقَالَ: [21] {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21] لَأَقْطَعَنَّ حَلْقَهُ، {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل: 21] بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَتِهِ، وَعُذْرٍ ظاهر. [22] {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل: 22] أَيْ غَيْرَ طَوِيلٍ، {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22] وَالْإِحَاطَةُ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، يَقُولُ: عَلِمْتُ مَا لَمْ تَعْلَمْ وَبَلَغْتُ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ أَنْتَ وَلَا جُنُودُكَ، {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ} [النمل: 22] اسم البلد أو اسم رجل، {بِنَبَإٍ} [النمل: 22] بخبر {يَقِينٍ} [النمل: 22] فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: [قوله تعالى إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ] كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. . . [23] {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل: 23] وَكَانَ اسْمُهَا بِلْقِيسَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ مِنْ نَسْلِ يَعْرِبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَكَانَ أَبُوهَا مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النَّمْلِ: 23] يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ مِنَ الْآلَةِ والعدة، {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] سَرِيرٌ ضَخْمٌ كَانَ مَضْرُوبًا مِنَ الذَّهَبِ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ والزبرجد

الأخضر، وقوله من الياقوت والزمرد عليه سَبْعَةُ أَبْيَاتٍ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ باب مغلق. [24] {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] [25] {أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل: 25] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْكِسَائِيُّ (أَلَا يسجدوا) بالتخفيف وإذا وقفوا يقولون: ألا يأثم يَبْتَدِئُونَ. اسْجُدُوا، عَلَى مَعْنَى: أَلَا يَا هَؤُلَاءِ اسْجُدُوا، وَجَعَلُوهُ أَمْرًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُسْتَأْنَفًا، وَحَذَفُوا هَؤُلَاءِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ يَا عَلَيْهَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ أَلَا يَا ارْحَمُونَا، يُرِيدُونَ أَلَا يا قوم وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ أَلَا كَلَامًا مُعْتَرِضًا مِنْ غَيْرِ الْقِصَّةِ إِمَّا مِنَ الْهُدْهُدِ وَإِمَّا مِنْ سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ مُسْتَأْنَفٌ يَعْنِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْجُدُوا. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ لِئَلَّا يَسْجُدُوا، {لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ} [النمل: 25] أَيْ الْخَفِيَّ الْمُخَبَّأَ، {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 25] أَيْ مَا خَبَّأَتْ. قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. خَبْءُ السَّمَاءِ: الْمَطَرُ، وَخَبْءُ الْأَرْضِ: النَّبَاتُ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (يَخْرُجُ الْخَبْءَ مِنَ السَّمَاوَاتِ والأرض) ، ومن وفي يَتَعَاقَبَانِ تَقُولُ الْعَرَبُ: لَأَسْتَخْرِجَنَّ الْعِلْمَ فِيكُمْ يُرِيدُ مِنْكُمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْخَبْءَ الْغَيْبُ، يُرِيدُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالتَّاءِ فِيهِمَا لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ خِطَابٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْكِسَائِي بِتَخْفِيفِ أَلَا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ. [26] {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] أَيْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَالسُّجُودِ لَا غَيْرُهُ. وَعَرْشُ مَلِكَةِ سَبَأٍ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا فَهُوَ صَغِيرٌ وحقير فِي جَنْبِ عَرْشِهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَمَّ هَاهُنَا كَلَامُ الْهُدْهُدِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْهُدْهُدُ مِنْ كَلَامِهِ. [27] (قَالَ) ، سليمان للهدهد {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ} [النمل: 27] فِيمَا أَخْبَرْتَ {أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] ثُمَّ كَتَبَ سُلَيْمَانُ كِتَابًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إِلَى بِلْقِيسَ مَلِكَةِ سَبَأٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَلَا تَعْلُوَا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَكَذَلِكَ كل الْأَنْبِيَاءُ كَانَتْ تَكْتُبُ جُمَلًا لَا يُطِيلُونَ وَلَا يُكْثِرُونَ، فَلَمَّا كَتَبَ الْكِتَابَ طَبَعَهُ بِالْمِسْكِ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ. فَقَالَ لِلْهُدْهُدِ: [28] {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} [النمل: 28] تَنَحَّ عَنْهُمْ فَكُنْ قَرِيبًا مِنْهُمْ، {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28] يَرُدُّونَ مِنَ الْجَوَابِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَجَازُهَا: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، أَيْ انْصَرِفْ إِلَيَّ فَأَخَذَ الْهُدْهُدُ الْكِتَابَ فَأَتَى بِهِ إلى

قوله تعالى فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال

بلقيس، فَقَرَأَتِ الْكِتَابَ وَتَأَخَّرَ الْهُدْهُدُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَجَاءَتْ حَتَّى قَعَدَتْ عَلَى سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها. [29] {قَالَتْ} [النمل: 29] لَهُمْ بِلْقِيسُ، {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ} [النمل: 29] وَهُمْ أَشْرَافُ النَّاسِ وَكُبَرَاؤُهُمْ {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 29] قَالَ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ: سَمَّتْهُ كَرِيمًا لأنه كان مختوما، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: كِتَابٌ كَرِيمٌ أي حسن، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَرِيمٌ أَيْ شَرِيفٌ لِشَرَفِ صَاحِبِهِ، وَقِيلَ: سَمَّتْهُ كَرِيمًا لِأَنَّهُ كَانَ مُصَدَّرًا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ بينت الْكِتَابُ. [30] فَقَالَتْ: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} [النمل: 30] وَبَيَّنَتِ الْمَكْتُوبَ فَقَالَتْ {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] [31] {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} [النمل: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ. وَقِيلَ: لَا تَتَعَظَّمُوا ولا تترفعوا علي. وقيل: معناه لا تمتنعوا علي مِنَ الْإِجَابَةِ، فَإِنَّ تَرْكَ الْإِجَابَةِ مِنَ الْعُلُوِّ وَالتَّكَبُّرِ، {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31] مُؤْمِنِينَ طَائِعِينَ. قِيلَ: هُوَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ. [32] {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} [النمل: 32] أَشِيرُوا عَلَيَّ فِيمَا عَرَضَ لِي وَأَجِيبُونِي فِيمَا أُشَاوِرُكُمْ فِيهِ، {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً} [النمل: 32] قَاضِيَةً وَفَاصِلَةً، {أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] أي تحضرون. [33] {قَالُوا} [النمل: 33] مُجِيبِينَ لَهَا، {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ} [النمل: 33] فِي الْقِتَالِ, {وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} [النمل: 33] عِنْدَ الْحَرْبِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: أَرَادُوا بِالْقُوَّةِ كَثْرَةَ الْعَدَدِ وَبِالْبَأْسِ الشَّدِيدِ الشَّجَاعَةَ، وَهَذَا تَعْرِيضٌ مِنْهُمْ بِالْقِتَالِ إِنْ أَمَرَتْهُمْ بِذَلِكَ ثُمَّ قَالُوا، {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ} [النمل: 33] أَيَّتُهَا الْمَلِكَةُ فِي الْقِتَالِ وَتَرْكِهِ، {فَانْظُرِي} [النمل: 33] من الرأي، {مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] تجدين لأمرك مطيعين. [34] {قَالَتْ} [النمل: 34] بِلْقِيسُ مُجِيبَةً لَهُمْ عَنِ التَّعْرِيضِ لِلْقِتَالِ، {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً} [النمل: 34] عنوة، {أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34] خَرَّبُوهَا، {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل: 34] أَيْ أَهَانُوا أَشْرَافَهَا وَكُبَرَاءَهَا، كَيْ يَسْتَقِيمَ لَهُمُ الْأَمْرُ تُحَذِّرُهُمْ مَسِيرَ سُلَيْمَانَ إِلَيْهِمْ وَدُخُولَهُ بِلَادَهُمْ، وَتَنَاهَى الْخَبَرُ عَنْهَا هَاهُنَا، فَصَدَّقَ اللَّهُ قولها فقال: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] أَيْ كَمَا قَالَتْ هِيَ يَفْعَلُونَ. [35] ثُمَّ قَالَتْ: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل: 35] وَالْهَدِيَّةُ هِيَ الْعَطِيَّةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُلَاطَفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلْقِيسَ كَانَتِ امْرَأَةً لَبِيبَةً قَدْ سَيِسَتْ وَسَاسَتْ، فَقَالَتْ لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهَا: إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ أَيْ إِلَى سُلَيْمَانَ وَقَوْمِهِ بِهَدِيَّةٍ أُصَانِعُهُ بِهَا عَنْ مُلْكِي وَأَخْتَبِرُهُ بِهَا أَمَلِكٌ هُوَ أَمْ نَبِيٌّ؟ فَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا قَبِلَ الْهَدِيَّةَ وَانْصَرَفَ، وَإِنْ كَانَ نَبيًا لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ وَلَمْ يُرْضِهِ مِنَّا إِلَّا أَنْ نَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] فأهدت إليه، فَانْطَلَقَ الرَّسُولُ بِالْهَدَايَا، وَأَقْبَلَ الْهُدْهُدُ مُسْرِعًا إِلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ كله، ثم رد سليمان الهدية. [قوله تَعَالَى فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ] فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. . . . [36] كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ} [النمل: 36] أَعْطَانِيَ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالدِّينِ والحكمة والملك، {خَيْرٌ} [النمل: 36] أَفْضَلُ، {مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] لِأَنَّكُمْ أَهْلُ مُفَاخَرَةٍ فِي الدُّنْيَا وَمُكَاثَرَةٍ بِهَا تَفْرَحُونَ بِإِهْدَاءِ بَعْضِكُمْ إلى بعض، فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَفْرَحُ بِهَا وَلَيْسَتِ الدُّنْيَا مِنْ حَاجَتِي لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَكَّنَنِي فِيهَا وَأَعْطَانِي مِنْهَا مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا، وَمَعَ ذَلِكَ أَكْرَمَنِي بِالدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو وَأَمِيرِ الْوَفْدِ. [37] {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} [النمل: 37] بِالْهَدِيَّةِ {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ} [النمل: 37] لَا طَاقَةَ لَهُمْ، {بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا} [النمل: 37] أَيْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَهِيَ سبأ، {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37] ذَلِيلُونَ إِنْ لَمْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ وَهْبٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ: فَلَمَّا رَجَعَتْ رُسُلُ بِلْقِيسَ إِلَيْهَا مِنْ عِنْدِ سُلَيْمَانَ قَالَتْ: قَدْ عَرَفْتُ وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ وَمَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ، فَبَعَثَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ: إِنِّي قَادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي حَتَّى أَنْظُرَ مَا أَمَرُكَ وَمَا

