نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

سورة الفاتحة بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، الرحمن الرحيم الذي عمت رحمته الموجودات، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك السبحات، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات، الرحيم الذي تمت معمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات. قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي المغربي

البجائي المالكي علامة الزمان سقى الله عهده سحائب الرضوان وأسكنه أعلى الجنان: الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سبقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له اللتي له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربك بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي. انتهى. وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها

لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على المالئكة عليهم الصلاة والسلام، ومقضود كل سورة هاد إلى تناسبها، مقثصود السورة، ولا أخرج عن معاني كلماتها، فالفاتحة أسمها " أم الكتاب " " والأساسا " " والمثاني " " والكنز " و" الشافية " و" الكافية " و" الوزافية " و" الواقية " و" الرقية " و" الحمد " و" الشكر " و" الدعاء " و" الصلاة " فمدار هذه الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي

سأقول إنها مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به، وهي كنز لكل شيء شافية لكل داء، كافية لكل هم، وافية بكل مرام، واقية من كل سوء رقية لكل ملم، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هوز تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو، وأعظم مجامعها الصلاة. إذا تقررت ذلك فالغرض الذي سبقت له الفاتحة وهو إثبات

استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفا الكمال، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة، وباستحقاق العبادة والاستعانة، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم، لإفراده بالعبادة، نفهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق اللملك المالك، لأن المقصود منت إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته

الفاتحة بالقصد الأول، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا، ولما كان المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان اتزام اسمه تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها الفاتحة. وقد التعود الذي هو من درء المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره، لينال سؤله ومراده مما أودعه من خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الولي الودود، ومن هنا تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة. ولما افتتح التعوذ

بالهمزة أشارة إلى ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت البسملة كلها للمعاد لأبتدائها بحرف شفوي، وختام أول كلماتها ومآخرها بآخر إشارة إلى أن الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق غافلا عنه، وفي البرزخ حسا بالاموت، وفي الآخرة كذلك بالبعث، كما أشار إلى ذلك تكرير الميم المختتم بها في اسمها بذكرها فيه مرتين إشارة إلى المعادين الحسيين والله أعلم. والمراد بالاسم الصفات العليا. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في تفسيره في

غريب ألفاظ البسملة: الباء معناها أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب، " الاسم " ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة اآذان على صورة الأفراد، " الله " اسم ما تعنو إليه القلوب عند موقف العقول فتأله فيه أي تتحير فتتألهه وتلهو به أي تغني به عن كل شيء " الرحمن " شامل الرحمة لكافة ما تناولته الربوبية، " الرحيم " خاص بالرحمة بما ترضاه اإلهية. وقال في غريب معناها: لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها كأنها

أسبابها، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله، فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه، وقال استفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة أم القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور الأفعلال بالعناية من الحميد المجيد ويفي آية " إياك نعبد وإياك نستعين " هذا في ظاهر الخطاب إل مكا وراء ذلك من باطنه فإن لكل آية ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق يفي ابتداء أقوالهم وأفعالهم، هكذا قال. وأشد منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن صدرت بها الفاتحة كما صدر القرآن بالفاتحة، لأنها لما أفادت نسبة الأمور كلها إليه سبحانه وحده أفادت أنه الإله وحده وذلك

هو إجمال لتفصيل الفاتحة كما أن الفاتحة إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع والمعارف واللطائف. ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى أولية الرحمن من حيث أنه كالعلم في أنه لا يوصف به غيره ومن حيث أنه أبلغ من الرحيم فأولى الأبلغ الأبلغ، وذلك موافق لترتيب الوجود، الإيجاد ثم النعم العامة ثم الخاصة بالعبادة، وذكر الوصفان ترغيبا، وطويت النقمة في إفهام اختصاص الثاني لتمام الترغيب بالإشارة إلأى الترهيب. والمراد بهما هنا أنه سبحانه يستحق لااتصاف بهما لذاته، وكررهما بعهد تنبيها عل وجوب ذلك للربوبية والملك وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب، وفيهمات إلى ما ذك رمن الترغيب الدلالة على سائر

الصفات الحسنى، لأن من عمت رحمته امتنع أن يكون فيه شوب نقص وفي آخر سبحان لهذا المكان مزيد بيان، وكونها تسعة عشر حرفا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى. ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده فكأنه قبل: احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد، وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليع والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى، والله الموفق.

الفاتحة

ولما أثبت بقوله: {الحمد لله} أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه أيضاً من حيث كونه رباً مالكاً منعماً فقال: {رب} وأشار بقوله: {العالمين} إلى ابتداء الخلق تنبيهاً على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع وبالبداءة على الإعادة

كما ابتدأ التوراة بذلك لذلك قال الحرالي: و {الحمد} المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه تعالى وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملاً معرفاً بكلمة «أل» وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله. انتهى. ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة اتبع ذلك بصفتي {الرحمن الرحيم} ترغبياً في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلاً؛ وسيأتي سر لتكرير هاتين الصفتين

في الأنعام عند {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] عن الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى أنه لا مكرر في القرآن. ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكاً وكانت الربوبية لا تتم إلا بالمِلك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر اتبع ذلك بقوله: {مالِك يوم الدين} ترهيباً من سطوات مجده. قال الحرالّي: واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر،

ثم قال: و {يوم الدين} في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة الذنب في باطن العامل أثر العمل إلى أشد انتهائه في ظاهره، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في الباطن وتأخره عن معرفة ظهوره في الظاهر، ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة والسلام: «إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء» وأيضاً فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من الله وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد، كما قالوا: {مس آباءنا الضراء والسراء} [الأعراف: 95] ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم، وإنما هو كمال قال تعالى: {وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] وكما ورد عنه عليه الصلاة والسلام: «الحمى من فيح جهنم، وإن شدة الحر والقر من نفسها» وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون

به، ومنهل التجهّم الذي أجمعهم واردوه من حيث لا يشعر به أكثرهم، قال عليه الصلاة والسلام: «المرض سوط الله في الأرض يؤدب به عبادة» وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك، وهو تعالى مَلِك ذلك كله ومالكه، سواء ادعى فيه مدح أو لم يدع، فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملِك يوم الدين ومالكه مطلقاً في الدنيا والآخرة وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عوداً على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى: {وسيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 193] و {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] . [الأحقاف: 4] ، [الواقعة: 24] وبه تم انتهاء

الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: «مجدني عبدي» انتهى، ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة «مَلِك» وقراءة «مالك» جاءت الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للمَلِك سوى هذا، ولما لم تُفد إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في {ملِك الناس} [الناس: 2] . فلما استجمع الأمر استحقاقاً وتحبيباً وترغيباً وترهيباً كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلاً عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا مقدماً

للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة {إياك} أي يا من هذه الصفات صفاته! {نعبد} إرشاداً لهم إلى ذلك؛ ومعنى {نعبد} كما قال الحرالي: تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكرراً للضمير حثاً على المبالغة في طلب العون {وإياك نستعين} إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيدة: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة

فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة، فهو كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها: «أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك» ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله: «لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك» وفي آخر سورة اقرأ شرح بديع لهذا الحديث. قال الحرالي: وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جارياً على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف

ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلاً لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهراً منهم لطفاً بهم وإتماماً للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذاً ليس لهم

وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي عبر عنها فيما صح عنه علية الصلاة والسلام من قوله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» ثم تلا هذه السورة؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمداً وثناء وتمجيداًَ، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عُهَد العبادة وهو ما يرجع إلى العبد وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو

ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيّته تعالى، لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبداً وإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها، وفي قوله: {نعبد} بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. انتهى. وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} تلقيناً لأهل لطفه وتنبيهاً على محل السلوك الذي لا وصول بدونه، والهدى قال الحرالي: مرجع الضال إلى ما ضل عنه، والصراط الطريق الخطر السلوك، والآية من كلام الله تعالى على لسان العُلّية من خلقه، وجاء

مكملاً بكلمة «أل» لأنه الصراط الذي لا يضل بمهتديه لإحاطته ولشمول سريانه وفقاً لشمول معنى الحمد في الوجود كله وهو الذي تشتت الآراء وتفرقت بالميل إلى واحد من جانبيه وهو الذي ينصب مثاله. وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم يوم الجزاء للعيان وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب، تجري أحوال الناس معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل، وهذا الصراط الأكمل وهو المحيط المترتب على الضلال الذي يعبر به عن حال من لا وجهة له، وهو ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة فحقه الوقوف عن كل وجهة وهو ضلال يستلزم هدى محيطاً منه {ووجدك ضالاً فهدى} [الضحى: 6] وأما من هدى وجهة ما

فضلّ عن مرجعها فهو ضلال مذموم لأنه ضلال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في الجبلة. انتهى. ثم أكد سبحانه وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبهاً بهذا التأكيد الذي أفاده الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم} فأشار إلى أن الاعتصام به في اتباع رسله، ولما كان سبحانه عام النعمة لكل موجود عدواً كان أو ولياً، وكان حذف المنعم به لإرادة التعميم من باب تقليل اللفظ لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل النعمة وهم أهل الخصوصية. يعني لو قيل: اتبع طريق أهل مصر مثلاً لا أهل دمشق، علم أن المنفي غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفاه كما صرحوا به، بخلاف ما لو قيل: اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة، فإنه يعلم أن الظلمة منهم، فأريد هنا التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا بالإيجاد، ومن المعلوم أن السلوك لا بد وأن يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ، فعرف أن المسؤول إنما

هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم فميزهم ببيان أضدادهم تحذيراً منهم، فعرف أنهم قسمان: قسم أريد للشقاوة فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب، وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة إخلاله بالعلم فصار إلى العطب فقال مخوفاً بعد الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء والخوف معرفاً بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة: {غير المغضوب عليهم} أي الذين تعاملهم معاملة الغضبان لمن وقع عليه غضبه، وتعرفت «غير» لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل: الحركة غير السكون، ولما كان المقصود من «غير» النفي لأن السياق له وإنما عبر بها دون أداة استثناء دلالة

على بناء الكلام بادىء بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصوناً للكلام عن إفهام أن ما يعد أقل ودون لا {ولا الضالين} فعلم مقدار النعمة على القسم الأول وأنه لا نجاة إلا باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامداً أو مخطئاً شقي ليشمّر أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم. قال الحرالي: {المغضوب عليهم} الذين ظهر منهم المراغمة وتعمد

المخالفة فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى. {الضالين} الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك. «أمين» كلمة عزم من الأمن، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه وهي لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأ بمراقبة القسم الأول اسم الله فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب الشيطان فأخذتهم النقمة، وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز، ومن ثم اشتراط

في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب، فلو قدم فيها أو أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للإخلال بالنظم. قال الأصبهاني: فإن القرآن معجز والركن الأبين الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب. انتهى. والحاصل أنه لما رفعت تلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت له بسمو مجدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض الكرم ونشرت له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز وأومضت له بوارق

النقم من ذلك الجناب الأشم وصل إلى مقام الفناء عن الفاني وتمكن في رتبة شهود البقاء للباقي فبادر الخضوع له عن السوى حاكماً على الأغيار بما لها من ذواتها من العدم والتوى فقال: {إياك نعبد} وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية ذلك المقام ما له من الحق فقال: {وإياك نستعين} . فكشف له الشهود في حضرات المعبود عن طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحوالاً جمة وأودية مدلهمة وبحاراً مغرقة وأنواراً هادية وأخرى محرقة، ورأى لكل أهلاً قد أسلكوا فجاء تارة حزناً وأخرى سهلاً، وعلم أن لا نجاة إلا بهدايته ولا عصمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا سلامة لغير أهل نعمته؛ فلما أشرق واستنار

وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه قيل له: ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب؟ فقال: {اهدنا الصراط المستقيم} . ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: {صراط الذين أنعمت عليهم} ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} . وقد أشير في أم الكتاب. كما قال العلامة سعد الدين مسعود ابن عمرو التفتازاني الشافعي. إلى جميع النعم فإنها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولاً وإلى إيجاد وإبقاء ثانياً في دار الفناء والبقاء، أما الإيجاد الأول فبقوله {الحمد لله رب العالمين} فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية، وأما الإبقاء الأول فبقوله: {الرحمن الرحيم} أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها التى بها البقاء، وأما الإيجاد الثاني فبقوله: {مالك

يوم الدين} وهو ظاهر، وأما الإبقاء الثاني فبقوله: {إياك نعبد} إلى آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة. ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع سور أشير في كل سورة منها إلى نعمة من هذه النعم ترتيبها. انتهى، وسيأتي في أول كل سورة من الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامه إن شاء الله تعالى، وهذا يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلوغ الغاية ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضا فيلزمه الشكر وسيبين وينزل على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله تعالى، ثم في أول سبأ تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر فقد بان سر الافتتاح من حيث تصديرها بالحمد جزئياً فكلياً الذي كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه فهو أجذم؛ وتعقبه بمدح المحمود بما ذكر من

أسمائه الحسنى مع اشتمالها على جملة معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم القرآن لأنها له عنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل في آخر الباب التاسع منه: ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على الكتب وجمعه وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه ومبينه ومجيده وكريمه وعظيمه ومرجعه إلى السبع المثاني والقرآن العظيم أم القرآن ومحتواها عليه، فنذكر جميع ذلك في الباب العاشر، الباب العاشر في محل أم القرآن من القرآن ووجه محتوى القرآن على جميع الكتب والصحف المتضمنة لجميع الأديان. اعلم أن الله سبحانه جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع المثاني أم القرآن وأم الكتاب وكنزها تحت عرشه ليظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادىء الحمد بمحمد، لأنه تعالى يختم بما به بدأ ولم يظهرها قبل ذلك، لأن ظهورها

يذهب وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ليتم الأمر مسمعاً ومرأى وذلك لمن يكون من خلقه كل خلق ليبين به ما من أمره كل أمر، ثم فيما بين بدء الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنَشّؤ الخلق وبدو الأمر على حسب ذلك الأمر صحفاً فصحفاً وكتاباً فكتاباً، فالصحف لما يتبدل سريعاً، والكتاب لما يثبت ويدوم أمداً، والألواح لما يقيم وقتاً. ففي التوراة أحكام الله على عباده في الدنيا بالحدود والمصائب والضراء والبأساء، وفي القرآن منها ما شاء الله وما يظهره الفقه من الحدود، ومعارف الصوفية من مؤاخذة المصائب؛ وفي الإنجيل أصول تلك الأحكام والإعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما وراءها من أمر الملكوت، وفي القرآن منها ما شاء الله مما يظهره العلم والحكمة الملكوتية، وفي الزبور تطريب الخلق وجداً وهم عن أنفسهم إلى ربهم، وفي الفرآن منه ما شاء الله مما تظهره الموعظة الحسنة، ثم أنهى

الأمر والخلق من جميع وجوهه، فصار قرآناً جامعاً للكل متمماً للنعمة مكملاً للدين {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] الآية، بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وإن إلى ربك المنتهى. ووجه فوت أم القرآن للقرآن أن القرآن مقصود تنزيله التفصيل والجوامع، فيه نجوم مبثوثة غير منتظمة، واحدة إثر واحدة، والجوامع في أم القرآن منتطمة واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع على وفاء لا مزيد فيه ولا نقص عنه؛ أظهر تعالى بما له سورة صورة تجليه من بدء الملك إلى ختم الحمد، وبما لعبده مصورة تأديه من براءته من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم، {ووجدك ضالاً فهدى} [الضحى: 7] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو القرآن

العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكر بما فيه من ذلك تفصيلاً من مبينه وهو ما عوينت آية مسموعة، ومن مجيده وهو ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم، يعلم ما شهد فكان معلوماً بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه، ومن كريمه وهو ما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق وجل وخفي وبدا، ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره؛ وما كان منه بتدريج وتقريب للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلاً، وما أهوى به من علو إلى سفل كان إنزالاً، وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط؛ وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعاله وأخلاقه كان خلقه القرآن، وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل.

آخر آية أنزلت {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مضمون قوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] «اجعلوها بين آية الدين والآية التي قبلها» لأنه ربما تقدم كيان الآية وتأخر في النظم قرآنها على ما تقدم عليها، آية {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] فقد يتطابق قرآن الأمر وتطوير الخلق وقد لا يتطابق والله يتولى إقامتهما؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع في أم القرآن إلى القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحاً واحداً إلى أم القرآن {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] فهو جمع في قلبه، وقرآن على لسانه،

وبيان في أخلاقه وأفعاله، وجملة في صدره، وتنزيل في تلاوته، {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] قال الله تعالى: كذلك أي كذلك أنزلناه، إلا ما هو منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان: 3] أي إلى سماء الدنيا {ونزلناه تنزيلاً} [الإسراء: 106] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة، وقال في تفسيره: القرآن باطن وظاهره محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت عائشة رضى الله عنها: كان خلقه القرآن، فمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صورة باطن سورة القرآن، فالقرآن باطنه وهو ظاهره {نزل به الروح الأمين * على قلبك} [الشعراء: 194] . وقال في تفسير الفاتحة: وكانت سورة الفاتحة أمّاً للقرآن، لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها، فالآيات الثلاث الأول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأخر من قوله:

{اهدنا} شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله والتحيز إلى رحمة الله والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين مما ظاهرهن هذه من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية {إياك نعبد وإياك نستعين} انتهى. ومن أنفع الأمور في ذوق هذا المشرب استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة

رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولبعدي ما سأل فإذا قال العبد» الحمد لله رب العالمين «قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال» الرحمن الرحيم «قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال:» مالك يوم الدين «قال الله: مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إليّ عبدي، وإذا قال:» إياك نعبد وإياك نستعين «قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال:» اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين «قال:» هذا لعبدي ولعبدي ما سأل «والله أعلم.

(سورة البقرة) مقصودها إقامة الدليل على أن الكتاب هدى ليتبع يفي كل ما قال، وأعظم ما يهدي إليه الإيمالن بالغيب، ومجمعه الإيمان بالآخرة، فمداره الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة التي مجارها الإيمان بالغيب فلذلك سميت بها السورة

وكانت بذلك أحق من قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنها في نوع البشر ومما تقدمها في قصة بني إسرائيل من الأحياء بعد الإماتة بالصعق وكذلك ما شاكلها، لأن الأحياء في في قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر بمباشرة من كان من آحاد الناس فهي أدل على القدرة ولا سيما وقد اتبعت بوصف القلوب والحجارة بما عم اللمهتدين بالكتاب والضالين فوصفها بالقسوة الموجبة للشقوة ووصفت الحجارة بالخشية الناشئة في الجملة عن التقوى المانحة للمدد المتعدي نفعه إلى عباد الله، وفيها إشارة إلى أن هذا الكتاب فينا كما لو كان فينا خليفة من أولي العزم من الرسل يرشدنا في كل أمر إلى صواب

المخرج منه فمن أعرض خاب، ومن تردد كاد، ومن أجاب اتقى وأجاد. وسميت الزهراء لإنارتها طريق الهداية والكفاية في الدنيا والآخرة، ولأيجابها إسفار الوجوه يفي يوم الجزاء لمن آمن بالغيب ولم يكن في شك مريب فيحال بينه وبين ما يشتهي، بالسنام لأنه ليس في الإيمان بالغيب بعد التوحيد الذي هو الأساس الذي يتبني عليه كل خير والمنتهى الذي هو غاية السير والعالي على كل غير بأعلى

ولا أجمع من الإيمان بالآخرة، ولأن السنام أعلى ما في بطن المطية الحاملة والكتاب الذي هي سورته هو أعلى ما في الحامل للأمر وهو اللشرع الذي أتاهم به رسولهم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . بسم الله الذي نصب مع كونه باطنا دلائل الهدى حتى كان ظاهرا، " الرحمن " الذي أفاض رحمته على سائر خلقه بعد الإيجاد ببيان الطريق، " الرحيم " الذي خص أهل وده بالتوفيق. قال العلامة أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة لمفتاح الباب المقفل في معنى ما رواه عن ابن وهب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال: " كان الكتاب الأول ينزل من باب

واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه، وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه آمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به، كل من عند ربنا " وهذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى الموصلي ومن طريقة ابن حبان في صحيحه، كلهم من طريق ابن وهب عن حيوة عن عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بت عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه. فذكره من غير ذكر النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وقال العلامة الحافظ أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي الشافعي في كتابه " المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز " بعد أن ساق هذا الحديث من رواية سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه.

قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث عند أهل الحديث لم يثبت، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس مم يحتج به، نوهذا الحديث مجمع على ضعفه من جهة إسناده وقد رده قوم من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران فيما سمعه الطحاتوي منه ويرويه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أم سلمة عن أبي سلمة عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مرسلا، قال أبو شامة: وهكذا رواه البيهقي في كتاب المدخل وقال: هذا مرسل جيد، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود، ثم رواه موصولا وقال: فإن صح فمعنى قوله: سبعة أحرف، أي سبعة أوجه، وليس المراد به اللغات التي أبيحت القراءة عليها وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن عليها والله أعلم. قلت: عزاه شيخنا العلامة مقرئ زمانه شمس الدين محمد بن محمد بن محمد ابن الجزري الدمشقي الشافعي في أوائل كتابه " النشر في

القراءات العشر " إلى الطبراني من حديث عمر بن أبي سلمة المخزومي رضي الله عنهما أن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال لابن مسعود رضي الله عنه: " إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال و [آمر و] زاجر، فأحل حلاله وحرم حرامه واعم لبمحكمه وقف عند ةمتشابهه واعتبر أمثاله، فإن كلا من عند الله وما يذكر إلا أولو الألباب ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي داود في متالب المصاحف " من وجه آخر عن عبد الله قال: " إن القرآن أنزل على نبيكم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من سبعة أبواب على سبعة أحرف أو حروف. وإن الكتاب قبلكم كان ينزل أو نزل. من باب واحد على حرف واحد ورواه البيهقي في فضل القرآن من الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: " نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ". قال الحرالي: في حديث آخر من طريق ابن عمر رضي الله عنهما: إن الكتب كانت تنزل من باب واحد وإن هذا القرآن أنزل من

سبعة أبواب على سبعة أحرف وقال في معنى ذلك: اعلم أن القرآن منزل عند انتهاء الخلق وكمال كل الأمر بدءاً فكان المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال أمر فلذلك (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قثم الكون وهو الجامع الكامل. ولذلك كان خاتما، وكان كتابه ختما، وبدأ المعاد من حد ظهوره، إنه هو يبدئ، ويعيد، فاستوفى

صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها وتمت عنده نهاياتها " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " رواه أحمد عن معاذ رضي الله عنه رفعه، وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها في قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي " وفي كل صلاح إقدام وأحجام فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا، فلما استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له ن فتم إنزاله على سبعة أحرف. فأدنى تلك الحروف هو حرف إصلاح الدنيا، فلها حرفان،

أحدهما: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهير منه لبعدهع عن تقويمها، والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته لتقويمها، وأصل هذين الحرفين في التوراة، وتمامهما في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح المعاد: أحدهما حرف الزجر والنهي التي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهير منه لبعده عن حسناها، والثاني حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه بحسناها، وقد يتضرر على ذلك حال الدنيا، لأنه يأتي على كثير من حلالها لوجوب إيثار الآخرة لبقائها ىوكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها، لكون خير الدنيا جزءاَ من ماله وشر الدنيا جزءا من سبعين جزءا ولا يؤثر

هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك الكل الأنهى لغيابه إلا من سفه نفسه وضعف إيمانه، فتخلص المرء من حرف الحرام طهره وتخلصه من النهي طيبه، وأصل هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن. ثم يلي هذين حرفا صلاح الدين: أحدهما حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطاب ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فيما بينه وبين ربه من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها، والثاني حرف المتشابه الذي لا يبين للعبد فيه خطاب ربه من جهة قصور عقله من إدراكه ووجوب تسبيح ربه عن تمثل عبده إلى أن يؤيده الله بتأييده. والحروف الخمسة للاستعمال وهذا الحرف السادس للوقوف ليكون العبد قد وقف لله بقلبه عن حرف كما قد كان أقدم لله على تلك الحروف ولينسخ بعجزه وإيمانه عند هذا الحرف السادس انتهاء ما تقدم من طوقه وعلمه في تلك الحروف ابتداء، وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها وتمامها

في القرآن. فهذه الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب ويزيد عليها تمامها وبركة جمعها، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل الأعلى ومظهر اللمثول الأعظم حرف الحمد الخاص بمحمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهو حرف المثل. وعن جمعه وكمال جمعه لمحمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في قلبه وقراءته على لسانه وبيانه في ذاته ظهرت عليه خواص خلقه الكريم وخلقه العظيم، ولا ينال إلا موهبة من الله تعالى لعبده بال واسطة والستة تتنزل بتوسطات من استواء الطبع وصفاء العقل بمثابة وحي النبي وإلهام الولي. ولما كان حرف الحمد هو سابعها الجامع افتتح الله به سبحانه وتعالى الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن كما جمع في القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة، كفضة ثقلت على مريد السفر فابتاع بها ذهبا فذلك مثل القرآن ثم ثقل عليه الذهب فابتاع به جواهرا، فذلك مثل أم القرآن فأذن كمال الحروف التي أنزل عليها القرآن موجودة في جوامع

أم القرآن، فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع، والثانية تشتمل على حرفي الحلال والحرام الذين أقامت الرحمانية بهما الدنيا يريد - والله سلحانه وتعالى أعلم - أن الرحمانية وسعت على العباد الاستمتاع بالمخلوق من النعم والخيرات الموافقة لطباعهم وأمزجتهم زقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع، فكان في ذلك رحمتان: رحم بالإباحة وهي إزالة حرج الحظر ورحمة يمنع لحاق حرج الإثم أو يجعل المباح شهيا للطبع، وأما الرحيمية فطهرتهم من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم، ففي ذلك رحمة واحدة وهي حمية المحبوب عن المضار من المحبوب، أو يريد - وهو والله تعالى أعلم أقرب - أن الرحمانية أقامت بعمومها كل ما شملته الربوبية من إفاضة النعم وإزاحة النقم على وجه مسعد أو مشق، والرحيمية أقامت بخصوصها كما تقدم بما ترضاه الإلهية إدرار النعم ودفع النقم على الوجه المسعد خاصة. انتهى. والآية الثالثة تشتمل على أمر المللك القيم على حرفي الأمر والنهي

اللذين ييبدو أمرهما في الدين، والرابعة تشتمل على حرفي المحكم في قوله) إياك نعبد) [الفاتحة: 5] والمتشابه في قوله) وإياك نستعين) [الفاتحة: 5] ولما كانت بناء خطاب محاضرة لم تردد مسألتها في السورةى فانفرد هذان الحرفان عن الدعاء فيهما / وعادتت مسألة الآيةى الخاتمسة على حرف الحمد ومسألة الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام ومسألأة الآية السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي فجمعت الفاتحة جوامع الحروف السبعة. ولما ابتئت الفاتحة أم القرآن بالسابع الجامع الموهوب ابتدئ القرآن بالحرف السادس المعجوز عنه وهو حرف المتشابه، لأنه

عن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت الهبة والتأييد، وليكون العبد يفتتح القرآن بالإيمان يغيب متشابه في قوله " الم " فيكون أتم انقيادا لما دونه وبريئا عن الدعنوى في مستطاعه في سائر الحروف، ثم ولى السادس المفتتح به القرآن الخامس المحكم كم وجه في قوله سبحانه وتعالى) ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان وعلم كانت له من المحكم، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء ولم يدخل الإيمان في قلبه كانت له حرف أمر) وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) [الحجرات: 14] . وهذا إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو، وأما تنزيله يفي ترتيب البيان فإن أ، ل ما نزل على النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هو حرف المحكم وهو قوله سبحانه وتعالى) اقرأ باسم ربك الذي خلق

خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم 8) [العلق: 1 - 5] الآياتن الخمس، وأونل ما أنزل إلى الأمة يفي ترتيب البيان هو من حرف الزجر والنهي وهو قوله سبحانه وتعالى) يا أيها المدثر قم فأنذر) [المدثر: 1 - 2] أي) نذير لكم بين يدي عذاب شديد) [سبأ: 46] أعلمهم بما تخاف عاقبته في الآخرة وإن كانوا قد اتخذوا في الدنيا مودة بأوثانهم وقال تعالى) إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) [العنكبوت: 25] الآية، فابتدأ سبحانه وتعالى ترتيل الأمة بإصلاح المعاد الأهم لأن عليه يصلح أمر الدنيا، من استقل بآخرته كفاه الله أمر دنياه،

وبدأ منها بحرف الزجر والنهي وهو المبدوء به في الحديث ورده النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لفظ الزجر بلفظ النهي لأن المقصود بهما واحد وهو الردع عما يضر في المعاد إلا أن الردع عل وجهين: خطاب لمعرض ويسمى زجرا كما يسمى في حق البهائم، وخطاب لمقبل على التفهم ويسمى نهيا، قكأن الزجر يزيع الطبع والنهي يزيع العقل، انتهى. وقد بان من هذا سر افتتاح البقرة بالمعروف المقطعة. ولما كان الذي ابتدئت به السور من ذلك شطر حروف المعجم كان كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس كلام الله فليأخذ الشطر الآخر ويركب عليه كلاما يعارضه به، نقل ذلك الزركشي في البرهان عن القاضي أبي بكر قال: وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق، وجمعها

الزركشي في قوله: نص حكيم قاطع له سر، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: في كل كتا بسر وسر الله في القرآن أوائل السوروعن علي رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه: أن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. ولما كانت حروف المعجم تسعة وعشرين حرفا بالهمزة وكان أحد شطرها على التحرير متعذرا فقسمت خمسة عشر وأربعة عشر، وأخذ الأقل من باب الأنصاف وفرق في تسع وعشرين سورة

على عدد الحروف، وتحدي به على هذا الوجه، وأبدى الإمام شمس الدين ابن فقيم الجوزيه الدمشقي الحنبلي يفي كتاب به كالتذكرة سماه " بدائع الفرائد " سرا غريبا في ابتداء القرآن بقوله) الم (حاصله أن حروفه الثلاثة جمعت المخارج الثلاثية: الحلق واللسان والشفتان. على ترتيبها وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهي، وفي ذلك تنبيه على أن هذا الكتاب الذي ركب من هذه الحروف التي لا تعدو المخارج الثلاثة التي بها يخاطب جميع الأمم جامع لما

يصلحكم من أحوال بدء الخلق وإعادته وما بين ذلك، وكل سورة افتتحت بهذه الحروف ذكرت فيها الأحوال الثلاثة. وقال الحرالي في تفسيره: " الف " اسم للقائم الأعلى المحيط ثم لكل مستخلف في القيام كآدم والكعبة، " ميم " اسم للظاهر الأعلى الذي من أظهرة ملك يوم الدين، واسم للظاهر الكامل المؤتى جوامع الكلم محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . ثم لكل ظاهر دون ذلك كالسماء والفلك والأرض " لام " اسم لما بين باطن الإلهية التي هي محار العقول التي هي وصل تنزل ما بينهما كاللطيف ونحوه، ثم للوصل الذي كالملائكة وما تتولاه من أمر الملكوت، وهذه الألفاظ عند انعجام معناها تسمى حروفا، والحرف طرف الشيء الذي لا يؤخذ منفردا وطرف القول الذي لا يفهم وحده، وأحق ما تسمى حروفا إذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم

ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزء من كلمة مفهومة تسمى عند ذلك حروفا وعند النطق بها هكذا ألف لا ميم فينبغي أن يقال فيها أسماء وإن كانمت غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء تاء فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وإنها إنما تسمى حروفا عند ما تكون أجزاء كلمة محركة للإبتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء. وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذمر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى الكلم العربية وترجمت بها ونظم منها هذا القرآن العربي المبين، فهي في الكنب العلوية الملكوتية المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب، فلما نزلت إلى غاية مفصل القرآن أبقيت

في افتتاحه لتكون علما على نقله للتفصيل من ذلك الكتاب، ولأنها أتم وأوجز فغيء الدلالة على الجمع من المفصل منها ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن قيمه إلى أظهره وأظهر مقامه وما بينهما من الوصلة والواصلة وهي جامعة الدلالة على الكون المرئي للعين بالعين والوحي المسموع، ولأجل ما اقتضته من الجمع لم تنزل يفي كتاب متقدم لأن كتا بكل وقت مطابق بحال الكون فيه والكون كان بعد لم يكمل فكانت كتبه وصحفه بحسبه ن ولما كمل الكون في وقت سيدنا محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كان كتابه كاملا جامعا فوجب ظهور هذه الجوامع فيه ليطابق الختم البدئ، لأنهما طرفا كمال وما بينهما تدرج إليه، وقد كان وعد بإنزالهما في بعض تلك الكتب فكان نزولها نجازا لذلك. انتهى.

وأما مناسبة ما بعد ذلك للفاتحة فهو أنه لما أخبلا سبحانه وتعالى أن عباده المخلصين سألوا في الفاتحة هداية الصراط المستقيم الذي همو غير طرلايق الهالكين أرشدهك في أول التي تليها إلى أن الهدى المؤول إنما هو في هذا الكتاب، وبين لهم صفات الفريقين الممنوحين بالهداية حتى على التخلق بها والممنوعين منها زجرا عن قربها. فكاتن ذلك أعظم المناسبات لعقيب الفاتحة بالبقرة، لأنها سيقت لنفي الريب عن هذا الكتاب ولأنه هدى للمتقين، ولوصف المتقين وما يجازون به بما في الآيات الثلاث ولوصف الكافرين الذين لا يؤمنون لما وقع من الختم على جواسهم والحتم لعقابهم ليعلم أن ما اتصف به المتقون هو الصراط المستقيم فيلزم وما اتصف به من

عداهم هو طريق الهالكين فيترك، وفي الوصف بالتقوى بعد ذكر المغضوب عليهم والضالين إشارة إلى أن المقام مقام الخوف. وإن شئت قلت: مقصود هذه السورة وصف الكتاب فقط وما عدا ذلك فتوابع ولوازم ولن يثبت أنه هدى إلا بإثبات أ، هـ حق معنى ونظما، ولما كان المعنى أهم قدم الاستدلال عليه فأخبر من تماديهم على الكفر بما يكون تكذيبهم به تصديقا له، واتبع ذلك بذكر المنافقين إعلاما بأن المنفي الإيمان بالقلب وأنه لا عبرة باللسان إذا تجرد عنه،

وساق ذلك على وجه يعلمون به أنه الحق بما هتك من سرائرهم وكشف من ضمائرهم، فلما تم ذلك وكان المقصود منه الدعاء إلى الله انتهزت تلك الفلبرصة بقوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) [البقرة: 21] لما أسس لها من الترغيب بالترهيب، ثم أقيم الدليل على حقية نظمه بتقصيرهم عن مدى سهمه، فرجع حاصل ذلك إلى إثباته بعجزهم عن معارضته في معناه بإيجاد من أخبر بنفيه وفي نظمه بالإتيان بمثله، فلما ثبت ذلك ثبت أنه من عند الله فثبت تأهله لتعليم الشرائع فجعلها ضمن مجادلة أهل الكتاب بما يعلمون حقيته بلا ارتياب من الدعاء إلى ما أخفوه من الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام

البقرة

ولما كان معنى {الم} هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد فقتم في التكلم بها سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله أنتج ذلك كماله، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال في قوله {ذلك الكتاب} لعلو مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين. ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال {لا ريب فيه} أي في شيء من معناه ولا نظمه في

نفس الأمر عند من تحقق بالنظر فالمنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له، ولم يقدم الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتب محل الريب. قال الحرالي: «ذا» اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها بُعدمّا {الكتاب} من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز في الجلد بقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله الأول، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام {لا} لنفي ما هو ممتنع مطلقاً أو في وقت «الريب» التردد بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منها. انتهى. وأصله قلق النفس واضطرابه، ومنه

ريب الزمان لنوائبه المقلقة، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال: {هدى} وخص المنتفعين لأن الألد لا دواء له والمتعنت لا يرده شيء فقال: {للمتقين} أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب وإن كان ليس موضعاً للريب أصلاً. قال الحرالي: جمع المتقي وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك، والتقوى

أصل يتقدم الهدى وكل عبادة، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي وصية الله لأهل الكتاب. انتهى. ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفاً لهم فقال: {الذين يؤمنون بالغيب} أي الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره، وعبر بالمصدر للمبالغة. {ويقيمون الصلاة} أي التي هي حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها. ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها فقال مقدماً للجار ناهياً عن الإسراف ومنبهاً

بالتبعيض على طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وآمراً بالورع وزاجراً عما فيه شبهة [لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه] {ومما رزقناهم} أي مكناهم من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم {ينفقون} أي في مرضاتنا مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها، والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام. قال أبو حيان وغيره في قوله تعالى في سورة الحج {إن الذين كفروا ويصدون} [الحج: 25] المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار. انتهى. وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشملْ هذا في هذه السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة: 91] قاطع في ذلك.

وقال الحرالي: {يؤمنون} ، من الإيمان وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا آمن من ينبهه على أمر ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه، و «الغيب» ما غاب عن الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم؛ وصيغة {يؤمنون} و {يقيمون} تقتضي الدوام على الختم، وإدامة العمل إلى الختم تقتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة وأنه ليس عن تعمل ومراءاة، وعند ذلك يكون علما على الجزاء؛ و {الصلاة} الإقبال بالكلية على أمر، فتكون من الأعلى عطفاً شاملاً، ومن الأدنى وفاء بأنحاء التذلل والإقبال بالكلية على التلقي، وإيمانهم بالغيب قبولهم من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو الآخرة وما فيها وأمر غائب الملكوت وما فيه إلى غيب الجبروت وما به بحيث يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم كعملهم على ما تلقته أنفسهم على سبيل

أعينهم وسائر حواسهم وداموا على عملهم ذلك حكم إيمانهم إلى الخاتمة. ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنياً على تقدم الشهادة متممة بجماع الذكر وأنواع التحيات لله من القيام له تعالى والركوع له والسجود الذي هو أعلاها والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات كانت لذلك تعهداً للإيمان وتكراراً، ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفر فلا إيمان لمن لا صلاة له، والتقوى وحده أصل والإيمان فالصلاة ثمرته، والإنفاق خلافة ولذلك البخل عزل عن خلافة الله {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7] وهذا الأمر بتمامه هو الذي جعلت الخلافة لآدم به إلى ما وراء ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالتقوى قلب باطن، والإنفاق وجه ظاهر، والإيمان فالصلاة وصلة بينهما. ووجه ترتب الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقي لما كان متوقفاً غير متمسك بأمر كان إذا أرشد

إلى غيب لا يعلمه لم يدفعه بمقتضى ما تقدم علمه؛ ووجه ترتب الإنفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب، لأن الإنسان لما كان لا يطلع على جميع رزقه كان رزقه غيباً، فاذا أيقن بالخلف جاد بالعطية، فمتى أمد بالأرزاق تمت خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق أعلى وأكمل من الأول. فاذا أحسن الخلافة فيه بالإنفاق منه أيضاً انفتح له باب إلى أعلى إلى أن ينتهي إلى حيث ليس وراءه مرأى وذلك هو الكمال المحمدي، وإن بخل فلم ينفق واستغنى بما عنده فلم يتق فكذب تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد من الأعلى؛ فبِحَقٍّ سمي الإنفاق زكاة؛ وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن علي رضي الله عنه نفيس. انتهى. ولما وصفهم بالإيمان جملة أشار إلى تفصيله على وجه يدخل

فيه أهل الكتاب دخولاً أولياً فقال {والذين يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف بعد سماعهم للدعوة إيجاداً مستمراً {بما أنزل اليك} أي القرآن والسنة سواء كان قد وجد أو سيوجد؛ {وما أنزل من قبلك} أي على الأنبياء الماضين، ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم جداً بينه بالتقديم إظهاراً لمزيد الاهتمام فقال: {وبالآخرة} أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ونتيجة الأمر. قال الحرالي: الآخرة معاد تمامه على أوليته. انتهى. ولما تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال: {هم يوقنون}

لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير، والإيقان كما قال الحرالي صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه، من يقن الماء وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد. انتهى. فهو يكون بعد شك ولذا لا يوصف به الله. والوصف بهده الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات الأعمال البدنية

والماليه من الأفعال والتروك، فالإيمان أساس الأمر والصلاة مشار بها إلى التحلي بكل خير والتخلي عن كل شر {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] وكلاهما من أعمال البدن، والنفقه عمل مالي، فحصل بذلك حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، وصرح بالفعل وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه إلا البصراء تسهيلاً على السالكين، لأن الفعل من حيث هو ولو كان صعباً أيسر على النفس من الكف عما تشتهي. وفي وصفهم أيضاً بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت لمن سواهم ما ستراه في الآيات الآتيه. ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال: {أولئك} أي الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان من أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال: {على

هدى} أي عظيم، وزاد في تعظيمه بقوله: {من ربهم} أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيراً بالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين {وأولئك} أي العالو الرتبه {هم} أي خاصة {المفلحون} أي الكاملون في هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى.

قال الحرالي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير. ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقون قسمين جهالاً من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل البداءة أولاً بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين، لأن أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على وجه يعم جميع الأقسام فقال

مخاطباً لأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية والإعجاز في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال: هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين؟ {إن الذين كفروا} أي حكم، بكفرهم دائماً حكماً نفذ ومضى فستروا ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما دل عليه السباق بالتعبير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان

على الدوام واللحاق بالختم والعذاب، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيراً من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم. ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان المعنى {سواء عليهم أأنذرتهم} أي إنذارك في هذا الوقت بهذا الكتاب {أم لم تنذرهم} أي وعدم إنذارك فيه وبعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام، قال سيبوية: جرى هذا على

حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. انتهى. ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاماً لأنهم توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ما آمن. ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم قبل في أنهم {لا يؤمنون} وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران، فصار ممتنعاً لإرادته عدم وقوعه، والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه، فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة؛ ويأتي في الصّافّات عند {افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] تتمة لهذا.

قال الحرالي: فحصل بمجموع قوله: {سواء عليهم} إلى آخره وبقوله: {لا يؤمنون} خبر تام عن سابقة أمرهم ولاحقة كونهم، فتم بالكلامين الخبر عنهم خبراً واحداً ملتئماً كتباً سابقاً وكوناً لاحقاً. انتهى. وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عناداً وإما بإهمال النظر السديد والركون ألى نوع تقليد. ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك بقوله: {ختم الله} أي بجلاله {على قلوبهم} أي ختماً مستعلياً عليها فهي لا تعي حق الوعي، لأن الختم على الشيء يمنع

الدخول إليه والخروج منه، وأكد المعنى بإعادة الجار فقال: {وعلى سمعهم} فهم لا يسمعون حق السمع، وأفرده لأن التفاوت فيه نادر، قال الحرالي: وشرّكه في الختم مع القلب لأن أحداً لا يسمع إلا ما عقل. انتهى. {وعلى أبصارهم غشاوة} فهم لا ينظرون بالتأمل. ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم، ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفى السمع ثم البصر تسفيلاً لهم عن حال البهائم، بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه، ولما

كان الأصم، إذا كان ذا فهم أو بصر أمكنت هدايته وكان الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب. ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال: {ولهم عذاب عظيم} قال الحرالي: وفي قوله: {ولهم} إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به - أي العذاب - وبهم أنه لهم وكان عذابهم عظيماً آخذاً في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئاً من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني الأمم حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى.

وسيأتى عند قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} [البقرة: 165] ما يلتفت إلى هنا. قال الحرالي: «الكفر» تغطية ما حقه الإظهار، و «الإنذار» الإعلام بما يحذر، و «الختم» إخفاء خبر الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به و «القلب» مبدأ كيان الشيء من غيب قوامه، فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في الانتهاء ويكون تطوره وتكامله بحسب مدده في الابتداء والنماء، والقلب من الإنسان بمنزلة السكان من السفينة بحسب تقلبه يتصرف سائره، وبوضعه للتقلب والتقليب سمي قلباً، وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمقلب القلوب، «والغشاوة» غطاء مجلل لا يبدو معه من المغطى شيء و «العذاب» إيلام لا إجهاز فيه، و «العظيم» الآخذ في الجهات كلها.

انتهى. وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر المختوم على مداركهم المختوم بمهالكهم تعظيم للنعمة على من استجاب له. إذ قال «اهدنا» فهداه، وإعلام بأن الهدى ليس إلا بيده ليلحّلوا في الطلب ويبرؤوا من ادعاء حول أو قوة. ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في الإيمان وثنى بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق إعلانهم إسرارهم في الكفران اتبعه ذكر المساترين الذين خالفت ألسنتهم قلوبهم في الإذعان وهم المنافقون، وأمرهم أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وأفعالهم، فأضر الأعداء من يريك الصداقة فيأخذك من المأمن؛ وما أحسن ما ينسب إلى الإمام أبي سليمان الخطابي في المعنى: تحرّز من الجهال جهدك أنهم ... وإن أظهروا فيك المودة أعداء وإن كان فيهم من يسرك فعله ... فكل لذيذ الطعم أوجله داء لا جرم ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم،

فقبح أمورهم ووهّى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال وبسط لهم بعض البسط في المقال فقال تعالى: {ومن الناس من يقول} أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس قسمين: مؤمن وكافر، وانقسم الكافر قسمين: فمنهم من جاهر وقال: لا نؤمن أبداً، ومنهم من يقول، ولعله أظهر ولم يضمر لانفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام، أو لأنه سبحانه لما ذكر طرفي الإيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى النوس فيهم لاضطرابهم بين الحالين، لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال

مضطرباً بين جهتين، ولم يظهر هذا المعنى في الفريقين لتحيزهم إلى جهة واحده. قال الحرالي، وعرف للجنس أو للعهد في الذين كفروا لأنهم نوع منهم، وسر الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم، {آمنا بالله} أي وحده بما له من الجلال والجمال مستحضرين لذلك، ولما كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار فقالوا: {وباليوم الآخر} الذي جحده المجاهرون، {وما هم بمؤمنين} أي بعريقين في الإيمان كما ادعوه بذكر الاسم الأعظم وإعادة الجار، ولعله نفى العراقة فقط لأن منهم من كان مُزَلزلاً حين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك، وحذف متعلق الإيمان تعميماً في السلب عنهم لما ذكروا وغيره، وجمع هنا وأفرد في [يقول] تنبيهاً على عموم الكفر لهم كالأولين وقلة

من يسمح منهم بهذا القول إشارة إلى غلظتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم. وفي ذكر قصتهم وتقبيح أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد في الطهارة من الأدناس في سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم. وتصنيف الناس آخر الفاتحة ثلاثة أصناف: مهتدين ومعاندين وضالين، مثل تصنيفهم أول البقرة ثلاثة: متقين وكافرين مصارحين وهم المعاندون وضالين وهم المنافقون، وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم هنا من بديع الأساليب وهو دأب القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل. وقد سمى ابن إسحاق كثيراً من المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل أخبار ما بعد الهجرة، قال ابن هشام في تلخيص ذلك: وكان ممن انضاف إلى يهود ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج، من الأوس زوي بن الحارث وبجاد بن عثمان ابن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل! وكان يأتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن» وعباد بن حنيف أخو سهل وعمرو بن خذام وعبد الله بن نبتل وبَحْزَج وهو ممن كان بنى مسجد الضرار وكذا جارية بن عامر ابن العطاف وابنه زيد وخذام بن خالد وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره ومِرْبع بن قيظي وهو الذي قال لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد إن كنت نبياً أن تمر في حائطي! فابتدره المسلمون ليقتلوه فنهاهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال «هذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» ، وأخوه أوس بن قيظي وهو الذي قال يوم الخندق «إن بيوتنا عورة» وحاطب بن أمية بن رافع وكان شيخاً جسيماً قد عسى في الجاهلية وكان ابنه يزيد من خيار المسلمين، قتل رضي الله عنه يوم أحد فقال أبوه لمن بشره بالجنة: غررتم والله هذا المسكين من نفسه! وبشير بن أبيرق أبو طعيمة. وفي نسخة: طعمة، وهو سارق الدرعين الذي أنزل الله فيه {ولا

تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} [النساء: 107] وقزمان حليف لهم أجاد يوم أحد القتال وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إنه من أهل النار، فجرح فبشر بالجنة فقال: والله ما قاتلت إلا حمية لقومي! فلما اشتدت به الجراحة قطع رواهش يده فمات» . ومن الخزرج رافع بن وديعه وزيد بن عمرو وعمرو بن قيس وقيس بن عمرو بن سهل والجد بن قيس وهو الذي قال: «ائذن لي ولا تفتني» وعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين وإليه كانوا يجتمعون

وهو القائل {ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وفيه وفي وديعة العوفي ومالك بن أبي فوقل وسويد وداعس وهم من رهطه نزل {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} [الحشر: 11] الآية حكاية لما كانوا يدسونه إلى بني النضير إذ حاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصدق الله وكذبوا. وكان ممن تعوذ بالإسلام وأظهره وهو منافق من أحبار يهود من بني قينقاع سعد ابن حنيف وزيد بن اللُّصيت وهو الذي قال في عزوة تبوك: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فأعلمه الله بقوله وبمكان الناقة، ونعيمان بن أوفى بن عمرو وعثمان بن أوفى ورافع بن حريملة وهو الذي قال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين مات: «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين» ، ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي قال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ هبت تلك الريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق: «لا تخافوا، إنما هبت لموت عظيم من عظماء المنافقين» ، وسلسلة بن برهام وكنانه بن صوريا. فكان هؤلاء من المنافقين ومن نحا نحوهم يحضرون المسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم. انتهى. وفيه اختصار فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات.

وابتدئت قصتهم بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم أنهم يخادعون من لا يجوز عليه الخداع وأن الذي حملهم على ذلك أنهم ليس لهم نوع شعور ولا شيء من إدراك بقوله تعالى - جواباً لسؤال من كأنه قال: فما قصدهم بإظهار الإيمان والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع معرفتهم بقبح الكذب وشناعته وفظاعته وبشاعته؟ {يُخادعون الله} أي يبالغون في معاملته هذه المعاملة بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من الإحاطة بكل شيء، والخداع أصله الإخفاء والمفاعلة في أصلها للمبالغة لأن الفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده {والذين آمنوا} أي يعاملونهم تلك المعاملة، وأمره تعالى بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا صورته صورة الخدع وكذا امتثال المؤمنين أمره تعالى فيهم. قال

الحرالي: وجاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة علم الله بخداعهم ولم يقرأ غيره ولا ينبغي، والخداع إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر. انتهى. {وما يخدعون} أي بما يغرون به المؤمنين {إلا أنفسهم} يعني أن عقولهم لخباثتها إنما تسمى نفوساً، والنفس قال الحرالي ما به ينفس المرء على غيره استبداداً منه واكتفاء بموجود نفاسته على من سواه. انتهى. وقراءة الحذف هذه لا تنافي قراءة يخادعون لأن المطلق لا يخالف المقيد بالمبالغة، وعبر هنا بصيغة المفاعلة لشعورهم كما قال الحرالي بفساد

أحوالهم في بعض الأوقات ومن بعض الأشخاص وبصيغة المجرد لعمههم عن فساد أحوالهم في أكثر أوقاتهم وعمه عامتهم ولا يكون من الله سبحانه إلا بلفظ الخدع لأنهم لا يعلمون ما يخفى عنهم من أمره ولذلك جاء في آية النساء {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] . انتهى. {وما يشعرون} أي نوع شعور لإفراط جهلهم بأنهم لا يضرون غير أنفسهم لأن الله يعلم سرهم كما يعلم جهرهم. وحذف متعلق بالشعور للتعميم والشعور كما قال الحرالي أول الإحساس بالعلم كأنه مبدأ إنباته قبل أن تكمل صورته تتميز. وانتهى. ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة، شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لا تجنح إلا إلى ما يؤذيها، كالمريض لا تميل نفسه إلى غير مضارها فقال جواباً لمن كأنه قال: ما سبب فعلهم هذا من الخداع وعدم الشعور؟ {في قلوبهم مرض} أي من

أصل الخلقة يوهن قوى الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها، لأن المرض كما قال الحرالي: ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال {فزادهم الله} أي بما له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم بما يرون من عدم تأثيرها {مرضاً} أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألماً في قلوبهم بما يرون من خيبة مطلوبهم، فانسد عليهم باب الفهم والسداد جملة، والزيادة قال الحرالي: استحداث أمر لم يكن في موجود الشيء. انتهى. {ولهم} أي مع ضرر الغباوة في الدنيا الملحقة بالبهائم {عذاب أليم} في الآخرة أي شديد الألم وهو الوجع اللازم. قاله الحرالي {وبما كانوا} قال الحرالي: من كان الشيء وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ذات نفسه. انتهى. {يكذبون} أي يوقعون الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم بالإيمان مع تلبّسهم بالكفران، والمعنى على قراءة التشديد يبالغون

في الكذب، أو ينسبون الصادق إلى الكذب، وذلك أشنع الكذب. ولما أخبر تعالى عن بواطنهم أتبعه من الظاهر ما يدل عليه فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادّعوا الصلاح العام بقوله: {وإذا قيل لهم} وبناؤه للمجهول إشارة إلى عصيانهم لكل قائل كائناً من كان {لا تفسدوا في الأرض} أي بما نرى لكم من الأعمال الخبيثة، والفساد انتقاض صورة الشيء. قاله الحرالي، {قالوا} قاصرين فعلهم على الصلاح نافين عنه كل فساد مباهتين غير مكترثين {إنما نحن مصلحون} والإصلاح تلافي خلل الشيء. قاله الحرالي. ولما كان حالهم مبيناً على الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون إفسادهم لما لهم من عكس الإدراك إصلاحاً فكانوا يناظرون عليه

بأنواع الشبه كان قولهم ربما غرّ من سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غرّ كريم والكافر خِبّ لئيم فقال تعالى محذراً من حالهم مثبتاً لهم ما نفوه عن أنفسهم من الفساد وقاصراً له عليهم {ألا إنهم هم} أي خاصة {المفسدون} أي الكاملو الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفسادهم عدماً لما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ المؤمن من المأمن. وقال الحرالي: ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحاً وجب أن يكون اضطرابهم فيه إفساداً لا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لأنه بالحقيقة مخالفة هؤلاء وهؤلاء فقد أفسدوا طرفي الإيمان والكفر، ولذلك قيل: ما يصلح المنافق، لأنه لا حبيب مصاف ولا عدو مبائن، فلا يعتقد منه على شيء - انتهى. ولما كان هذا الوصف موجباً لعظيم الرهبة اتبعه ما يخففه بقوله: {ولكن لا يشعرون} أي هم في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم

يحسنون به التصرف فيما يحاولونه من الفساد الآن بما دلت عليه ما في الآية السابقة الدالة على أن المضارع للحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن لا لا تقارنه إلا وهو بمعنى الاستقبال، فلأجل ذلك لا يؤثر إفسادهم إلا في أذى أنفسهم، فلا تخافوهم فإني كافيكموهم. ولما بين حالهم إذا أمروا بالصلاح العام بين أنهم إذا دعوا إلى الصلاح الخاص الذي هو أس كل صلاح سموه سفهاً فقال: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان {لهم آمنوا} أي ظاهراً وباطناً {كما آمن الناس} أي الذين هم الناس ليظهر عليكم ثمرة ذلك من لزوم الصلاح واجتناب الفساد والإيمان المضاف إلى الناس أدنى مراتب الإيمان قاله الحرالي،

وهو مفهم لما صرح به قوله: وما هم بمؤمنين {قالوا أنؤمن} أي ذلك الإيمان {كما آمن السفهاء} أي الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه بعد ترك ما كان عليه آباؤهم خفة نشأت عن ضعف العقل، ثم رد سبحانه قولهم بحصر السفه فيهم فقال: {ألا إنهم هم السفهاء} لا غيرهم لجمودهم على رأيهم مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس {ولكن لا يعلمون} أي ليس لهم علم أصلاً لا بذلك ولا بغيره، ولا يتصور لهم علم لأن جهلهم مركب وهو أسوأ الجهل والعلم، قال الحرالي: ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه - انتهى. ولما كان الفساد يكفي في معرفته والسد عنه أدنى تأمل والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا رزانة العلم ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم ولما كان العام جزء الخاص قدم عليه.

ولما بيّن نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلى الحق بهذة الآيات بين سيرتهم في أقوالهم في خداعهم دليلاً على إفسادهم بقوله: {وإذا لقوا} واللقاء اجتماع بإقبال {الذين آمنوا} أي حقاً ظاهراً وباطناً، ولكن إيمانهم كما قال الحرالي فعل من أفعالهم لم ينته إلى أن يصير صفة لهم، وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم فلا يكادون يلقونهم بمقتضاه، لأنهم لا يجدون معهم مدخلاً في قول ولا مؤانسة، لأن اللقاء لا بد فيه من إقبال ما من الملتقيين. انتهى {قالوا} خداعاً {آمنا} معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي في إفادتها لما سقيت له أدنى الحدوث.

{وإذا خلوا} منتهين {إلى شياطينهم} أي الذين هم رؤوسهم من غير أن يكون معهم مؤمن، والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير - قاله الحرالي، {قالوا إنا معكم} معبرين بالأسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها دلالة على نشاطهم لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعاً لما قد يتوهم من تبدلهم من رأى نفاقهم للمؤمنينَ ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال: ما بالكم تلينون للمؤمنين قولهم؟ {إنما نحن مستهزئون} أي طالبون للهُزء ثابتون عليه فيما نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه قاله الحرالي. فأجيب من كأنه قال: بماذا جوزوا؟ بقوله: {اللهُ يستهزىء بهم} أي يجازيهم على فعلهم بالاستدراج بأن يظهر لهم من أمره

المرذي لهم ما لا يدركون وجهه فهو يجري عليهم في الدنيا أحكام أهل الإيمان ويذيقهم في الدارين أعلى هوان مجدداً لهم ذلك بحسب استهزائهم، وذلك أنكأ من شيء دائم توطّن النفس عليه، فلذلك عبر بالفعليه دون الاسمية. مع أنها تفيد صحة التوبة لمن تاب دون الاسمية. {ويمدهم} من المد بما يلبس عليهم. وقال الحرالي: من المدد وهو مزيد متصل في الشيء من جنسه، {في طغيانهم} أي تجاوزهم الحد في الفساد. وقال الحرالي: إفراط اعتدائهم حدود الأشياء ومقاديرها انتهى. وهذا المد بالإملاء لهم حال كونهم {يعمهون} أي يخبطون خبط الذي لا بصيرة له أصلاً. قال الحرالي: من العمه وهو انبهام الأمور

التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدون حداً إلا عمهوا فلم يرجعوا عنه فهم أبداً متزايدو الطغيان - انتهى. فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف {أولئك} أي الشديدو البعد من الصواب {الذين اشتروا} أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها الله عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا {الضلالة} أي التي هي أقبح الأشياء {بالهدى} الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه، فكأنه لوضوح ما قام عليه من الأدلة مع ما ركز منه في الفطر كان في أيديهم فباعوه بها، وسيأتي في سورة يوسف عليه السلام بيان أن مادة شرى بتراكيبها الاثني عشر تدور على اللجاجة {فما} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما {ربحت تجارتهم} مع ادعائهم أنهم أبصر الناس بها {وما كانوا} في نفس جبلاتهم {مهتدين} لأنهم مع أنهم لم يربحوا أضاعوا رأس المال، لأنه لم يبق

في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه لا مثل لهم في الهداية.

17

فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل حالهم في هداهم الذي باعوه بالضلالة بالأمور المحسوسة، لأن للتمثيل بها شأناًعظيماً في إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها بقوله تعالى {مثلهم} أي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها {كمثل الذي استوقد ناراً} أي طلب أن توقد له وهي هداه ليسير في نورها، وأصلها من نار إذا نفر لتحركها واضطرابها، فوقدت وأنارت. {فلما أضاءت} أي النار، وأفراد الضمير باعتبار لفظ «الذي» فقال:

{ما حوله} وأراد أن ينتفع بها في إبصار ما يريد، وهو كناية عما حصل لهم من الأمنة بما قالوه من كلمة الإسلام من غير اعتقاد {ذهب الله} الذي له كمال العلم والقدرة، وجمع الضمير نظراً إلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم انتفع دون بعض بعد أن أفراد تقليلاً للنور وإن كان قوياً في أوله لانطفائه في آخر فقال: {بنورهم} أي الذي نشأ من تلك النار بإطفائه لها ولا نور لهم سواه؛ ولم يقل: بضوئهم، لئلا يتوهم أن المذهوب به الزيادة فقط، لأن الضوء أعظم من مطلق النور {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} [يونس: 5] فذهب نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرّها مع حر الفقد لما ينفعهم من النور، وعبر بالإضاءة أولاً إشارة إلى قوة أولهم وانمحاق آخرهم، لأن محط حالهم الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ليتبين الصادق من الكاذب، وعبر بالذهاب به دون إذهابه ليدل نصاً على أنه سبحانه ليس معهم وحقق ذلك بالتعبير عن صيّر بترك فقال: {وتركهم في ظلمات}

أي بالضلالة من قلوبهم وأبصارهم وليلهم أي ظلمات لا ينفذ فيها بصر، فلذا كانت نتيجته {لا يبصرون} أي لا إبصار لهم أصلاً ببصر ولا بصيرة. ولما فرغ من المثل كشف المراد بظلماتهم بأنها ما في آذانهم من الثقل المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير الناشىء عن عدم الإدراك الناشىء عن عمى البصائر وفساد الضمائر والسرائر، وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار وعلى بصائرهم من الأغطية المنافية للادّكار فقال: {صم} أي عن السماع النافع {بكم} عن النطق المفيد لأن قلوبهم مختوم عليها فلا ينبعث منها

خير تقذفه إلى الألسنة {عمي} في البصر والبصيرة عن الإبصار المرشد لما تقدم من الختم على مشاعرهم، ولما كان في مقام إجابة الداعي إلى الإيمان قدم السمع لأنه العمدة في ذلك، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد، وختم بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء بخلاف ما في الإسراء، {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {لا} ولما كان المراد التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال: {يرجعون} أي عن طغيانهم وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون عن حالهم هذا أصلاً، لأنهم كمن هذا حاله، ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة موضعه بتقدم ولا تأخر.

{أو} مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد {كصيب} أي أصحاب صيب أي مطر عظيم، وقال الحرالي: سحاب ممطر دارٍّ ثم اتبعه تحقيقاً لأن المراد الحقيقة قوله: {من السماء} وهو كما قال الحرالي ما علا فوق الرأس، يعني هذا أصلة والمراد هنا معروف، ومثل القرآن بهذا لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيب يحيي الأرض، ثم أخبر عن حاله بقوله: {فيه ظلمات} أي لكثافة السحاب واسوداده {ورعد} أي صوت مرعب يرعد عند سماعه {وبرق} أي نور مبهت للمعانه وسرعته قاله الحرالي، والظلمات مثل ما لم يفهموه، والرعد ما ينادى عليهم بالفضيحة والتهديد والبرق ما لم يلوح لهم معناه ويداخلهم رأي في استحسانه.

ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال الممثل لهم والممثل بهم حقيقة ومجازاً فقال: {يجعلون أصابعهم} أي بعضها ولو قدروا لحشوا الكل لشدة خوفهم {في آذانهم من الصواعق} أي من أجل قوتها، لأن هولها يكاد أن يصم، وقال الحرالي: جمع صاعقة وهو الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد، ثم علل هذا بقوله: {حذر الموت والله} أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {محيط بالكافرين} فلا يغنيهم من قدره حذر، وأظهر موضع الإضمار لإعراضهم عن القرآن وسترهم لأنواره. ثم استأنف الحديث عن بقية حالهم فقال: {يكاد البرق} أي من

قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه {يخطف أبصارهم} فهم يغضونها عند لمعه وخفضه في ترائبه ورفعه، ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان كأنه قيل: ماذا يصنعون عند ذلك؟ فقال: {كلما} وعبر بها دون إذا دلالة على شدة حرصهم على إيجاد المشي عند الإضاءة {أضاء لهم مشوا فيه} مبادرين إلى ذلك حراصاً عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفاً عليهم ووقوفاً مع الأسباب ووثوقاً بها واعتماداً عليها وغفلة عن رب الأرباب، وهو مثل لما وجدوا من القرآن موافقاً لآرائهم، وعطف بإذا لتحقق خفوته بعد خفوته قوله: {وإذا أظلم عليهم قاموا} أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة واحده إشارة إلى أنه ليست لهم بصائر بها فيما كشف البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام

بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم وجبنهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل عليهم من القرآن على ما فهموه. {ولو شاء الله} الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم، ودل على مفعول شاء بقوله: {لذهب بسمعهم} أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سدّ آذانهم {وأبصارهم} بخاطف البرق ولم يمنعه غضَّهم لها، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {على كل شيء} أي مشيء أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبوية يقع على كل ما أخبر عنه، وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال،

وقول الأشاعرة: إن المعدوم ليس بشيء، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان متميز فيها {قدير} إعلاماً بأن قدرته لا تتقيد بالأسباب، قال الحرالي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر انتهى. ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني، أو لأنه مثل المنافقين، جعلت مدة صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقاداً مع جعل الله إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة؛ والثاني مثل المنافقين وهو أبلغ. لأن الضلال فيه أشنع وأفظع. فالصيب القرآن الذي انقادوا له ظاهراً، والظلمات متشابهه، والصواعق

وعيده، والبرق وعده، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفاً {يحسبون كل صيحة عليهم} [المنافقون: 4] وكلما بشروا انقادوا رجاء، وإذا عرض المتشابه وقفوا تحيراً وجفاء وكل ذلك وقوفاً مع الدنيا وانقطاعاً إليها، لا نفوذ لهم إلى ما وراءها أصلاً، بل هم كالأنعام، لا نظر لهم ألى ما سوى الجزيئات والأمور المشاهدات، {فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم} [النساء: 141] {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاًعظيماً} [النساء: 73] والكلام الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبّه في الأول مثلهم بمثل المستوقَد لا بالمستوقِد، وفي الثاني شبه مثلهم في خوفهم اللازم ورجائهم المنقطع بأصحاب

الصيب لا بمثلهم؛ فتقدير الأول مثلهم في أنهم سمعوا أولاً الدعاء ورأوا الآيات فأجابوا الداعي إما بالفعل كالمنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا لما عندهم من سلامة الفطر وصحة النظر، ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما قالوه بألسنتهم من كلمة التقوى نطقاً أو تقديراً إلى ظلمات الكفر، فلم ينفعهم سمع ولا بصر ولا عقل، فصاروا مثل البهائم التي لا تطيع الراعي إلا بالزجر البليغ، مثلهم في هذا يشبه مثل المستوقد في أنه لما أضاءت ناره رأى ما حوله، فلما ذهبت لم يقدر على تقدم ولا تأخر، لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا كلام فإذن استوى وجودهما وعدمهما،

فصار عادماً للثلاثة، فكان من هذه الجهة مساوياً للأصم الأبكم الأعمى، فهو مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قاده قائد حسي، فهو حينئذ مثل البهائم التي لا تقاد للمراد إلا بقائد، فاستوى المثلان وسيتضح ذلك عند قوله تعالى: {كمثل الذي ينعق} [البقرة: 171] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم إلى آخره و «او» بمعنى الواو، ولعله عبر بها دونها لأنه وإن كان كل من المثلين صالحاً لكل من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد، لأن الأول أظهر في الأول والثاني في الثاني.

وجعل الحرالي المثلين للمنافقين فقال: ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان وللقرآن عليهم تنزلان، منه ما يرغبون فيه لما فيه من مصلحة دنياهم، فضرب لهم المثل الأول، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنوا لما رأوا من معاجلة عقاب الذين كفروا في الدنيا؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم لا يحملها إلا مؤمن حقاً ولا يتحملها إلا من أمن، ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم فضرب له المثل الثاني؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين اتهى. وضرب الأمثال المنهي إلى الحمد المنتهي إلى الإحاطة بكل حد لا سيما في أصول الدين الكاشف لحقيقة التوحيد الموصل إلى اليقين في الإيمان بالغيب المحقق لما لله تعالى من صفات الكمال الدافع للشكول الحافظ في طريق السلوك مما اختص به القرآن من حيث كان منهياً إلى الحمد ومفصحاً به فكان حرف الحمد، وذلك أنه حرف عام محيط شامل

لجميع الأمور كافل بكل الشرائع في سائر الأزمان؛ فكان أحق الرسل به من كانت رسالته عامة لجميع الخلق وكتابه شاملاً لجميع الأمر وهو أحمد ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه «عروة المفتاح» : هذا الحرف لإحاطته أنزل وتراً وسائر الحروف أشفاع لاختصاصها، ووجه إنزاله تفهيم ما غمض من المغيبات بضرب مثل من المشهودات، ولما كان للأمر تنزلات وللخلق تطورات كان الأظهر منها مثلاً لما هو دونه في الظهور، وكلما ظهر ممثول صار مثلاً لما هو أخفى منه، فكان لذلك أمثالاً عدداً منها مثل ليس بممثول لظهوره وممثولات تصير أمثالاً لما هو أخفى منها إلى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم، فتكون تلك الغاية مثلاً أعلى كالسماوات والأرض فيما يحس والعرش والكرسي فيما يعلم {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} [الروم: 27] {الذين يحملون

العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} [غافر: 7] وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد {وله الحمد في السماوات والأرض} [الروم: 18] وأحمده أنهاه وأدناه إلى الله تعالى بحيث لا يكون بينه وبين الله تعالى واسطة، فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد، فكان أكمل الأمور سورة الحمد وكان أكمل الخلق صورة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان خُلقه القرآن {لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} [الحجر: 87] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} [الروم: 28] ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء يصح أن يضربه مثلاً {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} [البقرة: 26] {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [العنكبوت: 41] وللمثل حكم من ممثوله، إن كان حسناً حسنَ مثله، وإن كان سيئاً ساء مثله؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد، ولما كان أخفى أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق، وهو أدنى مثل لما خفى من أمر الخلق، كما أن الحمد أعلى مثل غاب من أمر الحق

وبين الحدين؛ أمثال حسنة وسيئة {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: 35] الآيتين، {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} [الجمعة: 5] {فمثله كمثل الكلب} [الأعراف: 176] الآيتين. وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم، وبضد ذلك لمن اتصف بأضداد تلك الأوصاف، {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة اختصاص معلوماتها هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن، ولكل حرف اختصاص بحظ من تدرّك الإنسان وأعمال القلوب والأنفس والأبدان، فمن يسر له القراءة والعمل بحرف منه اكتفى، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علماً وعملاً فقد أتم ووفّى، وبذلك يكون القارىء من القراء الذين قال فيهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنهم أعز من الكبريت الأحمر» {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران: 74] . ثم قال فيما به يحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن قراءة الأحرف

الستة تماماً وفاء بتفصيل العبادة، لأنها أشفاع ثلاثة للتخلص والتخلي وثلاثة للعمل والتحلي، لأن ترك الحرام طهرة البدن وترك النهي طهرة النفس وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب، ولأن تناول الحلال زكاء البدن وطاعة الأمر زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب؛ وأما قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعاً ودواماً {وله الدين واصباً} [النحل: 52] و {الذين هم على صلاتهم دائمون} [المعارج: 23] فالذي يحصل قراءة هذا الحرف إنما هو خاص بالقلب، لأن أعمال الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف السته التفصيلية، والذي يخص القلب بقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامه المحيطة بأن كل الخلق دقيقة وجليلة خلق الله وحده لا شريك له في شيء منه، وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله القائم بكلية ذلك الخلق، وإن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق هو مثل لله تعلى: {وله المثل الأعلى} [الروم: 27] وأن تفاصيل ذلك الخلق المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ذلك الأمر المحيطات بها، وأن تفاصيل الأمر المحيطات أمثال لأسماء الله تعالى الحسنى بما هي محيطة؛ ولجمع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم النبيين وهو خاصته وخاصة آله، وعنه

كمل الدين بالإحسان، وصفا العلم بالإيقان، وشوهد في الوقت الحاضر، ما بين حدي الأزل الماضي والأبد الغابر، وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل فانٍِ وبقي وجه رب محمد ذي الجلال والإكرام، وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد هو لكل شيء بداء وختام انتهى. ولما ثبت بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القدرة شمول العلم المستلزمان للواحدانية أنتج قطعاً إفراده بالعباده الموجبه

للسعاده المضمنة لإياك نعبد، فوصل بذلك قوله مقبلاً عليهم بعد الإعراض عنهم عند التقسيم إيذاناً بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من حيز المتأهل للخطاب من غير واسطة تنشيطاً لهم في عبادته وترغيباً وتحريكاً إلى رفع أنفسهم بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل دونهم وبشارة لمن أقبل عليه بعد أن كان معرضاً عنه بدوام الترقيه، فيزال ما أشار إليه حرف النداء والتعبير عن المنادى من بقية البعد بالسهو والغفلة والإعراض بالتقصير في العبادة والاضطراب والذبذبة {ياأيها الناس} . قال الحرالي في تفسيره {يا} تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على الخطاب، وهو تنبيه في ذات نفس المخاطب ويفهم توسط البعد بين آيا الممدودة وأي المقصورة «أيّ» اسم مبهم، مدلوله

اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل، «ها» كلمة مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى. وأكد سبحانه الكلام بالإبهام والتنبيه والتوضيح بتعيين المقصود بالنداء تنبيهاً على أن ما يأتي بعده أمور مهمة يحق لها تشمير الذيول والقيام على ساق الجد. وقال الحرالي: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب فكذلك أيضاً جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني آيها، وخاتمة تلتئم وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. واعلم مع ذلك أن كل نبىء منبأ - يقرأ بالهمز - من النبأ وهو الخبر، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن الله عز وجل جعل نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

نبياً منبياً من النبوة - يقرأ بغير همز. ومعناه رفعة القدر والعلو، فمما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طيّة أمره ومكنون علمه تعالى في سر التقدير الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم وبين مرجع إلى ذكر ربهم على ثلاثة أضرب: منهم من فُطِر على الإيمان ولم يطبع عليه أي على قلبه فهو مجيب ولا بد، ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد، ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهراً والكفر باطناً، وإن كلاًّ ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته {الم} ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة

إلى العبادة يعني بهذه الآية، وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن. ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمة للعالمين فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من خص الله سبحانه خبر دعوته فهي مجراة على ألسنتهم ولذلك كثرت مقاواة قومهم ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق تعالى هذه الدعوة من قبله كان فيها بشرى بالغلبة وإظهار

دينه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاويه خلقه، ولما انتهى إلى البشرى التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته عليه السلام بقوله: {وبشر} [البقرة: 25] ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ {أن اعبدوا الله} [المائدة: 117] ونحو فعزّ على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن إدراك العقول، ومع تولي الله سبحانه لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم الربوبية وهو اسم أقرب مثالاً على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى التربية والربابة، ومع ذلك أيضاً فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثالاً علمها فهي

كالشمس والقمر ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها لاسم الله ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه أو إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف والإباء، واقتضى اليسر الذي

أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطاً بآياتها - انتهى. ولما كانت العبادة المختلّة بشرك أو غيره ساقطة والازدياد من الصحيحة والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب الفريقين فقال: {اعبدوا ربكم} أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث يقبلها الغني. ثم وصفه بما أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيهاً على وجوده ووجوب العبادة له بوجوب شكر المنعم فقال: {الذي خلقكم} ، قال الحرالي: {الذي} اسم مبهم مدلوله ذات موصوف بوصف

يعقب به وهي الصلة اللازمة له، والخلق تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة {والذين من قبلكم} القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل عليه - انتهى. ثم بين نتيجتها بقوله: {لعلكم تتقون} أي لتكون حالكم بعبادته لأنها كلها محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى، وهي اجتناب القبيح من خوف الله، وسيأتي في قوله: {لعلكم تشكرون} ما ينفع هنا. وقال الحرالي: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبية بذكر الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم

وأفعالهم فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم فينشأ لهم. بذلك تقوى - انتهى. وما أحسن الأمر بالعبادة حال الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين والآخرين وما بعده عقب إثبات قدرة الداعي المشيرة إلى الترهيب من سطواته! ولقد بدع هذا الاستدلال على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرب أنهم في غاية الجمود بأمور مشاهدة يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما بعده مما به قوام بقائهم من السكن والرزق في سياق منبّه على النعمة محذر من سلبها دال على الإله بعد

الدلالة بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف ضرورة أنه وُجد بعد أن لم يكن، فلا بد له من موجد غير الناس، لما يشاهد من أن حال الكل كحاله بالدلالة بالآفاق من حيث إنها متغيرة، فهي مفتقرة إلى مغير هو الذي أحدثها ليس بمتغير، لأنه ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر بالنعم الجسام الموجبة لمحبة المنعم وترك المنازعة وحصول الانقياد فقال: {الذي جعل} قال الحرالي: من الجعل وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير {لكم الأرض} أي المحل الجامع لنبات كل نابت ظاهر أو باطن، فالظاهر كالموالد وكل ما الماء أصله، والباطن كالأعمال والأخلاق وكل ما أصله ما الماء آيته كالهدى والعلم ونحو ذلك؛ ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها فقيل: أرض أريضة، للكريمة المنبتة، وأصل معناها ما سفل في مقابلة معنى السماء الذي

هو ما علا على سفل الأرض كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها كتابه - انتهى. {فراشاً} وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء والأموات، وأصله كما قال الحرالي: بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك، {والسماء بناء} أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل القدر، محكم الأمر، بهي المنظر، عظيم المَخْبَر. ورتبت هذه النعم الدالة على الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب، قدم الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة عليه أدعى إلى الشكر، وثنى

بمن قبله لأنه أعرف بنوعه، وثلث بالأرض لأنها مسكنه الذي لا بد له منه، وربع بالسماء لأنها سقفه، وخمس بالماء لأنه كالأثر والمنفعة الخارجة منها وما يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد بينهما فقال: {وأنزل} قال الحرالي: من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من علو إلى سفل - انتهى. {من السماء} أي بإثارتها الرياح المثيرة للسحاب الحامل للماء {ماء} أي جسماً لطيفاً يبرد غلة العطش، به حياة كل نام. قال الحرالي: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق {فأخرج} من الإخراج وهو إظهار من حجاب، وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء - انتهى. وأتي بجمع القلة في الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما بالغان في الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيراً لهما في جنب قدرته إجلالاً له فقال:

{به من الثمرات رزقاً} وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف بالإيمان بالغيب، لأنه كما قيل: لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب، والثمر كما قال الحرالي: مطعومات النجم والشجر وهي عليها، وعُبر بِمن لأن ليس كل الثمرات رزقاً لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى، وليس أيضاً من كل الثمرات رزق فمنه ما هو للمداواة ومنه سموم وغير ذلك. وفي قوله: {لكم} إشعار بأن في الرزق تكملة لذواتهم ومصيراً إلى أن يعود بالجزاء منهم. وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة الثاني بلفظ

الجعل، لأن حال القوام مرتب على حال الخلق ومصيّر منه، فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد لمن تولى خلقه وأقام تركيبه؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد بساطاً قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب قدم له أن نفسه تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره؛ فلتنزيل هذه الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل العلم بمقتضاها في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى أحوال العرب، لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري وليس من شأنها تكلف الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الإمارات والأدلة، فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون

نقلتها من فطرة إلى فطرة ومن علم وجداني إلى علم وجداني عليّ لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها، لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة ويعتاده الريب، فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف وأجريت على ما أحكمه صدر السورة في قوله تعالى: {لا ريب فيه} . واعلم أن حال المخلوق في رزقه محاذي به حاله في كونه، فيعلم بالاعتبار والتناسب الذي شأنه أن تتعلم من جهته المجهولات أن الماء بزر كون الإنسان كما أن الماء أصل رزقه، ولذلك قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد أن يعين له نفسه: «نحن من ماء» ويعلم كذلك

أيضاً أن للأرض والسماء مدخلاً في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها في كون رزقه، وفي ذكر الأرض معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها، ولذلك قال عليه السلام: «من اغتصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين» وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها؛ وقدم الأرض لأن نظر النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها. ثم قال: ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر الرسالة بالتهديد - انتهى. ولما أمر بعبادته وذكرهم سبحانه بما يعلمون أنه فاعله وحده حسن النهي عن أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء التسبب عن الأمرين كليهما قال معبراً بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ على تألّه الغير {فلا تجعلوا لله} أي ما إحاطته بصفات الكمال. ويجوز أن

يكون مسبباً عن التقوى المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب {أنداداً} أي على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون. قال الحرالي: جمع ند وهو المقاوم في صفة القيام والدوام، وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال أدنى منها ترين الغفلة على القلوب، حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق من ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان، ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا، فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله أنداداً - انتهى. وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا بأنفسهم {وأنتم تعلمون} أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون

فإنه يلوّح إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في عداد البهائم. وفيه كما قال الحرالي: إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ومن الماء، فمن جعل لله نداً مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى. وفي تعقيبها لما قبلها غاية التبكيت على

من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء. وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت عليه الشرائع واجتمعت عليه الكتب، وهو عمود الخشوع، وعليه مدار الذل والخضوع. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه إلى ربه استسلاماً، وجهده في خدمته إكباراً واستناده إليه اتكالاً، وسكونه له طمأنينة {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 27، 28] ، ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا الحرف والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه، لأن اتباع المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله، ووجوب الاقتصار على الإيمان به من غير موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد للاعتبار، سبحانه من لم يجعل سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] الآيات، وما قدم في الترتيب في قوله تعالى: {يا أيها الناس

اعبدوا ربكم} إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] فليكن أول ما تدعوهم إليهم عبادة الله فإذا عرفوا الله، ومن ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر وحسن الجزاء {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} [الكهف: 28] {ويدرؤون بالحسنة السيئة} [الرعد: 22] {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب، وما تقدم من حرفي الحلال والحرام لإصلاح الدنيا، وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه، والعمل بهذا الحرف اغتباط بالرق وعياذ من العتق، فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ الاصطفاء وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك في نفس ولا غير، ولذلك بدىء بتنزيله النبي العبد، وهو ثمرة ما قبله وأساس

ما بعده، وهو للعبد أحوال محققة لا يشركه فيها ذو رثاء ولا نفاق، ويشركه في الأربعة المتقدمة - يعني النهي والأمر والحلال والحرام، لأنها أعمال ظاهرة فيتحلى بها المنافق، وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة، ولا بالخشوع ولا بالخضوع، ولا بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء، ولا بالرضا بالقضاء، ولا بالحب الجاذب للبقاء في طريق الفناء، ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في القرآن وأحاديثه الواردة للبيان، وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمن {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} [الفرقان: 63] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42، والإسراء: 65] . ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها كان ثابتاً في كل ملة وفي كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل على الأحرف الأربعة، لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل واختلافها على مذاهب الأئمة في الملة الجامعة، مع اتفاق الملل في الحرف المحكم فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به الله من يشاء، وقرأته العملة به هم المهتدون أهل السنة والجماعة، كما أن المتبعين لحرف المتشابه هم المتفرقون في الملل وهم أهل البدع والأهواء المشتغلون بما لا يعنيهم،

وبهذا الحرف المتشابه يضل الله من يشاء؛ فحرف المحكم للاجتماع والهدى، وحرف المتشابه للافتراق والضلال {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] . ثم قال: اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو حظ العامة من الأمة العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة، وقراءة هذا الحرف تماماً هو حظ المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال الصادقة المشفقين من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده مصرّف فيما شاء وكيف شاء، ليس له في نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة {في أيّ صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] {على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 63] . والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق للحق رقّ خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي

إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] و {من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة القلب؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق في الملك: إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكساراً والذل عطفاً والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على وصف النفس، بذلك ينتهي حسن التخلق مع الخلق وصدق التعبد للحق؛ وإما من جهة العمل فتصرف الجوارح وإسلامها لله قولاً وفعلاً وبذلاً، ومسالمة الخلق لساناً ويداً، وهو تمام الإسلام وثبته، لا يكتب أحدكم في المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده، ويخص

الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من الإطراق في القيام ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبيد، كذلك كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» ويؤثر جميع ما هو هيئة العبيد في تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فبهذه الأمور من تحقق العبودية للقلب وذل النفس وانكسار الجوارح تحصل قراءة حرف المحكم والله الولي الحميد - انتهى.