تدعو إليه من دينك فَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى جُنُودِهِ. [38] {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] أَيْ مُؤْمِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَائِعِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِإِحْضَارِ عَرْشِهَا، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لِأَنَّ سُلَيْمَانَ عَلِمَ أَنَّهَا إِنْ أَسْلَمَتْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مالها فأراد يَأْخُذَ سَرِيرَهَا قَبْلَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ بِإِسْلَامِهَا، وَقِيلَ: لِيُرِيَهَا قدرة الله وَعِظَمَ سُلْطَانِهِ فِي مُعْجِزَةٍ يَأْتِي بِهَا فِي عَرْشِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: لِأَنَّهُ أَعْجَبَتْهُ صِفَتُهُ لَمَّا وَصَفَهُ الْهُدْهُدُ فَأَحَبَّ أَنْ يَرَاهُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ بتنكره وَتَغْيِيرِهِ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عَقْلَهَا. [39] {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ} [النمل: 39] وهو المارد القوي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعِفْرِيتُ الدَّاهِيَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ - هُوَ الْخَبِيثُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: الْغَلِيظُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ، وَقِيلَ. هُوَ صَخْرَةُ الْجِنِّيِّ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ جَبَلٍ يَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهِ، {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل: 39] أَيْ مِنْ مَجْلِسِكَ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ لَهُ كُلَّ غَدَاةٍ مَجْلِسٌ يَقْضِي فيه إلى متسع النهار، {وَإِنِّي عَلَيْهِ} [النمل: 39] أَيْ عَلَى حَمْلِهِ {لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ هذا. [40] فـ {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل: 40] وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جِبْرِيلُ. وَقِيلَ: هُوَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ سليمان. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ آصَفُ بن برخيا، وَكَانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّمَا هُوَ سُلَيْمَانُ، قَالَ لَهُ عَالِمٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَفَهْمًا: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] قَالَ سُلَيْمَانُ: هَاتِ، قَالَ أَنْتَ النَّبِيُّ ابْنُ النَّبِيِّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَوْجَهَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكَ فَإِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ وَطَلَبْتَ إِلَيْهِ كَانَ عِنْدَكَ، فَقَالَ: صَدَقْتَ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَجِيءَ بِالْعَرْشِ فِي الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. يَعْنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْكَ أَقْصَى مَنْ تَرَى، وَهُوَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ مَنْ كَانَ مِنْكَ عَلَى مَدِّ بَصَرِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الشَّخْصُ مِنْ مَدِّ الْبَصَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي إِدَامَةَ النَّظَرِ حَتَّى يَرْتَدَّ الطَّرْفُ خاسئا. قال وَهَبٌ: تَمُدُّ عَيْنَيْكَ فَلَا يَنْتَهِي طَرْفُكَ إِلَى مَدَاهُ، حَتَّى أُمَثِّلَهُ بين يديك {فَلَمَّا رَآهُ} [النمل: 40] يَعْنِي رَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ، {مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} [النمل: 40] مَحْمُولًا إِلَيْهِ مِنْ مَأْرِبَ إِلَى الشَّامِ فِي قَدْرِ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ، {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ} [النمل: 40] نعمه، {أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40] فَلَا أَشْكُرُهَا، {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل: 40] أَيْ يُعُودُ نَفْعُ شُكْرِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْجِبَ بِهِ تَمَامَ النِّعْمَةِ وَدَوَامَهَا، لِأَنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ النِّعْمَةِ الْمَوْجُودَةِ وَصَيْدُ النِّعْمَةِ الْمَفْقُودَةِ، {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} [النمل: 40] عن شكره {كَرِيمٌ} [النمل: 40] بأفضال على من يكفر نعمه. [41] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل: 41] يَقُولُ: غَيَّرُوا سَرِيرَهَا إِلَى حَالٍ تُنْكِرُهُ إِذَا رَأَتْهُ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ أَنْ يُزَادَ فِيهِ وينقص منه، وَرُوِيَ أَنَّهُ جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَأَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَجَعَلَ مَكَانَ الْجَوْهَرِ الْأَحْمَرِ أَخْضَرَ وَمَكَانَ الْأَخْضَرِ أَحْمَرَ، {نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي} [النمل: 41] إِلَى عَرْشِهَا فَتَعْرِفُهُ، {أَمْ تَكُونُ مِنَ} [النمل: 41] الجاهلين، {الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 41] إليه، إنما حَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ وَهْبٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الشَّيَاطِينَ خَافَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا سُلَيْمَانُ فَتُفْشِي إِلَيْهِ أَسْرَارَ الْجِنِّ وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّهَا كَانَتْ جِنِّيَّةً، وَإِذَا وَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا لَا يَنْفَكُّونَ مِنْ تَسْخِيرِ سُلَيْمَانَ وذريته من بعده، فأساؤوا الثَّنَاءَ عَلَيْهَا لِيُزَهِّدُوهُ فِيهَا وَقَالُوا: إِنَّ فِي عَقْلِهَا شَيْئًا وَإِنَّ رِجْلَهَا كَحَافِرِ الْحِمَارِ وَأَنَّهَا شَعْرَاءُ السَّاقَيْنِ فَأَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَهَا بِتَنْكِيرِ عَرْشِهَا، وَيَنْظُرَ إِلَى قَدَمَيْهَا بِبِنَاءِ الصَّرْحِ.

[42] {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ} [النمل: 42] لها {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 42] قَالَ مُقَاتِلٌ: عَرَفَتْهُ لَكِنَّهَا شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا شَبَّهُوا عَلَيْهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ حَكِيمَةً لَمْ تَقُلْ نَعَمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَكْذِبَ، وَلَمْ تَقُلْ لَا خَوْفًا مِنَ التَّكْذِيبِ، قَالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ فَعَرَفَ سُلَيْمَانُ كَمَالَ عَقْلِهَا حَيْثُ لَمَّ تُقِرَّ وَلَمْ تُنْكِرْ وَقِيلَ: اشْتَبَهَ عَلَيْهَا أَمْرُ الْعَرْشِ لِأَنَّهَا تَرَكَتْهُ فِي بَيْتٍ خَلْفَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مغلقة والمفاتيح معها، قيل لَهَا فَإِنَّهُ عَرْشُكِ فَمَا أَغْنَى عنك إغلاق الأبواب، فقالت: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ} [النمل: 42] بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمَانَ بِالْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَمْرِ الْهَدِيَّةِ وَالرُّسُلِ، {مِنْ قَبْلِهَا} [النمل: 42] مِنْ قَبْلِ الْآيَةِ فِي الْعَرْشِ {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل: 42] مُنْقَادِينَ طَائِعِينَ لِأَمْرِ سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا} [النمل: 42] قَالَهُ سُلَيْمَانُ، يَقُولُ: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بِاللَّهِ وَبِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بِإِسْلَامِهَا وَمَجِيئِهَا طَائِعَةً مِنْ قَبْلِ مَجِيئِهَا وَكُنَّا مسلمين طائعين لله. [43] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 43] أَيْ مَنَعَهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ الشَّمْسُ أَنْ تُعْبَدَ اللَّهَ، أَيْ صَدَّهَا عِبَادَةُ الشَّمْسِ عَنِ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ (مَا) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ. وَقِيلَ: معناه ما صدها عن عبادة الله نُقْصَانُ عَقْلِهَا كَمَا قَالَتِ الْجِنُّ: إِنَّ فِي عَقْلِهَا شَيْئًا بَلْ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَصَدَّهَا سُلَيْمَانُ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ الله أي منعها من ذَلِكَ وَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فَيَكُونُ مَحَلُّ (مَا) نَصَبًا، {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: 43] هَذَا اسْتِئْنَافٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، فَنَشَأَتْ بَيْنَهُمْ وَلَمْ تَعْرِفْ إلا عبادة الشمس. [44] قوله: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} [النمل: 44] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى قَدَمَيْهَا وَسَاقَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهَا كَشْفَهَا لَمَّا قَالَتِ الشَّيَاطِينُ: إِنَّ رِجْلَيْهَا كَحَافِرِ الْحِمَارِ وَهِيَ شَعْرَاءُ السَّاقَيْنِ، أَمَرَ الشَّيَاطِينِ فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا أَيْ قَصْرًا مِنْ زُجَاجٍ، وَقِيلَ: بَيْتًا مِنْ زُجَاجٍ كَأَنَّهُ الْمَاءُ بَيَاضًا وَقِيلَ: الصَّرْحُ صَحْنُ الدَّارِ وأجرى تحته الماء فَكَانَ الْوَاحِدُ إِذَا رَآهُ ظَنَّهُ مَاءً. وَقِيلَ: إِنَّمَا بَنَى الصَّرْحَ ليختبر عقلها وفهمها، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} [النمل: 44] وَهِيَ مُعْظَمُ الْمَاءِ, {وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل: 44] لِتَخُوضَهُ إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَظَرَ سُلَيْمَانُ فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ قَدَمًا وَسَاقًا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ شَعْرَاءَ السَّاقَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ ذَلِكَ {قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ} [النمل: 44] مملس مستو, {مِنْ قَوَارِيرَ} [النمل: 44] وَلَيْسَ بِمَاءٍ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ دَعَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ قَدْ رَأَتْ حَالَ الْعَرْشِ وَالصَّرْحَ فَأَجَابَتْ، {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44] بِالْكَفْرِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا رَأَتِ السَّرِيرَ وَالصَّرْحَ عَلِمَتْ أَنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ مِنَ اللَّهِ