23

ولما ثبتت هذه الأدلة فوجب امتثال ما دعت إليه ولم يبق لمتعنت شبهة إلا أن يقول: لا أفعل حتى أعلم أن هذا الكتاب الذي تقدم أنه الهدى كلام الله، قال مبيناً إنه من عنده نظماً كما كان من عنده معنى محققاً ما ختم به التي قبلها من أن من توقف عما دعا إليه من التوحيد وغيره لا علم له بوجه، وأتى بأداة الشك سبحانه مع علمه بحالهم تنبيهاً على أنه من البعيد جداً أن يجزم بشكهم بعد هذا البيان {وإِن} أي فإن كنتم من ذوي البصائر الصافية والضمائر النيرة علمتم بحقية هذه المعاني وجلالة هذه الأساليب وجزالة تلك التراكيب أن هذا

كلامي، فبادرتم إلى امتثال ما أمر والانتهاء عما عنه زجر. {وإن كنتم في ريب} أي شك محيط بكم من الكتاب الذي قلت - ومن أصدق مني قيلاً - إنه {لا ريب فيه} .

وأشار هنا أيضاً إلى عظمته وعظمة المنزل عليه بالنون التفاتاً من الغيبة إلى التكلم فقال: {مما نزلنا} قال الحرالي: من التنزيل وهو التقريب للفهم بتفصيل وترجمة ونحو ذلك - انتهى. {على عبدنا} أي الخالص لنا الذي لم يتعبد لغيرنا قط، فلذلك استحق الاختصاص دون عظماء القريتين وغيرهم، فارتبتم في أنه كلامنا نزل بأمرنا وزعمتم أن عبدنا محمداً أتى به من عنده لتوهمكم أن فيما سمعتم من الكلام شيئاً مثله

لأجل الإتيان به منجماً أو غير ذلك من أحواله. {فأتوا} أي على سبيل التنجيم أو غيره، قال الحرالي: الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة {بسورة} أي نجم واحد. قال الحرالي: السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة - انتهى. وتفصيل القرآن إلى سور وآيات، لأن الشيء إذا كان جنساً وجعلت له أنواع واشتملت أنواعه على أصناف كان أحسن وأفخم لشأنه وأنبل ولا سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة

الانتظام، وتجاوبت النظائر بحسن الالتيام، وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وجمال الأحكام، وذلك أيضاً أنشط للقارىء وأعظم عنده لما يأخذه منه مسمى بآيات معدودة أو سورة معلومة وغير ذلك {من مثله} أي من الكلام الذي يمكنكم أن تدعوا أنه مثل ما نزلنا كما قال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] فإن عبدنا منكم ونشأ بين أظهركم، فهو لا يقدر على أن يأتي بما لا تقدرون على مثله إلا بتأييد منا. ولما كانوا يستقبحون الكذب قال: {وادعوا شهداءكم} أي من تقدرون على دعائه من الموجودين بحضرتكم في بلدتكم أو ما قاربها،

والشهيد كما قال الحرالي من يكثر الحضور لديه واستبصاره فيما حضره - انتهى. {من دون الله} أي لينظروا بين الكلامين فيشهدوا بما تؤديهم إليه معرفتهم من المماثلة أو المباينة فيزول الريب ويظهر إلى الشهادة الغيب أو ليعينوكم على الإتيان بمثل القطعة المحيطة التي تريدون معارضتها. قال الحرالي: والدون منزلة القريب فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب أن اسم الله لا يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس! فقد تحققوا أن كل ما أدركته حواسهم ونالته عقولهم فإنه من دون الله - انتهى.

ففي التعبير به توبيخ لهم بأنهم لم يرضوا بشهادته سبحانه. وحكمة الإتيان بمن التبعيضية في هذه السورة دون بقية القرآن أنه سبحانه لما فرض لهم فيها الريب الذي يلزم منه زعمهم أن يكونوا اطلعوا له على مثيل أو سمعوا أن أحداً عثر له على شبيه اقتضى الحال الإتيان بها ليفيد أن المطلوب منهم في التحدي قطعة من ذلك المثل الذي ادعوه حكيمة المعاني متلائمة المباني منتظم أولها بآخرها كسور المدينة في صحة الانتظام وحسن الالتيام والإحاطة بالمباني التي هي كالمعاني والتقاء الطرفين حتى صار بحيث لا يدرى أوله من آخره سواء كانت القطعة المأتي بها تباري آية أو ما فوقها لأن آيات القرآن كسورة يعرف من ابتدائها ختامها ويهدي إلى افتتاحها تمامها، فالتحدي هنا منصرف إلى الآية بالنظر الأول وإلى ما فوقها بالنظر الثاني. والمراد بالسورة هنا مفهومها اللغوي، لأنها من المثل المفروض

وهو لا وجود له في الخارج حتى يكون لقطعة اصطلاح في الأسماء معروف، ولأن معرفة المعنى الاصطلاحي كانت مخصوصاً بالمصدقين ولو أريد التحدي بسورة من القرآن لقيل: فائتوا بمثل سورة منه، ولما كان هذا هو المراد قصرهم في الدعاء على من بحضرتهم من الشهداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يونس عليه السلام وبقية السور المذكورة فيها هذا المعنى ما يتم به هذا الكلام. وفي قوله: {إن كنتم صادقين} إيماء إلى كذبهم في دعوى الشك فيه، قال الحرالي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقاً لما احتوى عليه قلبه مما له حقيقة ثابتة بحسبه، وقال: اتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال الرزق لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة نزول الرزق، لأنهما رزقان: أحدهما ظاهر يعم الكافر في نزوله، والآخر وهو الوحي رزق

باطن يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتاً؛ ولم يصلح أن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر، فتبطل حكمة الاختصاص في الرزقين، فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام فيحاولون معارضته، وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولته عمومه فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة من مثله تحقق اختصاص من نزل عليه به وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاماً بوفائه بأنحاء التذلل وإظهاراً لمزية انفراده بذلك دونهم ليظهر به سبب الاختصاص. وانتظم النون في {نزلنا} من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ {عبدنا} ما يظهره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم من الانقياد والاتباع وما اقتضاه خلقه العظيم من خفض الجناح، حتى أنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من أمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحتى أنه يتصف بأوصاف العبد في أكله كما قال: «آكل كما يأكل العبد» انتهى. والتحدي بسورة يشمل أقصر سورة كالكوثر ومثلها في التحدي

آية مستقلة توازيها وآيات، كما قاله الإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلي في شرح جمع الجوامع، وسبقه الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي فنظمه في القنية في الأصول ونقله في شرحها عن ظاهر كلام إمام الحرمين في الشامل وعن كلام الفقهاء في الصداق فيما لو أصدقها تعليم سورة فلقنها بعض آية، وسبقهما العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني فقال في تلويحه على توضيح صدر الشريعة: المعجز هو السورة أو مقدارها هكذا ذكر الذين تكلموا في الإعجاز من الأصوليين وغيرهم أن التحدي وقع بسورة من القرآن، والصواب أنه إنما وقع بقطعة آية فما فوقها، لأن المراد بالسورة مفهومها اللغوي لا الاصطلاحي كما تقدم بيانه. والحاصل أنه لما كان في آيات المنافقين ذكر الأمثال وكانوا قد استغربوا بعض أمثال القرآن وجعلوها موضعاً للشك من حيث كانت موضعاً لليقين فقالوا: لو كان هذا من عند الله لما ذكر فيه أمثال هذه الأمثال، لأنه أعظم من أن يذكر ما دعاهم إلى المعارضة في هذه السورة

المدنية بكل طريق يمكنهم، وأخبرهم بأنهم عاجزون عنها وأن عجزهم دائم تحقيقاً لأنهم في ذلك الحال معاندون لا شاكون. ولما كان سبحانه عالماً بأن الأنفس الأبية والأنوف الشامخة الحمية التي قد لزمت شيئاً فمرنت عليه حتى صار لها خلقاً يصعب عليها انفكاكها عنه ويعسر خلاصها منه عبر عن هذا الإخبار بالعجز مهدداً في سياق ملجىء إلى الإنصاف بالاعتراف أو تفطر القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا} فأتى بأداة الشك تنفيساً لهم وتهكماً في نفس الأمر بهم واستجهالاً لهم، ثم لم يتمم ذلك التنفيس حتى ضربهم ضربة

فضمت ظهورهم وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة لصحة نسبة النظم والمعنى آيد وآكد لادعائهم المقدرة بقوله تعالى: {ولن تفعلوا} فألزمهم الخزي بما حكم عليهم به من العجز، فلم يكن لهم فعل إلا المبادرة إلى تصديقه بالكف، فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت، واستمر ذلك التصديق لهم ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه فتخضع له الرقاب ويصدّح مؤذنه فتنكسر

الرؤوس، والتعبير بالفعل الأعم من الإتيان أبلغ لأن نفيه نفي الأخص وزيادة. والفعل قال الحرالي ما ظهر عن داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم لتدين كان أو لغيره كما تقدم مراراً - انتهى. فقد ثبت أن هذا الكتاب الذي بين أنه الهادي إلى الصراط المستقيم أعظم دليل على إفراده بالعبادة واختصاصه بالمراقبة التي أرشدنا إليها بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 4] الآية بما ثبت فيه من أدلة التفرد بالإلهية بما ثبت من عجزهم عن معارضته وعجز جميع العرب الذين كانوا أفصح الخلق وكذا جميع من ولد في بلادهم وانطبع بلسانهم من اليهود والنصارى الذين لهم من الفصاحة والعلم ما هو مشهور فقد كان لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا في المدينة الشريفة وخيبر واليمن وغيرها،

ومن دخل في دينهم من العرب من الفصاحة والبلاغة والعلم ما لا يحتاج من طالع السيرة فيه إلى توقف، وكان النصارى من بني إسرائيل ومن دان دينهم من العرب وهم كثير كثرة قوم المنذرين ماء السماء، وما قارب الشيء من عبد القيس وتنوخ وعامله وغسان كلهم فصحاء بلغاء، وزاد كثير منهم على ذلك العلم وكان منهم الشعراء المبرزون؛ ومع ذلك فلم يقدر أحد منهم على طعن في هذا القرآن ولا عارضه منهم إنسان إلا ما قاله مسيلمة والأسود العنسي فيما افتضحوا به وأكذبهم الله تعالى فيه وسارت بفضائحهم الركبان فكانوا بها مثلاً في سائر البلدان.

قال عمرو بن بحر الجاحظ «في كتاب الحجة في تثبيت خبر الواحد» إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته فدعاهم إلى حظهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم وقتلوا أعمامه وبني أعمامه وعلية أصحابه وأعلام أهله، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن وغيره ويدعوهم صباحاً ومساء

إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحدياً لهم بها وتقريعاً بعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستوراً وظهر منه ما كان خفياً، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا؛ قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا طبع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واتساع لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم

وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الحرائب؛ وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في العقل والرأي بطبقات، ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم؛ فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر

والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد علمهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر! وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك أيضاً محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه - انتهى. فثبت بهذا عجزهم وخرس قطعاً إفصاحهم ورمزهم وطأطأ ذلاً كبرهم وعزهم، وكيف يمكن المخلوق مع تمكنه في سمات النقص ودركات الافتقار والضعف معارضة من اختص بصفات

الكمال وتعالى عن الأنداد والأشباه والأشكال. وقد اختلف الناس في سبب الإعجاز وأحسن ما وقفت عليه من ذلك ما نقله الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي في كتابه البرهان عن الإمام أبي سليمان الخطابي - وقال: وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها ووضعوا فيه إلى حكم الذوق، قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل؛

وهذه الأقسام هي الكلام الفاضل المحمود، فالقسم الأول أعلاه والقسم الثاني أوسطه والقسم الثالث أدناه وأقربه؛ فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعاً من الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن لتكون آية بينة لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما تعذر على البشر جميعاً الإتيان بمثله لأمور، منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا

باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم؛ وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظماً أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً وتشاكلاً من نظمه؛ وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن يوجد مجموعه في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمناً أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم

في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعاند منهم، منبئاً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان، جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم؛ فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر - لما رأوه منظوماً - ومرة: إنه سحر - لما رأوه معجوزاً عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعاً في القلوب وفزعاً في النفوس يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة وإن عليه

لطلاوة، وكانوا مرة بجهلهم يقولون: إنه {أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} [الفرقان: 5] مع علمهم أن صاحبه أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز - انتهى. وأول كلامه يميل إلى أن الإعجاز بمجرد النظم من غير نظر إلى المعنى، وآخره يميل إلى أنه بالنظر إلى النظم والمعنى معاً من الحيثية التي ذكرها، وهو الذي ينبغي أن يعتقد لكن في التحدي بسورة واحدة وأما بالعشر فبالنظر إلى البلاغة في النظم فقط - نقله البغوي في تفسير سورة هود عن المبرد وقد مر آنفاً مثله في كلام الجاحظ. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل الباب الأول في علو بيان القرآن على بيان الإنسان: اعلم أن بلاغة البيان تعلو على قدر علو المبين، فعلو بيان الله على بيان خلقه بقدر علو الله على خلقه، فبيان كل مبين على قدر إحاطة علمه، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما يدرك منه وهو لا يحيط به علمه فلا يصل إلى غاية البلاغة

فيه بيانه، وإذا أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائناً في ذكره لما لزم الإنسان من نسيانه، وإذا أراد أن ينبىء عن الآتي أعوزه البيان كله إلا ما يقدّره أو يزوّره؛ فبيانه في الكائن ناقص وبيانه في الماضي أنقص وبيانه في الآتي ساقط {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} [القيامة: 5] وبيان الله سبحانه عن الكائن بالغ إلى غاية ما أحاط به علمه {قل إنما العلم عند الله} [الملك: 26] وعن المنقطع كونه بحسب إحاطته بالكائن وسبحانه من النسيان {لا يضل ربي ولا ينسى} [طه: 52] وعن الأتي بما هو الحق الواقع {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين * والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 7، 8] والمبين الحق الذي لا يوهن بيانه إيهام نسبة النقص إلى بيانه، والإنسان يتهم نفسه في البيان ويخاف أن ينسب إلى العي فيقصد استقراء البيان ويضعف مفهوم بيانه ضعفاً من منته ومفهوم بيان القرآن أضعاف أضعاف أنبائه وقل ما ينقص عن نظيره - انتهى. وقال الإمام محمد بن عبد الرحمن المراكشي الأكمه في شرح نظمه

لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان ما يصلح أن يكون متناً وجملة وما تقدم شرحاً له وتفصيلاً قال: الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال، لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزاً، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب معجزاً، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزاً - والأسلوب الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزاً، ولأن الإعجاز يوجد دونه أي الأسلوب في نحو {فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: 80] {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94] ولا بالصرف عن معارضته، لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن مسيلمة وابن المقفّع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع

وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ويهان بتلك الأحوال، أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء؛ فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علماً - انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه في تهديدهم بقوله: {فاتقوا النار} كذا قال الحرالي، وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط

المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. وقال غيره: جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق {التي وقودها} أي الشيء الذي يتوقد ويتأجج به {الناس والحجارة} التي هي أعم من أصنامهم التي قرنوا بها أنفسهم في الدنيا إلى أنهم لم يقدروا على المعارضة واستمروا على التكذيب، كانوا معاندين ومن عاند استحق النار، وإلى أنهم إذا أحرقوا فيها أوقد عليهم بأصنامهم تعريضاً بأنها وإن كانت في الدنيا لا ضرر فيها ولا نفع باعتبار ذواتها فهي في الآخرة ضرر لهم بلا نفع بشفاعة ولا غيرها؛ وتعريف النار وصلة الموصول لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه من عند الله معلومة مقطوع بها فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيهاً على أن ما جهله لم يجهله أحد.

وقال الحرالي: الحجارة ما تحجَّر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، {واتقوا} أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله حيث تذعنون لربوبيته وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف الأجزاء الذي هو معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم التقوى بداعي العلم فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه لفعلكم، فإنها نار غذاؤها واشتعالها بالكون كله أنهاه تركيباً وهم الناس الملائمون لمارجها بالنوس وأطرفه وأجمده وهي الحجارة فهي تسع ما بين ذلك من باب الأولى، وفيه

إشعار بمُنتها وقوتها وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق بخلق يعني وليست كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد وهو النبات ولا تفعل في الطرفين إلا بواسطة وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة منه كما قال: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} [يس: 80] وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وذلك على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه وقال: {وقودها} لأن النار أشد فعلها في وقودها لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، فإذا كان وقودها محرقها كانت فيه أشد عملاً لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها بنار الدنيا

انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون وبها مغتذون إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها بمقدار ما في كونه من جوهرها. قلت: ويؤيده {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 27] أي في أن الغالب عليهم العنصر الناري المفسد لما قاله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} [مريم: 27] قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما حوته السماء والأرض وأن كل شيء ليس الثقلين فقط يعمه القسم بين الجنة والنار كما عمه القسم بين الخبيث والطيب؛ وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة الإيمان على الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيراً واستفتاحاً، وما سوى ذلك فمن زيادة الإيمان وتكامله كما قال: {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} [الفتح: 4] ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث الثقلين وجزائهما، حتى أن منهم من ينكر جزاء ما سواهما ويتكلف تأويل مثل قوله عليه السلام: «يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء» انتهى. ولما تم ذلك وكان {الناس} عاماً للكافر وغيره كان كأنه قيل: هذه النار لمن؟ فقيل: {أعدت} أي هيئت وأكملت قبل زمن استعمالها

وتقاد للمجهول لأن المشتكي إذا جهل فاعله كان أنكأ {للكافرين} فبين أنها موجودة مهيأة لهم ولكل من اتصف بوصفهم وهو ستر ما ظهر من آيات الله. قال الحرالي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا - انتهى. ولما ذكر ما لهم ترهيباً اتبعه ما للمؤمنين ترغيباً فقال صارفاً وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاطفاً على ما تقديره: فأنذرهم بذلك، ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف {وبشر} والبشرى قال الحرالي إظهار غيب المسرة بالقول: {الذين آمنوا} أي صدقوا الرسل {وعملوا} قال الحرالي: من العمل وهو فعل بُني على علم أو زعمه {الصالحات} من الأقوال والأفعال، قال الحرالي: جمع صالحة،

وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه، وإذا كانت البشرى لهؤلاء فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى، وإنما يبشر من يكون على خطر، والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وما لا يناله علم نفس ولا خطر على قلب بشر. ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر به فقال: {أن لهم جنّات} أي متعددة، قال الحرالي: لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها كما قال عليه الصلاة والسلام للتي سألت عن ابنها: «إنها جنان وإن

ابنك أصاب الفردوس الأعلى» وفي التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم. والجنات مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها، تُجن المتصرف فيها أي تخفيه وتجن وراء نعيمها مزيداً دائماً - انتهى. ثم وصفها بأنها {تجري} قال الحرالي: من الجري وهو إسراع

حركة الشيء ودوامها، {من تحتها} أي من تحت غرفها، والتحت ما دون المستوى، {الأنهار} جمع نهر، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى. فإسناد الجري إليها مجاز، والتعريف لما عهده السامع من الجنس ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها منبع الأنهار، فَتَحتَ كل شجرة وغرفة منبع نهر، فهي لا تزال غضّة يانعة متصلة الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختلّ بعض أمره. قال الحرالي: وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - انتهى. فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك فيه بخلاف جري الأنهار فقال: {كلما} وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات {رزقوا منها من ثمرة} أيّ ثمرة كانت رزقاً {قالوا} لكونه على صورة ما في الدنيا {هذا} أي الجنس لاستحكام الشبه {الذي رزقنا من قبل} أي في الدنيا، ولما كان الرزق معلوماً ولم يتعلق غرض بمعرفة الآتي بالرزق بُنيا للمجهول فقال تعالى عاطفاً

على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف وله أقبل وإليه أميل موحداً للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد {وأتوا به} أي جيء لهم بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة من غير تطلب وتشوق {متشابهاً} في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم، فيصير فضله في ذلك بالذوق نعمة أخرى والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر الصورة، والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة في كل مرة فيزداد العجب وجعل الحرالي

هذا خاصاً بثمار الجنة فقال: من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى ولا يتراخى زمان عودها، فهي تتخلف لآنِ قطفها ولا تتمايز صور المقطوف من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية الوجود قال عليه السلام في عنقود من ثمرها: «لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جرُّوا بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق ومنه حديث مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد: «نية المؤمن خير من عمله» {وأتوا به متشابهاً} أظهر عذرهم في توهم

اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف للانتقاء للأعلى وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة، وقد ذكر بعض العلماء اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه، ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو

قوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] وما يجري مجراه - انتهى. ولما ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات وكانت لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال: {ولهم فيها} أي مع ذلك {أزواج} ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماماً بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال: {مطهرة} . قال الحرالي: والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة من حال نفوسهم من

حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى. ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصاً فلا تروق اللذة إلا مع الاستقرار وكان هذا الوصف عاماً في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدماً للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له {وهم فيها} ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بياناً بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئاً جديداً فقال: {خالدون}

والخلود طول الإقامة بالقرار، وسياق الامتنان أغنى عن تقييده بالتأبيد والدوام.

26

ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما فيه من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى فاضمحلت نسبتها إليها، وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام الذكر فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى على المنصف فلم يبق إلا طعنهم بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب الاعتداد بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقاً إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله، فلو ترك التمثيل بها لذلك

لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب فقال تعالى على طريق الاستنتاج من المقدمات المسلَّمات وأكد سبحانه دفعاً لظن أنه يترك لما لبّسوا به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في جميع الأحوال. وقال الحرالي: لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها

والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق سبحانه {والله لا يستحيي من الحق} [الأحزاب: 53] وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم. وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع المثل على ممثله قل أو جل دنا أو علا فتنزه تعالى عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمراً فيتوهمون فيه نقصاً فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولاً أو فعلاً - انتهى. فقال تعالى: {إن الله} أي المحيط بكل شيء جلالاً وعظمة

وكمالا {لا يستحيي} أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه. والحياء قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصاً حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن {أن} كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها، وسيبويه رحمه الله يراها اسماً، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفاً {يضرب} من ضرب المثل وهو وقع المثل على الممثل،

لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجدداً مستمراً وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه مثلاً، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق، وتحقيقه أن المصدر لا يقع إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان ولا غيره وأما بفعل فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر أيضاً إلى زمان، وبفهمها مع النظر إلى الزمان مع التجدد والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي: إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول، فنفى الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق، فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة «إن» فإنها كثيرة الدور في القرآن جليلة قدر المعنى في مواقعها، وإنما يجري

على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إنّ أنّ والفعل في معنى المصدر، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما، وعند هذا يجب أن تكون أن اسماً والفعل صلتها نحو من وما {مثلاً ما} مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و «ما» في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى. ثم بين ذلك بقوله: {بعوضة} . وقال الحرالي: ولما كان ضرب المثل متعلقاً بمثل وممثل كان الضرب واقعاً عليهما، فكان لذلك متعدياً إلى مفعولين: مثلاً ما وبعوضة، والبعوض جنس معروف من أدنى الحيوان الطائر مقداراً وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به معنى البعض الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه

جميع أجزاء الكل فهو بذلك كل، {فما فوقها} أي من معنى يكون أظهر منها، والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى. والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة، وإن اعتبر بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من تراب، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس الحال. ثم ذكر شأن قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال مؤكداً بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر: {فأما} ، قال الحرالي: كأنها مركبة من «إن»

دالة على باطن ذات و «ما» دالة على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى. {الذين آمنوا} أي بما ذكرنا أول السورة، ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما يكن من شيء أجيب بالفاء في قوله: {فيعلمون أنه} أي ضرب المثل {الحق} كائناً {من ربهم} أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان، وأنه ما أراد بهم إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله، وأما أمثال غيره فإن لم يكن فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمُّح تكون به غير جديرة باسم الحق ولا عريقة فيه. قال الحرالي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضرب المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه

فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى. فلذا قال {وأما الذين كفروا} أي المجاهرون منهم والمساترون {فيقولون} أي قولاً مستمراً {ماذا} أي الذي {أراد الله} الذي هو أجل جليل {بهذا} الحقير أي بضربه له {مثلاً} أي على جهة المثلية استهزاء وجهلاً وعناداً وجفاءً؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند الفريقين جواباً لسؤال من سأل

منهم فقال: {يضل به كثيراً} أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك الظنون. وقال الحرالي: وكان إضلالاً لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به تطريق لهم إلى الجهالة فكان ذلك إضلالاً، وقدم الجواب بالإضلال لأنه مستحق المستفهم، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية - انتهى. {ويهدي به كثيراً} أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر يهديهم ربهم بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف فيزيدهم به إيماناً وطمأنينة وإيقاناً، والمهديون كثير في الواقع قليل بالنسبة إلى الضالين. ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله: {فاتقوا النار} اكتفى في المهتدين بما سبق من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر وتحذيره: {وما يضل به إلا} ، قال الحرالي: كأنها مركبة

من «إن» و «لا» مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى. {الفاسقين} أي الخارجين عن العدل والخير. وقال الحرالي: الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق خروج عن محيط كالكمام للثمرة والجحر للفأرة - انتهى. ثم بينهم بقوله: {الذين ينقضون} من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن بعض {عهد الله} أي الذي أخذه عليهم على ما له من العظمة بما ركز فيهم من العقول ونصب لهم من الدلائل والعهد التقدم في الأمر - قاله الحرالي.

ولما كان المراد عهداً خاصاً وهو إرسال الرسل عليهم السلام أثبت الخبر فقال: {من بعد ميثاقه} أي بدلالة الكتب على ألسنة الرسل مع تقريبه من الفطر وتسهيله للنظر، والوثاق شدة الربط وقوة ما به يربط - قاله الحرالي {ويقطعون ما أمر الله} أي الملك الأعظم، ولما كان البيان بعد الإجمال أروع للنفس قال: {به} ثم فسره بقوله: {أن يوصل} أي من الخيرات، قال الحرالي: والقطع الإبانة في الشيء الواحد والوصل مصيراً لتكملة مع المكمل شيئاً واحداً كالذي يشاهد في إيصال الماء ونحوه وهو إعلام بأنهم يقطعون متصل الفطرة ونحوها فيسقطون عن مستواها وقد أمر الله أن يوصل بمزيد علم يتصل بها حتى يصل نشؤها إلى أتم ما تنتهي إليه، وكذلك حالهم في كل أمر

يجب أن يوصل فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - انتهى. {ويفسدون} ولما قصر الفعل ليكون أعم قال: {في الأرض} أي بالنكوب عن طريق الحق. قال الحرالي: ولما كانت الأرض موضوعة للنشىء منها وفيها وموضع ظهور عامة الصور الرابية اللازمة الجسمية ومحل تنشؤ صورة النفس بالأعمال والأخلاق وكان الإفساد نقض الصور كما قال تعالى: {وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] كان فعلهم فيها من نحو

فعلهم في وضع الضد السيء موضع ضده الأكمل والتقصير بما شأنه التكملة فكان إفساداً لذلك - انتهى. ولما كان كأنه قيل: إن فعل هؤلاء لقبيح جداً فما حالهم؟ قال: {أولئك} أي الأباعد من الصواب {هم الخاسرون} أي الذين قصروا الخسران عليهم، والخسارة النقص فيما شأنه النماء - قاله الحرالي، ومن المعلوم أن هذا نتيجة ما مضى من أوصافهم. قال الحرالي: ولما كان الخاسر من كان عنده رأس مال مهيأ للنماء والزيادة فنقصه عن سوء تدبير، وكان أمرهم في الأحوال الثلاث المنسوقة حال من نقص ما شأنه

النماء كانوا بذلك خاسرين فلذلك انختمت الآية بهذا؛ وأشير إليهم بأداة البعد لوضعهم في أبعد المواضع عن محل الخير - انتهى. ولما دعا سبحانه إلى التوحيد ودل عليه وأنذر من أعرض وبشر من أقبل وذكر حال الفريقين في قبول الأدلة التي زبدتها الأمثال وإبائها التفت إلى تبكيت المدبر لعله يستبصر، واستمر سبحانه في دلائل التوحيد حتى قامت قيام الأعلام ونفذت نفوذ السهام حتى تخللت صميم العظام لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمر في أسلوب مشيراً إلى البعث منبه على التخلص من الخسارة، وما أبدع افتتاح ذلك عقب «الخاسرين» بقوله على طريق التفات المغضب المستعطف المعجب! {كيف}

وقال الحرالي: لما تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف فضربت الأمثال فاستدرك وآمن وتمادى متماد على كفره صرف وجه الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى وأجري على لسان لؤم وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع العذر في التمادي على الكفر، وجاء بلفظ كيف لقصور نظرهم على الكيفيات المحسوسة فإن كيف كلمة مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك بالحواس، فكأنه يقال لهم بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر بالله؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل الدائم في {تكفرون} انتهى. وقال: {بالله} أي مع ظهور عظمته وعلوه، والإنكار الموجب لنفي المنكر، كما في قولك: أتطير بغير جناح، يفيد أنه كان ينبغي أن يكون الكفر في حيز الممتنع لما على بطلانه وصحة التوحيد من الأدلة التي تفوت الحصر، وإنكار حاله إنكار لوجوده على طريق البرهان، لأنه إذا امتنع أن يوجد في حال

من الأحوال امتنع وجوده مطلقاً. قال الحرالي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم «الله» لما لم يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية حيث لم يكونوا ممن أجاب مبادراً ولا تالياً حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال. ولما جرى هذا الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غايات من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى. {وكنتم} أي والحال أنكم تعلمون أنكم كنتم {أمواتاً} بل مواتاً تراباً ثم نطفاً. قال الحرالي: من الموت وهو حال خفاء وغيب يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه أو يتقدمه تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى. وإطلاق الموت على ما لم تحله حياة مجاز، وسرّ التعبير به التنبيه على أنه أكثر ما تكون الإعادة التي ينكرونها مثل الابتداء، فلا وجه أصلاً لإنكارها مع الاعتراف بالابتداء. فكيف والإعادة دونه {فأحياكم} فصرتم ذوي حس وبطش وعقل. قال

الحرالي: وجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت الذي قبل حياة الولادة، والحياء تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى. {ثم يميتكم} بعد مد الأعمار والتقليب في الأطوار فإذا أنتم أجساد كالفخار كأنه لم تحل بها حياة ساعة قط، وبدلتم بعد الأنس بكم الوحشة، وإثر محبة القرب منكم النفرة؛ وتمثيل الموت بما نعهده أن طلب الملك كما أنه يحصل به من الروع ما يكاد يتلف وربما أتلف كان طلب ملك الملوك موجباً للموت. قال الحرالي: وهذه الأحوال الثلاثة أي الموت المعبر به عن العدم ثم الحياة ثم الموت معروفة لهم لا يمكنهم إنكارها، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت لزمهم الإقرار بحياة موت آخر لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله، كما قال تعالى: {أو ليس الذي خلق السماوات والأرض

بقادر على أن يخلق مثلهم} [يس: 81] ولَدُن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايفان، وإذا استوفى الموت الأول إحياؤه فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياؤه أيضاً، لأنه لولا استقبال الحياة لما كان موتاً بل بُطلاً وفقداً واضمحلالاً، لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، والموت مبدأ غيب زائل، فجنس الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة؛ ولذلك ورد ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في أن الموت يُذبح، إعلام بانقضاء جنسه وثبات الحياة، ولذلك قدم في الذكر وأعقب بالحياة حيث استغرقتهما كلمة «أل» في

قوله: {خلق الموت والحياة} [الملك: 2] وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، كما ورد عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «نعيم الجنة لا آخر له» فوجب بظاهر ما أحسه الكفار وباطن ما اقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ثانية بعد ميتة الدنيا - انتهى. ولما كان على البعث والحشر من الأدلة ما جعلهما كالمحسوسين عدهما في حيز المعلوم لهم كالإحياء الأول والموت فقال: {ثم يحييكم} فينشركم بعد طيكم ويبعثكم بعد حبسكم في البرزخ، فتكونون كما كنتم أول مرة ذوي قدرة على الانتشار بتلك القدرة التي ابتدأكم بها وأماتكم،

وهذا لا ينفي أن يكون لهم في البرزخ إحساس بدون هذه الهيئة الكاملة، {ثم إليه ترجعون} فيحشركم بعد طول الوقوف للجزاء من الثواب والعقاب؛ وفي هذا كما قال الحرالي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله سبحانه بداعي العلم في الدنيا فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهراً حيث يشاهدون انقطاع أسبابهم ممن تعلقوا به ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله، وإنما جاء هذا المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم حيث يدعونهم فلم يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله فيرجعون قسراً وسوقاً فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم، كما قال تعالى في خطاب يعم كافة أهل الجزاء {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله لهم ولسان النكير عليهم، ولذلك كانت آية: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] آخر آية أنزلت في القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول يعم أهل الجزاء؛ والرجع عود

الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها - انتهى. ولما أجمل سبحانه في أول هذه الآية أول أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه الذي تقدم أنه منبه على أن الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه من باهر الأدلة شرع يفصله على وجه داع لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع الإحسان بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي من العالي إلى الأعلى فساق سبحانه ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة على وحدانيته مساق الإنعام على عباده بما فيه من منافعهم ليكون داعياً إلى توحيده من وجهين: كونه دالاً

على عظمة مؤثرة وكمال قدرته، وكونه إحساناً إلى عباده ولطفاً بهم، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال: {هو} ، قال الحرالي: وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا يظهر لشيء، فذاته أبداً غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم الله إلى تنزل اسم الملك، فما بينهما من الأسماء المظهرة، ثم قال: لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله وكان هذا خطاباً خاصاً مع المتمادي على كفره اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم تهديداً رمى به بين أكتافهم وتسبيباً نيط بهم ومُدّ لهم كالمرخى له في السبب الذي يراد

أن يجذب به، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعاً، أو يراد به قسراً عند انتهاء مدى إدباره، وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن هذه على نهاية الاقتطاع بين طرفيها وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في هذه كل البعد بإسناد الأمر إلى اسم هو الذي هو غيب اسم الله وأسند إليه خلق ما خلق لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى. {الذي خلق لكم} ديناً ودنيا لطفاً بكم {ما في الأرض} أي بعد أن سواهن سبعاً، قال الحرالي: وقوله: {جميعاً} إعلام بأن حاجة الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء وإنما تقوم بكلية ما في الأرض حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى. والآية دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا يمنع شيء إلا بدليل.

ولما كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لا يرام، والجوهر البالغ في الأحكام، والزينة البديعة النظام، المبنية على المصالح الجسام، وكثرة المنافع والأعلام، عبر في أمرها بثم فقال: {ثم استوى إلى السماء} أي وشرف على ذلك جهة العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع، ثم علق إرادته ومشيئته بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها، وفخم أمرها بالإبهام ثم التفسير، والإفراد الصالح لجهة العلو

تنبيهاً على الشرف، وللجنس الصالح للكثرة، ولذلك أعاد الضمير جمعاً، فكان خلق الأرض وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء، ودحوها بعد خلق السماء؛ على أن ثم للتعظيم لا للترتيب فلا إشكال، وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة. وقال الحرالي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء الذي هو موضع التخوف لهم لنزول المخوفات منه عليهم فقيل لهم: هذا المحل الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلِم وقوعها نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم وقوعها نبأ عما في ملكه وإشهاده؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، وما به ظهر الملك والملكوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه في نبأ الله عن نفسه أحق

حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلاً واستوائها على الجسم ثم على الرأس مثلاً واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ؛ وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم {فسوَّاهُنَّ} التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء {سبع سماوات} أعطى لكل واحدة منهن حظها {وأوحى في كل سماء أمرها} [فصلت: 12] انتهى. وخلق جميع ما فيها لكم، فالآية من الاحتباك؛

حذف أولاً كون الأراضي سبعاً لدلالة الثاني عليه، وثانياً كون ما في السماء لنا لدلالة الأول عليه؛ وهو فن عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتاباً حسناً ذكرت فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام الفقهاء وسميته «الإدراك لفن الاحتباك» . ولما كان الخلق على هذه الكيفية دالاً بالبديهة على أتم قدرة لصانعه وكان العلم بأن مبنى ذلك على العلم محتاجاً إلى تأمل اغتنى في مقطع الآية بقوله: {وهو بكل شيء عليم} أي فهو على كل شيء قدير. ولما ذكر

الحياة والموت المشاهدين تنبيهاً على القدرة على ما اتبعهما به من البعث ثم دل على ذلك أيضاً بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع وختم ذلك بصفة العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به فضله بقوله تعالى عطفاً على قوله: {اعبدوا ربكم} وبياناً لقوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] إذ من البدءة تعلم العودة لمن تدبر، أو يكن عطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم، وذلك أنه سبحانه لما خاطبهم بهذا الاستفهام الذي من معانيه الإنكار ذاكراً الاسم الأعظم الذي هو أعلى الأسماء وأبطنها غيباً والضمير الذي «هو» أبطن منه، وأتبعه بعض ما هم له منكرون أو به جاهلون، وأشار بقوله: «لكم» مثبتة فيما هو ظاهر عندهم ومحذوفة مما هو خفي عنهم، كما نبه عليه في الاحتباك إلى أنه لم يخلق هذا النوع البشري للفناء بل للبقاء بما أبان عن أنه إنما خلق جميع

ما في هذه الأكوان لأجلهم، فالبعض رزق لهم والبعض أسباب له، والبعض أسجدهم لأبيهم وهم في صلبه ووكلهم بهم في حفظ أعمالهم وقسم أرزاقهم ونفخ أرواحهم وغير ذلك من تربيتهم وإصلاحهم؛ لم يكونوا أهلاً لفهم هذا الخطاب حق فهمه تلقياً عن الله لعلوه سبحانه وعلو هذا الخطاب بالأسماء الباطنة وما نظم بها من المعاني اللائقة بها علواً وغيباً فأعلم سبحانه بعطف «إذ» على غير ظاهر أنه معطوف على

نحو: اذكر لهم أيها الرسول هذا، لأنه لا يفهمه حق فهمه عنا سواك، وهم إلى الفهم عنك أقرب «وإذ» أي واذكر ما اتفق إذ، وحذف هذا المعطوف عليه لاحتمال المأمور بذكره الإنكار والسياق لإيراد الرفق والبشارة على لسانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعطافاً لهم إليه وتحبيباً فيه وفي حذفه أيضاً والدلالة عليها بالعاطف حث على تدبر ما قبله تنبيهاً على جلالة مقداره ودقة أسراره، ولما علمت الإشارة لكن لأهل البصارة أتبعها قصة آدم عليه السلام دليلاً ظاهراً ومثالاً بيناً لخلاصة ما أريد بهذه الجمل مما نبه عليه بالعاطف من أن النوع الآدمي هو المقصود بالذات من هذا الوجود، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك بعد موته من غير إحياء يرد به إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع من الخلل وتكون الحكمة فيها ظاهرة جداً لا خفاء بها أصلاً. فيظهر الحمد أتم ظهور؛ ولذلك ذكر تفضيل آدم عليه السلام

بالعلم، ثم بإسجاد الملائكة له، ثم بإسكانه الجنة، ثم بتلقي أسباب التوبة عند صدور الهفوة؛ وقد روى البيهقي في أواخر الدلائل والحارث بن أبي أسامة والحاكم في المستدرك عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: «إن أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قلت: رحمك الله! فأين الملائكة؟ فنظر أليّ وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما الملائكة؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض وخلق السماء وخلق السحاب وخلق الجبال وخلق الرياح وسائر الخلائق التي لا تعصي الله شيئاً، وإن أكرم الخلائق على الله أبو القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وقال البيهقي: إنه ليس بموقوف بل حكمه الرفع. وقال الحرالي: لما جعل الله تعالى نور العقل هادياً لآيات ما ظهر في الكون وكان من الخلق مهتد به ومعرض عنه بعث الله النبيين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك وشغلته شهوات دنياه،

فترتب لذلك خطاب الكتاب بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأئمة المهتدين والمؤتّمون بهم، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأئمة وسيد السادات وأحظى خلق الله عند الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فكان أول الخطاب ب الم ذلك الكتاب إقبالاً عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال عليه السلام: «أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول» وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه، وكتب في الذكر الأول كل شيء، فخاطبه الله عز وجل بما في الذكر الأول وأنزله قرآناً ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة تنبيهاً لمن أعرض عن الاستضاءة بنور العقل لما بين الطرفين من

تناسب التقابل؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم ليكون ذلك ترغيباً للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية الدعوة تنبيهاً للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته وغائب أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية، فذلك الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الإيمان إلى رتبة اليقين، وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور: أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء الله من اسمه الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى اسمه العظيم الذي هو الله، والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيباً وترهيباً، والثالث الإعلام بماضي أمر الله جمعاً للهمم للجد والانكماش في عبادة الله، والرابع التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره إعلامه؛ فكان أول التنزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله وهو كتب مقتضى العلم والقدرة في قسمه تعالى عباده بين مؤمن وكافر ومنافق، ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير فعم به الناس ونبههم

على آيات ربوبيته وحياً أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ذلك إعلاماً لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفاً على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح، فلذلك قال تعالى {وإذ} فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله إفصاحاً في اللفظ أو إفهاماً في المعنى، وإنما يقع ذلك لمن يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه. وإذ اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت، {قال} من القول وهو إبداء صور الكلم نظماً بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة جمعاً، فالقول مشهود القلب بواسطة الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب بواسطة العين وغيره. ثم قال: لما أنبأ الله عز وجل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما في الذكر من التقدير الذي هو خبء الشرعة ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه فانتظم ذلك رتبتي أمر نظم تعالى بذلك إنزال ذكر خلق معطوفاً على ذكر خلق أعلى رتبة منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ما عطف عليه وهو والله أعلم ذكر خلق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو خبء خلق آدم، فكأنه تعالى أعلم نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمر خلقه له بدء وحي سر ثم أعلن بما عطف عليه

من ذكر خلق آدم وحي علن ليكون أمر خلق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الخاصة فهماً كما كان أمر خلق آدم عند العامة إفصاحاً؛ وكان المفهوم: اذكر يا محمد إذ كان في خلقك كذا وإذ قال: {ربك} أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في إظهار خلق آدم {للملائكة} ما أنزل، وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملاك مقلوب من مألك من الألك وهي الرسالة، فتكون الميم زائدة ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك من الملك وهو إحكام ما منه التصوير، من ملكت

العجين، وجمعه أملاك، تكون فيه الميم أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعاً للمعنيين منحوتاً من الأصلين، فكثيراً ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة كلفظ إنسان بما ظهر فيه من أنه من الأنس والنسيان معاً، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ معنى واحداً، فللكلام رتبتان: رتبة عامة ورتبة خاصة أفصح وأعلى كَلِماً وكلاماً. قال: وفيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق بواطنهم بأحد من دونه حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقاً دون ملائكته الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء فكيف بمن يكون في محل البعد والإقصاء! توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من اتباع خطوات الشيطان؛ وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيأ به للانتظام بما بعدها؛ وبذلك

كان انتظام الآي داخلاً في معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. {إني} إن حرف يفهم توكيداً من ذات نفس المؤكد وعلمه. والياء اسم عليّ يخص المضيف إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه، {جاعل في الأرض} ولما كانت خلافة آدم عليه السلام كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحّد لذلك مع أنه يصح أن يراد به الجنس فقال: {خليفة} الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه مُلكه وملكوته، وهم أيضاً بعضهم خلفاء بعض؛ فهو خليفة بالمعنيين - انتهى. وجعل سبحانه هذا التذكير في سياق داع إلى عبادته وقائد إلى محبته حيث متّ إلى هذا النوع الآدمي بنعمه عليهم وإحسانه إليهم قبل

إيجادهم، فذكر لهم ما حاجّ به ملائكته عنهم، وما شرف به أباهم آدم من العلم وأمر الملائكة المقربين بالسجود له، ثم ما وقع لإبليس معه وهما عبدان من عبيده فتاب عليه ولم يتب على إبليس مع سبقه له بالعبادة بل أوجب طرده وأبّد بعده فقال تعالى حكاية عن الملائكة جواباً لسؤال من كأنه قال ما قالوا حين أخبرهم سبحانه بذلك: {قالوا} طالبين الإيقان على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر {أتجعل فيها} أي في الأرض {من يفسد فيها} أي بأنواع المعاصي بالقوة الشهوانية، {ويسفك}

من السفك، قال الحرالي: وهو سكب بسطوة {الدماء} أي بغير حقها بالقوة الغضبية، لعدم عصمتهم، وخلقهم جوفاً لا يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون؛ وكأنهم لما رأوا صورة آدم تفرسوا فيها ذلك لو سألوا عن منافع أعضائه وما أودع فيها من القوى والمعاني أخبرهم تعالى بما تفرسوا منه ذلك والدم. قال الحرالي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه {ونحن} أي والحال إنا نحن، وهذا الضمير

كما قال الحرالي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه {نسبح} أي نوقع التسبيح أي التنزيه لك والإبعاد عما لا يليق بك ملتبسين في التسبيح {بحمدك} والحاصل إنا نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات الكمال، وحذف المفعول للتعميم؛ وقال الحرالي: التسبيح تنزيه الحق تعالى عن بادية نقص في خلق أو رتبة، وحمد الله استواء أمره علواً وسفلاً ومحو الذم عنه والنقص منه، وذلك تسبيح أيضاً في علو أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك الاستواء - انتهى. {ونقدس} أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها،

{لك} أي لا لغيرك لعصمتنا بك، أو المعنى نوقع التقديس أي التطهير لك بمعنى أنك في الغاية من الطهارة والعلو في كل صفة. قال الحرالي: القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر ولا رجس باطن، واللام تعلة للشيء لأجله كان ما أضيف به - انتهى. ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة أعلمنا سبحانه لنشكره أنه حاجَّ ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله استئنافاً: {قال إني أعلم} أي من ذلك وغيره {ما لا تعلمون} . وقال الحرالي: وأعلم تعالى بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على الآتي بما مضى حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم ليتحقق أن أمر الله جديد وأنه كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت بحكم ما فيه ولا بما مضى قبله - انتهى. والأظهر

ما ذكرته أنهم إنما قالوا ذلك تفرساً بحكم ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك من إعلامهم بأنه يجمع فيه بين الشهوة والعقل، ومن المعلوم أن الشهوة حاملة على الفساد؛ وعلم سبحانه ما خفي عنه من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى العقل مع قيام منازع الشهوة والهوى، فيأتي غاية الكمال التي هي فوق درجة العامل بمقتضى العقل من غير منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم.

31

ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع

في إقامة الدليل عليه فقال عاطفاً على قوله: «قال» : {وعلم} أي لإقامة الدليل على ذلك، والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلَّم من النسيان، {آدم} من الأدم من الأديم وهو جلدة الأرض التي منها جسمه، وحظ ما فيه من أديم الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم، {الأسماء}

أي التي للأشياء {كلها} وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو؛ فهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو، وذلك السمو هو مدلول الاسم الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية - قاله الحرالي، وقال في كتاب له في أصول الفقه: الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ونصيب من ذوات الأشياء، وتلك هي المعروضة على الملائكة، واسم التسمية يحاذي به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض، وهو عند آدم علم وعند الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - انتهى.

ولما كان العرض على الملائكة بالغاً في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف التراخي فقال: ثم {عرضهم} أي الأشياء. قال الحرالي: أظهرهم عن جانب وهو العرض والناحية {على الملائكة} القائلين لذلك. وقال الحرالي: لما ذكر تعالى مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم بملكوت الله وملكه شهوداً فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة ولم يشهدوا حقيقة مدلول تسميتها، وعلمه حكمة ما بين تلك الأسماء التي هي حظ من الذوات وبين تسمياتها من النطق ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة وأمره كلمة فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره، واستخلفه في علم ما له من الخلق والأمر، وذلك في بدء كونه فكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى إليه كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما هو مبهم في قوله تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً} [النساء: 113] فأبدى الله عز وجل لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية في

التسمية إعلاء له عندهم، وقد جعلهم الله عز وجل مذعنين مطيعين فانقادوا للوقت بفضل آدم على جميع الخلق وبدا لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما يشاء من خلافة أمره وخلقه، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى {ثم عرضهم} وأشار إليه «هؤلاء» عند كمال عرضهم، وأجرى على الجميع ضمير «هم» لاشتمال تلك الكائنات على العاقلين وغيرهم؛ وبالتحقيق فكل خلق ناطق حين يستنطقه الحق، كما قال تعالى {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} [يس: 65] وإنما العجمة والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم - انتهى. وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: ويقال إن الاسم مأخوذ من السمو وهو العلو والرفعة، وإنما جعل الاسم

تنويهاً بالدلالة على معنى الاسم لأن المعنى تحت الاسم - هذا قول النحويين؛ والسمة تدل على صاحبها، لأنهما حرفان سين وميم، فالسين من السناء والميم من المجد وهو لب الشيء، فكأنه سمى اسماً لأنه يضيء لك عن لب الشيء ويترجم عن مكنونه، وليس شيء إلا وقد وسمه الله بسمة تدل على ما فيه من الجوهر؛ فاحتوت الأسماء على جميع العلم بالأشياء، فعلمها الله آدم وأبرز فضيلته على الملائكة عليهم السلام - انتهى. {فقال} معجزاً لهم {أنبئوني} أي أخبروني إخباراً عظيماً قاطعاً {بأسماء هؤلاء} أي الموجودات بتفرسكم فيها {إن كنتم صادقين} أي فيما تفرستموه في الخليفة وفي أنساله. قال الحرالي: هذه الأسماء المواطئة للتسمية من السمة والأسماء الأول هي الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو المسمى، ومع ذلك فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم - انتهى. {قالوا} متبرئين من العلم

{سبحانك} أي ننزهك تنزيهاً يجل عن الوصف عن أن ننسب إليك نقصاً في علم أو صنع، ونتبرأ إليك مما يلزم قولنا من ادعاء العلم لسواك. قال الحرالي: وفي هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما يتصل به من إباء أبليس - انتهى. والحاصل أنه تصريح بتنزيه الله تعالى عن النقص وتلويح بنسبته إليهم اعتذاراً منهم عما وقعوا فيه، ولذا قالوا: {لا علم لنا} أي أصلاً {إلا ما علمتنا} فهو دليل على أنه لا سبيل

إلى علم شيء من الأشياء إلا بتعليم الله. قال الحرالي: رداً لبدء الأمر لمن له البدء، ولذلك ورد في أثارة من علم: من لم يختم علمه بالجهل لم يعلم، وذلك الجهل هو البراءة من العلم إلا ما علم الله - انتهى. ثم خصوه بما نفوه عن أنفسهم فقالوا: {إنك أنت} أي وحدك {العليم} أي العالم بكل المعلومات {الحكيم} أي فلا يتطرق إلى صنعك

فساد بوجه فلا اعتراض أصلاً. قال الحرالي: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم والحكمة لله وحده، وذلك من أرفع الإسلام، لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق سبحانه به! فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به! فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به؛ والحكمة جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما تقاض من السابق واستناد من اللاحق - انتهى. وأصلها في اللغة المنع من الفساد ولا يكون ذلك إلا عن تمام العلم. فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب

من كأنه قال: ما قال لهم عند ذلك؟ قوله: {قال} مظهراً لفضيلة العلم الموجبة لشرف العالم {يا آدم أنبئهم} أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم من علّمته والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته {بأسمائهم} فأنبأهم بها. قال الحرالي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليماً بالأسماء وكانوا هم مخبرين بها لا معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ليكون من كل شيء ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما علمه الله وأظهر له علاماته في استبصاره

والشيء اسمان جامعان: اسم بيصّره من موجود الشيء واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة يحاذي كلَّ وجه منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة وتكثرت الألسن الأعجمية، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع وذلك الاسم هو العربي الذي به أنزل خاتم الكتب على خاتم المرسلين وأبقى دائماً في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة {حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 1، 4] وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى. وهذا كما كان ولده محمد خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكلم كل إنسان بلغته من قبائل العرب ومن العجم بل ومن البهائم العجم لكان علمه لبعض اللغات من غير مخالطة لأهلها ولا إلمام بلسانهم

دليلاً على علم سائر اللغات، لأنه لا معلم له إلا العالم بكل شيء. {فلما أنبأهم} أي أخبرهم إخباراً عظيماً يأخذ بالألباب، و {لما} كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين فتجمع معنى الشرط والظرف - قاله الحرالي {بأسمائهم} عل ما هي عليه. قال الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم

وشهود البصيرة وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ارتجالاً ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة معناه للأذن لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، فيعلم ما يحاذي الشيء المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد مُنّة أن يصف فكذلك ليس لكل أحد منة أن يسمى، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم لا عن توقيف كما هو عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى.

{قال} أي الله تعالى مثبتاً مدخول النفي كما هو شأن همزة التقرير {ألم أقل لكم} يا ملائكتي! ولما كان هذا خبراً جسيماً نبه على بلوغه النهاية في العظمة وأنه مما يستغربه بعض الخلق بالتأكيد فقال: {إني أعلم} علماً مستمراً لا انقضاء له {غيب السماوات والأرض} فمن أردت تعليمه شيئاً من ذلك كان عالماً به، وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل إلا الفراسة وقد تحظى. قال الحرالي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض، فمنهم من آمن ومنهم من كفر - انتهى.

{وأعلم ما تبدون} في كل حين {وما كنتم تكتمون} فيما مضى وفيما يأتي. قال الحرالي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم ما في صيغة تبدون من تمادي بادى ذلك منهم - انتهى. ولما أخبرنا سبحانه بهذه النعمة على أبينا ضم إليها الإنعام بإسجاد الملائكة له ونحن في ظهره فقال عاطفاً على «إذ» الأولى وعدل عن الغيبة إلى التكلم ثم إلى كونه في مظهر العظمة إعلاماً بأنه أمر فصل لا فسحة في المراجعة فيه. وقال الحرالي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو

آدم عليه السلام نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلاً كما انقادوا له علماً تماماً لكمال حالهم في التسليم علماً وعملاً فقال تعالى - انتهى. {وإذ قلنا} أي على عظمتنا {للملائكة} أي الذين أكرمناهم بقربنا {اسجدوا لآدم} عبدنا اعترافاً بفضله لتفضيلنا له. قال الحرالي: فجعله باباً إليه وكعبة يجلّونه بجلاله تعالى ومحراباً وقبلة، يكون سجودهم له سجوداً لله تجاه آدم كسجود آدم تجاه الكعبة، وظهر بذلك سوء إباء إبليس عن السجود حين خالفهم في طينة الكيان، لأن الملائكة خلقت من نور والنور طوع لا يحوزه أين ولا يختصه جهة، ولأن الجان خلقت من نار وهي مما يحوزه أين وتختصه جهة

لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر، فلم ينزل عن رتبة قيامه في جبلته لمخلوق الطين حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما تلقته الملائكة - انتهى. فبادروا الامتثال {فسجدوا} أي كلهم له كما امرهم الله تعالى {إلا إبليس} قال الحرالي: من الإبلاس وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون عنه اليأس من حيث قطع ذلك السبب - انتهى. فكأنه قيل: ما فعل؟ فقيل: {أبى} ، من الإباء وهو امتناع عما حقه الإجابة فيه - قاله الحرالي. {واستكبر} عن السجود له، من الاستكبار وهو استجلاب

الكبر، والكبر بطر الحق وغمض الناس وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه واستكمال النفس من ذلك الوجه - قاله الحرالي. {وكان} أي في أصل جبلته بما أفهمه الاستكبار من نسبتنا إلى ترك الحكمة إما جهلاً أو جوراً في أمرنا بسجوده لآدم وهو على زعمه خير منه {من} وهي كلمة تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه - قاله الحرالي. {الكافرين} أي الذين سبق علمنا بشقاوتهم لم يتجدد لنا بذلك علم ما لم نكن نعلمه.

وفي الآيات الثلاث {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} و {كيف تكفرون بالله} و {إذ قال ربك للملائكة} أيضاً إشارة إلى اختلاف الحال في الخطاب بوصف الربوبية مع الخُلّص ومع من دونهم وفي الخطاب بأوصاف الذات، وذلك أنه تعالى لما بين أن الضالين في حسن أمثاله هم الخاسرون عجب ممن يكفر به إشارة إلى شدة ظهوره وانتشار نوره في أمثاله وجميع أقواله وأفعاله وأن شهوده في كل اعتبار أوضح من ضياء النهار، لأنه ما ثمَّ إلا ذاته وأفعاله وصفاته: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد متجلياً عليهم باسم الإلهية في أفعاله التي هم لها ناظرون وبها عارفون، فقال: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} إلى أن قال: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} الآية، وأدرج في ذلك أمر البعث بقوله {ثم إليه ترجعون} تنبيهاً على مشاركته لبقية ما في الآية من الظهور، لما قدم من الاستدلال عليه بإخراج الثمرات حين تعرف إليهم بوصف الربوبية

الناظر إلى العطف والامتنان والتربية والإحسان في مثل ما هنا من أفعاله الظاهرة وآثاره الباهرة فقال: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} إلى آخرها؛ وختم هذه الآية بوصف العلم الشامل لما قام عليه من الدليل ضمن هذا التعجيب إشارة إلى الاستدلال على كمال الأمثال وتحديداً لمن يستمر على الكفران بعد هذا البيان بأنه بمرأى منه ومسمع في كل حال، فلما فرغ من خطابهم بالأمور الظاهرة على قدر فهومهم ومبلغ علومهم رقي الخطاب إلى رتبة نبيه عليه الصلاة والسلام لترقية البيان إلى غيب مقاولته لملائكته فقال: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل} الآية فلكل مقام مقال، ولكل مخاطب حد في الفهم وحال.

قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب السَابع في إضافة الربوبية ونعت الإلهية في القرآن: اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق له وأريد له، فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده، فرب المؤمن ربه ورباه للإيمان، ورب الكافر ربه ورباه للكفران، ورب محمد ربه ورباه للحمد - «أدبني ربي فأحسن تأديبي» ، ورب العالمين ربى كل عالم لما خلق له {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50] ؛ فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه - من عرف نفسه عرف ربه {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} [الكهف: 18] {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} {لهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 262] . وقال في الباب الذي بعده: فخطاب الإقبال على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم إفهام في القرآن {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} [الفرقان: 4]

الآية {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} [الفرقان: 47] الآية، تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين وكما يتضح لأهل التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب فكذلك يتحقق لأهل الفهم وجوه إحاطات البيان بحسب النعوت والتبيان في اسم الله غيباً في متجلى الآيات للمؤمن، وعيناً للكامل الموقن، وجمعاً وإحاطة عن بادىء الدوام للمحقق الواحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} [آل عمران: 101] {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ؛ والتفطن في رتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب في القرآن من مفاتيح الفهم وبوادىء مزيد العلم - انتهى. وقد أوقع سبحانه ذكر ابتداء الخلق على ترتيب إيجاده له فقد روى مسلم في صحيحه والنسائي في التفسير من سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه

قال: أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» وقال المزي في الأطراف قال البخاري في التاريخ: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب وهو أصح - انتهى. وما يقال من أنه كان قبل آدم عليه السلام في الأرض خلق

يعصون قاس عليهم الملائكة عليهم السلام حال آدم عليه السلام، كلام لا أصل له، والذي يدل عليه حديث مسلم هذا كما ترى أنه أول ساكني الأرض؛ والذي يلوح من اسمه في بدئه بالهمزة التي هي أول الحروف وختمه بالميم التي هي آخرها وختامها أنه أول ساكنيها بنفسه، كما أنه خاتمهم بأولاده، عليهم تقوم الساعة. ورأيت في ترجمة للتوراة وهو أولها: خلق الله ذات السماء وذات الأرض وكانت الظلمة فقال الله:

ليكن النور، فكان النور، فأراد أن يفرق بين النور والحِندِس فسمى النور نهاراً والحندس مساءً؛ ثم قال: ليكن جَلَد وسط الماء ويميز بين الماء الأعلى والماء الأسفل. وفي نسخة: ليكن سقف بين المياه ليفصل بين الماء والماء، فكان كذلك فخلق الله سقفاً وفصل به بين الماء الذي تحت الجلد والماء الذي فوق الجلد وسمى الله الجلد سماء؛ وقال الله: لتجتمع المياه التي تحت

السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة، فكان كذلك فسمى الله اليابسة أرضاً وسمى مجامع المياه بحوراً؛ وقال: لتخرج الأرض نبت عشب يزرع منه زرع لجنسه وشجر ذات ثمار تثمر لجنسها يغرس منه غرس على الأرض، فأينعت الأرض نبتاً عشباً يزرع منه زرع لجوهره وشجر ذات ثمار لجوهرها؛ فقال الله: ليكن نجمان في جلد السماء ليضيئا على الأرض وليميزا بين النهار والليل وليكونا للآيات والأزمان والعدد والأيام والسنين، فخلق الله نورين عظيمين: المصباح الأكبر لسلطان النهار والمصباح الأصغر لسلطان الليل وخلق النجوم، وكان المساء والصباح من اليوم الرابع؛ فقال الله: ليحت الماء حيتاناً ذات أنفس حية، وليطر الطير فوق الأرض في جو السماء، فكان كذلك؛ وخلق تنانين عظيمة وكل نفس حية تدب في الماء لأجناسها وكل طيور ذات أجنحة

لأصنافها وباركها وقال: انموا واكثروا واملؤوا مياه البحور وليكثر الطير على وجه الأرض؛ وقال الله: لتخرج الأرض أنفساً حية لجنسها دواب وسباع الأرض لأجناسها، فكان كذلك؛ وخلق الله سباع الأرض لأجناسها والدواب لأصنافها وجميع هوام الأرض لجواهرها. فأراد الله أن يخلق خلقاً يتسلط على حيتان البحر وطير السماء وعلى الدواب وجميع السباع وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم بصورته ذكراً وأنثى وبارك عليهما وقال لهما: انميا وأكثرا وتسلطا على حيتان البحر وطير السماء والدواب وجميع السباع؛ وقال: ها أنا ذا

قد أعطيتكما جميع العشب الذي يزرع على وجه الأرض كلها وكل شجر ذات ثمار تغرس فيها ليكون لكما مأكلاً ولجميع سباع البر وطيور السماء ولكل ما يدب على الأرض فيه نفس حية، فكان كذلك؛ وكملت السماء والأرض وجميع ما فيهما في اليوم السادس، ولم يكن ظهر على الأرض شيء من عشب الأرض، لأن الله لم يكن أهبط المطر على وجه الأرض بعد، وذلك لأن آدم لم يكن خلق بعد ليعمل في الأرض، وكان ينبوع يظهر في قعر عدن فيسقي جميع وجه الأرض. فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة فصار آدم ذا نفس حية وغرس الله الرب فردوساً بعدن من قبل وأسكنه آدم، وأنبت الله كل شجرة حسنة المنظر شهية المأكل وشجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة علم الخير والشر، وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس وكان ينفصل من هناك وينفرق على أربعة أطراف: اسم أحدها سيحون الذي يحيط بجميع أرض الهند وتلك البلاد الكثيرة، وذَهَب تلك الأرض جيد جداً، هنالك المها وحجر البلور، واسم النهر الثاني جيحون الذي يحيط بجميع أرض الحبشة،

واسم النهر الثالث دجلة الذي يخرج قبالة الموصل، والنهر الرابع الفرات؛ فتقدم الرب إلى آدم وقال له: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً. وقال الله: لا يحسن أن يكون آدم وحده فلنخلق له عوناً مثله، فجمع الرب من الأرض جميع سباع البر وطير السماء وأقبل بها إلى آدم ليرى ما يسميها وكل نفس حية سماها آدم فذلك اسمها فسمى الجميع، فألقى الله على آدم سباتاً فرقد، فنزع ضلعاً من أضلاعه وأخلف له بدله لحماً، فخلق الله من الضلع الذي أخذ من آدم امرأة، فأقبل بها إلى آدم فقال: هذه الآن التي قرنت إليّ! وفي هذه عظم من عظامي ولحم

من لحمي! فلتدع امرأة لأنها أخذت من الرجل، ولذلك يدع الرجل أباه وأمه ويلحق بامرأته ويكونان كلاهما جسداً واحداً؛ وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته ولا يستحييان. وكانت الحية أعز دواب البر كلها فقالت الحية للمرأة: أحق أن الله قال لكما: لا تأكلا من جميع شجر الجنة؟ فقالت المرأة: إنا لنأكل من كل ثمر الجنة، فأما من ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة فإن الله قال لنا: لا تأكلا منها ولا تقرباها لكيلا تموتا؛ قالت الحية: لستما تموتان، ولكن الله علم أنكما إن تأكلا منها تنفتح أعينكما وتكونا كالإله تعلمان الخير والشر. فرأت المرأة الشجرة طيبة المأكل شهية في العين

فأخذت من ثمرتها فأكلت وأعطت بعلها فأكل، فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ورق التين وصنعا مآزر. ثم ذكر أن الله تعالى سأله عن ذلك فقال آدم: المرأة التي قرنتها معي هي أطعمتني من الشجرة فأكلت، فقال الله الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: إن الحية أعطتني فأكلت، فقال للحية: ملعونة تكونين من جميع الدواب ومن كل ماشية البر، وعلى بطنك تمشين، والتراب تأكلين كل أيام حياتك، وأغرى العداوة بينك وبين المرأة وبين ولدها، وولدها يطأ رأسك وأنت تلدغينهم بأعقابهم! وقال للمرأة: أكثر أوجاعك وإحبالك وبالوجع تلدين البنين، وإلى

بعلك تردين وهو مسلط عليك! وقال لآدم: من أجل طاعتك امرأتَك وأكلك الشجرة التي نهيتك عنها ملعونة الأرض من أجلك بالشقاء تأكل منها كل أيام حياتك أجاجاً وشوكاً تنبت لك، وتأكل عشب الأرض، وبرشح جبينك تأكل طعامك حتى تعود في الأرض التي منها أخذت من أجل أنك تراب وإلى التراب تعود. فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حي، وصنع الله الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسها، فأرسله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا وأحاط من مشرق عدن ملكاً من الكروبيين بيده حربة يطوف بها ليحرس طريق شجرة الحياة. ثم قال بعد ذلك: فكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة ثم توفي عليه السلام - هذا نص التوراة. والكروب بوزن زبور

بلغة العبرانيين الشخص الصغير، فكان الكروبيون الملائكة المنسوبين إلى مخالطة الناس بالوحي أخذاً من الكروبَين تثنية كروب وهما شخصان في قبة الزمان كان يسمع كلام الله من بينهما، كما يأتي قريباً. فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقد تلوت عليه قول الله تعالى استشهاداً على كذب اليهود: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} [المائدة: 48]- في آيات من أمثال ذلك كثيرة؛ وذكرته باستشهاد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التوراة في قصة الزاني كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المائدة مستوفى. وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «تكون الأرض

يوم القيامة خبزة نزلاً لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم! ألا أخبرك بنُزُل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنظر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه» وقريب من ذلك حديث الجساسة في أشباهه. هذا فيما يصدقه كتابنا. وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه، وهو معنى ما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} » الآية، فإن دلالة هذا على سُنِّية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها، ولذا أخذ كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب. فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة مستنداً إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعي في شرحه: وكتب التوراة والإنجيل مما لا يحل الانتفاع به، لأنهم بدلوا وغيروا، وكذا قال غيره من الأصحاب؛ قيل له: هذا مخصوص بما علم تبديله، بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل فدار الحكم معه، ونص الشافعي ظاهر في ذلك، قال المزني في مختصره في باب جامع السير: وما كان من كتبهم أي الكفار فيه طب وما لا مكروه فيه بِيعَ وما

كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته. وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمته كتب الأعاجم قال الشافعي: وما وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علماً من طب أو غيره لا مكروه فيه باعه كما يبيع ما سواه من المغانم، وإن كان كتاب شرك شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه لتحريقه ولا دفنه قبل أن يعلم ما هو - انتهى. فقوله في الأم: كتاب شرك، مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزني عن ذلك بقوله: وما كان فيه شرك، أي في أبواب الكتاب وفصوله، وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث: إن حكمها في مس المحدث حكم ما نُسِخَتْ تلاوته من القرآن في أصح الوجهين، والتعبير بالأصح على ما اصطلحوا عليه يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قوى، وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح المهذب وأقرّه أن المتولي قال: فإن ظن أن فيها شيئاً غير مبدل كُرِه مسه - انتهى. فكراهة المس للاحترام، والاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة، وأصرح من ذلك

كله قول الشافعي رحمه الله: إن ما لا مكروه فيه يباع، وكذا قول البغوي في تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو تكلم - أي الجنب - بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجائز، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله على كل أحيانه» فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير أمر ملجىء جاز للمحدث ولا عكس، وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دال على أن ذلك ذكر الله تعالى، ولا يجوز الحمل على العموم لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين: إنه يجوز الاستنجاء بهما، لأنه مبني على الوجه القائل بأن الكل مبدل؛ وهو ضعيف أو محمول على المبدل منهما، لأنه لا يخفى على أحد أن مسلماً فضلاً عن عالم لا يقول: إنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح قال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكونن لك آلهة غيري، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي

الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، لا تقسم بالرب إلهك كذباً، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذباً، أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور. وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل بن حجر في آخر شرحه للبخاري، وآخر ما حط عليه التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم الشرعية - فيجوز له النظر في ذلك فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون - وبين غيره فلا يجوز له ذلك، وأيده بنظر الأئمة فيهما قديماً وحديثاً والرد على أهل الكتابين بما يستخرجونه منهما؛ فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه - والله الموفق وقد حررت المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين الدين العراقي فراجعه إن شئت - والله الهادي؛ ثم صنفت في ذلك تصنيفاً حسناً سميته «الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة» . تنبيه: اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ متقاربة المعنى إلا يسيراً: إحداها تسمى توراة السبعين، وهي التي اتفق عليها اثنان

وسبعون حبراً من أحبارهم؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل بعض ملوك اليهود ببيت المقدس أن يرسل إليه عدداً من حفاظ التوراة، فأرسل إليه اثنين وسبعين حبراً، فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتّاباً وتراجمة، فكتبوا التوراة بلسان اليونان، ثم قابل بين نسخهم الستة والثلاثين فكانت مختلفة اللفظ متحدة المعنى، فعلم أنهم صدقوا ونصحوا، وهذه النسخة ترجمت بعد بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى؛ والنسخة الثانية نسخة اليهود من الربانيين والقرائين، والنسخة الثالثة نسخة السامرة؛ وقد نبه على مثل ذلك الإمام السمرقندي في الصحائف واستشهد بكثير من نصوص التوراة على كثير من مسائل أصول الدين، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد والقاضي عياض في كتاب الشفاء وغيرهم. ثم اعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم مترجمها. على حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها، فالظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جداً، فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر فكملته من نسخة السبعين، ثم قابلت نسختي كلها مع

بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم لو كان هو القارىء، فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق لفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب، هذا وظاهر القرآن في قوله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] أن الأمر بالسجود له كان قبل إتمام خلقه وأن السجود كان عقب النفخ، وبه صرح البغوي في تفسيره، وأجاب عن قوله تعالى في سورة الأعراف {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] بأجوبة، منها أن الخلق والتصوير لآدم وحده، وذكره بضمير الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره تصويرهم؛ ومنها أن (ثم) بمعنى الواو ليست للترتيب - انتهى. والتصوير شق السمع والبصر والأصابع - قاله يمان، والتسوية تعديل الخلق وإتمامه وتهيئته لنفخ الروح، ويمكن أن يكون {خلقناكم} وما بعده بمعنى قدرنا ذلك تقديراً قريباً من الإخراج من

العدم؛ وبذلك يتضح قوله في التوراة: فخلق آدم بصورته ذكراً وأنثى، ثم قال بعد ذلك: لأن آدم لم يكن خلق بعد، ثم حكى خلقه وخلق زوجه منه؛ فهذا خلق بمعنى الإيجاد، وذلك بمعنى التقدير القريب منه - والتهيئة لقبول الغايات - والله أعلم. ومشى البيضاوي على أن الأمر بالسجود كان بعد الإنباء بالأسماء ولم يذكر دليلاً يصرف عن هذا الظاهر على أن المشي عليه أولى من جهة المعنى، لأن سجود الملائكة عليهم السلام قبل يكون إيماناً بالغيب على قاعدة التكاليف، وأما بعد إظهار فضيلة العلم فقد كُشِف الغطاء وصار وجه الفضل من باب عين اليقين؛ وأما الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه وهو جعل السجود بعد الإنباء فهو لنكتة بديعة وهي أنه تعالى لما كان في بيان النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعماً فبين أولاً نعمته على كل نفس في خاصتها بخلقها وإفاضة الرزق عليها. ثم ذكر الكل بنعمة تشملهم وهي محاجّته لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم قبل إيجاده اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة فذكر ما آتاه من العلم، فلما فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكر بنيه بنعمة السجود

له، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل. ولما فرغ من نعمة التفضيل في الصفات الذاتية بين النعمة بشرف المسكن مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس وما يتبع ذلك فقال تعالى. وقال الحرالي: لما أظهر الله سبحانه فضيلة آدم فيما أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له وإباء إبليس عنه أظهر تعالى إثر ذلك ما يقابل من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من حظ مخالفة يشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء لإحاطة خلق آدم بالكون كله علواً وسفلاً، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه مما يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة كحال رجوع الملائكة بالتسليم، فيظهر فيه الجمع بين الطرفين والفضل في الحالين: حال علمه وحال توبته في مخالفته، فجعل تعالى إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره فقال تعالى: { {وقلنا يا آدم اسكن} ، من السكن وهو الهدوء في الشيء الذي في طيه

إقلاق، أن في قوله: {أنت} اسم باطن الذات علماً هي المشتركة في أنا وأنتَ وأنتِ وأن تفعل كذا، والألف في أنا إشارة ذات المتكلم، وفي مقابلتها التاء إشارة لذات المخاطب ذكراً أو أنثى {وزوجك الجنة} فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه بإطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيماناً والكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاماً ليس لبنيه التوبة

إثر المعصية مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه ليبدو نقص الأجوف ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يُطْعِم ولا يُطعَم، فكان ذلك من فعله تسبيحاً بحمد ربه؛ لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيراً له انتهى. ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم استعطافاً إلى المؤالفة كان عطف الأكل بالواو في قوله: {وكلا منها} كافياً في ذلك، وكان التصريح بالرغد الذي هو من أجل النعم عظيم الموقع فقال تعالى: {رغداً} أي

واسعاً رافهاً طيباً هنيئاً {حيث} أي أيّ مكان {شئتما} بخلاف سياق الأعراف فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين وأنها لم تمنع من الإخراج تحذيراً للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش من إحلال السطوات وإنزال المثلاث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم المقصود من حكاية القصص في القرآن إنما هو المعاني فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميع المعنى أو بعضه ولم يكن هناك مناقضة فإن القصة كانت حين وقوعها بأوفى المعاني الواردة ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر القصة فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني ويترك ما لا يقتضيه ذلك المقام، وسأبين ما يطلعني الله عليه من ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. ولما أباح لهما سبحانه ذلك كله أتبعه بالنهي عن شجرة واحدة. قال الحرالي: وأطلق له الرغد إطلاقاً وجعل النهي عطفاً ولم يجعله استثناء ليكون آدم أعذر في النسيان لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص وقال: {ولا تقربا} ولم يقل: ولا تأكلا، نهياً عن حماها

ليكون ذلك أشد في النهي - انتهى. {هذه} ولما كان اسم الإشارة لا دلالة له على حقيقة الذات افتقر إلى بيان ذات المشار إليه فقال: {الشجرة} أي فإنكما إن قربتماها تأكلا منها {فتكونا} أي بذلك {من الظالمين} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في

الظلام؛ وفي هذا النهي دليل على أن هذه السكنى لا تدوم، لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ولا أن يؤمر ولا ينهى، ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد، ولا داعي لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة.