قوله تعالى ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا

فَقَالَتْ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِعِبَادَةِ غَيْرِكَ، {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] أَيْ أَخْلَصْتُ لَهُ التَّوْحِيدَ، وَقِيلَ: إنها لما بلغت الصرح فظنته لُجَّةً، قَالَتْ فِي نَفْسِهَا إِنَّ سُلَيْمَانَ يُرِيدُ أَنْ يُغْرِقَنِي، وَكَانَ الْقَتْلُ عَلَيَّ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا فقولها: {ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44] تعني بذلك الظن. [قوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا] أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ. . . [45] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ} [النمل: 45] أي أن، {اعْبُدُوا اللَّهَ} [النمل: 45] وحده، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ} [النمل: 45] مؤمن وكافر، {يَخْتَصِمُونَ} [النمل: 45] فِي الدِّينِ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَاخْتِصَامُهُمْ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 75] إِلَى قَوْلِهِ: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 77] [46] فـ {قَالَ} [النمل: 46] لَهُمْ صَالِحٌ، {يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ} [النمل: 46] بالبلاء والعقوبة، {قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [النمل: 46] العافية والرحمة، {لَوْلَا} [النمل: 46] هلا {تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ} [النمل: 46] بِالتَّوْبَةِ مِنْ كُفْرِكُمْ، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل: 46] [47] {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} [النمل: 47] أَيْ تَشَاءَمْنَا، وَأَصْلُهُ تَطَيَّرْنَا، {بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} [النمل: 47] قيل: وإنما قَالُوا ذَلِكَ لِتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَمْسَكَ عَنْهُمُ الْمَطَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقُحِطُوا فَقَالُوا: أَصَابَنَا هَذَا الضُّرُّ وَالشِّدَّةُ مِنْ شُؤْمِكَ وَشُؤْمِ أَصْحَابِكَ، {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [النمل: 47] أَيْ مَا يُصِيبُكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ بِأَمْرِهِ وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْكُمْ، سُمِّيَ طَائِرًا لِسُرْعَةِ نُزُولِهِ بِالْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ أَسْرَعُ مِنْ قَضَاءٍ مَحْتُومٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشُّؤْمُ أَتَاكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِكُفْرِكُمْ. وَقِيلَ: طَائِرُكُمْ أَيْ عَمَلُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، سُمِّي طَائِرًا لِسُرْعَةِ صُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل: 47] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُخْتَبَرُونَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الْأَنْبِيَاءِ: 35] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: تُعَذَّبُونَ. [48] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ} [النمل: 48] يَعْنِي مَدِينَةَ ثَمُودَ وَهِيَ الْحِجْرُ، {تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل: 48] مِنْ أَبْنَاءِ أَشْرَافِهِمْ، {يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [النمل: 48] وَهُمُ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى عَقْرِ النَّاقَةِ وَهُمْ غُوَاةُ قَوْمِ صَالِحٍ وَرَأْسُهُمْ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى عَقْرَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بالمعاصي. [49] {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} [النمل: 49] تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: احْلِفُوا بِاللَّهِ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَمَوْضِعُ تَقَاسَمُوا جُزِمَ عَلَى الْأَمْرِ، وَقَالَ قَوْمٌ: مَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، يَعْنِي أَنَّهُمْ تَحَالَفُوا وَتَوَاثَقُوا، تَقْدِيرُهُ: قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ بِاللَّهِ، {لَنُبَيِّتَنَّهُ} [النمل: 49] أَيْ: لِنَقْتُلَنَّهُ بَيَاتًا أَيْ لَيْلًا، {وَأَهْلَهُ} [النمل: 49] أي قومه الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (لَتُبَيِّتُنَّهُ) وَ (لَتَقُولُنَّ) بِالتَّاءِ فِيهِمَا وَضَمِّ لَامِ الْفِعْلِ عَلَى الْخِطَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا وَفَتَحِ لَامِ الْفِعْلِ، {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} [النمل: 49] أَيْ لِوَلِيِّ دَمِهِ، {مَا شَهِدْنَا} [النمل: 49]

قوله تعالى فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا

ما حضرنا، {مَهْلِكَ أَهْلِهِ} [النمل: 49] أَيْ إِهْلَاكَهُمْ، وَلَا نَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ، وَمَنْ فَتَحَ الْمِيمَ فَمَعْنَاهُ هلاك أهله، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49] فِي قَوْلِنَا مَا شَهِدْنَا ذَلِكَ. [50] {وَمَكَرُوا مَكْرًا} [النمل: 50] غَدَرُوا غَدْرًا حِينَ قَصَدُوا تَبْيِيتَ صَالِحٍ وَالْفَتْكَ بِهِ، {وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النمل: 50] جَزَيْنَاهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ بِتَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] [51] {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا} [النمل: 51] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (أَنَّا) بِفَتْحِ الْأَلِفِ رَدًّا عَلَى الْعَاقِبَةِ، أَيْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (إِنَّا) بالكسر على الاستئناف، {دَمَّرْنَاهُمْ} [النمل: 51] أَيْ أَهْلَكْنَاهُمُ التِّسْعَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ هَلَاكِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَرْسَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَى دَارِ صَالِحٍ يَحْرُسُونَهُ فَأَتَى التِّسْعَةُ دَارَ صَالِحٍ شَاهِرِينَ سُيُوفَهُمْ فَرَمَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بالحجارة من حيث يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، فَقَتَلَهُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: نزل فِي سَفْحِ جَبَلٍ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَأْتُوا دَارَ صَالِحٍ، فَجَثَمَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلُ فَأَهْلَكَهُمْ، {وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل: 51] أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ. [52] {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} [النمل: 52] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ خَالِيَةً، {بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 52] أَيْ بِظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [النمل: 52] لعبرة، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 52] قُدْرَتَنَا. [53] {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل: 53] يُقَالُ: كَانَ النَّاجُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ. [54] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [النمل: 54] وَهِيَ الْفِعْلَةُ الْقَبِيحَةُ، {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّهَا فَاحِشَةٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَكَانُوا لَا يَسْتَتِرُونَ عُتُوًّا مِنْهُمْ. [55] {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] [قوله تعالى فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا] آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. . . . [56] {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ. [57] {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا} [النمل: 57] قَضَيْنَا عَلَيْهَا وَجَعَلْنَاهَا بِتَقْدِيرِنَا، {مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل: 57] أَيِ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ. [58] {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} [النمل: 58] وهو الحجارة، {فَسَاءَ} [النمل: 58] فبئس، {مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [النمل: 58] [59] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 59] هَذَا خِطَابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى هَلَاكِ كُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَقِيلَ: عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ، {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] قَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ أَبِي مَالِكٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ. هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ السَّابِقِينَ

قوله تعالى أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم

واللاحقين، {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ: (يُشْرِكُونَ) بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، يُخَاطِبُ أَهْلَ مَكَّةَ وَفِيهِ إِلْزَامُ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَلَاكِ الْكُفَّارِ، يَقُولُ: آللَّهُ خَيْرٌ لِمَنْ عَبَدَهُ أم الأصنام خير لِمَنْ عَبَدَهَا وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ نَجَّى مَنْ عَبَدَهَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَالْأَصْنَامُ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا عَنْ عابديها عند نزول العذاب بهم. [60] {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [النمل: 60] مَعْنَاهُ آلِهَتُكُمْ خَيْرٌ أَمِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [النمل: 60] يَعْنِي الْمَطَرَ، {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ} [النمل: 60] بَسَاتِينَ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَدِيقَةُ الْبُسْتَانُ الْمُحَاطُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَلَيْسَ بحديقة، {ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل: 60] أَيْ مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَالْبَهْجَةُ: الْحُسْنُ يَبْتَهِجُ بِهِ مَنْ يَرَاهُ، {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل: 60] أَيْ مَا يَنْبَغِي لَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهَا. {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 60] اسْتِفْهَامٌ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ أَيْ هل معه معبود سواه يعينه عَلَى صُنْعِهِ بَلْ لَيْسَ مَعَهُ إله. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ} [النمل: 60] يعني كفار مكة، {يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] يُشْرِكُونَ. [61] {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا} [النمل: 61] لَا تَمِيدُ بِأَهْلِهَا، {وَجَعَلَ خِلَالَهَا} [النمل: 61] وسطها {أَنْهَارًا} [النمل: 61] تَطْرُدُ بِالْمِيَاهِ، {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} [النمل: 61] جِبَالًا ثَوَابِتَ، {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ} [النمل: 61] العذب والمالح، {حَاجِزًا} [النمل: 61] مَانِعًا لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] توحيد ربهم وسلطانه. [62] {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ} [النمل: 62] الْمَكْرُوبَ الْمَجْهُودَ، {إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] الضر، {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] سُكَّانَهَا يُهْلِكُ قَرْنًا وَيُنْشِئُ آخَرَ. وَقِيلَ: يَجْعَلُ أَوْلَادَكُمْ خُلَفَاءَكُمْ. وَقِيلَ: جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الْجِنِّ فِي الْأَرْضِ. {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ وَالْآخَرُونَ بِالتَّاءِ. [63] {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل: 63] إِذَا سَافَرْتُمْ، {وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [النمل: 63] أَيْ قُدَّامَ الْمَطَرِ، {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 63] [قوله تعالى أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ] مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ. . . [64] {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النمل: 64] بَعْدَ الْمَوْتِ، {وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 64] أَيْ مِنَ السَّمَاءِ الْمَطَرَ وَمِنَ الْأَرْضِ النَّبَاتَ، {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [النمل: 64] حُجَّتَكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ أَنَّ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ. {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64] [65] {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ سَأَلُوا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ} [النمل: 65] متى، {يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] [66] {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ} [النمل: 66] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (أَدْرَكَ) عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ أَيْ بَلَغَ وَلَحِقَ، كَمَا يُقَالُ: أَدْرَكَهُ عِلْمِي إِذَا لَحِقَهُ وَبَلَغَهُ، يُرِيدُ مَا جَهِلُوا فِي الدنيا وسقط علمه عنهم أعلموه في الآخرة. وقال مُجَاهِدٌ: يُدْرِكُ عِلْمَهُمْ، {فِي الْآخِرَةِ} [النمل: 66] وَيَعْلَمُونَهَا إِذَا عَايَنُوهَا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ عِلْمُهُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: بَلْ عَلِمُوا فِي الْآخِرَةِ حِينَ عَايَنُوهَا مَا شَكُّوا وَعَمُوا عَنْهُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْلُهُ: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا} [النمل: 66] يَعْنِي هُمُ الْيَوْمَ فِي شَكٍّ مِنَ السَّاعَةِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بَلْ ادارك موصولا مشددا مع الألف بعد الدال المشدد، يعني تَدَارَكَ وَتَتَابَعَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَتَلَاحَقَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اجْتَمَعَ عِلْمُهُمْ حين عاينوها فِي الْآخِرَةِ أَنَّهَا كَائِنَةٌ، وَهُمْ في شك منها فِي وَقْتِهِمْ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ، مَعْنَاهُ: هَلْ تَدَارَكَ وَتَتَابَعَ عِلْمُهُمْ بذلك في الآخرة؟ يعني: لَمْ يَتَتَابَعْ وَضَلَّ وَغَابَ عِلْمُهُمْ بِهِ فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ، لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ ضَرْبًا مِنَ الْجَحْدِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ (بَلَى) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، (أَدَّارَكَ) بفتح الألف على الاستفهام، يعني: لم يدرك،

قوله تعالى وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين. . . .

وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ إِذَا بُعِثُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْتَوِي عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَمَا وُعِدُوا فِيهَا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَإِنْ كَانَتْ عُلُومُهُمْ مُخْتَلِفَةً فِي الدُّنْيَا، وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنَّ مَعْنَى (بَلْ) هَاهُنَا لَوْ وَمَعْنَاهُ لَوْ أَدْرَكُوا فِي الدُّنْيَا مَا أَدْرَكُوا فِي الْآخِرَةِ لم يشكوا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا فِي شَكٍّ مِنَ السَّاعَةِ. {بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66] جمع عم وهو الأعمى الْقَلْبِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ هُمْ جَهَلَةٌ بِهَا. [67] {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النمل: 67] يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل: 67] مِنْ قُبُورِنَا أَحْيَاءً، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (إِذَا) غَيْرَ مُسْتَفْهِمٍ (أَئِنَّا) بِالِاسْتِفْهَامِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ (أئنا) بهمزتين أننا بِنُونَيْنِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِاسْتِفْهَامِهَا. [68] {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا} [النمل: 68] أَيْ هَذَا الْبَعْثَ، {نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} [النمل: 68] أَيْ مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ ذلك بشيء {إِنْ هَذَا} [النمل: 68] مَا هَذَا، {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النمل: 68] أَحَادِيثُهُمْ وَأَكَاذِيبُهُمُ الَّتِي كَتَبُوهَا. [69] {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل: 69] [70] {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النمل: 70] عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْكَ، {وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل: 70] نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا أعقاب مَكَّةَ. [71] {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 71] [72] {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ} [النمل: 72] أي دنا وقرب، {لَكُمْ} [النمل: 72] وَقِيلَ تَبِعَكُمْ وَالْمَعْنَى رَدِفَكُمْ أَدْخَلَ فيه اللَّامَ كَمَا أَدْخَلَ فِي قَوْلِهِ: {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الْأَعْرَافِ: 154] قَالَ الْفَرَّاءُ: اللَّامُ صِلَةٌ زَائِدَةٌ كَمَا تَقُولُ: نَقَدْتُهُ مِائَةً وَنَقَدْتُ لَهُ {بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل: 72] مِنَ الْعَذَابِ فَحَلَّ بِهِمْ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ. [73] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [النمل: 73] قَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [النمل: 73] ذَلِكَ. [74] {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ} [النمل: 74] تخفي , {صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل: 74] [75] {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ} [النمل: 75] أَيْ جُمْلَةٍ غَائِبَةٍ مِنْ مَكْتُومِ سِرٍّ وَخُفِيِّ أَمْرٍ وَشَيْءٍ غَائِبٍ، {فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل: 75] أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. [76] {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [النمل: 76] أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ، {أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76] مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَصَارُوا أَحْزَابًا يَطْعَنُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِبَيَانِ ما اختلفوا فيه. [قوله تعالى وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. . . .] [77] {وَإِنَّهُ} [النمل: 77] يَعْنِي الْقُرْآنَ {لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 77] [78] {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي} [النمل: 78] يفصل، {بَيْنَهُمْ} [النمل: 78] أَيْ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الدِّينِ يوم القيامة، {بِحُكْمِهِ} [النمل: 78] الحق، {وَهُوَ الْعَزِيزُ} [النمل: 78] الْمَنِيعُ فَلَا يُرَدُّ لَهُ أَمْرٌ,

{الْعَلِيمُ} [النمل: 78] بِأَحْوَالِهِمْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ. [79] {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79] الْبَيِّنِ. [80] {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] يَعْنِي الْكُفَّارَ، {وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] مَعْرِضِيْنَ، فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قوله: {وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] وَإِذَا كَانُوا صُمًّا لَا يَسْمَعُونَ سَوَاءٌ وَلَّوْا أَوْ لَمْ يُوَلُّوا؟ قِيلَ: ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ: الْأَصَمُّ إِذَا كَانَ حَاضِرًا فَقَدْ يَسْمَعُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَيَفْهَمُ بِالْإِشَارَةِ، فَإِذَا وَلَّى لَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَفْهَمْ. قَالَ قَتَادَةُ: الْأَصَمُّ إِذَا وَلَّى مُدْبِرًا ثُمَّ نَادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَسْمَعُ مَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُمْ لِفَرْطِ إِعْرَاضِهِمْ عَمَّا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ كَالْمَيِّتِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى إِسْمَاعِهِ، وَالْأَصَمِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ. [81] {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ} [النمل: 81] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (تَهْدِي) بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا عَلَى الْفِعْلِ (الْعُمْيَ) بِنَصْبِ الْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي الرُّومِ، وَقَرَأَ الآخرون بهادي بالياء عَلَى الِاسْمِ، (الْعُمْيِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ، {عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل: 81] أَيْ مَا أَنْتَ بِمُرْشِدٍ مَنْ أَعْمَاهُ اللَّهُ عَنِ الْهُدَى وَأَعْمَى قَلْبَهُ عَنِ الْإِيمَانِ، {إِنْ تُسْمِعُ} [النمل: 81] مَا تُسْمِعُ، {إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} [النمل: 81] إِلَّا مَنْ يُصَدِّقُ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ من الله، {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 81] مخلصون. [82] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} [النمل: 82] وَجَبَ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل: 82] وَاخْتَلَفُوا فِي كَلَامِهَا، فَقَالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهُمْ بِبُطْلَانِ الْأَدْيَانِ سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَلَامُهَا أَنْ تَقُولَ لِوَاحِدٍ هَذَا مُؤْمِنٌ، وَتَقُولَ لِآخَرَ: هَذَا كَافِرٌ. وَقِيلَ: كَلَامُهَا مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82] قَالَ مُقَاتِلٌ: تَكَلُّمُهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَتَقُولُ: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ تُخْبِرُ النَّاسَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْقُرْآنِ وَالْبَعْثِ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ (أَنَّ النَّاسَ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ أَيْ بِأَنَّ النَّاسَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أي إن الناس كانوا بآيتنا لَا يُوقِنُونَ قَبْلَ خُرُوجِهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ حِينَ لَا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يُنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرَيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: (تكلمهم) وبفتح التَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مِنَ الْكَلْمِ وهو الجرح، وقال أَبُو الْجَوْزَاءِ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَذِهِ الآية (تكلمهم) أو (تكلم) قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المؤمن وتكلم الكافر. [83] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا} [النمل: 83] أَيْ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ جَمَاعَةً، {مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} [النمل: 83] وَلَيْسَ مِنْ هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُكَذِّبِينَ يُحْشَرُونَ، {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 83] يُحْبَسُ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ حَتَّى يجتمعوا ثم يساقوا إِلَى النَّارِ. [84] {حَتَّى إِذَا جَاءُوا} [النمل: 84] يوم القيامة، {قَالَ} [النمل: 84] اللَّهُ لَهُمْ، {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} [النمل: 84] ولم تعرفوها حق معرفتها، {أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 84] حِينَ لَمَّ تُفَكِّرُوا فِيهَا وَمَعْنَى الْآيَةِ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِهَا وَلَمْ تُفَكِّرُوا فِي صِحَّتِهَا بَلْ كَذَبْتُمْ بِهَا جَاهِلِينَ. [85] {وَوَقَعَ الْقَوْلُ} [النمل: 85] وَجَبَ الْعَذَابُ، {عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 85] بِمَا أَشْرَكُوا، {فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ} [النمل: 85] قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ يَنْطِقُونَ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ - وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [الْمُرْسَلَاتِ: 35 - 36] وَقِيلَ: لَا يَنْطِقُونَ لِأَنَّ أَفْوَاهَهُمْ مَخْتُومَةٌ. [86] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا} [النمل: 86] خَلَقْنَا، {اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [النمل: 86] مُضِيئًا يُبْصَرُ فِيهِ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل: 86] يُصَدِّقُونَ فَيَعْتَبِرُونَ. [87] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل: 87] وَالصُّورُ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ وقال الحسن: الصور هي الْقَرْنُ، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَهُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تُجْمَعُ فِي الْقَرْنِ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ فَتَذْهَبُ الْأَرْوَاحُ إِلَى

قوله تعالى من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من

الأجساد فتحيا بالأجساد، قوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [النمل: 87] أَيْ فَصَعِقَ كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الزُّمَرِ: 68] أي ماتوا، والمعنى أنه يُلْقَى عَلَيْهِمُ الْفَزَعُ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا وَقِيلَ: يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ نَفْخَةَ الْفَزَعِ وَنَفْخَةَ الصَّعْقِ وَنَفْخَةَ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، قَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل: 87] اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ قَوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل: 87] قال: هم الشهداء المقلدون أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ» (¬1) وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الشُّهَدَاءُ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَيْهِمْ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: الشُّهَدَاءُ ثنية الله أَيِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ ومكائيل وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ، فَلَا يَبْقِى بَعْدَ النَّفْخَةِ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ يَقْبِضُ اللَّهُ رُوحَ مِيكَائِيلَ ثُمَّ رُوحَ مَلَكِ الْمَوْتِ، ثُمَّ رُوحَ جِبْرِيلَ فَيَكُونُ آخِرُهُمْ مُوتًا جبريل {وَكُلٌّ} [النمل: 87] أي كل الَّذِينَ أُحْيُوا بَعْدَ الْمَوْتِ، {أَتَوْهُ} [النمل: 87] قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ {أَتَوْهُ} [النمل: 87] مَقْصُورًا بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ أَيْ جَاءُوهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْمَدِّ وَضَمِّ التَّاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مَرْيَمَ: 95] {دَاخِرِينَ} [النمل: 87] صاغرين. [88] قال الله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} [النمل: 88] قَائِمَةً وَاقِفَةً، {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88] أي تسير سير السحاب، {صُنْعَ اللَّهِ} [النمل: 88] نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] يعني أَحْكَمَ، {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ بالياء والباقون بالتاء. [قوله تعالى مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن] فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ. . . . [89] {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [النمل: 89] بكلمة الإخلاص وهي الشهادة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَحْلِفُ وَلَا يَسْتَثْنِي أَنَّ الْحَسَنَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْإِخْلَاصِ. وَقِيلَ: هِيَ كَلُّ الطاعة، {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمِنْهَا يَصِلُ الْخَيْرُ إِلَيْهِ يَعْنِي لَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَسَنَةِ خَيْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْأَمْنُ مِنَ الْعَذَابِ, أَمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَلَا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِنْ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] يَعْنِي رِضْوَانَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التَّوْبَةِ: 72] وقال محمد بن كعب: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ: {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] يَعْنِي الْأَضْعَافَ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَاحِدَةِ عَشْرًا فَصَاعِدًا، وَهَذَا حَسَنٌ لِأَنَّ لِلْأَضْعَافِ خَصَائِصٌ مِنْهَا أَنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ عَنْ عَمَلِهِ وَلَا يُسْأَلُ عَنِ الْأَضْعَافِ, وَمِنْهَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ سَبِيلًا إِلَى عَمَلِهِ وَلَيْسَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى الْأَضْعَافِ وَلَا مطمع ¬

(¬1) عزاه السيوطي في الدر (7 / 249) لأبي يعلى والدارقطني وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي.

سورة القصص

لِلْخُصُومِ فِي الْأَضْعَافِ وَلِأَنَّ الْحَسَنَةَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ وَالتَّضْعِيفَ كَمَا يَلِيقُ بِكَرَمِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل: 89] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ فَزَعٍ بِالتَّنْوِينِ يَوْمَئِذٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْإِضَافَةِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْنَ مِنْ جَمِيعِ فَزَعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَبِالتَّنْوِينِ كَأَنَّهُ فَزَعٌ دُونَ فَزَعٍ، وَيَفْتَحُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِيمَ مِنْ يَوْمَئِذٍ. [90] {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ} [النمل: 90] يَعْنِي الشِّرْكَ، {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90] يَعْنِي أُلْقُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، يُقَالُ: كبت الرَّجُلَ إِذَا أَلْقَيْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ فَانْكَبَّ وَأَكَبَّ، وَتَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ. [91] قَوْلُهُ تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ} [النمل: 91] يَقُولُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ، {أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} [النمل: 91] يعني مكة، {الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91] يعني جَعَلَهَا اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا لَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ وَلَا يُظْلَمُ فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل: 91] خَلْقًا وَمِلْكًا، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل: 91] لله. [92] {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: 92] يَعْنِي وَأُمِرْتُ أن أَتْلُوَ الْقُرْآنَ، {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [النمل: 92] أَيْ نَفْعُ اهْتِدَائِهِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، {وَمَنْ ضَلَّ} [النمل: 92] عَنِ الْإِيمَانِ وَأَخْطَأَ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، {فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [النمل: 92] مِنَ الْمُخَوِّفِينَ فَلَيْسَ عَلَيَّ إِلَّا الْبَلَاغُ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [93] {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 93] على نعمه، {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [النمل: 93] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَضَرْبِ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الْأَنْبِيَاءِ: 37] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53] {فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93] يعني تعرفون الآيات والدلالات، [سورة القصص] [قوله تعالى طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. . . .] (28) سورة القصص [1] {طسم} [القصص: 1] [2] {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص: 2] [3] {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ} [القصص: 3] بالصدق، {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 3] يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ. [4] {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا} [القصص: 4] اسْتَكْبَرَ وَتَجَبَّرَ وَتَعَظَّمَ، {فِي الْأَرْضِ} [القصص: 4] أَرْضِ مِصْرَ، {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص: 4] فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي الْخِدْمَةِ وَالتَّسْخِيرِ، {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} [القصص: 4] أراد الطائفة بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ فَسَّرَ الِاسْتِضْعَافَ فَقَالَ، {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4] سَمَّى هَذَا اسْتِضْعَافًا لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا أو

قوله تعالى ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون

ضعفوا عَنْ دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] [5] {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5] يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 5] قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وُلَاةً وَمُلُوكًا دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [الْمَائِدَةِ: 20] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُعَاةً إِلَى الخير. {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] يَعْنِي أَمْلَاكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ يَخْلُفُونَهُمْ في مساكنهم. [قوله تعالى وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ] وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ. . . [6] {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [القصص: 6] أوطّن لهم في الأرض مِصْرَ وَالشَّامِ، وَنَجْعَلَهَا لَهُمْ مَكَانًا يستقرون فيه، {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ} [القصص: 6] قرأ الأعمش وحمزة والكسائي (يرى) بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا، {فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} [القصص: 6] مَرْفُوعَاتٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِ الرَّاءِ وَنَصْبِ الْيَاءِ وَنَصْبِ مَا بعده يوقع الْفِعْلِ عَلَيْهِ، {مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 6] وَالْحَذَرُ هُوَ التَّوَقِّي مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَانُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْهُ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ. [7] {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} [القصص: 7] وهو وحي إلهام ولا وَحْيَ نُبُوَّةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قَذَفْنَا في قلبها، وأم موسى يوحانذ بِنْتُ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، {أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، قِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ - أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَانَتْ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، وَهُوَ لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} [القصص: 7] يَعْنِي مِنَ الذَّبْحِ، {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص: 7] وَالْيَمُّ الْبَحْرُ وَأَرَادَ هَاهُنَا النِّيلَ، {وَلَا تَخَافِي} [القصص: 7] قِيلَ: لَا تَخَافِي عَلَيْهِ مِنَ الْغَرَقِ، وَقِيلَ: مِنَ الضَّيْعَةِ، {وَلَا تَحْزَنِي} [القصص: 7] عَلَى فِرَاقِهِ، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] رَوَى عَطَاءٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ. إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَثُرُوا بِمِصْرَ اسْتَطَالُوا عَلَى النَّاسِ وَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَلَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقِبْطَ فَاسْتَضْعَفُوهُمْ إِلَى أن أنجاهم الله على يد نبيه. [8] {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} [القصص: 8] وَالِالْتِقَاطُ هُوَ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] وَهَذِهِ اللَّامُ تُسَمَّى لَامَ الْعَاقِبَةِ وَلَامَ الصَّيْرُورَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا وَلَكِنْ صَارَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ إِلَى ذَلِكَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (حُزْنًا) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالزَّايِ وَهُمَا لُغَتَانِ، {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8] عَاصِينَ آثِمِينَ. [9] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} [القصص: 9] دعه يكون قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، {لَا تَقْتُلُوهُ} [القصص: 9] وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ إِنَّهُ أَتَانَا مَنْ أَرْضٍ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 9] أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ فَاسْتَحْيَاهُ فِرْعَوْنُ وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ. [10] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} [القصص: 10] أَيْ خَالِيًا مَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وَهَمِّهِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فَارِغًا أَيْ نَاسِيًا لِلْوَحْيِ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا حِينَ أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ وَلَا تَخَافُ وَلَا تَحْزَنُ، وَالْعَهْدُ الَّذِي عَهَدَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهَا وَيَجْعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ فقال: كرهت أن يقتله فرعون ورجاله فَيَكُونَ لَكِ أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ وَتَوَلَّيْتِ أنت قتله فألقيتيه في البحر، وأغرقتيه، فلما أَتَاهَا الْخَبَرُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ أَصَابَهُ فِي النِّيلِ قَالَتْ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي يَدِ عَدُوِّهِ الَّذِي فَرَرْتُ منه، فأنساها عظم الْبَلَاءِ مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَارِغًا أَيْ فَارِغًا مِنَ الْحُزْنِ لِعِلْمِهَا بِصِدْقِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْكَرَ الْقُتَيْبِيُّ هَذَا وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى

قوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما

يَقُولُ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص: 10] والأول أصح قوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} [القصص: 10] قِيلَ: الْهَاءُ فِي بِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى مُوسَى أَيْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ شِدَّةِ وَجْدِهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَادَتْ تَقُولُ وَابْنَاهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا رَأَتِ التَّابُوتَ يَرْفَعُهُ مَوْجٌ وَيَضَعُهُ آخَرُ خَشِيَتْ عَلَيْهِ الْغَرَقَ فَكَادَتْ تَصِيحُ مِنْ شَفَقَتِهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَادَتْ تُظْهِرُ أَنَّهُ ابْنُهَا وَذَلِكَ حِينَ سَمِعَتِ النَّاسَ يَقُولُونَ لِمُوسَى بَعْدَمَا شَبَّ: مُوسَى بن فرعون، فشق عليها وكادت تقول: بلى هُوَ ابْنِي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى الْوَحْيِ أَيْ كَادَتْ تُبْدِي بِالْوَحْيِ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهَا، {لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص: 10] بِالْعِصْمَةِ وَالصَّبْرِ وَالتَّثْبِيتِ، {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] الْمُصَدِّقِينَ لِوَعْدِ اللَّهِ حِينَ قَالَ لها: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} [القصص: 7] [11] {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ} [القصص: 11] أَيْ لِمَرْيَمَ أُخْتِ مُوسَى {قُصِّيهِ} [القصص: 11] اتْبَعِي أَثَرَهُ حَتَّى تَعْلَمِي خَبَرَهُ، {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} [القصص: 11] أَيْ عَنْ بُعْدٍ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْشِي جَانِبًا وَتَنْظُرُ اختلاسا تُري أَنَّهَا لَا تَنْظُرُهُ، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 11] أَنَّهَا أُخْتُهُ وَأَنَّهَا تَرْقُبُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ كل هَمُّهَا مِنَ الدُّنْيَا أَنْ تَجِدَ له مرضعة وكلما أَتَوْا بِمُرْضِعَةٍ لَمْ يَأْخُذْ ثَدْيَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: [12] {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] وَالْمُرَادُ مِنَ التَّحْرِيمِ الْمَنْعُ وَالْمَرَاضِعُ جمع المرضع، {مِنْ قَبْلُ} [القصص: 12] أَيْ مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ أُمِّ مُوسَى فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُ مُوسَى الَّتِي أَرْسَلَتْهَا أُمُّهُ فِي طَلَبِهِ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ؟ وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ مُوسَى مَكَثَ ثَمَانِ لَيَالٍ لَا يَقْبَلُ ثَدْيًا وَيَصِيحُ وَهُمْ فِي طَلَبِ مُرْضِعَةٍ له، {فَقَالَتْ} [القصص: 12] يَعْنِي أُخْتَ مُوسَى، {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ} [القصص: 12] أي يضمونه {لَكُمْ} [القصص: 12] وَيُرْضِعُونَهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ قَدْ قُتِلَ وَلَدُهَا فَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهَا أَنْ تَجِدَ صَغِيرًا تُرْضِعُهُ، {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12] وَالنُّصْحُ ضِدُّ الْغِشِّ وَهُوَ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ شَوَائِبِ الْفَسَادِ، قَالُوا: نعم فَأْتِينَا بِهَا، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهَا وَأَخْبَرَتْهَا بِحَالِ ابْنِهَا وَجَاءَتْ بِهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَجَدَ الصَّبِيُّ رِيحَ أُمِّهُ قَبِلَ ثَدْيَهَا وَجَعَلَ يَمُصُّهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [13] {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} [القصص: 13] بِرَدِّ مُوسَى إِلَيْهَا، {وَلَا تَحْزَنَ} [القصص: 13] أي لئلا تَحْزَنَ، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [القصص: 13] بِرَدِّهِ إِلَيْهَا، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 13] أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهَا رَدَّهُ إِلَيْهَا. [قوله تعالى وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا] وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. . . . [14] {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [القصص: 14] قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْأَشُدُّ مَا بَيْنَ ثماني عشر سنة إلى ثلاثين سنة. وقال مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، {وَاسْتَوَى} [القصص: 14] أي بلغ أربعين سنة، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: اسْتَوَى انْتَهَى شبابه {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص: 14] أَيِ الْفِقْهَ وَالْعَقْلَ وَالْعِلْمَ فِي الدِّينِ، فَعَلِمَ مُوسَى

وَحَكَمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] [15] قوله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ} [القصص: 15] يَعْنِي دَخَلَ مُوسَى الْمَدِينَةَ، قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ مَدِينَةُ مَنْفَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ - وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَتْ قرية يقال لها حَابِينَ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ مِنْ مِصْرَ. وَقِيلَ: مَدِينَةُ عَيْنِ الشَّمْسِ، {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} [القصص: 15] وهو وَقْتَ الْقَائِلَةِ وَاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْقَيْلُولَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: دَخَلَهَا فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ. قَالَ السُّدِّيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ موسى كَانَ يُسَمَّى ابْنُ فِرْعَوْنَ، فَكَانَ يَرْكَبُ مَرَاكِبَ فِرْعَوْنَ وَيَلْبَسُ مِثْلَ مَلَابِسِهِ فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى قِيلَ لَهُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ رَكِبَ فَرَكِبَ فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ الْمَقِيلُ بِأَرْضِ مَنْفَ فَدَخَلَهَا نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي طَرَفِهَا أَحَدٌ، {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ} [القصص: 15] يَخْتَصِمَانِ وَيَتَنَازَعَانِ، {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} [القصص: 15] من بَنِي إِسْرَائِيلَ {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] من القبط وَقِيلَ: هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ أَيْ هَذَا مُؤْمِنٌ وهذا كافر، {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ، وَالِاسْتِغَاثَةُ طَلَبُ الْغَوْثِ فَغَضِبَ مُوسَى وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْزِلَةَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَحِفْظَهُ لَهُمْ، وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الرَّضَاعَةِ من أم موسى {فَوَكَزَهُ مُوسَى} [القصص: 15] وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (فَلَكَزَهُ مُوسَى) ومعناهما واحد وهو الضرب بجميع الْكَفِّ. وَقِيلَ: الْوَكْزُ الضَّرْبُ فِي الصَّدْرِ وَاللَّكْزُ فِي الظَّهْرِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الدَّفْعُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْوَكْزُ الدَّفْعُ بأطراف الأصابع؟ {فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] أَيْ فَقَتَلَهُ وَفَرَغَ مِنْ أَمْرِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتَ مِنْهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وَقَضَيْتَ عَلَيْهِ، فَنَدِمَ مُوسَى عليه ولم يكن قصده القتل {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص: 15] أَيْ بَيِّنُ الضَّلَالَةِ. [16] {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [القصص: 16] بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ، {فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16] [17] {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [القصص: 17] بالمغفرة، {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا} [القصص: 17] عونا، {لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْكَافِرِينَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ الَّذِي أَعَانَهُ مُوسَى كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، قَالَ قَتَادَةُ: لَنْ أُعِينَ بَعْدَهَا عَلَى خَطِيئَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. [18] {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ} [القصص: 18] أَيْ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فيها القبطي {خَائِفًا} [القصص: 18] من قتله القبطي، {يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] يَنْتَظِرُ سُوءًا، وَالتَّرَقُّبُ: انْتِظَارُ الْمَكْرُوهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْخَذُ بِهِ، {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} [القصص: 18] يَسْتَغِيثُهُ وَيَصِيحُ بِهِ مِنْ بُعّدٍ {قَالَ لَهُ مُوسَى} [القصص: 18] للإسرائيلي {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]

قوله تعالى ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي

ظَاهِرُ الْغَوَايَةِ قَاتَلْتَ بِالْأَمْسِ رَجُلًا فَقَتَلْتُهُ بِسَبَبِكِ، وَتُقَاتِلُ الْيَوْمَ آخَرَ وَتَسْتَغِيثُنِي عَلَيْهِ وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مُوسَى لِلْفِرْعَوْنِيِّ: إِنَّكَ لَغَوِيُّ مُبِينٌ بِظُلْمِكَ. وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ. [19] {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} [القصص: 19] وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ بالإسرائيلي فعد يَدَهُ لِيَبْطِشَ بِالْفِرْعَوْنِيِّ فَظَنَّ الْإِسْرَائِيلِيُّ أنه يريد أن يبطش له لما رأى من غضبه ومع قَوْلَهُ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ} [القصص: 19] مَا تُرِيدُ، {إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 19] بِالْقَتْلِ ظُلْمًا، {وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19] فَلَمَّا سَمِعَ الْقِبْطِيُّ مَا قَالَ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلِمَ أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي قَتَلَ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيَّ فَانْطَلَقَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ لِقَتْلِ مُوسَى أَخَذُوا الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ. [20] {وَجَاءَ رَجُلٌ} [القصص: 20] مِنْ شِيعَةِ مُوسَى، {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} [القصص: 20] أي من آخرها {يَسْعَى} [القصص: 20] أَيْ يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ فَأَخَذَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتَّى سَبَقَ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرَهُ وَأَنْذَرَهُ حَتَّى أَخَذَ طَرِيقًا آخَرَ، {قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} [القصص: 20] يَعْنِي أَشْرَافَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَتَشَاوَرُونَ فيك، {لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] قَالَ الزَّجَّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بقتلك، {فَاخْرُجْ} [القصص: 20] مِنَ الْمَدِينَةِ، {إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20] فِي الْأَمْرِ لَكَ بِالْخُرُوجِ. [21] {فَخَرَجَ مِنْهَا} [القصص: 21] موسى، {خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 21] أَيْ يَنْتَظِرُ الطَّلَبَ، {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21] الكافرين. [قوله تعالى وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي] أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ. . . [22] {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} [القصص: 22] أي قصد نحوها ماضيا يُقَالُ: دَارُهُ تِلْقَاءَ دَارِ فُلَانٍ إذا كانت محاذيتها، وَأَصْلُهُ مِنَ اللِّقَاءِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: يعني سلك الطريق التي يلقى مَدْيَنَ فِيهَا، وَمَدْيَنُ هُوَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سُمِّيَتِ الْبَلْدَةُ بِاسْمِهِ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ خَرَجَ خَائِفًا بِلَا ظَهْرٍ وَلَا حِذَاءٍ وَلَا زَادٍ، وَكَانَتْ مَدْيَنُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22] أَيْ قَصْدَ الطَّرِيقِ إِلَى مَدْيَنَ، قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يعرف الطريق إليها. [23] {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} [القَصَصِ: 23] وَهُوَ بِئْرٌ كَانُوا يَسْقُونَ مِنْهَا مواشيهم، {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً} [القصص: 23] جماعة، {مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص: 23] مواشيهم، {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ} [القصص: 23] يَعْنِي سِوَى الْجَمَاعَةِ، {امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص: 23] يَعْنِي تَحْبِسَانِ وَتَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنِ الْمَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ وَتَخْلُوَ لهما الْبِئْرُ، قَالَ الْحَسَنُ: تَكُفَّانِ الْغَنَمَ عَنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِأَغْنَامِ النَّاسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَكُفَّانِ النَّاسَ عَنْ أَغْنَامِهِمَا. وَقِيلَ: تَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنْ أَنْ تَشِذَّ وَتَذْهَبَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أصوبهما لِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: {قَالَ} [القصص: 23] يَعْنِي مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ، {مَا خَطْبُكُمَا} [القصص: 23] مَا شَأْنُكُمَا لَا تَسْقِيَانِ مَوَاشِيَكُمَا مَعَ النَّاسِ، {قَالَتَا لَا نَسْقِي} [القصص: 23] أغنامنا، {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} [القصص: 23] قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ (يَصْدُرَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الدَّالِ عَلَى اللُّزُومِ، أَيْ حَتَّى يَرْجِعَ الرِّعَاءُ عَنِ الْمَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ حَتَّى يَصْرِفُوا هُمْ مواشيهم عن الماء، والرعاء جَمْعُ رَاعٍ مِثَلَ تَاجِرٍ وَتُجَّارٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا نَسْقِي مَوَاشِيَنَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ لِأَنَّا امْرَأَتَانِ لا نطيق أن نستسقي وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ، فَإِذَا صَدَرُوا سَقَيْنَا مَوَاشِيَنَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِيهُمْ فِي الْحَوْضِ، {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23] لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْقِيَ مَوَاشِيَهُ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا نَحْنُ إِلَى سَقْيِ الْغَنَمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ أَبِيهِمَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْحَسَنُ: شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَسَعِيدُ بْنُ جبير: هو بيرون بن أخي شعيب، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى قَوْلَهَمَا رَحِمَهُمَا فَاقْتَلَعَ صَخْرَةً مِنْ رَأْسِ بِئْرٍ لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا جَمَاعَةٌ من الناس، فسقى غنم