36

ثم بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه فقال: {فأزلهما} ، قال الحرالي: من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه كتزلل الزلال عن الورق

وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال وهو التنحية عن المكان أو المكانة وهو المصير بناحية منه؛ {الشيطان} هو مما أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن، فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان وملائكة {عنها} أي عن مواقعة الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت كقولهم: رميت عن القوس - انتهى. وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما أو زوالهما عنها {فأخرجهما} أي فتسبب عن إيقاعهما في الزلل الناشىء عن تلك المواقعة أنه أخرجهما {مما كانا فيه} من النعمة العظيمة التي تجل عن الوصف. قال الحرالي: «في» كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله عز وجل بما

في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة بما أظهر من أمر آدم عليه السلام وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقاً حين قاسمهما على النصيحة، وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء حذرهما حمد أظهره الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان على سبيل سكن الجنة فرمى بهما عن سكنها بما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي اطلع عليها. ثم قال: وحكمة ذلك أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، إن الله عز وجل يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه أو بواسطة شيطان كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه وعارضةً عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى مأمنه من زوجه التي هي من أدنى خلقه فمحت التوبة الذنب العارض لآدم وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان؛ وذكر الحق تعالى الإزلال

منه باسمه الشيطان لا باسمه إبليس لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة التي تقبل التلافي ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشرى استدراك آدم بالتوبة - انتهى. ولما بين أنه غرهما فضرهما بين إهباط الغارّ والمغرور وبين أنه أنعم على المغرور دون الغار مع ما سبق له من لزوم العبادة وطول التردد في الخدمة، وفي ذلك نفخيم للنعمة استعطافاً إلى الإخلاص في العبادة فقال عاطفاً على ما يرشد إليه السياق من نحو أن يقال فتداركناهما بالرحمة وتلافينا خطأهما بالعفو لكونه عارضاً منهما بسبب خارج، وأبّدنا تلافي الغار بشقائه لعصيانه بالضلال والإضلال عن عمد فكان مغضوباً

عليه {وقلنا} أي له وللمغرور: {اهبطوا} وفي ذلك لطف لذريته بالتنفير من الخطأ والترهيب الشديد من جريرته والترغيب العظيم على تقدير الوقوع فيه في التوبة والهبوط. قال الحرالي: سعى في درك والدرك مَا يكون نازلاً عن مستوى، فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في حياطته تعالى وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته ليظهر في ذلك فرق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتاً إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له - من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصراً منقطعاً عن مثل معاد آدم لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة {بعضكم

لبعض} البعض ما اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة، {عدو} من العداء أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - انتهى. فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه باتباع الأوامر واجتناب النواهي. قال الحرالي: وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضاً بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عمّ بالعداوة، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيراً، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شراً. {ولكم في الأرض مستقر} تكونون فيه، وهو من القرار وهو كون

الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق؛ {ومتاع} تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتاً منقطعاً يعرف نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا فيه، من حيث إن لفظ المتابع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة؛ {إلى حين} أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيراً، ومنهم الذي يناله كبيراً - انتهى.

ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام بالإهباط الذي هو كفارة له أنه أُلهم الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله: {فتلقى} أي فهبطوا فتلقى {آدم} بعد الهبوط، والتلقي ما يتقبله القلب باطناً وحياً، أو كالوحي أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظاً وعلماً ظاهراً أو كالظاهر - قاله الحرالي: {من ربه} أي المحسن إليه في كل حال {كلمات} أي ترضيه سبحانه بما أفهمه التعبير بالتلقي، وهي جمع كلمة؛ وهي دعاء دعا به ربه أو ثناء أثنى به عليه؛ وتطلق الكلمة أيضاً على إمضاء أمر الله من غير

تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم - قاله الحرالي ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه فكان مستحقاً لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى {فتاب} من التوب وهو رجوع بظاهر باطنه الإنابة وهو رجوع بعلم باطنه الأوبة وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى. {عليه} لذكره إياه بالكلمات مخلصاً في نيته، ثم علل بقوله {إنه هو} أي خاصة

{التواب} أي البليغ التوبة المكرر لها، ولما كان قد جعل على نفسه المقدس أن يتفضل على المحسن قال: {الرحيم} أي لمن أحسن الرجوع إليه وأهله لقربه. قال الحرالي: وكان إقراره بلفظه أدباً وإذعاناً لقيام حجة الله على عباده بما أنبأ عنه من قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] الآية، وهذه توبة قلب وعمل لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرىء من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة التي لا أصل لها في القلب من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب؛ فجمعت توبته الأمرين - انتهى. ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص منها؟ فقيل: اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا {قلنا} كما تقدم {اهبطوا} ولما كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من

الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد تصويراً لشؤم المعصية وتبشيعاً لها قال: {منها} أي الجنة {جميعاً} أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قِران واحد أو على التعاقب، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من امتنع فقلنا: {فإما يأتينكم} ،

وقال الحرالي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله: {جميعاً} إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الاحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى.

وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعاداً عن الوهم فقال: {مني هدى} أي بالكتب والرسل، ولما كان الهدى الذي هو البيان لا يستلزم الاهتداء قال: {فمن تبع} أي أدنى اتباع يعتد به، ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما في طه كما يأتي إن شاء الله تعالى. والتبع السعي أثر عَلَم الهدى - قاله الحرالي. {هداي} أي المنقول

أو المعقول، فالثاني أعم من الأول. لأنه أعم من أن يكون منقولاً عن الرسل أو معقولاً بالقياس على المنقول عنهم، أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} [النساء: 83] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه رشف النصائح الإيمانية: فالعفل حجة الله الباطنة والقرآن حجة الله الظاهرة. قال الحرالي: وجاء {هداي} شائعاً ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق - انتهى. ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان، والحزن يحفّ، قدّمه فقال: {فلا خوف عليهم} أي من شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضارّ - قاله الحرالي. {ولا هم يحزنون} أي على شيء فات، لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة والحزن كما قال الحرالي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به رَوح، والقرب

منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ {هم} لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلاً عن فعلهم لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى. ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين نابذوه بقوله: {والذين كفروا} قال الحرالي: هذا من أسوأ الكفر

لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله عز وجل علماً على غيب عهده وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما قال تعالى: {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة} [الشورى: 29] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره وجعل في العقل نوراً يُقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما صاحب نار، فقال: {وكذبوا بآياتنا} لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبّل الإيمان بتنزيل الأمر اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عمياً، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صُمّاً - انتهى. والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب

والألسنة {أولئك} أي البُعَداء البغضاء {أصحاب النار} وبين اختصاصهم بالخلود بقوله: {هم فيها خالدون} فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم على فوات الجنة، فالآية من الاحتباك، انتفاء الخوف والحزن من الأول دال على وجودهما في الثاني، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود الجنة في الأول، وقد علم من ذلك مع قوله {مستقر ومتاع إلى حين} أنه لا بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها! فكأنه جواب سائل قال: هل بعد هذا الهبوط من صعود؟ قال الحرالي: وقوله: {هم} فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير

ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون «الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله. فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا عيانها، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيباً وفي الآخرة عياناً وفي القبر عرضاً {لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين} [التكاثر: 6، 7] {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً} [غافر: 46] وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة العرب الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الناس كلهم تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم

لكافرهم» انتهى. يعني فهم المرادون بهذا بالقصد الأول، وهو شامل لغيرهم، ومراد به ذلك الغير بالقصد الثاني، وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة لجميع بني آدم دالة على التوحيد من حيث إنها حادثة فلها محدث، وعلى النبوة من حيث إنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر عنها موافقاً لما في التوراة والإنجيل من غير تعلم، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على إعادتها - ذكره الأصفهاني عن الإمام. وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو هدى للمتقين المشتمل على الأحرف السبعة التي من أقبل على حرف منها حق الإقبال كفاه، ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في التمهيد لشرط مثال القراءة لحروفه السبعة وعلمها والعمل بها: اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه ورزقه نوراً من نوره، فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقاً، ولأنه نفخ فيه من روحه كان أكمل حياة قبضاً وبسطاً، ولأنه رزقه نوراً من نوره كان أصفى عقلاً وأخلص لباً وأفصح نطقاً وأعرب بياناً جمعاً وفصلاً، وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكاً وحساً، وعقّله ما أقام من أمره فهماً وعلماً،

ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفاناً ووجداً؛ ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعاً وأنساً فأناسه وردده من بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيهاً، ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان حنيفاً {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} [الكهف: 101] {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً} [النحل: 120] . ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم أكلهم وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظراً واعتباراً اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، وأكدوا تنبيههم بما أسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر وما تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، وأنزل الله سبحانه معهم كتباً يتلونها عليهم ويبينونها لهم علماً وعملاً وحالاً، فقبل ما جاؤوا به وصدقه واستبشر به الحنيفيون وأنذر به المدبرون والمعرضون، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، آمن من تنبه للنظر والاعتبار وألقى السمع وهو شهيد،

وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في الآجلة التي إنما يعيها القلب وتسمعها الأذن، وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم كذلك شغل المولّدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم ولعبهم في صباهم ولهوهم في شبابهم وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم وتكاثرهم في الأولاد في شَياخهم، فاشترك المدعو إلى الإسلام والمولد فيه الغافل في عدم الإقبال والقبول في ترك الاهتمام في الآجلة واختصارهما على الاهتمام بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره المدعو لفظاً وعلماً والمولد الغافل علماً وعملاً، فلم يسمعه المدعو ولم يفهمه الغافل فجعله بالحقيقة وراء ظهره، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار، وإنما جعله أمامه من قرأه علماً وحالاً وعملاً، ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة؛ ولما قامت الحجة عليهم بقراءته إذا لم يجاوز حناجرهم كانوا أشد من الكفار عذاباً في النار - أكثر منافقي أمتي قراؤها، {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145] فإذاً لا بد في قراءة القرآن من تجديد إقبال وتهيُّؤ لقبول وتحقيق تقوى لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها

إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام، فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} [الأعراف: 145] فخذها بقوة {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 13] {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك} [هود: 112] فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه وإقبال الحس على استماعه وتدبره؛ ولكل حرف شرط يخصه - انتهى. ولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولاً وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعياً للناس عامة لا سيما بني إسماعيل العرب الذين هم قوم الداعي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان أحق من دُعِي بعد الأقارب وأولاه بالتقدم أهل العلم الذين كانوا على حق فزاغوا عنه ولا سيما إن كانت لهم قرابة لأنهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان وأيسر تذكير، فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره وانحسم شره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم فبان للجاهل ضلالهم فكان جديراً بالرجوع والكف عن غيه والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام وبان الحلال والحرام؛ فلذلك لما فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار وختم بأن وعد في

اتباع الهدى وتوعد شرع سبحانه يخص العلماء من المنافقين بالذكر وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب على وجه استلزم عموم المصارحين منهم بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خُص بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها فقصّ عليهم ما مثله يليّن الحديد ويخشع الجلاميد فقال تعالى مذكراً لهم بنعمه الخاصة بهم: {يا بني إسرائيل} ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة على وجه آخر فيقال: لما

كان الكفار قسمين: قسم محض كفره، وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان الماحض قسمين: قسم لا علم له من جهة كتاب سبق وهم مشركو العرب، وقسم له كتاب يعلم الحق منه، ذكر تعالى قسم الماحض بما يعم قسميه العالم والجاهل فقال: {إن الذين كفروا سواء عليهم} إلى آخره. ثم أتبعه قسم المنافق، لأنه أهم بسبب شدة الاختلاط بالمؤمنين وإظهارهم أنهم منهم ليكونوا من خداعهم على حذر، فقال: {ومن الناس من يقول آمنا} إلى آخره؛ ولما فرغ من ذلك ومما استتبعه من الأمر بالوحدانية وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها، ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل، والاستعطاف بذكر النعم، شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنه يعرف الحق ويخفيه

فالمنافق ألف الكفر ثم أقلع عنه وأظهر التلبس بالإسلام واستمر على الكفر باطناً، وهذا القسم كان على الإيمان بهذا النبي قبل دعوته، فلما دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به وأظهروا الكفر واستمرت حالتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان، فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال المنافقين، ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثير من القرآن، وأخرهم لطول قصتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق علومهم، فإن مجادلة العالم ترسل في ميادين العلم أفراس الأفكار فتُسرع في أقطار الأوطار حتى تصير كالأطيار وتأتي ببدائع الأسرار، ولقد نشر سبحانه في غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين التي فيها بغية المهتدين ما أقام البرهان على أنه هدى للعالمين؛ هذا إجمال الأمر، وفي تفاصيله كما سترى من بدائع الوصف أمور تجل عن الوصف، تذاق بحسن التعليم ويشفى عيّ جاهلها بلطيف التكليم - والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.

وقال الحرالي: ثم أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظماً بابتداء خطاب العرب من قوله: {يا أيها الناس} وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أول وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بنو إسرائيل الذين هم ابتداء بما هم أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة التي افتتح الله بها كتبه تلو صحفه وألواحه. ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدم لها هدى بما تقدمه من الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتظم بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدم لها من هدى في وقتها {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} [المائدة: 44]

وبما عهد إليها من تضاعف الهدى بما تقدم لها في ارتقائه من كمال الهدى بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه السابق - انتهى.

40

وابتدأ سبحانه بتذكيرهم بما خصهم به عن النوع الآدمي من النعم التي كانوا يقابلونها بالكفران وما عاملهم به من إمهالهم على مرتكباتهم ومعاملتهم بالعفو والإقالة مما يبين سعة رحمته وعظيم حلمه، وابتدأ من أوامرهم بالإيفاء بالعهود التي من أعظمها متابعة هذا النبي الكريم والإيمان بكتابه الذي نفى عنه الريب فقال: {يا بني إسرائيل} أي الذي شرفته

وشرفت بنيه من أجله {اذكروا} من الذكر بالكسر والضم بمعنى واحد يكونان باللسان وبالجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر باللسان وبالضم بالقلب، والذي بالقلب ضده النسيان، والذي باللسان ضده الصمت - نقله الأصفهاني. وقال الحرالي: من الذكر وهو استحضار ما سبقه النسيان. {نعمتي} وهي إنالة الشخص ما يوافق نفسه وبدنه وعند المتفطن ما يوافق باطنه وظاهره مما بين قلبه وشعوبه من أهله وحشمه {التي} تي منها إشارة لباطن نازل متخيل مبهم تفسره صلته بمنزلة ذي وال منها إشارة لذلك المعنى بالإشارة المتخيلة - انتهى {أنعمت} أي بها ودللت على شرفها بإضافتها إلى {عليكم} وتلك النعمة الشريفة هي

الإتيان بالهدى من الكتب والرسل الذي استنقذتكم به من هوان الدنيا والآخرة {وأوفوا} من الوفاء وهو عمل لاحق بمقتضى تقدم علم سابق - قاله الحرالي. {بعهدي} أي الذي أخذته عليكم في لزوم ما أنزل إليكم من متابعة نبيكم ومن آمَرَكم باتباعه من بعده، والعهد التقدم في الشيء خفية اختصاصاً لمن يتقدم له فيه - قاله الحرالي، وقال الأصفهاني: حفظ الشيء

ومراعاته حالاً فحالاً، قال الخليل: أصله الاحتفاظ بالشيء وإجداد العهد به، {أوف بعهدكم} أي في جعلكم ممن لا خوف عليهم ولا حزن بسعة العيش والنصر على الأعداء كما يأتي عن نص التوراة في مظانه من هذا الكتاب {وإياي} أي خاصة {فارهبون} أي ولا تزلّوا اجْعَلْكم في مصير الكافرين بعد الضرب بأنواع الهوان في الدنيا، والرهب حذر النفس مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه، وخوطبوا بالرهبة لاستبطانها فيما يختص لمخالفة العلم، قال الحرالي: وأطال سبحانه في حجاجهم جرياً على قانون النظر في جدال العالم الجاحد وخطاب المنكر المعاند، وفي قوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت}

أي أوجدت إنزاله {مصدقاً لما معكم} تقرير لذلك الكتاب لا ريب فيه، وأمروا كما قال الحرالي تجديد الإيمان بالقرآن لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل فيها على ما بعده - ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن حين لم يعهد إليهم إلا في أصله على الجملة - انتهى. وفي قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} معنى دقيق في تبكيتهم وأمر جليل من تعنيفهم وذلك أنه ليس المراد من {أول} ظاهر معناه المتبادر إلى الذهن فإن العرب

كثيراً ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته بل المبالغة في السبق، كما قال مقيس بن صبابة وقد قتل شخصاً من الصحابة رضوان الله عليهم كان قتل أخاه خطأ ورجع إلى مكة مرتداً. حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع هذا في جانب الإثبات، فإذا نفيت ناهياً فقلت: لا تكن أول فاعل لكذا، فمعناه إنك إن فعلت ذلك لم تكن صفتك إلا كذلك، فهو خارج مخرج المبالغة في الذم بما هو صفة المنهي فلا مفهوم له، وعبر به تنبيهاً على أنهم لما تركوا اتباع هذا الكتاب كانوا لما عندهم من العلم بصحته في غاية اللجاجة فكان عملهم في كفرهم وإن تأخر

عمل من يسابق شخصاً إلى شيء، أو يكون المعنى أنهم لم يمنعهم من الإيمان به جهل بالنظر ولا عدم إطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشر بل مجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي المستلزم لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على الأعم يستلزم الحكم على الأخص بما هو من أفراد الأعم. فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب الجاهلين به أو الحاسدين له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخصوصه لا لعموم العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه الذي هو أقبح الوجوه، فالمعنى لا تكفروا به، فإنه إن وقع منكم كفر به كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ولم يقل: كافرين - والله أعلم. ولما نهاهم عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه لقوله: {ولا تشتروا}

أي تتكلفوا وتلحوا في أن تستبدلوا {بآياتي} أي التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا النبي الكريم {ثمناً قليلاً} وهو رياسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم على حمل الشريعة، والقلة ما قصر عن الكفاية - قاله الحرالي. {وإياي} أي خاصة {فاتقون} أي اجعلوا لكم وقاية من إنزال غضبي، فالتقوى نتيجة الرهبة كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في آية الرهبة، {ولا تلبسوا} واللبس إبداء الشيء في غير صورته، ومنه اللباس

لإخفائه الأعضاء حتى لا تبين هيئتها - قاله الحرالي: {الحق} أي ما تقرون به على ما هو عليه من التوراة والإنجيل مما لا غرض لكم في تبديله {بالباطل} مما تحرفونه منهما، والحق قال الحرالي ما يقر ويثبت حتى يضمحل مقابله، فكل زوجين فأثبتهما حق وأذهبهما باطل، وذلك الحق فالباطل هو ما أمد إدالته قصير بالإضافة إلى طول أمد زوجه القار - انتهى. ولما كان اللبس قد يفارق الكتمان بأن يسأل شخص عن شيء فيبديه ملتبساً بغيره أو يكتمه وهو عالم به قال: {وتكتموا الحق} أي عمن لا يعلمه {وأنتم تعلمون} أي مكلفون، وجعله الحرالي على ظاهره فقال: لما طلبهم تعالى بالوفاء بالعهد نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند اتباعهم من ملتهم وعند من استرشدهم من العرب، فلبسوا باتباعهم حق الإيمان بموسى عليه الصلاة والسلام والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات الإيمان لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن، فكتموا الحق

التام الجامع ولبسوا الحق الماضي المعهود بالباطل الأعرق الأفرط، لأن باطل الحق الكامل باطل مفرط معرق بحسب مقابله، وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان شهادة عليهم بعلمهم بذلك إفهاماً، ثم أعقبه بالشهادة عليهم بالعلم تصريحاً - انتهى. وفي هذه الآية أعظم زاجر لأهل الكتاب عما أظهروا فيه من العناد، ومن لطف الله تعالى زجر القاسي البعيد ونهي العاصي القلق إلى ما دون ذلك من تنبيه الغافل وزيادة الكامل. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه إنزال هذا الحرف - يعني حرف النهي - كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم وعما يخرجهم عن السلامة في موتهم وبعثهم مما رضوا به واطمأنوا إليه وآثروه من دنياهم، فمتوجهه للمطمئن بدنياه المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه يسمى زجراً، ومتوجهه للمتلفّت المستشعر ببعض الخلل فيما هو عليه يسمى نهياً، وهما يجتمعان في معنى واحد ومقصود واحد إلا أنه متفاوت، ولذلك رددهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المعنى الجامع في هذا الحديث يعني المذكور أول البقرة، وأولاهما بالبدئية في الإنزال الزجر لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما

بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق ونظر الله سبحانه إلى جميع أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، كما ورد في الحديث الصحيح إسناداً ومتناً، ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة {يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر*} [المدثر: 1-5] وهي أول قوارع الأمر كما أن فجاءة الساعة أول قوارع الخلق، ولذلك انتظم فكرهما في قوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير*} [المدثر: 8-10] وللمزجور حالان إما أن ينفر عند الزجرة توحشاً كما قال تعالى: {كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة *} [المدثر: 50-51] وإما أن يدبر بعد فكره تكبراً كما قال تعالى: {ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر} [المدثر: 21-23] وربما شارف أن يبصر فصرف، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لكنها عقول كادها باريها {سأصرف آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية

لا يؤمنوا بها} [الأعراف: 146] صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب تكبرهم على الخلق مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في وضوحها وكل قارعة لنوعي الكافرين النافرين والمدبرين من هذا الحرف وتمام هذا المعنى ينهى المتأنس المحاصر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى وإن تضرروا بتركها في الدنيا نحو قوله تعالى: {ولا تقربوا} في أكل مال اليتيم والزنا وإتيان الحائض - إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في دنياهم كيساً، نحو قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] {ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} [آل عمران: 13] {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً} [الحجرات: 12] و {لا يسخر قوم من قوم} [الحجرات: 11] وما لحق بهذا النمط - إلى ما دون ذلك على اتصال التفاوت من النهي عن سوء التأويل لطية غرض النفس

نحو قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94] إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل وإن كان من حكم العدل نحو قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} [النور: 22] إلى تمام ما لا تحصل السلامة إلا به من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة نحو قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحاً} [الإسراء: 37] إلى قوله: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: 39] ، ونحو قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131] ، لأن كل زائد على الكفاف فتنة، وهذا هو أساس ما به تتفاوت درجات العلم في الدنيا ودرحات الجنة في الآخرة، ولا تصح الوجوه والحروف التي بعده أي وهي سائر الحروف علماً وعملاً وثباتاً وقبولاً عند التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه

لأنه ظهور لما بعده من صلات حرف الأمر وما قصّر بعشرات فرق الأمة إلى التقصير في حرف النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الاكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة في الحمية من عموم ما لا يتناهى من المنهيات لكثرة مداخل الآفات منها على الخلق فيما بعد الموت ويصعب هذا الحرف على الخلق بما استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صنوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا وعماهم عن وبالها في الأخرى وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا بوفاء الحمية منها، والحمية أصل الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء {هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً*} [الكهف: 103، 104] وجاؤوا بحسنات كالجبال وكانوا يصومون ويصلون ويأخذون وهناً من الليل لكن ذلك تداو بغير حمية لما لم يحتموا من الدنيا

التي نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منها الشهوات ويعملون المعصيات فلم ينفعهم المداواة، فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف وهو حسبه فاقرؤوا ما تيسر منه، أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا وحمية النفس من هوى جاهها ومالها «بل نبياً عبداً» «أجوع يوماً وأشبع يوماً» «ومن رغب عن سنتي فليس مني» ، والقرآن حجة لمن عمل به فصار إمامه يقوده إلى الجنة. وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه فيسوقه إلى نار الجبة التي في جب وادي جهنم التي تستعيذ جهنم منها والوادي والجب في كل يوم سبع مرات {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [البقرة: 26] {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً*] [الإسراء: 82] «أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك

من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» . ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف النهي: اعلم أن الموفي بقراءة حرفي الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حال الجسم والنفس تحصل له عادة بالخير تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة من الأمر والنهي، ولما اقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماماً اقتضى الإيمان بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى بما ملك العبد من منقود متاع الدنيا، فكل الحلال ما عدا الكفاف بالسنة متجر للعبد، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع به أفناه فندم عليه {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} [التوبة: 69] {لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين*} [المنافقون: 10] {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وكما أن حرف الحلال موسع ليحصل به الشكر فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ليكون به العبد شاكراً صابراً، فالذي يحصل به قراءة حرفي النهي

أما من جهة القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره، كما قال حارثة: «كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون» فأثمر له ذلك ما أحبر به عن نفسه في قوله: «وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها وخزفها» وخصوصاً من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة، وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما تشتهيه طبعاً مما هو محلل لها شرعاً، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر رضي الله عنه لما رثى لحاله: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» {واستعينوا بالصبر} ، [البقرة: 45] وصبر النفس عن شهواتها وإن كانت حلالاً هو حقيقة تزكيتها، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها،

وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيتها، {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها*} [الشمس: 9-10] والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها استمتاعها، وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها إلاّ في شيئين: في النساء بكلمة الله، لأنهم من ذات نفس الرجال ولسن غيراً لهم {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] و {أتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} [النساء: 20] والثاني في الطيب، لأنه غذاء للروح وتقوية للحواس ونسمة من باطن الملكوت إلى ظاهر الملك، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه علامة تكذيب وعد الرحمن وتصديق وعد الشيطان {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} [النحل: 26] {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} [النساء: 120] هذا من جهة النفس، وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد

على الكفاف وتخليته لذوي الحاجة ليتخذوه معاشاً، وأن يكون التمول من غير القوام تجارة نقل وضرب في الأرض وإرصاد لوقت حاجة لا حكرة وتضييقاً، اتخاذ أكثر من لبستين للمهنة والجمعة علامة لضعف الإيمان وخلاف السنة وانقطاع عن آثار النبوة وعدول عن سنة الخلفاء وترك لشعار الصالحين، وكذلك تصفية لباب الطعام وقصد المستحسن في الصورة دون المستحسن في العلم وإيثار الطيب في المطعم على الطيّب في الورع وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد وأكثر من مزدرع كاف ورفع البناء والاستشراف بالمباني، امتنع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رد السلام على رجل اتخذ قبة في المدينة حتى هدمها وسوّاها مع بيوت أهل المدينة، وإنما الدنيا للمؤمن سجن إن شعر به وضيق فيه على نفسه طلبت السراح منه إلى الآخرة فيسعد، وإن لم يشعر بأنها سجن فوسع فيها على نفسه طلب البقاء فيها وليست بباقية، والخيل ثلاثة: أجر للمجاهد، ووزر على المباهي،

وعفو للمستكفي بها فيما يعنيه من شأنه، والزيادة على الكفاف من النعم السائمة انقطاع عن آثار النبوة وتضييق على ذوي الحاجة وتمول لما وضع لإقامة المعاش وأن يتخذ منه الكفاف، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولّد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة» والطعام لا يتمول وكذلك ما اتخذ للقوام لا يحتكره إلا خاطىء «من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه» فالأمتعة تجلب وتختزن ويستنمى فيه الدينار والدراهم، والطعام والقوام يجلب ولا يختزن فيستنمى فيه الدينار والدرهم، ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره، وما منع فيه من مدّ العين فأحرى أن يمنع فيه مد اليد {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً} [الحجر: 88] الآيتين، فبهذه

الأمور من إيمان القلب ورؤية الفؤاد وصبر النفس وكف اليد عن الانبساط في التمول فيما به القوام تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي التأييد - انتهى.

43

ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبي والكتاب الذي هو من الهدى الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله: {وأقيموا الصلاة} أي حافظوا على العبادة المعهود بها في كل يوم بجميع شرائطها وأركانها {وآتوا الزكاة} أي المفروضة في كل حول لتجمعوا أوصاف المتقين المهديين بهذا الكتاب {الذين

يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] المحسنين بذلك فيما بينهم وبين الحق وفيما بينهم وبين الخلق، وهاتان العبادتان إما العبادات البدنية والمالية فخصا بالذكر، لأن من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها، والزكاة قال الحرالي نماء في ظاهر حس وفي باطن ذات نفس، {واركعوا} من الركوع وهو توسط بين قيام وسجود يقع في ظاهر من القامة وفي حال من القلب، تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين {مع} معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة، ومن الأدنى بحسن التبع، ومن المماثل بحسن النصفة - انتهى. وقوله: الراكعين * مع مصحوبه تأكيد لأمر الصلاة وأمر بالكون في هذا الدين مع الذين اتبعوا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن صلاة اليهود لا ركوع فيها، كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى. وقال الحرالي: والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة الصلاة التي هي تلو الإيمان، فكأن خطاب الإفهام:

فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم وبينوا ما لبستم وانصحوا من استنصحكم وأقيموا وجهتكم لله بالصلاة وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة وكملوا صلاتكم بما به كمال الصلاة من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها المظهر آية عظمة الله مع الراكعين الذين هم العرب الذين وضعت أول صلاتهم على كمال - انتهى. ويجوز

أن يكون المراد بالركوع الصلاة، عبر عنها به لما ذكر من خصوص هذه الأمة به، فكأنه قيل: وصلّوا مع المصلّين جماعة، لمزيد التوصية بالجماعة. ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق من الإيمان والشرائع بعد أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر النعم ونقض العهود وما تبع ذلك وكانوا يأمرون

غيرهم بما يزعمون أنه تزكية وينهونه عما يدعون أنه تردية، أنكر عليهم ترغيباً فيما ندبهم إليه وحثهم عليه وتوبيخاً على تركه بقوله: {أتأمرون} من الأمر وهو الإلزام بالحكم - قاله الحرالي {الناس بالبر} وهو التوسع في أفعال الخير {وتنسون} والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم، {أنفسكم} أي تتركون حملها على ذلك ترك الناسي، ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا الأمر الفظيع الذي دلّ العقل دلالة بينة على فحشه، لأن المقصود من أمر الغير بالبر النصيحة أو الشفقة، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح غيره وينسى نفسه، والظاهر أن المراد به حكم التوراة، كانوا يحملون عوامهم عليه وهم يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة اتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي لا يصح منه شيء إلاّ به. وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية

لاتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم أعلن تعالى عليهم بذلك نظماً لما تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه فقال: {وأنتم تتلون الكتاب} من التلاوة، وهو تتبع قول قائل

أول من جهة أوليته - قاله الحرالي. وهذه الجملة الحالية أعظم منبّه على أن من حكم التوراة اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومشير إلى أن المعصية من العالم أقبح. قال الحرالي: فيه إشعار بأن أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى. ولما كان هذا في كتابهم وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه الإنكار في قوله: {أفلا} أي أتتلونه فلا {تعقلون} إشارة إلى أن ما هم عليه من هذا لا يفعله ذو مسكة، والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره - قاله الحرالي. سمي عقلاً لأنه يعقل عن التورّط في الهلكة. ولما أنكر عليهم اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل أعمال البدن فقال عاطفاً على ما مضى من الأوامر. وقال الحرالي: فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلِما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعاً

للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يُكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة فقال تعالى - انتهى. {واستعينوا} أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ما مضى من الأوامر والنواهي {بالصبر} أي على مخالفة الهوى، والصبر حبس النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها، هو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله الحرالي. وهو عام في كل صبر الصوم وغيره، {والصلاة} أي الموصلة إلى المقام الأعلى،

وفيه التفات إلى {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصلٍّ، فكأن المراد بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص، فمن صلى على هذه الصفة كان لا محالة من الناجين؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك} [طه: 132] قال الحرالي. ويصح أن يراد بها الدعاء، فمن صبر عن الدنايا وعلى المكاره وأنهى صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات

حب الدنيا وأضاف إلى ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف، فإذا ضم إلى ذلك الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر. ولما أمر ونهى بما ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته سبحانه بتخصيصها بالضمير فقال: {وإنها لكبيرة} أي ثقيلة جداً، والكبير ما جل قدره أو مقداره في حس ظاهر أو في معنى باطن - قاله الحرالي. {إلا على الخاشعين} أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما

أعد عليها من الأجر، ولذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» وغيرهم يمنعهم ثقلها من فعلها، وإن فعلها فعلى غير رغبة. قال الحرالي: وهو أي الخشوع هدوّ الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت، وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه وألزم نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه وقت العصر وحالة العبودية، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك إلا أن يخشع لما يكبر على النفس، وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر لأن الصبر صغار للنفس والصلاة وجهة للحق والله هو العلي الكبير - انتهى. {الذين يظنون} من الظن وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله - قاله الحرالي. {أنهم ملاقوا ربهم}

أي المحسن إليهم، وعبر بالظن عن العلم تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف فكيف والأمر متيقن لا مِراء فيه ولا تطرّق للريب إليه! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة. ولما كانت هذه الجملة مشيرة مع الترهيب لذوي الهمم العلية والأنفة والحمية من الوقوع فيما يلم بعيب أو يوقع في عتب إلى الاستحياء من المحسن الذي ما قطع إحسانه ساعة من الدهر زاد في الترهيب بقوله: {وأنهم إليه} أي وحده {راجعون} ، والرجوع معاد الذاهب على

مدارج مذهبه وترقيه على معارج مهبطه - قاله الحرالي. وعبر بذلك وإن كانوا لم يزالوا في قبضته، لأن اسمه الظاهر سبحانه يكون في تلك الدار لانقطاع الأسباب في غاية الظهور لا يكون لأحد معه نوع ظهور أصلاً، لا كهذه الدار التي الغالب فيها معنى اسمه الباطن إلا عند أولي البصائر؛ وفي الآية تبكيت لأهل الكتاب بأنهم مع تحققهم للبعث يملون عمل من لا يظنه فضلاً عن أنه يعلمه. وقال الحرالي: ولما كان في الصلاة مناجاة لله على الغيب كانت إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته وذلك حال من رجحت الآخرة

على الدنيا في عمله وحاله، فكان حاله وعمله حال الظان إبقاء على أحوال من دون رتبة اليقين، ومقصود اللقاء ليس البعث لأنهم هم من المؤمنين بالبعث ولكنه من معنى القبول بعد البعث، وفيه إشارة إلى حال الموت ويوم البرزخ وهو الجزاء الأول فعطف على المرجع الآخر بعد البعث - انتهى. ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود كرر النداء لهم مبالغة في اللطف بهم إثر الترجية والتخويف فقال: {يا بني إسرائيل} أي الذي أكرمته وأكرمت ذريته من بعده بأنواع الكرامة {اذكروا نعمتي} وفخم أمرها بقوله: {التي أنعمت عليكم} أي بإنزال الكتب وإرسال الرسل وغير ذلك {وإني فضلتكم} والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة والنقصان منه - قاله الحرالي. {على العالمين} وهم من كان قد برز الوجود في ذلك الزمان بالتخصيص

بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى الوجود في ذلك الزمان كما يأتي تحقيقه عن الحرالي قريباً ومما يوجب القطع به قوله تعالى لنا: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] . ولما ذكرهم بتخصيصهم بالكرامة ونهاهم عن المخالفة وكانت المخالفة مع عظيم النعمة أقبح وأشد وأفحش حذّرهم يوماً لا ينجي أحداً فيه إلا تقواه فقال. وقال الحرالي: لما دعاهم إلى الوفاء بالعهد تنبيهاً لهمة من له فضل باطن يرجع إلى فضائل النفس فأجاب من وفق وتمادى على حاله من خذل ثنى الخطاب لهم بالتنبيه على النعمة الظاهرة ليتنبه لذلك من يخاف تغيير النعمة الظاهرة حين لم يخف السقوط عن رتبة الفضيلة في الخطاب فذكرهم بالنعمة والتفضيل الذي فضلهم به على العالمين وهم

من ظهرت أعلام وجودهم في زمانهم، وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة، وإنما العالم من شمله الوجود لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع في الشهود علم وجوده؛ وفيه إشعار بأنهم كما فضلوهم على عالمي زمانهم فليس ذلك بمقصور عليهم بل كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل وعلى جميع الموجودين في زمانهم، وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد التذكير بباطن الفضيلة لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة عطفاً على تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا؛ فكان

مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا - انتهى {واتقوا} . ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيماً له وتنبيهاً على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل فقال: {يوماً} هو من العظمة بحيث {لا تجزي} أي تفضي وتغني فيه {نفس} أي نفس كانت {عن نفس}

كذلك {شيئاً} من الجزاء. قال الحرالي: والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره، فهؤلاء الذين لا يغني بعضهم عن بعض بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه، فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة، وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان {أذلة على المؤمنين} [المائدة: 54] فذل العبد - بالضم - لله، وذِله - بالكسر - لعباد الله بشرى فوزه، وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس نذارة هلاكه - انتهى. ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجوداً وهو بحيث يخشى أن يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من أسره على إطلاقه، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو فتح سجنه أو نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة عطفها على الإجزاء الأعم منها فقال:

{ولا يقبل منها} أي النفس الأولى أو الثانية {شفاعة} أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في وجهة حاجته - قاله الحرالي {ولا يؤخذ منها عدل} تبذله غير الأعمال الصالحة، وهو ما يعدل الشيء ويكون معه كالعدلين المتكافئي القدر على الحمولة، فكأنّ العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس، والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول، وكذلك عادة العرب تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - قاله الحرالي. ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى

جمع فقال: {ولا هم ينصرون*} أي يتجدد لهم نصر يوماً ما بمن ينقذهم قهراً كائناً من كان، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما طرفان ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - قاله الحرالي. فانتفى بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا.

قال الحرالي: ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث: إما شفاعة من فوقه في العلم والفضل، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة، وإما فكاك من يده لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه، استوفى الخطاب جميع الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى. ولما تقدم أنه فضلهم وعاهدهم وأن وفاءه بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب تقديم الشفاعة ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية

الثانية ما يتم به البيان، ولما وصف ذلك اليوم بأنه لا ينفع فيه حيلة لذي ملكة المتردي بالكبرياء المتجلل بالعظمة ذكرهم بما أنعم عليهم من إنجائه لهم بموسى وهارون عليهما السلام حيث شفعا عند الملك الذي كان استعبدهم وسامهم سوء العذاب، فلما لم يشفّعهما فيهم قاهراه فانتصرا عليه بأيد مليكهم واستنقذاهم منه بسطوة معبودهم. وقال الحرالي: ولما استوفى خطاب النداء لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس الباطنة بالوفاء وغرض النفس الظاهر في النعمة والرئاسة جاء ما بعد ذلك من تفاصيل النعم عطفاً من غير تجديد نداء إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم حيث ثنى لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ختماً لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم بتكرار قوله: وإذ وإذ، واحدة بعد أخرى إلى جملة منها، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة فانتبه من تداركته الهداية وتمادى من استحق العقوبة ذكر أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما يستلزمه

معنى النجاة وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم عليه في معاندتهم القرآن، فحين لم ينفع فيهم التذكيران بالعهد والنعمة هددوا بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ذنوبهم {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً} [غافر: 34] فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى وشكهم ما أصابهم من العقوبة من آل فرعون حتى أنقذهم الله بموسى عليه السلام فقال تعالى: {وإذ} أي واذكروا إذ {نجيناكم} وهو من التنجية وهي تكرار النجاة، والنجاة معناه رفع على النجوة وهو المرتفع من الأرض الذي هو مخلص مما ينال من الوهاد وخبث الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه {من

آل} آل الرجل من تبدو فيهم أحواله وأعماله وأفعاله حتى كأنهم هو في غيبه من معنى الآل الذي هو السراب الذي يظهر فيه ما بعد ويتراءى ما لم يكن يرى لولاه، {فرعون} اسم ملك مصر في الجاهلية، علم جنس لملوكها بمنزلة أسماء الأجناس في الحيوان وغيره - انتهى. والمراد بالآل فرعون وأتباعه فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه - قاله في القاموس، قال: ولا يستعمل إلاّ فيما فيه شرف غالباً ثم بين ما أنجاهم منه بقوله: {يسومونكم سوء

العذاب} سماه بذلك لأنه أشد البلاء على النفس لما فيه من استحقارها، من السوم وهو تعذيب بتهاون بالمعذب، والسوم ما يشتد، تنكر النفس له وتكرهها، ثم فسر هذا بقوله {يذبحون} من التذبيح وهو تكرار الذبح، والذبح قطع بالغ في العنق - قاله الحرالي. ولما كان كل من ذبح الابن وحياة المرأة بغير رجل أفحش وكانت البنت إذا بقيت صارت امرأة عبر بالأبناء والنساء فقال {أبناءكم} أي سوقاً لكم مساق البهائم {ويستحيون} قال الحرالي: من الاستحياء وهو استبقاء الحياة {نساءكم} من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان والنسوة باشتراكها في أحد الحروف الثلاثة من الهمزة أو الواو أو الياء مع اجتماعها في النون والسين - انتهى. ثم نبههم على ما فيه من العظم بقوله {وفي ذلكم} فأشار

بأداة البعد مقرونة بالميم {بلاء} أي اختبار {من ربكم} أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء {عظيم*} قال الحرالي: البلاء الاختبار هو إبداء خبرة الشيء بشدة ومحنة، وفيه إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته دون ما هو أيسر منه، وذكره بالعظم لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح، وذكر معنى النجاة ثم فصله تفصيلاً لكيفيته بعد ذلك تعداداً لنعمة النجاة التي هي تلو رحمة الإنعام التي هي تلو رفعة التقدم بالعهد، فانتهى الخطاب نهايته في المعنى يعني فلما قررهم تعالى على ما اقترفوه قبل موسى عليه السلام حين أصابهم من آل فرعون ما أصابهم استجدّ لهم تذكيراً بنعمة نجاة من عقوبة متقدم أعمالهم - انتهى. ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكاً للرجال وإبقاء للنساء

طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال {وإذ} أي واذكروا إذ {فرقنا} من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي. فصارت لكم مسالك على عدد أسباطكم {بكم} أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط {البحر} قال الحرالي: هو المتسع الرحب البراح مما هو ظاهر كالماء، ومما هو باطن كالعلم الذي منه الحبر، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى. {فأنجيناكم} من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز - انتهى. ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: وجعل البحر مفروقاً بهم كأنهم

سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحياً في سرعة وقت - انتهى. {وأغرقنا آل فرعون} فيه وبه {وأنتم تنظرون} إسراعه إليهم في انطباقه عليهم، وهذا مثل ما خاض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر الملح في ناحية البحرين أو انحسر له على اختلاف الروايتين، ومثل ما قطع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة في وقائع الفُرس عوماً بالخيول بجميع عساكره وكانوا زيادة على ثلاثين ألفاً لم يُفقد منهم أحد، وكان الفرس إذا تعب وثب فصار واقفاً على ظهر الماء كأنه على صخر، فإذا استراح عام. قال الحرالي: {وأغرقنا} من الغرق وهو البلاغ في الشيء إلى غايته بحسبه، فإن كان في الهلاك فهو غاية وظهر معناه في الماء والبحر لبُعد قعره، وهو في الماء بمنزلة الخسف في الأرض، والنظر التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر - انتهى. فذكرهم سبحانه بنعمة الإنجاء منه

بالرحيل عنه أولاً، ثم بإغراقه الذي هو أكبر من ذلك ثانياً بما كان بعينه سبب سلامتهم واستمر يذكرهم بما تابع لهم من النعم حيث كانوا يستحقون النقم. قال الحرالي: وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم من حيث لم يقل: وأنتم تبصرون، ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى.

51

ولما كان فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني عقبه به وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل

زمن المواعدة واستعطاف المواعد والترفق له والتملق بما تحقق الرجاء في إنجاز وعده لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه نعى عليهم عملهم بخلاف ذلك بقوله: {وإذ} . وقال الحرالي: لما ذكّرهم تعالى بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى عليه السلام ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم فقال: وإذ {واعدنا} من

الوعد وهو الترجية بالخير، ووعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه {موسى} كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره فيما يقال ماء وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم {أربعين ليلة} هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى. وخص الليل بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه وإلى أنه لا نوم في تلك المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها، وانتصب أربعين بوقوعه موقع المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند انقضاء الأربعين وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من المحرم. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما

هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور مصير من حال إلى حال هو الأربعون، وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول بادٍ بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي كانت سجناً، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجياً له كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى. وهذا دون قصة المعراج التي كانت لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء الله تعالى في سورة السجدة. ولما كانت الأنفس الأبيّة والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم والأنفة من كل ما ينسب إليه ويذكّر به وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية لغاية البعد من الكفر عبر عن مواقعتهم له

بثم فقال: {ثم اتخذتم} قال الحرالي: من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف، {العجل} وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك من مهل حسب ما تفهمه كلمة ثم، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلهاً بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى عليه السلام إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات أربعين صوماً ونسكاً وتحنثاً وانقطاعاً إلى ربّه ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله مصوراً محسوساً على أن موسى الذي ناجاه ربّه منع الرؤية فكيف

بهم وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس وهو تعالى قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون في تألّه مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! وفي قوله تعالى {من بعده} أي من بعد إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى عليه السلام تقريراً لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى

من فوائد المناجاة، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد بعد عن حد يتخذ مبدأ ليكون سابقه قبل ولاحقه بعد - انتهى. واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد {وأنتم ظالمون} فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى بالنور المبين. ولما كان ذلك مقتضياً لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيراً إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي: {ثم عفونا} . وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريراً على تكرر

تلافيهم حالاً بعد حال وقتاً بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى. {عنكم} ولم نعاجلكم بالأخذ، وفي قوله تعالى {من بعد ذلك} أي الذنب العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجّى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي. وكان الإشعار من جهة أدخال من، على الظرفية، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها عقوبة، كما اقتضى قوله: من بعده، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة إلى أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لعلكم تشكرون *} أي

ليكون حالكم حال من يتوقع منه الشكر. قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى بما في ترجي كلمة لعل، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق تردداً فهو من الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - انتهى.

ولما كان في ذلك دليل على سوء طباعهم وعكس مزاجهم وأنهم لا يحفظون عهداً ولا يستقيمون على نهج ذكرهم بنعمة الكتاب الذي من شأنه الضبط في جميع الأحوال بالرجوع إليه عند الضلال فقال: وقال الحرالي: لما ذكر تعالى أمر موسى عليه السلام وهو خاص أمرهم فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم فميا جاء به - انتهى. فقال {وإذ اتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي الكامل في نفسه الجامع لكم على طريق الحق. ولما كان الكتاب مع كونه جامعاً لما أريد منه فارقاً بين الملبسات وصفه بقوله {والفرقان} أي المبين للأشياء على ما هي عليه من غير أن يدع في شيء لبساً. قال الحرالي: فقررهم على أمرين من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال والفرقان الذي فيه أمر العلم وهما مِلاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل؛ والفرقان، فُعلان

لفظ مبالغة يفهم استغراقاً وامتلاء وعظماً فيما استعمل فيه وهو في هذا اللفظ من الفرق وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين بالتبيان لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة لعل، إشعاراً بالإبهام في أمرهم وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب عامل به عالم بطية الفرقان خبير به وبين تارك لحكم الكتاب غافل عن علم الفرقان - انتهى. فقال تعالى {لعلكم تهتدون *} أي ليكون حالكم حال من ترجى هدايته فيغلب حلمه جهله وعقله شهوته، ولهذا الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من

النقمة الزاجرة عن مثل ذلك من قتل الأنفس فقال: {وإذ} . قال الحرالي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ترفيعاً لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء فيجعل بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما واجههم به الحق تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم حين أعرض الحق عن خطابهم

بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى. فقال {وإذ قال موسى لقومه} العابد للعجل والساكت عنه، والقوم قال الحرالي اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ النساء لضعفهن فيما يحاولنه؛ وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى. {يا قوم} وأكد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال {إنكم ظلمتم أنفسكم} ظلماً تستحقون به العقوبة {باتخاذكم العجل} أي الهاً من دون الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئاً ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزها بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه إلى ذلها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله فكيف

لمن دونه من حيوان! فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من المعادن وهو أخفض المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم والشجر ولما فيه من الانتفاع بما يكون من الحب والثمر الذي يُنتفع به غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقوداً منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الحرالي: {فتوبوا إلى بارئكم} الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب

مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال الحرالي: البارىء اسم قائم بمعنى البرء وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفاً وقميصاً، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزاً وفخاراً ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته - انتهى. ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا فقال {فاقتلوا أنفسكم} أي التي أوجدها فقادتكم إلى غيره. قال الحرالي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى. ولما كان

ما أمرهم به أمراً لا يكاد يسمح به عظّم الرغبة فيه بقوله {ذلكم} أي الأمر العظيم وهو القتل {خير لكم} والخير قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خيرٌ محذوفة فيقال: هو خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه أي أصلح في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة {عند} كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه مّا عام وأخص منه لدن، فلدن خاصتها وعند عامتها، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى.

{بارئكم} أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان. ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضاً بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف عليه قوله {فتاب عليكم} أي مع عظم جرمكم، ولولا توبته عليكم ما تبتم؛ ثم علل ذلك بقوله {إنه} أي لأنه {هو التواب الرحيم} أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم عليه قال الحرالي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير

وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتاً لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى. ولما استتيبوا عن عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة طلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ناسين لجميع النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم، فذكرهم سبحانه ذلك مسلياً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليه السلام وهو أحدهم

فقال {وإذ قلتم} أي بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات {يا موسى} فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضاً ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له وإكرامكم على يده {لن} وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن، يُسِّر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي. {نؤمن لك} أي لأجل قولك. قال

الحرالي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله، ومن آمن به فقد قَبِل أصل رسالته {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] {حتى} كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى لكي {نرى} من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى. {الله} أي مع ما له من العظمة {جهرة} أي عياناً من غير خفاء ولا نوع لبس. قال الحرالي: من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة

وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوّزه القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهراً حتى يناله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية، فإن موسى عليه السلام قال {رب أرني} [الأعراف: 143] وقال تعالى {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة *} [القيامة: 22-23] وقال عليه الصلاة والسلام: «إنكم ترون ربكم» فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل، وذلك لسر من أسرار

العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض، {فأخذتكم} من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى. أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة، {الصاعقة} قيل: هي صيحة، وقيل: نار نزلت من السماء فأحرقتهم، ويؤيده قوله {وأنتم تنظرون *} أي تلك

الصاعقة فأماتتكم، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل، فأماتكم كما أماتهم بالقتل. ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد وخرق العادة عبر عنه بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال {ثم بعثناكم} أي بما لنا من العظمة بالإحياء. قال الحرالي: من البعث وهو الاستثارة من

غيب وخفاء، أشده البعث من القبور، ودونه البعث من النوم؛ قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه ثم، ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد كثير رتب العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم، بينه من الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى عليه السلام ربه في بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى. ولما كان ربما ظن أن البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبيناً أنه لم يستغرق زمن البعد بقوله: {من بعد موتكم} أي هذا بتلك الصاعقة، وقال دالاً على أن البعث إلى هذه الدار لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار الأكدار فلا بد من تصفية الأسرار فيها بالأعمال

والأذكار {لعلكم تشكرون} أي لتصير حالكم حال من يصح ترجي شكره لهذه النعمة العظيمة، وكل ما جاء من لعل، المعلل بها أفعال الرب تبارك وتعالى ينبغي أن تؤول بنحو هذا، فإن لعل، تقتضي الشك لأنها للطمع والإشفاق فيطمع في كون مدخولها ويشفق من أن لا يكون، وتارة يكون الشك للمخاطب وتارة يكون للمتكلم، ولو قيل: لتشكروا، لم يكن هناك شك - قاله الرماني في سورة يوسف عليه السلام. وقال الحرالي: وفي لعل، إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا يشكر - انتهى. وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى عن نص سيبويه في كتابه ما يؤيد ما ذكرته. وفي هذه الآية وما تقدمها من آية {واتقوا يوماً لا تجزي نفس} تنبيه للعرب من غفلتهم في إنكار البعث وإرشاد إلى سؤال ممن يغرّهم من أهل الكتاب بأنهم أولى بالحق من المسلمين عن هذه القصة التي وقعت لأسلافهم من إحيائهم بعد موتهم، وكذا ما أتى في محاوراتهم من قصة

البقرة ونحوها مما فيه ذكر الإحياء في هذه الدار أو في القيامة. قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى. ولما ذكرت الصاعقة الناشئة غالباً من الغمام كان أنسب الأشياء إيلاءها ذكر تظليل الغمام وناسب التحذير من نقمة الإحراق بالصاعقة والتذكير بنعمة الإيجاد من الموت الإتباع بذكر التنعيم في الإبقاء بالصيانة عن حر الظاهر بالشمس والباطن بالجوع.

57

وقال الحرالي وعطف تعالى على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء المبعوثين لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام وهو من أمر ما بعد البعث والأرزاق بغير كلفة وهو من حال ما بعد البعث وأفهم ذلك أموراً أخر في أحوالهم كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة إلى شبه أحوال أهل الجنة في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم كل ذلك إنعاماً عليهم، ثم لم يزيدوا مع

ذلك إلا بعداً عن التبصرة في كل ما أبدي لهم من العجائب - حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: {وظللنا} من الظلة وهو وقاية مما ينزل من سماء الموقي و {عليكم الغمام} من الغم وهو ما يغم النور أي يغطيه -

انتهى. أي فعلنا ذلك لترفيه أجسامكم وترويح أرواحكم، وعن مجاهد أن الغمام أبرد من السحاب وأرق وأصفى {وأنزلنا عليكم المن} قال الحرالي: هو ما جاء بغير كلفة، الكمأة من المن - انتهى. {والسلوى} أي لطعامكم على أن المن من الغمام، وحشر السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية التناسب. قال الحرالي: والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره - انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم خصوا به إيذاناً بقساوة قلوبهم. وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غنيين عنها بما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما احتاجوا دعا بما عندهم من فضلات الزاد فيدعو، فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم، وأعطى أبا هريرة رضي الله عنه تمرات وأمره أن يجعلها في مزود وقال له: أنفق ولا تنثرها، فأكل منه سنين وأنفق منه أكثر من خمسين وسقاً. وبارك لآخر في قليل شعير وأمره أن لا يكيله، فلم يزل ينفق منه على نفسه

وامرأته وضيفه حتى كاله فنفي، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكذا لأم مالك رضي الله عنها في عكة سمن لم تزل تقيم لها أدمها حتى عصرتها. ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره. وقيل لكم {وكلوا} ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله {من طيبات} جمع طيبة. قال الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيّبه من سوى الأكل له أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق وهو الذي لا ينازعه تكره في طعمه، وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث

ولا معاملة مع خلق - انتهى. {ما رزقناكم} أي على عظمتنا التي لا تضاهى. ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب. وقال الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه - انتهى. فقال {وما} أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما {ظلمونا} بشيء من ذلك {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} لأن ضرر ذلك مقصور عليهم. قال الحرالي: وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحواً مما

رأوا فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصوراً على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى. ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير مألوف

لهم مع كونه نعمة دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية. وقال الحرالي: لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام حين دخولهم مع يوشع عليه السلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى. فقال تعالى {وإذ قلنا} أي لكم {ادخلوا هذه القرية} إشارة إلى نعمة النصر. قال الحرالي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حساً بالجسم ومعنى بالنظر والرأي، والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال عليه السلام: «أُمرت بقرية تأكل القرى» باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها

إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة والواو مع القاف والراء على عام هذا المعنى - انتهى. وناسب سياق النعم الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء في قوله: {فكلوا منها حيث شئتم} وأتمّ النعمة بقوله {رغداً} موسعاً عليكم طيباً. قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض لما تقدم من نحوه لآدم في السماء، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر آدم عليه السلام، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم - انتهى. وأمرهم بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق بأمر يسير

من القول والفعل، وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب مقرب للحضرة الشريفة لأنه في سياق عد النعم على القول المشعر بالذنب فقال {وادخلوا الباب} وهو كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء

والأمور المستغلقة حساً أو معنى حال كونكم {سجداً وقولوا} جامعين إلى ندم القلب وخضوع الجوارح الاستغفار باللسان، ولما كان القول تحكى به الجمل فتكون مفعولاً بها ويعمل في المفرد إذا كان مصدراً أو صفة لمصدر كقلت حقاً أو معبراً به عن جملة كقلت شعراً وما كان على غير هذا كان إسناداً لفظياً لا فائدة فيه غير مجرد الامتثال رفع قوله {حطة} أي عظيمة لذنوبنا. قال الكشاف: والأصل النصب أي حط عنا ذنوبنا إلاّ أنه رفع ليعطي معنى الثبات. قال الحرالي: من الحط وهو

وضع الحمل الثقيل بمُنّة وجمام قوة يكون في الجسم، والمعنى أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوّقتهم من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب متردداً بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال قولوا: «لا إله إلاّ الله» وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها «فقالوها، فقال: والذي نفسي بيده! إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها» انتهى. وعبر بنون العظمة في قوله {نغفر لكم} إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم كاتخاذ العجل إذا جُبّ بالتوبة، وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية مبنياً للمجهول إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه بأدنى أمر وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة، كل ذلك استعطاف إلى التوبة. . والغفر

قال الحرالي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب لا عقوبة ولا ذكر - ثم قال: ففي قراءة {نغفر} تول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل، وفي قراءة: تغفر، إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر، وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو قراءة النون ونزول قراءة التاء، ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، وصنف أحسنوا فيزيدهم الله ما لا يسعه القول و {هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان} [الرحمن: 60] انتهى. ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن يعبر عن ذنوبهم بجمع الكثرة فقال {خطاياكم} إشارة إلى أنهم أصروا عليها

بحيث كادوا أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنباً، والخطايا جمع خطيئة من الخطأ وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو وَدِّ أن لا يخطىء - هكذا قال الحرالي، والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد كائناً ما كان، لأن ذلك أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان. قال في القاموس: والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد، جمعه خطايا، وقرىء شاذاً: خطيئاتكم، بالجمع السالم الدال على القلة إشارة إلى أنّها وإن تكاثرت فهي في جنب عفوه قليل، وهذا بخلاف الأعراف فإن السياق هناك لبيان إسراعهم في الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وناسب عدّ النعم العطف على ما تقدم منها بقوله: {وسنزيد المحسنين *} أي بعد غفران ذنوبهم. قال الحرالي: جمع محسن من الإحسان

وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه، ورؤية العبد ربّه في عبادته، فالإحسان فيما بين العبد وربّه أن يغيب عن نفسه ويرى ربه، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن غيره ويرى نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير ولم ير نفسه في عبادة الرب فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى. ولمّا كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضياً للعاقل المبادرة إلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه النعمة العظيمة ولم يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في الحديث «يزحفون على أستاههم قائلين: حبة في شعرة» أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في الغرائر مطلوبنا لا الحطة وهي غفران

الذنوب. قال الحرالي: أمروا بالإخلاص لله نظراً إلى حياة قلوبهم فطلبوا الحنطة نظراً إلى حياة جسومهم فقال تعالى {فبدل} من التبديل وهو تعويض شيء مكان شيء - انتهى. {الذين ظلموا} وأسقط: منهم، لما يأتي في الأعراف {قولاً} أي مكان القول الذي أمروا به. ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير لكنه يصدق بأدنى تغيير ولو أنه في اللفظ وإن اتّحد المعنى بيّن أنه مضاد له بحيث لا يمكن اجتماعهما بقوله: {غير الذي قيل لهم} فإن غيراً كما قال الحرالي

كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى، وقال: ذكر تعالى عدولهم عن كل ذلك واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها التقدير وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهاراً لبلادة طباعهم وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلاّ الله وهي الحطة بطلب الحنطة {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}

[المائدة: 66] {ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف: 96] «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» انتهى. وبيّن أنه خصّ المبدلين بالعتاب نعمة منه مع أن له أن يعم فقال {فأنزلنا} أي بعظمتنا بسبب ذلك {على الذين ظلموا} أي خاصة {رجزاً} قال الحرالي: هو أشد العذاب، وما جره أيضاً يسمى رجزاً مما يجب

أن يزجر عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى. ولما كان الإنزال مفهماً للسماء حققه تعظيماً له بقوله: {من السماء بما} أي بسبب ما {كانوا يفسقون *} أي يجددون الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت. ففي إفهامه أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون يظلمون أشد منه كما يأتي. قال الحرالي: فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في وصيدها: لا إله إلاّ الله، ليحط عنه ماضي ذنوبه، فكأنّ ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله مذكياً دخله فاسقاً {لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} [الأنعام: 121] فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق - انتهى.

60

ولما بين سبحانه نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها والتمتع بمنافعها وختمه بتعذيبهم بما يميت أو يحرق وتبين من ذلك كله أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في قصة البقرة وأنها لا منفعة فيها اتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد ويحيي الأجساد فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم نفعه وأنقذهم من الموت تبعة ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة الصانع وعلمه جمعاً لهم بذلك بين نعمتي الدين والدنيا فقال تعالى {وإذ استسقى} أي طلب السقيا. قال الحرالي: والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما يحصل به الري من السقي والسقي إحياء موات

شأنه أن يطلب الإحياء حالاً أو مقالاً؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم اسق عبادك! ثم قال: وأحي بلدك الميت» انتهى. {موسى لقومه} أي لما خافوا الموت من العطش {فقلنا} أي بما لنا من العظمة حين خفيت عنهم {اضرب} قال الحرالي: من الضرب وهو وقع الشيء على الشيء بقوة {بعصاك} والعصا كأنها ما يكف به العاصي، وهو من ذوات الواو، والواو فيه إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية، كأن العصو أدب العصي، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا اشتقاق ثان، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى. {الحجر} أي جنسه فضرب حجراً {فانفجرت} وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق لاجتماعهما في الخروج عن محيط،

هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت. قال الحرالي: الانفجار انبعاث وحي من شيء موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى. ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة، ولما لم يكن {منه} أي الحجر الذي ضربه {اثنتا عشرة عيناً} لكل سبط عين، والعين قال الحرالي هو باد نام قيم يبدو به غيره،

فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين، يقال إن العين مطر أيام لا يقلع وإنما هو مطر يغني وينجع، وما تبدو به الموزونات عين، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين، وما تنال به الأعيان من الحواس عين، والركية وهي بئر السقيا عين، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول: الركبة - بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركيّة - بالياء المشددة - كذا قال، وقد ذكر أهل اللغة عين الرُكبة؛ وعدّ في القاموس المعاني التي لهذا اللفظ نحو أربعين، منها نقرة الركبة

أي بالموحدة، ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة. ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم معروفة أو ملبسة قال {قد علم كل أناس} أي منهم. قال الحرالي: وهو اسم جمع من الأنس - بالضم، كالناس اسم جمع من النوس، قال: فلم يسمهم باسم من أسماء الدين لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمّين بها من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع {مشربهم} مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو اسم محل يلزمه

التكرار عليه والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر، فكان فيها نقمة ورحمة؛ وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنياً في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر، وتمليك الماء من أعظم التمكين، لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - انتهى. يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الماء من بين أصابعه، ودون ما نبع بوضع أصحابه سهماً من سهامه في بئر الحديبية وقد كانت لا ماء فيها، ونحو ذلك كثير. ولما كان السياق للامتنان وكان الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال زيادة على ما في الأعراف ممتناً عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير القول لأنه معلوم تقديره {كلوا واشربوا من رزق الله}

أي الذي رزقكموه من له الكمال كله من غير كد ولا نصب. قال الحرالي: لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم الله الذي هو غيب {ولا

تعثوا} من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء، إن العثو إفساد أهل القوى بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى. {في الأرض} أي عامة، لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة. واتباع ما معناه الفساد قوله {مفسدين} دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فساداً قاصدين به الفساد، فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد، لكن قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون صلاحاً في المعنى، كما فعل الخضر عليه السلام في السفينة والغلام، وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا كذلك، سيأتي له في سورة هود عليه السلام إن شاء الله تعالى مزيد بيان. قال الحرالي: وفيه إشعار

بوقوع ذلك منهم، لأن في كل نهي إشعاراً بمخالفته، إلا ما شاء الله، وفي كل أمر إشعاراً بموافقته إلا ما شاء الله، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء إجباره فيه طبعاً عن أمره، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن أمره، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص، فكان منهم لذلك من العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم فكيف بالمؤمنين منهم

فكيف بالأنبياء منهم - انتهى. ولما امتنّ عليهم بهذه النعمة العظمة من أكل المن والسلوى وشرب هذا الماء الرباني بين أنهم كفروها بالتضجر منها وطلب غيرها وبالتيه كان قريباً منها بل كما أن هذه في غاية العلو كان مطلوبهم في غاية الدناءة والسفول فقال تعالى {وإذ قلتم} أي بعد هذه النعم كلها {يا موسى} منادين له باسمه من غير تعظيم {لن نصبر} أي طويلاً {على طعام} قال الحرالي: الطعام ما يقوت المتطعم ويصير جزاء منه {فلينظر الإنسان إلى طعامه *} [عبس: 24] الآية - انتهى. {واحد} أي لا يتبدل وإن كان متعدداً

وإن كان شريفاً لا تعب فيه {فادع لنا} قال الحرالي: من الدعاء وهو نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل وافتقار وهو في مقابلة الأمر من الأعلى، لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه حاجة من الآمر لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقضيه - انتهى. {ربك} مضيفين لهذا الاسم إليه دون أنفسكم مع كثرة تجليه لكم بهذا الوصف الناظر إلى الإحسان {يخرج لنا} أي وإن كنت أنت غير ملتفت إلى ذلك {مما تنبت} من الإنبات وهو التغذية والتنمية - قاله الحرالي. {الأرض} ثم بينوا ما أرادوا بقولهم {من بقلها} أي

خضرها. قال الحرالي: البقل ما يكثر به الأدم، والأدم الأشياء الدسمة فما يصلح معها من نجم الأرض فهو بقل - انتهى. {وقثائها وفومها} أي الحنطة. وقال الحرالي: يقال هو الحب الذي يخبز - انتهى. {وعدسها وبصلها} فكأنه قيل إن هذا العجب منهم فما قال؟ فقيل قال {قال} منكراً عليهم {أتستبدلون} أي أتأخذون {الذي هو أدنى} أي منزلة {بالذي هو خير} أي بدله. فالباء داخلة هنا على المتروك وهذه المادة أعني الباء والدال المهملة واللام بهذا الترتيب لها استعمالات كثيرة يختلف معناها معها فيشكل فهمها بسبب ذلك، فإنه قد يذكر معها المتقابلان فقط، وقد يذكر معها غيرها، وقد لا يكون كذلك، وقد يكون ذلك مع التبدل والاستبدال مصحوباً أحدهما بالباء، وقد لا يكون كذلك، وقد يذكران مع التبديل والإبدال، وتارة تكون الباء داخلة على المتروك، وتارة على المأخوذ، وقد يعدي الفعل بنفسه إلى المفعولين، وتارة يقتصر به على مفعول واحد؛ ولبعض الاستعمالات

معنى غير معنى الآخر وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في سورة سبأ فكأنه قيل: فهل أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل: نعم، قال {اهبطوا مصراً} أي من الأمصار، قال الحرالي: المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا الذي يجمع هذه المطالب التي طلبوها لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها، ومنه سميت مصر لجماع أمر ما في الدنيا فيها

وغرابة سقياها، وإن وافق ذلك ما يقال إنها سميت مصر باسم رجل فالوفاق في حكمه الله، لأن كل دقيق وجليل فيها جارٍ بعلم الله وحكمته حيث كانت من وراء حجاب يخفيها أو ظاهرة بادية لأهل النظر والاستبصار - انتهى. {فإن لكم} أي فيه {ما سألتم} وينقطع عنكم المن والسلوى، والسؤال قال الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به الكفاية، قال: وذكر تعالى أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر فيها حكمته لا في المفاوز التي تظهر فيها كلمته، ولذلك كثيراً ما تنخرق العدة لأولياء هذه الأمة في المفاوز وقل ما تنخرق في الأمصار والقرى، لما في هذه الآية مضمونة، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر، لما يجدون في ذلك من روح رزق الله عن كلمته دون كلفة حكمته. ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السلام ما كان من نبأهم مع يوشع

عليه السلام بعده نظم في هذه الآية بخطاب موسى عليه السلام ما كان منهم بعد يوشع عليه السلام إلى آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن المظاهرة لنبيهم إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم عليهم السلام، وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها على الآخرة إيثاراً للعاجلة على الآجلة، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفاً إن شاء الله تعالى - انتهى. ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف عليه قوله {وضربت عليهم الذلة} ملازمة لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما يحيط البيت المضروب على الإنسان به، وهي اسم من الذل وهو صغار في النفس عن قهر وغلبة. قال الحرالي: وفي

عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة غايتها في الظهور ما عطف عليها كأن الخطاب يفهم فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل حالهم فظهر منهم وجوه من الفساد، فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم من شاء الله ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى. {والمسكنة} أي كذلك مناسبة لخساسة ما سألوه. قال الحرالي: وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة سكوناً وانكفاف حراك - انتهى. {وباؤوا} أي رجعوا وكانوا أحقاء {بغضب}

من باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له. قال الحرالي: معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى. {من الله} الملك الأعظم لجرأتهم على هذا المقام الأعظم مرة بعد مرة وكرة إثر كرة. قال الحرالي: وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم من مثل أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام والمتشابه بالأعلى من الطيب والأطيب المأخوذ عفواً واقتناعاً - انتهى. ثم ذكر سبب هذا وقال الحرالي: ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم ذكر فعلهم - انتهى. فقال {ذلك} أي الأمر العظيم الذي حل بهم من الغضب وما معه، ويجوز أن يرجع إلى اهتمامهم بأمر معاشهم وعنايتهم بأحوال شهواتهم على هذا النحو الأخس الأدنى {بأنهم} أي بسبب أنهم

{كانوا} أي جبلة وطبعاً {يكفرون} أي مجددين مستمرين {بآيات الله} أي يسترون إذعانهم وتصديقهم بسبب آيات الله الذي له جميع العظمة كتماناً عمن لا يعلم الآيات وتلبيساً، وكان تجديد ذلك والإصرار عليه ديدناً لهم وخلقاً قائماً بهم. قال الحرالي: والكفر بالآيات أبعد الرتب من الإيمان، لأنه أدنى من الكفر بالله، لأن الكفر بالله كفر بغيب والكفر بآيات الله كفر بشهادة {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة *} [البلد: 19] انتهى. {ويقتلون النبيين} أي كان ذلك جبلة لهم وطبعاً. قال الحرالي: وهذا جمع نبيء وهو من النبأ وهو الإخبار عن غيب عجز عنه المخبر به من حيث أخبر - انتهى.