المرأتين. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: [24] {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص: 24] ظِلِّ شَجَرَةٍ فَجَلَسَ فِي ظِلِّهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ جَائِعٌ، {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} [القصص: 24] من طعام، {فَقِيرٌ} [القصص: 24] قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى يُقَالُ: هُوَ فَقِيرٌ لَهُ وَفَقِيرٌ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ أَيْ طَعَامٍ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، كَانَ يَطْلُبُ الطعام لجوعه فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا سَرِيعًا قَبْلَ النَّاسِ وَأَغْنَامُهُمَا حُفَّلٌ بِطَانٌ قَالَ لَهُمَا: مَا أَعَجَلَكُمَا؟ قَالَتَا: وَجَدْنَا رَجُلًا صَالِحًا رَحِمَنَا فَسَقَى لَنَا أَغْنَامَنَا، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: اذْهَبِي فَادْعِيهِ لِي. [25] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [القصص: 25] قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً، وَلَكِنْ جَاءَتْ مُسْتَتِرَةً قَدْ وَضَعَتْ كُمَّ دِرْعِهَا عَلَى وَجْهِهَا اسْتِحْيَاءً {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] فَمَشَتِ الْمَرْأَةُ وَمَشَى مُوسَى خَلْفَهَا، فَكَانَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَهَا فَتَصِفُ رِدْفَهَا فَكَرِهُ مُوسَى أَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهَا امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ إِنْ أخطأت ففعلت ذلك، {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} [الْقَصَصَ: 25] يَعْنِي أَمْرَهُ أَجْمَعَ، مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ وَقَصْدِ فِرْعَوْنَ قَتْلَهُ، {قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ سلطان على أهل مَدْيَنَ. [26] {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} [القصص: 26] اتَّخِذْهُ أَجِيرًا لِيَرْعَى أَغْنَامَنَا، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26] يَعْنِي خَيْرَ مَنِ اسْتَعْمَلْتَ مَنْ قوي على العمل وأداء الْأَمَانَةَ، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ؟ قَالَتْ: أَمَّا قُوَّتُهُ فَإِنَّهُ رَفَعَ حَجَرًا مِنْ رأس البر لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةٌ. وَقِيلَ: إِلَّا أَرْبَعُونَ رَجُلًا. وَأَمَّا أَمَانَتُهُ فَإِنَّهُ قَالَ لِي: امْشِي خَلْفِي حَتَّى لَا تَصِفَ الرِّيحُ بَدَنَكِ. [27] {قَالَ} [القصص: 27] شُعَيْبٌ عِنْدَ ذَلِكَ، {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27] قيل: زَوَّجَهُ الْكُبْرَى وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ زَوَّجَهُ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَاسْمُهَا صَفُّورَةُ وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ لِطَلَبِ مُوسَى، {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] يَعْنِي أَنْ تَكُونَ أَجِيرًا لِي ثَمَانِ سِنِينَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يَعْنِي اجعل ثَوَابِي مِنْ تَزْوِيجِهَا أَنْ تَرْعَى غنمي، تَقُولُ الْعَرَبَ: آجَرَكَ اللَّهُ بِأَجْرِكَ أَيْ أَثَابَكَ وَالْحِجَجُ السُّنُونَ وَاحِدَتُهَا حِجَّةٌ، {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص: 27] أَيْ إِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ فذلك تفضل منك وتبرع، وليس بِوَاجِبٍ عَلَيْكَ، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} [القصص: 27] أن أُلْزِمَكَ تَمَامَ الْعَشْرِ إِلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27] قَالَ عُمَرُ: يَعْنِي فِي حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْوَفَاءِ بِمَا قُلْتَ.

قوله تعالى فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس

[28] {قَالَ} [القصص: 28] موسى {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} [القصص: 28] يَعْنِي هَذَا الشَّرْطُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَمَا شَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ وَمَا شرطت أن تَزْوِيجِ إِحْدَاهُمَا فَلِي، وَالْأَمْرُ بَيْنَنَا، تَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ قَالَ: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} [القصص: 28] يعني أي الأجلين (وما) صلة نصب بمعنى أتممت أو فرغت من الثَّمَانِ أَوِ الْعَشْرِ، {فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص: 28] لا ظلم لي بأن أطالب بأكثر منهم، {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: شَهِيدٌ فيما بيني وبينك. [قوله تعالى فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ] مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا. . . [29] {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ} [القصص: 29] يَعْنِي أَتَمَّهُ وَفَرَغَ مِنْهُ، {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص: 29] فَخَرَجَ بِأَهْلِهِ إِلَى جَانِبِ مِصْرَ، {آنَسَ} [القصص: 29] يَعْنِي أَبْصَرَ، {مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص: 29] وَكَانَ فِي الْبَرِّيَّةِ فِي لَيْلَةٍ مظلمة شاتية شَدِيدَةِ الْبَرْدِ وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ الطَّلْقُ، {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} [القصص: 29] يعني عَنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ} [القصص: 29] يَعْنِي قِطْعَةً وَشُعْلَةً مِنَ النَّارِ، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ: قَرَأَ عَاصِمٌ (جَذْوَةٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِضَمِّهَا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ الْعُودُ الَّذِي قد احترق بعضه وجمعها أجذى، {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: 29] تَسْتَدْفِئُونَ. [30] {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ} [القصص: 30] يعني مِنْ جَانِبِ الْوَادِي الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسَى، {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} [القصص: 30] لِمُوسَى جَعَلَهَا اللَّهُ مُبَارَكَةً لِأَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى هُنَاكَ وَبَعَثَهُ نَبِيًّا. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ الْمُقَدَّسَةَ، {مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص: 30] من ناحية الشجرة {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] [31] {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} [القصص: 31] تتحرك، {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [القصص: 31] وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ سُرْعَةِ حركتها، {وَلَّى مُدْبِرًا} [القصص: 31] هاربا منها، {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص: 31] لَمْ يَرْجِعْ فَنُودِيَ، {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص: 31] [32] {اسْلُكْ} [القصص: 32] أَدْخِلَ {يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [القصص: 32] بَرَصٍ فَخَرَجَتْ وَلَهَا شُعَاعٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ، {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص: 32] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ بِضَمِّ الواو وسكون الهاء وبفتح الراء حفص، وقرأ الآخرون بفتحها وَكُلُّهَا لُغَاتٌ بِمَعْنَى الْخَوْفِ وَمَعْنَى الآية إذا هَالَكَ أمر يدك ما تَرَى مِنْ شُعَاعِهَا فَأَدْخِلْهَا فِي جَيْبِكَ تَعُدْ إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى وَالْجَنَاحُ الْيَدُ كُلُّهَا. وَقِيلَ: هُوَ الْعَضُدُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَمَرَهُ الله بضم يَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَذْهَبَ عَنْهُ مَا نَالَهُ مِنَ الْخَوْفِ عِنْدَ معاينة الحية. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ ضَمِّ الْجَنَاحِ السكون يعني سكن روعك واخفض عليك جأشك لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْخَائِفِ أَنْ يَضْطَرِبَ قَلْبُهُ وَيَرْتَعِدَ بَدَنُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الْإِسْرَاءِ: 24] يُرِيدُ الرِّفْقَ، وَقَوْلُهُ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 215] أَيْ ارْفُقْ بهم

قوله تعالى فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا

وألن جانبك لهم، وقال الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِالْجَنَاحِ الْعَصَا، مَعْنَاهُ اضْمُمْ إِلَيْكَ عَصَاكَ، وَقِيلَ: الرَّهْبُ الْكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْأَعْرَابِ يَقُولُ: أَعْطِنِي مَا فِي رَهْبِكَ أَيْ فِي كُمِّكَ، مَعْنَاهُ اضْمُمْ إِلَيْكَ يَدَكَ وَأَخْرِجْهَا مِنَ الْكُمِّ، لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ الْعَصَا وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ، {فَذَانِكَ} [القصص: 32] يَعْنِي الْعَصَا وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ، {بُرْهَانَانِ} [القصص: 32] آيَتَانِ، {مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص: 32] [33] {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [القصص: 33] [34] {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص: 34] وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي لِسَانِهِ مِنْ وَضْعِ الْجَمْرَةِ فِي فِيهِ، {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا} [القصص: 34] عَوْنًا، يُقَالُ: رَدَأْتُهُ أَيْ أَعَنْتُهُ، {يُصَدِّقُنِي} [القصص: 34] قرأ ابن عمر وعامر وَحَمْزَةُ بِرَفْعِ الْقَافِ عَلَى الْحَالِ، أي ردًّا مُصَدِّقًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الدُّعَاءِ وَالتَّصْدِيقِ لِهَارُونَ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لِكَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ، {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [القصص: 34] يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. [35] {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35] أَيْ نُقَوِّيكَ بِأَخِيكَ وَكَانَ هَارُونُ يَوْمَئِذٍ بِمِصْرَ، {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} [القصص: 35] حُجَّةً وَبُرْهَانًا، {فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا} [القصص: 35] أَيْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِقَتْلٍ وَلَا سُوءٍ لِمَكَانِ آيَاتِنَا، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا بِآيَاتِنَا بِمَا نُعْطِيكُمَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا، {أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [الْقَصَصُ: 35] أَيْ لَكُمَا وَلِأَتْبَاعِكُمَا الْغَلَبَةُ عَلَى فرعون وقومه. [قوله تعالى فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا] مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ. . . . [36] {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} [القصص: 36] وَاضِحَاتٍ، {قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى} [القصص: 36] مختلف {وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا} [القصص: 36] بِالَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ، {فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [القصص: 36] [37] {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ} [القصص: 37] بِالْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ، {وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} [القصص: 37] يعني الْعُقْبَى الْمَحْمُودَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص: 37] يعني الْكَافِرُونَ. [38] {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ} [القصص: 38] يعني فَاطْبُخْ لِي الْآجُرَّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أول من اتخذ الْآجُرِّ وَبَنَى بِهِ، {فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} [القصص: 38] قصرا عاليا، وقيل: منارة، {لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [القصص: 38] أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَقِفُ عَلَى حَالِهِ، {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ} [القصص: 38] يعني موسى، {مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38] في زعمه أن للأرض وللخلق إِلَهًا غَيْرِي، وَأَنَّهُ رَسُولُهُ. [39] {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} [القصص: 39] قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: (يَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ

قوله تعالى وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى

وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ. [40] {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40] [41] {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 41] قَادَةً وَرُؤَسَاءَ، {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41] لا ينجون مِنَ الْعَذَابِ. [42] {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} [القصص: 42] خِزْيًا وَعَذَابًا، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 42] من الْمُبْعَدِينَ الْمَلْعُونِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الْمُهْلَكِينَ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مِنَ الْمُشَوَّهِينَ بِسَوَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ، يُقَالُ: قَبَحَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُ إِذَا جَعَلَهُ قَبِيحًا، وَيُقَالُ: قَبَّحَهُ قبحا وقبوحا إذا أبعد من كل خير. [43] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} [القصص: 43] يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا قَبْلَ مُوسَى، {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} [القصص: 43] يعني لِيُبْصِرُوا بِذَلِكَ الْكِتَابَ وَيَهْتَدُوا بِهِ، {وَهُدًى} [القصص: 43] من الضلال لمن عمل به، {وَرَحْمَةً} [القصص: 43] لِمَنْ آمَنَ بِهِ، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْبَصَائِرِ. [قوله تعالى وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى] مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. . . . [44] {وَمَا كُنْتَ} [القصص: 44] يا محمد {بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} [القصص: 44] يَعْنِي بِجَانِبِ الْجَبَلِ الْغَرْبِيِّ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِجَانِبِ الْوَادِي الْغَرْبِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ حَيْثُ ناجى موسى {إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص: 44] يَعْنِي عَهِدْنَا إِلَيْهِ وَأَحْكَمْنَا الْأَمْرَ مَعَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، {وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص: 44] الحاضرين ذلك المنام فَتَذْكُرُهُ مِنْ ذَاتِ نَفْسِكَ. [45] {وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا} [القصص: 45] خلقنا أمما مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [القصص: 45] أَيْ طَالَتْ عَلَيْهِمُ الْمُهْلَةُ فَنَسُوا عهد الله وميثاقه وَتَرَكُوا أَمْرَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَهِدَ إِلَى مُوسَى وقومه عهودا في محمد وَالْإِيمَانِ بِهِ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَخُلِّفَتِ الْقُرُونَ بَعْدَ الْقُرُونِ نَسُوا تِلْكَ الْعُهُودَ وَتَرَكُوا الْوَفَاءَ بها، {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا} [القصص: 45] مقيما، {فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: 45] كَمَقَامِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ فِيهِمْ، {تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص: 45] تُذَكِّرُهُمْ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُ لَمْ تَشْهَدْ أَهْلَ مَدْيَنَ فَتَقْرَأْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَبَرَهُمْ، {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 45] أَيْ أَرْسَلْنَاكَ رَسُولًا وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِيهِ هَذِهِ الْأَخْبَارُ، فَتَتْلُوهَا عَلَيْهِمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا عَلِمْتَهَا وَلَمْ تُخْبِرْهُمْ بِهَا. [46] {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} [القصص: 46] بِنَاحِيَةِ الْجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عليه موسى، {إِذْ نَادَيْنَا} [القصص: 46] قِيلَ: إِذْ نَادَيْنَا مُوسَى خُذِ الكتاب بقوة، {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 46] أَيْ وَلَكِنْ رَحِمْنَاكَ رَحْمَةً بِإِرْسَالِكَ وبالوحي إِلَيْكَ وَإِطْلَاعِكَ عَلَى الْأَخْبَارِ الْغَائِبَةِ

قوله تعالى ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون

عَنْكَ، {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} [القصص: 46] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] [47] {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ} [القصص: 47] عُقُوبَةٌ وَنِقْمَةٌ، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [القصص: 47] مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا} [القصص: 47] هَلَّا، {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47] وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ أَيْ لَعَاجَلْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، يَعْنِي لَوْلَا أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِمْ لَعَاجَلْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ بِكُفْرِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَمَا بَعَثْنَاكَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَلَكِنْ بَعَثْنَاكَ إِلَيْهِمْ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. [48] {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} [القصص: 48] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، {قَالُوا} [القصص: 48] يعني كفار مكة، {لَوْلَا} [القصص: 48] هلا {أُوتِيَ} [القصص: 48] مُحَمَّدٌ، {مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص: 48] مِنَ الْآيَاتِ كَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ وَالْعَصَا، وَقِيلَ: مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى كِتَابًا جُمْلَةً وَاحِدَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص: 48] أَيْ فَقَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ مُوسَى كَمَا كَفَرُوا بِآيَاتِ مُحَمَّدٍ، {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: 48] قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: (سِحْرَانِ) أَيِ التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ تَظَاهَرَا يَعْنِي كُلُّ سِحْرٍ يُقَوِّي الْآخَرَ نَسَبَ التَّظَاهُرَ إِلَى السِّحْرَيْنِ عَلَى الِاتِّسَاعِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَتْ مَقَالَتُهُمْ تِلْكَ حِينَ بعثوا في أمر رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رُءُوسِ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ نَعْتَهُ فِي كِتَابِهِمِ التَّوْرَاةِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِقَوْلِ الْيَهُودِ، فَقَالُوا: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: 48] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: (سَاحِرَانِ) يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وموسى عليهما السَّلَامُ، لِأَنَّ مَعْنَى التَّظَاهُرِ بِالنَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْكُتُبِ، {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص: 48] [49] {قُلْ} [القصص: 49] لهم يَا مُحَمَّدُ {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا} [القصص: 49] يَعْنِي مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، {أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] [50] {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} [القصص: 50] أَيْ لَمْ يَأْتُوا بِمَا طَلَبْتَ، {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50] [قوله تعالى وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] . . . [51] {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} [القصص: 51] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بَيِّنًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْزَلْنَا آيَاتِ الْقُرْآنِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ قَتَادَةُ: وَصَّلَ لَهُمُ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ يَعْنِي كَيْفَ صَنَعَ بِمَنْ مَضَى. قَالَ مُقَاتِلٌ: بَيِّنًا لِكَفَّارِ مَكَّةَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ كَيْفَ عُذِّبُوا بِتَكْذِيبِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَصَّلْنَا لَهُمْ خَبَرَ الدُّنْيَا بِخَبَرِ الْآخِرَةِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ عَايَنُوا الْآخِرَةَ فِي الدُّنْيَا، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51] [52] {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ} [القصص: 52] مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ. مِنْ قَبْلِ القرآن، {هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 52] نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَلْ هُمْ أَهْلُ الإنجيل الذي قَدِمُوا مِنَ الْحَبَشَةِ وَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِنَ الْحَبَشَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَوْا مَا بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْخَصَاصَةِ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ لَنَا أَمْوَالًا فَإِنْ أَذِنْتَ لَنَا انْصَرَفْنَا وَجِئْنَا بِأَمْوَالِنَا فَوَاسَيْنَا الْمُسْلِمِينَ بِهَا فَأَذِنَ لَهُمْ فَانْصَرَفُوا فَأَتَوْا بِأَمْوَالِهِمْ فَوَاسَوْا بِهَا الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ. {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [القصص: 52] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: 54] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: نَزَلَتْ فِي ثَمَانِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَرْبَعُونَ مِنْ نَجْرَانَ وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الشَّامِ، ثُمَّ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: [53] {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [القصص: 53] يَعْنِي الْقُرْآنَ، {قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} [القصص: 53] وَذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 53] أَيْ مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ مُسْلِمِينَ مُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌ.

[54] {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [الْقَصَصِ: 54] لِإِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَبِالْكِتَابِ الْآخِرِ، {بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54] عَلَى دِينِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أسلموا فأوذوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَدْفَعُونَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الشِّرْكَ، قَالَ مُقَاتِلٌ. يَدْفَعُونَ مَا سَمِعُوا مِنَ الْأَذَى وَالشَّتْمِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالصَّفْحِ والعفو والمغفرة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: 54] فِي الطَّاعَةِ. [55] {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ} [القصص: 55] الْقَبِيحَ مِنَ الْقَوْلِ، {أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص: 55] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَسُبُّونَ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ: تَبًّا لَكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُمْ وَلَا يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ، {وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [القصص: 55] لَنَا دِينُنَا وَلَكُمْ دِينُكُمْ، {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [القصص: 55] لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ سَلَامُ التَّحِيَّةِ وَلَكِنَّهُ سَلَامُ الْمُتَارَكَةِ، مَعْنَاهُ سَلِمْتُمْ منا لا نعاوضكم بالشتم والقبح مِنَ الْقَوْلِ، {لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] أَيْ دِينَ الْجَاهِلِينَ، يَعْنِي لَا نُحِبُّ دِينَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا نُرِيدُ أَنْ نَكُو