ولما كان النبي معصوماً ديناً ودنيا قال {بغير الحق} أي الكامل تنبيهاً على أن قتله لا يقع إلا كذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون ثم شبهة كظن التنبؤ فالذم على الإقدام على إراقة الدم بدون الوضوح التام وفاقاً لنهي. {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الإسراء: 33] فهو أخف مما في آل عمران. ثم علل هذه الجرأة فقال {ذلك} أي الأمر الكبير من الكفر والقتل الذي هو من أعظم الكفر {بما عصوا} وهو من العصيان. قال الحرالي: وهو مخالفة الأمر - انتهى. {وكانوا} أي جبلة وغريزة {يعتدون} أي يتجاوزون الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه ومرن فاجترأ على العظائم. قال الحرالي:

وهو أي الاعتداء تكلف العداء، والعداء مجاوزة الحد، فيما يفسح فيه إلى حد لا عذر لمجاوزه من حيث فسح له سعة ما فسح وحُدّ له ما حُدّ - انتهى. وقد جاء نظم هذه الآيات من قصصهم على غير ترتيبها في الوجود، وفي التوراة لما ذكرت من هذه المناسبات العظيمة والله أعلم شرح أمرها من التوراة قال في آخر السفر الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود الآن في هذا القرن التاسع فيما قرأته في نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك وعليها آثار قراءتهم لها وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم قابلتها بالمعنى كما مضى مع شخص منهم وكان هو القارىء ما نصه: وهذه مظاعن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون عليهما السلام وكتب موسى مخارجهم ومراحلهم عن قول الرب ظعنوا من رَعَمْسِيس - وفي نسخة: من عين شمس - في خمسة عشر يوماً من الشهر الأول من غد الفِصح - وفي نسخة:

بعد الفصح بيوم - والمراد بالشهر الأول عندهم نيسان وهو شهر الفريك، وخرج بنو إسرائيل بقوة عظيمة تجاه جميع أهل مصر كانوا مشاغيل بدفن الأبكار الذين قتلهم الرب، وبما انتقم الرب من آلهتهم، فظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وفي نسخة: عين شمس - ونزلوا ساحوت وارتحلوا من ساحوت ونزلوا آثمْ - وفي نسخة: آثام - التي في أقاصى المفازة وظعنوا من آثام ونزلوا في فوهة الخندق الذي في جبال بَعَلصَفُون ونزلوا بإزاء مغدول - وفي نسخة: مجدول - وارتحلوا من فوهة الخندق وجازوا في وسط البحر إلى القفر - وفي نسخة: بين البحر والقفر - وساروا مسيرة ثلاثة أيام في برية اثام ونزلوا مرراً - وفي نسخة: المُرَيرة - وأتوا آليم وفي نسخة: ونزلوا في المراير وارتحلوا من

المراير وصاروا إلى آليم - وكان في آليم اثنتا عشرة عيناً من ماء وسبعون نخلة ونزلوا هناك على الماء، وارتحلوا من آليم ونزلوا ساحل بحر سوف - وفي نسخة: على البحر الأحمر - وظعنوا من شاطىء بحر سوف - وفي نسخة: من البحر الأحمر - وفي أخرى: بحر القلزم - ونزلوا برية سينين وارتحلوا من قفر سينين ونزلوا ذِفقاً وظعنوا من ذِقفاً ونزلوا آلوش وارتحلوا من آلوش ونزلوا رفيدين - وفي نسخة: رفيديم - ولم يكن هناك ماء يشرب الشعب وظعنوا من رفيدين - وفي نسخة: رفيديم - فنزلوا برية - وفي نسخة: قفر سيناء - وظعنوا من قفر سيناء ونزلوا الموضع المعروف بقبور الشهوة وارتحلوا من مقبرة الشهوة - وفي نسخة: قفر قبور الشهوة - فنزلوا حصروث وظعنوا من حصروث فنزلوا رثما -

وفي نسخة: الرامة - وارتحلوا من رثما - وفي نسخة: الرامة - فنزلوا رِمُون فيرص. وقال في السفر الثاني عند ذكر الإنعام عليهم باستنقاذهم من أيدي القبط بتلك الآيات العظيمة التي ستشرح إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف فقال موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من ههنا بيد منيعة فلا يؤكل الخمير في هذا اليوم وهو ذا أنتم خارجون في شهر الفقاخ - وفي نسخة: الفريك - فإذا أدخلكم الرب إلى أرض الكنعانيين والحيثانيين والأمورانيين والجاوانيين واليابسانيين والفرزانيين كالذي أقسم لآبائكم أن يعطيكم الأرض التي تغل السمن والعسل، تعملون هذا العمل في هذا الشهر، كلوا الفطير سبعة أيام ولا يوجدن الخمير عندكم؛ وتعلمون أبناءكم في ذلك اليوم وتقولون لهم إن الله فعل بنا هذا الفعل إذ أخرجنا من أرض مصر، وليكن ذلك آية على يدك وعلامة بين عينيك لتكون سنة الرب وشريعته على لسانك لأن الرب أخرجك من مصر بيد عزيزة منيعة واحتفظ بهذا وهذه الوصية من

سنة إلى سنة في وقته، وإذا أدخلك الرب إلى أرض الكنعانيين التي أقسم لك ولآبائك أن يعطيكها فميز كل ذكر بفتح الرحم للرب وكل ذكر من البهائم التي تكون لك يفتح الرحم يكون خاصة للرب تفتديه بحمل، فإن لم تفتده فاذبحه، وتفتدي كل بكر ذكر من أولادك، فإذا سألك ابنك غداً وقال لك: ما هذا العمل؟ فقل: إن الرب أخرجنا من أرض مصر من العبودية والرق بيد منيعة عزيزة، لأن فرعون قسا وفظَّ وأبى أن يرسلنا، فقتل الرب جميع أبكار أرض مصر من بكر البشر إلى بكر البهائم، فمن أجل ذلك أذبح للرب كل ذكر بفتح الرحم وأفتدي جميع أبكار ولدي، فيكون ذلك علامة على يدك وذكراً بين عينيك، لأن الرب أخرجك من مصر بيد منيعة عزيزة. فلما أرسل فرعون الشعب وانطلقوا لم يرسلهم الله تعالى في طريق أرض فلسطين، لأنه كان قريباً ولأن الله قال: لعل الشعب إذا ما عاينوا القتال أن يخافوا ويرهبوا فيرجعوا إلى مصر، فساس الله الشعب في طريق برية بحر سوف، وخرج بنو إسرائيل من أرض مصر وهم متسلحون، وحمل موسى عليه السلام عظام يوسف عليه السلام معه، لأنه أقسم على

بني إسرائيل بأيمان وقال: إن الله سيذكركم فأصعدوا عظامي معكم من ههنا، فظعنوا من ساحوت ونزلوا آثام التي في أقطار البرية، وكان الرب يسير أمامهم بالنهار في عمود السحاب ليسكنهم في الطريق وبالليل في عمود نار ليضيء لهم وكان يسير أمامهم بالليل والنهار، ولم يكن عمود الغمام يزول بالنهار وعمود النار بالليل من بين يدي الشعب، وكلم الرب موسى وقال له: قل لآل إسرائيل أن يرجعوا فينزلوا على شاطىء الخندق وما بين مغرول والبحر أمام بعلصفون، انزلوا هناك إزاء البحر حتى يقول فرعون إن بني إسرائيل غرباء في الأرض، فيظن أنهم قد تاهوا في القفر وأن البر قد انغلق عليهم؛ وقال الرب لموسى: أنا أقسي قلب فرعون فيسير في طلبكم فأمجد بفرعون وجميع جنوده، فيعلم أهل مصر أني أنا الرب، ففعلوا كذلك؛ فأسف فرعون وعبيده لإرسال الشعب وندموا، فألجم خيله وسار في جميع شعبه وظعن في ستمائة ألف راكب مختارة وجميع مواكب المصريين أيضاً والرجال - وفي نسخة: والقواد - على جميعها، فسار المصريون في طلبهم فرهقوهم وهم حلول على المهرقان، فقرب فرعون ورفع بنو إسرائيل أبصارهم فرأوا المصريين وهم في

طلبهم فخافوا خوفاً شديداً، فصلى بنو إسرائيل بين يدي الرب وقالوا لموسى: ألقلة القبور بمصر أخرجتنا لنموت في البرية؟ لم فعلت بنا هذا الفعل وأخرجتنا من مصر؟ أليس هكذا كنا نقول لك ونحن بمصر: دعنا نتعبد للمصريين كان خيراً لنا أن نتعبد للمصريين من الموت في هذا القفر؟ فقال موسى للشعب: لا خوف عليكم! انتظروا فأبصروا خلاص الرب إياكم في هذا اليوم، لأنكم عاينتم المصريين يومنا هذا، لا تعودون أن تعاينوهم أيضاً إلى الأبد، والرب يجاهد عنكم إذ أنتم في هدوء وطمأنينة؛ فصلى موسى بين يدي الرب فقال: مُر بني إسرائيل أن يظعنوا وأنت فارفع عصاك واضرب ماء البحر، فيسير آل إسرائيل في البحر في اليبس، وها أنا ذا أقسي قلوب المصريين وأغلظها ليتبعوهم، فأمجد بفرعون وبجميع جنوده وبمواكبه وفرسانه، فيعلم أهل مصر أني أنا الرب إذا مجدت بفرعون وبجميع جنوده، فظعن ملك الله الذي كان يسير أمام عسكر بني إسرائيل فصار على ساقتهم، فاحتمل السحاب الذي كان أمامهم فوقف خلفهم ودخل بين عسكر المصريين ومحلة بني إسرائيل، وكان السحاب والحِنْدِس تلك الليلة بأسرها وكان الضياء والنور لبني إسرائيل تلك الليلة كلها، فلم يقدروا على الدنو إليهم تلك الليلة. فرفع

موسى يده على البحر فزجر الرب البحر بريح سموم - وفي نسخة: قَبول عاصف - أليل أجمع، فصير ماء البحر في اليبس، وانقسم الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر في اليبس، فصارت المياه كالسور بين ميامنهم ومياسرهم، فسار المصريون فدخلوا في طلبهم فصار خيل فرعون وجميع مواكبه في البحر، فلما كان عند حريم الغداة تراءى الرب لعسكر المصريين في عمود نار ومزنة غمامة، فأرجف عسكر المصريين وأفتنه وربط مواكبهم وحبسها وجعلوهم يُعنقون بالسير عليها، فقال المصريون: سيروا بنا لنهرب بين يدي آل إسرائيل، لأن الرب حارب عنهم بمصر، فقال الرب لموسى: ابسط يدك على المهرقان فتؤول المياه على المصريين فتطفح على مواكبهم وفرسانهم، فرفع يده على البحر، فرجع البحر عند وقت الغداة إلى موضعه والمصريون جعلوا يهربون إزاءه، فعذب الرب المصريين في البحر وأكذبهم، فجرت المياه وطفت على المواكب والفرسان وعلى جميع جنود فرعون الذين دخلوا في البحر في طلبهم، ولم ينج منهم واحد، فخلص آل إسرائيل في ذلك اليوم من أيدي المصريين، فنظر بنو إسرائيل إلى المصريين موتى على شاطىء المهرقان، وعاين آل إسرائيل النقمة العظيمة التي أنزلها الله بالمصريين،

وخاف الشعب الرب وآمنوا به وصدقوا قول موسى عبده، حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح وقالوا: نسبح الرب ذا الجلال الذي تعالى على المواكب وغرق فرسانها في البحر المنيع، والمحمود الرب الأزلي، فكان لي منجياً، هذا إلهنا فلنحمده ولنمجده، إله آبائنا فلنعظمه ولنجله، الرب ذو الملاحم، جبار اسمه، لأنه قذف بمواكب فرعون وجنوده في البحر وغرق جبابرة في بحر سوف وغطتهم الأمواج وهبطوا في القعر فرسبوا مثل الجنادل، يمينك يا رب بهية بالقوة، يمينك يا رب أهلكت أعداءك بعظم عزك، كبت شانئك أرسلت غضبك فأحرقهم كالسهم بريح وجهك، وأمرك جمدت المياه ووقف جريها كأنه الأطواد، ورسب الأغمار في قعر البحر كالرصاص في الماء المنيع؛ فمن مثلك ومن يفعل كأفعالك أيها البهي في قدسه المرهوب المحمود مظهر العجائب، سُسْتَ بنعمتك هذا الشعب الذي خلّصت، فبلغ ذلك الشعوب فارتجفوا وقلقوا وغشي الخوف والرعب سكان فلسطين، عند ذلك ذعر أشراف ادوم وغشى الرعدة والارتعاش رجال مؤاب وانكسر جميع سكان كنعان فانهزموا فلينزل بهم الخوف والقلق والرجفة بعظمة ذراعك، يغرقون كالجنادل حتى يجوز شعبك الذي خلّصت،

تقبل بهم فتقدسهم في جبل ميرانك، الرب يملك إلى أبد الآبدين؛ وظعن موسى ببني إسرائيل من بحر سوف، فخرجوا حتى انتهوا إلى برية أسود، ثم ساروا في البرية مسيرة ثلاثة أيام فلم يجدوا هناك ماء، ثم انتهوا إلى مورّث فلم يقدروا على أن يشربوا ماء مورث، لأنه كان مُرّاً فتذمر الشعب على موسى وقالوا له: ما الذي نشرب الآن؟ فصلى موسى بين يدي الرب، فأظهر الرب له عوداً فألقاه في الماء، فعذب الماء هناك، علمه السنن والأحكام، فأتوا حتى انتهوا إلى آليم وكان هناك اثنتا عشرة عيناً من ماء وسبعون نخلة فنزلوا هناك على الماء، ثم ظعنوا من آليم فأتوا برية سينين التي بين آليم وسينين في خمسة عشر من الشهر الثاني من الزمان الذي خرجوا من مصر، فتذمر جميع جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون وقالوا لهما: قد كنا نحب أن نتوفى في أرض مصر إذ كنا جلوساً بين أيدينا مراجل اللحم وكبار الخبز ونفضل فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتقتلا جماعة بني إسرائيل بالجوع! فقال الرب لموسى: ها أنا ذا مهبط لكم الخبز من السماء فليخرج الشعب

فليلتقطوا طعام يوم بيوم لكي أمتحنهم هل يسيرون بوصاياي وسنني ويحفظونها أم لا، فإذا كان اليوم السادس فليعدوا فضلاً على ما يأتون به وليكن ذلك ضعف ما يلتقطون في كل يوم، فقال موسى وهارون لجميع بني إسرائيل عند الأصيل: تعلمون أن الرب أخرجكم من أرض مصر وبالغداة تعاينون مجد الرب، لأن تذمركم بلغ الرب، ونحن فمن نحن إذ تتذمرون علينا، وقال لهم موسى: إن الرب قد أعطاكم لحماً عند الأصيل لتأكلوا ورزقكم خبزاً بالغداة لتشبعوا، لأنه قد بلغ الرب تذمركم الذي تراطنون عليه، ونحن فمن نحن وليس إنما تتذمرون علينا بل على الرب، وقال لهارون: مر جميع جماعة بني إسرائيل أن يدنوا فيقفوا بين يدي الرب، فلما قال هارون ذلك لجميع جماعة بني إسرائيل التفتوا فإذا مجد الرب قد اعتلن في السحاب وقال الرب لموسى: قد بلغني تذمر بني إسرائيل فقل: عند مغارب الشمس تأكلون اللحم وبالغداة شرقاً تشبعون من الخبز فتعلمون أني أنا الرب إلهكم، فلما كان عند الأصيل صعدت السُماني فتغشت العسكر، وكان بالغداة ضبابة تقطر المن فأحاطت بالعسكر،

فارتفعت الضبابة فإذا على وجه الأرض دقيق يتقشر وكان شبه صفائح الجليد على الأرض، فقال موسى: هذا الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا، وهذا قول الرب الذي أمر به ليلتقط المرء منه على قدر قوته مكيالاً لكل نفس على عدد رؤوسكم ليأخذ المرء لكل من كان في خيمته، فصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى والتقطوا، فمنهم من أخذ كثيراً ومنهم من تناول قليلاً وكالوا ذلك، فلم يفضل الذي أخذ الكثير والذي أخذ القليل لم يعدمه، فقال لهم موسى: لا تبقين منه للغد شيئاً، فلم يطيعوا موسى فأفضل رهط منهم للغد، فدب فيه الدود وأنتن، فغضب موسى، فجعلوا يلتقطونه في كل غداة كل امرىء على قدر قوته، وكان إذا حميت عليه الشمس يميع، فلما كان اليوم السادس التقطوا من الخبز ضعفي ما كانوا يتناولون كل رجل مكيالين، فأتى جميع أشياخ الجماعة فأخبروا موسى، فقال لهم: هكذا قال الرب، إن السبت راحة ودعة وغداً يوم قدس الرب؛ وقال في موضع آخر: لا تعملوا فيه عملاً بل يكون سبتاً للرب في جميع مساكنكم، وكل ما أردتم أن تختبزوه فاخبزوه واطبخوا ما أردتم طبخه واحتفظوا بما تفضلون بارداً للغد، فأبقوا منه للغد كما أمر موسى، فلم ينتن ولم يدب فيه الدود فقال لهم موسى:

كلوه يومكم هذا، لأن اليوم يوم سبت للرب ولستم تقدرون عليه اليوم في الحقل، كونوا تلتقطونه ستة أيام واليوم السابع هو سبت لا يؤخذ فيه، فلما كان اليوم السابع خرج رهط من الشعب ليلتقطوا فلم يجدوا فقال الرب لموسى: حتى متى يأبوا أن يقبلوا وصاياي وسنني، فاستراح الشعب في اليوم السابع، فسماه بنو إسرائيل المن وهو كحبة الكزبرة وطعمه كشهد العسل. وقال في السفر الرابع: والمن كان يشبه حبة الكزبرة وكان منظره أبيض كالمها، وكان الشعب يترددون ويلتقطونه ويطحنونه في الرحى ويهرسونه في المهراس ويطبخونه في القدور ويصيرون منه مليلاً ويصيّر طعمه مثل طعم الخبز الذي يعجن دقيقه بالزيت. رجع إلى الثاني قال: فأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة ولم يزالوا يأكلون المن حتى انتهوا إلى أقطار الأرض ذات السكنى وحتى انتهوا إلى أقطار أرض كنعان، وكان ذلك المكيال عشر جريب أي عشر ويبة، وإن جماعة بني إسرائيل ظعنوا من برية سينين في مظاعنهم كما أمر الرب فوردوا رفيدين ولم يكن للشعب ماء يشربون، فضج الشعب على موسى

وقالوا له: أعطنا ماء لنشرب، فقال: ما بالكم تضجون وكم تجربون الرب؟ واشتد عطش الشعب هناك فتذمّروا على موسى وقالوا له: لم أصعدتنا من أرض مصر لتقتلنا وأبناءنا ومواشينا بالعطش؟ فصلى موسى أمام الرب وقال: ما أصنع بهذا الشعب؟ إنهم كادوا أن يرجموني، فقال الرب لموسى: جُز قدام الشعب وانطلق ببعض أشياخ بني إسرائيل والعصا التي ضربت بها البحر ففلقته، خذها بيدك وانطلق وها أنا ذا واقفاً بين يديك على حجر الظِرّان بَحوْرِيب فاضرب عند ذلك الظران فيخرج الماء ويشرب الشعب، فصنع موسى هذا الصنيع بين أشياخ بني إسرائيل، فسمى ذلك الموضع التجريب والتذمر، لأن بني إسرائيل تنازعوا واصطخبوا ولأنهم جربوا الله وقالوا: هل الله بيننا أم لا؟ ولما كان في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من مصر انتهوا إلى برية سيناء إذ ظعنوا من رفيدين فأتوا برية سيناء وحل هناك إسرائيل قبالة الجبل، فصعد موسى إلى الجبل فدعاه الله من الجبل وقال: هكذا قل لآل يعقوب: قد رأيتم ما صنعت بالمصريين وحملتكم كأنكم على أجنحة النسور وأقبلت بكم إليّ، فإن أنتم الآن أطعتم قولي وحفظتم عهدي فأنتم أحبّ إليّ من

جميع شعوب الأرض، فأتى موسى فدعا بأشياخ الشعب فقص عليهم جميع هذه الآيات التي أمره بها الرب، فأجاب الشعب كلهم جميعاً وقالوا: نحن فاعلون جميع ما أمرنا به الرب، فرد موسى جواب الشعب على الرب فقال الرب لموسى: ها أنا ذا مناجيك في سحابة مظلمة لكي يسمع الشعب كلامي إذا كلمتك فيقبلوا كلامك ويصدقوك إلى الأبد، فقال الرب لموسى: انطلق إلى الشعب وطهرهم اليوم وغداً وليبيضوا ثيابهم ويرحضوها وليستعدوا في اليوم الثالث فناشد الشعب وتقدم إليهم وقل لهم: احذروا أن تصعدوا إلى الجبل ولا تقربوا إلى حافاته، ومن دنا من الجبل فليقتل ولا تصيبه أيدي الناس بل يرجم رجماً ويقذف به إلى أسفل به بهيمة كان أو إنساناً، فإذا صمتت أصوات القرون فأنتم في حل من الصعود إلى الجبل، فهبط موسى من الجبل إلى الشعب فطهر الشعب وبيضوا ثيابهم، وقال موسى للشعب: كونوا مستعدين في اليوم الثالث، لا تقتربن إلى امرأة، فلما كان في اليوم الثالث باكروا غلساً، فإذا هم بأصوات قرون وبروق وإذا هم أيضاً بسحابة عظيمة قد حلت على الجبل، فاشتد صوت القرن جداً واشتد فزع من كان في العسكر، وأخرج موسى الشعب إلى لقاء الرب من العسكر فقاموا في حافات الجبل وكان جبل سيناء يخرج منه القُتار والدخان، لأن الرب هبط عليه بالنار وارتفع غباره كغبار الأتون وتزلزل الجبل زلزلة شديدة واشتد صوت القرن، ودعا الرب

موسى إلى رأس الجبل، فصعد موسى وقال له الرب: انزل فأنشد بني إسرائيل وإنذرهم أن لا يتزحزحوا عند النظر بين يدي الرب فيهلك منهم كثير، وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح ويسمعون أصوات القرون ويرون الدخان يخرج من الجبل. فرأى ذلك الشعب ففزعوا ووقفوا من بعيد وقالوا لموسى: كلمنا أنت حتى نسمع ولا يكلمنا الله لكيلا نموت، فقال موسى: لا خوف عليكم، لأن الله إنما كلمكم ليمتحنكم ويجربكم لكي تخافوه وترهبوه ولا تخطئوا ولا تأثموا، فوقف الشعب من بعيد ودنا موسى من الضباب التي اعتلن الله فيها، وقال الرب لموسى: هكذا قل لآل إسرائيل: قد رأيتم وعلمتم أني كلمتكم من السماء، لا تتخذوا معي آلهة من ذهب ولا تعملوا لكم آلهة من فضة، ثم قال: ها أنا ذا مرسل إليك الملك بين يديك ليحفظك في سفرك ويوردك البلد الذي أتقنت - وفي نسخة: الذي هيأته - فاحذره واسمع منه، لأن اسمي حالُّ عليه، فإن أنت قبلت قوله وأطعت أمره وعملت بكل ما يأمرك به أبغض مبغضيك ويسير ملكي أمامك فيدخلك على الأمورانيين - وذكر بعدهم خمس فرق - فأقتلهم وأبيدهم وأرسل الرعب والخوف والجزع بين يديك وأبيد جميع الشعوب الذين تسير إليهم ولا أبيدهم في سنة واحدة لكي لا تخرب الأرض بل رويداً رويداً حتى تعتز - وفي نسخة: تكثر - فتصير ذا بطش فترث الأرض واجعل

تخومك من بحر سوف إلى فلسطين ومن البرية حتى النهر - وفسره في موضع آخر بالفرات - وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل أنت وهارون وناذاب وآبِيهُوا وسبعون رجلاً من أشياخ بني إسرائيل ويسجدون من بعيد، ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون ولا يصعد الشعب معه. فجاء موسى وقص على الشعب جميع عهود الرب وجميع أحكامه، فنادى الشعب كلهم بصوت عال وقالوا: نحن نفعل ما أمرنا الرب، وكتب موسى جميع كلام الرب، وغداً باكراً فبنى مذبحاً في حافة الجبل ونصب اثنتي عشرة نصبة لأسباط بني إسرائيل - ثم ذكر ذبائح وقرابين وغير ذلك ثم قال: ثم أخذ سفر العهد فتلاه على الشعب، فقالوا: نحن سامعون فاعلون ما أمرنا به الرب، فتناول موسى ذلك الدم - يعني دم القربان - فرشه على الشعب وقال: هذا دم العهد الذي عاهدكم في جميع هذه الأقاويل، وصعد موسى ومن ذكر معه ثم تركهم في مكان من الجبل ثم قال لهم امكثوا ههنا، فصعد موسى إلى الجبل وتغشاه السحاب وحل مجد الله على جبل سيناء وستره السحاب ستة أيام، ودعا الرب موسى في اليوم السابع من جوف السحاب ونظر إلى مجد الرب مثل نار تتوقد في رأس الجبل أمام جميع

بني إسرائيل، فدخل موسى في جوف السحاب وصعد إلى الجبل فمكث موسى في الجبل أربعين يوماً نهاراً وأربعين ليلة، وكلم الرب موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: فليخصوا لي تزكية أموالهم، وخذ ذلك من كل رجل بلغ أشده - ثم ذكر الأموال التي تزكى إلى أن قال: ويتخذون لي مظهراً حتى أحل بينهم كل شيء أريكه شبه القبة وجميع متاعها كذلك فليصنعوه - ثم قال: واعمل على المثال الذي أريكه في الجبل وليتخذوا تابوتاً من خشب الشمشاد طوله ذراعان ونصف وسمكه ذراع ونصف، وصفّحه بصفائح الذهب الإبريز من داخله ومن خارجه، واتخذ له طوقاً من ذهب يحيط به، وضع له أربع حلقات من ذهب وسمرها في أربع زوايا التابوت حلقتين في شق واحد وحلقتين في الجانب الآخر، واتخذ أصطاراً من خشب الشمشاد وصفحها بالذهب، وصير الأصطار في الحلق في جانبي التابوت ليحل بها، وليكن الأصطار في حلق التابوت ولا ينزع منها، وتضع الشهادة التي أعطيك في التابوت، وسمي هذا تابوت الشهادة، واتخذ كروبين أي شخصين من ذهب اتخذهما مفرعين مصبوبين فيكونا على جانبي التطهير

وتكون أجنحة الكروبين مبسوطة تظل من فوق فتظل بأكنافها على التطهير، وليكن وجه كل واحد منهما إزاء صاحبه وليكن وجها الكروبين من فوق التطهير؛ وقال: واتخذ داراً للقبة من مهب الجنوب واستمر يصف له عمل هذه القبة وأعمدتها وستورها وآلاتها وخدمها وما يقرّب فيها ومحل ضربها من العسكر وعلى أيّ كيفية في نحو خمس عشرة ورقة وسماها قبة الزمان، ثم أمره تعالى في آخر هذا السفر الثاني بأشياء مما يتصل بأمتعها وسرادقاتها وغير ذلك في أزيد من عشر ورقات كما سيأتي؛ وقال في تضاعيف ذلك: وتصير الشهادة التي أعطيك في التابوت وأواعدك إلى هنالك وأكلمك فوق التطهير من بين الكروبين الذين فوق تابوت الشهادة بجميع ما آمرك في بني إسرائيل وقال: ويتخذوا هذا القربان دائماً في كل حين في أحقابكم على باب قبة الزمان قدام الرب. وأواعدكم إلى هناك لأكلمكم وأواعد بني إسرائيل إلى هناك فأتقدس بكرامتي وأحل بين بني إسرائيل فيعلمون أني أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض مصر، ثم قال: فليؤد المرء منهم الزكاة عن نفسه إذا عددتهم لكيلا ينزل بهم الوباء، ثم ذكر له تفاصيل ما يؤدى وأن الزكاة على الغني والمسكين، وكلم الرب موسى وقال له: اعلم أني قد انتخبت بَصَلْيال بن أُورِي بن حُور من سبط يهودا وأسبغت عليه روح الله وملأته من الحكمة والعلم في كل علم ليعلم الصناعات في

عمل آنية الذهب والفضة والنحاس وفي رندجة الحجارة ونظمها وكمالها وفي تجارة الخشب ليعمل كل عمل وقد ضممت إليه آلْيهبَ بن اخسَمَخ من سبط دان وأحللت الحكمة والفهم في قلوب ذوي الحكمة والعقل ليعملوا جميع ما أمرتك به من عمل قبة الأمد وتابوت الشهادة والتطهير الذي فوقها وجميع متاع قبة المائدة وجميع متاعها والمنارة وجميع آنيتها ومذبح البخور ومذبح القرابين وجميع آنيتهما والسطل وأسفله ولباس النضائد ولباس القدس لهارون الكاهن يعني الإمام وكسوة بنيه ليكهنوا ودهن المسح وبخور الطيب للقدس فليعملوا جميع ما أمرتك به - إلى أن قال: ودفع إلى موسى: لما فرغ من كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة لوحي حجارة مكتوب عليهما بيد الله، فرأى الشعب أن موسى قد أبطأ عن النزول من الجبل فاجتمع الشعب يعني وقالوا: نتخذ لنا آلهة تسير أمامنا، لأن الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض مصر لا علم لنا ما صار من أمره - فذكر اتخاذهم العجل وأنهم ذبحوا له الذبائح وجلسوا يأكلون ويشربون وقاموا يلعبون ويتسافهون وأن هارون عليه السلام ذُعر من ذلك وفزع.

وإنما لم أسُق نص التوراة عن هذا بلفظه لأن في أول عبارته ما رأيته غضاً بالنسبة إلى مقام هارون عليه السلام وحاشاه مما يوهم نقصاً فجوزت أن يكون مما بدلوه ثم تأملت ما رواه النسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون فوجدته ليس بعيداً من تأويله وقد ذكرت محل الحاجة منه في سورة طه والله الموفق؛ ثم قال فقال الرب لموسى: اهبط من ههنا لأن شعبك الذين أخرجتهم من أرض مصر أفسدوا سيرتهم وصدوا وشيكاً عن الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه فاتخذوا لهم عجلاً مفترغاً وسجدوا له بين يديه وذبحوا له الذبائح وقالوا: هذا إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من أرض مصر، وقال الرب لموسى: إني قد رأيت هذا الشعب قاسية قلوبهم فدعني الآن فيشتد غضبي عليهم فأقتلهم وأبيدهم وأصيرك إلى شعب عظيم، فصلى موسى بين يدي الإله وقال: كلا يا رب! لا يشتد غضبك على شعبك الذين أخرجتم من مصر بقوتك المنيعة وبذراعك العلية الرفيعة ولا يقول أهل مصر: إنك إنما أخرجتهم لهلاكهم لتقتلهم بين الجبال وتستأصل شأفتهم وتبيد خضراءهم عن جديد الأرض يا رب ليسكن غضبك ورجزك واغفر ذنب شعبك اذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب عبيدك والأيمان التي أقسمت بها لهم وقلت: إني مكثر نسلكم

مثل نجوم السماء وجميع الأرض التي وعدت بها نسلهم أن تعطيهموها فيرثوها إلى الأبد؛ فعفا الرب عن شعبه ولم ينزل بهم الشر، فنزل موسى وهبط من الجبل ولَوحا الشهادة في يده لَوْحان كتب عليهما في الوجهين جميعاً واللوحان من عمل الله جل ثناؤه وخط الله مكتوب عليهما، فلما دنا من العسكر نظر العجل والصنوج فاشتد غضب موسى فرمى باللوحين منْ يده فكسرهما في سفح الجبل، ثم أخذ العجل الذي اتخذوه فأحرقه بالنار وسحله بالمبرد حتى صيره مثل التراب ونثر سحالته على وجه الماء، فوقف موسى على الباب قبة الزمان وقال: من كان من حزب الله فليقل إليّ، فانحاز إليه بنو لاوى بأجمعهم فقال لهم موسى: هكذا يقول الرب إله إسرائيل ليتقلد المرء منكم سيفه وجوزوا من باب إلى باب وجولوا العسكر وليقتل المرء منكم أخاه وصاحبه وقرابته، فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى، فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو من ثلاثة آلاف رجل فقال لهم موسى: كفوا أيديكم يومكم هذا من الحمية للرب لتحل عليكم البركة يومنا هذا، فلما كان الغد من ذلك اليوم قال موسى للشعب: أنتم خطئتم وارتكبتم هذه الخطيئة العظيمة! فأما الآن فإني أصعد إلى الرب لعله أن يغفر لكم ذنوبكم وإثمكم، فرجع

موسى إلى الرب وقال: أطلب إليك بالتضرع اللهم ربي حقاً لقد أخطأ هذا الشعب وارتكب إثماً عظيماً واتخذوا آلهة من ذهب، فالآن إن أنت غفرت خطاياهم وإلا فامحني من سفرك الذي كتبت، فقال الرب: أنا أمحو من سفري من أخطأ وأذنب، فأما الآن فانطلق بهذا الشعب إلى الموضع الذي أقول لك وهذا ملاكي ينطلق أمامك إلى الأرض التي تغل السمن والعسل، لأني لا أصعد معكم؛ لأنهم شعب قاسية رقابهم ولعل غضبي أن يشتد عليهم فأقتلهم في الطريق، فسمع الشعب هذا القول الفظيع فحزنوا، فلم يتسلح المرء منهم بسلاحه، فأخذ موسى خيمته فنصبها خارجاً من العسكر وأبعدها من المحلة وسماها قبة الزمان، وكان من سأل الرب أمراً يخرج إلى قبة الزمان، وكان إذا خرج موسى إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته ينظرون إلى موسى من خلفه حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل موسى إلى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة ويكلم موسى، وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفاً على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته، وكلم الرب موسى مواجهة كما يكلم المرء أخاه وصاحبه، وكان يرجع إلى العسكر وكان خادمه يشوع بن نون الغلام لم يكن

يفارق القبة، وقال موسى للرب: أنت يا رب أمرتني أن أصعد بهذا الشعب ولم تطلعني على من ترسل معي وقلت: إني قد أطلعتك على جميع خلائقي ومجدي وظفرت أيضاً مني برحمة ورأفة، فالآن إن كنت قد ظفرت منك برحمة ورأفة فأرني طريقك حتى أعرفك، فقال الرب لموسى: سر أمامي فأواعدك وأريحك، فقال له: إن أنت لم تصعد بيننا فلا تصعدنا من ههنا، فبماذا يعرف أني قد ظفرت منك برحمة ورأقة أنا وشعبك إلا إذا سرت بيننا فنكون أنا وشعبك منفصلين معروفين من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض، فقال الرب لموسى: إني فاعل ما سألت، لأنك ظفرت مني برحمة ورأقة، وأصير اسمك معروفاً شهيراً إلى الأبد، فقال له: أرني مجدك، فقال: أنا أجيز جميع مجدي وكرامتي بين يديك ويذكر اسم الرب أمامك وأتحنن على من أردت التحنن عليه وأرحم من أردت أرحم، وقال: إنك لا تقدر على النظر إلى وجهي، لأنه لا يراني بشري فيحيا، وقال الرب لموسى: انقر لوحي حجارة مثل اللوحين الأولين اللذين كسرتهما وكن مستعداً بالغداة واصعد باكراً إلى الجبل جبل سيناء وقف هنالك على رأس الجبل، ولا يصعدن أحد معك، ولا يرى أحد في جميع الجبل، ولا ترتعي الغنم والبقر قبالة ذلك الجبل، فنقر موسى لوحين آخرين من حجارة مثل الأولين وغداً باكراً فصعد إلى طور سيناء كما أمره الرب وأخذ اللوحين في يده فنزل

استعلان الرب أمامه، فقال موسى: يا رب! اللهم ربي الرؤوف الرحيم الطويل الأناة والمهل الكبير نعمته وقسطه حافظ النعمة والعدل إلى ألف حقب وتغفر الذنوب والإثم والخطايا، فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجداً وقال: إن ظفرت يا رب منك برحمة ورأفة فليسلك الرب الآن بيننا. لأن هذا الشعب هو شعب قاسية رقابهم، واغفر ذنوبنا وخطايانا وخبث نياتنا؛ فقال له: ها أنا ذا أعهد عهداً أمام جميع الشعب وأظهر عجائب لم أظهر مثلها في الأرض كلها وفي جميع الشعوب فيرى ذلك جميع هذا الشعب الذي أنت فيه فعل الرب الذي أمرك به أنه مخوف مرهوب، احتفظ بما آمرك به في هذا اليوم، ها أنا ذا أقبل وأبيد من بين يديك من الكنعانيين - وسمى من تقدم، وكرر النهي عن السجود لغيره سبحانه، وأوصى بأشياء منها الفطير فقال: واحتفظ بعيد الفطير سبعة أيام كما أمرتك في أوان شهر الفقاج - وفي نسخة: الفريك - لأنك إنما خرجت من مصر في شهر الفقاج، ثم قال: فمكث هناك عند الرب أربعين يوماً ولياليها لم يأكل طعاماً ولم يشرب شراباً، وكتب الله على لوحي الحجارة كلام العهد وهو العشر الآيات، فلما هبط موسى من جبل سيناء كان لوحا الشهادة في يده ولم يعلم موسى أن بشرة وجهه قد جللت بالبهاء إذ كلمه الله فنظر هارون وجميع بني إسرائيل إلى وجه موسى ففزعوا أن يقتربوا

إليه، فدعاهم فأتاه هارون وجميع عظماء الجماعة وكلمهم موسى، فلما فرغ من كلامه لهم بسط على وجهه جلباباً وكان إذا دخل إلى الرب ليكلمه يسفر عن وجهه حتى يخرج، وكان يخرج فيأمر بني إسرائيل بما يؤمر به، وقال لهم: إن الرب أمر أن تعمل عملك ستة أيام واليوم السابع يكون مخصوصاً مقدساً، السبت يوم راحة قدس الرب، ومن عمل فيه عملاً فليقتل، ولا تشعلوا النار في جميع مساكنكم يوم السبت، ثم أمرهم تعالى بالزكاة من الذهب والفضة والنحاس والقز والجلود وغير ذلك وبأشياء يزيدونها في قبة الزمان في أكثر من عشر ورقات، وقال في آخر ذلك: وقال الرب لموسى: أنصب قبة الزمان في أول يوم من الشهر الأول؛ وصير تابوت الشهادة هنالك، وأسبل الجلال على التابوت - إلى أن قال: وادن بهارون وبنيه إلى باب قبة الأمد واغسلهم بالماء، والبس هارون لباس القدس وامسحه فليكهن لي، وادن بنيه وألبسهم السراويل وامسحهم كما مسحت هارون أخاك فليكهنوا لي، وليكن لهم مسحهم للكهنوت إلى الأبد لأحقابهم، فصنع موسى كما أمره الله، فلما كان أول يوم من الشهر الأول من السنة الثانية نصب القبة يوم الأحد وضرب أوتادها وركب ألواحها

وزرفن عوابرها وركز أعمدتها وستر الستر على القبة وجللها من فوقها كما أمر الرب، وتناول الشهادة فوضعها في التابوت، وصير الدهوق في التابوت، ووضع التطهير على التابوت من فوق، وأدخل التابوت إلى القبة، وأخذ حجاب وجه الباب فجلل تابوت الشهادة كما أمر الرب، ونصب المنارة عند حافات القبة مما يلي مهب الشمال خارجاً من الحجاب، ونضّد عليها صفوف الخبز بين يدي الرب كما أمر الرب موسى، ونصب المنارة إزاء المائدة في حافات القبة مما يلي مهب الجنوب، ودلوا مصابيحها قدام الرب كما أمر الرب موسى، ونصب مذبح الذهب في قبة الزمان خارجاً من الحجاب، وبخر عليه بخور الطيب كما أمر الرب، وأسبل الستر على باب القبة، ونصب مذبح القرابين على الباب، وقرب عليه القرابين كما أمر الرب، ووضع السطل بين قبة الزمان والمذبح وسكب عليه ماء الغسل، وكان هارون وبنوه يغسلون أيديهم وأقدامهم إذا أرادوا الدخول إلى قبة الزمان، وكانوا إذا دنوا من المذبح يغسلون أيضاً كما أمر الرب موسى، ونصب داراً تحيط بالقبة والمذبح، وأسبل الستر على باب الدار، وكمل موسى عملها؛ وتغشت السحابة قبة الزمان وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته، ولم يقدر موسى على الدخول إلى قبة الزمان، لأن السحاب حلت عليها.

وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته. فكان إذا ارتفع السحاب عن القبة كان بنو إسرائيل يظعنون في جميع مظاعنهم، وإن لم ترتفع الغمامة لم يظعنوا إلي اليوم الذي ترتفع فيه، لأن سحاب الرب كان يغشى القبة بالنهار وكانت النار تضيء عليها بالليل وتزهر وتنير أمام جميع بني إسرائيل في جميع مظاعنهم. وقال في أول السفر الرابع: أمر الله بإحصاء بني إسرائيل فكانوا من أبناء عشرين سنة إلى ما فوقها، من خرج منهم للحرب في الأجناد ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين دون سبط لاوى، فإنهم لحفظ قبة الزمان وخدمتها، وتكون منازلهم حولها محدقة بها، وهم من ابن شهر إلى ما فوقه اثنان وعشرون ألفاً، ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: إذا أتى على الرجل من اللاويين خمسة وعشرون سنة يتقوى على أن يعمل العمل في قبة الزمان، فإذا أتت عليه خمسون سنة يخرج من العمل ولا يعمل عملاً في قبة الآمد، وكان ينزل بنو إسرائيل حول بني لاوى بإنزال الله تعالى لهم، كلّ له محل من القبة على الاستدارة، وكان ينزل من مشارقها موسى وهارون وبنوه ليحفظوا حفاظ القدس والقرابين على بني إسرائيل ومن دنا من قبة الزمان وأعمالها من الغرباء يؤمر بقتله، فقد علم من هذا ومما قبله من أن كلاًّ يصلي على باب خيمته أن قبلتهم وهم في التيه قبة الزمان، وفي اليوم الذي نصب فيه الخباء أي في قبة الزمان تغشت سحابة من عند الرب قبة الزمان وحجاب باب الشهادة وكانوا يرون

في الخباء عند المساء ناراً تتوقد إلى الصباح، كذلك كان يكون في الخباء دائماً وكانت تغشاه سحابة بالنهار وتُرى فيه نار بالليل، فإذا ارتفعت السحابة عن القبة ارتحل بنو إسرائيل من مواضعهم وحيث ما نزلت السحابة هناك كان ينزل بنو إسرائيل، وإنما كان ارتحال بني إسرائيل عن قول الرب وبأمره، فربما مكثت السحابة على القبة من المساء حتى الصباح وترتفع بعد الصبح فيرتحلون، وربما مكثت الليل والنهار وربما مكثت أياماً وأشهراً وربما مكثت سنة، وكلم الرب موسى وقال له: اتخذ قرنين من قضة يكونان عند حضور الجماعة وارتحال العسكر يهتف بهما الكهنة، فتحشد إليك جماعة بني إسرائيل أجمعون إلى باب قبة الزمان، وإن نفخ في واحد اجتمع إليك القواد ورؤساء الألوف، ولما كان في السنة الثانية في عشر خلون من الشهر الثاني ارتفعت السحابة عن قبة الشهادة، وارتحل بنو إسرائيل من برية سيناء. ونزلت السحابة في قفر فاران، ثم قال: وارتحلوا من عند جبل الرب مسيرة ثلاثة أيام، فأما تابوت عهد الرب فظعن قبلهم مسيرة يوم ليهيء منزلاً، وكانت تظلهم سحابة من قبل الرب إذا ارتحلوا لئلا تؤذيهم حرارة الشمس، فلما ارتحل

حاملوا التابوت قال موسى: انهض إلينا يا رب لينكسر شانئك ويبيد أعداؤك من بين يديك، وإذا نزل حملة التابوت قال: أقبل يا رب إليّ ألوف بني إسرائيل، فتذمر الشعب وساء الرب ذلك وغضب وسمع توشوشهم فاشتد غضبه عليهم واشتعلت فيهم نار من قبل الرب، فأحرقت الذي في أطراف العسكر وحوله، وضج الشعب على موسى فصلى موسى أمام الرب وخمدت النار، ودعا اسم ذلك الموضع الاحتراق، لأن نار الرب اشتعلت فيهم وأحرقتهم هناك، واشتهى الخلط الذين كانوا فيهم من الشعوب شهوة وأقبلوا على بني إسرائيل وقالوا: ليت أنا وجدنا من يطعمنا لحماً! ذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر وأكلنا القثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم والآن أنفسنا قرمة - أي يابسة - لا تقدر على شيء نأكله ما خلا هذا المن الذي قدام أعيننا، وسمع موسى الشعب يبكون في قبائلهم، كل إنسان على باب خيمته، واشتد غضب الرب، وشق ذلك على موسى أيضاً، ثم قال من أين أقدر أعطي هذه الأمة كلها لحماً؟ إنها تبكي عليّ وتقول: أعطنا

لحماً، لست أقدر أحتمل هذه الأمة كلها وحدي، لأنها أقوى مني، إن كان فعلك هذا بي فاقتلني قتلاً إن وافيت منك رحمة ولا أعاين شراً ولا أرى سوء. فقال الرب لموسى: اجمع سبعين شيخاً من أشياخ بني إسرائيل الذين تعلم أنهم رؤساء الشعب وكتّابه وانطلق بهم إلى قبّة الزمان فإني أنزل إليك وأكلمك هناك وأنقص من عطية الروح التي عليك وأصيره عليهم ليحملوا أثقل هذا الشعب ولا يتركوك وحدك، ثم قال موسى للشعب: تهيؤوا غداً لتأكلوا لحماً، لأنكم بكيتم أمام الرب وقلتم: ليت من يطعمنا لحماً! وإن الموت بأرض مصر خير لنا، فسيعطيكم الرب لحماً وليس إنما تأكلون منه يوماً أو يومين بل تأكلون منه شهراً حتى يخرج من أنوفكم وتصيبكم منه تخمة، وجمع سبعين شيخاً من مشايخ الشعب وأقامهم حول الخباء، ونزل الرب سبحانه وكلمه وأخذ من الروح الذي عليه وصيره على السبعين، ودخل موسى العسكر هو وأشياخ بني إسرائيل، وهبت ريح من قبل الرب وأصعدت السلوى من البحور وألقته على العسكر ومسيرة يوم يمنة ويسرة حول

العسكر وكان مرتفعاً من الأرض نحو ذراعين، وجمعوا ونشروا حول العسكر ليكون لهم قديداً، فبينا اللحم بين أسنانهم قبل أن ينقلع اشتد غضب الرب عليهم وضرب الشعب ضربة عظيمة جداً ودعا اسم ذلك الموضع قبور الشهوة، وارتحل الشعب من قبور الشهوة فأتوا حصروث ونزلوها، وذكر أنهم مكثوا هنالك سبعة أيام ثم قال: ثم ارتحل الشعب من حصروث ونزلوا مفازة فاران وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوماً يُحسبون الأرض التي أعطى بني إسرائيل - فذكر إرسال النقباء الاثني عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المائدة ثم قال: ورجعوا إلى موسى بعد أربعين يوماً، فأتوا موسى وهارون وجماعة بني إسرائيل إلى برية فاران إلى رقيم - انتهى شرح ما أشير إليه في هذه السورة من قصص بني إسرائيل من التوراة. ولما بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى عليه السلام كما مر ويأتي عن نصوص التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفراً في قلوبهم فمردوا على العصيان والتجرّؤ على مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب، وكان في ذلك تحذير لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم، وإعلام بأن المتقين المستجاب لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل قالوا: اهدنا، عن يقين وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل نبه على أن من عمل ضد عملهم فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ربهم فلا يغضب عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد الذلة والمسكنة

فقال تعالى {إن الذين آمنوا} أو يقال إنه سبحانه لما علّل إهانة بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل: فما لمن أطاع؟ فأجيب بجواب عام لهم ولغيرهم، أو يقال إنّه لما أخبر تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق الحمامة وكان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا وكانت عادته سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعداً أو عيداً عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاماً، اعلموا أن باب التوبة مفتوح والرب كريم على وجه عام. وقال الحرالي: لما أنهى الحق

تعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم بالخطاب الأول إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضاً في مقابلة ذلك الإقبال الأول وكانوا هم أول أهل كتاب أشعر تعالى بهذا الختم أن جميع من بعدهم يكون لهم تبعاً لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - انتهى. فقيل {إن الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بما دعا إليهم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {والذين هادوا} أي ادعوا أنهم على دين موسى عليه السلام. قال الحرالي: وهو من الهود وهو رجوع بالباطن

وثبات فيه - انتهى. وقال أبو عمر وابن العلاء لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات والأرض تحركتا حين آتى الله عزّ وجلّ التوراة لموسى عليه السلام {والنصارى} المدعين أنهم تبعوا المسيح عليه السلام. قال الحرالي: جمع نصران فإن كان من النصرة فهو فعلان. ولما كانت هذه السورة في استعطاف بني إسرائيل ترغيباً وترهيباً قرن هنا بين فريقيهم، ولما كانت ملة الصابئة جامعة لما تفرق من أصول أديان أهل الشرك تلاهم بهم مريداً كل مشرك فقال {والصابئين} المنكرين للرسالة في الصورة البشرية القائلين بالأوثان السماوية والأصنام

الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب، قال الحرالي: بالهمز من صبأ يصبأ صبأ وبغير همز من صبا يصبوا صبواً، تعاقبت الهمزة والياء مع الصاد والباء لعام معنى هو عود إلى حال صغر بعد كبر - انتهى. {من آمن} أي منهم بدوامه على الإيمان إن كان آمن قبل ذلك، ودخوله في الإيمان إن كان كافراً فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز {بالله} أي لذاته {واليوم الآخر} الذي الإيمان به متضمن للإيمان بجميع الصفات من العلم والقدرة وغيرهما وحاثّ على كل خير وصادّ عن كل ضير {وعمل صالحاً} أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه في الأعمال الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح. قال الحرالي: وهو العمل المراعى من الخلل، وأصله الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه، وقال: والعمل ما دبر بالعلم - انتهى.

ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل واحد بما له والجمع أدل على إرادة العموم وأقطع للتعنت أفرد أولاً وجمع هنا فقال {فلهم أجرهم} الذي وعدوه على تلك الأعمال المشروطة بالإيمان، وهو في الأصل جعل العامل على عمله، كائناً «عند ربهم» فهو محفوظ لا يخشى عليه نسيان ولا يتوجه إليه تلف {ولا خوف عليهم} من آتٍ يستعلي عليهم من جميع الجهات {ولا هم يحزنون *} على شيء فات بل هم في أعظم السرور بما لهم من العز والجدة ضد ما للمعتدين من الذل والمسكنة، وحسن وضع هذه الآية في أثناء قصصهم أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن عداهم، وربما أمروا بقتل النساء أيضاً، فربما ظنّ من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل. قال في التوراة في قصة

مدين: وقتلوا كل ذكر فيها، ثم قال: وغضب موسى فقال لهم: لماذا أبقيتم على الإناث؟ وهن كنّ عشرة لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - يعني بما أفضى إلى الزنا، ثم قال: وقال الرب لموسى: كلّم بني إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما لعل بعضه أصرح منه وقد ذكر منه في سورة المائدة، وفي وضعها أيضاً في أثناء قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم: {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو الإيمان والاستقامة وذلك موجود في نص التوراة في غير موضع، وفيها تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة، وسيأتي بعض ذلك عند قوله: {لا تعبدون إلاّ الله} [البقرة: 83] الآية، بل وفيها ما يقتضي المنع من مال المخالف في الدين فإنه قال في وسط السفر الثاني: وإذا لقيت ثور عدوك أو حماره وعليه حمولة فارددها إليه، وإذا رأيت حمار عدوك جاثماً تحت حمله فهممت أن لا توازره فوازره وساعده، ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فإنه لما ذكر تعالى للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم أمره ترغيباً بإبهامه ونسبته إلى حضرة الرب المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن تلاه بأنهم لم يؤمنوا بعد رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور وعلموا أنه دافنهم إن عصوا، فكان قبوله من أعظم النعم عليهم، لأن حقه الرد، لأنه كالإيمان عند رؤية البأس لا إيمان بالغيب،

ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة الشريفة إلى حضرات الشيطان فأكرموا المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس أكباداً وأكثرهم جرأة وعناداً لا يرعوون لرهبة ولا يثبتون لرغبة فقال تعالى {وإذ} وأخصر من هذا أن يقال إنه لما قرر سبحانه قوله للعالم العامل المذعن كائناً من كان تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة للعلم وما له سبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه فقال وإذ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ {أخذنا} بما لنا من العظمة {ميثاقكم} بالسمع والطاعة من الوثيقة وهي تثنية العهد تأكيداً كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي. {ورفعنا} ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة عاماً لهم بحيث إنه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان نزع الجار فقال {وفوقكم الطور}

ترهيباً لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، وقلنا لكم وهو مظل فوقكم {وخذوا ما آتيناكم} من الكتاب للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة للكون في حضرتي «بقوة» أي بجد واجتهاد، والقوة باطن القدرة، من القوى وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي. {واذكروا ما فيه} من التمسك به وللانتقال عنه عند مجيء الناسخ المنعوت فيه ذكراً يكون بالقلب فكراً وباللسان ذكراً {لعلكم

تتقون *} أي لتكونوا على رجاء من أن تتقوا موجبات السخط. ولما كان التقدير: فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد به خوفاً من أن يدفنكم بالجبل عطف عليه وأشار إلى أنه من حقه البعد عن تركه بأداة البعد.

64

قوله: {ثم توليتم} والتولي قال الأصفهاني: أصله الإعراض عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى. وهو هنا الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي. وذلك لأن النفوس إذا توطنت على أمر الله فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ترجع عنه إلاّ بمنازعة من الهوى شديدة.

ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد أدخل الجار فقال: {من بعد ذلك} أي التأكيد العظيم عن الوفاء به {فلولا} أي فتسبب عن توليكم أنه لولا {فضل الله} أي الذي له الجلال والإكرام مستعل {عليكم ورحمته} بالعفو والتوبة والإكرام بالهداية والنصر على الأعداء {ولكنتم من الخاسرين *} بالعقوبة وتأبد الغضب، وأيضاً فلما

كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل الصالح عقبت تلك بآية الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق، وهو جميع ما آتاهم في التوراة إيماناً مصحوباً بالقوة، ومما آتاهم صفة عيسى ومحمد عليهما السلام والأمر باتباعهما، فهو مما أخذ عليهم به العهد وقد كفروا به فلم يصح لهم إيمان ولا عمل، لأن التفرقة بين ما أتى منه سبحانه زنذقة. ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا أمراً واحداً من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحداً من العالمين فقال: ولقد وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بحلافة أخرى لهم خذل بها فريقاً منهم حتى غلبهم الخسران فما ضروا إلاّ أنفسهم مقسماً على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره: لقد علمتم جميع ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال و {لقد} أي وعزتي لقد {علمتم الذين اعتدوا} أي تعمدوا العدوان {منكم في السبت} بأن استحلوه وأصل السبت القطع للعمل ونحوه {فقلنا} أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا بما لنا من العظمة. «

لهم كونوا» بإرادتنا {قردة خاسئين *} أي صاغرين مطرودين جمع خاسىء من الخسىء وهو طرد بكره واستخباث، وسبب ذلك أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلا السبت، فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل، فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال زمن عفوه عنهم وحمله سبحانه فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر {فجعلناها} أي فتسبب عن قولنا إنهم كانوا قردة كما قلنا، فجعلنا هذه العقوبة {نكالاً} أي قيداً مانعاً {لما بين يديها} من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها {وما خلفها} ممن جاء بعدهم، روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما،

والنكال إبداء العقوبة لمن يتّعظ بها، واليد ما به تظهر أعيان الأشياء وصورها أعلاها وأدناها، فلذلك ثنيت لأنها يد عليا هي اليمنى ويد دنيا هي اليسرى، والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه فينطمس عن حواس إقباله شهوده - قاله الحرالي. وقال {وموعظة} من الوعظ وهو دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها {للمتقين *} وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور وأن النقم تقع في غيرهم وعظاً لهم. ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم خاصة اتبعه بيان جساوتهم في مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس فقال {وإذ قال موسى لقومه} بني إسرائيل {إن الله} أي الذي له الأمر كله {يأمركم

أن تذبحوا بقرة} لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره، وتاؤها ليست للتأنيث الحقيقي بل لأنها واحدة من الجنس فتقع على الذكر والأنثى. ولما كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بيّن فظاظتهم على طريق الاستئناف معظماً لها بقوله حكاية عنهم {قالوا أتتخذنا هزواً} أي مكان هزء ومهزوءاً بنا حين نسألك عن قتيل فتأمرنا بذبح بقرة، فجمعوا إلى ما أشير إليه من إساءتهم سوء الأدب على من ثبتت رسالته بالمعجزة فرد كلامه كفر، فذكرهم بما رأوا منه من العلم بالله المنافي للهزء بأن قال {أعوذ بالله} أي أعتصم بمن لا كفوء له من {أن أكون من الجاهلين *} فإنه لا يستهزىء إلا جاهل، والعوذ اللجاء من

متخوَّف لكاف يكفيه، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي. {قالوا} تمادياً في الغلظة {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك فكان تخصيصهم له بالإضافة غاية في الجفاء «يبين» من التبيين وهو اقتطاع الشيء، والمعنى مما يلابسه ويداخله - قاله الحرالي. والمراد المبالغة في البيان بما يفهمه صيغة التفعيل «لنا ما هي» تلك البقرة «قال إنه يقول» . ولما كانوا يتعنتون أكد فقال {إنها بقرة لا فارض} أي مسنة فرضت سنها أي قطعتها {ولا بكر} أي فتية صغيرة {عوان} أي نصف وهو خبر مبتدأ محذوف، وبين هذا الخبر بقوله {بين ذلك} أي سني الفارض والبكر {فافعلوا ما تؤمرون *} فإن الاعتراض على من يجب التسليم له كفر فلم يفعلوا بل سألوا بيان اللون بعد بيان السن بأن {قالوا ادع لنا ربك} تمادياً في الجفاء بعدم الاعتراف

بالإحسان {يبين لنا ما لونها} بعد بيان سنها، واللون تكيف ظاهر الأشياء في العين - قاله الحرالي. {قال} وأكد لما مضى من تلددهم فقال {إنه يقول} وأكد إشارة إلى مزيد تعنتهم فقال {إنها بقرة صفراء} وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى قوله معبراً باللون {فاقع لونها} أي خالص في صفرته. قال الحرالي: نعت تخليص للون الأصفر بمنزلة قانىء في الأحمر فهي إذن متوسطة اللون بين الأسود والأبيض كما كانت متوسطة السن، {تسر الناظرين *} أي تبهج نفوسهم بأنك إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - قاله وهب {قالوا ادع لنا ربك} المحسن إليك بالإجابة في كل ما سألته {يبين لنا ما هي} ثم عللوا تكريرهم لذلك بقولهم {إن البقر} أي الموصوف بما قدمته {تشابه} أي وقع تشابهه {علينا} وذكر الفعل لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة فإن العرب تذكره

نقل عن سيبويه؛ ثم أدركتهم العناية فقالوا {وإنا إن شاء الله} أي الذي له صفات الكمال وأكدوا لما أوجب توقفهم من ظن عنادهم وقدموا التبرك بالمشية لذلك على خبر إن {لمهتدون} أي إلى المراد فتبركوا بما لا تكون بركة إلا به {قال إنه يقول إنها} أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في أمرها {بقرة لا ذلول} من الذل وهو حسن الانقياد - قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله {تثير الأرض} أي يتجدد منها إثارتها بالحرث كل وقت من الإثارة قال الحرالي: وهي إظهار الشيء من الثرى، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس؛ ولما كان الذل وصفاً لازماً عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه، أي ليس الذل وصفاً لازماً لها لا أنها بحيث لا يوجد منها ذل أصلاً، فإنها لو كانت كذلك كانت وحشية لا يقدر عليها أصلاً.

ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمراً يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفاً على الوصف لا على تثير لئلا يفسد المعنى فقال واصفاً للبقرة {ولا تسقي الحرث} أي لا يتجدد منها سقيه بالسانية كل وقت، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيهاً على حذفها قبل تثير، فيكون الفعلان المنفيان تفسيراً على سبيل الاستئناف للاذلول، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى، والمراد أنها لم تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول، كل ذلك لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير {مسلّمة} أي من العيوب {لا شية} أي علامة

{فيها} تخالف لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها {قالوا الآن} أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي {جئت بالحق} أي الأمر الثابت المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها {فذبحوها} أي فتسبب عما تقدم كله أنهم ذبحوها {وما كادوا} أي قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة {يفعلون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ بالأشق، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل، أو يقال إنه لما كان السبت إنما وجب عليهم

وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أيّ بقرة تيسرت، ويجوز أن يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه بها، ومن أحاسن المناسبات أن في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات العجم، ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه بالموت بلحم البقر، ولعل تخصيص لحم البقر بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من خوار العجل الذي عبدوه. وقال الإمام أبو الحسن الحرالي: وفي ذلك تشامّ بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكدّ وعمل الأرض التي معها التعب والذل والتصرف فيما هو من الدنيا توغلاً فيها وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو

أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة في شعرة، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً} [الشورى: 11]- انتهى. ولما قسمت القصة شطرين تنبيهاً على النعمتين: نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق، وتنبيهاً على أن لهم بذلك تقريعين: أحدهما بإساءة الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه، ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه الآخر.

وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر تدارئهم في القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة - انتهى. فقال تعالى {وإذ} أي واذكروا إذ، وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقال {قتلهم نفساً} فأقبل عليهم بالخطاب توبيخاً لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم راضون بما مضى من أسلافهم وأن من ودّ شيئاً كان من عملته. ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيراً إلى إخفائه بالإدغام {فادارأتم فيها} أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يردّ القتل إلى الآخر فكان لكم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة وإثم الإصرار

وإثم الافتراء بالدفع؛ قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريباً. ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي حالهم إذ ذاك {والله} أي والحال أن الذي له الأمر كله {مخرج} بلطيف صنعه وعظيم شأنه {وما كنتم تكتمون *} وفي تقديمه أيضاً زيادة تبكيت لهم بتوقفهم في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه وقال منبهاً بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها {فقلنا} أي بما لنا من العظمة {اضربوه}

وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانياً بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال {ببعضها} قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي، يعني والدليل على هذا المحذوف قوله {كذلك} أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة {يحيي الله} أي الذي له صفات الكمال {الموتى} مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد - انتهى. روي أنهم لما ضربوه قام وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأخدا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك؛ وهذه الخارقة كما أَخْبَرَ نَبِيَّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذراعُ الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية، وجعل هذا التنبيه على البعث في قصصهم، لأنه من أعظم الأدلة عليه، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين وهو قولهم للمشركين: دينكم خير من دين محمد، أو أن هذا تنبيه مقصود به حث العرب على سؤال من

استنصحوهم في السؤال عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكونهم أهل العلم الأول، فهو ملزِم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب اليهود، وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية {ويريكم آياته} فيما يشهد بصحته {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله تعالى.

74

ولما كان حصول المعصية منهم بعد رؤية هذه الخارقة مستبعد

التصور فضلاً عن الوقوع أشار إليه بقوله {ثم قست} من القسوة وهي اشتداد التصلب والتحجر {قلوبكم} ولما كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال {من بعد ذلك} أي من بعدما تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها تذكيراً لهم بطول إمهاله لهم سبحانه

مع توالي كفرهم وعنادهم، وتحذيراً من مثل ما أحل بأهل السبت {فهي} أي فتسبب عن قسوتها أن كانت {كالحجارة} التي هي أبعد الأشياء عن حالها، فإن القلب أحيى حيّ والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنه قد يلين. ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب شيء كانت بحيث تحير الناظر في أمرها فقال {أو} قال الحرالي: هي كلمة تدل على بَهم الأمر وخفيته فيقع الإبهام والإيهام - انتهى.

وهذا الإبهام بالنسبة إلى الرائين لهم من الآدميين، وأما الله تعالى فهو العالم بكل شيء قبل خلقه كعلمه به بعد خلقه وزاد أشد مع صحة بناء أفعل من قسى للدلالة على فرط القسوة فقال {أشد قسوة} لأنها لا تلين لما حقه أن يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف للحي يشابه به ما دونه أقبح فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك المشابهة بالإدراك. ولما كان التقدير فإن الحجارة تنفعل بالمزاولة عطف عليه مشيراً إلى مزيد قسوتهم وجلافتهم بالتأكيد قوله: {وإن من الحجارة} وزاد في التأكيد تأكيداً لذلك قوله {لما يتفجر} أي يتفتح بالسعة

والكثرة {منه الأنهار} ذكر الكثير من ذلك وتذكيراً بالحجر المتفجر لهم منه الأنهار بضرب العصا ثم عطف على ذلك ما هو دونه فقال: {وإن منها لما يشقق} أي يسيراً بتكلف بما يشير إليه الإدغام والتفعل من التشقق وهو تفعل صيغة التكلف من الشق وهو مصير الشيء في الشقين أي ناحيتين متقابلتين - قاله الحرالي. {فيخرج منه الماء} الذي هو دون النهر، ثم عطف على هذا ما هو أنزل من ذلك فقال: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من الأوامر فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة لما لها من الجمادية وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور

عند تجلي الرب. قال الحرالي: والخشية وجل نفس العالم مما يستعظمه. ولما كان التقدير: فما أعمالكم - أو: فما أعمالهم، على قراءة الغيب - مما يرضي الله؟ عطف عليه {وما} ويجوز أن يكون حالاً من قلوبكم أي قست والحال أنه ما {الله} أي الذي له الكمال كله {بغافل} والغفلة فقد الشعور بما حقه أن يشعر به {عما تعملون} فانتظروا عذاباً مثل عذاب أصحاب السبت إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولم أر ذكر قصة البقرة في التوراة فلعله مما أخفوه لبعض نجاساتهم كما أشير إليه

بقوله تعالى: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً} [الأنعام: 91] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسبباً عنه أنه قال في السفر الخامس منها ما نصه: فإذا وجدتم قتيلاً في الأرض التي يعطيكم الله ربكم مطروحاً لا يعرف قاتله يخرج أشياخكم وقضاتكم ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأية قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلاً لم يعمل به عمل ولم يحرث به حرث، فينزل أشياخ تلك القرية العجل إلى الوادي الذي لم يزرع ولم يحرث فيه حرث يذبحون العجل في ذلك الوادي ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم الله ربكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل مضروب، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي ويحلفون ويقولون: ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من قتله فاغفر يا رب لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا عنكم الإثم واعملوا الحسنات بين يدي الله ربّكم - انتهى. وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع هذا الأصل المذكور في القرآن العظيم والله أعلم. ولما بيّن سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرّؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من

الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكراً للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر من كفرانهم فقال: {أفتطمعون} والطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له {أن يؤمنوا} أي هؤلاء الذين بين أظهركم وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الكثافة وهم

راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأمي الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها إلاّ الله معترفين «لكم وقد» أي والحال أنه قد {كان فريق} أي ناس يقصدون الفرقة والشتات {منهم} قال الحرالي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى. و {يسمعون كلام الله} المستحق لجميع صفات الكمال والكلام قال الحرالي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى. {ثم يحرفونه} أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه، وفي ذكر الفريق مع المعطوفات عليه تأكيد لعظيم تهمّكهم في العصيان

بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقاً في الكفر والعدوان والتبرء من جلباب الحياء، وقوله: {من بعد ما عقلوه} مع كونه توطية لما يأتي من أمر الفسخ مشيراً إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركاً بالبديهة، وأثبت الجار لاختلاف أحوالهم. ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم، لأنه إذا اجترأ على العالم بالخفيات كان على غيره أجرأ مشيراً إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه بقوله: {وهم يعلمون *} أي والحال أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له غير غافلين بل متعمدون. ولما كان الكلام مرشداً إلى أن التقدير فهم لجرأتهم على الله

إذا سمعوا كتابكم حرفوه وإذا حدثوا عباد الله لا يكادون يصدقون عطف عليه قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا} بنبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قالوا} نفاقاً منهم {آمنا وإذا خلا بعضهم} أي المنافقين {إلى بعض قالوا} لائمين لهم ظنّاً منهم جهلاً بالله لما وجدوا كثيراً من أسرارهم وخفي أخبارهم مما هو في كتابهم من الدقائق وغير ذلك عند المؤمنين مع اجتهاده في إخفائها أن بعضهم أفشاها فعلمت من قبله {أتحدثونهم} من التحديث وهو تكرار حدث القول أي واقعه {بما فتح الله} ذو الجلال والجمال {عليكم} من العلم القديم الذي أتاكم على ألسنة رسلكم أو بما عذب به بعضكم. والفتح قال الحرالي توسعة الضيق حساً ومعنى

{ليحاجوكم} أي المؤمنون {به عند ربكم} والمحاجة تثبيت القصد والرأي بما يصححه. ولما كان عندهم أن إفشاءهم لمثل هذا من فعل من لا يفعل قالوا إنكاراً من بعضهم على بعض {أفلا تعقلون *} ويمكن أن يكون خطاباً للمؤمنين المخاطبين يتطمعون، أي أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. ولما كان ظنهم هذا أقبح الفساد لأنه لو لم يكن علمه من قبل الله لم يقدر غيره أن يعبر عنه بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها وصل به قوله موبخاً لهم {أولا} أي ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلا عن الله لما قام عليه من دليل الإعجاز أو لا {يعلمون أن الله} الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم ما يسرون} أي يخفون من قولهم لأصحابهم ومن غيره {وما يعلنون} أي يظهرون

من ذلك فيخبر به أولياءه. ولما ذكر سبحانه هذا الفريق الذي هو من أعلاهم كفراً وأعتاهم أمراً عطف عليه قسماً أعتى منه وأفظ لأن العالم يرجى لفته عن رأيه أو تخجيله بالحجاج بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي فقال {ومنهم أميون} ويجوز أن يراد بهم من لا يحسن الكتابة ومن يحسنها وهو غليظ الطبع بعيد عن الفهم، لأن الأمي في اللغة من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة وهو باق على جبلته وحال ولادته والغبي الجلف الجافي القليل الكلام، فالمعنى أنهم قسمان: كتبة وغير كتبة،

وهم المراد بالأميين، وهؤلاء مع كونهم لا يحسنون الكتاب يجوز أن يتعلموا القراءة تلقيناً ولا يفهمون المعاني، ويجوز أن يكون المعنى أنهم قسمان: علماء نحارير عارفون بالمعاني وجهلة غبيون لا حظ لهم من التوراة إلا القراءة الخالية عن التدبر المقرونة بالتمني ولذلك قال: {لا يعلمون الكتاب} أي بخلاف القسم الذي أكد فيه كونهم من أهل العلم. ولما كان المراد سلب العلم عنهم رأساً أبرز الاستثناء مع كونه منقطعاً في صورة المتصل فقال: {إلاّ أماني} جمع أمنية، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، ويقال إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن يتحقق له المعنى - قاله الحرالي. أي إن كانت

الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم لا غيرها من جميع أنواعه. ولما أفهم ذلك أن التقدير ما هم ألا يقدرون تقديرات لا علم لهم بها عطف عليه قوله: {وإن هم إلا يظنون} تأكيداً لنفي العلم عنهم. ولما أثبت لهذا الفريق القطع على الله بما لا علم لهم به وكان هذا معلوم الذم محتوم الإثم سبب عنه الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله وأعداهم فقال: {فويل} والويل جماع الشر كله - قاله الحرالي. {للذين يكتبون} أي منهم ومن غيرهم {الكتاب} أي الذي يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله {بأيديهم} وأشار إلى قبح هذا الكذب وبعّدَ رتبته في الخبث بأداة التراخي فقال {ثم يقولون} لما كتبوه كذباً وبهتاناً {وهذا من عند الله} الملك الأعظم ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة ودناءتهم فقال: {ليشتروا به} أي بهذا الكذب الذي صنعوه {ثمناً قليلاً} ثم سبب عنه قوله: {فويل

لهم مما كتبت أيديهم} من ذلك الكذب على الله {وويل لهم مما يكسبون *} أي يجدون كسبه مما اشتروه به، وجرد الفعل لوضوح دلالته على الخبث بقرينة ما تقدم وإذا كان المجرد كذلك كان غيره أولى قال الحرالي: والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار على إحساس بمنة فيه وقوة عليه - انتهى. وفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنه لإعجازه لا يقدر أحد أن يأتي من عنده بما يدسه فيه فيلبس به - فلله المنّة علينا والفضل. ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير: فحرفوا كثيراً في كتاب الله وزادوا ونقصوا، عطف عليه ما بين به جرأتهم وجفاهم وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من الجرائم التي هم أعلم الناس بأن بعضها موجب للخلود في النار فقال تعالى: {وقالوا

لن تمسّنا} من المس وهو ملاقاة ظاهر الشيء ظاهر غيره {النار} أي المعدة في الآخرة {إلا أياماً} ولما كان مرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها وكان جمع القلة وإن كان يدل على ذلك لكنه ربما استعير للكثرة فدل على ما لا آخر له أو ما يعسر عده زادوا المعنى تأكيداً وتصريحاً بقولهم: {معدودة} أي منقضية، لأن كل معدود منقض. قال الحرالي: والعدّ اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته

في هذا المعنى بخلاف ما في آل عمران. ولما ادعوا ذلك ادعوا أن المسلمين يخلفونهم بعد ذلك فيها، روى البخاري في الجزية والمغازي والطب والدارمي في أول المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاة فيها سم، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجمعوا لي من كان ههنا من يهود، فجمعوا له فقال: إن سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ فقالوا: نعم، فقال لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أبوكم؟ قالوا فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان، قالوا: صدقت وبررت، قال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخسؤوا فيها! والله لا نخلفكم فيها أبداً، ثم قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك» ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فيما ذا نرد عليهم؟ فقال {قل} منكراً لقولهم {اتخذتم} في ذلك {عند الله} أي الذي له الأمر كله {عهداً فلن}

أي فيتسبب عن ذلك أنه يوفي بعهده، لأنه {يخلف الله} الذي له صفات الكمال {عهده أم} لم يكن ذلك فأنتم {تقولون على الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {ما لا تعلمون} ومعنى الإنكار في الاستفهام أنه ليس واحد من الأمرين واقعاً، لا اتخذتم عهداً ولا قلتم ذلك جهلاً، بل قلتموه وأنتم تعلمون خلافه، ولما انتفى الأمران علم أن الكائن غير ما ادعوه فصرح به في قوله: {بلى} أي لتمسنكم على خلاف ما زعمتموه، فإنّ بلى كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن نفي كأنها بل وصلت بها الألف إثباتاً لما أضرب

عن نفيه - قاله الحرالي. ونعم جواب لكلام لا جحد فيه. ولما أضرب سبحانه عما قالوه من القضاء في الأعيان قاضياً عليهم بالخسران علل ذلك بوصف هم به متلبسون معلماً بأن من حق الجاهل بالغيب الحكم على الأوصاف التي ناط علام الغيوب بها الأحكام فقال: {من كسب سيئة} أي عملاً من حقه أن يسوء {وأحاطت به خطيئة} بحيث لم يكن شيء من أحواله خارجاً عن الخطيئة بل كانت غامرة لكل ما سواها من أعماله، ولا يكون ذلك إلاّ للكفر الهادم لأساس الأعمال الذي لا يتأتى بقاء الأعمال بدونه. ولما كان إفراد الضمير أنصّ على جزاء كل فرد والحكم بالنكال على الكل أنكأ وأروع وأقبح وأفظع وأدل على القدرة أفرد ثم جمع فقال آتياً بالفاء دليلاً أن أعمالهم سبب دخولهم النار: {فأولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب النار هم} خاصة {فيها خالدون *} .

ولما بان بهذا مالهم ولكل من شاركهم في هذا الوصف عطف عليه ما لمن ادّعوا أنهم يخلفونهم في النار ولكل من شاركهم في وصفهم الذي استحقوا به ذلك فقال: {والذين آمنوا} أي أقروا بالوحدانية بألسنتهم {وعملوا الصالحات} بياناً لأن قلوبهم مطمئنة بذلك {أولئك} العالو المراتب الشريفو المناقب، ولم يأت بالفاء دلالة على أن سبب سعادتهم إنما هو الرحمة {أصحاب الجنة} لا غيرهم {وهم} أي خاصة {فيها خالدون *} .

83

ثم شرع سبحانه يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: {وإذ} أي اذكروا ما تعلمون في كتابكم من حال من كسب سيئة محيطة واذكروا إذ {أخذنا} بما لنا من تلك العظمة التي أشهدناكم كثيراً منها ميثاقكم ولكنه أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وغيرهم فقال: {ميثاق بني إسرائيل} ويجوز أن يكون معطوفاً على {نعمتي} في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم.

ولما كان الدين إنما هو الأدب مع الخالق والخلق ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتباً له على الأحق فالأحق فقال ذاكراً له في صيغة الخبر مريداً به النهي والأمر وهو أبلغ من حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف {وقولوا} عليه: {لا تعبدون إلا الله} المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحساناً هو الإحسان كله {و} أحسنوا أو تحسنون {بالوالدين} ولو كانا كافرين. قال الحرالي: تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى {إحساناً} عظيماً لا يبلغ كنهه، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول والمباشرين للتربية، وغيّر السياق فلم يقل: ولا تحسنون إلا إلى الوالدين، إفهاماً لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما، لو جبر فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذاناً بالاهتمام {وذي القربى} وهم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة

{واليتامى} لضعفهم، واليُتم قال الحرالي: فقد الأب حين الحاجة، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء حاجتها بعد البلوغ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى {المساكين} لكسرهم. ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكناً أمر بجعل

ذلك بالقول فقال عطفاً على الخبر الذي معناه الإنشاء: {وقولوا للناس} عامة {حسناً} أي حَسَناً بالتحريك وهو لغة فيه كالبُخْل والبَخَل، وذلك بأن يأمروهم بما أمر الله به وينهوهم عما نهى عنه. ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: {وأقيموا الصلاة} ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال: {وآتوا الزكاة} ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم توليتم} أي عن ذلك أو عن كثير منه، وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى والأمارة {إلا قليلاً منكم وأنتم} أي والحال أنكم

{معرضون} عادتكم ذلك، لم يكن ذلك منكم عن غير علم، والإعراض صرف الشيء إلى العُرض التي هي الناحية. قال السمين: وروى عن أبي عمرو وغيره: إلا قليل - بالرفع، وفيه أقوال، أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى. ويأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله: {فشربوا منه إلا قليلاً منهم} [البقرة: 249] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة، قال في السفر الثاني منها لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة غيري، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب، إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب

الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة من أعدائي، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي، لا تقسم بالرب إلهك كذباً، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذباً. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تتمن بنت صاحبك، ولا تشتهين امرأة صاحبك ولا كل شيء لصاحبك - وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح. وقال في موضع آخر من السفر الثالث: لا تسرقوا، ولا تغدروا، ولا تحلفوا باسمي كذباً، ولا تنجسوا اسم الرب إلهكم، أنا الرب وليس غيري، لا تظلمن صاحبك، ولا تشتمن الأخرس، ولا تضع عثرة بين يدي الضرير، اتق الله ربك، لا تحيفوا في القضاء، ولا تأثموا، ولا تحابين المسكين ولا تحاب الكبير أيضاً بل أقض بالبر والعدل، لا تبغض أخاك في قلبك بل بكّت صاحبك

ووبخه بالحق لكيلا يلزمك خطيئة في سببه، ولا تحقدن على أحد بل أحبب صاحبك كما تحب نفسك، ولا تتطيروا بسنح الطير، ولا يكونن فيكم عراف، ولا تُطوّلن شعر رؤوسكم، ولا تحلقوا عنافق لحاكم، ولا تخدشوا وجوهكم على الميت، ولا تكتبوا على لحومكم بالإبر، أنا الله ربكم، لا تتبعوا العرّافين والقافة ولا تنطلقوا إليهم ولا تسألوهم عن شيء لئلا تتنجسوا بهم، أكرم الشيخ وقم إليه إذا رأيته، وأكرم من هو أكبر منك، واتق الله ربك، أنا الله ربكم، وإذا سكن بينكم الذي يقبل إليّ فلا تظلموه بل أنزلوه منزلة أحدكم وصيروه منكم، الذين يقبلون إليّ ويسكنون معكم أحبوهم كما تحبون أنفسكم لأنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، أنا الله ربكم، لا تأثموا في القضاء ولا تأثموا في الأوزان والمكاييل بل اتخذوا ميزان الحق واتخذوا مكاييل الحق، أنا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر احفظوا جميع وصاياي وأحكامي بها، أنا الرب وليس غيري. وقال في الثاني: ومن تبع العرافين والقافة وضل بهم أنزل

به غضبي الشديد وأهلكه من شعبي، وأي رجل شتم والديه يقتل قتلاً ودمه في عنقه؛ ثم قال بعده: وأي رجل أو امرأة صار عرافاً أو منجماً يقتلان قتلاً، ويكون قتلهما الرجم بالحجارة، ودمهما في أعناقهما؛ وقال قبل ذلك: وكل من ضرب رجلاً فمات فليقتل قتلاً، ومن ضرب أباه وأمه فليقتل قتلاً، ومن سرق إنساناً فوجد معه يريد بيعه فليقتل قتلاً، ومن شتم أباه وأمه فليقتل قتلاً، ثم قال: لا يؤذّن الساكن بينكم ولا تعقّوهم تحوّجوهم، لأنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، ولا تؤذوا الأرامل والأيتام، فإن آذيتموهم فصلوا بين يدي أسمع صلاتهم وأستجيب لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في الحرب وتكون نساؤكم أرامل وبنوكم يصيرون يتامى، وإن أسلفت رزقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم، ولا تأخذن منه رباً؛ ثم قال: ولا تقبلن الرشوة، فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في القضاء وترد فلج الصالحين. ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه من العهد، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال: {وإذ أخذنا ميثاقكم}

يا بني إسرائيل {لا تسفكون دماءكم} أي لا يسفك بعضكم دماء بعض {ولا تخرجون أنفسكم} بإخراج بعضكم لبعض لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة {من دياركم} ، قال الحرالي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظاً لما تحويه من أموالها - انتهى. ولما كانوا قد نكصوا عند حقوقِ الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله: {ثم أقررتم} أي بذلك كله بعد ليّ وتوقف، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي: {وأنتم تشهدون} بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك، وقد مضى مما يصدق هذا

عن التوراة آنفاً ما فيه كفاية للموفق، وسيأتي في المائدة بقيته، إن شاء الله تعالى. ولما كان هذا بما أكد به من ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة الجناية إلى نفس الجاني جديراً بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله: {ثم أنتم هؤلاء} الحقيرون المقدور عليهم المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، أو الموجودون الآن؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: {تقتلون أنفسكم} من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق {وتخرجون فريقاً منكم} أي ناساً هم أشقّاء لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج {من ديارهم} . ولما كان من المستبعد جداً بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في

ذلك على طريق العدوان استأنف البيان لذلك بقوله: {تظاهرون} أي تتعاونون، من التظاهر، وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله الحرالي: {عليهم بالإثم} أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في قول أو فعل أو حال، ويقال لكذوب: أثوم، لاعتدائه بالقول على غيره، والإثم الخمر لما يقع بها من العدواة والعدوى - قاله الحرالي: {والعدوان} أي والامتلاء في مجاوزة الحدود {وإن يأتوكم} أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم {أسارى} جمع أسرى جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو القد وهو ما يقد أي يقطع من السير {تفادوهم} أي تخلصوهم بالمال، من الفداء وهو الفكاك بعوض، و {تفادوهم} من المفاداة وهي الاستواء في العوضين. قاله الحرالي. ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة الضمير والجملة الاسمية في قوله:

{وهو محرم} من التحريم وهو تكرار الحرمة بالكسر وهي المنع من الشيء لدنايته، والحرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه - قاله الحرالي: {عليكم} ولما كان يُظن أن الضمير للفداء عينه فقال: {إخراجهم} ثم أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام فقال: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} أي التوراة وهو الموجب للمفاداة {وتكفرون ببعض} وهو المحرم للقتل والإخراج، ثم سبب عن ذلك قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك} الأمر العظيم الشناعة {منكم إلا خزي} ضد ما قصدتم بفعلكم من العز، والخزي إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - قاله الحرالي: {في الحياة الدنيا} تعجيلاً للعقوبة له في الدار التي جعلها محط قصده.

وقد فعل سبحانه ذلك بأنواع الذل والقتل فما دونه، {ويوم القيامة} هي فعالة تفهم فيها التاءُ المبالغةَ والغلبة، وهو قيام أمر مستعظم، والقيام هو الاستقلال بأعباء ثقيلة {يردون} أي بالبعث، والرد هو الرجوع إلى ما كان منه بدء المذهب - قاله الحرالي: {إلى أشد العذاب} لأنه الخزي الأعظم. ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب التفت إليهم في قراءة الجماعة فعطف على ما تقديره ذلك بأن الله عالم بما قصدتموه في ذلك فهو يجازيكم بما تستحقون قوله: {وما الله} أي المحيط علماً وقدرة {بغافل عما} أي عن شيء بما {تعملون} من ذلك ومن غيره، وقراءة نافع وابن كثير بالغيب على الأسلوب الماضي.

ولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة - ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} [البقرة: 61] فذلكة ذلك قوله تعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين اشتروا} أي لجوا فأخذوا {الحياة الدنيا} على خساستها {بالآخرة} مع نفاستها، والدنيا فُعلى من الدنو وهو الأنزل رتبة، في مقابلة عليا، ولأنه لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا نزول قدر وتعجل وفي الأخرى علو قدر وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم تقابلين من معنى كل واحدة منهما - قاله الحرالي: فالآية من الاحتكاك، ذكر الدنيا أولاً يدل على حذف العليا ثانياً، وذكر الآخرة ثانياً يدل على حذف العاجلة أولاً. {فلا} أي فتسبب عن ذلك أنه لا {يخفف} من التخفيف وهو

مصير الثقيل والمستفل إلى حال الطافي المستعلي كحال ما بين الحجر والهواء - قاله الحرالي: {عنهم العذاب} في واحدة من الدارين {ولا هم ينصرون} وهو أيضاً من أعظم الأدلة على خذلان من غزا لأجل المغنم أو غل، وقد ورد في كثير من الأحاديث والآثار التصريح بذلك، منها ما رواه مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب» وهو أيضاً شرع قديم ففي سفر يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام أنه لما فتح مدينة أريحا بعد موت موسى عليه السلام بعث إلى مدينة عاي ثلاث آلاف مقاتل ليفتحوها، فقتل منهم أهل عاي جماعة وهزموهم، فاضطربت قلوبهم وصارت كالماء، فسجد يشوع على الأرض أمام تابوت الرب هو ومشيخة بني إسرائيل، فقال له الرب: انهض قائماً، وأخبره أن قومه قد غلوا فلا يقدرون الآن أن يثبتوا لأعدائهم حتى ينحوا الحرام عنهم، وقال الله له: وإذا كان غد فقدموا أسباطكم ليقترعوا، والسبط الذي تصيبه قرعة الرب تتقدم عشائره، والعشيرة التي تصيبها القرعة تتقدم بيوتاتها، والبيت الذي يصيبه قرعة الرب

ويصاب الحرام عنده يحرق بالنار هو وكل شيء له، لأنه تعدى على أمر الرب ولأنه أثم بإسرائيل؛ ففعل ما أمره الرب فأصابت القرعة عاجار بن كرمى من سبط يهودا، فأحضره وبنيه وبناته ومواشيه وخيمته وكل من كان له، فأصعدهم إلى غور عاجار، ورجمهم جميع بني إسرائيل بالحجارة، وأحرقوهم بالنار، وجعلوا فوقه تلاً من الحجارة الكبار إلى اليوم، ولذلك دعي اسم ذلك الموضع غور عاجار إلى اليوم، ثم أتوا من الغد إلى عاي فقتلوا جميع من فيها من بني آدم الذكور والإناث وأحرقوها. ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود في النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال: {ولقد}

باللام التي هي توكيد لمضمون الكلام، و «قد» هي لوقوع مرتقب مما كان خبراً أو مما سيكون علماً - قاله الحرالي. {آتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، فلم ندعكم هملاً بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب {وقفينا} من التقفية وهي متابعة شيء شيئاً كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها خلفها المقابل الموجه - قاله الحرالي: {من بعده} أي بعد موسى {بالرسل} أي ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من بعده إرسال الرسل

مواترة، وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه {وآتينا} بما لنا من العظمة {عيسى} اسم معرب. أصله يسوع {ابن مريم} الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من بقيتها {البينات} من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل، والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي: {وأيدناه} أي

قويناه على ذلك كله، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة، كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي: {بروح القدس} أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره من أولي العزم. قال الحرالي: والروح لمحة من لمحات أمر الله، وأمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكاً وملكوتاً، فما هو قوام الخلق كله ملكاً وملكوتاً هو الأمر {ألا له الخلق والأمر} ، [الأعراف: 54] ، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصاً جملة العرش بعالم الملك وخصوصاً أمر الدين الباقي سماهم الله روحاً، ومن أخصهم روح القدس، والقدس

الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم، ومن أخص الروح به جبريل عليه السلام بما له من روح الأمر الديني، وإسرافيل عليه السلام بما له من روح النفخ الصوري - انتهى. وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار، ثم جاء محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم تصدقوه. ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس مستخلصاً من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها، قال متى - ومعظم السياق له: فلما سمع يسوع أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام - قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء وسكن كَفَرناحوم التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما قيل في أشعيا النبي إذ يقول: أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً الجلوس في الكورة وظلال الموت نوراً أشرق عليهم، ومن ذلك بعد حبس يوحنا وافى يسوع إلى الجليل يكرز بإنجيل

ملكوت الله قائلاً: قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله! فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. قال متى: وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر لأنهما كانا صيادين، فقال لهما: اتبعاني أجعلكما تكونان صيادي الناس وللوقت تركا شباكهما وتبعاه؛ وجاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في سفينة مع أبيهما زبدي يصلحون شباكهم فدعاهما، فللوقت تركا السفينة وأباهما زبدي وتبعاه وفي إنجيل يوحنا بعد قصة يحيى بن زكريا الآتية في آل عمران: هذا كان في بيت عينا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد، ومن الغد نظر يسوع مقبلاً إليه فقال: هذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم! هذا ذلك الذي قلت من أجله: إنه يأتي وهو كان قبلي لأنه أقدم مني وأنا لم أكن أعرفه لكن ليظهر لإسرائيل، من أجل هذا جئت أنا لأعمد بالماء؛ وشهد يوحنا وقال: إني رأيت الروح نزل من السماء مثل حمامة وحل عليه ولم أعرفه، لكن من أرسلني لأعمد بالماء هو الذي قال: الذي ترى الروح ينزل ويثبت عليه هو يعمد بروح القدس. وأنا عاينت

وشهدت: وفي الغد كان يوحنا واقفاً واثنان من تلاميذه فنظر يسوع فقال: هذا حمل الله! فسمع تلميذاه كلامه فتبعا يسوع، فالتفت يسوع فرآهما يتبعانه فقال لهما: ماذا تريدان؟ قالا له: ربي - الذي تأويله يا معلم - أين تكون؟ فقال لهما: تعاليا لتنظرا، فأتيا وأبصرا موضعه أين يكون، وأقاما عنده يومهما ذلك وكان نحو عشر ساعات، وإن واحداً من اللذين سمعا من يوحنا وتبعا يسوع كان اندراوس أخا سمعان وإنه أبصر أولاً سمعان أخاه وقال له: قد وجدنا مسياً - الذي تأويله المسيح - فجاء به إلى يسوع؛ فلما نظر إليه يسوع قال له: أنت سمعان بن يونان الذي يدعى الصفا - الذي تأويله بطرس ومن الغد أراد الخروج إلى الجليل فلقي فيليس ناتاناييل وقاله له: الذي كتب موسى من أجله في الناموس والأنبياء وجدناه وهو يسوع الذي من الناصرة، فقال له: ناتاناييل هل يمكن أن يخرج من الناصرة شيء فيه صلاح؟ فقال له فيليس: تعال وانظر، فلما رأى يسوع ناتاناييل مقبلاً إليه قال: من أجله هذا حقاً إسرائيلي لا غش فيه، فقال له ناتاناييل: من أين تعرفني؟ فقال له يسوع: قبل أن يدعوك فيليس وأنت تحت التينة رأيتك فقال له: يا معلم! أنت هو ملك إسرائيل، قال له يسوع: لأني قلت لك

إني رأيتك تحت التينة آمنت سوف تعاين ما هو أعظم من هذا، وقال له: الحق الحق أقول لكم، إنكم من الآن ترون السماء مفتحة وملائكة الله ينزلون ويصعدون على ابن البشر. وفي اليوم الثالث كان عرش في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك ودُعي يسوع وتلاميذه إلى العرش وكان الخمر قد فرغ، فقالت أم يسوع له: ليس لهم خمر، فقال لها يسوع: ما لي ولك أيتها المرأة لم تأت ساعتي بعد؟ فقالت أمه للخدام: افعلوا ما يأمركم به، وكان هناك ستة أجاجين من حجارة موضوعة لتطهير اليهود تسع كل واحدة مطرين أو ثلاثة، فقال لهم يسوع: املؤوا الأجاجين ماء، فملؤوها إلى فوق، وقال لهم: اغرفوا الآن وناولوا رئيس السقاة، فلما ذاق رئيس السقاة ذلك الماء المتحول خمراً لم يعلم من أين هو، فدعا رئيس السقاة العريس وقال له: كل إنسان إنما يأتي بالشراب الجيد أولاً فإذا سكروا عند ذلك يأتي بالدون وأنت أبقيت الجيد إلى الآن! هذه الآية الأولى التي فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده وآمن به تلاميذه. وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه وإخوته وتلاميذه فأقاموا هناك أياماً يسيرة؛ ثم قال: وعلم السيد يسوع أن الفريسيين سمعوا أنه قد اتخذ تلاميذ كثيرة وأنه يعمد أكثر من يوحنا إذ ليس هو يعمد بل

تلاميذه فترك اليهودية ومضى إلى الجليل وكان قد أزمع أن يعبر على موضع السامرة، فأقبل إلى مدينة السامرة التي تسمى بسوخار إلى جانب القرية التي كان يعقوب وهبها ليوسف ابنه وكان هناك بئر يعقوب وكان يسوع قد عيى من تعب الطريق، فجلس على البئر في ست ساعات، فجاءت امرأة من السامرة تستقي ماء، فقال لها يسوع أعطيني أشرب - وكان تلاميذه قد دخلوا إلى المدينة ليبتاعوا لهم طعاماً - فقالت له تلك المرأة: كيف وأنت يهودي تستقي الماء وأنا امرأة سامرية واليهود لا يختلطون بالسامرة! أجاب يسوع وقال لها: لو كنت تعرفين عطية الله ومن هذا الذي قال لك: ناوليني أشرب، لكنت أنت تسألينه أن يعطيك ماء الحياة! قالت المرأة: يا سيد! إنه لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك ماء الحياة؛ لعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر ومنها شرب هو وبنوه وماشيته! فقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً، فأما من يشرب من الماء الذي أعطيه لا يعطش إلى الأبد، قالت المرأة: يا سيد! أعطني من هذا الماء لئلا أعطش ولا أجيء ولا أستقي من ههنا، فقال: انطلقي وادعي زوجك وتعالي إلى هاهنا، قالت: ليس لي زوج، قال لها: حسناً قلت:

إنه لا بعل لي، لأنه قد كان لك خمسة بعولة والذي هو لك الآن ليس هو زوجك، أما هذا فحقاً قلت، قالت: يا سيد! إني أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون: إنه ياروشليم المكان الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال: أيتها المرأة! آمني به، إنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في يروشليم يسجدون للأب، أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن نسجد لما نعلم، لكن ستأتي ساعة وهي الآن لكيما الساجدون المحقون يسجدون بالروح والحق، والرب إنما يريد مثل هؤلاء الساجدين، والذين يسجدون له بالروح والحق ينبغي أن يسجدوا، قالت المرأة: قد علمت أن مَسيا الذي هو المسيح يأتي، فإذا جاء ذاك فهو يعلمنا كل شيء، فقال: أنا هو الذي أكلمك وفي هذا جاء تلاميذه وتعجبوا من كلامه مع امرأة ولم يقل أحد: ماذا تريد ولم تكلمها فتركت المرأة جرّتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس: تعالوا انظروا رجلاً أعلمني كل ما فعلت، لعل هذا هو المسيح، فخرجوا من المدينة وأقبلوا نحوه؛ وفي هذا سأله تلاميذه قائلين: يا معلم! كل، فقال: إن لي طعاماً لا تعرفونه أنتم، فقالوا فيما بينهم: لعل إنساناً وافاه

بشيء فطعمه، فقال: طعامي أنا أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله أليس أنتم تقولون: إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر، وأنا قائل لكم: ارفعوا أعينكم وانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة، والزارع والحاصد يفرحان معاً، لأنه في هذا توجد كلمة الحق، إن واحداً يزرع وآخر يحصد، أنا أسألكم تحصدون شيئاً ليس أنتم تعبتم فيه بل آخرون تعبوا فيه وأنتم دخلتم على تعب أولئك؛ فآمن به في تلك المدينة سامريون كثيرون من أجل كلمة تلك المرأة، ولما صار إليه السامريون طلبوا إليه أن يقيم عندهم، فمكث عندهم يومين فآمن به كثير، وكانوا يقولون للمرأة: لسنا من أجل قولك نؤمن به لكنا قد سمعنا وعلمنا أن هذا هو المسيح بالحقيقة مخلص العالم. وبعد يومين خرج يسوع إلى الجليل ومضى من هناك، لأنه شهد أن النبي لا يكرم في مدينته، ولما صار إلى الجليل قبله الجليليون، لأنهم عاينوا كل ما عمل بايروشليم في العيد؛ ثم جاء يسوع حيث صنع الماء خمراً وكان في كفرناحوم عند الملك ابن مريض فسمع أن يسوع قد جاء من يهودا إلى الجليل، فمضى إليه وسأله أن ينزل ويبرىء ولده، لأنه قد كان قارب الموت، فقال له يسوع: إن لم تعاينوا الآيات الأعاجيب لا تؤمنون، فقال له الملك: انزل يا سيد

قبل أن يموت فتاي، قال له يسوع: امض فابنك حي، فآمن الرجل بالكلمة التي قالها يسوع ومضى، وفيما هو ماض استقبله علمانه وبشروه بأن ابنه قد عاش، فسألهم: في أي وقت؟ فقالوا له: أمس في الساعة السابعة تركته الحمى، فعلم أبوه أنه في تلك الساعة التي قال له يسوع فيها: إن ابنك قد حيي، فآمن هو وبيته بأسره؛ وهذه أيضاً آية ثانية عملها يسوع لما جاء من يهودا إلى الجليل. قال مرقس: فأقبل إلى كفرناحوم وبقي يعلم في مجامعهم يوم السبت، فتعجبوا من تعليمه لأنه كان كالمسلط. قال متى: وكان يسوع يطوف في كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويبرىء كل برص ووجع في الشعب، فخرج خبره في جميع الشام فقدم إليه كل من به أصناف الأمراض والأوجاع المختلفة والذين بهم الشياطين والمعترين في رؤوس الأهلة والمخلعين فأبرأهم، وتبعه جموع كثيرة من الجليل والعشرة المدن ويروشليم واليهودية وعبر الأردن، فلما أبصر الجميع صعد إلى الجبل وجلس، وجاء إليه تلاميذه وفتح فاه يعلمهم قائلاً: طوبى للمساكين بالروح! فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى! فإنهم يعزون،

طوبى للمتواضعين! فإنهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاش من أجل البر! فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء! فإنهم يرحمون، طوبى للنقية قلوبهم! فإنهم يعاينون الله، طوبى لفاعلي السلامة! فإنهم بني الله يُدعون، طوبى للمطرودين من أجل البر! فإن لهم ملكوت السماوات طوبى لكم إذا طردوكم وعَيَّروكم وقالوا فيكم كل كلمة شر من أجلي؛ افرحوا وتهللوا، فإن أجركم عظيم في السماوات، لأن هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم. وقال لوقا: هكذا كان آباؤكم يصنعون بالأنبياء الويل لكم أيها الأغنياء! لأنكم قد أخذتم عزاكم، الويل لكم أيها الشباعى الآن! فإنكم ستجوعون؛ الويل لكم أيها الضاحكون الآن! فإنكم ستبكون وتحزنون، الويل لكم إذا قال الناس فيكم قولاً حسناً! لأن آباءهم كذلك فعلوا بالأنبياء الكذبة - يعني المتنبئين - وفيه من الألفاظ التي لا يجوز إطلاقها في شرعنا حمل الله والأب، وقوله: بني الله، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آل عمران تأويل مثل هذا على تقدير صحته عنه وأنه يرد إلى المحكم على أوضح وجه مثل الألفاظ التي وردت في شرعنا ورددناها إلى المحكم، وضل بها من حملها على ظاهرها ممن يدعي الإسلام والله الموفق.

ولما كان هذا حالهم مع الرسل مع أنسهم بهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم بالله وكمالهم علم أنهم في منابذتهم لهم عبيد الهوى وأسرى الشهوات، فتسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال: {أفكلما} أي أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود مع مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما {جاءكم رسول} أي من عند الله ربكم {بما لا تهوى أنفسكم}

من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة معتلى الروح لمنبعث انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب، والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع الباطن بمنزلة اتساع النور في كلية الكون علواً وسفلاً - قاله الحرالي: وقد دل على أن المراد الباطل بالتعبير بالهوى والنفس {استكبرتم} أي طلبتم الكبر وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على قومكم عن قبول الحق ميلاً إلى سنة إبليس مع إعطائكم العهد قبل ذلك على الدوام على اتباعه {ففريقاً} أي

فتسبب عن طلبكم الكبر أنكم فريقاً {كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام {وفريقاً تقتلون} أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل عزمتم على مثل ذلك الفعل كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم يبعثوا إلا لصرف الأنفس عن الهوى لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو ضد هوى النفس؛ والظاهر أنه سبحانه أشار بهذه الصيغة المستقبلة إلى قتلهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسم في خيبر كما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً.

88

ولما بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل المعنوي بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع العلم بأنهم أتوا بالبينات والآيات المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم أموراً كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم من التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف

عليه أو على {وقالوا لن تمسّنا النار} [البقرة: 80] قوله - بياناً لشدة بهتهم وقوة عنادهم: {وقالوا} في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم التي هي أوضح من الشمس {قلوبنا غلف} جمع أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته، كأن الغلفة في طرفي المرء: ذكره وقلبه، حتى يتم الله كلمته في طرفيه بالختان والإيمان - قاله الحرالي. فالمعنى: علهيا أغطية فهي لا تفهم ما تقولون. فكان المراد بذلك مع أنهم أعلم

الناس أن ما يقولونه ليس بأهل لأن يوجه إليه الفهم، ولذلك أضرب الله سبحانه عنه بقوله: {بل} أي ليس الأمر كما قالوا من أن هناك غلفاً حقيقة بل {لعنهم الله} أي طردهم الملك الأعظم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة بعد أن خلقهم على الفطرة الأولى القويمة لا غلف على قلوبهم، لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطي - قاله الحرالي. ثم بين علة ذلك بقوله: {بكفرهم} . قال الحرالي: أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبارهم اللعن كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله: {من الجنة والناس} [الناس: 6] ليتصل طرفاه، فيكون ختماً لا أول

له ولا آخر، والفاتحة محيطة به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف، كما قالت العربية لما سئلت عن بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله: {فقليلاً ما يؤمنون} ، فوصفه بالقلة وأكده بما إيذاناً بأنه مغمور بالكفر لا غناء له. ولما ذكر سبحانه من جلافتهم ما ختمه بلعنهم وكان قد قدم ذكر كتابهم مراراً وأشار إلى الإنجيل بإيتاء عيسى عليه السلام البينات ذكر سبحانه كفرهم بهذا الكتاب الذي مقصود السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به دليلاً على إغراقهم في الكفر، لأنهم مع استفتاحهم به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل مبعثه على من يعاديهم واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور بمجيئه كانوا أبعد الناس من دعوته تمادياً في الكفر

وتقيداً بالضلال، فكان هذا الدليل أبين من الأول عند أهل ذلك العصر وذلك قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب} أي جامع لجميع الهدى لعظمته لكونه {من عند الله} الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من المحببات لهم في اتباعه قوله {مصدقاً لما معهم} على لسان نبي يعرفون صحة أمره بأمور يشهد بها كتابهم، وبتصديق هذا الكتاب له بإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم، والجواب محذوف ودل ما بعد على أنه كفروا به، وفي ذلك قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهداً على كفرهم، ولما بين شهادة كتابهم أتبعه شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال {وكانوا} أي والحال أنهم كانوا، ولما كان استفتاحهم في بعض الزمان أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيئه {يستفتحون} أي يسألون الله الفتح بالاسم الآتي به تيمناً بذكره!! {على الذين كفروا} يعني أنهم لم يكونوا في غفله عنه بل كانوا أعلم الناس به وقد وطنوا

أنفسهم على تصديقه ومع ذلك كله {فلما جاءهم} برسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم {ما عرفوا} أي ما صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم {كفروا به} اعتلالاً بأنواع من العلل البينة الكذب، منها زعمهم أن جبريل عليه السلام عدوهم وهو الآتي به؛ قال الثعلبي والواحدي: «روى ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بن صوريا حاجّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أشياء، فلما اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، ولم يبعث الله نبياً إلا وهو وليه - وفي رواية: وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل - فقال: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك» وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري «أن نفراً من أحبار يهود جاؤوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: خبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني، قالوا: نعم، قال: فاسألوا عما بدا لكم!

قالوا: فأخبرنا: كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان الشبه لها؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا عن كيف نومك؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظان، قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكراً لله فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم؛ قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون جبريل وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك. فأنزل الله فيهم {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} [البقرة: 97] إلى قوله: {أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق

منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة: 100] ، وأصل ذلك في البخاري في خلق آدم والهجرة والتفسير عن أنس بن مالك رضي الله عنه - من روايات جمعت بين ألفاظها - قال: (أقبل نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة أي في الهجرة - إلى أن قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب رضي الله عنه، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع التي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه،

فسمع من نبي الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (أي بيوت أهلنا أقرب (- فذكر نزوله على أبي أيوب رضي الله عنه ثم قال: (فلما جاء نبي الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ (وفي رواية: (بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهو في أرض يخترف فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول اشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله (وفي رواية:) وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه - فقال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أخبرني بهن جبريل آنفاً، فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذه الآية: {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] (أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت) وفي رواية (الحوت) (وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان

الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها) وفي رواية: (وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت) (قال: اشهد أنك رسول الله ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فأرسل نبي الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فدخلوا عليه) وفي رواية: (فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت - فقال لهم رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول اللهوأني جئتكم بحق فأسلموا، قالوا: ما نعلمه - قالوا للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقالها ثلاث مرار، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا، قال: أفرأيتم إن أسلم قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم) وفي رواية: (أعاذه الله من ذلك) قال: (يا ابن سلام اخرج عليهم) ، فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، قالوا: كذبت، وقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه فانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله فأخرجهم رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (وللواحدي في أسباب النزول عن عمر رضي الله عنه قال: (كنت آتي

اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة القرآن التوراة وموافقة التوراة القرآن، فقالوا: يا عمر ما أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم؟ قالوا: لأنك تأتينا وتغشانا، قلت: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضاً وموافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن التوراة، فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) خلف ظهري فقالوا: إن هذا صاحبك فقم إليه، فالتفت فإذا رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قد دخل خوخة من المدينة، فأقبلت عليهم فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من كتاب أتعلمون أنه رسول الله؟ قال سيدهم: قد نشدكم بالله فأخبروه، فقالوا: أنت سيدنا فأخيره، فقال سيدهم: نعلم أنه رسول الله، قلت: فأني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ثم لم تتبعوه، فقالوا: إن لنا عدواً من الملائكة وسلماً من الملائكة، فقلت: من عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، قلت: ومن سلمكم؟ قالوا: ميكائيل، قلت: فإني اشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل، وما يحل لميكائيل، قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل، وما يحل لميكائيل، أن يسالم عدو جبريل، وإنهما جميعاً ومن معهما أعداء لمن عادوا وسلم لمن سالموا، ثم قمت فاستقبلني - يعني رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - فقالوا: يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات؟ فقرأ {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك (حتى بلغ) وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] قلت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا أخبرك بقول اليهود فإذا اللطيف

الخبير قد سبقني بالخبر قال عمر: (فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر) انتهى. وقد سألت بعض فضلاء اليهود الموجودين في زماننا عن عداوتهم لجبريل عليه السلام فلم يسمح بالتصريح وقال: ما يعطى ذلك. وقد روى هذا الحديث أيضاً إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي عن عمر رضي الله عنه، قال شيخنا البوصيري: وهو مرسل صحيح الإسناد وفيه: أنه قال لهم: (وكيف منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا) . ولما بين سبحانه بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليساً وبهتاً بل كذباً وفسقاً كانوا أحق الناس بوصف الكفر فسبب عن ذلك قوله: (فلعنة الله) أي الذي له الأمر كله) على الكافرين (فأظهر موضع الإضمار تعليقاً للحكم بالوصف ليعم وإشعاراً بصلاح من شاء الله منهم. ولما استحقوا بهذا وجوه المذامّ كلها وصل به قوله) بئسما (فأتى بالكلمة الجامعة للمذام المقابلة لنعم الجامعة لوجوه المدائح كلها أي

بئس شيء) اشتروا به أنفسهم) أي حظوظهم، فقدموها وآقروها فكان ذلك عين فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم وخروجهم عنها بتعبدهم لله بإيثار ما يرضيه ع لى هوى أنفسهم، فكان ذلك عين تحصيلها وتقديمها، ثم فسر الضمير العائد على المبهم المأخوذ في إحراز النفس فقال: (أن يكفروا) أي يستروا على التجدد والاستمرار علمهم) بما أنزل الله (الذي لا كفؤ له، أي اشتروا أنفسهم فأبقوها لهم على زعمهم بالكفر ولم يجعلوها تابعة؛ ويجوز أن يكون) اشتروا (بمعنى باعوا، لأنهم بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون أنفسهم لله بالإيمان. ثم علل كفرهم بقوله: (بغياً) أي حسداً وظلماً لأن تكون النبوة في بني إسماعيل عليه السلام. وقال الحرالي: هو اشتداد في

طلب شيء ما - انتهى. وأصله مطلق الطلب والإرادة، كأن الإنسان لما كان مجبولاً علىا لنقصان ومطبوعاً على الشر والعصيان إلا من عصم الله وأعان كان مذموماً على مطلق الإرادة، لأن من حقه أن لا تكون له خيرة ولا إرادة بل تكون إرادته تابعة لإرادة مولاه كما هو شأن العبد - والله الموفق. ثم علل بغيهم بقوله: (أن ينزل الله (ذو الجلال والإكرام) من فضله (وفي صيغة) ينزل (إشعار بتمادي ما يغيظهم فيما يستقبل، وبشرى للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والمؤمنين) على من يشاء من عباده (من العرب الذين حسدوهم. ثم سبب عن ذلك قوله) فباؤوا) أي رجعوا لأجل ذلك) بغضب (في حسدهم لهذا النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لكونه من العرب) على غضب (كانوا استحقوه بكفرهم بأنبيائهم عناداً. ثم علق الحكم الذي استحقوه بوصفهم تعميماً

وإشارة إلى أنه سيؤمن بعضهم فقال: (وللكافرين) أي الذين هم راسخون في هذا الوصف منهم ومن غيرهم) عذاب مهين (من الإهانة وهي الإطراح إذلالاً واحتقاراً. ولما أقام سبحانه الدليل على استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب الذي كانوا يستفتحون بالآتي به أقام دليلاً آخر على ذلك أبين منه وذلك بكفرهم بكتابهم نفسه فقال: (وإذا قيل لهم) أي هؤلاء الذين نقضوا عهود كتابهم) آمنوا بما أنزل الله) أي الملك الذي له

الأمر كله مطلقاً. وعلى جهة العموم من الكتب والصحف. ولما رفع مقدارهم بالدعاء إلى الإيمان بما أسند إلى هذا الاسم الأعظم) قالوا (تسفيلاً لأنفسهم) نؤمن بما أنزل علينا (فأسقطوا اسم من يتشرف بذكره ويتبرك باسمه وخصوا بعض ما أنزله. ثم عجب من دعواهم هذه بقوله: (ويكفرون) أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون) بما وراءه) أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزل الله على رسله، وهو يشمل ما قبل التوراة وما بعدها، لأن وراء يراد بها تارة خلف وتارة قدام، فإذا قلت: زيد ورائي، صح أن يراد في المكان الذي أورايه أنا بالنسبة غلى من خلفي فيكون أمامي، وأن يراد في المكان الذي هو متوار عني فيكون خلفي. وقال الحرالي: وراء ما لا يناله الحس ولا العلم حيث ما كان من المكان، فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من حيث أنه

لا يعلم ويكون أماماً في المكان - انتهى. ) وهو) أي والحال أن ذلك الذي وراءه هو) الحق (الواصل إلى أقصى غاياته بما دلت عليه (أل) قال الحرالي: فأنهاه لغاية الحق بكلمة (أل) لأن ما ثبت ولا زوال له لانتهائه هو) الحق (وما ثبت وقتاً ما ثم يتعقبه تكملة أو يقبل زيادة فإنما هو (حق) منكر اللفظ، فإن بين المعروف بكلمة (أل) وبين المنكر أشد التفاوت في المعنى - انتهى. ) مصدقاً لما معهم (فصح أنهم كافرون بما عندهم، لأن المكذب بالمصدق لشيء مكذب بذلك الشيء.

ثم كشف ستر مقالتهم هذه بأبين نقض فقال) قل فلم) أي تسبب عن دعواكم هذه أن يقال لكم: لم) تقتلون أنبياء الله (الملك الأعظم مع أن كتابكم محرم لمطلق القتل فكيف بقتل الأنبياء ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضى بقتل أسلافهم بقوله مثبتاً الجار لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان الماضية) من قبل (وفي صيغة المضارع تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال الفظيعة ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم، لأن التقدير: وتُصرّون على قتلهم من بعد؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تحذيراً منهم، ولقد صدق هذا الإيماء الواقع، فقد عزم بنو النضير على أن يلقوا عليه صخرة، وسمّه أهل خيبر. ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك فقال) إن كنتم مؤمنين (إشعاراً بأن مثل ذلك

لا يصدر من متلبس بالإيمان. ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى مما استحقوا به الخلود في النار أقام دليلاً آخر أقوى من كل ما تقدمه، فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك وهو في النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن، وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى وبحضرة هارون عليهما السلام كما هو منصوص الآن فيما بين أيديهم منها فقال تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات (من الآيات. ولما كان كفرهم مع ذلك في غاية الاستبعاد عبر عنه بأداته مصوراً لزيادة قبحه بترتبه على أظهر البيان وموبخاً لهم فقال: (ثم اتخذتم) أي مع العلاج لفطركم الأولى وعقولكم السليمة (العجل) ونبه بالجار

على أن الاتخاذ في بعض زمن البعد فقال: من بعده أي بعد مفارقة موسى لكم إلى الطور كما في الآية الأخرى {فتنا قومك من بعدك} [طه: 85] ) وأنتم) أي والحال أنكم) ظالمون) أي لم تزعموا أنه إلهكم على جهل منكم بل بعد مجيء البينات إليكم أن إلهكم إنما هو الله الذي أنقذكم من العبودية وأراكم من العجائب الخوارق ما لا يقبل شكاً وسمعتم كلامه فعلمتم أنه ليس بجسم ولا يشبه الجسم، فلم تفعلوا ذلك غلا لأن الظلم وهو المشي على غير نظام خبط عشواء وصف لكم لازم.

93

ثم ذكر أمراً آخر هو أبين في عنادهم وأنهم إنما هم مع الهوى فقال مقبلاً على خطابهم لأنه أشد في التقريع {وإذ أخذنا} وأظهره في مظهر العظمة تصويراً لمزيد جرأتهم {ميثاقكم} على الإيمان والطاعة {ورفعنا فوقكم الطور} الجبل العظيم الذي جعلناه زاجراً لكم عن الرضى بالإقامة في حضيض الجهل ورافعاً إلى أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم {خذوا ما آتيناكم} من الأصول والفروع في هذا الكتاب العظيم {بقوة} . ولما كانت فائدة السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال {واسمعوا} وإلا دفناكم به، وذلك حيث يكفي غيركم في التأديب رفع الدرة والسوط عليه فينبعث للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له من الشرف ولها به من الفخار؛

ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى وشيكاً مع كونها مقتضية للثبات على الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم بعده منبئاً عن أن العناد لهم طبع لازم فكانوا كأنهم عند إعطاء العهد عاصون قال مترجماً عن أغلب أحوال أكثرهم في مجموع أزمانهم وهو ما عبر عنه في الآية السالفة بقوله: {ثم توليتم} [البقرة: 83] مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم بعد إفحامهم بالمواجهة في تقريعهم حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع لهم فأخبروا أنهم جعلوه ضاراً {قالوا سمعنا} أي بآذاننا {وعصينا} أي وعملنا بضد ما سمعنا؛ وساقه لغرابته مساق جواب سائل كأنه قال: رفع الطور فوقهم أمر هائل جداً

مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهراً وباطناً والثبات عليه فما فعلوا؟ فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك {وأشربوا} فأعظم الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم إلى قلوبهم، وهو من الإشراب وهو مداخلة نافذة سائغة كالشراب وهو الماء المداخل كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله الحرالي: وقال الكشاف: وخلط لون بلون {في قلوبهم العجل} أي حبه وحذفه للإيذان بشدة التمكن بحيث صار المضاف هو المضاف إليه {بكفرهم} وفيه إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال الأمر استحق الإبعاد عن مقام الأنس. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب الثامن في وجوه بيان الإقبال والإعراض في القرآن: اعلم أن كل مربوب يخاطب بحسب ما

في وسعه لقنه وينفى عنه ما ليس في وسعه لقنه فلكل سن من أسنان القلوب خطاب إقبال بحسب لقنه، وربما كان له إباء عن بعض ذلك فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك الإباء، وربما تلافته النعمة فعاد الإقبال إليه بوجه ما دون صفاء الإقبال الأول، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة فيعلو البيان والإفهام بحسب رتبة من توجه إليه الإقبال، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار، وربما تراجع لفف البيان فيها بعضها على بعض، فخطاب الإقبال على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعظم إفهام في القرآن {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} [الفرقان: 45] الآية {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} [الفرقان: 47] الآية: تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين، {أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} [الأنبياء: 30] أعرض عنهما الخطاب ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته. {خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم} خاطبهم وأمرهم، فلما عصوا أعرض وجه الخطاب عنهم ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم، واستمر إعراضه هو تعالى عنهم في تمادي الخطاب {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] تنزل الخطاب في الرتبتين ليبين للأعلى ما يبينه للأدنى {ذلك خير لكم وأطهر} [المجادلة: 12]

وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه والتفاف موارده في القرآن - انتهى. والدليل الوجودي على إشرابهم حب العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في عدم الضر والنفع والصورة، ففي السفر الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ما نصه: وسكن بنو إسرائيل ساطيم وبدأ الشعب أن يسفح ببنات مواب ودعين الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم وكمل بنو إسرائيل العبادة بعليون الصنم واشتد غضب الله على بني إسرائيل - انتهى. ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء الإيمان والاختصاص بالجنان أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول لهم على وجه التهكم بهم مؤكداً لذمهم بالتعبير بما وضع لمجامع الذم فقال

{قل بئسما} أي بئس شيئاً الشيء الذي {يأمركم به} من الكفر {إيمانكم} هذا الذي ادعيتموه؛ وأوضح هذا التهكم بقوله على سبيل الفرض والتشكيك {إن كنتم مؤمنين} على ما زعمتم، فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم، وإما أنهم أجهل الجهلة حيث عملوا ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون.

ولما نهضت الأدلة على أنه لا حظ لهم في الآخرة غير النار وذلك نقيض دعواهم أنها لهم فقط في قولهم {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} [البقرة: 80] تفسيرهم ذلك بأنها سبعة أيام وأنا نخلفهم فيها ختم سبحانه ذلك بدليل قطعي بديهي فقال {قل إن كانت} وقدم الجار إشعاراً بالاختصاص فقال: {لكم الدار الآخرة} أي كما زعمتم، وميزها بقوله: {عند الله} الذي له الكمال كله وبين المراد بقوله {خالصة} ولما ذكر الخلوص تأكيداً للمعنى زاده تأكيداً بقوله {من دون الناس} أي سائرهم لا يشرككم فيها أحد منهم من الخلوص وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه - قاله الحرالي. {فتمنوا الموت} لأن ذلك علم على صلاح حال العبد مع ربه وعمارة ما بينه وبينه ورجائه للقائه. قال الحرالي: فعلى قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس مع المعرفة التي بها تأنس بربها فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، يقع ذلك لعامة المؤمنين عند

الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم الغطاء لم يزدادوا يقيناً، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله فهو للموقن في حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر؛ ولذلك ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله وفادة محب مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله الخيرة في لقائه، لأنه وليه، ومنه ما ورد: «ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه» ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه، لأنه وليه يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى.

ثم سجل عليهم بالكذب فقال: {إن كنتم صادقين} أي معتقدين للصدق في دعواكم خلوصها لكم، ولما كان التقدير: فقال لهم فما تمنوه؟ عطف عليه قوله - إخباراً بالغيب قطعاً للعناد مؤكداً لأن ادعاءهم الخلوص أعظم من ادعائهم الولاية كما في سورة الجمعة: {ولن يتمنوه أبداً} ، ثم ذكر السبب في عدم التمني فقال: {بما قدمت} وهو من التقدمة وهي وضع الشيء قداماً وهو جهة القدم الذي هو الأمم والتجاه أي قبالة الوجه - قاله الحرالي: وعبر باليد التي بها أكثر الأفعال إشارة إلى أن أفعالهم لقباحتها كأنها خالية عن القصد فقال:

{أيديهم} أي من الظلم وإلى ذلك أشار قوله: عاطفاً على ما تقديره: فالله عليم بذلك؟ {والله} الذي لا كفؤ له {عليم بالظالمين} أي كلهم حيث أظهر تنبيهاً على الوصف الموجب للحكم وتعميماً وتهديداً. ولما بين أنهم لا يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك من تمني الضد الدال على علمهم بسوء منقلبهم فقال: {ولتجدنهم} أي بما تعلم من أحوالهم مما منه الوجدان. وهو إحساس الباطن بما هو فيه والإصابة أيضاً لما له علقة الباطن، كأنه فيه {أحرص} صيغة مبالغة من الحرص،

وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ - قاله الحرالي: {الناس على حياة} على أي حالة كانت وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن كدر فإنهم يعلمون أنها وإن كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد الموت {ومن} أي وأحرص من {الذين أشركوا} الذين لا بعث عندهم على الحياة علماً منهم بأنهم صائرون إلى العذاب الدائم بالسيئات المحيطة والشرك. قال الحرالي: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس له معه أمر - انتهى. ثم بين مقدار ما يتمنونه فقال: {يود} من الود وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له - قاله الحرالي. {أحدهم} أي أحد من تقدم من اليهود والمشركين بجميع أصنافهم، أو من اليهود خاصة، أو من المشركين فتكون ودادة اليهود من باب الأولى. قال الحرالي: وهو نحو من خطاب القرآن لا يصل إليه إبلاغ الخلق {لو يعمر} من التعمير وهو تمادي العمر كأنه تكرار، والعمر أمد ما بين بدو الشيء

وانقطاعه - قاله الحرالي. {ألف سنة} خوفاً من الموت أو ما بعده، والألف كمال العدد بكمال ثالثة رتبة؛ والسنة أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي. وهذا المعنى وإن كان موجوداً في الحول والعام والحجة غير أن مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة، فلبلاغة القرآن لا يطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ، فهذا السياق لما كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أي حالة كانت علماً منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق شقائهم عبر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان. أو ما منه الدوران الذي فيه كد وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر قال السهيلي في الروض: وقد تسمى السنة داراً في الخبر: إن بين آدم ونوح ألف دار - أي سنة، ثم قال: فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح باباً من العلم بإعجاز القرآن والله المستعان. {وما هو} أي تعميره {بمزحزحه} والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعد عنه - قاله الحرالي: {من العذاب}

أي زحزحة مبتدأة من العذاب، وعبر بمن دون عن إعلاماً بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة وإن لم يحسوا به في الدنيا، ثم فسر الضمير بقوله: {أن يعمر} إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه تفرقة. ولما كان التقدير: لأنهم يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة، عطف عليه قوله: {والله} الذي له الأمر كله {بصير بما يعملون} . ولما ذكر عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب

والقتل، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق وأخصهم حسداً لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثم إشارة بما رمزه إلى نصبهم لقتله وأنهى ذلك بأنه لا محيص لهم من العذاب، لأنه بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم في عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلاً على بغضهم إلا الكفر، وبدىء بذكر المنزل للقرآن، لأن عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمراً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعلاماً بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم: {قل} أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن: ولما أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما دل على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم وأخبر بأنه لا بد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين، فعلى تقدير كونه دليلاً على الأول يكون منسوقاً على {قل} الأولى بغير عاطف إشعار بأن كلاًّ من الدليلين كاف فيما سيق له: على تقدير كونه دليلاً على الثاني الذي خصه يكون جواباً لمن كأنه قال: لم لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب؟ {قل}

أي لهؤلاء الذين ادعوا أن دار الملك خالصة لهم وهم يعادون خواص جنده {من} وهي اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحاداً وجموعاً واستغراقاً - قاله الحرالي: {كان عدواً لجبريل} أي فإنه لا يضر إلا نفسه، لأنه لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه ولعداوته بعداوته له لله الذي خصه بقربه واختياره لرسالته، فكفر حينئذ هذا المعادي له بجميع كتب الله ورسله؛ وجبريل قال الحرالي: يقال هو اسم عبودية، لأن إيل اسم من أسماء الله عز وجل في الملأ الأعلى وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعاً إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام - انتهى. ثم علل هذا الخبر المحذوف بما أرشد إليه فقال: {فإنه} أي جبريل {نزله} أي القرآن الذي كفروا به، لحسدهم للذي أنزل عليه بعد ما كانوا يستفتحون به. الآتي بما ينفعهم، الداعي إلى ما يصلحهم

فيرفعهم، ولما كان المراد تحقيق أنه كلام الله وأنه أمر بإبلاغه جمع بين {قل} وبين {على قلبك} أي وهو أكمل القلوب، دون أن يقال: على قلبي - المطابق لقل؛ وأداة الاستعلاء دالة على أن المنزل تمكن في القلب فصارت مجامعه مغمورة به، فكان مظهراً له {بإذن الله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله. فليس لأحد إنكار ما أذن فيه. والنازل به لم يتعد شيئاً مما أمر به؛ والإذن رفع المنع وإيتاء المكنة كوناً وخلقاً ما لم يمنعه حكم تصريف - قاله الحرالي: {مصدقاً لما بين يديه} من كتب الله التي أعظمها كتابهم. فكانوا أحق الناس بالإيمان به وكان جبريل عليه السلام أحق الملائكة بمحبتهم له

لإنزاله، وكان كفرهم به كفراً بما عندهم، فلا وجه لعداوتهم له؛ والبين حد فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي: {وهدى} إلى كل خير، لأنه بيان ما وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح {وبشرى} أي ببيان الثواب {للمؤمنين} أي الذين لهم الإيمان وصف لازم، فلا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله، بل حيثما قادهم الحق انقادوا؛ فلا يدخل في ذلك الذين آمنوا بألسنتهم {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] ولا من علم الله منه ذلك ولو كان قبل مبعثه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الله أعلم بما كانوا عاملين؛ فلو أنهم مؤمنون لما عادوا من نزل به بشرى لهم ولكنهم كفرة فهم في العذاب، والآخرة ليست لهم بل عليهم. ولما كانت عداوة واحد من الحزب لكونه من ذلك الحزب عداوة لجميع ذلك الحزب تلاه بقوله: {من كان عدواً لله} ذي الجلال والإكرام لعداوته واحداً من أوليائه لكونه من أوليائه {وملائكته}

النازلين بأمره {ورسله} من البشر وغيرهم، وخص من بينهم بالذكر من حباه بالفضل فقال: {وجبريل وميكال} ، فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره، وعلى ذلك دل قوله: {فإن الله} الملك الأعلى: {عدو للكافرين} حيث أظهر ولم يضمر، وعبر بالوصف اللازم صرفاً للخطاب عمن يتعظ منهم فيرجع فلا تلحقه المعاداة لذلك؛ وميكال يقال هو اسم عبودية أيضاً وهو يد بسط للأرزاق المقيمة للأجسام كما أن إسرافيل يد بسط للأرواح التي بها الحياة - قاله الحرالي. ولما فرغ من ترغيبهم في القرآن بأنه من عند الله وأنه مصدق لكتابهم وفي جبريل بأنه الآتي به بإذن الله ومن ترهيبهم من عداوته أتبعه مدح هذا القرآن وأنه واضح الأمر لمريد الحق وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرف من الحق فإنه بحيث لا يخفى على أحد فقال تعالى - عطفاً على قوله: {فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] ، أو قوله: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} [البقرة: 92] ، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزله جبريل عليه السلام أن الآخرة ليست خالصة لهم وأنهم

ممن أحاطت به خطيئته لكفره -: {ولقد أنزلنا} بعظمتنا في ذلك وغيره {إليك} وأنت أعظم الخلق {آيات بينات} في الدلالة على صدقك وصحة أمرك، والبينة الدلالة الفاصلة بين القصة الصادقة والكاذبة، ففسقوا بكفرهم بها {وما يكفر بها} منهم ومن غيرهم {إلا الفاسقون} الذين الفسق لهم صفة لازمة، وعن الحسن أن الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظمه من كفر وغيره

وفي ذلك رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو مقصود السورة. ولما أنكر عليهم أولاً ردهم للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله: {أفكلما جاءكم رسول} [البقرة: 87] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا الرسول من الأمر البين الذي يشهد به كتابهم وقد أخذ عليهم العهد باتباعه كما أرشد إلى قوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى} [البقرة: 38] الآية، أنكر عليهم ثانياً كفرهم بما أتى به الرسل بقوله: {أو كلما عاهدوا عهداً نبذه} أي طرحه محتقراً له {فريق منهم} أي ناس شأنهم السعي في الفرقة. ولما كان هذا متردداً بين التقليل والتكثير لتردد التنوين بين التعظيم والتحقير رد احتمال التقليل بقوله: {بل} أي وليس الفريق الكافر بالنبذ أقلهم بل {أكثرهم لا يؤمنون} حالاً ولا مآلاً.

101

ثم أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول كما فعل في الإنكار الأول غير أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال: {ولما جاءهم رسول} أي عظيم محيطة دعوته بما أشعر به الاسم الأعظم في قوله {من عند الله} أي الملك الذي له جميع الملك والأمر {مصدق لما معهم} لكونه

أتى بكتاب محقق أنه من عند الله لإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم {نبذ} أي رمى رمي استخفاف {فريق من الذين أوتوا الكتاب} الأول {كتاب الله} الملك الأعلى الذي أخذ عليهم فيه الميثاق على لسان نبيهم باتباع النبي الأمي أسوأ النبذ بجعله لاستخفافهم به {وراء ظهورهم} بتركهم العمل به وإن حلوه بالذهب ووضعوه على الكراسي بين أيديهم. وأشعر بعنادهم بقوله: {كأنّهم لا يعلمون} ولما كانت سنة الله جارية بأنه ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه بأن أحيى على يده بدعة أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء إقبالهم على كلام الشياطين الذين هم أعدى الأعداء فقال تعالى: {واتبعوا ما تتلوا} أي تقرأ أو تتبع، وعبر بالمضارع إشارة إلى كثرته وفشوه

واستمراره {الشياطين على ملك} أي زمن ملك {سليمان} من السحر الذي هو كفر. قال الحرالي: من حيث إن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم الله ويظهر أثره فيما قصر عليه من التخييل والتمريض ونحوه بالاقتصار به من دون اسم الله الذي هو كفر - انتهى. وكأن السحر كان في تلك الأيام ظاهراً عالياً على ما يفهمه التعبير بعلى، وأحسن من هذا أن يضمن {تتلوا} تكذب، فيكون التقدير: تتلو كذباً على ملكه، كما أشار إليه ما رواه البغوي وغيره عن الكلبي وكذا ما روي عن السدي، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: وروى في الحديث: «أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبت أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا، وجعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم سليمان وكتبوا في عنوانه: هذا كتاب آصف بن برخيا الصديق لسليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر

كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه؛ فاستخرجه بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان ملك سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، فليس هو في أحد أكثر منه في يهود» انتهى. وسليمان - على ما ذكر في أول إنجيل متّى أثناء إنجيل لوقا - هو ابن داود بن لَسَّى ابن عونيد بن باعاز بن سلمون بن يصون بن عميناداب بن أرام بن يورام بن حصرون بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام والحاصل أنهم مع تركهم للكتب المصدقة لما معهم، الكفيلة بكل هدى وبركة، الآتية من عند الله المتحبب إلى عباده بكل جميل، على ألسنة رسله الذين هم أصدق الناس وأنصحهم وأهداهم، لا سيما هذا الكتاب المعجز الذين كانوا يتباشرون بقرب زمن صاحبه، اتبعوا السحر الذي هو أضر الأشياء وأبشعها، الآتي به الشياطين الذين هم أعدى الأعداء وأفظعها، وأعجب ما في ذلك أنهم نسبوا السحر إلى سليمان عليه السلام كذباً وفجوراً وكفروه به ثم كانوا هم أشد الناس تطلباً له ومصاحبة علماً وعملاً وأكثر ما يوجد فيهم، فكانوا بذلك شاهدين على أنفسهم بالكفر؛ ومن المحاسن أيضاً أنه لما كان قوله: {ولقد

آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} [البقرة: 87] وما بعده في الكتب والأنبياء والرسل من البشر والملائكة كانت فذلكته أن الكفرة من أهل الكتاب نبذوا ذلك كله ونابذوه وأقبلوا على السحر الذي كان إبطاله من أول معجزات نبيهم وأعظمها؛ فهو أشد شيء منافاة لشرعهم مع علمهم بأن ذلك يضرهم في الدارين ولا ينفعهم. ولما اعتقد أهل الكتاب بعد موت سليمان عليه السلام أن السحر منه، وأن انتظام ملكه على الإنس والجن والطير والوحش والريح إنما كان به، نفى الله تعالى ذلك عنه بقوله: {وما كفر سليمان} ، قال الحرالي: يقال هو من السلامة، فإنه من سلامة صدره من تعلقه بما خوله الله تعالى من ملكه {هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر} [النمل: 40]

وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة وما منها من المخلوقات - انتهى. أي ما وقع منه كفر ما فضلاً عن أن يكون بالسحر الذي هو أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء {ولكن الشياطين كفروا} . ثم بين كفرهم بقوله: {يعلمون الناس} أي المضطرين الذين لم يصلوا إلى سِنّ الذين آمنوا {السحر} أي الذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يبينونه من أمره. والسحر قال الحرالي: هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله عليه. وقال الكرماني: أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته. وقال الأصفهاني: اختلفوا في تعلمه على ثلاثة أوجه: أحدها أنه حرام، الثاني أنه مكروه، الثالث أنه مباح، والحق أنه إن كان تعلمه للعمل فهو حرام، وإن كان لتوقيه وعدم الاغترار به فهو مباح، وقال: والمراد بالسحر ما يستعان

في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا يميز الساحر عن الولي والنبي؛ وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحراً على التجوز لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل لما خفي سببه. وقوله: {وما} ، أي واتبعوا أو ويعلمون {ما أنزل على الملكين} قال الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون هو أمر الشياطين، ومنزل من غيب هو المتعلم من الملكين؛ وقال: {ببابل} تحقيقاً لنزولهما إلى الأرض {هاروت وماروت} بدل من الملكين، كأنهما لما كانا مع الحاجة إليهما لا يحتاجان إلى أحد

وُصفا أيضاً بكونهما ملكين - بكسر اللام، وعبارة الحرالي: ملَكان جعلا ملِكين في الأرض، والآية من إظهار الله للملائكة أفضل الخليفة. ثم بين نصيحة الملكين بقوله: {وما} فأنبأ أن التقدير: وما كفر الملكان كما كفر الشياطين فإنهما ما {يعلمان} ، وزيادة من في قوله: {من أحد} لتأكيد الاستغراق {حتى يقولا إنما نحن فتنة} أي على صورة الاختبار من الله لعباده، فإنه يعلم نبأ من يختار السحر لما فيه من النفع العاجل على أمر النبوة فيكفر، ومن يعلم حقيقته لئلا يقع فيه وهو لا يشعر ثم يتركه إقبالاً على دين الله؛ ووحد والمخبر عنه اثنان لأنها مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع. قال الحرالي: وأصل معناها من فتن الذهب وهو تسخيره ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى. {فلا تكفر} بالعمل بما نعلمكه، فإن العمل به كفر، أو باعتقاد أنه حق مغن عما جاء عن الله، أو مؤثر بنفسه {فيتعلمون منهما ما يفرقون به} مخالفة للملكين في النهي عن ذلك، وذكر الفرقة في أشد الاتصال ليفهم منه ما دونه فقال: {بين المرء وزوجه} ، والمرء اسم سن من أسنان

الطبع يشارك الرجل به المرأة ويكون له فيه فضل ما ويسمى معناه المروة - قاله الحرالي. ولما ذكر السبب القريب للضرر رده إليه ترقية للذهن الثاقب إلى أعلى المراتب وصوناً له عن اعتقاده ما لا يناسب فقال: {وما هم بضارين} وهو من الضر - بالفتح والضم - وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه، في مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة في الضر بأنه عن علو وقهر، والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل ونحوه، وقل ما يكون عن الأدنى إلا أذى ومنه {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] قاله الحرالي: {به من أحد} . ولما أكد استغراقه بضروب من التأكيد تلاه بمعيار العموم فقال: {إلا بإذن الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفؤ له، وفيه إعلام لهم بأن ضرره

لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم إنما هو كضرر غيره من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله تعالى، وقد تعرف فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من الأنبياء منهم ومن غيرهم، والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو الله تعالى، وسيأتي عند قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها} [الأنعام: 97] في سورة الأنعام ما ينفع استحضاره هنا. ولما كان هذا الذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه فضره أكبر من نفعه اتبعه قسماً آخر ليس للعامل به شيء غير الضر؛ فليس الحامل على تعلمه إلا إيثاراً للحاق بإبليس وحزبه فقال: {ويتعلمون} ، أي من السحر الذي ولده الشياطين لا من الملكين {ما يضرهم} لأن مجرد العمل به كفر أو معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله: {ولا ينفعهم}

لأنه لا تأثير له أصلاً، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في مقابلة الضر، ولذلك يخاطب به الكفار كثيراً لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي. ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققاً مؤكداً: {ولقد علموا} ، بياناً لأنهم أسفه الناس {لمن اشتراه} أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان {ما له في الآخرة} الباقية الباقي نفعها {من خلاق} أي نصيب موافق أصلاً، والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه - قاله الحرالي. ثم جمع لهم المذامّ على وجه التأكيد فقال: {ولبئس ما شروا} ، أي باعوا على وجه اللجاجة {به أنفسهم} إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت نفوسهم من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار، ثم قال بعد إثبات العلم لهم: {لو كانوا يعلمون} ، أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات

الحق، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم، فعلمهم الذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه. ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال: {ولو أنهم آمنوا} أي بما دعوا إليه من هذا القرآن، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر {واتقوا} ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقاً فنسخ من التوراة فصار باطلاً، ومن الإقدام على ما لم يكن حقاً أصلاً من السحر لأثيبوا خيراً مما تركوا، لأن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما يقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال: {لمثوبة} صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة

إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي، وشرفها بقوله: {من عند الله} الذي له جميع صفات الكمال، وزادها شرفاً بقوله: {خير} ، مع حذف المفضل عليه. قاله الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفاً لهذه المثوبة وإلحاقاً لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته - انتهى. وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار ككون الفاتحة شفاء وآية الكرسي حرز من الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه. ثم أكد الخبر بأن علمهم جهل بقوله: {لو كانوا يعلمون} وقال الحرالي: فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو

شر وهذه ترغب في منال ما هو خير؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو علم الأسماء ومنافع القرآن يكون لهم عوضاً من علم السيميا الذي هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر، زاد ما زاد» . وحقيقة السيميا أمر من أمر الله أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصور، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله تعالى لمن شاء أن يفتنه به، حتى كانت فتنة اسم السيميا من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالاً إظهاراً لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى دارين: دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} [الروم: 14] . ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه كان من المثوبة لمن

آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس والمعوذتان حرزاً وإبطالاً وتلقفاً لما يأفك سحر الساحرات عوضاً دائماً باقياً لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات عوضاً دائماً بما فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر مفرقاً، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع، ويكاد أن لا يقف من جاءه هذه الآية لهذه الأمة عند غاية من منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى. ولما كان من الحق كما قال الحرالي إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق لأنها بذلك حق هو مثال للحق المبين وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه إفك وقلب عن وجهه فهو خيال باطل هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس فهو خيال لما صحة النسبة فيه مثال اتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي التنبيه على السحر المجازي الذي حيلوا به الخير وقصدوا به الشر ليكون النهي عنه نهياً عن الأول بطريق الأولى فقال ملتفتاً عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين الذي هو أخص من {يا بني إسرائيل} الأخص من {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] {يا أيها الذين

آمنوا} ، أي أقروا بالإيمان صدقوا إقراركم به بأن {لا تقولوا} للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {راعنا} التي تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الخير وخفض الجانب، فاغتنمها اليهود لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ألسنتهم ويقصدون بها الرعونة وهي إفراط الجهالة فنهاهم عن موافقتهم في القول منعاً للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال: {وقولوا انظرنا} فأبقى المعنى وصرف اللفظ. قال الحرالي: ففيه إلزام تصحيح الصور لتطابق تصحيح المقاصد وليقع الفرق بين الصورتين كما وقع الفرق بين المعنيين فهي آية فرقان خاصة بالعرب. قال الأصفهاني:

وهذا النهي اختص بهذا الوقت، قال الواحدي لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن وقال: {واسمعوا} أي قولوا ما أمرتكم به وامتثلوا جميع أوامري ولا تكونوا كاليهود في حملهم السماع على حقيقته وقولهم {سمعنا وعصينا} وعطف {وللكافرين} على غير معطوف عليه مذكور مرشد إلى أن التقدير: فإن السماع أي القبول إيمان وللسامعين نعيم كريم والإعراض كفر وللكافرين من اليهود وغيرهم {عذاب أليم} . ولما أرشد ختم الآية إلى العلة الحاملة على الامتثال علل بعلة أخرى فقال: {ما يود الذين كفروا} مطلقاً {من أهل الكتاب} اليهود والنصارى {ولا} من المشركين بأي نوع كان من أنواع

الشرك بغضاً فيكم حسداً لكم {أن ينزل عليكم} وأكد الاستغراق بقوله: {من خير من ربكم} أي المحسن إليكم، فكأنه قيل: للسماع علتان حاملتان عليه داعيتان إليه: إحداهما أخروية وهي النعيم للمطيع والعذاب للعاصي، والأخرى دنيوية وهي مخالفة الأعداء، فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلاً عن أن تمتثلوه، ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، ولم يعطف {ما يود} لأنه مع ذلك علة للعلة، فكأنه قيل: لهم عذاب أليم لأنهم يودون لكم خيراً؛ فسماعكم من جملة عذابهم، لأنه واقع على خلاف ودادتهم مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم وتمنيهم كفركم، ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها من التحريض على الكتاب الذي لا ريب فيه. ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من رضي وسخط من سخط فقال معلقاً الأمر بالاسم الأعظم

الجامع: {والله} أي ما يودون والحال أن ذا الأسماء الحسنى {يختص} ولما كان المنزل أتم الرحمة عبر عنه بقوله: {برحمته} التي وسعت كل شيء من الهداية والعلم وغير ذلك {من يشاء} أي يجعله مختصاً أي منفرداً بها من بين الناس، ولو كان عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما كانوا يرون من جهلهم وضلالهم وجفائهم واختلال أحوالهم؛ و «الاختصاص» عناية تعين المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، و «الرحمة» نحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه، أدناه كشف الضر وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب - قاله الحرالي. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص نفاه بقوله مصدراً له بالاسم الأعظم أيضاً عاطفاً على ما أفهمه الاختصاص من نحو أن يقال

تعريضاً باليهود: فالله بمن يزوي عنه الرحمة عليم {والله} أي الملك الأعلى الذي له جميع العظمة والرحمة فلا كفؤ له {ذو الفضل العظيم} أي الذي لا يحصر بحد ولا يدخل تحت عد.

106

ولما حرم سبحانه قوله {راعنا} بعد حله وكان ذلك من باب النسخ وأنهى ما يتعلق به بالوصف بالفضل العظيم بعد التخصيص الذي من مقتضاه نقل ما يكون من المنافع من ملك أو دين أو قوة أو علم من ناس إلى ناس، وكان اليهود يرون أن دينهم لا ينسخ، فكان النسخ لذلك من مطاعنهم في هذا الدين وفي كون هذا الكتاب هدى للمتقين، لأنه على زعمهم لا يجوز على الله، قالوا: لأنه يلزم منه البدا - أي بفتح الموحدة مقصوراً - وهو أن يبدو الشيء أي يظهر بعد أن لم يكن، وذلك لا يجوز على الله تعالى، هذا مع أن النسخ في كتابهم الذي بين أظهرهم، فإن فيه أنه تعالى أمرهم بالدخول إلى بيت المقدس بعد مقاتلة الجبارين، فلما أبوا حرم عليهم دخولها ومنعهم منه ومن القتال بالقدرة والأمر، كما ستراه عن نص التوراة في سورة المائدة إن شاء الله

تعالى، وأمرهم بالجمعة فاختلفوا فيه، كما قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويأتي في قوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] واختاروا السبت، ففرض عليهم وشدد عليهم فيه وأحل لهم جميع اللحوم والشحوم، لما اتخذوا العجل حرم عليهم الشحوم؛ وأعظم من ذلك تعاطيهم من النسخ ما لم يأذن به الله في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتحريم الأحبار والرهبان وتحليلهم لهم ما شاؤوا من الأحكام التي تقدم عد جملة منها أصولاً وفروعاً، كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31] ، ولما قال عدي بن حاتم للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: أليسوا يحلون لهم ويحرمون؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم لهم» كما هو مبين في السيرة في وفادة عدي؛ وكما فعلوا في إبدال الرجم في الزنا بالتحميم والجلد؛ وفي اتباع ما تتلو الشياطين مع أن فيه إبطال كثير من شرعهم؛ وفي نبذ فريق منهم كتاب الله؛ وفي قولهم: {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] ، وفي اتخاذهم العجل مع النهي عن ذلك - وكل ما شاكله في كثير من فصول التوراة وفيما أشير إليه بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] إلى غير ذلك، لما كان ذلك قال تعالى جواباً عن طعنهم

سابقاً له في مظهر العظمة معلماً أنه قد ألبس العرب المحسودين ما كان قد زين به أهل الكتاب دهوراً فابتذلوه ودنسوا محياه ورذلوه وغيروه وبدّلوه إشارة إلى أن الحسد لكونه اعتراضاً على المنعم يكون سبباً لإلباس المحسود ثوب الحاسد: {ما ننسخ} والنسخ قال الحرالي: نقل بادٍ من أثر أو كتاب ونحوه من محله بمعاقب يذهبه. أو باقتباس يغني عن غيبته وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب؛ والمعاقبة في هذا أظهر - انتهى. وساقها بغير عطف لشدة التباسها بما قبلها لاختصاصنا لأجل التمشية على حسب المصالح بالفضل والرحمة، لأنه إن كان المراد نسخ جميع الشرائع الماضية بكتابنا فلما فيه من التشريف بالانفراد بالذكر وعدم التبعية والتخفيف للأحمال التي كانت، وإن كان المراد نسخ ما شرع لنا فللنظر في المصالح الدنيوية والأخروية بحسب ما حدث

من الأسباب {من آية} أي فنرفع حكمها، أو تلاوتها بعد إنزالها، أو نأمر بذلك على أنها من النسخ على قراءة ابن عامر، سواء كانت في شرع من قبل كاستقبال بيت المقدس أو لم تكن؛ وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا به مثلاً ولا خيراً، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص بهم وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول فرحاً بجديد أو اغتباطاً بما هو خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن خير لاحق وجدِّته - قاله الحرالي: {أو ننسأها} أي نؤخرها، أي نترك إنزالها عليكم أصلاً، وكذا معنى {أو نُنسها} من أنسى في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، أي نأمر بترك إنزالها

{نأت بخير منها أو مثلها} كما فعلنا في {راعنا} وغيرها. أو يكون المعنى {ما ننسخ من آية} فنزيل حكمها أو لفظها عاجلاً كما فعلنا في {راعنا} أو {ننسأها} بأن نؤخر نسخها أو نتركه - على قراءة {ننسها} زمناً ثم ننسخها كالقبلة {نأت} عند نسخها {بخير منها أو مثلها} ،، وقال الحرالي: وهو الحق إن شاء الله تعالى. والنسء تأخير عن وقت إلى وقت، ففيه مدار بين السابق واللاحق بخلاف النسخ، لأن النسخ معقب للسابق والنسء مداول للمؤخر، وهو نمط من الخطاب عليٌ خفي المنحى، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة من آل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه المداولة. ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن لحوم الأضاحي فتقبله الذين آمنوا نسخاً، وإنما كان إنساء وتأخيراً لحكم

الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافّة التي كانت دفت عليهم من البوادي، فلم يلقن ذلك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى فسره فقال: «إنما نهيتكم من أجل الدافة» ، ففي متسع فقهه أن أحكاماً تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنَسء متراجعة. ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف عن المقاومة هو من أحكام المنسء، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى مّا ثم يعود في وقت لزوال ذلك المعنى فهو من المنَسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما؛ فبحق أن هذه الآية من جوامع آي الفرقان، فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة. قلت: وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة براءة عند {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء وهو ما يظهره الله

من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء كالسنن التي أبداها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تنسيته كما ورد من قوله: إني لأُنَسَّى لأسُنَّ. وقال عليه الصلاة والسلام في إفصاح القول فيه: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت، بل هو نُسي» ومنه قيامه من اثنتين وسلامه من اثنتين حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي مثلها أو خير؛ ومن نحوه منامه عن الصلاة حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر كما كان قد أظهرها

بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت نور عياني من مدارها مع الشمس، ووقت نور وجداني من مدارها مع الذكر، ولصحة وقوعها للوقتين كانت الموقتة بالذكر أداء بحسبه، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني؛ فلله تعالى على هذه الأمة فضل عظيم فيما يكمل لها على طريق النسخ وعلى سبيل النسء وعلى جهة النسيان الذي ليس عن تراخ ولا إهمال وإنما يوقعه إجباراً مع إجماع العزم، وفي كل ذلك إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك الأمر الذي كان يقع على إجماع ورعاية لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع تقلبات أنفسها، كل ذلك من اختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى. واستدل سبحانه على إتيانه بذلك بقدرته، والقدرة الشاملة التامة مستلزمة للعلم أي وليس هو كغيره من الملوك إذا أمر بشيء خاف غائلة أتباعه ورعاياه في نقضه، واستدل على القدرة بأن له جميع الملك وأنه ليس لأحد معه

أمر، وحاصل ذلك أنه لما ذكر سبحانه هذا الكتاب وأكد أمره مراراً وكان ناسخاً لفروع شريعتهم ولا سيما ما فيها من الآصار والأغلال أشار سبحانه إلى أن من أعظم ضلالهم وغيهم ومحالهم، ادعاؤهم أن النسخ لا يجوز على الله، فمنعوا من {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء: 23] مما هو موجود في كتابهم كما أمر آنفاً، ومما سوغوه لأنفسهم بالتحريف والتبديل، ولزم من ذلك تكذيب كل رسول أتاهم بما لا تهوى أنفسهم، وفعلوا خلاف حال المؤمنين المصدقين بما أنزل إلى نبيهم وما أنزل إلى غيره، وضمن ذلك عيبهم بالقدح في الدين بالأمر بالشيء اليوم والنهي عنه غداً، وأنه لو كان من عند الله لما تغير لأنه عالم بالعواقب، ولا يخلو إما أن يعلم أن الأمر بذلك الشيء مصلحة فلا ينهى عنه بعدُ، أو مفسدة فلا يأمر به اليوم، جوابهم عن ذلك معرضاً عن خطابهم تعريضاً بغباوتهم إلى خطاب أعلم الخلق بقوله: {ألم تعلم أن الله} أي الحائز لجميع أوصاف الكمال {على كل شيء قدير} على وجه الاستفهام المتضمن للإنكار والتقرير المشار فيه للتوعد والتهديد، فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في وقت مصلحة وفي وقت آخر مفسدة لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم. ويقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر.

ولو أراد لجعل الأمر على سنن واحد والناس على قلب رجل واحد {ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً} [يونس: 99] {لجعل الناس أمة واحدة} [هود: 118] ولكنه مالك الملك وملك السماوات والأرض، يتصرف على حسب ما يريد، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه، وهل يجوز أن يعترض العبد الذي لا ينفك أصلاً من الرق على السيد الثابت السودد على أنه لا يلزمه شيء أصلاً فلا يلزمه الأمر على حسب المصالح؛ ثم أتبع ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة فقال: {ألم تعلم أن الله} الجامع لأنواع العظمة {له ملك السماوات والأرض} يفعل في ذواتهما وأحوالهما ما يشاء. قال الحرالي: فهو بما هو على كل شيء قدير يفصل الآيات، وهو بما له ملك السماوات والأرض يدبر الأمر - انتهى. ولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه وعظمته بالاسم العلم الذي هو أعظم من مظهر العظمة في ننسخ وننسا بالإقبال على خطاب من لا يعلم ذلك حق علمه غيره فتهيأت قلوب السامعين وصغت لفت الخطاب إليهم ترهيباً في إشارة إلى ترغيب فقال: {وما لكم

من دون الله} المتصف بجمع صفات العظمة {من ولي} يتولى أموركم، وهو من الولاية، قال الحرالي: وهي القيام بالأمر عن وصلة واصلة {ولا نصير} فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه ولا تلفتوها عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة المؤمنين من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائناً ما كان لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود نحواً مما لقنت ظواهر ألسنتهم، بأن تستمسك بسابق فرقانها فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعاً لكثرة أهل الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام كتابها - أفاده الحرالي وقال: وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأحوال بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر السورة المشتمل على جامع ضرب الأمثال في قوله تعالى: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما} [البقرة: 26] الآية، وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن

الجامعة لجميع ما تفصّل فيه؛ وهي سنام القرآن، وسنام الشيء أعلاه؛ وهي سيدة سور القرآن؛ ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض أثر تفاصيله خلالها في سنامية معانيها وسيادة خطابها نحواً من انتظام آي سورة الفاتحة المنتظمة من غير تفصيل وقع أثناءها ليكون بين المحيط الجامع والابتداء الجامع مشاكلة مّا - انتهى. ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته وعظيم مملكته وما أظهر لذاته المقدس من العظم بتكرير اسمه العلَم وإثبات أن ما سواه عدم فتأهلت القلوب للوعظ صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد فقال: {أم} أي أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ أم {تريدون أن} تتخذوا من دونه إلهاً لا يقدر على شيء بأن {تسألوا رسولكم} أن يجعل لكم إلهاً غيره {كما سئل موسى} ذلك. ولما كان سؤالهم ذلك في زمن يسير أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان إذ قال قومه بعد ما رأوا من الآيات وقد مرّوا بقوم يعكفون على أصنام لهم: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] وقالوا: {أرنا الله جهرة} [النساء: 153] . وقالوا: {لن نصبر على طعام

واحد} [البقرة: 61] وكانوا يتعنتون عليه في أحكام الله بأنواع التعنتات كما تقدم. و «الإرادة» في الخلق نزوع النفس لباد تستقبله - قاله الحرالي. وأدل دليل على ما قدرته قوله عطفاً على ما تقديره: فيكفروا فإنه من سأل ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي يأخذ الكفر بدلاً من الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها أو التمسك بما نسخ منه، وعبر بالمضارع استجلاباً لمن زل بسؤال شيء من ذلك إلى الرجوع بالتوبة ليزول عنه الاستمرار فيزول الضلال {فقد ضل سواء السبيل} أي عدله ووسطه فلم يهتد إليه وإن كان في بينات منه، فإن من حاد عن السواء أوشك أن يبعد بعداً لا سلامة معه {وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] وكثيراً ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل الآيات وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع في النفس من تثاقل عنه أو تحامل على قبوله

يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل؛ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين آمنوا، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان الكفر، لأن أحداً لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} [البقرة: 256] {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} ؛ [لقمان: 22] وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً بعد أن أعطاكموه» فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع المترتبين في أسنان القلوب بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان - قاله الحرالي. وعرف {السبيل} بأنه المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له من نحو الرعي والسقي وشبهه، والسواء بأنه من الشيء أسمحه

بالأمر الذي قصد له، قال: ويقال هو وسطه وخياره. ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام قال تعالى مخاطباً للمؤمنين وهم في غمارهم تنفيراً لهم عن الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن ينفر عنه فكيف وهو شماتة العدو وبتخييله وودادته تحذيراً لهم من مخالطتهم: {ود كثير} وهو تعليل لمعنى الكلام وهو: فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان، بعد تعليله بالضلال؛ وذلك كما مضى في {ما يود الذين كفروا} [البقرة: 105] سواء. ولما كان المشركون عرباً عالمين بأن طبع العرب الثبات لم يدخلهم معهم في هذا الود وقال: {من أهل الكتاب} فأنبأ أن المصافي منهم قليل وبشر سبحانه بأن ما يودونه من قسم المحال بسوقه سوق المتمني فقال: {لو يردونكم} أي بأجمعكم؛ ثم حقق أمر التمني في كونه محالاً مشيراً بإثبات الجار إلى قناعتهم به ولو في زمن يسير فقال: {من بعد إيمانكم} أي الراسخ {كفاراً} أي لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار {حسداً} على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة، والحسد قلق النفس من رؤية النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد

إلى غاية لا حيلة معها في تركه بقوله: {من عند أنفسهم} أي إنه راسخ في طبائعهم فلا تطمعوا في صرفه بشيء، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم، ثم زاده تأكيداً بقوله مشيراً بإثبات الجار إلى ذمهم بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه وقهرهم عرفانه، ثم لم يرجعوا إليه؛ وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه {من بعد ما تبين} أي بياناً عظيماً بوضوحه في نفسه {لهم الحق} أي من صحة رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه خاتم النبيين المرسل إلى الناس

كافة بشهادة ما طابقه من التوراة، ومن أنهم خالدون في النار، لأنهم ممن أحاطت به خطيئته بما دل عليه سبحانه في جميع هذه الآيات إبطالاً لدعواهم في مس النار لهم أياماً معدودة. ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسبباً عن الإخبار بأن ودهم محال وبعدم رجوعهم: {فاعفوا} أي عاملوهم معاملة العافي بأن لا تذكروا لهم شيئاً مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم، {واصفحوا} أي أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك، وأصل معناه من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء كأنه لم يره، وأمرهم بمطلق الصفح ولم يفيده بالجميل الذي اختص به خطاب نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {فاصفح الصفح الجميل} [الحجر: 85] لتنزل الخطاب على مراتبه ومستحق مواقعه. وحثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتماداً على تفريجه سبحانه بقوله: {حتى يأتي الله} الذي لا أمر لأحد معه {بأمره} فبشرهم

بذلك بظهورهم على من أمروا بالصفح والعفو عنهم، وقد كان مبدأ ذلك ويتم في زمن عيسى عليه السلام.

110

ولما كان النصر وهم في القلة والضعف بحال عظيم وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم مستبعداً قال: {إن الله} وأظهر موضع الإضمار تحقيقاً للبشرى بالإيماء إلى استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال والإكرام {على كل شيء قدير} ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم. وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك. ولما أمرهم بالثقة بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن

لا يعوقهم عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم بالإعراض عن الغير أمرهم بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير مما اتصف به المهتدون في قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 2] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة الإلهية وتفريغ البال من جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول القدرة فاعلموا ذلك وثقوا به {وأقيموا الصلاة} التي هي مع كونها سنبتليكم في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه {وآتوا الزكاة} التي هي قرينة الصلاة، فمن فرق بينهما فقد نسخ ما أثبت الله فاستحق القتال ليرجع عما ارتكب من الضلال، وهي من أعظم نفقات المؤمنين إحساناً إلى الخلائق إن كنتم مصلين بالحقيقة، فإن المال بعض

ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا. ولما كان قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] وما بعده خطاباً للمؤمنين تحذيراً من كيد أعدائهم بالنهي عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعاً لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت «أل» مشيرة إلى الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال: {وما تقدموا لأنفسكم من خير} أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضاً ونفلاً {تجدوه} وزاد ترغيباً فيه بقوله: {عند الله} أي الجامع لصفات الكمال. فهو يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ذلك من أمور الفضل. ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيراً وقد لا يطلع عليه لكونه خفياً حقيراً قال مرغباً مرهباً: {إن الله} المحيط قدرة وعلماً {بما تعملون بصير} وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعاراً بالاستئناف للخير ليكون ختماً جامعاً. لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان «إنه» ، وذلك لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد

ختم الخطاب على إحاطة جملته - قاله الحرالي. والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد علمه بحيثية ما تقدم من عمل الخير؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي في أول شرحه لإيساغوجي: الغالب في المضمر إرادة المعنى الأول، وأما حديث: إعادة الشيء معرفة. فأصل يعدل عنه كثيراً للقرائن. ولما ذكر دعواهم في مس النار وأبطلها من وجوه كثيرة أحاطت بهم فيها الخطايا إحاطة اقتضت خلودهم فيها من جهة ضلالهم إلى آية

النسخ مرقياً الخطاب من سيئة إلى أسوأ منها ثم من جهة إضلالهم لغيرهم من آية النسخ عطف على تلك الدعوى الإخبار بدعواهم في دخول الجنة تصريحاً بما أفهمته الدعوى الأولى تلويحاً وقرن بذلك مثل ما ختم به ما قبلها من أن من فعل خيراً وجد على وجه بين فيه أن ذلك الخير الإسلام والإحسان فقال تعالى: {وقالوا} أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسداً منهم على المسبب الذي هو الجنة كما حسدوا على السبب وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان الذي به تستباح الجنان {لن يدخل الجنة} المعدة لأولياء الله {إلا من كان هوداً} هذا قول اليهود منهم {أو نصارى} وهذا قول النصارى نشراً لما لفته الواو في {وقالوا} .

ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوها لأنفسهم لمنابذتهم لما عندهم من العلم والتي حسدوا فيها المؤمنين لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال مشيراً إلى بعدهم عن ذلك على وجه الاستئناف معترضاً بين الدعوى وطلب الدليل عليها تعجيلاً لتوهيتها: {تلك} بأداة البعد {أمانيهم} تهكماً بهم، أي أمثال هذه الشهوة من ودهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفاراً، وأن لا يدخل الجنة غيرهم - وأمثال ذلك من شهواتهم. ولما كان كل مدع لغيب مفتقراً في تصحيح دعواه إلى دليل وكان مثل هذا لا يقنع فيه إلا بقاطع أمر أعلم الخلق لأنه لا ينهض بأخراسهم في علمهم ولددهم غيره بمطالبتهم بذلك ناقضاً لدعواهم فقال: {قل هاتوا برهانكم} بلفظ البرهان. قال الحرالي: وهو علم قاطع الدلالة غالب القوة بما تشعر به صيغة الفعلان ضم أولها وزيادتا آخرها،

وهذا كما افتتح تلك بالنقض بقوله: {قل أتخذتم} وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيّب شيئاً إلا وأبدى عليه علماً ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم الغائب - قاله الحرالي. قالوا: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين ودليل على أن كل قول لا برهان عليه باطل. ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: {إن كنتم صادقين} أثبت لغيرهم بقوله: {بلى} ما ادعوا الاختصاص به، ثم بين أهل الجنة بقوله: {من أسلم وجهه} أي كليته، لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن «الإيمان» إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن وإذعانه إذعان جميع الأعضاء؛ و «الإسلام» قال الحرالي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر؛ و «الوجه» مجتمع حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ما عد الحيوان، وموقع الفتنة من الشيء الفتان؛ وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك {لله} من أجل أنه الله الجامع للكمال. ولما كان ذكر الأجر لكل واحد بعينه أنص على المقصود وأنفى

للتعنت، أفرد الضمير فقال: {وهو محسن} في جانب الحق بإذعان القلب، وفي جانب الخلق بما يرضي الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سره علنه. ولما نفوا الأجر عن غيرهم وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم وكان ربما قيل إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب ربط الأجر بالفاء دليلاً على أن إسلامهم هو السبب فقال: {فله} خاصة {أجره عند ربه} إحساناً إليه بإثبات نفعه على حسب ما ربّه به في كل شريعة. ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير إلا لأن المراد واحد بعينه فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى جمع فقال: {ولا خوف عليهم} من آت {ولا هم يحزنون} على شيء فات دفعاً لضرهم، وهذا كما أثبت سبحانه خلاف دعواهم في مس النار بقوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] الآية، فالتحم الكلام بذلك أشد التحام وانتظم أي انتظام. ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحاً منهم في غيرهم وأثبتها للمحسنين أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به

كتاب كل من بطلان قوله فقال: {وقالت اليهود ليست} أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم {النصارى على شيء} أي يعتد به لكونه صحيحاً، وليس مخففة من وزن فرح، ومعناها مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي. {وقالت النصارى} كذلك

{ليست اليهود على شيء} فعجب منهم في هذه الدعوى العامة لما قبل التبديل والنسخ وما بعده بقوله: {وهم} أي والحال أنهم {يتلون الكتاب} أي مع أن في كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر. ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ضلال، وفي ذلك غاية العيب لهم لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في القطع في الدين بالباطل كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بلده ومنعوه من مسجد أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي هو الحقيق به دونهم، وساق ذلك جواب سائل كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب فما حال من لا علم له؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا القول البعيد عن القصد {قال الذين لا يعلمون} ولما كان صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة وصدوره من الجهلة

أغرب نبه تعالى على أن سامعه جدير بأن يقول لعده له عداد ما لا يصدق: كيف قال الجهلة؟ فقال أو يقال: ولما كان قولهم هذا لا يكاد يصدق من شدة غرابته كان كأنه قيل: أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به عن شيء آخر؟ فأجيب بقوله: {كذلك} أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا كناية عن شيء غيره، فلما استقر في النفس كان كأنه قيل: هل وقع هذا لأحد غيرهم؟ فقيل: نعم، وقع أعجب منه وهو أنه قال الجهلة «كعبدة الأصنام والمعطلة» {مثل قولهم} فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم الذي لا كتاب مثله وضللوا أهل كل دين. ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سُدى بينهم فقال: {فالله} «الملك الأعظم» {يحكم بينهم} والحكم قصر المصرَف على بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوّف إليه - قاله الحرالي. وحقق أمر البعث بقوله: {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} والآختلاف افتعال من الخلاف وهو تقابل بين رأيين

فيما ينبغي انفراد الرأي فيه - قاله الحرالي. ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلماً آخر وكان من منع مسجداً واحداً لكونه مسجداً مانعاً لجميع المساجد قال: {ومن أظلم} أي منهم، وإنما أبدل الضمير بقوله: {ممن منع مساجد الله} أي «الجامع لصفات الكمال التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها عليهم، ثم أبدل من ذلك تفخيماً له تذكرة مرة بعد أخرى» قوله: {أن يذكر فيها اسمه} وعطف بقوله: {وسعى في خرابها} أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم. والمنع الكف عما يترامى إليه. والمسجد مفعل لموضع السجود وهو

أخفض محط القائم. والسعي الإسراع في الأمر حساً أو معنى. والخراب ذهاب العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي. ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {ما كان لهم} أي ما صح وما انبغى {أن يدخلوها} أي المساجد الموصوفة {إلا خائفين} وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال: {لهم في الدنيا خزي} أي عظيم بذلك وبغيره، ثم زاده بأن عطف عليه قوله: {ولهم في الآخرة} التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال {عذاب عظيم} فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين. قال الحرالي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجهاً من وجوه العذاب، فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن، وذلك أسوأ الخسار؛ قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع

المساجد لذلك كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجُرم في مسجد يكون فعله سبباً لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا، حتى ينتظم بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرّت إليه أعمال يهود فيه؛ قال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة وخصوصاً في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة

وأهل الكتاب {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} [الروم: 1-3] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين حين يفرح المؤمنون بنصر الله، قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها وحجرها على القاصدين للتحنث فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد منعها بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم الله، قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة: من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم وبيعكم وشراءكم، وابنوا على أبوابها المطاهر» ففي حل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعياً في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى. ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله بذكره وكان الله تعالى قد منّ على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجداً سلّى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه، لأنه لا يختص به جهة دون جهة، لأن ملكه للكل على حدّ سواء؛ فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم فإنه لله، كما أن المسجد الذي مُنعتموه لله؛ وعطف عليه قوله: {ولله} أي الذي له الكمال كله {المشرق} أي موضع الشروق وهو مطلع الأنوار {والمغرب} وهو موضع أفولها، فأنبأ تعالى كما قال الحرالي بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاماً بأن الوجهة لوجهه لا للجهة، من حيث إن الجهة له - انتهى.

ولما كان هذان الأفقان مداراً للكواكب من الشمس وغيرها عبر بهما عن جميع الجهات، لتحول الأفلاك حال الدوران

إلى كل منهما. فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: {فأينما تولوا} أي فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت المقدس أو الكعبة أو غيرهما في النافلة {فثَم} أي فذلك الموضع، لأن «ثَمَّ» إشارة لظرف مكان {وجه الله} أي جهته التي وجهكم إليها أو مكان استقباله والتوجه إليه وما يستقبلكم من جلاله وجماله ويتوجه إليكم من بره وإفضاله. فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في الإبداع والقرب والبعد وغير ذلك إليه واحدة. قال الحرالي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع محاذاة وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى.

ولما أخبر من سعة فضله مبثوثاً في واسع ملكه بما وقفت العقول عن منتهى علمه علله بما صغُر ذلك في جنبه فقال: {إن الله} فذكره بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء {واسع} أي محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ملكه؛ وأصل الوسع تباعد الأطراف والحدود {عليم} فلا يخفى عليه فعل فاعل أي ما كان وكيف ما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته وشمول علمه وقدرته. قال الحرالي في شرح الأسماء: والسعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتداداً ورحمة وعلماً {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} [المائدة: 35] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه الكفايات ظاهراً وباطناً خصوصاً وعموماً لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة، أما ظاهراً فلا تقع منهم ولا تكاد «إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم» ، وأما باطناً بخصوص حسن الخلق فعساه

يكاد. وقال في تفسيره: قدم تعالى: {المشرق} لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية الأبصار، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق الأنوار الباطنة، فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار الباطنة «الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق» «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق» انتهى. قلت: ومن ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن لله بالمغرب باباً - وفي رواية: باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - مسيرة عرضه سبعون عاماً، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله» أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيره، وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار إليه بالفتنة في الحديث الآخر، فالمغرب حينئذ المدينة وما ينسب إليها من جهة المشرق وما وراء ذلك من جهة الجنوب والشمال وما وراء ذلك من جهة الغرب إلى منتهى الأرض، فلا يعارض حينئذ حديث «وهم بالشام» فإنها من جملة المغرب على هذا التقدير، فدونك جمعاً طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت فيه الأفكار في المحافل والدروس - والله الموفق.

ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول العلم كان من المحال افتقاره إلى شيء ولد أو غيره قدّم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم في الولد اليهود في عزير والنصارى في المسيح وعبدة الأوثان في الملائكة فقال معجباً ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم عاطفاً على ما سبق من دعاويهم: {وقالوا اتخذ الله} الذي له الكمال كله وعبر بقوله: {ولداً} الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع. ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب ربما أوهم اختصاص الذم بهم حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب من كأنه قال: هل انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها كما قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة، لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة عن لزومها، والحاصل أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما غيرهم فتبع لهم للمساواة

في المقالة، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصباباً واحداً. ونزه نفسه الشريفة استئنافاً بقوله: {سبحانه} فذكر علم التسبيح الجامع لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله، ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد بالنفي فكأن الخطاب يفهم: ما اتخذ الله ولداً ولا له ولد {بل له ما} فعبر بالأداة التي هي لغير العاقل تصلح له تعميماً وتحقيراً لهم {في السماوات والأرض} مما ادعت كل فرقة منهم فيه الولدية وغير ذلك. ثم علله بقوله معبراً بما يفهم غاية الإذعان: {كل له قانتون} أي مخلصون خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا تطلع إلى نوع امتناع العاقل، غيره، حتى كأنهم يسعون

في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم. قال الحرالي: فجاء بالجمع المشعر كما يقال بالعقل والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين الكون والمكوّن، إنما يقع جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام؛ والقنوت ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققاً بتمكنه فيه. انتهى. ثم علل ذلك بما هو أعظم منه فقال: {بديع السماوات والأرض} أي خالقهما على غير مثال سبق، وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي. {وإذا قضى} أي أراد {أمراً} منهما أو من غيرهما، والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي. {فإنما يقول له كن} من الكون وهو كمال البادي

في ظاهره وباطنه {فيكون} فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران. قال الحرالي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال - انتهى. قالوا: ورفع «يكون» للاستئناف أي فهو يكون، أو العطف على {يقول} إيذاناً بسرعة التكوين على جهة التمثيل، ومن قال بالأول منع العطف على {يقول} لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله: {ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره، وأول قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم أقول لا يعنيني بأن معناه: مررت ماضياً، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير

به مضارعاً، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير: كن فكان، لأنه متى قضى شيئاً قال له: كن، فيكون، وجعل الأحسن عطفه على {كن} لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال: إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله: {ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] . وهذا الموضع مجمع على رفعه، وكذا قوله تعالى في الأنعام: {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] . وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة: وهي هذا الموضع، وقوله تعالى في آل عمران: {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} [آل عمران: 47] ، وفي مريم مثله سواء، وفي غافر: {فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} [غافر: 68] ؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] وفي يس: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] فجعلوا النصب

في هذين عطفاً على {يقول} وفي الأربعة الأولى جواباً للأمر في قوله: {كن} اعتباراً بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير: يقول له يكون فيكون، أي فيطاوع، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطاً لنفسه، لأن التقدير: إن يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلاً عمن أنزل عليه القرآن، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز {إذا} علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى: {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا} [الشورى: 35] بنصب «يعلم» في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على «إذا» قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته: ومنها «إذا» وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط، فلذلك اختير بعدها الفعل، والأصل في استعمال «إذا» أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به، ثم قال: وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضاً حصول

مضمون الثانية، فالمضمون الأول مفروض ملزوم، والثاني لازمه؛ ثم قال: و «إن» موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم، سواء شك في وقوعه كما في حقنا، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال: ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها؛ ثم قال: فنقول: لما كان «إذا» للأمر المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده، لتنافي القطع والفرض في الظاهر، فلم يكن فيه معنى «إن» الشرطية، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيراً في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوّزوا تضمين «إذا» معنى «إن» كما في «متى» وسائر الأسماء الجوازم، فيقول القائل: إذا جئتني فأنت مكرم - شاكاً في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم قال: ولما كثر دخول معنى الشرط في «إذا» وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى «إن» الشرطية، وذلك في الأمور القطعية استعمال «إذا» المتضمنة لمعنى «إن» ، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطاً وجزاء، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل، وقد تضمر «أن» بعد الفاء والواو الواقعتين

بعد الشرط قبل الجزاء، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو. تكرمني - آتك، أو بعد الشرط والجزاء، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو: وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي، إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن} - إلى قوله: {ويعلم الذين يجادلون} [الشورى: 35] على قراءة النصب؛ ثم قال: وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال، كما تقدم في باب المضارع، فلو أبقوه مرفوعاً لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء، يعني فكان يلزم أن يكون الكون قديماً كالقول، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفاً، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد، وقبل الفاء المذكورة جملة، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن، فكان فيه شيئان: رفع جانب كون الفاء للعطف. وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوباً - انتهى. فالتقدير هنا والله أعلم: فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع

ما دلت عليه من سرعة الكون وأنه حق، ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه: زاد ابن الضائع في نصب {فيكون} وجهاً حسناً وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت، قال السفاقسي: ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما، لأنهم أجازوا: إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره.

118

ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام وتنكص خاسئةً دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتاً لهم وتنفيراً منهم بأنه لا حامل لهم على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال: {وقال الذين لا يعلمون} أي ليس لهم علم من العرب {لولا} أي هلا {يكلمنا الله} أي يوجد كلامه لنا على ما له من جميع الصفات

{أو تأتينا آية} أي على حسب اقتراحنا عادّين ما آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية القرآن التي لا يوازيها آية أصلاً - عدماً. ولما كان قولهم هذا جديراً بأن لا يصدق نبه عليه بقوله: {كذلك} أي الأمر كما ذكرنا عنهم. ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ قيل: نعم، وقع ما هو أعجب منه، وهو أنه {قال الذين} ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار فقال: {من قبلهم} ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب {مثل قولهم} ، ثم علله بقوله: {تشابهت قلوبهم} في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله. ولما كان ذلك توقّع السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلاً أو عناداً؟ فقيل: بل عناداً لأنا {قد بينا الآيات} في كل آية في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي. ولما كان يقع البيان خاصاً بأهل الإيقان قال: {لقوم يوقنون} وفيه بعث

للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر بطرق الريب لاجتماع شاهدي السمع والعين. قال الحرالي: وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. استظهاراً لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالاً للفهم عن واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير {بينا} ؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان. ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله مؤكداً لكثرة المنكرين {إنا أرسلناك} هذا على أن يكون المراد بذلك جميع الأمم،

أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى: قد بينا الآيات الدالات على طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا يعلمها إلا حُذّاق أهل الكتاب لقوم يحق عليهم الإيقان لما وضح لهم من الأدلة، ثم علل ذلك لقوله: {إنا أرسلناك} إرسالاً ملتبساً {بالحق} أي بالأمر الكامل الذي يطابقه الواقع في كل جزئية يخبر بها. قال الحرالي: والحق التام المكمل بكلمة «أل» هو استنطاق الخلق عن أمر الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم مّا وقعت به رسالة المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك «حق» منكر، كما تقدم أي عند قوله: {وهو الحق مصدقاً لما معهم} [البقرة: 91] لأن ما أحق غيباً مما أنزله الله فهو «حق» حتى السحر، وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه فهو «الحق» الذي خلقت به السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق الأول والآخر كمالاً، حال كونك {بشيراً ونذيراً} وقال الحرالي: لما أجرى الله سبحانه من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبّأ ردهم لما أنزل أولاً وآخراً ونبأ ما افتروه مما لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسلية له وتأكيداً لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى على

تقديره وقسمته الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق، فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على هدى سابق، وينذر الأبيّ والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم {ولا تسأل} ويجوز أن يكون حالاً من {أرسلناك} أو من {بشيراً} {عن أصحاب الجحيم} والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم، كما قال تعالى {ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة: 141] أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة نافع {ولا تسأل} على النهي، أي

احتقرهم فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك إلا إذا انسخلت مما أنت عليه؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله: {لن تمسنا النار} [البقرة: 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم: {لن يدخل الجنة} [البقرة: 111] الآية، والجحم قال الحرالي: انضمام الشيء وعظم فيه، ومن معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن الحجم فيما ظهر كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار. ولما جرت العادة بأن المبشر يسرّ بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين فهم لا يزالون عليه غضاباً فقال عطفاً على ما اقتضاه ما قبله: {ولن ترضى} من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن

إرادة - قاله الحرالي: {عنك اليهود ولا النصارى} لشيء من الأشياء {حتى تتبع ملتهم} أي حتى تكون بشيراً لهم، ولن تكون بشيراً لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا على ما أفهمته إضافة الملة إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم عليه السلام، ويكون ذلك برغبة منك تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم، والملة قال الحرالي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من إعلام المحسوسات. ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالاً وهو: فما أقول؟ فقال: {قل} ولم يقيده بلهم إعراضاً عنهم {إن هدى الله} الذي هو جميع

ما أنزل الجامع لصفات الكمال على رسله من كتابي وكتابكم {هو} أي خاصة {الهدى} أي كله مشيراً بأداة التعريف إلى كمال معناه، وبالحصر إلى أن غيره هو الهوى؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل رداً لإنكارهم له، فإن اتبعوه كله فآمنوا بأن كتابهم داع إلى كتابك فبشرهم، وإن لم يتبعوه فالزم إنذارهم، وفي الآية إشارة إلى ذلك الكتاب لا ريب فيه. ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو: فلئن زغت عنه لتتركن الهدى كله باتباع الهوى، قوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} الداعية لهم إلى تغيير كتابهم. قال الحرالي: فأظهر إفصاحاً ما أفهمته إضافة الملة إليهم من حيث كانت وضعاً بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى. ولما كان الكلام هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى بالذي بخلاف ما يأتي في القبلة فقال:

{بعد الذي} قال الحرالي: أشارت كلمة {الذي} إلى معنى قريب من الظاهر المحسوس كأنه عَلَم ظاهر، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم {جاءك من العلم} بأنهم على ضلال وأنك على جميع الهدى. وخاطبهم بذلك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد والله أعلم من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكاً بولايتهم طمعاً في نصرتهم ولذا ختم بقوله: {ما لك من الله} الذي له الأمر كله ولا كفؤ له، وأكد النفي بالجار فقال: {من ولي ولا نصير} . ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم فأفهم

من يستحق البشارة تلاه بالإفصاح بالقسمين: من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق النذارة، فقال: {الذين آتيناهم الكتاب} أي التوراة والإنجيل {يتلونه حق تلاوته} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتبعونه حق اتباعه، من تلا فلان فلاناً إذا تبعه - رواه عنه أبو عبيد. وهي ناظرة إلى قوله قريباً: {وهم يتلون الكتاب} أي لا حق تلاوته بل تلاوة ليس فيها تدبّر لمعانيه ولا عمل بما فيه؛ هذا إذا جعلناه حالاً، وإن جعلناه خبراً وقوله: {أولئك} أي العظيمو الرتبة خاصة {يؤمنون به} خبراً ثانياً فالمعنى أن من لم يؤمن بالكتاب حق الإيمان من غير تحريف له، لا إخفاء لشيء فيه لما انتفى عنهم المقصود بالذات وهو الانتفاع بالكتاب المؤتى انتفى عنهم أصل الإيتاء لأنه تجرد عن الفائدة؛ والضمير في {به} يصح أن يكون للهدى. قال الحرالي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، والإحاطة به إلى جماع حدوده حتى لا يسقط منه شيء ولا يقصر فيه غاية إشعاراً باشتمال الكتاب على أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولما وصف المؤمنين به ولم يبين ما لهم أتبعه بالكافرين فقال: {ومن يكفر به} أي بالكتاب، ثم حصر الخسر فيهم بقوله: {فأولئك} أي البعداء البغضاء {هم} خاصة {الخاسرون} فافهم أن المؤمنين به هم الرابحون؛ ومن الوصف بالخسار يعلم أنهم كانوا على حق وشيء يمكن الربح فيه بتكملة الإيمان بكتابهم بالإيمان بالكتاب الخاتم فضيعوه فخسروا، فإنه لا يخسر إلا من له أصل مال متهيىء للنماء والربح - والله أعلم. ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع أديانهم بأعمالهم

وأحوالهم وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصّي عن حرمة النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر. قال الحرالي: فلبعده بالتقدم كرره تعالى إظهاراً لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلاً لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعاً لطرفي البناء وفي تفهمه جامعاً لمعاني طرفي المعنى؛ انتهى - فقال تعالى: {يا بني إسرائيل} أي ولد الأنبياء الأصفياء ووالد الأنبياء السعداء {اذكروا نعمتي} أي الشريفة بالنسبة إليّ {التي أنعمت عليكم} بها في الدنيا {وأني فضلتكم} واقتصر هنا على نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء الذي هو فضيلة النفس الباطنة إشارة إلى جمودهم باقتصارهم على النظر في الظاهر على {العالمين} في تلك الأزمان كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع الدين المقتضى للنعمة في الأخرى، فإنكم إذا ذكرتم النعمة شكرتموها فقيدتموها واستوجبتم من

الله الزيادة في الدنيا والرضى في العقبى {واتقوا يوماً لا تجزي} أي تقضى، أي يصنع فيه {نفس عن نفس شيئاً} أي من الجزاء. ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي القبول فقال: {ولا يقبل منها عدل} يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة {ولا تنفعها شفاعة} غير مأذون فيها {ولا هم ينصرون} وإن كثرت جموعهم. قال الحرالي: أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول إلا ما خالف بين الإيرادين في قوله {واتقوا يوماً} إلى آخره ليجمع النبأ في كل واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة، ويكون عدلها لا مأخوذاً ولا مقبولاً، ذلك لأن المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذاً بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه نظر تحقيق في المسموع وتبصر في المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قُبل، وإذا لم يصححه رد، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع الخبرة، فأنبأ تعالى بمضمون الآيتين الفاتحة والخاتمة أن

هؤلاء ليس في حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه مَّا، ففيه تبرئة ممن حاله حال ما نبّىء به عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية، وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتديّنوا بقبول ما جاء مصدقاً لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها أهواؤهم، فنظم تعالى بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه ليجتمع عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية الإبراهيمية واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في الصباح: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى ملة أبينا إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فخص المحمدية بالدين والإبراهيمية بالملة لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب سابقهم ولاحقهم بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض وتفاصيلها بتفاصيلها، وليكون إظهار ذلك

في سورة سنام القرآن أصلاً لما في سائره من ذلك، وذكر قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين، وأن الدين الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهراً وباطناً، وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد - انتهى. ولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جُلُّهم من ذرية إبراهيم عليه السلام وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيراً يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالماً قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى تعظيماً لأمره وتفخيماً لعلي قدره؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به، وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هزّ لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك. وقال الحرالي: لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى: {يا أيها الناس} ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس كافة في طرفين في اجتماعهم في أب واحد

ولدين واحد نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك اجتماعهم أيضاً في أب واحد وملة واحدة اختصاصاً بتبعية الإمامة الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة الآدمية تنزيلاً للكتاب وترفيعاً للخلق إلى علو اختصاص الحق، فكما ذكر تعالى في الابتداء تذكيراً معطوفاً على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم عطف أيضاً التذكير بابتداء أمر إبراهيم عليه السلام على أمور تجاوزها الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى رتبة من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم} انتهى. والمعنى أنه عامله بالأمر بأمور شاقة معاملة المختبر الممتحن، وقال:

{ربه} أي المحسن إليه إشعاراً بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ابتداء قصته بقوله: {بكلمات فأتمهن} بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه والمبادرة لأمره دون اعتراض ولا توقف ولا بحث عن علة، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا غاية التعنت مع ما في ذبحها من وجوه الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم وأثنائه وآخره فأورثهم ذلك نكالاً وبعداً، فظهر أن الصراط المستقيم حال إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم المنعم عليهم؛ والظاهر عطف {إذ} على {نعمتي} في قوله {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} [البقرة: 122] أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ابتلاه به فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد والثبات على الوعد لأجازيكم على ذلك جزائي للمحسنين، والإتمام التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد - قاله الحرالي. فكأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام قبل؟ {قال} له ربه، ويجوز أن يكون «قال» بياناً لابتلى {إني جاعلك للناس} أي كافة {إماماً} كما كانت خلافة أبيه آدم لبنيه كافة، والإمام ما يتبع هداية إلى سداد -

قاله الحرالي. واستأنف قوله: {قال} أي إبراهيم {ومن} أي واجعل من {ذريتي} أئمة {قال لا ينال} أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ينال {عهدي} الذي عهدته إليك بالإمامة {الظالمين} منهم، لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه لا سيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما معها ولا يجزي أحد عنهم شيئاً ولا هم ينصرون؛ والذرية مما يجمع معنى الذرّ والدرء، والذريّ مختلف كونه على وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ذرورة ثم خفف بقلب الراء ياء استثقالاً للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقاً لهما. لأنه اجتمع بعد القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، أو تكون فعليّة من الذر منسوباً، ومن الذر مخفف فعولة بقلب الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها معها سابقة إحداهما

بالسكون ثم الإدغام، أو فعيلة إن يكن في الكلام لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر - قاله الحرالي، وفيه تصرف. ولما كان من إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه قال إثر ذلك ناعياً على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئاً لأمر القبلة: {وإذ جعلنا البيت} أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى {مثابة للناس} أي مرجعاً يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم. قال الحرالي: وهو مفعلة من الثوب وهو الرجوع ترامياً إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة {وأمناً} لكونه بيت الملك.

من حرب الدنيا ومن عذاب الآخرة إلا في حق من استثناه الله من الكافرين فعلاً بالشرك وقوة بالإلحاد، والأمن براءة عيب من تطرق أذى إليه - قاله الحرالي. وقد كانوا في الجاهلية يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له. قال الأصبهاني: وهذا شيء توارثوه من زمن إسماعيل عليه السلام فقرأ عليه إلى أيام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع. ولما كان التقدير: فتاب الناس عليه ائتماماً ببانيه وآمنوا بدعوته فيه عطف عليه قوله: {واتخذوا} ، وعلى قراءة الأمر يكون التقدير: فتوبوا إليه أيها الناس ائتماماً به واتخذوا {من مقام إبراهيم} خليلنا {مصلى} وهو مفعل لما تداوم فيه الصلاة، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه حين جاء لزيارة ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده، فغسلت امرأة إسماعيل رأسه وهو معتمد برجله عليه وهو راكب، غسلت شق رأسه الأيمن وهو معتمد على الحجر برجله اليمنى، ثم

أدارت الحجر إلى الجانب الأيسر وغسلت شقه الأيسر، فغاصت رجلاه فيه؛ ولهذا أثر قدميه مختلف، أصابع هذه عند عقب هذه، وهو قبل أن يبني البيت - والله أعلم بمراده. {وعهدنا} عطف على قوله {جعلنا} {إلى إبراهيم} الوفي {وإسماعيل} ابنه الصادق الوعد، وفي ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله: {ومن ذريتي} [البقرة: 124] و [إبراهيم: 37] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم بأمته ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته وأتم الإشارة بقوله: {أن طهرا بيتي} أي عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من البلد - قاله الحرالي. {للطائفين} به الذين فعلهم فعل العارف بأنه ليس وراء الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه {والعاكفين} فيه، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار عليه، والطواف التحليق بالشيء في غيب أو لمعنى غيب - قاله الحرالي. {والركع السجود}

قال الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل هذه الآيات بإذ تنبيه على توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم وهو العدو.

126

ولما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به سبحانه وفيما أمر به الخليل وولده عليهما السلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتاً لمن عقّه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال: وإذ قال إبراهيم رب} فأسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل الصفوة {اجعل هذا} أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي. ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملاً بعمومه للبادي ولذلك قرر أنه مثابة للناس عامة وأمنٌ كان الأنسب تنكير البلد فقال: {بلداً} يأنس من يحل به {آمناً} إفصاحاً بما أفهمه {وإذ جعلنا البيت} [البقرة: 125] الآية، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما: في كونه بلداً فإنه إذا انقطع الناس عن أهله خرب، وفي كونه آمناً، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليه السلام.

ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال: {وارزق أهله} وقال: {من الثمرات} ، ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، لما روى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى سكة حرث فقال: «ما دخلت هذه بيتاً إلا ذل» وقال: {من آمن منهم بالله} الجامع لصفات الكمال {واليوم الآخر} تقييداً لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدباً معه حيث قال: {لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124] {قال} الله تعالى معلماً أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض {ومن كفر} أي أنيله أيضاً ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، وعبر عن ذلك بقوله: {فأمتعه} تخسيساً له بما أفهمه لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها، وأكد ذلك بقوله:

{قليلاً} لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالاً في الدنيا وأوسع رزقاً من المؤمن، وكذا في قوله: {ثم أضطره} بما لي من العظمة الباهرة {إلى عذاب النار} أي بما أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحداً لا يقدر على حركة ولا سكون إلا بمشيئته؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر. ولما كان التقدير: فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا، عطف عليه قوله: {وبئس المصير} أي العذاب له في الآخرة، وهو مفعل مما منه التصيير وهو التنقيل في أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء الأولى بخلاف المرجع. ولما ذكر بما مهده من أمر البيت ديناً ودنيا أتبعه ببنائه مشيراً إلى ما حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال عاطفاً على {إذ ابتلى} تعديداً لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافاً إلى التوحيد {وإذ يرفع إبراهيم} أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع {القواعد

من البيت} قال الحرالي: عدّد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في أمر إقامة دين الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء والعناية، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن يراد بها سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله الأصبهاني. ولما أفرد الخليل عليه السلام بهذا الرفع إظهاراً لشرفه بكونه هو السبب الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال: {وإسماعيل} أي يرفع القواعد أيضاً، ووصل بهذا العمل الشريف قوله: {ربنا} مراداً فيه القول محذوفاً منه أداة البعد: أي يقولان: {ربنا تقبل منا} أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا، إشعاراً بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه. ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله: {إنك} وأكده

بقوله: {أنت السميع العليم} أي فإن كنت سمعت أو علمت منا حسناً فرده حسناً، وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره. ولما سأل القبول سأل الزيادة عليه بقوله: {ربنا} على ما مضى من طرز دعاء المقربين بإسقاط أداة البعد {واجعلنا} أي أنا وابني هذا الذي أعانني {مسلمين لك ومن ذريتنا} قال الحرالي: لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله: {من آمن منهم} [البقرة: 126] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة له ولابنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر

الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال يوسف عليه السلام {توفني مسلماً} [يوسف: 101] وطلب بقوله: {أمة مسلمة لك} أن يكونوا بحيث يؤم بعضهم بعضاً. ولما كان المسلم مضطراً إلى العلم قال: {وأرنا مناسكنا} وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة لكونه علماً على آتي يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتديناً. تشارك حروفه حرف السكون - قاله الحرالي. ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى التوفيق قال: {وتب علينا} إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين بالله المتصلين بالحسنات رجّعا بها إلى من له الخلق والأمر، ثم علل طمعه في ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال: {إنك أنت التواب} أي الرّجاع بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه

وصفاً هو كالتعليل له فقال: {الرحيم} . ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم الله له المناسك بغير واسطة طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال: {ربنا وابعث فيهم} أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل {رسولاً منهم} ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره، وذلك الرسول هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم عليه السلام أبي العرب وأكرم ذريته؛ ففي ذلك أعظم ذم لهم بعداوته مع كونه مرسلاً لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه، وإليه الإشارة بقوله: {يتلوا} أي يقرأ متابعاً مواصلاً {عليهم آياتك} أي علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو استنبطت منه {ويعلمهم الكتاب} الكامل الشامل لكل كتاب «أوتيت جوامع الكلم» {والحكمة} وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك. ولما كان ظاهر دعوته عليه السلام أن البعث في الأمة المسلمة

كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية فإن أصلها موجود بالإسلام فأخر قوله: {ويزكيهم} أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة، فترتقي بصفائها، ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم - قاله الحرالي. ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم، وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالاً على الدنيا التي هي أم الأدناس؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنك أنت العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، لأن العزة كما قال الحرالي: الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن، {الحكيم} أي الذي يتيقن ما أراد فلا يتأتى نقضه، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم وطهارة الأخلاق، وأن ذلك لا ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك أصلاً إلا بجد تطهّره العزة

وترتيب أبرمته الحكمة؛ هذا لمطلق ذلك فكيف بما يصلح منه للرسالة؟ وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم وعظم جدهم. ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. ولما كان التقدير: فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف عليه قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} المستقيم الطريقة، الطاهر الخليقة، الشفيق على ذريته، الباني لهم أعظم المفاخر، المجتهد لهم في جليل المناقب والمآثر {إلا من سفه نفسه} أي امتهنها واحتقرها واستخف بها، أي فعل بها ما أدى إلى ذلك؛ وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب. قال الحرالي: والسفاهة خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت نفسُه اختص السفه بها، ومن سفه نفسَه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله عز وجل جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس، فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة، ولا يُحذى الشر إلا بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ألقى

بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ذلك، لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] . ولما كان التقدير: فلقد آتيناه من المزايا ما قدّمنا لكم مما لا يعدل عنه ذو مسكة عطف عليه قوله: {ولقد اصطفيناه} فذكره بمظهر العظمة تعظيماً له، فإن العبد يشرف بشرف سيده، وتشريفاً لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها {في الدنيا} بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره، وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من الشرف {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من

المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشد ذم لمن خالفه؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب له، وإقامة للحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على {اذكروا} قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} [البقرة: 122] . ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه، وما أوصى به عليه السلام بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفاً لخلف ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال: {إذ} أي اصطفيناه بعظمتنا لأنه قال له ربه أسلم} أي لإحسان ربك إليك، وحذف المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى المسلم عنه {قال أسلمت لرب العالمين} أي المحسن إليّ وإلى جميع الخلائق {ووصى بها} أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها، ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم

الرجوع إلى ربه؛ وقرىء «وأوصى» فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته، وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر {إبراهيم بنيه ويعقوب} وصّى بها أيضاً بنيه فقال كل منهم: {يا بنيّ إن الله} بعظمته وكماله {اصطفى لكم الدين} وهو الإسلام، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه لكم {فلا} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا {تموتن} على حالة من الحالات {إلا وأنتم} أي والحال أنكم {مسلمون} أي ملقون بأيديكم وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلاً ولا التفات إلى غير مولاكم، فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك. وقرر سبحانه بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرّأ خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه. ذكر قصة إبراهيم عليه السلام من التوراة: ذكر في السفر الأول منها أنه إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو

بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ لأنه قال في التوراة: لما أتت على سام مائة سنة ولد له أرفخشد فأتت عليه خمس وثلاثون سنة فولد له شالاح وسماه في موضع آخر شالح، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له عابر فأتت عليه أربع وثلاثون سنة فولد له فالغ، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له آرغُو، فأتت عليه اثنتان وثلاثون سنة فولد له شارغ فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له ناحور،

فأتت عليه تسع وعشرون سنة فولد له تارَح فأتت عليه خمس وسبعون سنة فولد له إبرم وناحور وهاران. وخالفه في الإنجيل بعض المخالفة فقال في إنجيل لوقا: ناحور بن شارغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن صالا بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ ونوح على ما قال في التوراة ابن لمك بن متوشلح بن خَنُوخ بن يارذ بن هليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. وهكذا قال في أثناء إنجيل لوقا إلا أنه قال في لمك:

لامك، وفي يارذ: يرذ بن مهلالاييل. ثم قال في التوراة: وولد هاران لوطاً، ومات هاران في حياة أبيه تارح في الأرض التي ولد فيها وهي أور الكلدانيين - وفي نسخة: الكزدانيين - «فتزوج إبرم سُرّى وكانت عاقراً فلم يولد لها ولد، فانطلق تارح بابنه إبرم وبلوط ابن ابنه هاران وبكَنّته سرى من أور الكلدانيين متيمماً أرض كنعان، فانتهوا إلى حرّان فسكنوها، فتوفي تارح بحرّان عن مائتي سنة وخمس سنين؛ وقال الرب لإبرم: اخرج من أرضك من حيث ولدت ومن آل أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك لشعب عظيم وأباركك وأعظم اسمك وكن مباركاً وأبارك بنيك وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع قبائل الأرض وبزرعك، فصنع إبرم كما أمره الرب وانطلق معه لوط ابن أخيه وسرى زوجته وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة ومعهم جميع مواشيهم وما اتخذوا بحرّان من ولدان وخدم، فخرجوا يريدون أرض كنعان فأتوها، فجاء إبرم حتى أتى بلاد سُحام وإلى بَلُّوط مُمرى وكان الكنعانيون بعد سكاناً في الأرض فاعتلن الرب لإبرم وقال له: إني معطٍ ذريتك هذه الأرض، وبنى إبرم هنالك مذبحاً للرب إذ ظهر له

وانتقل من هنالك إلى الجبل من المشرق إلى بيت إيل، فنصب خيمته في بيت إيل من غربها قبالة الحرب وعاي من شرقها، وبنى ثم لرب مذبحاً ودعا باسم الرب، ثم ظعن منطلقاً وكان مظعنه إلى مهب الجنوب وكان جوع في الأرض، فهبط إبرم إلى مصر ليسكنها لأن الجوع اشتد في الأرض، فلما دنا من مصر قال لسرى امرأته: إني عالم أنك امرأة حسناء، فإن رآك المصريون يقولون: امرأته، فيقتلونني؛ قولي: إني أخته - فذكر قصة أخذ فرعون مصر لها والقوارع التي أصابته فحالت بينه وبينها فخلى سبيلها وأحسن إليها وإلى إبراهيم - إلى أن قال: فخرج إبرم من مصر هو وامرأته ولوط معه إلى أرض التيمن - وفي نسخة: إلى القبلة - وهي جهة الجنوب فاستغنى إبرم جداً، فظعن لمظعنه من الجنوب حتى أتى بيت إيل إلى الموضع الذي كان نصب فيه خيمته من قبل ولوط معه كان له غنم وبقر وخير كثير جداً وأخبية، ولم تكن تلك الأرض تسعهما كليهما لأن مواشيهما كثرت جداً؛ فذكر أن لوطاً رفع بصره فنظر إلى أرض الأردن فإذا هي كلها أرض سقي وشرب مثل فردوس الله ومثل أرض مصر التي في مدخل صاغار - وفي نسخة: زغر فاختار لوط أرض الأردن؛ فسكن إبرم أرض كنعان، وسكن لوط قرى عاجار وورث - وفي نسخة: قرى المرج - وخيّم إلى سدوم وكان

أهل سدوم أشراراً خطأة جداً، فقال الرب لإبرم بعدما اعتزله لوط: مد بصرك فانظر من المكان الذي أنت فيه إلى الجرنيا والتيمن - وفي نسخة: إلى الشمال والجنوب والمشرق والمغرب - لأن جميع الأرض التي ترى إياك أعطيها وذريتك من بعدك إلى الأبد، واجعل ذريتك مثل ثرى الأرض، فإن قدرت أن تحصي تراب الأرض فإن زرعك يحصى، فأتى إبرم فسكن بين بلوط - وفي نسخة: في مرج ممرى الأموراني التي بحبرون - وبنى هنالك مذبحاً للرب، وكان على عهد أمرقال ملك شنعار - وفي نسخة: شنوار - وأرنوخ ملك ذي اللاشار - وفي نسخة: الخزر - وكدر لعمر، ملك عيلم - وفي نسخة: خوزستان وترغيل ملك جيلان - وفي نسخة: الأمم - اجتمع هؤلاء في قاع السدوميين وهو البحر المالح فقتلوا الجبابرة الذين في العشرة القرى والأبطال الذين بها والحورانيين الذين في جبال ساعير - وفي نسخة: شراة - إلى بطمة فاران التي في البرية، ورجعوا وأتوا عين الدنيا - وفي نسخة: الحكم - وهي رقيم وقتلوا كل رؤساء العمالقة والأمورانيين سكان عين جاد، وخرج بارع ملك سدوم وبَرْشع ملك عامرا

وشنآب ملك أدوما وشاليم ملك صَبويم وملك بالاع التي هي صاغر - وفي نسخة: زغر - خمسة ملوك، قاتلوا الأربعة بقاع السدوميين، فهرب ملك سدوم وملك عامرا فوقعوا هناك، وهرب البقية إلى الجبل فاستباحوا جميع مواشي سدوم وعامُرا وجميع طعامهم واستاقوا لوطاً ابن أخي إبرم وماشيته وانطلقوا، فأتى من نجا منهم وأخبر إبرم العبراني، فعبى فتيانه ومولّديه ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً وسار في طلبهم إلى داريا - وفي نسخة: بانياس - فأحاط بهم ليلاً، فقاتلهم وهزمهم إلى الجوف - وفي نسخة: المزة - التي عن شمال دمشق وهي قرية يقال لها حلبون ورد لوطاً ابن أخيه وماشيته وجميع المواشي والنساء والشعب، فخرج ملك سدوم فتلقاه فرد إليه جميع ما سلب منه؛ ومن بعد هذا حلّ وحي الله على إبرم في الرؤيا وقال له: يا إبرم! أنا أكانفك وأساعدك، لأن ثوابك قد جزل جداً، فقال إبرم: اللهم! رب ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسب ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له:

انظر إلى السماء واحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، ثم قال له: كذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله، وقال له الرب: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أور الكلدانيين - وفي نسخة: أتون الكزدانيين - لأعطينك هذه الأرض لترثها، فلما كان غروب الشمس وقع الصمت على إبرم وغشيه خوف وظلمة عظيمة فقال الرب لإبرم: اعلم علماً يقيناً أن نسلك سيسكنون في أرض ليست لهم، فيتعبدونهم ويكدونهم أربعمائة سنة، والشعب الذين يتعبدونهم فإني أدينهم ويخرجون من هناك بعد ذلك بمال عظيم، وأنت تنتقل إلى آبائك بسلام وتدفن بشيخوخة خير وصلاح، والحقب الرابع يرجعون إلى ههنا، لأن إثم الأمورانيين لم يكمل بعد، فلما غربت الشمس صار دجى حندسة وإذا بتنور يدخن ومصباح نار يلتهب ويتردد بين تلك الأنصبة، وفي ذلك اليوم عاهد الرب إبرم عهداً وقال: إني معط ذريتك هذه الأرض من نهر مصر وإلى الفرات النهر الأعظم، وإن سُرّى امرأة إبر لم تكن تلد وكانت لها أمة مصرية اسمها هاجر فقالت سُرّى لإبرم وهما بأرض كنعان: إن الرب قد حرمني الولد فإدخل على أمتي وابن بها لعلي أتعزى بولد منها، تسمّع إبرم قول سرى وأطاعها، وذلك بعدما سكن أرض

كنعان عشر سنين، فحبلت فقالت سرى لإبرم: أنت صاحب ظلامتي، أنا وضعت أمتي في حضنك، فلما حبلت هنت عليها بحكم الرب بيني وبينك، فقال: هذه أمتك مسلمة إليك. اصنعي بها ما أحببت، فأهانتها سرى سيدتها فهربت منها، فلقيها ملاك الرب على عين ماء في البرية في طريق سور - وفي رواية: في طريق حذر، وفي نسخة: على العين التي بطريق الجفار - فقال لها: يا هاجر أمة سرى! ارجعي إلى سيدتك واستكدّي تحت يدها، ثم قال لها ملاك الله: لأكثرن نسلك حتى لا يحصى، ثم قال لها: ها أنت حامل - وفي نسخة: إنك حبلى - وستلدين ابناً وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد عرف لك خضوعك، ويكون ابنك هذا رجلاً يأوي البرية ويده في جميع الناس - وفي نسخة: وحشى الناس - يده على كل ويد كل به، وسيحل على جميع حدود إخوته، فدعت اسم الرب الذي كلمها فقالت: أنت الله ذو الوحي والرؤيا، وذلك لأنها قالت: إني رأيت رؤيا، ولذلك دعت تلك الطوى بئر الحي وهي بئر رقيم وحذر - وفي نسخة: فيما بين قادس وبارد - ثم ولدت هاجر لإبرم ابناً فدعا إبرم اسمه إسماعيل، وكان إبرم ابن ست وثمانين سنة إذ ولدت هاجر له إسماعيل، فلما أتى على إبرم تسع وتسعون سنة اعتلن له الرب وقال له: أنا الله إله المواعيد، أرضني تكن غير ذي

عيب وأثبت عهدي بيني وبينك - وفي رواية: فأحسن أمامي ولا تكن ملوماً فإني جاعل بيني وبينك ميثاقاً، وأكثرك جداً جداً، فخر إبراهيم على وجهه فكلمه الله وقال له: أنا أثبت لك عهدي - وفي نسخة: فأوحى الله إليه قائلاً له: إني قد جعلت ميثاقي معك - وتكون أباً لشعوب كثيرة، ولا يدعى اسمك فيما بعد إبرم بل يكون اسمك إبراهيم، لأني جعلتك أباً لشعوب كثيرة، وأنميك وأثريك جداً جداً، وأجعلك للشعوب رئيساً، والملوك من صلبك يخرجون، وأثبت العهد - وفي نسخة: وأفي بميثاقي - بيني وبينك وبين نسلك من بعدك عهداً دائماً، وأكون لك إلهاً ولزرعك من بعدك، وأعطيك وذيتك من بعدك أرض سكناك وجميع أرض كنعان ميراثاً إلى الأبد وأكون لهم إلهاً، وقال الله لإبراهيم: احفظ عهدي أنت وزرعك من بعدك لأحقابهم، هذا عهدي الذي آمركم به لتحفظوه ليكون بيني وبين نسلك من بعدك أن تختنوا كل ذكر وتختنوا لحم غُرلكم ويكون علامة العهد بيني وبينكم، وليختن كل ذكر منكم ابن ثمانية أيام لأحقابكم ولاد البيت والمبتاع بالمال. وكل من كان من أبناء الغرباء الذين ليسوا من زرعك فليختتن اختتان المولود في بيتك والمبتاع بمالك، ويكون عهدي ميسماً في أجسادكم عهداً دائماً إلى الأبد؛ وكل

ذكر ذي غرلة لا تختن غرلته في اليوم الثامن فلتهلك تلك النفس من شعبها، لأنها أبطلت عهدي. وقال الله لإبراهيم: سرى صاحبتك، لا تدع اسمها سرى لأن اسمها سارة وأبارك فيها، وأعطيك منها ابناً وأباركه، ويكون رئيساً لشعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله يخرجون؛ فخر إبراهيم على وجهه ضاحكاً وقال في قلبه - وفي رواية متعجباً يقول في نفسه - وهل يولد لابن مائة سنة ابن وسارة تلد وقد أتى عليها تسعون سنة! وقال إبراهيم لله: يا ليت إسماعيل يحيى بين يديك! وقال الله لإبراهيم: حقاً - وفي نسخة: نعم - إن سارة صاحبتك ستلد ابناً وتسميه إسحاق، وأثبت العهد بيني وبينه إلى الأبد ولذريته من بعده، وقد استجبت لك في إسماعيل فباركته وكثرته وأنميته جداً جداً، ويولد له اثنا عشر عظيماً، وأجعله رئيساً لشعب عظيم؛ وأثبت عهدي لإسحاق الذي تلد لك سارة في هذا الحين من قابل. فلما فرغ من كلامه ارتفع استعلان الرب عن إبراهيم، فانطلق إبراهيم بإسماعيل ابنه وجميع أولاد بيته والمبتاعين بما له كل ذكر من بيت إبراهيم فختن غرلهم في ذلك اليوم كما أمره الله، وكان قد أتى على إبراهيم تسع وتسعون سنة إذ ختن غرلته وكان قد أتى إسماعيل ابنه إذ اختتن ثلاث عشرة سنة، وختن

أيضاً معه أبناء الغرباء المشايعين ثم أكمل البشارة بإسحاق، كما سيأتي في سورة هود إن شاء الله تعالى - إلى أن قال: وذكر الرب سارة كما قال: وصنع الله تبارك وتعالى بسارة كما وعد، فحبلت وولدت لإبراهيم ابناً على كبره في الوقت الذي وعد الله، فسمى إبراهيم ابنه من سارة إسحاق، فختن إبراهيم إسحاق ابنه في اليوم الثامن كما أمره الرب، وكان إبراهيم ابن مائة سنة، فقالت سارة: لقد أنعم الله عليّ وفرحني فرحاً عظيماً، فمن سمع فليفرح لي، وقالت: من كان يقول لإبراهيم: إن سارة ترضع غلاماً وتلد ابناً بعد الكبر؛ فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر سارة بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جداً وقال: فقال الله لإبراهيم: لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، فغدا إبراهيم باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية بئر سبع - وفي نسخة بئر الحلف، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ونفد الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت

شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته، فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافي، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو، قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك، لأني أجعله رئيساً لشعب عظيم، فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء، فانطلقت فملأت الإدواة وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة - انتهى. وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان إسماعيل عليه السلام، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وهذا ظاهره أنه كان رضيعاً، وفي الحديث الصحيح «أنه وضعه عند البيت وهو يرضع» ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام الأخير. وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت المقدس، فيمكن أن إبراهيم عليه السلام طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع. وفيه بشارة بنبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصرح مما ذكروه وهي قوله: ويتبارك بك جميع قبائل الأرض، لأن ذلك لم يحصل بأحد من أولاد إبراهيم عليه السلام إلا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد أثبت البركة به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخير في غالب قبائل

الأرض، ويكون الباقي بعد نزول عيسى عليه السلام. وكذا قوله: ويده في جميع الناس - إلى آخره، لأن إسماعيل عليه السلام لم ينقل أحد أن يده كانت على جميع الناس، ولا حل على جميع حدود إخوته، ولا اتصف من أولاده أحد بهذا الوصف إلا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني وشرح الصحائف للإمام السمرقندي التنبيه على هذا النص. ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال مبكتاً لهم: {أم} فعلم قطعاً من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما قالوا في أحد التقادير في هذه الآية وفي {أمّن هو قانت آناء الليل} [الزمر: 9] في سورة الزمر فكان التقدير هنا لتوبيخهم وتقريعهم بأن أيّ شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون: أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أم حاضرين وكنتم غائبين في أمر يعقوب عليه السلام خاصة أم {كنتم شهداء} الآية، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم؛ وعلى كل تقدير لا يضركم جهله، لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله عن الله ما يغنيكم عنه، وهو مانع لكم أيضاً من هذا الحكم على وجه قطعي؛

وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد بالآباء، وإرشاد إلى توسيع الفكر إلى المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد بأوامره والوقوف عند زواجره سواء كان ذلك موافقاً لشرع الآباء أو مخالفاً؛ ولما كان هذا لازماً لمضمون قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت} [البقرة: 134] أتبعه بها، أي فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم كانوا هوداً أو نصارى؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه الآية، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء منهما، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده علم ما يأتي وما يذر إلا فضولاً، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم، لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب وحصلت براءتهم منهم، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين، أو يقال وهو أحسن: لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم بأنها لمن أسلم محسناً وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه من رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكاراً عليهم في دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريراً لهم: أكنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلاً للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب {إذ حضر يعقوب} صاحب

نسبكم الأشهر {الموت} وهو على ما أوصى به إبراهيم بنيه {إذ قال} أي يعقوب {لبنيه} . ولما كان مراده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال: {ما تعبدون} ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل، وقيده بقوله: {من بعدي} لأن الخليفة كثيراً ما يخلف الغائب بسوء وإن كان مصلحاً في حضوره، وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان {قالوا نعبد إلهك} الذي خلقك {وإله آبائك} الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل

شيء ولا بعد له، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: {إبراهيم} أي جدك {وإسماعيل} لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازاً {وإسحاق} . ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به فيهما واحد تحقيقاً للبراءة من الشرك وتسجيلاً على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا: {إلهاً واحداً} ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله: {وهو محسن} [البقرة: 112] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم {ونحن له} أي وحده لا للأب ولا غيره {مسلمون} أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف حيثما قادنا انقدنا، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد لكم بما شهدنا لبنيه الموجودين إذ ذاك من الإسلام فتكونوا من أهل الجنة.

134

ولما كان في ذلك أعظم تسجيل عليهم بأنهم نابذوا وصية الأصفياء من أسلافهم ومرقوا من دينهم وتعبدوا بخلافهم وكان من المعلوم قطعاً أن الجواب أنهم ما شهدوا ذلك ولا هم مسلمون عبر عنه بقوله: {تلك أمة قد خلت} أي قبلكم بدهور لم تشهدوها، ونبه على أنهم عملوا بغير أعمالهم بقوله: {لها} أي الأمة {ما كسبت} أي من دين

الإسلام خاص بها لا شركة لكم فيه {ولكم ما كسبتم} أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم لا يسألون هم عن أعمالكم {ولا تسألون} أي أنتم {عما كانوا يعملون} ولما أخبر تعالى أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح أنه محض الضلال بين أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر، لأن سنته الماضية سبقت ولن تجد لسنته تحويلاً أن من أمات سنة أحيى على يديه بدعة عقوبة له. قال الحرالي: لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات في الأجسام فقال تعالى معجباً منهم عاطفاً على قوله: {وقالوا لن يدخل} [البقرة: 111] {وقالوا} أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره تعالى بأن

يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال موجهاً الخطاب إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على النفس: {قل بل} مضرباً عن مقالهم، أي لا يكون شيئاً مما ذكرتم بل نكون أو نلابس أنا ومن لحق بي من كمل أهل الإسلام {ملة إبراهيم} ملابسة نصير بها إياها كأننا تجسدنا منها، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها، فهو أبلغ مما لو قيل: بل أهل ملة إبراهيم. قال الحرالي: ففيه كمال تسنن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر، وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم {حنيفاً} أي

ليناً هشاً سهلاً قابلاً للاستقامة مائلاً مع داعي الحق منقاداً له مسلماً أمره إليه، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان، وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على الخفة واللطافة، ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة، ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل، فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة، ويكشفه آية آل عمران {ولكن كان حنيفاً مسلماً} [آل عمران: 67] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في انحرافهم عن جادة طريق الإسلام. وقال الحرالي: الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن. ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: {وما كان

من المشركين} قال الحرالي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الكمال الخاتم كما أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه في الابتداء الفاتح، قال تعالى لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قل إن صلاتي} [الأنعام: 162] إلى قوله: {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ومن سواه فهو منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله، فمن لم يكن مثلاً من الكافرين فهو من المؤمنين، لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من معنيي إثبات الوصف ونفي مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن

مشاهد العلم، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح، فللفهم مدرك لا يناله العلم، كما أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى. ولما قيل ذلك توجهت النفس إلى ما به يوصل إلى ملة إبراهيم. فصرف الخطاب الذي كان عند الحجاج للأكل على وجه يشمل من قاربه إلى من دونه بما يشمله، لأن المراد العموم، وساقه تعالى في جواب من كأنهم قالوا: ما نقول: حتى نكون إياها فقال: {قولوا} أي يا أيها الذين آمنوا {آمنا بالله} الذي له جميع صفات الكمال.

ولما كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء وكان ذلك يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو بالقصد الثاني كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بإلى بخلاف آية آل عمران كما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: {وما أنزل إلينا} أي من الكتاب الذي تقدم أنه الهدى على أي وجه كان من الأحكام والنسخ والنسيء وغير ذلك وقيل {وما أنزل إلى إبراهيم} ليكون المهيع واحداً {وإسماعيل وإسحاق} ابنيه. قال الحرالي: فلقن العرب الأميين المحسودين على ما آتاهم الله من فضله نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم، فكان فيه وصل العرب الذين هم أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه وقطع بني إسرائيل عنهم، وفيه إظهار لمزية فضل الله على العرب حين يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم فأغناهم بما لقنهم فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكّنهم

ربهم فأقرأهم ما يصلح من القول لهم وقال: {ويعقوب والأسباط} تكملة لما تقدم في العهد السابق - انتهى. {وما أوتي موسى وعيسى} أي من ربهم من المنزل من التوراة والإنجيل وغير المنزل، وغيّر الأسلوب تفضيلاً لما لهما من الكتابين والمعجزات وغير ذلك من المكنة؛ ثم أسند الإيتاء إلى الجميع لكون أهل الكتب العظيمة فيهم على سبيل التغليب فقال مؤكداً الكلام لأنه على لسان الأتباع وهم بالتأكيد أحق: {وما أوتي النبيون} أي قاطبة من تقدم وغيرهم من المنزل من كتاب وغيره {من ربهم} المحسن إليهم بذلك {لا نفرق بين أحد منهم} في أمر الإيمان باصطفائهم مع توجيه الأوامر إليهم {ونحن له} أي لربهم المحسن إلينا بإحسانه إليهم وحده {مسلمون} أي منقادون في الظاهر بعد انقياد الباطن، لا آمر لنا معه أصلاً، قال الحرالي: فأجرى على ألسنة الذين آمنوا من هذه الأمة تلقيناً لهم ما أجراه على ألسنة الأسباط قولاً منهم، فكانت العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل بما استووا في الدين وإن افترقوا في نسب الإسرائيلية - انتهى. والأسباط جمع سبط، قال في القاموس: والسبط - بالكسر - ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط. وقال البيضاوي: والأسباط جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة يعقوب وأبناءه وذراريهم فإنهم حفدة لإبراهيم وإسحاق.

وقال الأصبهاني: قيل أصل السبط في اللغة شجرة ملتفة كثير الأغصان من شجرة واحدة، وقال البغوي: والأسباط يعني أولاد يعقوب، واحدهم سبط، وهم اثنا عشر سبطاً، وسبط الرجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين: سبطا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب من بني إسماعيل، والشعوب من العجم، وكان في الأسباط أنبياء فلذلك قال: {وما أنزل إليهم} [آل عمران: 199] وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء - انتهى. قلت: وهذا هو الذي يظهر إذا تأملت هذه الآية مع التي بعدها وآية النساء، فإن الأسباط - أعني القبائل - كانت منهم الضلال، وقد أنكر الله على من قال: إنهم كانوا هوداً أو نصارى، وأخبر في آية النساء أنه أوحى إليهم، وقد عد الأسباط - أعني أولاد يعقوب - جماعة، فاختلفت عباراتهم عنهم، والذي حررته أنا من التوراة من عدة نسخ أصح، عدّهم في آخر السفر الأول منها ثم قال في أول السفر ثاني: وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا

مصر مع يعقوب أبيهم، دخل كل أمرىء منهم وأهل بيته، روبيل وشمعون ولاوى ويهودا وايساخار وزبلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير، ويوسف كان بمصر - انتهى. قلت: وبنيامين شقيق يوسف عليهما السلام وربما قيل فيه: بنمن، وفي روبيل: روبال، وفي شمعون: شمعان، وفي ايساخار: ايساخر، وفي زبلون: زبلون وزبولون - والله أعلم. ولما قدم تعالى ما أمرهم به وكان عين الهدى تسبب عنه قوله معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن إيمانهم لما لهم من الكثافة والغلظة والجلافة في غاية البعد: {فإن آمنوا} أي أهل الكتاب الذين أرادوا أن يستتبعوكم {بمثل} أي بنفس وحقيقة {ما آمنتم به} كما يأتي بيانه في {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] من الشورى، فكانوا تبعاً لكم {فقد اهتدوا} عكس ما قالوا مثلنا تهتدوا، وعبر بفعل المطاوعة لكون الإيمان مع ظهوره بظهور دلائله موافقاً للفطرة الأولى، وأما الكفر فإنه لما كان لأجل

ظهور الإيمان وانطباعه في الجنان بعيداً عن المزاج لا يكون إلا بنوع من العلاج بين الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته عن العيان عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال: {وإن تولوا} قال الحرالي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم، لأن الله تعالى إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو تعالى لا يخرج نبأه على غير كائن فيكون نبأ لا كون له، إنما ذلك أدنى أوصاف بعض الخلق {فإنما هم في شقاق} أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم، لأنهم يعلمون أن الهدى ليس في شيء غيره كما اقتضته «إنما» . ولما كان اللازم لمشاقّتهم على هذا الحال المكايدة والمحاربة وكان ذلك على وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية أوليائه إلى غيره فسبب ذلك قوله: {فسيكفيكهم الله} ؛ أي بوعد لا خلف فيه أصلاً وإن تأخر شيئاً من تأخر بما له من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي أفهمها الاسم الشريف، والكفاية إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى

دفع له - قاله الحرالي. ولما كان المناوىء لشخص إما أن يكيده بقوله أو بفعله وكان الفعل مسبوقاً بالارتسام في الضمير وكان الكافي لشخص إنما يتوقف كفايته على العلم بما يصلحه قال: {وهو السميع} أي لما يقول أعداؤكم {العليم} بما يضمرون فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره عليه، فحظكم منهم مقصور على أذى في القول وسوء في وُدّ في الضمير، وحظهم منكم قهرهم وسبيهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم. وجعل الحرالي {صبغة الله} أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته كما أن الصبغة حلية المصبوغ حالاً تقاضاها معنى الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام، وقال: الصيغة تطوير معاجل بسرعة وحيه، وقال: فلما كان هذا التلقين تلقيناً وحياً سريع التصيير من حال الضلال المبين الذي كانت فيه العرب في جاهليتها إلى حال الهدى المبين الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها من غير مدة جعله تعالى صبغة

كما يصبغ الثوب في الوقت فيستحيل من لون إلى لون في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم في نحو الذي يسمونه الغِطاس {ومن أحسن من الله} أي الذي له الكمال كله

{صبغة} لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك صبغة جسم لا تنفع، وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نوراً، كما قال عليه الصلاة والسلام: اللهم اجعلني نوراً! فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة {ونحن له} أي خاصة {عابدون} تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حيث قال: {ما تعبدون من بعدي} [البقرة: 133] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة والإسلام حتم، والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكراً - يختص برحمته من يشاء، وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحداً منهم لا يرتد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من العصمة الثابت خاصها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عليِّ أمره - انتهى. ولما أمر تعالى بقوله: {قل بل ملة إبراهيم} [البقرة: 135] وما بعده بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضاً بالخطاب عن الجمع موجهاً له إلى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفعاً لمقامه وتعريفاً بعلي منصبه إعلاماً بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من الجدل واللدد: {قل} منكراً لمحاجتهم وموبخاً لهم عليها {أتحاجوننا} ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة

لأنه أقطع لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم على المجادلة، ومعنى قوله: {في الله} في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه، لأن له الكمال كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} [البقرة: 94] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به {وهو} أي والحال أنه {ربنا وربكم} نحن وأنتم في العبودية له سواء {ولنا أعمالنا} نختص به دونكم {ولكم أعمالكم} تختصون بها دوننا، لا نخاف منه أن يخصكم بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلماً ولا غلطاً، لأنه السميع العليم الغني الحميد {ونحن} أحسن أعمالاً منكم لأنا دونكم {له} وحده {مخلصون} لا نشرك به شيئاً وأنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه، فلزم قطعاً أنا أخص به منكم؛ والإخلاص عزل النفس جملة، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل. ولما كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم

يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم فيكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة أبطلها سبحانه بقوله: {أم} أي أرجعوا عن قولهم: {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] لما ثبت من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم {تقولون} ولا يخفى أن التقدير على قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص ورويس بالخطاب: أرجعتم عن قولكم: {إن إبراهيم} خليل الله {وإسماعيل وإسحاق} ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أولاد يعقوب {كانوا هوداً أو نصارى} لتصح دعواهم في أن الجنة خالصة لأهل ملتهم، فكأنه قيل: فما يقال لهم إن قالوا ذلك؟ فقيل: {قل أنتم أعلم} بذلك وبغيره {أم الله} الذي له الإحاطة كلها أعلم، فلا يمكنهم أن يقولوا: نحن، وإن قالوا: الله، فقد برّأ إبراهيم من ذلك فبطل ما ادعوا. ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه عليهم السلام على دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك مع تقرير الله لهم واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} [البقرة: 42] وكان التقدير: فمن أظلم ممن ادعى أنه أعلم من الله بدعواه ذلك صريحاً أو لزومه له بإخباره بخلاف ما ثبت في القرآن المعلوم صدقه بإعجازه! قال تعالى عطفاً على هذا المقدور: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده} أي موجودة ومودعة عنده

{من الله} أي كتمها من الملك الأعظم، أو هي عنده منه وهو يستخبره عنها مع علمه بأنه فاضحه لأنه العالم بالسرائر. ولما كان التقدير: فإنه يعلم ما عمله من كتمانه عطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وما الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بغافل عما تعملون} إشعاراً بصيغة المضارع بتماديهم بعد هذا كله على سوء أعمالهم وتحذيراً من مثل ذلك. ولما لم يدع لهم متمسكاً من جهة إبراهيم عليه السلام أتبع ذلك الإشارة على تقدير صحة دعواهم إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان لا مع ما قرره لأحد من خلقه فإنه لا حجر عليه ولا اعتراض بل له أن يأمر اليوم بأمر وغداً مثلاً بضده وأن يفعل ما يشاء من إحكام ونسخ ونسيء وإنساء فقال: {تلك أمة} أي إبراهيم وآله {قد خلت} أي فهب أنهم على ما زعمتم فقد مضوا وقدم زمانهم فلا ينفعكم إلا ما تستجدونه في وقتكم هذا بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم

وأسودهم، ويجوز أن يقال: لما كان مضمون ما سبق من إثبات الأعلمية لله وكتمانهم الشهادة بما عندهم ثبوت ما أخبر به سبحانه على لسان هذا النبي الكريم من كون أصفيائه على دينه الإسلام فهم برآء منهم كان المعنى: إن ادعيتم بهتاً أن العلم جاءكم عن الله بما ادعيتموه قيل: إن من تدعون عليه ذلك من الأنبياء قد انقضت معجزته بموته، وكتابكم غير مأمون عليه التحريف والتبديل لكونه غير معجز، وهذا النبي الآتي بالقرآن قائم بين أظهركم وهو يخبركم عن الله بكذب دعواكم، ويؤيد قوله بالمعجزات التي منها هذا القرآن الذي عجزت العرب كلها عن الإتيان بسورة من مثله وأنتم كذلك مع مشاركتكم لهم في الفصاحة نظماً ونثراً واختصاصكم عنهم بالعلم فلزمكم قبوله، لأنكم لا تستندون في ترويج كذبكم بعد الجهد إلا إلى من ثبت صدقه بثبوت رسالته، وثبتت رسالته بظهور معجزته، فوجب عليكم قبول أمره، وذلك ينتج قطعاً أنه يجب عليكم قبول هذا الداعي بهذا القرآن لمثل ذلك سواء، وإلا كان قبول بعض من ثبت له هذا الوصف دون البعض تحكماً واتباعاً للهوى المذموم في كل شرعة المنعي عليكم بقوله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} [البقرة: 87] هذا مع أن رد قولكم هذا فيهم أظهر ظاهر من حيث إنه

لا يعقل أن يكون السابق على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمُدد متطاولة، وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران إن شاء الله تعالى والإشارة إلى منابذته للعقل بقوله: {أفلا تعقلون} [آل عمران: 65] ليتطابق على إبطاله صادق النقل وحاكم العقل، وإلى هذا كله الإشارة بقوله: {تلك أمة قد خلت} أي من قبلكم بدهور ولا يقبل الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع، ولا سبيل لكم إليه وقد قام القاطع على مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه بإعجازه بما تقدم وبما أشار إليه قوله تعالى: {لها ما كسبت} أي من أعمالها {ولكم ما كسبتم} أي من أعمالكم، فلا يسألون هم عن أعمالكم {ولا تسألون} أي أنتم {عما كانوا يعملون} .

142

ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولاً لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم

جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوماً لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلاً له بما قبله على وجه أعم. {سيقول} إلى آخره، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه الحق! وقال: {السفهاء} ولم يقل: سيقولون، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل

دليلاً، وأكد الوصف بالطيش بقوله: {من الناس} المأخوذ من النوس وهو التحرك، دون أن يقول: من أهل الكتاب، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك {ما ولاهم} ولم يقولوا: مَن، زيادة في الأذى بالاحتقار {عن قبلتهم} . قال الحرالي: القبلة ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه {التي كانوا عليها} أي بيت المقدس، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان، كما قالوا فيما تقدم: {كونوا هوداً أو نصارى} [البقرة: 135] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة؛ ولذا جاء جوابهم بقوله: {قل} خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله: {قل أتخذتم عند الله عهداً} [البقرة: 80] {قل هاتوا برهانكم} [البقرة: 111]

ونحوه؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء، فكان منهم على وفق الخبر؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة مواضع: تحريفهم لكلام الله، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله، وإخباره بظلم مانع المسجد، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه. وتسميتهم

سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم {ألا إنهم هم السفهاء} [البقرة: 13] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه: وإلى قوله قريباً {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال: {لله} أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً {المشرق والمغرب} مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق. ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه، على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله معظماً لأهل الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم:

{يهدي إليه من يشاء} أي من عباده، وعظم الكعبة بقوله: {إلى صراط المستقيم} في أي جهة كانت، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه «أل» من الكمال. ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور

فيها فاتبع ذلك قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى {جعلناكم} بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به {أمة} . قال الحرالي: من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمماً، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى. {وسطاً} أي شريفة خياراً، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء، فهو خيار الشيء. قال أبو تمام الطائي. كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً، وكذا كان ظرفاً، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني. ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر: وسط، وطس، سوط، سطو، طوس، طسو، طيس، طسى، سيط سطأ طسأ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي، ويلزم أن يكون أعلى من غيره، لأن أكثر المخلوقات كُريّ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه وبين الوسط؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله، ووسط الشيء ما بين طرفيه، فإذا سكنت السين كان ظرفاً

أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان؛ ووسطه قطّعه نصفين، وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين الرديء والجيد، ووسط القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته، وأوطاس واد بديار هوازن لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب. ومن الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط الباب، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات، والطاووس طائر حسن، والجميل من الرجال والفضة، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، والمطوس كمعظم الشيء الحسن، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة، وتطوست المرأة تزينت، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن. ومن العلو: سطا الفرس أبعد الخطو، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره، والطويل وواسط الكور

مقدمه، ومن الشدة والغلبة: صار الماء وسيطه غلب على الطين، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل، والفرس ركب رأسه، وساطاه شدد عليه؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر، والوطيس التنور وحرّ الحرب، والوطيس شدة الأمر، وككَتّاب الراعي، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم، والموج تلاطم، وأوطاس واد بديار هوازن لأنه أشد مما هو رمل صرف، والسوط الذي يضرب به والشدة والضرب، والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض، وسوَّط أخرج ذلك، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به

وطسى كرضى طس غلب الدسم على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم، وأطسأه الشبع ونفسي طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف. ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد، الطيس العدد الكثير، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما؛ وسطا الماء كثر؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور؛ وسطا الطعام ذاقه؛ والساطىء الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه، وسوط باطل ضوء يخرج من الكوّة، وسطت الشيء بالسوط ضربته به، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس، والمسواط فرس لا يعطى حُضره

إلا بالسوط، واستوط أمره اضطرب واختلط، وأموالهم سويطة بينهم مختلطة، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه، والسوط النصيب والفضلة من الغدير. ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى. ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال: {لتكونوا} أي أنتم لا غيركم {شهداء} كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال: لتشهدوا، وقال: {على الناس} أي كافة. ولما كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوسطهم قال: {ويكون الرسول} أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط {عليكم} خاصة {شهيداً} بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس،

وبأنه قد بلغكم مدة حياته، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا: إنهم حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك. ولما أعلم بما {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: {وما جعلنا} أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد {القبلة} قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام

ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى. وبين أنها الأولى بقوله: {التي كنت عليها} وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله: {إلا لنعلم} أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها {من يتبع الرسول} في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه {ممن ينقلب} أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكساً {على عقبيه} علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، والعقب مؤخر القدم. وقال الحرالي: لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى. ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل

النفس فقال: {وإن كانت} أي الجعلة {لكبيرة} أي ثقيلة شاقة جداً لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال: {إلا على الذين هدى الله} أي خلق الذي له الأمر كله الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة. ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال: {وما كان الله} الذي له الكمال المطلق {ليضيع} قال الحرالي: مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة {إيمانكم} أي المصرح به في قولكم: {آمنا بالله} [البقرة: 8] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم: {ونحن له مخلصون} [البقرة: 139] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل

الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده. ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {بالناس} أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة {لرءوف} أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، قال: والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء: إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى. وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه {رحيم} لمن يشاء

ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً. وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا. ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة

فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموماً بين ذلك برسوله خصوصاً بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى: {قد نرى تقلب وجهك} قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمراً أو خبراً يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو رسولاً لكافة الناس وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به {قد} بالتقليل للتقلب وللرؤية {في السماء} فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء «ولينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم» والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال: «حتى رأينا عفرة إبطيه» - انتهى ملخصاً. {فلنولينَّك} أي فتسبب عن تلك

الرؤية أنا نوليك من غير شك {قبلة} قال الحرالي: نكّرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية؛ وفي قوله: {ترضاها} إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر لما يريد، فكل واقع بإرادة لا يكون رضىً إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى. ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء السبب في قوله: {فول وجهك} ، وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله، الغيب

للغيب والظاهر للظاهر، {شطر} أي عين {المسجد} كما استدل الشافعي رحمه الله في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال: وهذا كله من أشعارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء، إذا كان معايناً فبالصواب وإن كان مغيباً فبالاجتهاد {الحرام} وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة. قال الحرالي: سماه الله حراماً لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة فكان حراماً على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى. وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى. وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها السجود، وسيأتي عند

{يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] زيادة على هذا، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: «صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين» ولما بشره سبحانه بالتحويل أولاً وأوقع المبشر به ثانياً أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله: {وحيث ما كنتم} أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها {فولوا وجوهكم شطره} بتوجيه قلوبكم إليّ. ولما حرر ذلك وقرره بيّن أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال: {وإن الذين أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: {ليعلمون أنه} أي هذا التحويل {الحق} أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلاً {من

ربهم} أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته، فعندما أتاهم ردوا رحمته، وجعل ذلك سبحانه في سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتاً وتقوية لعزائمهم وتمكيناً حيث ختم الآية بقوله: {وما الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بغافل عما يعملون} قال الحرالي: بالياء أي التحتانية إعراضاً عنهم، وبالتاء إقبالاً عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه

والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.

145

ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوّح إليه هذا الأخير وأعلمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم أصلاً ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا} بناه للمجهول تنبيهاً على هوانهم {الكتاب} أي من اليهود والنصارى {بكل آية} أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة {ما تبعوا قبلتك} أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياماً للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: {وما أنت بتابع قبلتهم} ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال: {وما بعضهم} أي أهل الكتاب {بتابع قبلة بعض} مع تقاربهم في النسب، وذلك حثاً للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم. ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع

ذلك مجرد هوى فقال منفراً للأمة عنهم ومحذراً لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى لقبول الاتباع {ولئن اتبعت أهواءهم} . ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال: {من بعد ما جاءك من العلم} قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه «بعد الذي» لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه «من» التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي

مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب، قال الحرالي: قال تعالى: {إنك إذاً لمن الظالمين} على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظراً منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكماً وإن كان معه علماً، ومنه قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي بجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع

النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} أي في إمضاء العدل {فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، وكذلك قوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} [عبس: 1-2] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي عنه، لأن خطابه أبداً في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين

في العلم - انتهى. وسيأتي في قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] في سورة التوبة ما يوضحه. ولما ختم الخطاب بالإشارة بقوله: {أهواءهم} إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحاً كما فتحه بالإعلام به تصريحاً كرّ على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق إشارة إلى ما تبطنوه من العناد الموجب للتمادي في الفساد فقال مضمراً له على وجه يصلح أن يكون للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معظماً لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه: {الذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون {الكتاب يعرفونه} أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكمال علمهم به {كما يعرفون أبناءهم} لا يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله عندهم، لأنهم يعرفون الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجميع نعوته معرفة لا يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته، ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها، ولذلك قال الحرالي: في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن

العارف بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر؛ وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين: علم على تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كياناً كياناً إلى ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه {وإن فريقاً منهم} أي أهل الكتاب {ليكتمون الحق} أي يخفونه ولا يعلنونه. ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال: {وهم يعلمون} أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافاً: صنفاً عرفوه فاتبعوه، وصنفاً عرفوه فأنكروه كما في إفهامه

وفريقاً علموه فكتموه؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر هو أردؤهم، وعالم كاتم لاحق به؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان. ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية خاطبه الحق بقوله: {الحق} أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات، أو جنس الحق كائن {من ربك} أي المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه {فلا تكونن من الممترين} فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور

والعدل انتهى. وفيه زيادة وتغيير، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإزاحة لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. قال الحرالي: والممتري من الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلباً، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه. ولما بين أن أحداً من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة فقال تعالى: {ولكل} أي لكل فريق من المذكورين وغيرهم {وجهة} أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ويقبل بقلبه عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد {هو موليها} إن كسر اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في

آخر الأنفال، فيكون وليّ بمعنى تولّى كقدم بمعنى تقدم، ومن المعلوم الفرق بين تولاه وتولى عنه، وإن فتح فالمعنى: هو ممال إليها. قال الحرالي: وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة «مولاها» إظهار حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالاً بين يديه ملاصقاً له - انتهى. ولما كان فعلهم هذا إنما هو لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل إلا بفعل الخير واجتناب الشر سبب عنه قوله: {فاستبقوا الخيرات} أي فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة

وغيرها وتسابقوا في قصدكم إليها، أي كانوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصماً فهو يجتهد في سبقه، فإن الاستباق تكلف السبق والسبق بروز أحد المتحاربين، ثم حثهم على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على وجه التعليل: {أين ما تكونوا} أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية {يأت بكم الله} أي الملك الأعظم {جميعاً} منها إليه في يوم البعث، ثم علل هذه العلة بقوله: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {على كل شيء قدير} وفي ذكر البعث هنا معادلة بين القبلتين: قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن، والقبلة الأولى، قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن من دخله كان آمناً، فكان

المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكماً وعلماً والإتيان الآخر في العقبى قهراً وملكاً. ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق، كان الحال مقتضياً لمزيد تأكيد لأمرها تعظيماً لشأنها وتوهية لشبه السفهاء فقال تعالى ثانياً معبراً بعبارة مشعرة بإمامته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتظار المصلين له، {ومن حيث خرجت} أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من الجهات من الشرق والغرب والجنوب {فول وجهك شطر} أي عين {المسجد الحرام} وأما قلبك فهو إلى الله ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما

عمل لتطلعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام عطف عليه قوله: {وإنه للحق من ربك} مؤكداً له بأنواع التأكيد مضيفاً له إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها. ولما كان التقدير: وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس وخيفت عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وما الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بغافل عما} أي عن شيء مما {يعملون} أي السفهاء من اليهود وغيرهم في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه، وعلى قراءة الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان خالصاً لوجهه وإلا جعله هباء منثوراً. قال الحرالي: ومن التفت بقلبه في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق حقيقته توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق

في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حساً فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيباً، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبرأ عن مثله - انتهى. {ومن حيث خرجت} أي من بقاع الأرض للصلاة بأمتك {فول وجهك} أي اجعله يلي {شطر} أي عين {المسجد الحرام} . ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض قي حقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتم لا فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو باطل فقال: {وحيث ما كنتم} أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية. قال الحرالي: وذكر في أمته بالكون لا بالخروج إشعاراً يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم في جولتهم - انتهى. {فولوا وجوهكم} أي اجعلوها والية {شطره} للصلاة. قال الحرالي: وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت

قد صليت في أهلك، بخلافه هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن صلاته لا تقع إلا جمعاً من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام لا تقع صلاته فذا - انتهى. ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين سبحانه وتعالى أن الأمر بخلاف ذلك فقال: {لئلا يكون للناس} أي لأحد منهم {عليكم حجة} بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل، أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع لنا في قبلتنا. ولما كانت الحجة كلاماً ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيباً صحيحاً وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال: {إلا الذين} أي الناس الذين {ظلموا منهم} فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون

إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام، ويكون الاستثناء على هذا منقطعاً بمعنى: لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ظلموا يقولون أو يظهرون فجوراً ولدداً في ذلك كلاماً يسمونه حجة، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء الحث على الثبات على أمر الله سبحانه وتعالى والإعراض عمن خالفه نظراً إلى ما تأصل من إبطاله واستحضاراً لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى أمره ويصعب على بعض المحقين حله حتى يظن حجة؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلاً، قال السفاقسي: ومثار الخلاف هل الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - انتهى. ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من

الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة، و {الذين ظلموا} إن أريد بهم اليهود فهم يقولون: ما رجع إلى الكعبة إلا محبة لبلده، ولو كان في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه، وإن كان المشركين فهم يقولون: قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم. ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله: {فلا تخشوهم} أي في هذا الأمر ولا غيره، فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم. ولما تبين أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذراً من مخالفته في شيء من الأشياء فقال: {واخشوني} ثم عطف على علة الاستقبال قوله: {ولأتم} أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين

ونعيمها الذي من جملته هذا الاستقبال {نعمتي عليكم} بالتمكين من الحجج وغيره من أمور الدين حين أنزل عليكم آية {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] كما أتممتها على إبراهيم خليلي صاحب هذا البيت الذي وجهتكم إليه. قال الحرالي: وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى. {ولعلكم تهتدون} أي ولتكونوا على رجاء عند أنفسكم ومن يراكم ممن لا يعلم العواقب من أن تهتدوا إلى الثبات على هذه القبلة وغيرها من أمر هذا الدين سبب خشيتي فإنها جالبة لكل خير ودافعة لكل ضير. قال الحرالي: وفي كلمة {لعل} على ما تقدم إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد للثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ما هو للخلق تردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع

قوم عن ذلك التمادي بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانقسامهم فيه بين ثابت عليه دائم الاهتداء فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده وردة من ارتد - انتهى. {كما} أي وجهناكم إلى الكعبة لهذه العلل {أرسلنا} أي بعظمتنا {فيكم} لأجل ذلك بعينه ولئلا تقولوا ما كانوا يقولون من أنكم لا حرمة لكم لإشراككم ولا إثم على من آذاكم فيتم عليكم النعمة بإرسال من يستنقذكم اتباعه من الجهل والذل في الدنيا ومن العذاب في الأخرى {رسولاً} متصفاً بأنه {منكم} تعرفون من صفته العلية وهممه الشم الحاملة على اتباعه والتيمن برأيه ما لا يعرفه غيركم {يتلوا عليكم

آياتنا} الحافظة لمن رعاها حق رعايتها على الصراط المستقيم عوضاً من تناشدكم الأشعار. قال الحرالي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ذلك لها في كلام هو كلام ربها. فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم؛ ثم قال: وفيه إغناء العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكاماً، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد وتولي الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على معلمهم ممن سواه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انتهى.

ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو التوجه إلى البيت للصلاة وكانت الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس قدم قوله: {ويزكيكم} أي يطهركم في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل المثمر مع الضلال للإضلال. قال الحرالي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيه رغبتهم، لأن للمغتذي

رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. {ويعلمكم الكتاب} المقيم للدين والدنيا. قال الحرالي: أي الفقه فيه {والحكمة} دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى. قال الحرالي: فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة «أل» إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون. ثم قال:

وبذلك كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك الخلق نحو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام» لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات، ومن استجلى أحواله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها وألسنتها ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعاً، لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية؛ ثم قال: فعلى قدر ما وهب الله سبحانه وتعالى العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة، يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكلم أبا بكر رضي الله عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم مما يقولان شيئاً» ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يعلمهم ما لم يكن في كتابهم مثال علمه. ففيه إشعار بفتح وتجديد فطرة يترقون لها إلى ما لم يكن في كتابهم علمه - انتهى. وذلك لأن استعمال الحكمة موجب للترقي فقال تعالى: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي من الاستنباط من الكتاب من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال ويسلككم فيه من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية لمرأى الأفكار المنورة لبصائر الاعتبار.

152

ولما كان من المعلوم أن هذا الخير الذي يفتر عنه ذو بصيرة ولا يقصر دونه من له أدنى همة إنما كان يذكر الله سبحانه وتعالى للعرب تفضلاً منه عليهم بعد طول الشقا وتمادي الجهل والجهد والعناء رغّبهم فيما يديم ذلك مسبباً له عما تقدم فقال: {فاذكروني} أي لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره {أذكركم} فأفتح لكم من المعارف وأدفع عنكم من المخاوف ما لا يدخل تحت حد {واشكروا لي} وحدي من غير شريك تشركون معي أزدكم، وأكد

هذه الإشارة بقوله {ولا تكفرون} أي أسلبكم. قال الحرالي: ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم ولأيامهم جعل سبحانه وتعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضاً من إشعارهم وهز عزائهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم - انتهى. ولما ختم الآيات الآمرة باستقبال البيت في الصلاة بالأمر بالشكر ومجانبة الكفر وكان ذلك رأس العبادة وفاعله شديد الافتقار إلى المعونة التفت إلى قوله تعالى في أم الكتاب: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فأمرهم بما تضمن ذلك من الصبر والصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] عالماً بأنهم سيمتثلون حيث عصى بنو إسرائيل حين أمرهم بمثل ذلك في أول قصصهم بقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] إلى أن قال: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45] فكان في ذلك إشارة إلى أنهم هم الخاشعون وحسن موقع هذه الآية كونها بعد أذى أهل الكتاب بنسبهم لهم إلى بطلان الدين بتغيير الأحكام ونحو ذلك من

مُرّ الكلام كما في الآية الأخرى {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك كل منهما الصبر والصلاة فكأنه قيل: لا تلتفتوا إلى طعن الطاعنين في أمر القبلة فيشغلكم ذلك عن ذكري وشكري بل اصبروا وصلوا إليّ متوجهين إلى القبلة التي أمرتكم بها عالمين أن الصبر والصلاة نعم العون على كل ما ينوب من دين ودنيا، وأرشق من هذا أن يقال: ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين السفهاء وأمرهم بالدواء المنجح من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره أتبع ذلك للإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه فقال: يا أيها الذين آمنوا} مخاطباً لهم على وجه

يشمل الكامل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولعله صرف الخطاب عنه لما في السياق مما يحمي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقامه العالي {استعينوا بالصبر} أي على ما تلقون منهم وعلى الإقبال إليّ لأكفيكم كل مهم {والصلاة} فإنها أكبر معين لأنها أجمع العبادات، فمن أقبل بها على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه، لأن ذلك شأن كل كبير فيمن أقبل بكليته عليه. ولما كانت الصلاة لا تقوم إلا بالصبر اقتصر على التعليل به فقال: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {مع الصابرين} أي ومعلوم أن من كان الله سبحانه وتعالى معه فاز. قال الحرالي: وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها بأخذها بالنشاط فيما كلفت به {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} [الطلاق: 7] و {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286] فمتى يسر الله سبحانه وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر، ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها أشد

من الصبر الأول، كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر الدواء، فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من اشتداد العقوبة عليها، وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد العذاب فقيل لأهلها {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} [الطور: 16] ثم قال: فبداية الدين صبر وخاتمته يسر، فإن من كان الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة مع - انتهى. ولما أشار لهم إلى ما يستقبلونه من حال الطاعنين في دينهم ورقاهم في ذلك درجة بعد درجة أتبعه ما دل على أن الأمر يصل إلى القتل وما داناه ليأخذوا لذلك أهبته ويعتدوا له عدته. وقال الحرالي: ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه كرهها أنبأهم الحق تعالى أن الصبر له ليس على المعهود وأنه يوجد فيه عند تجشمه حلاوة لذة الحياة وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا لخفائه عن إدراك المعقول فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في سبيل الله فقال: {ولا تقولوا} عطفاً

على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد - انتهى. أي وجاهدوهم لتقتلوهم ويقتلوكم وتسلبوهم ويسلبوكم ولا تقولوا، أو يقال: ولما كان الصبر واقعاً على أمور أشقها الجهاد ثم الحج ثم الصوم وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد سألوا عمن مات منهم على قبلة بيت المقدس فبين لهم ما صاروا إليه بقوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] تِلو آية الصبر بتبيين حال الشهداء المقتولين في الجهاد من المؤمنين دفعاً لظن أنهم أموات والتفاتاً إلى ما أشار به إلى صيرورة الأمر إلى الحرب حيث عاب المانعين للمسجد وأخبر بأنه سيحصل لهم خزي في الدنيا بالقتل والأسر وعذاب عظيم في الآخرة بالنار والسخط، وإيماء إلى أنه سيأذن لهم في مقارعة من أمرهم بالصبر على أذاهم من أهل الكتاب حتى يمحقهم السيف ويسكنهم الذل والخوف، فالمعنى: اصبروا على كل ما يقوله أهل الكتاب وغيرهم في أمر القبلة وغيره وعلى كل ما يغير به الشيطان في وجه الإيمان وصلوا إلى البيت الذي وجهتكم إليه وجاهدوا كل من خالفكم حتى يكون الدين لله صابرين على كل ما ينوب في ذلك من القتل والنهب وغيره ولا تقولوا إذا قاتلتم الكفار

المناصبين لكم من العرب وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم {لمن يقتل} منكم {في سبيل الله} أي الذي له جميع صفات الكمال بأن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا لا لشيء غير ذلك من دنيا أو عصبية، فإنا سنكتب عليكم الجهاد، ونستشهد منكم شهداء: إنهم {أموات} بل قولوا: إنهم شهداء، فإنهم ليسوا بأموات {بل} هم {أحياء} وسيأتي في آل عمران أن ذلك معنى الشهيد. قال الحرالي: فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد مثال المكروه من كل وجه حتى في أن يقال عنه إنه ميت، فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر، ثم قال وأبهم أمرهم في هذه السورة ونفى عنهم القول، لأن هذه سورة الكتاب المدعو به الخلق وصرح بتفضيله في آل عمران لأنها سورة قيام الله الذي به تجلى الحق فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى. ولما كان الحس قاصراً عما أخبر به سبحانه وتعالى قال منبهاً على ذلك {ولكن لا تشعرون} أنهم أحياء كما ترون النيام هموداً

لا يتحركون ولا شعور لكم بمن فيهم ينظر، أحلاماً من غيره، فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا ولا عيش أرغد منه في الآخرة، وأما المقتول من أعدائكم فليس له في الدنيا إلا الخزي والفضيحة بالقهر والذل والهوان والعذاب الذي لا آخر له في الآخرة. قال الحرالي: قال ذلك نفياً بكلمة لا ومثال الدوام ففيه إعلام بأن الذين آمنوا ليس في رتبتهم الشعور به أصلاً إلا أن يرقيهم الله بنماء سن القلوب وصفاء الأنفس إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين الذين يشهدون من الغيب ما لا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى. وفي هذا إشارة إلى أن كون الله معهم لا يمنع أن يستشهد منهم شهداء، بل ذلك من ثمرات كون الله معهم حيث يظفر من استشهد منهم بسعادة الأخرى ومن بقي بسعادة الدارين، وتلخيص ذلك أن يقال إنه لما كان حاصل ما تقدم

في هذه السورة أن أهل الأرض كلهم قريبهم وبعيدهم وثنيهم وكتابيهم مطبقون على عداوة أهل هذا الدين وكان كثيراً ما يأمرهم بالصبر على أذاهم اشتد تشوّف النفوس إلى أنه هل بعد هذا الكف من فعل، فأشار إلى أنه سيأمر بعد الصبر على أذى اللسان بالصبر على جلاد السيف والسنان أمراً عاماً فقال عاطفاً هذا النهي على الأمر بالصبر، أي اصبروا الآن على هذا الأذى ثم اصبروا إذا أمرتكم بالجهاد على وقع السيوف واقتحام الحتوف وفقد من يقتل منكم ولا تصفوهم بالموت، ولعله فاجأهم بما تضمنته هذه الآية توطيناً لهم على القتل في سبيله وكان استشرافهم إلى الحرب قد كثر وبشرهم بأن القتيل فيه حي وإن رئي ميتاً تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم والخطب الجسيم. ولما كان من شأن الطين الذي منه البشر وما تولد منه أن لا يخلص عن الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، ألا ترى أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن الغش ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا بالامتحان بشديد

النيران! قال تعالى معلماً لهم بالتربية بما تحصل به التصفية بما تؤدي إليه مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار: {ولنبلونكم} عطفاً على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله: فلنأمركم بمقارعة كل من أمرناكم من قبل بمجاملته وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم أي يصيبكم بأشياء إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع. قال الحرالي: فالصبر الأول أي في {أن الله مع الصابرين} عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني أي في {وبشر الصابرين} على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية {ولنبونكم} عطفاً وتجاوزاً لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله ضعفاً عن صبر النفس عن كره القتال {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي بلايا

في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها {ولنبلونكم بشيء من الخوف} وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها {والجوع} وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة فهو الغرث، فلذلك في الجوع بلاء مّا والغرث عادة جارية. وقال أيضاً: الجوع فراغ الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام مّا، فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف والجوع، وأيما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر في أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده وخير الزاد التقوى في سبيله لجهاده وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى. ونكر الشيء وما بعده حثاً على الشكر بالإشارة إلى أن كل

ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه، فعدم الإصابة به نعمة. ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة بقوله: {ونقص} وهو التقاصر عن الكفاف {من الأموال} أي النعم التي كانت منها أغذيتهم. قال الحرالي: لأن ذلك عرف استعمالهم في لفظ المال. وقال أيضاً: والمال ما هو للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه، فضاعف تعالى مثال البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع الكفاية من الأموال في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء والرزق، فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله غانم من عدوه، والمتخلف خائف في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده - انتهى. ولما كان ذلك قد يكون عن إفراط في الكثرة قال: {والأنفس} قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاهد كثر عدده ونما ولده، وأن من تكاسل قل عدده ودرج خلفه، وفي ضمنه إشعار بمنال المتكاسل

حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - انتهى. وقال: {والثمرات} التي هي نفس الأشجار التي بها قوام أنفس الأبدان تخصيصاً لها بالذكر، لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من أخص الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة. ولما كان السياق مرشداً إلى أن التقدير: فأنذر من لم يصبر، ولكنه طوى إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه إرشاداً إليه وحثاً على الصبر ثم ذكر الموجبين للنصر قوله: {وبشر الصابرين} وقال الحرالي: ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول كما قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] وكان مما يتداركه صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ببشرى الصابرين من هلكه ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة

وضجر منها وتسخط فيها، فكان للصابر الأول الصحبة بقوله: {إن الله مع الصابرين} . ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما نولهم وشتان بين من كان الله معه وبين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء التخلف، وما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفاً وحفيظة على الأحساب والرتب الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعاً وتحاملاً فقال: {الذين إذا أصابتهم} من الإصابة

وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها {مصيبة} خصيصة عرف الاستعمال بما لا يوافق نكرها لخصوص ذكره - انتهى. والمراد أي مصيبة كانت ولو قلّت وضعفت بما أفهمه تأنيثه الفعل {قالوا إنا لله} أي الملك المحيط بكل شيء إسلاماً بأنفسهم لربهم فهو يفعل بنا من هذه المصيبة وغيرها ما يريد فهو المسؤول في أن يكون ذلك أصلح لنا. ولما كان التقدير بياناً لكونهم لله تقريراً للاستسلام به: نحن مبتدئون، عطف عليه {وإنا إليه} أي لا إلى غيره {راجعون}

معنى في أن جميع أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحساباً لبعث وظهور ذلك بعده ظهوراً تاماً. قال الحرالي: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما نقصوا من أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافيهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن ما أخذ من أنفسهم وما معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم فتقع مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم وجعلها جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب وتلاقاه الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك قال: {أولئك} خطاباً لنبيه واستحضاراً لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم. قال: {عليهم صلوات} صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجاً لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، قال: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك الابتلاءات، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم منه عدد تلك الابتلاءات، وفي قوله تعالى: {من ربهم} إشعار بتدريجهم في ذلك

بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم، قال تعالى: {ورحمة} إفراد لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم، فنالتهم الرحمة جمعاً حين أخرجتهم الصلوات أفراداً. قال تعالى: {وأولئك} إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب {هم المهتدون} فجاء بلفظ {هم} إشعاراً بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى. والذي يلوح

لي أن أداة البعد في {أولئك} إشارة إلى علو مقامهم وعز مرامهم، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم الحصر؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف، والرحمة الإنعام بما يقتضي العطف والتَحنّن - والله سبحانه وتعالى الموفق؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم به بألسنتهم والإملاء لهم إلى حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم ببيض الصفاح، كما في الآية الأخرى {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [الأعراف: 186] إلى آخرها ويمكن أن يراد «بالخوف الجهاد» . وبالجوع الصوم، وبنقص الأموال زكاة الصامت من المال، وبالأنفس زكاة الحيوان، وبالثمرات زكاتها؛ لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما تقدمها وتلاها أن تكون مقصورة على الجهاد. ولما فرغ مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة التي هي قيام للناس وما استتبع ذلك مما يضطره إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم وختم ذلك بالهدى شرع في ذكر ما كان البيت به قياماً

للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير الحامية عن كل ضير التي جعلت مواقفها أعلاماً على الساعة لا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن الوطن وقد سماه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد الجهادين مع أنه من أعظم مقاصد البيت المذكورة في هذه الآيات مناقبه المتلوة مآثره المنصوبة شعائره التي هي في الحقيقة دعائمه من الاعتكاف والصلاة والطواف المشار إلى حجه واعتماره بقوله: {مثابة للناس وأمناً} [البقرة: 125] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح إذ كان لم يبق من مفاخره العظمى غيره وضم إليه العمرة الحج الأصغر لمشاركتها له في إظهار فخاره وإعلاء مناره فقال: {إن الصفا والمروة} فهو كالتعليل لاستحقاق البيت لأن يكون

قبلة، وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة، اسم الصفا من الصفوة وهو ما يخلص من الكدر، واسم المروة من المرو وهو ما تحدد من الحجارة - قاله الحرالي. وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة الإقبال عليهما على ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما أنزل على هذا الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكتاب والحكمة الباقيين إلى آخر الدهر شفاء للقلوب وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليماً بصفة العلم كما كان الإقبال على السعي بينهما تسليماً لأمر الله مفيداً لحياة أبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء زمزم الباقي إلى قيام الساعة طعام طعم وشفاء سقم، وفي ذلك مع تقديم الصفا إشارة للبصراء من أرباب القلوب إلى أن الصابر لله المبشر فيما قبلها ينبغي أن يكون قلبه جامعاً بين الصلابة والصفا، فيكون بصلابته الحجرية مانعاً من القواطع الشيطانية، وبرقته الزجاجية جامعاً للوامع الرحمانية، بعيداً عن القلب المائي بصلابته، وعن الحجري بصفائه واستنارته. ومن أعظم المناسبات أيضاً كون

سبيل الحج إذ ذاك كان ممنوعاً بأهل الحرب، فكأنها علة لما قبلها وكأنه قيل: ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا البيت الذي أمرتم باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله ممنوع بمن تعلمون، فلنبلونكم بقتالهم لزوال مانع الحج وقتال غيرهم من أهل الكتاب وغيرهم لإتمام النعمة بتمام الدين وظهوره على كل دين. ومن أحسنها أيضاً أنه تعالى لما ذكر البلايا بنقص الأموال بسبب الذنوب {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] أتبعها الدواء الجابر لذلك النقص ديناً ودنيا، «فإن الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والفضة» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وروي أيضاً عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما بينته في كتابي الاطلاع على حجة الوداع. وقال الحرالي: لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج في قوله سبحانه وتعالى {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة: 150] من حيث أن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين وفي ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء على كافة العرب كما قال تعالى فيما أنزل يوم تمام الحج الذي

هو يوم عرفة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] وذلك بما أتم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمة تمام معالم الدين وتأسيس الفتح بفتح أم القرى التي في فتحها فتح جميع الأرض لأنها قيام الناس نظم تعالى بما تلاه من الخطاب تفصيلاً من تفاصيل أمر الحج انتظم بأمر الذين آمنوا من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا برفع الجناح عنهم وهم طائفة من الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد فتحرجوا من التطوف بين الصفا والمروة. وطائفة أيضاً خافوا أن يلحقهم في الإسلام بعملهم نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية نقص في عمل الإسلام، فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن ذلك موضوع عنهم لمختلف نياتهم فإن الأعمال بالنيات، فما نوي لله كان لله ولم يُبل فيه بموافقة ما كان من عاداتهم في الجاهلية، وفي فقهه صحة السجود لله سبحانه وتعالى لمن أكره على السجود للصنم، وفي طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليها، أذن صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية للقائل فيه ذلك ولقضاء حاجة له من حوائح دنياه عند الكفار، فظهر بذلك كونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمة للعالمين، يقبل الضمائر ولا يبالي بالظواهر في أحوال الضرائر، فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن نياتهم وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى عملهم، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ذكر - انتهى. {من شعائر الله} أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان كل شيء لجلاله. وقال الحرالي: وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه، وقال: والشعيرة ما شعرت به القلوب من أمور باطنة {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم الإسلام

وحرمة من حرم الله لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية {فمن حج} من الحج وهو ترداد القصد إلى ما يراد خيره وبره. وقال الأصفهاني: أصله زيادة شيء تعظمه - انتهى. {البيت} ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء الطواف إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه لكون الطائف منتهياً إلى البيت وكون المصلي قائماً بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف مداناة البيت، وذكره تعالى بكلمة «من» المطلقة المستغرقة لأولي العقل تنكباً بالخطاب عن خصوص المتحرجين، ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه، ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار، ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 37] فكذلك

حكم ما هو آيته؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر، كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث ختم الله سبحانه وتعالى عمره بعمل الحج؛ قال سبحانه وتعالى {أو اعتمر} فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين {فلا جناح} وهو المؤاخذة على الجنوح، والجنوح الميل عن جادة القصد - انتهى {عليه أن يطوف} أي يدور بهمة وتعمد ونشاط {بهما} بادياً بما بدأ الله. قال الحرالي: رفع الجناح عن لفعل حكم يشترك فيه الجائز والواجب والفرض والمباح حتى يصح أن يقال: لا جناح عليك أن تصلي الظهر، كما يقال: لا جناح عليك أن تطعم إذا جعت؛ وإنما يشعر بالجواز والتخيير نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل، كما قال عليه الصلاة والسلام للذين سألوه عن العزل: «لا جناح عليكم أن لا تفعلوا» أي أن لا تُنزلوا، لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى العزل «وهو الذي قررته عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال عروة:

ما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما، فقالت: لو كان كما تقول كان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما الحديث. قلت: ولعل التعبير بالنفي إنما اختير ليدل على نفي ما توهموه بالمطابقة، وتقع الدلالة على الوجوب بإفهام الجزاء لأن من حج أو اعتمر ولم يتطوف بهما كان عليه حرج، وبالسنة التي بينته من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي «ومن فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قوله.» خذوا عني مناسككم «ومن عدهما من الشعائر ونحو ذلك. قال الحرالي: وما روي من قراءة من قرأ {أن لا يطوف بهما} فليست {لا} نافية على حد ما نفت معناه عائشة رضي الله تعالى عنها وإنما هي مؤكدة للإثبات بمنزلة {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] و {لئلا يعلم أهل الكتاب} [الحديد: 29] لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي والإثبات كاستعماله في وجوه من التقابل كما تستعمل {ما} في النفي والإثبات، وكذلك جاءت» لا «في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال وإن كان دون ذلك في الشهرة، فوارد القرآن معتبر بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها، لا يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من النحو والأدب على ما دون

الغاية لعلوه في رتبة العربية {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [الزخرف: 2] انتهى. والذين قرؤوا بزيادة «لا» عليّ وابن عباس - بخلاف عنه - وأبي بن كعب وابن مسعود وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وميمون بن مهران، كما نقل ذلك الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في كتابه المحتسب في توجيه القراءات - الشواذ؛ ومعنى قول عائشة رضي الله تعالى عنها لكان أن لا يطوف خاصة، ولم ترد قراءة بالإثبات؛ وأما مع قراءة الإثبات فإن المعنى يرشد إلى أن قراءة النفي مثلها، لأن كونهما من الشعائر يقتضي التطوف بهما لا إهمالهما - والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وذكره

تعالى بالتطوف الذي هو تفعّل أي تشبه بالطواف، ومع البيت بالطواف في قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين} [البقرة: 125] لما كان السعي تردداً في طول، والمراد الإحاطة بهما، فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة، فجعله لذلك تطوفاً أي تشبهاً بالطواف - انتهى. ولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف بينهما إلا الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة، عبر بما يفيد مدحهم فقال تعالى: {ومن تطوع} قَالَ الحرالي: أي كلف نفسه معاهدة البر والخير من غير استدعاء له {خيراً} فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء بما يفهمه لفظ الخير، لأن عرف استعماله في خير الرزق والنفقة، كما قال تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد *} [العاديات: 8] و {إن ترك خيراً} [البقرة: 180] ؛ ولما كان رفع الجناح تركاً عادلها في الخطاب بإثبات عمل خير ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملاً حين لم يفد الأول إلا تركاً، فمن تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة

على ربه واختصر في أغراض نفسه، ومن حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه وأجزل نفقاته في أغراض نفسه وشهوات عياله، فذلك من أعلام المؤمنين وأعلام الجاهلين، من وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه، وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه، فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة، عليه في آية بعثة إليه ولقائه له شكراً لله له ذلك يوم يلقاه، فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته {فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {شاكر} أي مجاز بالأعمال مع المضاعفة لثوابها؛ قال الحرالي: وقوله: {عليم *} فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال النفقات لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - انتهى. ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا لحق وختم ما اتبعه له بصفتي الشكر والعلم ترغيباً وترهيباً بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ويعلم من أخفاه وإن دق

فعله وبالغ في كتمانه انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين في لعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين لأن هذا الكتاب هدى وكان السياق مرشداً إلى أن التقدير بعد {شاكر عليم} ومن أحدث شراً فإن الله عليم قدير، فوصل به استئنافاً قوله على وجه يعمهم وغيرهم: {إن الذين يكتمون} بياناً لجزائهم {ما أنزلنا} أي بعظمتنا. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] فكانت البداية خاصة وكان الختم عاماً، ليكون ما في كتاب الله أمراً على نحو ما كان أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن تقدمه من الرسل خلقاً لينطبق الأمر على الخلق بدءاً وختماً انطباقاً واحداً، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين - انتهى {من البينات} أي التي لا يحتاج

سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها. قال الحرالي: ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه - انتهى. {والهدى} أي الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم. ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قل أثبت الجار فقال {من بعد ما بيناه} أي بما لنا من العظمة {للناس} أي الذين هم في أدنى طبقات المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل فإنهم من أعظم المقصودين بذلك لكتمانهم ما عندهم. قال الحرالي: لأن المسمين بالناس من أصاغر سن القلوب لما ذكر من نوسهم وأكثر ما يخص به كما تقدم الملوك ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى. {في الكتاب} أي الجامع لكل خير

قال الحرالي: فما بينه الله سبحانه وتعالى في الكتاب لا يحل كتمه، لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود بخلاف ما يختص بالفرقان أو يعلو إلى رتبة القرآن انتهى. ولما كان المضارع دالاً على التجديد المستمر وكان الإصرار المتصل بالموت دالاً على سوء الجبلة أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر من غير نظر إلى سبب فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {يلعنهم الله} أي يطردهم الملك الأعظم طرد خزي وذل {ويلعنهم اللاعنون *} أي كل من يصح منه لعن؛ أي هم متهيؤن لذلك ثم يقع لهم ذلك بالفعل عند كشف الغطاء، واللعن إسقاط الشيء إلى أردى محاله حتى يكون في الرتبة بمنزلة الفعل من العامة - قاله الحرالي: وأخص من ذلك وأسهل تناولاً أن يقال: لما كان أشق الصبر ما على فقد المحبوب من الألف والأمن والسعة وكان العلم واقعاً بأن عداوة الكفار لهم ستؤول إلى ابتلائهم بذلك أتبع آية الصبر بقوله: {ولا تقولوا} الآيتين فكأنه قيل: ولا تقولوا كذا فليكتبن عليكم الجهاد عموماً {ولنبلونكم} فيه {بشيء من الخوف} الآية لأن الصفا والمروة من شعائر الله

ووصولكم إليهما ممنوع بالكفار فلا بد في الفتح من قتالهم وقد جرت العادة في القتال بمثل ذلك البلاء.

160

ولما تم أمر القبلة وما استتبعه وختم بشريعة الحج المكتوبة على الناس عامة الأمر لهم بها باني البيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أمر الله سبحانه وتعالى بقوله إذ قام المقام: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج فحجوا، فأجابه من علم الله سبحانه وتعالى أنه يحج ثم حجت الأنبياء من بني إسرائيل بن إبراهيم عليهما السلام ثم أخفاها أهل الكتاب فيما أخفوه من كتابهم حسداً للعرب وختمت آية الحج بعليم رجع إلى أمر الكاتمين الذين يكتمون الحق وهم يعلمون، وأعظم ما كتموه أمر هذا الكتاب الذي هو الهدى المفتتح به السورة، ولما بين جزاءهم استثنى منهم التائبين مبيناً لشرائط التوبة الثلاثة فقال {إلا الذين تابوا} بالندم على ارتكاب الذنب {وأصلحوا} بالعزم على عدم العود {وبينوا} ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع. ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم في المتاب بعد توبتهم سبباً لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله مَنّاً منه في نفس

الأمر فقال معبراً بالفاء: {فأولئك} العالو الرتبة {أتوب عليهم} أي أقبل توبتهم فأحفظهم بما يشعر به مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه، وفي الربط بالفاء إشارة إلى إسراع استنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة، من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة - أفاده الحرالي. ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية بما دل على أن التقدير: فإني أحب التوابين فقال: {وأنا التواب} أي مرة بعد مرة لمن كر على الذنب ثم راجع التوبة كرة إثر كرة {الرحيم *} لمن فعل ما يرضيني. ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرّين معبراً عن كتمانهم بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال: {إن الذين كفروا}

أي بهذا الكتمان وغيره {وماتوا وهم كفار} قال الحرالي: ففي إشعاره يسر توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في الذكر توبة الكافر، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل، فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر - انتهى. ولما كان الموت على شيء دالاً على أصل الجبلة فالميت كافراً مجبول جبلة شر بيّن سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي لذلك لا لسبب جدده، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، لأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، فأسقط فاء السبب وعبر عنهم بأداة البعد إشارة إلى طردهم فقال: {أولئك} الذين هم في غاية السفول {عليهم لعنة الله} أي طرد الملك الذي لا ملك سواه وإبعاده، ثم بين اللاعنين في التي قبلها فقال {والملائكة والناس أجمعين *} أي هم أهل لذلك وكل أحد يلعن الظالم وأظلم الظالمين الكافر {خالدين فيها} أي اللعنة.

ولما كان اللعن دالاً على العذاب صرح به فقال: {لا يخفف عنهم العذاب} لاستعلاء اللعن عليهم وإحاطته بهم. وقال الحرالي: ذكر وصف العذاب بذكر ما لزمهم من اللعنة ليجمع لهم بين العقابين: عقاباً من الوصف وعقاباً من الفعل، كما يكون لمن يقابله نعيم ورضى - انتهى. {ولا هم ينظرون *} قال الحرالي: من النظرة وهو التأخير المرتقب نجازه فالمعنى أنهم لا يمهلون من ممهل ما أصلاً كما يمهلون في الدنيا - بل يقع عليهم العذاب حال فراقهم للحياة ثم لا يخفف عنهم. قال الحرالي: ففيه إشعار بطائفة أي من عصاة المؤمنين يؤخر عذابهم، وفي مقابلة علم الجزاء بأحوال أهل الدنيا تصنيفهم بأصناف في اقتراف السوء، فمن داومه داومه العذاب ومن أخره وقتاً ما في دنياه أخر عنه العذاب، ومن تزايد فيه تزايد عذابه، وذلك لكون الدنيا مزرعة الآخرة وأن الجزاء بحسب الوصف {سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم *} [الأنعام: 136] انتهى. ولما أفاض عليهم سبحانه وتعالى ما أفاض من بحار الحجاج المفرقة بالأمواج وقرر ما أراد من شرائع الإسلام على وجه الإتقان

والإحكام وأرشد هذا السياق المذكور فيه ثواب المطيع وعقاب العاصي إلى أن التقدير: فإلهكم إله واحد لا شريك له يدافعه عما يريد لا إله إلا هو المنتقم من أعدائه العظيم في كبريائه، عطف عليه مكرراً الزاجر لكل منافق وكافر ومذكراً بالعاطف لكل موافق مؤالف قوله تعالى: {وإلهكم} ولما كان المراد أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق، فلا يصح أصلاً أن يكون الإله الحق منقسماً بالنوع ولا بالشخص ولا بالوصف ولا بالفعل ولا بغير ذلك بوجه من الوجوه أعاد لفظ الإله فقال: {إله واحد} أي لا ينقسم بوجه من الوجوه لا بمجانسة ولا بغيرها وهو مع ذلك {لا إله إلا هو} فهذا تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته فلا يصح

بوجه ولا يمكن في عقل أن يصلح للإلهية غيره أصلاً فلا يستحق العبادة إلا هو لأنه {الرحمن} أي العام الرحمة بالنعم الزائلة لأوليائه وأعدائه {الرحيم *} أي المخصص بالنعم الباقية لأوليائه، فثبت بالتفرد بالألوهية أنه حائز بجميع العظمة وبيده مجامع الكبرياء والقهر، وبوصفي الرحمة أنه مفيض لجلائل النعم ودقائقها فكل ما سواه إما نعمة أو منعم عليه، فهو المخشي سطوته المرجو رحمته يغفر لمن يشاء ويلعن من كفر ويخلده في العذاب من غير أن يقدر

غيره أن يعترض عليه في شيء من ذلك؛ ولا يبعد عندي وإن بعد المدى أن تكون الواو في قوله {وإلهكم} عاطفة على قوله في أوائل السورة {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] قبل قوله {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] فإن التوحيد هو المقصود بالذات وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولاً {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] أتبعه في قوله {الذي خلقكم} [البقرة: 21] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال: {فلا تجعلوا لله أنداداً} [البقرة: 22] إعلاماً بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه عليه، ثم رجع إليه قائلاً ثانياً {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة: 28] إلى آخرها فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرين وذكر ما أعد لكل من الجزاء فأتبع ذلك هذه الآية عاطفاً لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد بياناً لما هو الحق وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين

بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره؛ ولا يستنكر تجويز هذا العطف لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر لتأنس به النفوس وتسرّ به القلوب، وربما كان الدليل طويل الذيول كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك ورأى أن الخصم لم يصل إلى غاية الإذعان أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفاً له على الوجوه الأول تذكيراً بما ليس بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم؛ ومن تأمل مناظرات الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك وقال الحرالي: ولما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك منهم وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم عليه الصلاة والسلام في جمع الذرية

ووحدة أبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في جمع الإسلام ووحدة أحمدية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جمع الدين فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات الظاهرة من وحدة الروح ووحدة النفس والعقل فقال تعالى عطفاً على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: {وإلهكم إله واحد} فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع وحدة الأب المدّين! فكيف به مع وحدة النبي المكمل! فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الذي شمل خلقه رحمانية! الرحيم الذي اختص أولياءه وأصفياءه عناية فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل وحدة دونه! فجميع أسمائه لها وحدة تنتهي وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى إليه الإله وهو تعبد الظاهر لإلجاء المتعبد إليه في كل حاجاته وإقاماته الظاهرة والباطنة، ولا أتم من وحدة ما لا يتصوره

العقل ولا يدركه الحس في علو وحدة الغيب الذي لا يبدو فيه ذات فيكون لها أو فيها كميات ولا كيفيات؛ ثم قال: وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة الواحد وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم، فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاماً بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدماً {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] فإعلاء الخطاب من رتبة الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى الله الأحد الذي أحديته مركوزة في كافة فطر الخلق وجبلاتهم حين لم يقع الشرك فيه بوجه وإنما وقع في رتبة الإلهية، فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع في وحدة الإلهية وفي إضافة اسم الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من تعبدهم الذي هو تألّههم؛ ولما كان في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين أتبع ذلك بكلمة التوحيد بناء على اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية فقال تعالى: {لا إله إلا هو} رداً على إضمار ما في الأول ولم يذكر اسمه المظهر ليكون للدعوة إليه رتبة عالية تكون هذه متوقلاً إليها، ولما كان هذا التوحيد الإلهي أمر غيب من الإله أظهره سبحانه

وتعالى بمظهر الرحمانية المحيطة الشاملة والرحيمية الاختصاصية لما عند الخلق من شاهد ذلك فيما يجدونه من أثر الرحمانية في دنياهم وآثارهم وما يجدون من آثار الرحيمية في اختصاصهم المزية في تضاعف رحمته، فكان في مجموع هذه الآية أعظمية من غيب الإلهية إلى تمام اختصاص الرحيمية، فلذلك كانت هذه الآية مع آية الإحاطة في أول آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه الآية من خصوص الرحيمية مع خصوص مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف العزة الذي أبداه قوله سبحانه وتعالى: {والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] فكانت هذه الآية لذلك مع {الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم *} [آل عمران: 1-2] اسم الله الأعظم المحيط بالغيب والشهادة جمعاً للرحمة والنقمة في الظاهر وإحاطة عظمة في الباطن، فكان هذا الحد من علو الخطاب ابتداء رفع الخلق

إلى التعلق باسم الله الأعظم الذي يرفعهم عن سفل تقيدهم بأنفسهم المحقّرة إظهاراً لمبدأ العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى. ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة على ذلك في هذه الآية الثالثة بأبسط مما في الآية الثانية كما كانت الثانية أبسط من الأولى وأجلى تبصيراً للجهال وتذكيراً للعلماء؛ فكانت هذه الآية تفصيلاً لتينك الآيتين السابقتين ولم تدع حاجة إلى مثل هذه التفصيل في آية آل عمران، لأن معظم المراد بها الدلالة على شمول القدرة وأما هذه فدليل على التفرد، فكان لا بد من ذكر ما ربما أضيف إلى أسبابه القريبة تنبيهاً على أنه لا شريك له في شيء من ذلك وأن الكل بخلقه وإن أقام لذلك أسباباً ظاهرية فقال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض} أي واختلافهما فإن

خلق ما ذكر في الآية من نعمته على عباده كما ذكر في أول السورة، ثم ذكر ما ينشأ عنهما فقال: {واختلاف} وهو افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور {الليل} قدمه لأنه الأصل والأقدم {وآية لهم الّليل} [يس: 37] {والنهار} وخلقهما، فالآية من الاحتباك، ذكر الخلق أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والاختلاف ثانياً على حذفه أولاً. وقال الحرالي: ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق أو أمر عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه وتعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ربها من

احتياجها إلى خرق العوائد، قال عليه الصلاة والسلام «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي آتاني الله وحياً أوحاه الله سبحانه وتعالى إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً» فكان أمر الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها في خلقه بالإبداء والتسخير من الشواهد، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا لسلطان القهر، فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم، ولم يجبها إلى ما سألته من ذلك، فلما وصل تعالى بدعوة الربوبية ذِكر الخلق والرزق وذكر الأرض بأنها فراش والسماء بأنها بناء على عادة العرب في رتبة حس ظاهر أعلاهم في هذا الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر المحسوس السابق فقال: {إن في خلق السماوات والأرض} خطاباً مع من له نظر عقلي يزيد على نظر الحس باعتبار السماوات أفلاكها وعددها بشواهد نجومها حتى يتعرف أنها سماوات معدودة، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في مخلوق السماوات؛ ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها كما في السماوات لم يجر ذكرها في القرآن إلا مفردة وجاء ذكر السماوات معددة لأهل النظر

العقلي ومفردة لأهل النظر الحسي، وأيسر معتبر ما بين السماوات والأرض في مقابلة حظيهما في كون السماوات في حد من العلو والصفاء والنورانية والحركة والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية والسكون، فيقع الاعتبار بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل، وذلك مما يعجز الخلق فيعلمون أنه من أمر الحق، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون بالمتناسب لا بالمتقابل، فمن آلته الماء مثلاً تفسد عليه النار، ومن آلته النار يفسد عليه الماء، والحق سبحانه وتعالى أقام للخلق والموجودات والموالد آحاداً مجتمعة قد قهر فيها متنافرات موجودات الأركان وموجود خلق السماء والأرض المشهود تقابلهما، فما وقع اجتماع النار بالماء على تقابل ما بين الحار والبارد، واجتماع الهواء بالأرض على تقابل ما بين الكثيف واللطيف، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد وعضو

واحد حتى في جزء واحد من أدق أجزائه إلا بأمر يعجز عنه الخلق ولا يقدر عليه إلا الحق الذي يحار فيه الخلق، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد، آثاره موجودة في أنفسهم، وشواهده مبصرة بأعينهم وحقائق تلك الشواهد بادية لعقولهم، فكأنه سبحانه وتعالى أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفاًً لغطاء أعينهم ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره. ولما ذكر سبحانه وتعالى خلق متقابل العلو والسفل في ذكر السماوات والأرض نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار ليتريع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل والمشرق والمغرب فيقع شواهد الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم وإرجاع ذلك إليه دون أن يعزي ذلك إلى شيء من دونه مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار خطابَ إجمال يناسب مورد السورة التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها وفي سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى. ولما ذكر تعالى ما أنشأه سير الكواكب في ساحة الفلك أتبعه سير الفلك في باحة البحر فقال: {والفلك} وهو ما عظم من السفن

في مقابلة القارب وهو المستخف منها. قال الحرالي: استوى واحده وجمعه، حركات الواحد أولى في الضمير وحركات الجمع ثوان في الضمير من حيث إن الواحد أول والجمع ثان مكسر انتهى. ولما أراد هنا الجمع لأنه أدل على القدرة وصف بأداة التأنيث فقال {التي تجري} بتقدير الله، وحقق الأمر بقوله: {في البحر} أسند الجري إليها ومن المعلوم أنه لا جري لها حقيقة ولا فعل بوجه ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك في النجوم إشارة إلى أنه لا فعل لها ولا تدبير كما يعتقد بعض الفلاسفة. وقال الحرالي: ولما ذكر سبحانه وتعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في الوجهين وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع المحمولة في الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب للمشرق ومنافع الشمال

للجنوب وبالعكس، فما حملت جارية شيئاً ينتفع به إلا قد تضمن ذكره مبهم كلمة {ما} في قوله تعالى: {بما ينفع الناس} وذكرهم باسم الناس الذي هو أول من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما أدنى ذلك في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول - انتهى. ولما ذكر نفع البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال: {وما أنزل الله} الذي له العظمة التامة {من السماء} أي جهتها باجتذاب السحاب له. ولما كان النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف ذكر ما هو سبب الحياة فقال: {من ماء فأحيا به الأرض} بما ينبت منها ولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال: {بعد موتها} بعدمه.

ولما ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال {وبث} من البث وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة {فيها} بالخضب {من كل دابة} من الدبيب وهو الحركة بالنفس قال الحرالي: أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده وقتاً بعد وقت بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السماوات والأرض الدائم على حالة واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته، فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم إليه في كل حول ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة

من في السماء {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك: 16] وقال عليه الصلاة والسلام للأمة: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» فأذن أدنى الإيمان التوجه إلى عبادة من في السماء ترقياً إلى علو المستوى على العرش إلى غيب الموجود في أسرار القلوب، فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء وهو الله الذي لم يشرك به أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله، ولذلك ذكر تعالى آية الإلهية التي هي الإحياء، والحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة إنما هو تكامل في الناقص، فالمهتزّ حي بالإضافة إلى الجماد ترقياً إلى ما فوق ذلك من رتب الحياة من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض، فلذلك ذكر تعالى الإحياءين بالمعنى، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان، فأظهر حيث خفي عن الخلق، ولم يذكره حيث هو ظاهر للخلق، فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء الذي لهم منه شراب ومنه شجر وبه حياة الحيوان ومنه مرعاهم. ولما ذكر سبحانه وتعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء ذكر بث ما هو سبب للسحاب السبب للمطر السبب للحياة فقال

تعالى: {وتصريف الرياح} أي تارة صباً وأخرى دبوراً ومرة شمالاً وكرة جنوباً، والتصريف إجراء المصرف بمقتضى الحكم عليه، والريح متحرك الهوى في الأقطار {والسحاب} وهو المتراكم في جهة العلو من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب في الجو {المسخر} أي بها، من التسخير وهو إجراء الشيء على مقتضى غرض ما سخر له {بين السماء والأرض} لا يهوى إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء، كما تهوى بقية الأجرام العالية حيث لم يكن لها ممسك محسوس ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة: فالكثيف يقتضي النزول واللطيف يقتضي الصعود، والمتوسط يقتضي الانقشاع {لآيات}

وقال الحرالي: لما ذكر تعالى الأعلى والأسفل ومطلع الليل والنهار من الجانبين وإنزال الماء أهواءً ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته من نحو صواعقه وجملة أحداثه، فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادىء الاعتبار، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات، لتكون السماء آية على علو أمر الله فيكون أعلى من الأعلى، وتكون الأرض آية على باطن أمر الله فيكون أبطن من الأبطن، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته مما وراء أمر الليل والنار، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان آية ما ينزل من نور علمه على القلوب فتحيا بها حياة تكون حياة الظاهر آية عليه، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره وسمائه الذي هو باطنه، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلى في الحس وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان؛ فلجملة ذلك جعل تعالى صنوف

هذه الاعتبارات {لآيات لقوم} وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا، لأن العرب عرفت استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة حتى يقولون: قوم أو نساء. تقابلاً بين المعنيين؛ وذكر تعالى العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم التي كتبها بيده وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى؛ فقال: {يعقلون *} أي فيعلمون أن مصرف

هذه الأمور على هذه الكيفيات المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو قادر بما يشاهد من إحياء الأرض وغيرها مما هو أكبر منه على بعث الموتى وغيره مما يريده وأنه مع ذلك كله واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس، يعلمون ذلك بذلك فلا يتخذون أنداداً من دونه ولا يميلون عن جنابه الأعلى إلى سواه، وقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن الحليمي أنه مما يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى وهو خمسة أشياء: الأول إثباته سبحانه وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل، والثاني وحدانيته لتقع به البراءة عن الشرك - وهذان من قوله {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه وهذا من قوله {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] لأن من لا يسد غيره مسده لا شبيه له، والرابع إثبات

أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول وهذا من قوله {الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] {إن في خلق السماوات والأرض} [البقرة: 164] ، والخامس أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء لتقع به البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة وهذا من قوله {وما أنزل الله من السماء من ماء} [البقرة: 164] إلى آخرها قال البيهقي: كان أسماء الله سبحانه وتعالى جده التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها منقسمة بين العقائد الخمس، فليلحق بكل واحدة منهن بعضها، وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في بابين أو أكثر - انتهى. وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة، فجعل سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي جملة ما سواه الدالة على وجوده وفعله بالاختيار على قسمين: قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق والملك، وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى الغيب والأمر والملكوت، والأول يدركه عامة الناس والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس، فالله

سبحانه وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه محتوياً على جمل وتفاصيل من وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى البشرية عن ضبطها يستدل بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكل بقدر ما هيىء له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك والعياذ بالله سبحانه وتعالى هو الشقي.

165

ولما نهضت الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب من عبد سواه وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة مشيراً بختم التي قبل بيعقلون، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ويتجلى الجبار في صفة النقمة فقال سبحانه وتعالى عاطفاً على ما قدرته مما أرشد إليه المعنى: ومن، أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن بربه وفنى في حبه {ومن الناس من يتخذ} وهم من لا يعقل {من

دون الله} الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة {أنداداً} مما خلقه، ادعوا أنهم شركاؤه، أعم من أن يكونوا أصناماً أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله والتحريم والتحليل من غير أمر الله {يحبونهم} من الحب وهو إحساس بوصلة لا يدرى كنهها {كحب الله} الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من الطاعة والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره، هذا على أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم لله لأنهم مشركون {والذين آمنوا أشد حباً لله} الذي له الكمال كله من حب المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله، لأنهم لا يعدلون به شيئاً في حالة من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم

يعدلون في الشدائد إليه سبحانه وتعالى، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي. وقال الحرالي: ولما استحق القوم القائمون في أمر الله سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أنداداً مما يقال فيهم: قوم، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدّد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البيّنة آثاره، فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حباً كأنه وصلة بين بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أنداداً، ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ نداً من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن

عبد حجراً فقلبه في القلوب حجر ومن عبد نباتاً فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد دابة {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: 93] كذلك إلى ما يقع معبوداً من دون الله ما بين أعلى النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضاً من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد النار قلبه نار وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الفرقان: 43] فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات فعادل سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب

للأمر مطيع، فالمحب أعلى في الطرفين - انتهى. ولما عجب من حالهم حذر من سوء منقلبهم ومآلهم فقال: {ولو يرى الذين ظلموا} أي ولو يرون أي المتخذون للأنداد ولكنه أظهر لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ما يذكر، وهو وضعهم الشيء في غير محله كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة، وذلك هنا تسويتهم ممن لا يملك شيئاً أصلاً بمن يملك كل شيء {إذ يرون العذاب} أي يتخذون أنداداً والحال أنهم لو يعلمون حين إهانتهم ولين ما غلظ من أكبادهم ورؤية ما لا يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذاباً {أن القوة لله} الذي له مجامع الكمال {جميعاً} حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم {وأن الله} الذي لا ملك سواه {شديد العذاب} لم يتخذوا أنداداً ولم يعدلوا بالله أحداً، أو يكون التقدير: ولو ترى بالتاء والياء، أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد - إلى آخره. وقال الحرالي: قال تعالى: {ولو يرى} عطفاً على متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم في الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «

إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء» إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، وفي قوله «ترى» بالتاء إقبالاً على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله {يرى} بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم عما هم عليه لو رأوه - انتهى. {إذ يرون} أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب، أي الأكبر الذي لا عذاب مثله؛ كما أفهمه تعريفه بأل، ثم بينه بقوله {إن القوة} وهي مُنّة الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوى جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها لله جميعاً، فإنه لا شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفرداً بالعز في كل معنى لا سيما إذا كان جباراً متكبراً شديد البطش ممن عصاه، كما يشير إليه قوله: {وإن الله شديد العذاب} ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعاً. وقال الحرالي: موضع

الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعاً سلباً عن جميع أندادهم الذين أحبوهم وعن أنفسهم، كما قال قائلهم {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} [النمل: 33] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعاً، وفي {إن القوة} إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر، ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال {وإن الله شديد العذاب} إكمالاً للخطاب بظاهره، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسماً أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطناً لظاهر وظاهراً لباطن في المتعاطفين جميعاً في قوله {إن القوة لله جميعاً وإن الله شديد العذاب} انتهى أو يقال: إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله جميعاً

فلا مانع له من إتيانهم به، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له وأنه كامل القدرة شامل العلم، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى كل ضرب من أنواع التوعد، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه عليه، فالتقدير: لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو لرأوا أمراً فظيعاً هائلاً شاغلاً لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من الظلم، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله؛ ثم أبدل من {إذ يرون} قوله: {إذ تبرأ} وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك {الذين اتُّبعوا} أي مع اتباع غيرهم لهم، وهم الرؤساء {من الذين اتَّبعوا} مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم. وقال الحرالي: قال ذلك إظهاراً لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول لتتسق الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها وإعلاءً للخطاب بما هو المعقول علمه المتقدم إلى ما في الإيمان نبأه ليتم نور

العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي؛ ثم قال: بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في الكون، فكأنه في المعنى: إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من {أن القوة لله جميعاً} ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى. قال تعالى {ورأوا} أي الكل {العذاب} أي الذي لا محيص لهم عنه. وقال الحرالي: قاله رداً للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب عليهم وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيباً عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضاً - انتهى. {وتقطعت} أي تكلفت وتعمدت القطع وهو بين المتصل، أشار إليه الحرالي، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة، ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن يظهر لهم انقطاع الأسباب

شيئاً فشيئاً زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم {بهم} أي كلهم جميع {الأسباب *} أي كلها، وهي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، والسبب ما يتوصل به إلى حصول، في الأصل الحبل، ثم قيل لكل مقصد. قال الحرالي: وفيه إشعار بخلوّ بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى. {وقال الذين اتبعوا} وهم الأذناب متمنين للمحال ندماً على اتباع من لا ينفع حيث لا ينفع الندم {لو أن لنا كرة} أي رجعة

إلى الدنيا. وقال الحرالي: هي رجع وعودة عند غاية فرّة - انتهى. ولما كانت «لو» بمعنى التمني نصب جوابها فقال {فتبرأ منهم} أي الرؤساء هناك ونذلهم {كما تبرؤوا منا} وأذلّونا هنا. وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى. ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال تعالى: على طريق الاستئناف جواباً لمن يقول: لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون جزاء أعمال الجوارح {كذلك} أي الأمر الفظيع المهول {يريهم الله} الذي له القدرة التامة والعظمة الكاملة {أعمالهم} الخبيثة وغيرها {حسرات عليهم} أي تلهفاً على ما فات، إطلاقاً للمسبب على السبب وأشار بأداة الاستعلاء إلى غلبتهم وشدة هوانهم فقال: {عليهم} وقال الحرالي: لما كانت عقائدهم فيهم حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا حسرات {وقدمنا إلى

ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً *} [الفرقان: 23] كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه، فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم على أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، والمتبوع منهم متأله لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى. ويدخلون بأعمالهم النار {وما هم} أي بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من

السعير إلى الزمهرير يعودون إليه {بخارجين من النار *} يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول الآباد ومر الأحقاب، بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها. قال الحرالي: وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال سبحانه وتعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة: 20] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم منّة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن {وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 48] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - انتهى. ولعل الآية ناظرة إلى قوله أول

السورة {ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في العرب، فصار قوله: {إن الذين كفروا سواء عليهم} [البقرة: 6] شاملاً للأقسام الأربعة، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم المنافقين والمشاققين من أهل الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار قسما العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل الكلاب؛ ولما عجب سبحانه وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيراً لهم بالنعمة وتودداً إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه نداً من

البحيرة والسائبة والوصيلة وما شاكلها فقال {يا أيها الناس} وإن اختصرت فقل: لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق مستعطف منادياً لهم إلى تأبيد نفعهم قائلاً: {يا أيها الناس} أي كافة. وقال الحرالي: لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان

من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهراً وقبوله باطناً، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله عملاً إلا بالورع الشافي» ؛ وكما قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال {يا أيها الناس} فانتظم بخطاب قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى. ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفاً بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحاً لهم ما أنعم به عليهم {كلوا} ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال: {مما في الأرض} أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية. ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال: {حلالاً} قال الحرالي: وهو ما انتفى

عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في نفسه كلحم الخنزير، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله: {طيباً} أي غير خبيث مستقذر، والأصل فيه ما يستلذ؛ ويوصف به على جهة التشبيه الطاهرُ لأن النجس تكرهه النفس

لقذره، والحلالُ لأن الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه. وقال الحرالي: الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب ما لا منازغ فيه - انتهى. ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال: {ولا تتبعوا} وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون عليها ما داموا في هذه الرتبة {خطوات} جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي {الشيطان} أي طرقه في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب وتحليل الحرام كالميتات، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} [النساء: 119] الآية وهو من شطن إذا بعد، وشاط إذا احترق، فهو يبعدهم - كما قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى منها إلى المحرمات -

انتهى. ثم علل ذلك بقوله: {إنه لكم عدو} بتكبره على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم {مبين *} أي ظاهر العداوة فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي. ثم علل إبانة عداوته والنهي عن اتباعه بقوله: {إنما} فحصر لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد؛ وفي قوله: {يأمركم} كما قال الحرالي إنباء بما مكنه الله سبحانه وتعالى حتى صار أمراً {بالسوء} وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة {والفحشاء} قال الحرالي: وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع، بذلك يفحش

الفعل {وأن تقولوا على الله} الحائز أقصى مراتب العظمة {ما لا تعلمون *} مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من إشراك أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم أو غير ذلك، ولقد أبلغ سبحانه وتعالى في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه لطفاً منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته بما أنعم عليهم بخلقه لهم أولاً وبجعله لهم ملائماً ثانياً وإباحته لهم ثالثاً وتحذيره لهم من العدو رابعاً - إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن في سياق مشير إلى جميع أصناف الحلال وسبب تحليله. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال: وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره

الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه؛ ولما كان الإنسان مخلوقاً من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما استثنى منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعاً وتحسن مغبّته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم من غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان والله سبحانه وتعالى أعلم {هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب

ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل: 10] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون} [يس: 23] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه، ومن متسع خلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} [آل عمران: 14] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة: 69] ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفؤوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه سعد؛ وهو الحرف الذي

قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه؛ ولذلك لم يأذن الله سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة: 168] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل يخلصون وذلك في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] وهو ما طيبه حرف النهي علماً، وبرىء من حوادّ القلوب طمأنينة، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} [المؤمنون: 51] وورد جواباً لسؤالهم في قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن وصح هداه وصفا لبّه

ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسّى وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته: اعلم أن الإنسان لما كان جامعاً كان بكل شيء منتفعاً أما في حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في الفصل الأول أي حرف الحرام {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29] {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} [الأنعام: 145] الآية: وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] ؛ {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] ؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداماً أو فاكهة أو دواء كذلك؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته {قل فيهما إثم كبير ومنافع

للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل وإدراك الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو أصبت شيئاً أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي شيئاً ينقص من عقلي! وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيراً ما ينبه على حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملاً بقوله تعالى {يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [آل عمران: 164] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة «تذهب بطخاء الفؤاد» وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز الشعير والسلق: «كل من هذا فإنه أوفق لك» وقال في التمر والقثاء: «حر هذا يكسر برد هذا» وقال لرمد: «أتأكل التمر وأنت رمد» وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس: «لا تفعلي يا حميراء! فإنه يولد البرص» وقال: «استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام» وقال لامرأة استطلقت بالشُّبْرُم: «حار جار، ألا استطلقت بالسنا؟ فإنه لو كان

شيء يذهب الداء لأذهبه السنا» إلى غير ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مَجَمّة لفؤاد المريض وتذهب بعض الحزن. ومثل ذلك كثير من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم ومجربات الحكماء ومعارف الحكماء الحنفاء، قال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى {يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشحّ بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به الضيافة على أهل الوبر {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8] {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الروم: 38] {فكلوا منها وأطعموا القانع

والمعتر} [الحج: 36] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة {إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى قوله {لعلكم تفلحون} {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9 والتغابن: 16] وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه الاشتراك {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} [النساء: 4] هذه الشروط الثلاثة من السخاء والصبر والتراضي في النفس، وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما تنوول بغير اسمه أخذ تلصصاً على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه المتناول معه في خطواته وشاركهم في الأموال والأولاد؛ جاء أعرابي وصبي ليأكلا طعاماً بين أيدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير تسمية فأخذ بأيديهما وقال «إن الشيطان جاء ليستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع أيديهما» فسمى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وأكل ثم أطلقها وقال: «كلا باسم الله» وقال لغلام آكل: «يا غلام! سمّ الله» والثاني التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، واليمين خادم ما علا من الجسد والشمال خادم ما سفل منه. والثالث أن يتناول تناول تقنّع وترفع عن تناول النهبة «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل بثلاثة أصابع» «ويشرب مصّاً في ثلاث» وقال: «هو أبرأ وأمرأ وأهنأ» وقال: «الكُباد من العبّ» والرابع الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ الحواس الظاهرة والباطنة؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال؛ و «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن» و «ما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاماً» و «المؤمن يأكل في معّى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» لتوكل المؤمن في قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته: «وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلاً فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث

للنفس» انتهى. قلت: ولعل المراد أن الكافر يأكل شبعاً فيأكل ملأ بطنه لأن الأمعاء كما قالوا سبعة، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معّى واحد وهو سبع بطنه، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: والخامس حمد الله تعالى في الختام، لأن من لم يحمد الله في الختام كفر بنعمته. ومن حمد غير الله آمن بطاغوته؛ فبهذه الأمور معرفة في القلب وحالاً في النفس وآداباً في العمل تصح قراءة حرف الحلال ويحصل خير الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق - انتهى.

170

ولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفاً على {ومن الناس} معجباً منهم: {وإذا قيل} أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم مقلداً ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال: {لهم اتبعوا} أي اجتهدوا

في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان، وفي قوله له {ما أنزل الله} أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله {قالوا بل} أي لا نتبع ما أنزل الله بل {نتبع} أي نجتهد في تبع {ما ألفينا} أي وجدنا، قال الحرالي: من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه {عليه آباءنا} أي على ما هم عليه من الجهل والعجز، قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى.

ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم بالنظر السديد أنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك فقال مبكتاً لهم: {أولو} أي أيتبعون أباءهم والحال أنه {كان آباؤهم لا يعقلون} ببصائر قلوبهم {شيئاً} من الأشياء المعقولة {ولا يهتدون *} بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة. ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهاً على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها {ومثل} وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله: {الذين كفروا} أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار {كمثل}

قال الحرالي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك جالياً لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلاً للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا {كمثل الذي ينعق} أي يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه؛ وقال: {بما} أي بسبب شيء من البهائم التي {لا} عقل لها فهو {يسمع إلا دعاء} أي من الناطق فيما

يدعي إليه من قوام غذائه ونسله {ونداء} فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى. فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع

وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله: {صم} أي لا يسمعون {بكم} أي لا ينطقون {عمي} أي لا يبصرون، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله

{فهم} بالفاء ربطاً وتعقيباً وتسبيباً {لا يعقلون *} لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي. ولما أخبر سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفوراً رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمراً لهم أمر إباحة أيضاً وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها: {يا أيها الذين آمنوا كلوا} . وقال الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] وثانيتهما {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كذلك هنا أمر الناس

بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل {من طيبات} فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» قال سبحانه وتعالى: {وفي السماء رزقكم} [الذاريات: 22] ، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذاً رزقه من السماء متناولاً طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك «ولو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن منها حلالاً» ، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالاً لأخذه منه عند الضرورة تقوتاً لا تشهّياً، ويصير الحلال له طيباً لاقتناعه منه

بالكفاف دون التشهي {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة {للناس} واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة {الذين آمنوا} واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقاً، ثم سن المحسنين؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها

إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال: {من طيبات} ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به {الناس} . ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: {ما رزقناكم} وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمراً أمر إيجاب: {واشكروا لله} أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه،

وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل. ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: {إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون *} فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظماً لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي

الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على من أنفق كما قال {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} فقيل لهم: كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى. ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب فبين صريحاً ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جداً ليزداد المخاطب شكراً فقال: {إنما حرم عليكم} . وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات

الشيطان فقال: {إنما حرم} [البقرة: 173] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاماً بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علواً كالبلد الحرام وتحريم الأمر، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة «إنما» نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلاً يقول: حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. فالمعنى والله سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه الله سبحانه وتعالى ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية؛ وإذا راجعت ما في قوله سبحانه وتعالى في الأنعام {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] وقوله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] وقوله {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} [الأنعام: 145]

من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية. وقال {الميتة} أي التي سماها بذلك أهل العرف، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى. قال الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها. {والدم} أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلاّ من طيب الله كليته كما في محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعاً ونفساً. {ولحم الخنزير} لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى

جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء «الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب

ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال: {وما أهل} والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم {به} أي رفع رافع الصوت بسببه ذابحاً {لغير الله} أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي: لأن ما لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذناً في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها

سبيلاً من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر «قالوا: يا رسول الله! إن ناساً يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» سموا الله أنتم وكلوا «» فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله {به} تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابدؤوا بما بدأ الله به» ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير. ولما كان هذا الدين يسراً لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعاً من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ

من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال: {فمن اضطر} أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه {غير باغ} أي قاصد فساداً بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذاً من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعاً منه ليستأثر عليه بالأحسن منها {ولا عاد} على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة؛ ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فساداً أو عدا على أحد ظلماً فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراماً لأن في ذلك إعانة له على معصيته، فإن تاب استباح {فلا إثم عليه} لا من التحريم الأول ولا

من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئاً أذهب ضره «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً في الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي. ثم علل هذا الحكم مرهباً مرغباً بقوله: {إن الله} فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله: {غفور} إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم

عليه أحد إلاّ عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم: 49] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان «جهز رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيشاً ففنيت أزوادهم فأقاموا أياماً يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر» فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وفي قوله: {رحيم}

إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئاً لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى؛ وتصرفت فيه. ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلاً وتقليداً تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفاً على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين: أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة للعرب، الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق فقال: {إن الذين

يكتمون} مؤكداً لذمهم بأنواع التأكيد، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة، فكان مع ما فيه من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن اتصفوا بما أشارت إليه الآية الأولى من التوبة. قوله: {ما أنزل الله} بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام {من الكتاب} أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى من الحكم والأحكام. ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده بقوله: {ويشترون به ثمناً} قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه

في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه {وما أسألكم عليه من أجر} [الشعراء: 109] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل حقيراً قال: {قليلاً} هذا المراد لا تقييده بالقليل. ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار إليهم بأداة البعد فقال: {أولئك} وفي خطاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصاً على الدنيا {ما يأكلون} أي في هذه الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله: {في بطونهم} جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن {إلا النار} كما أحاط علمه سبحانه وتعالى بالغيب إن ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سبباً وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله

الكشف ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه. ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم فقال: {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه كلاماً يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال: {يوم القيامة} تأكيداً لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال {ولا يزكيهم} أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم {ولهم} مع هذا العذاب {عذاب أليم} لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة.

ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكداً لبعدهم فقال: {أولئك الذين اشتروا} أي لجاجاً وتمادياً في الغي {الضلالة} عن طريق الخير {بالهدى} ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: {والعذاب} بارتكابهم هذه الموبقة {بالمغفرة} التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سبباً لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم ناراً وآخر أمرهم عذاباً وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضاً أوسط حالهم ناراً سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال: {فما أصبرهم} أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم {على النار} التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيراً من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه؛

وإذا جعلته مجازاً كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديداً له. ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال: {ذلك} مشيراً بأداة البعد {بأن الله} فذكر الاسم الأعظم أيضاً الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيماً للمقام {نزّل الكتاب} أي الجامع لأنواع الهدى {بالحق} منجماً تقريباً للأفهام وتدريباً للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبساً فقد أبعد المرمى. ولما كان التقدير: فاختلفوا، أتبعه قوله: {وإن الذين اختلفوا} أي خالف بعضهم بعضاً {في الكتاب} نفسه أي لا في فهمه، وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله

أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا {لفي شقاق} لكون كل واحد منهم في شق {بعيد} جداً عن شق أهل الحق، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى عليه الصلاة والسلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئاً فشيئاً وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفراً وخلعوا شكراً وسألوا غيرها

عناداً ومكراً {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب.

عناداً ومكراً {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله سبحانه وتعالى نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب.

177

ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط فيها الاستقبال وغيرها فقال تعالى: {ليس البر} أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن {أن تولوا وجوهكم} أي

في الصلاة {قبل المشرق} الذي هو جهة مطالع الأنوار {والمغرب} الذي هو جهة أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية، فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام إلى قوله {آمن الرسول} [البقرة: 258] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيراً مما كلفوه مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلاً لم يتقدم فقال: {ولكن البر من} أي إيمان من، ولعله

عبر بذلك إفهاماً لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة {آمن بالله} الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال: {واليوم الآخر} الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد. ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئاً إلا بالتنبيه وضُلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه وتعالى الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئاً بالأول فالأول فقال: {والملائكة} أي الذين أقامهم فيما بينه

وبين الناس وهم غيب محض {والكتاب} الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره {والنبيين} الذين تنزل به عليهم الملائكة، لكونهم خلاصة الخلق، فلهم جهة ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها، وجهة بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم، ولهم من المعاني الجليلة الجميلة التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام. قال الحرالي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها - انتهى. وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة، وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعياً للإيمان بلا بينة، وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه فصار عبد الله حقاً، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله سبحانه وتعالى في الله. قال الحرالي: فمن ظن

أن حاجته يسدها المال فليس براً، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى. فلذلك قال: {وآتى المال} أي الذي أباحه بعد جعله دليلاً عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو على كل شيء قدير؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالىعلى كل شيء بقوله: {على حبه} أي إيتاء عالياً فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر فقال: {ذوي القربى} أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم

صدقة وصلة {واليتامى} من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس {والمساكين} لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة {وابن السبيل} لعجزهم بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي {والسآئلين} لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم {وفي الرقاب} قال الحرالي: جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة. ولما ذكر سبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثاً على مزيد الاهتمام بها لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق

فقال: {وأقام الصلاة} التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما يزكي الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال: {وآتى الزكاة} وفي الاقتصار فيها على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من الإخلاص. ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في جميع ما تقدمه فقال: {والموفون بعهدهم}

قال الحرالي: من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى. وبين قوله: {إذا عاهدوا} أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق تصريحاً بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال: {والصابرين} وفيه رمز إلى معاملته بما كان من حقه لو عطف على {من آمن} لو سيق على الأصل. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكراً تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييداً من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤاً من الدنيا وتحققاً بمنال الخير من الله - انتهى. وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال: {في البأسآء} أي عند

حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة العباد {والضرآء} بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ونحوه، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ليكون الأخص مذكوراً مرتين. وقال الحرالي: البأساء فعلاء من البؤس وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، فكان البأساء في الحال والضراء في البدن - انتهى. {وحين البأس} أي الحرب الجامع للأنفس والأموال. وقال الحرالي: البأس الشدة في الحرب.

ولما كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفاً بياناً لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال: {أولئك} أي خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم {الذين صدقوا} أي فيما ادعوه من الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه {وأولئك هم} خاصة {المتقون *} ليوم الجزاء، وفي جعله نعتاً لهم إشعار بأنهم تكلفوا هذه الأفعال لعظيم الخوف. وقال ابن الزبير في برهانه: ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل الأحكام ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاج إليه في كل الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله {ليس البر} إلى قوله: {آمن الرسول}

مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق استدعاه - انتهى. والحاصل أنه سبحانه وتعالى لما طهرهم من أوصار المحارم بقوارع الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات الأوامر ليكمل تعبدهم بتحليهم بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر في هذه السورة جميع أركان هذا الحرف وحظيرته. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقاً بصدق المحبة، فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى توحيداً وطليعته آية ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى {اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} [النساء: 36] طهرهم حرف الزجر من

رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئاً أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة، وبدئت بالوضوء عملاً من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملاً من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان أقواهم إيماناً أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتاً، من أحب ملكاً خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه وبدنه في ذلك أنزل عليه {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى} [طه: 2-5]- إلى قوله {الله

لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى*} [طه: 8] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التطوع على ما كان أصلها، وذلك صبيحة ليلة الإسراء، وأول منزل هذا الحرف والله سبحانه وتعالى أعلم في فرض هذا الركن أو من أول منزله قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به أوقات الفتنة ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها. الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس لله سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها نهاراً للمقتصر ودواماً للمعتكف، وهو صلة بين العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] وإنما فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم لما آمنوا من

عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهاراً لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله سبحانه وتعالى بالنفاق جهراً أعظم من شهادته على مانع الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قُواه بالصلاة من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الزكاة حباً قبل فرضها كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزماً مشهوراً عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحي عم نفاق قوم بها أنفة

من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحاً ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها الوعيد في القرآن جبراً لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان النفقات والصدقات بداراً عن حب أو ائتماراً عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين وذلك في أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة، وأول خطابه {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً} [الحج: 27] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما في المدينة، ومن أول تصريح منزله {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] إلى قوله {وقاتلوا المشركين كافة

كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] إلى قوله: {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] وهذا تمام حرف الأمر؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله، ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر: اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماماً يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله

إلهاً آخر، لأن المشرك في الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} [إبراهيم: 18] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي بأن لا يرى لله سبحانه وتعالى شريكاً في شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك في سائر أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد {وما النصر إلاّ من عند الله} [آل عمران: 126 والأنفال: 10] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في اسم من الأسماء يكون أملك بذلك العمل، وأما من جهة أحوال النفس فأولها وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه، فمتى اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما تستند إليه من غير رُدت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه وكانت أمته لا أمة ربها وكان

المرء عبده لا عبد ربه «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة» وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون، وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من أحوالها وأخلاقها كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا تتحدث في تسويلها، وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة، وكصبرها في الصوم والصوم الصبر كلّه، ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين، ويصحبها الجميع في الجهاد مع غريزة الشجاعة، هذا من جهة حال النفس وأما من جهة العمل وأحوال الجوارح فإن أدب الناطق بكلمة الشهادة أن يجمع حواسه إلى قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته أحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه قسطه منها كما أشار إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واعلم أن بذلك «تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر» فلم يقرأ تهليل القرآن من لم يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان، وبذلك يهدم التهليل سيئاته في الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم الكفران، «سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً

يؤذن فلما قال: الله أكبر الله أكبر، قال: على الفطرة، فلما قال: لا إله إلاّ الله، قال: خرجت من النار» وأما أدب الصلاة فخشوع الجوارح والهدو في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به وجمع الحواس إلى القلب كحاله في الشهادة حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة، وأما أدب الإنفاق فحسن المناولة، كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يناول السائل بيده ولا يكله إلى غيره الإسرار أتم {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] وينفق من كل شيء بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو مسانهة {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخراً والفطر معجلاً، وصوم الأعضاء كلها عن العدل فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما بعد الزوال والأخذ فيه لشهوة العيال؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد والاعتماد على ما بيد الله لا على حاصل ما بيد العبد، وهو تزود التقوى والرفع مع الرفيق والرفق بالظهر وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج والإعلان بالتلبية وهو العج، وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة شعائره على معلوم السنة لا على معهود

العادة، وأما أدب الجهاد فاستطابة الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها تصفية وورعاً وتناوله بيده «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتناول علف فرسه بيده ويمسحه بردائه» والتزام ما يجد معه المنة من أن يكون فارساً أو راجلاً أو رامحاً أو نابلاً، من تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع الحق وعمل بالتكليف، والصمت عند اللقاء وغض البصر عن النظر إلى الأعداء، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» ، وكف اليد عما للغير فيه حق وهو الغلول، وأن لا يدعوا للبراز وأن يجيب إذا دعي وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يقول الله عزّ وجلّ: عبدي كل عبدي الذي يذكر الله وهو ملاق قرنه» ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه على ما يستقرأ من السنن النبوية وآثار الخلفاء وصالحي الأمراء

فبهذه الأمور من إخلاص القلب وطيب النفس وأدب الجوارح، فيصح قراءة حرف الأمر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم - انتهى. ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل شيء وكان من جملة ما خاف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذاً لهم بالإقبال عليهم بالخطاب {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولما حصل التعديل بها وقع سابقاً من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله بني للمجهول قوله: {كتب عليكم} أي فرض

في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب، والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في معناه وأشعر به التعبير بعلى {القصاص} أي المساواة في القتل والجراحات لأنه من القص وهو تتبع الأثر. قال الحرالي: كأنه يتبع بالجاني

إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى. {في القتلى} أي في سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به، ومن قتل على كيفية قتل بمثلها، كان قطع يداً فسرى إلى النفس فتقطعه، فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة مخصوصة في بعض الصور، ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من الإجمال، فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وأيضاً لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل

الله إلاّ بمحض الإيمان كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك. ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي أشير بآية المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلاً فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبيناً للمساواة: {الحر بالحر} ولا يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا مساوياً بقتل العبد به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة. ولما قدم هذا لشرفه تلاه بقوله: {والعبد بالعبد} تعظيماً للذكورية، وكذا يقتل بالحر لأنه أولى، ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساوياً للحكم {والأنثى بالأنثى} وتقتل

الأنثى بالذكر والذكر بها، لأن كلًّ منهما مساوٍ للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «النساء شقائق الرجال» احتياطاً للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك، ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم وفاقاً لقوله تعالى {وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] وتنبيهاً على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله، وإذا تأملت قوله {القتلى} دون أن يقول: القتل. علمت ذلك. قال الحرالي: لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصاً بل اعتداء ثانياً ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص على نحوه وحده - انتهى. وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم

بكافر بما أفهمه القصاص، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه وتعالى {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] في أمثالها من الآيات. ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبهاً على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما. قال الحرالي: نقلاً من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلاً من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ولده فقال: {فمن عفي له} عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى. وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء

من الحق ولو كان يسيراً وهو معنى قوله: {من أخيه شيء} أي أي شيء كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث {ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ} [النساء: 92] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمناً إنما قصد أن يقتل عدوّاً وشاتماً أو عادياً على أهله وماله أو ولده. فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان {فاتباع} أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم {بالمعروف} فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره إليها أحقاد الجنايات، والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر. ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال {وأدآء إليه بإحسان} لئلا

يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان {فقد جعلنا لوليه سلطاناً} [الإسراء: 22] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى. ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيماً للمنة فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الرفق وهو التخيير بين القصاص والعفو مجاناً وعلى الدية {تخفيف} أي عن القتال وأوليائه {من ربكم} المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل، وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى. {ورحمة} لأولياء القتيل بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فمن عفي له من أخيه شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن

اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية» انتهى. وقال أهل التفسير: كتب على اليهود القصاص وحرم عليهم الدية والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم الدية ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها تهديد من أباها فقال تعالى: {فمن اعتدى} أي بالقتل {بعد ذلك} أي التخيير والعفو ولو كان العافي غيره {فله عذاب أليم *} بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الملك الذي لا تسوغ مخالفته، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظاً عليه. قال الحرالي: وفي الآية دليل على أن القاتل عمداً لا يصير بذلك كافراً، قال الأصبهاني: قال ابن عباس: سمي القاتل في أول الآية مؤمناً وفي وسطها أخاً ولم يؤيسه آخرها من التخفيف والرحمة.

179

ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة العفو أخبر بفائدة مقابله تتميماً لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النص وعماهم عن الحكمة

فقال: {ولكم} أي يا أيها الذين آمنوا {في القصاص} أي هذا الجنس وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان {حياة} أي عظيمة بديعة لأن من علم أنه يُقتل لا يَقْتُل. وقال الحرالي: فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا، والحياة للجاني بما اقتص منه في الأخرى، لأن من يكفّر ذنبه حيي في الآخرة، ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى. وأما مطلق القتل كما كان أهل الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل وليس كذلك، لأن من علموا أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل بهما إلاّ واحد رُبما كان ذلك مجرياً لهم على القتل ويدخل

فيه القتل ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له، وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها، ومن المعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه فإنها زائدة على عبارة القرآن في الحروف وناقصة في المعنى، فإذا أريد تصحيحها قبل القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً فكثرت الزيادة ولم تصل إلى رشاقة ما في القرآن وعذوبته - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة معناها ودقة

إشارته وغزير مفهوماته قال سبحانه وتعالى مرغباً في علو الهمم {يا أولي الألباب} أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. قال الحرالي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربّهم في آياته - انتهى. ثم علل ذلك بقوله: {لعلكم تتقون *} أي الله بالانقياد لما شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي: وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى

وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى. ولما حث سبحانه وتعالى على بذل المال ندباً وإيجاباً في حال الصحة والشح وتأميل الغنى وخشية الفقر تصديقاً للإيمان وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها بالقتل الذي هو أحد أسباب الموت أتبع ذلك بذله في حال الإشراف على النقلة والأمن من فقر الدنيا والرجاء لغنى الآخرة استدراكاً لما فات من بذله على حبه فقال - وقال الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ألزمه من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى تقوى تكون وصفاً ثابتاً أو استجداداً معالجاً حسب ما ختم به آية {ليس البر} من قوله {هم المتقون} وما ختم به آية القصاص في قوله: {لعلكم تتقون} رفع رتبة الخطاب إلى ما هو حق على المتقين حين كان الأول مكتوباً على المترجين لأن يتقوا تربية وتزكية بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في التزكية لينتهي في الخطاب من رتبة إلى رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها كما تقدمت الإشارة إليه، ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص الذي هو

حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية لأنه حال من حضره الموت، انتهى - فقال: {كتب عليكم} أي فرض كما استفاض في الشرع وأكد هنا بعلى، ثم نسخ بآية المواريث وجوبه فبقي جوازه، وبينت السنة أن الإرث والوصية لا يجتمعان، فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث لا مطلقاً فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» رواه أحمد والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهما {إذا حضر أحدكم الموت} أي بحضور أسبابه وعلاماته {إن ترك خيراً} أي ما لا ينبغي أن يوصى فيه قليلاً كان أو كثيراً، أما إطلاقه على الكثير فكثير، وأطلق على القليل في {إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} [القصص: 24] ثم ذكر القائم مقام فاعل كتب بعد

أن اشتد التشوف إليه فقال: {الوصية} وذكر الفعل الرافع لها لوجود الفاصل إفهاماً لقوة طلبه {للوالدين} بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما {والأقربين بالمعروف} أي العدل الذي يتعارفه الناس في التسوية والتفضيل. قال الحرالي: وكل ذلك في المحتضر، والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرهاً - انتهى. وأكد الوجوب بقوله: {حقاً} وكذا قوله: {على المتقين *} فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير.

ولما تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال: {فمن بدله} أي الإيصاء الواقع على الوجه المشروع أو الموصى به بأن غير عينه إن كان عينياً أو نقصه إن كان مثلياً. وقال الحرالي: لما ولي المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى عنهم التهديد لمن بدل عليهم، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل المال حظاً للمتوفى، فلما فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول، وبين أن الفرض عين الوصية فلا وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى. {بعد ما سمعه} أي علمه علماً لا شك فيه، أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا إثم، وأكد التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله: {فإنمآ إثمه} أي التبديل {على الذين يبدلونه} بالفعل أو التقدير لا يلحق الموصى منه شيء. ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال

ونيات حذر بقوله: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {سميع} أي لما يقوله كل منهما {عليم *} بسره وعلنه في ذلك، فليحذر من عمل السوء وإن أظهر غيره ومن دعاء المظلوم فإن الله يجيبه. ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما جار في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله: {فمن خاف} أي علم وتوقع وظن، أطلقه عليه لأنه من أسبابه، ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن {من موص جنفاً} أي ميلاً في الوصية خطأ {أو إثماً} أي ميلاً فيها عمداً. قال الحرالي: وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى.

{فأصلح بينهم} أي بين الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر، أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه. وقال الحرالي: وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف بعد الموت، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة «بين» إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح بينه وبينهم - انتهى. {فلا إثم عليه} أي بهذا التبديل. ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع الإثم بقوله إعلاماً بتعميم الحكم في كل مجتهد: {إن الله} أي المختص بإحاطة العلم

{غفور} أي لمن قصد خيراً فأخطأ {رحيم *} أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم. ولما أباح سبحانه الأكل مما خلقه دليلاً على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة وكان من طبع الإنسان الاستئثار وكان الاستئثار جارّاً إلى الفتن، وأتبعه حكم المضطر وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم، ثم الإيجاب بالزكاة تزهيداً في زهرة الحياة الدنيا ليجتث العدوان من أصله، وقفي ذلك بحكم من قد يعدو، ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت النفس في الزهد بما هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به أتبعه الأمر

بالتخلي عنه لا لمحتاج إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها لتهيئها لما يقتضيه عليها صفة الصمدية من الحكمة، هذا مع ما للقصاص والوصية من المناسبة للصوم من حيث إن في القصاص قتل النفس حساً وفي الصوم قتل الشهوة السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حساً وفيه حياة الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكر وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى التقوى وإماتة الشهوة وشهره شهر الصبر المستعان به على الشكر، وفيه تذكير بالضّرّ الحاثّ على الإحسان إلى المضرور وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي بأوصاف الملائكة ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى من الملك، فهو أنسب شيء لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة، وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة إلى الصائم من أقرب الناس إليهما فقال

تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فخاطب بما يتوجه بادىء بدء إلى أدنى الطبقات التي التزمت أمر الدين لأنه لم يكن لهم باعث حب وشوق يبعثهم على فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله الحرالي، وقال: فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعدٍ ولا ذكروا إلا ممدوحين، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين عن البدار، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا ما توجه للإنسان بوصف

ذم في قليل من الآي - انتهى. {كتب} أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء {عليكم الصيام} وهو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية وقال الحرالي: فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء، يقال: صامت - إذا لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي هي من شأنها، وصامت الخيل - إذا لم تكن مركوضة ولا مركوبة، فتماسك المرء عما شأنه فعله من

حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه، وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج، وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب، وجعل كتباً حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم دينه كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى. {كما كتب} أي فرض، فالتشبيه في مطلق الفرض {على الذين} وكأنه أريد أهل الكتابين فقط وأثبت الحال فقال: {من قبلكم} فيه إشعار

بأنه مما نقضوا فيه العهد فكتموه حرصاً على ضلال العرب، ولما كان في التأسي إعلاء للهمة القاصرة وإسعار وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل تحمله قال: {لعلكم تتقون *} أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفاً ممن سبق من قبلكم، لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى، ومن لا يثمر له ذلك.

ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادىء أحكامها على حكم الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء كذلك صوّموا صوم أهل الكتاب {أياماً معدودات} أي قلائل مقدرة بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر انتهاء، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر، وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة، وفي إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر يقنع

الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزماً على الصائم، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظاً من منال أوائل الأمم ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه تصرف. ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال، قالوا: يا رسول الله! إنك تواصل! قال: «إني لست كهيئتكم» وقال: «من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر» قال الحرالي: فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى. وفي مواصلة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهم لما أبوا إلا الوصال أياماً ما يشهد لمن أباح ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الحرالي: وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال كما سيأتي التصريح به، فصار

لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى: {فمن كان منكم مريضاً} أي مرضاً يضره عاجلاً أو يزيد في علته آجلاً. قال الحرالي: فبقي على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن ويسقيه من غيب بركة الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله، فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة، فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه. ولما كان المرض وصفاً جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في مدار يومه وليلته نسبة بين جسمانيين جاء

بحرف الإضافة مفصولاً فقال: {أو على سفر} لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء لوفور نهضته في عمله في سفره وأن وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب الاختيار إذ المسافر ومتاعه على قلب إلا ما وقى الله «السفر قطعة من العذاب» وذلك لئلا يجتمع على العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة ديناً ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني {فعدة} نظمه يشعر أن المكتوب عدة {من أيام} أي متتابعة أو متفرقة {أخر} لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوساً وأطرافاً، ففي إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير: فأفطر، لأن المقصد معنى الكتب ويبقى ما دون الكتب

على حكم تحمله، فكأنه يقال للمريض والمسافر: مكتوبك أياماً أخر لا هذه الأيام، فتبقى هذه الأيام خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع الصوم. ولما كانوا قوماً لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم تشريفاً لرسولهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال مخيراً في أول الأمر: {وعلى الذين يطيقونه} أي الصوم، من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية، فيكون ما يستطيعه من الأفعال طوقاً له في المعنى {فدية طعام} بالإضافة أو الفصل {مسكين} بالإفراد إرجاعاً إلى اليوم الواحد، وبالجمع إرجاعاً إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد، وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء وعشاء كفافاً لا إقتاراً ولا إسرافاً، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة

حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر فهو ممراض بالنهمة كأنها حال مرض جبل عليه الطبع، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقاً وذينك غير مطيق أو غير متمكن، وفي إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه فحقه أن يغذو غيره ليقوم بذل الطعام عوضاً عن التماسك عن الطعام لمناسبة ما بين المعنيين لذلك؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم {فمن تطوع خيراً} أي فزاد في الفدية {فهو خير له} لأنه فعل ما يدل على حبه لربه. ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها مساق الغيبة وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه

إشارة إلى خساسته تنفيراً عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذاناً بما له من الشرف على ذلك كله ترغيباً فيه وحضاً عليه فقال: {وأن تصوموا} أيها المطيقون {خير لكم} من الفدية وإن زادت، قال الحرالي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي: «وكل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي» وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالاً وإنفاقاً وسيراً وأحوالاً مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له، ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلاً أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدي عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته إذبال جسمه وإضعاف

نفسه وإماتته، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم فلذلك قال تعالى: «فإنه لي» حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال سبحانه وتعالى: «وأنا أجزي به» ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون قوله {إن كنتم تعلمون *} انتهى. وجوابه والله سبحانه وتعالى أعلم: صمتم وتطوعتم، فإنهم إن لم يعلموا أنه خير لهم لم يفعلوا فلم يكن خيراً لهم. قال الحرالي: كان خيراً حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ الخير - انتهى. روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير ومسلم وأبو داود والترمذي

والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت {وعلى الذين يطيقونه} الآية كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وفي رواية: حتى نزلت هذه الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم قالوا: أنزل {شهر رمضان} فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها {وأن تصوموا خير لكم} فأمروا بالصوم.

185

ولما أبهم الأمر أولاً في الأيام وجعله واجباً مخيراً على المطيق عين هنا وبت الأمر فيه بقوله تعالى: {شهر رمضان}

لأن ذلك أضخم وآكد من تعيينه من أول الأمر. قال الحرالي: والشهر هو الهلال الذي شأنه أن يدور دورة من حين أن يهل إلى أن يهل ثانياً سواء كانت عدة أيامه تسعاً وعشرين أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكمال العدة كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان، يقال: هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، واشتقاقه من الرمضاء وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر بترتيب أن يحسب المحرم من أول

فصل الشتاء أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها، قال: وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق حين تنزل الشمس الحوت والسماوي اللاحق حين تنزل الشمس الحمل، وقال: إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى القبلة أولاً بوجه أهل الكتاب تداركه الإرفاع إلى حكم الفرقان المختص بهم، فجعل صومهم القار لهم بالشهر لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس، فجعل صومهم لرؤية الشهر وجعل لهم الشهر يوماً واحداً فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم يوم واحد غير معدود لوحدته، لأنهم أمة أمية {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] هي ميقات أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] هي ميقات موسى عليه الصلاة والسلام وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة - انتهى. ولما كان هذا خطاب إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر فيه

جملة إلى بيت العزة وابتدىء من إنزاله إلى الأرض. قال الحرالي: وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال: {الذي أنزل فيه القرآن} فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسراً لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى. وفي مدحه بإنزاله فيه مدح للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته

تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة من أنه {لا ريب فيه} [البقرة: 2] وأنه {هدى} البقرة: 2] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى: {هدى للناس} قال الحرالي: فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى رتبة المحسنين، فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله نور الله سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة خلقه؛ وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار

وفتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين، كل ذلك بما يضيق من مجاري الشيطان من الدم الذي ينقصه الصوم، فكان فيه مفتاح الخير كله؛ وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى وكان نوراً لهم وللمؤمنين أنور، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين العاكفين الذاكرين الله كثيراً الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة الحق بذكره. وفي قوله: {وبينات} إعلان بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه وكونها {من الهدى} الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق {والفرقان} الأكمل، وفي حصول الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على وجهه إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل إلا بعد تحقق الفرقان، فإن المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول لعلكم تتقون} فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان كما قال تعالى {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} [الأنفال: 29] ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى. فعلى

ما قلته المراد بالهدى الحقيقة، وعلى ما قاله الحرالي هو مجاز علاقته السببية لأن الصوم مهيىء للفهم وموجب للنور، {الهدى} المعرف الوحي أعم من الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك، وعلى ما قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب الأول للأيام، والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر. ولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة فقال: {فمن شهد} أي حضر حضوراً تاماً برؤية بينة لوجود الصحو من غير غمام أو بإكمال عدة شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضاً ولا مسافراً. قال الحرالي: وفي

شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم. وقوله: {منكم} خطاب الناس ومن فوقهم حين كان الصيام معلياً لهم {الشهر} هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول على السعة، لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى، ويظهر معناه قوله تعالى: {فليصمه} فجعله واقعاً على الشهر لا واقعاً على معنى: فيه، حيث لم يكن: فليصم فيه؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعاً هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى. ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر

لئلا يظن نسخه فقال: {ومن كان مريضاً} أي سواء شهده أولا {أو على سفر} أي سواء كان مريضاً أو صحيحاً وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة {فعدة} قال الحرالي: فمرد هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه: فصومه عدة، من حيث لم يذكر في هذا الخطاب الكتب، ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه. وفي قوله: {من أيام أخر} إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر رمضان ونزول قضائه منزلة الصوم الأول، وفي عدده وفي إطلاقه إشعار بصحة وقوعه متتابعاً وغير متتابع - انتهى. ولما رخص ذلك علل بقوله: {يريد الله} أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره

{بكم اليسر} أي شرع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر الصوم على شهر {ولا يريد بكم العسر} في جعله عزيمة على الكل وزيادته على شهر. قال الحرالي: اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. وقال: فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في البطون، إذ لكل آية منه ظهر وبطن، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم «كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر» وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى. قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما

إلى الحق لهذه الآية. ولما كانت علة التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة فكان التقدير: لتطيقوا ما أمركم به ويخف عليكم أمره، عطف عليه قوله: {ولتكملوا} من الإكمال وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عد حساً أو معنى {العدة} أي عدة أيام رمضان إلى رؤية الهلال إن رأيتموه وإلى انتهاء ثلاثين التي لا يمكن زيادة الشهر عليها إن غم عليكم بوجود الغمام فلم تشهدوه، فإنه لو كلفكم أكثر منه أو كان إيجابه على كل حال كان جديراً بأن تنقصوا من أيامه إما بالذات بأن تنقصوا من عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في أثنائها كما تفعل النصارى، فيؤدي ذلك إلى إعدامها أصلاً ورأساً. وقال الحرالي: التقدير: لتوفوا الصوم بالرؤية ولتكملوا إن أغمي عليكم،

ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء بقوله: {شهد} وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال - انتهى. وفيه إشارة إلى احتباك، فإن ذكر الشهود أولاً يدل على عدمه ثانياً وذكر الإكمال لأجل الغمام ثانياً يدل على الصحو أولاً. ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال: {ولتكبروا} والتكبير إشراف القدر أو المقدار حساً أو معنى - قاله الحرالي. وقرن به الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال: {الله} أي الذي تقف الأفهام خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من القلوب. قال الحرالي: وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي، فكما كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد، وأعلن فيها بالتكبير وكرر

لذلك، وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جلّ من مخلوقاته، فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علناً - انتهى. ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره تارة غفلة وتارة بغياً أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها، ولما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وتراً وجعل سبعاً في الأولى لذلك وتذكيراً بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار

تشويقاً إليها لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيراً بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في الأيام السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم الجمعة، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وتراً إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمساً لذلك، ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصاً بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال: {على} أي حامدين له على {ما هداكم} أي يسر لكم من شرائع

هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادراً - والله سبحانه وتعالى الموفق. وقال الحرالي: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلاًّ على حكم وجده من استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه، كما يقول: «يدع طعامه وشرابه من أجلي» فكل عمل فعل وثبت إلاّ الصوم فإنه محو وفقد، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى. ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب إلى لزوم الطاعة بلزومه ولو ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال: {ولعلكم تشكرون *} أي ولتكونوا في حالة يرجى

معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية. وقال الحرالي: فيه تصنيف في الشكر نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية، كما قال: {ولعلكم تتقون} فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة الفطر عن كل صائم وعمن يطعمه الصائم، فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ربه وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته، فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم - انتهى.

ولما كان دعاء الصائم مجاناً وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئاً لعباده للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعد المسافة عن محالّ العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله: {وإذا} دالاً بالعطف على غير مذكور أن التقدير: فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومن عصاني «وإذا» . وقال الحرالي: لما أثبت الحق سبحانه وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له من إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم

إلى سؤالهم عما نالوه من ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة رتبة؛ يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان شيئاً» إلى أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد فيبشرون بمطالعة القرب فقال: و {إذا} عطفاً على أمور متجاوزة كأنه يقول: إذا خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ليست زينة الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا {سألك عبادي عني} أي هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم فأخبرهم أني لست كذلك. ولما كان لا يسأل عن الشيء إلاّ إن كان معظماً له متشوقاً إلى تعجيل الإخبار به كان الأنسب للمقام والأقرّ لعيون

العباد والأزجر لأهل العناد تقريب الجواب وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعاراً بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال: {فإني} دون فقل إني، فإنه لو أثبت قل، لأوهم بُعداً وليس المقام كذلك، ولكان قوله إني، موهماً فيحتاج إلى أن يقال إن الله أو نحوه، ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال؛ وإذا كان هذا التلطف بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ما معناه: الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن الأهلة ونحوها يجابون بالواسطة، وأما الذين يسألون عني فإني أرفع الوسائط بيني وبينهم. وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما معناه: إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. {قريب} فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حساً أو معنى أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف

ورفعاً للحرج بسر التلطف، وإسقاط قل، أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم الواسطة لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة. قال الحرالي: بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب فكان المبشر واصلاً وكان المتقاصر عن القرب مبشراً به، ومعلوم أن قرب الله وبعد المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة، فالذي يمكن إلاحته من معنى القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ذلك الخطاب منه، ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن دون ربه كان بعيداً بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد إلى أبعد البعد، ولذلك يعلن للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنما عليك البلاغ} [الرعد: 40] وكان أن ما يتلوه لأمته

إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واسطة بين العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه، وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة قل، في القرآن ليكون إفصاحاً لسماع كلام الله سبحانه وتعالى ممن سمع كائناً من كان، وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم، لأنه جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم، فكأن منادي الله ينادي يوم الفطر بالحج، ففي خفي إشارته إعلاء نداء إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته، وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاماً عجيباً يليح المعنى لأهل الفهم ويفصله لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال: {أجيب} من الإجابة وهي اللقاء بالقول ابتداء شروع لتمام

اللقاء بالمواجهة {دعوة الداع} ففيه إشعار بإجابة الداعي أي للحج عند خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام المناسبة، فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محواً لحال البرزخ وحال الحج في كونه سفراً إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر؛ قال: وجاء الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف إلى موقف تجليه في الحج، وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه وشهواته، فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ادخرها له أو كفر بها عنه كما بينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولما كان كل خلق داعياً لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار الدعاء مقالاً وابتهالاً فقال: {إذا دعان} ليكون حاله صدقاً بمطابقة حاله مقالاً، وفي قراءة الاكتفاء بكسرة {الداع} و {دعان} عن ياءيهما وقراءة تمكينهما توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين وما في ألسنة بعضها من الحذف {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر} [القمر: 17] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاماً لاستغناء السيد وحاجة العبد، فحين كان الغني مجيباً كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيباً يعني فلذلك سبب عنه قوله إشارة إلى شرط الإجابة {فليستجيبوا لي} إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم

إليه، وجاء بصيغة الاستفعال المشعر باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف. ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد تتناهى قال مخاطباً لمن آمن وغيره: {وليؤمنوا بي} أي مطلق الإيمان أو حق الإيمان، ثم علل ذلك بقوله: {لعلهم يرشدون *} أي ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق. قال الحرالي: والرشد حسن التصرف في الأمر حساً أو معنى في دين أو دنيا، ومن مقتضى هذه الآية تتفضل جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من توبة التائب من حد بعده إلى سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى.

187

ولما تصوروا لهذه الآية الشريفة قربه وحبه على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ مخاطبته فيما قبل فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على جميعهم وكيفاً على أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير على أهل الرفاهية فيما حرم عليهم كما حرم على أهل الكتاب والوطء في شهر الصوم والأكل بعد النوم فقال تحقيقاً للإجابة والقرب: {أحل لكم} فأشعر ذلك بأنه كان حراماً {ليلة} أي في جميع ليلة {الصيام الرفث} وهو ما يواجه به النساء في أمر النكاح، فإذا غير فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة، ويدل عليه وصله بحرف الانتهاء بياناً لتضمين الإفضاء أي مفضين {إلى نسائكم} بالجماع قولاً وفعلاً، وخرج بالإضافة نساء الغير.

ولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالباً قال مؤكداً لإرادة حقيقة الرفث وبيان السبب في إحلاله: {هن} أي نساؤكم {لباس لكم} تلبسونهن، والمعنى: أبيح ذلك في حالة الملابسة أو صلاحيتها، وهو يفهم أنه لا يباح نهاراً - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلاً لأن اللباس لا غنى عنه والصبر يضعف عنهن حال الملابسة والمخالطة. ولما كان الصيام عامّاً للصنفين قال: {وأنتم لباس لهن} يلبسنكم، ثم علل ذلك بقوله مظهراً لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته

الرفق بها {علم الله} أي المحيط علمه ورحمته وله الإحاطة الكاملة كما قدم من كونه قريباً اللازم منه كونه رقيباً {أنكم كنتم تختانون} أي تفعلون في الخيانة في ذلك من المبادرة إليه فعل الحامل نفسه عليه، والخيانة التفريط في الأمانة، والأمانة ما وضع ليحفظ، روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: «لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله عزّ وجلّ {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} » ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضاً رضي الله تعالى عنه قال: «كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها» وإن صرمة بن قيس الأنصاري رضي الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه

غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية. ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال: {أنفسكم} ، ثم سبب عنه قوله: {فتاب عليكم} . قال الحرالي: ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع اليمن في الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته، كما في هذه

الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله، فتفشوا فيها المخالفة لذلك، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن ربك يسارع إلى هواك» ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته، وكما قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه: «اللهم! أدر الحق معه حيث دار» كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر الشجاع بالحرب ويكف الجبان عنه، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء

طبع لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر ذلك أولادهم شيئاً» لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم لكونه رسولاً إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه لأمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وفق ما تستقر فيه أمانتهم وتندفع عنهم خيانتهم. وفي قوله {وعفا عنكم} أي بمحو أثر الذنب إشعار بما كان يستحق ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه خطاب

الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري النهار على حكم العبادة والليل على حكم الطبع والحاجة فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه لا لأنّه منه أخذ بطبع بل بأنه حكم عليه حكم بشرع حين جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في الساهي: «إنما أطعمه الله وسقاه» ، وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة والسلام: «إني لست كهيئتكم» ، فكان يواصل، وأذن في الوصال إلى السحر، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه، فصار نكاحهم ائتماراً بحكم الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال: {فالآن} أي حين أظهر لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم

فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم {باشروهن} حكماً، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلاً حيث صار طاعة، وهو من المباشرة وهي التقاء البشرتين عمداً {وابتغوا} أي اطلبوا بجد ورغبة {ما كتب الله} أي الذي له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره {لكم} أي من الولد أو المحل الحل، وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على نكاح أمر به حتى كان بعض علماء الصحابة يفطر على النكاح. {وكلوا واشربوا} كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفطر على رطبات، «فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء» وقال: «إن الماء طهور» ، وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى. ولأنه سبب العطش، ودل على وجوب تبييت النية وجواز تأخير الغسل إلى النهار، بقوله {حتى} فإن في جعل

تبين الفجر غاية لحل المفطرات إيجاباً لمراقبته للكف عنها، وذلك هو حقيقة النية، ومن استمر مباشراً إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال ليلاً وقال: {يتبين} قال الحرالي: بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع، يتكلف الطلوع، ولم يقل: يبين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى. وفي قوله: {لكم} بيان لأن الأحكام بحسب الظاهر وأن التكليف بما في الوسع {الخيط الأبيض} قال الأصبهاني: وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. وقال الحرالي: فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط {من الخيط الأسود} قال الأصبهاني: وهو ما يمتد معه من غبش الليل أي البقية من الليل،

وقيل: ظلمة آخر الليل، شبها بخطين أبيض وأسود. وقال الحرالي: ففيه إنهاض لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى أخذ أعرابي ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل {من الفجر} يعني فبين الأبيض، فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام، وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم قد نطقت بها شعراؤهم وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها، وزيد في البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال عنه، فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عدي رضي الله تعالى عنه عدم فهمها. وقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة: والخطاب بالإجمال

ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا يطاق وإلزام العمل يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه بمنزلة تخطيط الصور وذلك ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال: خطاب الإجمال عديم الفائدة لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، وفي الاقتصار على بيانه نمط من فصاحة الخطاب العربي حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل: من الليل، كما قال: من الفجر، اكتفاء بما في الفهم من الذكر، وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط آخر من فصاحة الخطاب العربي لأن العرب يردون الثالث إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز المحل المفهوم راجعاً إلى الأول بالمعنى - انتهى. وأوضح دليل على إيجاب التبييت أمره بالإتمام، فإنه لما وقع الشروع فيه فالتقدير: فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته

لكونه غاية لما أحل لكم فصوموا أي أمسكوا عن المفطر {ثم أتموا} ذلك {الصيام إلى الليل} والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه المفطر. وقال الحرالي: فكان صوم النهار إتماماً لبدء من صوم ليلة فكأنه في الليل صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوماً، ومن معناه رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام بالمعنى والحس، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهاراً واعتد به ليلاً وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلاً في وقت انتشار الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات ووقت توف وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المُطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى صومه

وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - انتهى. ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع الأماكن والأحوال غير حال الصوم خص من سائر الأحوال الاعتكاف ومن الأماكن المساجد فعقب ذلك بأن قال: {ولا تباشروهن} أي في أي مكان كان {وأنتم عاكفون} أي بايتون مقيمون أو معتكفون، ومدار مادة عكف على الحبس أي وأنتم حابسون أنفسكم لله {في المساجد} عن شهواتها بنية العبادة و {في المساجد} ظرف لعاكفون، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد، وتقييد الاعتكاف بها لا يفهم صحته في غير مسجد، فإنه إنما ذكر لبيان الواقع وليفهم حرمة الجماع في

المساجد، لأنه إذا حرم تعظيماً لما هي سبب لحرمته ومصححة له كانت حرمته تعظيماً لها لنفسها أولى، أو يقال وهو أحسن: لما كان معنى العكوف مطلق الحبس قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي هو الحبس عبادة، فصار كأنه قال: وأنتم معتكفون، هذا معنى المبتدأ والخبر وما تعلق به، وكأنه جرّد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير نية، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع من الجماع، فإن اجتمعا كان آكد، فإن الاعتكاف من كمال الصوم وذلك على وجه منع من المباشرة في المسجد مطلقاً. قال الحرالي: وإنما كان العاكف في المسجد مكملاً لصومه لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف كله إلاّ ما لا بد له من ضرورته والصائم المكمل

صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو المتمم للصيام، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس بمتمم للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلاً ونهاراً، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر» وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك فيقول: قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر، فأنا صائم في فضل الله مفطر في ضيافة الله، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنُّهى بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم في

الأحكام أما في المناهي فصريحاً وأما في الأوامر فلزوماً وتقدم فيها لأن حمله سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها باستئناف قوله مشيراً بأداة البعد: {تلك} أي الأحكام البديعة النظام العالية المرام {حدود الله} وذكر الاسم الأعظم تأكيداً للتعظيم، وحقيقة الحد الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر، فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد الضمير على مفهومه المطابق استخداماً فقال: {فلا تقربوها} معبراً بالقربان، لأنه في سياق الصوم والورع به أليق، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من باب «من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» فيدخل فيه مقدمات الجماع فالورع تركها. ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق إدراكه الإنسان كان كأنه قال دهشاً: هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا؟ فقيل بياناً للواقع وتشويقاً إلى التلاوة وحثاً على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه: {كذلك} أي مثل هذا البيان العلي الشأن {يبين الله} لما

له من العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ بعد {آياته} التي يحق لعظمتها أن تضاف إليه وقال: {للناس} إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي، وعلل ذلك بقوله: {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف الله تعالى لما علموا من هذا البيان من عظمته، وأشعر هذا الإبهام أن فيهم من لا يتقي. ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم والمنكح للصائم وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع منه كان في جميع الشهر فالضرر فيه أقوى، وأتبعه الإذن في الأكل لأنه قوام الجسم وأولاه المنع من النكاح في بعض الأحوال، فعل كذلك في المال الذي منه الأكل لأنه قد كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمناً قليلاً كثيراً من أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه واستباحوها حتى صارت بينهم شرعاً متعارفاً

وكان طيب المطعم محثوثاً عليه لا سيما في الصوم فنهى عن بعض أسباب تحصيل المال أعم من أن تكون رشوة أو غيرها فقال: {ولا تأكلوا} أي يتناول بعضكم مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال. ولما كان المال ميالاً يكون في يد هذا اليوم وفي يد غيره غداً فمن صبر وصل إليه ما كتب له مما في يد غيره بالحق ومن استعجل وصل إليه بالباطل فحاز السخط ولم ينل أكثر مما قدر له قال: {أموالكم} وقال: {بينكم} تقبيحاً لهذه المعصية وتهييجاً على الأمر بالمعروف {بالباطل} وهو ما لم يأذن به الله بأي وجه كان سواء كان بأصله أو بوصفه. ولما كان من وجوه أكله بالباطل التوصل بالحاكم بحجة باطلة

يعجز الخصم عن دفعها كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على حسب ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» فيكون الإثم خاصاً بالأكل دون الحاكم عطف عليه ما يشاركه فيه الحاكم فقال عاطفاً على {تأكلوا} {وتدلوا} أي ولا تتواصلوا في خفائها {بها إلى الحكام} بالرشوة العمية للبصائر، من الإدلاء. قال الحرالي وهو من معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء فكأن الراشي يدلي دلو رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالاً - انتهى. {لتأكلوا فريقاً} أي شيئاً يفرق بينه وبين صاحبه

{من أموال الناس} من أي طائفة كانوا {بالإثم} أي الجور العمد، ومن مدلولاته الذنب وأن يعمل ما لا يحل {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون *} أي من أهل العلم مطلقاً فإن الباطل منهم أشنع ويلزم منه العلم بأن ذلك التوصل لا يفيد الحل، ولعله إيماء إلى جواز التوصل إلى ماله عند جاحد لم يجد طريقاً إلى خلاصه إلا ذلك. وقال الحرالي في مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان منزل القرآن لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به وهو صلاح دينهم وهو ما بين العبد وربه من عمل أو إلقاء بالسلم إليه وإصلاح دنياهم وهو ما فيه معاش المرء وإصلاح آخرتهم وهو ما إليه معاده كان لذلك منزل القرآن مفصلاً بأحكام تلك الأمور الثلاثة فكان شذرة للدين وشذرة للدنيا وشذرة للآخرة، فلما كان في صدر هذا الخطاب {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة: 168] وهو خطاب للملوك ومن تبعهم من رؤساء القبائل ومن تبعهم انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام

أهل العلم ومن تبعهم في قوله تعالى: {إن الذين يكتمون} [البقرة: 159] ، ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة، ثم انتظم به ذكر أحوال الرشى من الراشي والمرتشي، ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين ونهي في الدنيا ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين ويفهم حال المعاد من عبرة أمر الدنيا، فلذلك تعتور الآيات هذه المعاني ويعتقب بعضها لبعض ويتفصل بعضها ببعض، كما هو حال المرء في يومه وفي مدة عمره حيث تعتور عليه أحوال دينه ودنياه ومعاده، يطابق الأمر الخلق في التنزيل والتطور - انتهى.

189

ولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده مما شرعه في شهر الصوم ليلاً ونهاراً وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقاً أو باطلاً وكان ذكر الشهر وإكمال

العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى: {يسئلونك} وجعل ذلك على طريق الاستئناف جواباً لمن كأنه قال: هل سألوا عن الأهلة؟ فقيل: نعم، وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحاً فكان سبباً للسؤال عن السؤال عنها، وكذا ما يأتي من قوله {يسئلونك ماذا ينفقون} [البقرة: 215] {يسئلونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217] {يسئلونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي {عن الأهلة} أي التي تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها: ما سبب زيادتها بعد كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ذلك حتى تدق

وتنمحق؟ قال الحرالي: وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما جوابهم؟ قيل: {قل} معرضاً عنه لما لهم فيه من الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام في الأحكام المنسوبة إليها فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسلام ناهياً عن ذلك لذلك: «من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر زاد ما زاد» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه: «من طلب علم النجوم تكهن» مرشداً سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم: {هي مواقيت} جمع ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق. وقال الأصبهاني: والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان، والزمان مدة مقسومة، والوقت الزمان المفروض لأمر ما. {للناس} في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ليعلموا عدد السنين والحساب {والحج} صرح به لأنه من أعظم

مداخلها. قال الحرالي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى. ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلاً منكراً وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام، قال تعالى عاطفاً على {ليس البر} مقبحاً لذلك الفعل عليهم منبهاً على أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على حال دل عليها السياق تقديرها: والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها {وليس البر} وأكد النفي بزيادة الباء في قوله: {بأن تأتوا البيوت} أي لا الحسية ولا المعنوية {من ظهورها} عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه

ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم. ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال: ولكن البر} قال الحرالي: بالرفع والتخفيف استدراكاً لما هو البر وإعراضاً عن الأول، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. {من اتقى} فجعل المتقي نفس البر إلهاباً له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها. ولما كان التقدير: فاتقوا فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم عطف عليه: {وأتوا البيوت

من أبوابها} حساً في العمل ومعنى في التلقي، والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذا. ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمناً وتلويحاً أتى به دالاً على عظيم جدواها ذكراً وتصريحاً دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ذلك لأن من اعتاد شيئاً قلّ ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتاً ما فقال: {واتقوا الله} أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا النفوس واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الإيهام بمفارقة الشك، ثم علله بقوله: {لعلكم تفلحون *} أي لتكون حالكم حال من يرجى دوام التجدد لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره، فقد دل سياق لآية على كراهة هذا السؤال؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال يكون مما ألبس

فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] وكره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسائل وعابها وقال: «دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم» الحديث ومنه كره الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به، ويقال: كثرة توليد مسائل السهو أوقع فيه. وقال: وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكم التحرج من القتال في الأشهر الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم حق فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف. فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما شرعه من أمر القتال لكونه جهاداً فيه لحظ من حظوظ الدنيا.

ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعاً عن أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخلياً من الدنيا «سياحة أمتي الصوم، ورهبانية أمتي الجهاد» وكانت أمهات العبادات موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة وهي الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافاً لما كان عند أهل الجاهلية من توقيته مكاناً بغير الحرم وزماناً بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتاً إلى الظالمين بالمنع عن المسجد الحرام والإخراج منه فأمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقاً إليه وتحريضاً عليه بعد أن أشار لأهل هذا الدين أولاً بأنه يخزي ظالميهم وثانياً بأن المقتول منهم حي يرزق

وثالثاً بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما شوقهم إلى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل: إنها أول آية نزلت في القتال، قاله الأصبهاني: {وقاتلوا في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إشعاراً بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير موقت به. قال الحرالي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت من

حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، والصوم والحج لمواقيت الأهلة، والزكاة لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان وزمان ناظراً بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله على الدوام {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41] {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] انتهى. وقال {الذين يقاتلونكم} أي من شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت، وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله. ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل

شيء حتى في حق أعدائه قال: {ولا تعتدوا} فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي لهم، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به، فحذف المتعلق اختصاراً فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي لما له من صفات الكمال {لا يحب المعتدين *} مطلقاً في هذا وغيره، أي لا يفعل بهم من الخير فعل المحب. ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال: {واقتلوهم} أي الذين يقاتلونكم {حيث ثقفتموهم} أي وجدتموهم وأنتم تطمعون

في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني، لأنه من ثقف بالضم ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك، وأيضاً صار حاذقاً فطناً، وثقفت الشيء ثقفاً إذا أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني: والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند البيت في

كل وقت؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا فروا لم يكروا. ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال: {وأخرجوهم} أي فإن لم يقاتلوكم {من حيث أخرجوكم} أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام. ولما كان هذا مشعراً بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير: فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به، فعطف عليه قوله: {والفتنة} أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة {أشد} تليينهم للإسلام {من القتل} أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه

من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصاً بسبب إخراجكم، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما وقد كشف الواقع في أمر: عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفاً من القتل، فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا أشد. ولما كان الإذن في الإخراج مستلزماً في العادة للقتال وكان قد أذن في الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظراً إلى المقاصّة أيضاً ومشيراً إلى ما سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد {وكفر به والمسجد الحرام} [البقرة: 217] {ولا تقاتلوهم} أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم {عند المسجد الحرام} أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم {حتى يقاتلوكم فيه} أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد،

وكأنه عبر بفيه في الثاني وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفاً، عن القتال فيه مهما وجد إلى الكف سبيل تعظيماً له وإجلالاً لمحله لأنه موضع للصلاة التي أعظم مقاصدها السجود لا لغيره فضلاً عن القتال. {فإن قاتلوكم} أي في ذلك المكان {فاقتلوهم} أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى البادىء، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل في قراءة حمزة والكسائي بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته، ولما كان هذا مفهماً أنه خاص بهم عمم بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى {جزاء الكافرين *} كلهم. ولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسراً على الأنفس الأبية والهمم العلية قال: {فإن انتهوا} أي عن القتال ومقدماته، وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإن العالم بكل

شيء لا يعبر بأداة الشك إلا كذلك. ولما كان التقدير: فكفوا عنهم ولا تعرضوا لهم فإن الله قد غفر لهم علله بأمر عام فقال: {فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {غفور رحيم *} أي له هاتان الصفتان أزلاً وأبداً فكل من تاب فهذا شأنه معه.

193

ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: {وقاتلوهم} أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن يكونوا كفاراً أو لا {حتى لا تكون فتنة} أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا أحداً من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه، فقتال كل من وقع منه ذلك كفراً أو بغياً في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله {ويكون الدين} أي الطاعة والعبادة. ولما كان

هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال: {الله} أي الذي لا كفوء له خاصاً به بأن يكون أمر المسلمين ظاهراً، ليس للشيطان فيه نصيب، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلاً ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتباً أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعاً بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي: ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة

ويخلص الدين لله توحيداً ورضى وثباتاً على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. {فإن انتهوا} أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نُهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر فيه النهى، قال عليه الصلاة والسلام: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى. {فلا عدوان} أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم، فإنه لا عدوان {إلا على الظالمين *} قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل

لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم، فإن اعتديتم عليهم سلطاناً عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء، فلا عدوان إلاّ عليكم لا عليهم، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم. ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديداً جداً ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلماً لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام: {الشهر الحرام} وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام {بالشهر الحرام} الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: {والحرمات} أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك

{قصاص} أي تتبع للمساواة والمماثلة {فمن} أي فتسبب عن هذا أنه من {اعتدى عليكم} أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان {فاعتدوا عليه} أي فجاوزوه، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطيناً لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له {بمثل ما اعتدى} أي عدوانه {عليكم} أي بمثل الذي اعتدى عليكم به، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول: الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. ولما جعل المماثلة حداً وكان أمرها خفياً والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعباً حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه

بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال: {واتقوا الله} أي المحيط علماً بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا {واعلموا} وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلاً فقال: {أن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله {مع المتقين *} ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح «وما زاد الله عبداً بعفو إلاّ عزاً» . قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والفعو عن الظالم، ولما كان في هذه

التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضاً لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفاً لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك {الشيطان يعدكم الفقر} [البقرة: 268] وقال الحرالي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي يحصل به الزكاء والنماء، وأيضاً لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على الأنفس، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ

بأعمال الغريزتين: الشجاعة والجود، ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن، انتهى - فقال تعالى: {وأنفقوا} وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: {في سبيل الله} أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} [البقرة: 265] قال الحرالي: فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم} أي تسرعوا بوضعها إسراع من

يلقي الشيء بعدم الإنفاق {إلى التهلكة} من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك، وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها. وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه، ولما كان

أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة «. ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى خلال الإيمان قال تعالى: {وأحسنوا} أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل

وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم {إن الله} الملك العظيم {يحب المحسنين} أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين. قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم

تابعاً لترك المهاجرين أموالهم. ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسماً يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث «الحج من سبيل الله» رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما {مثابة للناس} [البقرة: 125] و {إن الصفا والمروة} [البقرة: 158] الآية، و {مواقيت للناس والحج} ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلاً إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكناً لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال: {وأتموا *} أي بعد فتح السبيل بالفتح

{الحج والعمرة} بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال: {لله} الملك الذي لا كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد. ولما كان سبحانه وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراماً لنبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدواً من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانياً للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه: {فإن أحصرتم} أي منعتم وحبستم عن إتمامها، من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه

كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي {فما} أي فالواجب على المحصر الذي منع عن إكماله تلافياً لما وقع له من الخلل في عملهما {استيسر} أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه، واليسر حصول الشيء عفواً بلا كلفة {من الهدي} إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالاً

ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم} أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق. قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. {حتى يبلغ} من البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية {الهدي} أي إن كان معكم هدي {محله} أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو في منى ونحوهما. قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه إلى البيت العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء، والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عن تقديم أحدهما على الآخر قال: «افعل ولا حرج» ، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. ولما كان الإنسان محلاً لعوارض المشقة وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع عنا الآصار ببركة النبي المختار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل دينه يسراً قال: {فمن كان} وقيده بقوله: {منكم} أيها المحرمون {مريضاً} يرجى له بالحلق خير {أو به أذى} ولو قل، والأذى ما تعلق النفس أثره {من رأسه} بقمل أو غيره {ففدية} أي فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه فدية {من صيام} لثلاثة أيام {أو صدقة} لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لأن الصدقة كما قال الحرالي عدل الصيام عند فقده كما

تقدم. ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مُدَّان فلكل يوم صاع {أو نسك} أي تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة. ولما كان الله سبحانه وتعالى بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه قد أقام أسباباً تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك بأداة التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال: {فإذا أمنتم} أي حصلتم في الأمن فزال الإحصار

والمرض، وبني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى أنه كأنه آت بنفسه تنبيهاً على أنه الأصل بخلاف الإحصار حثاً على الشكر {فمن تمتع} أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم {بالعمرة} ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالاً في سفره ذلك {إلى الحج} أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير رجوع إلى الميقات {فما} أي فعليه ما {استيسر} وجد اليسر به {من الهدي} من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام أعلى. ولما أفهم التقييد باليسر حالة عسر بينها بقوله: {فمن لم

يجد} أي هدياً، من الوجد وهو الطول والقدرة {فصيام} أي فعليه بدل الهدي صيام {ثلاثة أيام في الحج} أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون قبل يوم عرفة بحيث يكون فيه مفطراً، {و} صيام {سبعة} أي من الأيام {إذا رجعتم} إلى بلادكم فلا تصح قبل الوصول، ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان الرجوع لا حقيقة رجوعه، فلو أقام بمكة مثلاً صام بها، ولو فاتته الثلاثة في الحج فرق بينها وبين السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة أربعة أيام التشريق والعيد ليحكي القضاء الأداء. قال الحرالي: فيكون الصوم عدلاً للهدي الذي يطعمه المهدي كما كان الإطعام عدلاً للصوم في آية {وعلى الذين يطيقونه} انتهى. ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال: {تلك}

أي العدة النفسية المأمور بصومها {عشرة} دفعاً لاحتمال أن تكون الواو بمعنى «أو» أو أن يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في الذهن جملة كما أحضره تفصيلاً؛ والعشرة: قال الحرالي: معاد عد الآحاد إلى أوله. ولما كان زمن الصومين مختلفاً قال: {كاملة} نفياً لتوهم أن الصوم بعد الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال: قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل القبول والرضاء لأهل الرضاء

والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. ولو قال: تامة، لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف. ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام استأنف تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال: {ذلك} أي الحكم المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه {لمن لم يكن أهله} من زوجته أو أقاربه أو سكان وطنه. وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن {حاضري} على مسافة الحضر بأن يكون ساكناً

في الحرم أو من الحرم على دون مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من الحضور وهو ملازمة الوطن لا على مسافة السفر من {المسجد الحرام} أي الحرم بل كان أهله على مسافة الغيبة منه وهي مسافة القصر. قال الحرالي إفصاحاً بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله عز وجل إذا تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. وعبر عن الحرم بالمسجد إجلالاً وتعظيماً لما قرب من الحرم، كما عظم الحرم بقربه من المسجد، وعظم المسجد بمجاورة الكعبة؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور، ولدورهم أفنية، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقاً بين خاصة الملك وغيرهم. ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على

امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى. ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: 196] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] شديداً على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله: {واتقوا} أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهراً وباطناً واتقوا {الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية، وأكد تعظيم المقام بالأمر

بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال: {واعلموا} تنبيهاً على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، {أن الله} أي الذي لا يداني عظمته شيء {شديد العقاب} وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات القرآن بحسب الأسماء: اعلم أن خطاب الله يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات الأحكام {نكالاً من الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من الأسماء من

معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات الرحمة {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً} [الأحزاب: 73] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به بناؤها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، ثم ما توجد آياته وجداناً في النفس وهي الربوبية وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها من {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات نحو {الواسع العليم} ، فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم واستشرح من الختم التفصيل. وقد كان ذلك واضحاً عند العرب فاستعجم عند المتعربين إلا ما كان ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في القرآن - انتهى.

197

ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتاً من شهور السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى تعيين وقته وأنه هل هو كالمكان

أو عام الحكم فقال {الحج} أي وقته {أشهر} فذكره بصيغة من جموع القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر؛ ولما أبهم عين فقال: {معلومات} أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالاً وإعظاماً للمحدث عنه. ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن الشوائب ناهياً بصيغة النفي تفخيماً له وتأكيداً للنهي ولما كان الحج لا يقع إلا فرضاً قال: {فمن فرض} أي أوجب بالإحرام، وهو من الفرض وهو الحز في الشيء لينزل فيه ما يسد فرضته حساً

أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به. قال الحرالي: لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضواً عضواً قائم دينه كما أن النوافل من لم يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة والنوافل زينة. وفي قوله: {فيهن} إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع فيه كالصلاة، وما لا بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع - انتهى {الحج} أي تلبس به كيف كان. ولما كان في الإنسان قوى أربع: شهوانية بهيمية، وغضبية سَبُعية ووهمية شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل شيء، وعقلية ملكية؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث لأن منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالاً عليها محذراً منها مرتبة: {فلا رفث} أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح. ولما كان الرفث هو داعياً إلى الوقاع

الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ضاماً إليه كل ما دخل في هذا الاسم: {ولا فسوق} قال الحرالي: هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. ولما كان المراء قد يجر إلى الفسق بما يثير من الإحن وتوعير الصدور فكان فسقاً خاصاً عظيماً ضرره قال: {ولا جدال} أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد كمدافعة الجلاد باليد أو السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيداً دون الجدل الذي معناه الدرء في الخصومة لأن

ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله لأنه لا يكاد يسلم منه أحد، وكذا الحال في الفسوق {في الحج} فصار الفسق واسطة بين أمرين جارين إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها خطراً ويجمع ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقاً فقد اشتمل على قبائح الكل؛ فلذلك أجمع القراء السبعة على بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها، وأما الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك الماهية وهو لا يوجب نفي جميع الأفراد، ولأن العرب كانوا يبنون الحج على النسيء ويتخالفون فيه في الموقف، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت مشاعره

وتقررت شرائعه وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلاً في أمره. قال الحرالي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ومسابّة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما يتحامى مع الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة؛ وفي وروده نفياً لا نهياً إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه، كما قال فيما هو قابل للجدال {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46]

وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى. ولما كانت هذه المنفيات شراً وكان التقدير: فما فعلتم من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه: {وما} وقال الحرالي: ولما حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال: وما {تفعلوا} انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات {من خير} في الحج أو غيره بتوكل في تجرد

أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث، والبر والتقوى مكان الفسق، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال {يعلمه الله} الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب. ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال: {وتزودوا} أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي الناس، والمواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وذلك هو ثمرة التقوى؛ والزاد هو متعة المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله {فإن خير} ، ويجوز أن يكون التقدير: وتزودوا واتقوا الله في

تزودكم {فإن خير الزاد التقوى} وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود ستراً للصنفين، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي وقال: وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين، ومتمتع لم يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «قيّدها وتوكل» لأن ذلك أستر للطرفين؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره، قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلاً - انتهى.

ولما علم من ذلك أن التقدير: فأكثروا من الزاد مصحوباً بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملاً له في العادة على الطغيان إلاّ من عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكداً لأمر التقوى مشرفاً لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيهاً على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج

أو غيره عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق: {واتقون} أي في تقواكم بالتزود، وزاد الترغيب فيها بقوله: {يا أولي الألباب *} أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها. ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناساً كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلماً أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى: {ليس عليكم جناح} أي إثم في {أن تبتغوا} أي تطلبوا بجد واجتهاد {فضلاً} أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها {من

ربكم} المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كانت عكاظُ وَمَجِنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج» . ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله {فإذا} أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر {أفضتم} أي أوقعتم الإفاضة، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة

{من عرفات} الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث، قاصدي المبيت بالمزدلفة، وهو علم على الموقف سمي بجمع {فاذكروا الله} ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر {عند} أي قريباً من {المشعر} أي المعلم ولما كان بالحرم، قال: {الحرام} وهو الجبل المسمى قزح، وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ومحوها وزوالها، والثاني دال بفجره وشمسه

على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى. قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر؛ فوقف فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: صنف يقفون في موطن

روع ومخافة وقوفاً طويلاً اعتباراً بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست ساعات، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه الصلاة والسلام بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير: كما هو مستحق للذكر لذاته، عطف عليه قوله {واذكروه} أي عند المشعر وغيره {كما} أي على ما ولأجل ما {هداكم} أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف

أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان التقدير: فإنه بين لكم بياناً لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله: {وإن} أي فإنكم {كنتم} ولما كانوا قبل عمرو بن لُحَيّ على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو وورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال: {من قبله} أي الهدى الذي جاءكم به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لمن الضآلين *} عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علماً وعملاً حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام. ولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما تقديره: فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب: {ثم} أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم

الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها {أفيضوا} أي إذا قضيتم الوقوف. وقال الحرالي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ثم، يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً: امش إلى حاجة كذا - تقديماً في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ثم أفيضوا أيها الحمس! {من حيث أفاض الناس} أي معظمهم وهو عرفات، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب

يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه وتعالى {ثم أفيضوا} » الآية، {واستغفروا الله} أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم. قال الحرالي: والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمناً، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفاً للمقام وإعلاماً بأنه

موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال: {إن الله} ذا الكمال {غفور} أي ستور ذنب من استغفره {رحيم *} أي بليغ الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال: {فإذا قضيتم} أي أنهيتم إنهاء بيناً لا شبهة فيه {مناسككم} أي أركان الحج، وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال: {فاذكروا الله} الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم،

ذكراً {كذكركم آباءكم} لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة من فضل الله تعالى، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم أضلوكم، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان سبباً لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سبباً في الضلال! قال الحرالي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجاً لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم، وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا. ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد «استحي من الله كما تستحيي رجلاً جليلاً من قومك» قال تعالى: {أو أشد ذكراً} انتهى. أي اذكروا الله ذكراً أعلى من ذلك

بأن تذكروه ذكراً أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام، ومما يدخل تحت هذا الذكر أن يأنف من أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد أنفة. قال الحرالي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق بالحق من إيثار ما يرجع إليه على ما يرجع إلى الخلق انتهى. ولما أمر تعالى بما أمر من ذكره لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه تقسيم الناس في قبول الأمر فقال صارفاً من القول عن الخطاب دلالة على العموم: {فمن الناس من} تكون الدنيا أكبر همه فلا التفات

له إلى غيرها فهو {يقول} أفرد الضمير رعاية للفظ من بشارة بأن الهالك في هذه الأمة إن شاء الله قليل {ربنا} أيها المحسن إلينا {آتنا في الدنيا} ومفعوله محذوف تقديره: ما نريد - {و} الحال أنه {ما له} ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: فيعطيه ما شاء سبحانه منها لا ما طلب هو، وليس له {في الآخرة من خلاق *} أي نصيب لأنه لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى لها سعيها. قال الحرالي: والخلاق الحظ اللائق بالخَلق والخُلق. {ومنهم من} يجعل عبادته وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو {يقول ربنا} بإحسانك {آتنا في الدنيا} حالة وعيشة {حسنة} لا توصل بها إلى الآخرة على ما يرضيك. قال الحرالي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس

والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. {وفي الآخرة حسنة} أي من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة. ولما كان الرجاء لا يصلح إلا بالخوف وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال: {وقنا عذاب النار *} أي بعفوك ومغفرتك. ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً، كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: {الذي خلقني فهو يهدين} [الشعراء: 78] الآيات حتى قال {رب هب لي حكماً وألحقني

بالصالحين} [الشعراء: 83] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا} [آل عمران: 193] الآيات، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف جامعاً على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون الجمع لعظم صفاتهم: {أولئك} أي العالو المراتب العظيمو المطالب {لهم} أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له. ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك: {نصيب} وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة، كائن {مما} لو

قال: طلبوا - مثلاً، لم يعم جميع أفعالهم؛ ولو قال: فعلوا، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله: {كسبوا} أي طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو الذي يثابون عليه وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم. ولما كان أسرع الناس حساباً أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً وكان التقدير: فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {سريع الحساب *} وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله إلى العامل لما له من سعة العلم وشمول القدرة، قيل لبعضهم: كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد؟ قال: كما يرزقهم في وقت واحد، وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً، وترهيب بأنّه لا يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول.

203

ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان وكان ربما فهم اقتصارهم عليه في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمّماً وليكون الحث عليه آكد لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه: {واذكروا} بالرمي، أمر بالرمي وعبر عنه بالذكر ليشمل كل ذكر لسانياً كان أو غيره {الله} أي لما يستحقه في ذاته من الكمال {في أيام} ولما كانت لا تحتاج إلى غير العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي وغيره حتى تكون معلومات قال جامعاً صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء إذا كان موصوفها جمع قلة: {معدودات} وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته سبحانه لفعل بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها

يوم القر، وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى، ثانيها يوم النفر الأول، ثالثها يوم النفر الأعظم، والثلاثة تسمى أيام التشريق، وهى مع يوم العيد تسمى أيام النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر، ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسراً لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم، والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيراً إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه: {فمن تعجل} منكم النفر للرجوع إلى أوطانه {في يومين} منها {فلآ إثم عليه} والعجلة فعل الشيء

قبل وقته الأليق به، وقيد باليومين إعلاماً بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي، قال في شرح المهذب: بلا خلاف، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل

منها، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة. ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوماً يسابقون إلى المعالي وكان سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه أيضاً بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر الأول بالتعجل فقال: {ومن تأخر} أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة فرمى اليوم الثالث {فلآ إثم عليه} والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب: يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى: {فمن تعجل} - الآية، قالوا: والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة «أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفر في اليوم الثالث» .

ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله: {لمن} أي هذا النفي للإثم عن القسمين لمن {اتقى} من أهلهما فأدار أفعاله على ما يرضي الله. ولما كان التقدير: فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال: {واتقوا الله} أي الذي له الإحاطة الشاملة. ولما كان الحج حشراً في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقاً إلى الجنّة وفريقاً إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله: {واعلموا أنَّكم} جميعاً {إليه} لا إلى غيره {تحشرون *} بعد البعث، والحشر الجمع بكره، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، فاعلموا لما يكون سبباً في انصرافكم منه إلى دار كرامته

لا إلى دار إهانته. قال الحرالي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزوداً كخروج الميت من الدنيا متزوداً بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجرداً كانبعاثه من القبر متعرياً، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره {مهطعين إلى الداع} [القمر: 80] كذلك اعتباره موطناً إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى من بيان قواعد الإسلام الخمس: الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة: {يؤمنون

بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقاً للصوم بعد ذكره سابقاً عليه، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح «بني الإسلام على خمس» . ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّاً وتارة يكون معلناً وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعاً بادىء بدء بذلك الأمر مقصوداً بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال: {ومن الناس من}

أي شخص أو الذي {يعجبك} أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب {قوله} كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع، ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب، وعن الراغب أنه قال: وليس هو شيئاً له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا:

ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه. ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب واقعاً في تلك الحالة قيده بقوله: {في} أي الكائن في {الحياة الدنيا} لا يزداد في طول مدته فيها إلا تحسيناً لقوله وتقبيحاً لما يخفى من فعله وأما في الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب {ويشهد الله} المستجمع لصفات الكمال

{على ما في قلبه} أنه مطابق لما أظهره بلسانه {وهو} أي والحال أنه {ألدّ الخصام *} أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجهاً يصرفه عما أراد به من القباحة إلى الملاحة، واللدد شدة الخصومة، والخصام القول الذي يسمع المصيح ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى. ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفاً على ما

تقديره: فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية {وإذا تولى} أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه، وكنى بالتعبير بالسعي عن الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال: {سعى} ونبه على كثرة فساده بقوله: {في الأرض} أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه {ليفسد} أي ليوقع الفساد وهو اسم لجميع المعاصي {فيها} أي في الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفاً عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسمياً المحروث حرثاً

مبالغة: {ويهلك الحرث} أي المحروث الذي يعيش به الحيوان، قال الحرالي سماه حرثاً لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعاً لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس {والنسل} أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان. قال الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاماً لأن المعنى أن غرضه أولاً بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانياً بالإهلاك التوصل إلى الإفساد {والله} أي والحال أن الملك الأعظم {لا يحب الفساد *} أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه، ولم يقل: الهلاك، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحاً كما إذا كان قصاصاً ولا

قال: الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد، والآية من الاحتباك، ذكر أولاً الإفساد ليدل على حذفه ثانياً وثانياً الإهلاك ليدل على حذفه أولاً، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان. ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقاً لألديته فقال مبشراً بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {وإذا قيل له} من أي قائل كان {اتق الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد {أخذته} أي قهرته لما له من ملكة الكبر {العزة} في نفسه

لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعاً {بالإثم} أي مصاحباً للذنب، وهو العمل الرذل السافل وما - لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه. ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائماً يمهد به لنفسه التمكين مما يريد سبب عنه قوله: {فحسبه} أي كفايته {جهنم} تكون مهاداً له كما مهد للفساد، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى

النار باسم من أسمائها - انتهى. {ولبئس المهاد *} هي والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي، وقال: فيه إشعار بإمهال الله عزّ وجلّ لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاماً وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس فقال: {ومن الناس من} أي شخص أو الذي {يشري} أي يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث {نفسه} فيقدم على إهلاكها

أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله، وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ربح البيع» فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى، ثم علل ذلك بقوله: {ابتغآء} أي تطلب وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك {مرضات الله} أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به {والله رؤوف} أي بالغ الرحمة،

وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال: {بالعباد *} كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولاً والرسل ثانياً والشرائع ثالثاً والكتب الحافظة لها رابعاً، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماماً بأمرها لكونها من فعل الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم. ولما ختم هذين القسمين بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جداً تعقيبه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}

ليكون هذا النداء واقعاً بادىء بدء في أذن هذا الواعي كما كان المنافق مصدوعاً بما سبقه من التقوى والحشر مع كونه دليلاً على صفة الرأفة، وتكرير الأمر بالإيمان بين طوائف الأعمال من أعظم دليل على حكمة الآمر به فإنه مع كونه آكد لأمره وأمكن لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد الموجب للإسعاد يوم التناد فقال: {ادخلوا في السلم} أي الإيمان الذي هو ملزم لسهولة الانقياد إلى كل خير، وهو في الأصل بالفتح والكسر الموادعة في الظاهر بالقول والفعل أي يا من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو الاستلام بكلية الباطن والظاهر ظرفاً محيطاً بكم من جميع الجوانب فيحيط بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ولا يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم سبيل {كآفة} أي وليكن جميعكم في ذلك شرعاً

واحداً كهذا الذي يشري نفسه، ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا وبعضكم كذلك الألد، فإن ذلك دليل الكذب في دعوى الإيمان. ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه الأنفة والكبر فعل الشيطان وثمرة كونه من نار قال: {ولا تتبعوا} أي تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ضد ما فطرها الله تعالى عليه وسهله لها من الهدى {خطوات الشيطان} أي طرق المبعد المحترق في الكبر عن الحق. قال الحرالي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة وهو واقع وسيقع من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن، فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلم يزل الهرج ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها.

ثم علل ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {إنه لكم عدو مبين *} أي بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما شواهده ظاهرة، وما أحسن هذا الختم المضاد لختم التي قبلها! فإن تذكر الرأفة منه سبحانه على عظمته والعبودية منا الذي هو معنى الولاية التي روحها الانقياد لكل ما يحبه الولي وتذكر عداوة المضل أعظم منفر منه وداع إلى الله سبحانه وتعالى. ولما أقام سبحانه وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال الشبه ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ولايته وعداوة المضل عن طريقه سبب عن ذلك قوله {فإن زللتم} مشيراً بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين المستقيم الأسلم يبعد معها كل البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال: {من بعد ما جاءتكم

البينات} أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي: بينات التجربة شهوداً ونبأ عما مضى وتحققاً بما وقع، وقال: إن التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. ولما كان الخوف حاملاً على لزوم طريق السلامة قال: {فاعلموا} فإن العلم أعون شيء على المقاصد {أن الله} الحاوي لصفات الكمال {عزيز} لا يعجزه من زل ولا يفوته من ضل {حكيم} يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه.

ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول عاداً وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديراً بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى: {هل ينظرون} أي ينتظرون إذا زلوا. سائقاً له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم {إلا أن يأتيهم الله} أي مجد الذي

لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله، كائناً مجده {في ظلل من الغمام} ظلة في داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله {والملائكة} أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره؛ وهل ينتظرون

من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله: {وقضي} أي والحال أنه قد قضي {الأمر} أي نفذ بإهلاكهم سريعاً فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً {وإلى الله} الذي له الإحاطة الكاملة وحده {ترجع الأمور} كلها دنيا وأخرى، فإن حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. قال الحرالي: وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف ولا يتوهمونه بوهم، وإتيان الله في أوائل فهم

الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحاً لا بواسطة فهناك هو {وناديناه من جانب الطور الأيمن} [مريم: 52] إلى: {إني أنا الله} [طه: 14] وفي الكتاب الأول: جاء الله من سيناء - انتهى. وتمامه: وشرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه الصلاة والسلام وهو واضح، وبالثاني نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر، وبالثالث نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن فاران هي مكة المشرفة.

211

ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم

الجلال قال تعالى: جواباً لمن كأنه قال: كيف يكون هذا؟ {سل} بنقل حركة العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة الوصل {بني إسرائيل} أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف الإخبار {كم آتيناهم} من ذلك ومن غيره

{من آية بينة} بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وسكوتهم على سماعه منك إقرار منهم. وقال الحرالي: ولما كان هذا الذي أنذروا به أمراً مجملاً أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة فقال: {سل} ، استنطاقاً لحالهم لا لإنبائهم وإخبارهم، فالتفات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحداً فيخبره؛ انتهى - كذا قال، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة

عليهم وغير هذا من الفوائد. ولما كان التقدير: فكانوا إذا بدلوا شيئاً من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا عقابهم، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه قوله: {ومن يبدل} من التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما كان {نعمة الله} أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى فيجعلها سبباً لضلال أو سبباً لشكر فيجعلها سبب الكفر كائناً من كان. قال الحرالي: وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى. ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي

يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت قال تعالى: {من بعد ما جآءته} أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيهاً على أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان. ولما كان التقدير: يهلكه الله، علله بقوله: {فإن الله} أي العظيم الشأن {شديد العقاب *} وهو عذاب يعقب الجرم، وذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات، قال في أوائل السفر الخامس من التوراة: فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم، لا تزيدوا على الوصية التي أوصيكم

بها، قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها وتعملوا بها، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها: ما أحكم هذا الشعب العظيم! وما أحسن فهمه! أي شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه! وأي شعب عظيم له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم! ولكن احتفظوا واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب يوم قال الرب: اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض

ويعلموا بنيهم أيضاً وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل ناراً يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار، كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبهاً، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات. وكتبها على لوحين من حجارة، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جداً لأنكم لم تروا شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار، احتفظوا، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناماً وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها، التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت السماء؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثاً كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى: {وإذ استسقى موسى لقومه} [البقرة: 60] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله سبحانه وتعالى

من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: «كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر؛ فلما أصبح أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن» وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه «أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت وسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف؛ فلما أصبح حدث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت

ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» . ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتماً كان كأنه قيل: ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر؟ فقيل: أبى أكثرهم، فقيل: إن هذا لعجب! ما الذي صدهم؟ فقيل: تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه، فقيل: كيف يتصور من العاقل كفر النعمة؟ فبين أن سبب ذلك غالباً الترفع والتعظم والكبر والبطر فرحاً بما في اليد وركوناً إليه وإعراضاً عما خبىء في خزائن الله في حجب القدرة فقال مستأنفاً بانياً للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل مزين {زين} قال الحرالي: من التزيين بما منه الزينة.

وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى. {للذين كفروا} حتى بدلوا النعمة {الحياة الدنيا} لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108] . ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال: {ويسخرون} أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية، وهي استزراء

العقل هزؤاً. وقال الحرالي: هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل حساً {من الذين آمنوا} لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضاً لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مراً وللنفوس مضراً قال تعالى مبشراً بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغباً في التقوى بعد الإيمان: {والذين اتقوا} أي آمنوا خوفاً من الله تعالى، فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في الجملة الماضية {فوقهم} في

الرزق والرتبة والمكان بدليل {أفيضوا} [الأعراف: 50] وآية {إني كان لي قرين} [الصافات: 51] وكل أمر سار {يوم القيامة} فهم يضحكون منهم جزاء بما كانوا يفعلون. ولما كان تبدل الأحوال قريباً عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ذلك: برزق من عند الله يرزقهموه {والله} بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه {يرزق من يشاء} أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم. ولما كان الإعطاء جزافاً لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة قال: {بغير حساب *} أي رزقاً لا يحد ولا يعد، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور متناه يعد، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في

حقه على حقيقتها من هذه الحيثية. ولما كان كأنه قيل: هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث فيكون حدوثه أعجب؟ فقيل: لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك، فإن قدرته على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح {كان الناس} أي كلهم {أمة} أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً ثم أكد اجتماعهم فقال: {واحدة} أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [يونس: 19] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: على الإسلام كلهم

{فبعث الله} أي الذي لا حكم لغيره {النبيين} الذين رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه {مبشرين} لمن أطاع، وهو جار مجرى حفظ الصحة، ولأنه مقصود بالذات قدم {ومنذرين} لمن عصى، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال الحرالي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. {وأنزل معهم الكتاب} أي كلامه الجامع للهداية. قال الحرالي: إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب

والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. {بالحق} أي الثابت كل ثبات {ليحكم} أي الله بواسطة الكتاب {بين الناس فيما اختلفوا فيه} من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب {وما اختلف فيه} أي الكتاب الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف {إلا الذين} ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول {أوتوه} أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك.

ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان {من بعد ما جاءتهم البينات} أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت بها الكتاب. قال الحرالي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع، فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها فقال: {بغياً} قال الحرالي: والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا يسلم منهن أحد» ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن، فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها

كانت باغية - انتهى. وزاده عجباً بقوله {بينهم} أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة. ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال عاطفاً على ما تقديره: فعموا عن البينات: {فهدى الله} في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - انتهى. {الذين آمنوا} أي بالنبيين ببركة إيمانهم {لما اختلفوا} أي أهل الضلالة {فيه} ثم بينه بقوله: {من الحق} ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه

من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون {بإذنه} أي بما ارتضاه لهم من علمه وإرادته وتمكينه. قال الحرالي: فيه إشعار بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يهدي من يشاء} أي بما له من أوصاف الكمال {إلى صراط مستقيم *} قال الحرالي: هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي «لا تزال طائفة من

أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» انتهى. ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا بين مستثقلين لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال، فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ذلك عدولاً عن خطاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المقول له {سل بني إسرائيل} [البقرة: 212] إلى خطاب الأتباع تشريفاً له عن ذلك ورفعاً

لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطاً لهم وتقوية لعزائمهم: أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب {أم حسبتم} بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة. قال الحرالي: هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع المفطور عليه المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. وهذا الذي قدرته هو معنى {أن تدخلوا الجنة} أي التي هي نعيم دائم {و} الحال أنه

{لما يأتكم مثل} أي وصف {الذين خلوا} ولما كان القرب في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال: {من قبلكم} أي يقص عليكم لتعلموا به أو يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال. وقال الحرالي: وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول: أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالاً وتفصيلاً في واقع الدنيا من شدائدها وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب {أم حسبتم} تجاوزاً لما بين أول البعث وغاية دخول الجنة - انتهى. ونبهت لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي لهم أن يكون دخولهم

في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد في أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات. ولما كان كأنه قيل: ما ذلك المثل؟ أجيب بياناً بقوله: {مستهم البأساء} أي المصائب في الأموال {والضراء} أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن الأزهري، والأحسن عندي عكسه، لأن البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر كثير الاستعمال في الفقر؛ أي جزاء لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما يجلب كلاًّ منهما ولكل عمل جزاء {وزلزلوا} لأمور باطنة من خفايا القلوب

انتهى. والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال {حتى يقول} رفعه نافع على حكاية الحال في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا قد وجدا ومضيا فهما ماضيان وكأنك تحكي ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض يشاهده: مرض حتى لا يرجونه، فإن النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي لا تنصب إلا مضارعاً بمعناه؛ ونصبه الجماعة على حكاية الحال أيضاً لكن بتقدير أن الزلزال مشاهد والقول منتظر حقق ذلك المتبين حتى يقول:

{الرسول} وهو أثبت الناس {والذين آمنوا معه} وهم الأثبت بعده لطول تمادي الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم وإشارة إلى تكرير ذلك من مقالهم. وقال الحرالي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه، لأن للنبي ترتباً فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول المنبىء عن حالهم {متى نصر الله} فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه وتعالى إنما يفرج

عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» إعلاماً بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه، كذلك سنته مع رسله {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} [غافر: 51] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم، له وقع في البواطن والظواهر، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول، ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء

من بيانها بالفعل. ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد الضر بقوله: {ألا} قال الحرالي: استفتاحاً وتنبيهاً وجمعاً للقلوب للسماع {إن} تأكيداً وتثبيتاً {نصر الله} الذي لا سبب له إلا العناية من ملك الملوك بعد قطع كل سبب من دونه {قريب *} لاستغنائه عن عدة ومدة، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية، والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة «قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير» قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» فانعطف ذلك على ما أراده الله تبارك وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى. وفي بعض الآثار: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم، والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر

على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية، فانظر هذا التدريب في مصاعد التأديب، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ذكر القيامة في قوله: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} [البقرة: 212] والجنة في قوله: {أن تدخلوا الجنة} [البقرة: 214] وهم ينكرونهما إلقاء ما كأنه محقق لا نزاع فيه تأنيساً لهم بذكرهما، وانظر ما في ذلك من بدائع الحكم.

215

ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفاً مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلماً لمن سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ {يسئلونك ماذا} أي أيّ شيء

{ينفقون} من الأموال. وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعاً بين خطاب دين يتلقى عن الله وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في أيصال فضله، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك» ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي الله عنه حين أتى بشطر

ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يقع واجباً ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطاباً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإعراضاً منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي - انتهى. فقال: {قل ما أنفقتم من خير} أي من مال وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدّوه خيراً فقال معبراً بالماضي ليكون أشمل: {ما أنفقتم من خير} فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيراً وخص المصرف مبيناً أهمه لأن النفقة

لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين} لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب {والأقربين} لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة {واليتامى} لتعرضهم للضياع لضعفهم. وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى {والمساكين} لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب.

قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعاً ولغة نبوية - انتهى. {وابن السبيل} لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها. ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: {وما تفعلوا من خير} أي مما يعد خيراً من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم {فإن الله} المحيط علماً وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكِد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة فقال: {به عليم *} أي بالغ العلم

وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله: {كتب} . وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية {فمن فرض فيهن الحج} [البقرة: 197] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خُرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه

المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال {أذن للذين يقاتلون} [الحج: 39] فكان الأول إذناً لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حباً كان الخطاب لهم بالقتال إذناً لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك حباً لهم يطلبون الوفاء به حباً للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم بالصلاة «حين عقلوا» وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة «في الحرب» ، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة

استدراكاً فقال: {كتب عليكم القتال} أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعاً لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلداً إسرائيلياً ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا: {اذهب أنت وربك فقاتلا} [المائدة: 24] انتهى. {وهو كره} وهو ما يخالف غرض النفس وهواها، ولعله لكونه لما كان خيراً عبر باللام في {لكم} وهذا باعتبار الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قوماً كان

الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى. ولما كان هذا مكروهاً لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهياً لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال: {وعسى أن} وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني {عسى} ما يوضح أن المعنى: وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن {تكرهوا شيئاً} أي كالغزو

فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم {وهو} أي والحال أنه {خير لكم} لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي: فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: «كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون» ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة {عسى} لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. ولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى.

فقال تعالى: {وعسى أن تحبوا شيئاً} أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم {وهو} أي والحال أنه {شر لكم} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مراراً في أمور دنياه، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفاً على ما تقديره: فالله قد حجب عنكم سر التقدير {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يعلم} أي له علم كل شيء وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير. وقال الحرالي: شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى. والآية من الاحتباك ذكر الخير أولاً دال على حذفه ثانياً وذكر الشر ثانياً دال على حذفه مثله أولاً.

ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال: {وأنتم لا تعلمون *] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي: فنفى العلم عنهم لكلمة «لا» أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، «حتى شاورهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التوجه إلى غزوة بدر» فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24]

ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيراً ودعا له، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أشيروا عليّ أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى» . ولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلاً في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا: هل

الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال: هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك؟ فقال مخبراً عن سؤالهم مبنياً لحالهم: {يسئلونك} أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم {عن

الشهر الحرام} فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله: {قتال فيه} ثم أمر بالجواب في قوله: {قل قتال فيه} أيّ قتال كان فالمسوغ العموم. ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدواناً فيه أكبر منه في غيره قال: {كبير} أي في الجملة. ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله: {وصد} أيّ صد كان {عن سبيل الله} الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه، أو البيت الحرام فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي: والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك

منهجه {وكفر به} أيّ كفر كان، أي بالدين، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام، والتقييد فيما يأتي بقوله: {عند الله} يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله: {كبير} في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر. ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط كما مضى كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو بغيره توقعاً للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سبباً لنزول هذه الآية وهي سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين كليهما فإنه قال: إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا: لئن تركتموهم

هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فترددوا ثم شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون بذلك فاشتد تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكل ذلك فإخبارهم له على هذه الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلاً عن دلالة ما مضى على التشوف إلى السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى: {والمسجد} أي ويسألونك عن المسجد {الحرام} أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك «قتال فيه قل قتال فيه كبير» عندكم على نحو ما مضى ثم ابتدأ قائلاً: {وإخراج} كما ابتدأ قوله: {وصد عن سبيل الله} وقال: {أهله} أي المسجد الذي كتبه الله لهم في القدم وهم أولى الناس به {منه أكبر} أي من القتال في الشهر الحرام خطأ وبناء على الظن والقتل فيه {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً

فقد حذف من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك، وسر ما صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام قد وقع من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال عنه والجواب، ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من المسلمين أيضاً عام الفتح طواه وأضمره، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره وقدّره، ولما كان الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره؛ فأظهر سبحانه وتعالى ما أبرزه على يد الحدثان، وأضمر ما أضمره في صدر الزمان، وصرح بما صرح به لسان الواقع، ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي. والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال الماوردي من أصحابنا: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 149] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن. وقال غيره: إنه يطلق أيضاً على نفس مكة مثل {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً

من المسجد الحرام} [الإسراء: 1] فإن في بعض طرق البخاري: «فُرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست - إلى أن قال: ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء» ويطلق أيضاً على نفس المسجد نحو قوله تعالى: {ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] . ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل: أكبر، لأن ذلك فتنة {والفتنة} أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم {أكبر من القتل} ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول. ولما كان التقدير: وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالماً بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم

ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفاً على ما قدرته: {ولا يزالون} أي الكفار {يقاتلونكم} أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة. ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله: {حتى} ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هيّن عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية، {يردوكم} أي كافة ما بقي منكم واحد {عن دينكم} الحق، ونبه على أن «حتى» تعليلية بقوله مخوفاً من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهباً للأخذ في الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون: {إن استطاعوا} أي إلى ذلك سبيلاً،

فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم، ومن وكل إلى نفسه ضاع؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلاً عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعناً في الدين وصداً عن السبيل وشبههم التي أضَلوا عليهم دينهم ولا أصل لها، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم. قال الحرالي: الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه، ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله: {ومن يرتدد} إلى آخره؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط

مشروط بالكفر ظاهراً باللسان وباطناً بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئناً. ولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهراً إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال: {ومن يرتدد منكم} أي يفعل ما يقصدونه من الردة {عن دينه} وعطف على الشرط قوله: {فيمت} أي فيتعقب ردته أنه يموت {وهو} أي

والحال أنه {كافر} . ولما أفرد الضمير على اللفظ نصاً على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس، وقرنه بفاء السبب إعلاماً بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال: {فأولئك} البعداء البغضاء {حبطت أعمالهم} أي بطلت معانيها وبقيت صورها؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي: من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه {في الدنيا} بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق

والتعظيم من الخلق {والآخرة} بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال: {وأولئك أصحاب النار} فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين منها. ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريراً للجملة التي قبلها: {هم فيها خالدون *} أي مقيمون إقامة لا آخر لها، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئاً مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى: ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم

عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر.

218

ولما بين سبحانه وتعالى المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هارباً من موجبات النار مقبلاً على مرجئات الجنة خوفاً من أن يقع فيما يسقط رجاءه - وقال الحرالي: لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين؛ انتهى - فقال: {إن الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان. ولما كانت الهجرة التي هي فراق المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن والمال في مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما الموصول إشعاراً

باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكداً للمعنى بالإخراج في صيغة المفاعلة: {والذين هاجروا} أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضاً ونفرة تصديقاً لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم. قال الحرالي: من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه الاغتباط به لمكان ضرر منه {وجاهدوا} أي أوقعوا المجاهدة، مفاعلة من الجهد - فتحاً وضماً، وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل {في سبيل الله} أي دين الملك الأعظم كل من خالفهم {أولئك} العالو الرتبة العظيمو الزلفى والقربة ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال: {يرجون} من الرجاء وهو ترقب الانتفاع بما تقدم له سبب ما - قاله الحرالي {رحمت الله}

أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم. ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيراً إلى ذلك مبشراً بسعة الحلم في جملة حالية من واو {يرجون} ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم: {والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من الكبائر {رحيم *} فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال بالرضى. قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبداً في خواتم الآي إشعار بأن

فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما يرحم العبد طفلاً ابتداء يرحمه كهلاً انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه برحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى. ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقاً عن العبادة لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضرورياً في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن فاعل أجد الجدّ وأمهات الأطايب من الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال: هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث؟ فقال معلماً بسؤالهم عنه مبيناً لما اقتضاه الحال من حلمه فيبقى ما عداه على الإباحة المحضة: {يسئلونك عن الخمر} الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت

الآيات السالفة بسببها. قال الحرالي: وهو مما منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ونحوه، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما يستظهر، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته العجماء، وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير {والميسر} قال الحرالي: اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى. وقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما في الضرر بالجهاد وغيره

بإذهاب المال مجاناً عن غير طيب نفس ما بين سبحانه وتعالى من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أسّ يتبعه كل ضرر فقال في الجواب: {قل فيهما} أي في استعمالهما {إثم كبير} لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر. قال الحرالي: في قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - انتهى. {ومنافع للناس} يرتكبونهما لأجلها من التجارة في الخمر واللذة بشربها، ومن أخذ

المال الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال والافتخار على الأبرام والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم ودرء المفاسد مقدم فكيف {وإثمهما أكبر من نفعهما} وفي هذا كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين وتفاوت الشرين - انتهى. قال أبو حاتم أحمد بن أحمد الرازي في كتاب الزينة: وقال بعض أهل المعرفة: والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء والجدب كانوا يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر والحاجة فانتفعوا واعتدلت أحوالهم؛ قال الأعشى في ذلك: المطعمو الضيف إذا ما شتوا ... والجاعلو القوت على الياسر انتهى. وقال غيره: وكانوا يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم، وبيان المراد من الميسر عزيز الوجود مجتماً وقد استقصيت ما قدرت عليه

منه إتماماً للفائدة قال المجد الفيروز آبادي في قاموسه: والميسر اللعب بالقداح، يسر ييسر، أو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، أو النرد أو كل قمار - انتهى. وقال صاحب كتاب الزينة: وجمع الياسر يسر وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع مثل حارس وحرس وأحراس - انتهى. والقمار كل مراهنة على غرر محض وكأنه مأخوذ من القمر آية الليل، لأنه يزيد مال المقامر تارة وينقصه أخرى كما يزيد القمر وينقص؛ وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين وعبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: قال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، وفي تفسير الأصبهاني عن الشافعي: إن الميسر ما يوجب دفع مال أو أخذ مال، فإذا خلا

الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن ميسراً. وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر لأنه يجزىء لحم الجزور، قال وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سبباً لذلك، ويقال: يسر القوم - إذا قامروا، ورجل يسر وياسر والجمع أيسار؛ القزاز: فأنت ياسر وهو ميسور برجع والمفعول ميسور - يعني الجزور، وأيسار جمع يسر ويسر جمع ياسر، وقال القزاز: واليسر القوم الذين

يتقامرون على الجزور، واحدهم ياسر كما تقول: غائب وغيب، ثم يجمع أيسر فيقال: أيسار، فيكون الأيسار جمع الجمع، ويقال للضارب بالقداح: يسر، والجمع أيسار، ويقال للنرد: ميسر، لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور، ولا يقال ذلك في الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى؛ وقال عبد الحق في الواعي: والميسر موضع التجزئة؛ أبو عبد الله: كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون جزوراً فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء، قال أبو عمرو: على عشرة أجزاء، وقال الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءاً، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح، لسبعة منها أنصباء وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل

والمعلي، وثلاثة منها ليس لها أنصباء وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلونها على يد رجل عدل عندهم يجيلها لهم باسم رجل رجل، ثم يقسمونها على قدر ما يخرج لهم السهام، فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ذلك، ومن خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئاً ولم يغرم ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ويكون لغواً؛ وقال بعضهم: بل يصير

ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكونون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصباء على ما خرج لهم فهؤلاء الياسرون. قال أبو عبيد: ولم أجد علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ولا يدعونه، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء له، قال أبو عبيدة: وقد سألت عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، هذا شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون. قال أبو عبيد: وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف والثروة والجدة - انتهى. ولعل هذا سبب تسميته ميسراً. وقال صاحب الزينة: فالتي لها الغنم وعليها الغرم أي من السهام يقال لها: موسومة، لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة، ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل قدحاً، وربما نقص عدد الرجال عن السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين، فإذا فعل ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي، قال النابغة: إني أتمم إيثاري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الحفنة الأدما وقال: ويقال للذي يضرب بالقداح: حرضة، وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل لا يدخل مع الأيسار ولا يأخذ نصيباً ولذلك يختارونه

لأنه لا غنم له ولا غرم عليه، والذي لا يضرب القداح ولا يدخل مع الأيسار في شيء من أمورهم يقال له: البرم، وتجمع القداح في جلدة، وقال بعضهم: في خرقة، وتسمى تلك الجلدة الربابة، أي بكسر الراء المهملة وموحدتين، ثم تجمع أطرافها ويعدل بينها وتكسى يده أديماً لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد عيناه، فيجمع أصابعه عليها ويضمها كهيئة الضغث ثم يضرب رؤوسها بحاق راحته فأيها طلع من الربابة كان فائزاً؛ قال: وقال غيره: تكون الربابة شبه الخريطة تجمع فيها القداح ثم يؤمر الحرضة أن يجيلها، فمنها ما يعترض في الربابة فلا يخرج ومنها ما لا يعترض فيطلع، فذاك يكون فائزاً، ويقعد رجل أمين على الحرضة يقال له: الرقيب، ويقال للذي يضرب بالقداح: مفيض، والإفاضة الدفع وهو أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدام ويجيلها ليخرج منها قدح؛ وكذلك الإفاضة من عرفة هو الدفع منها إلى جمع - انتهى. وقال في القاموس: كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه

ثمانية وعشرين سهماً أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل - انتهى. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: الياسر هو الضارب في القداح، وهو من الميسر وهو القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، وكانوا يتقامرون على الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلاً بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي الفذ - إلى آخره، ثم يخرجون ذلك، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته، ومن خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئاً؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام ولم يكن أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى. هذا ما قالوه في مادة يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلاً لحفظها في قولي: الفذ والتوأم والرقيب ... والحلس والنافس يا ضريب ومسبل مع المعلى عدواً ... ثم منيح وسفيح وغد وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس: الفذ أي بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: أول سهام الميسر، والتوأم أي

بفتح الفوقانية المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب: سهم من سهام الميسر أو ثانيها، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب والثالث من قداح الميسر، وقال في مادة ضرب: والضريب الموكل بالقداح أو الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم: والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب، وقيل: هو أمين أصحاب الميسر، وقيل: هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله سواء، وإنما قيل للعيوق: رقيب الثريا، تشبيهاً برقيب الميسر، والرقيب الثالث من قداح الميسر، وفيه ثلاثة فروض، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز، وعليه غرم ثلاثة إن لم يفز؛ وقال في مادة ضرب: وضرب بالقداح والضريب الموكل بالقداح، وقيل: الذي يضرب بها، قال سيبويه: فعيل بمعنى فاعل، والضريب القدح الثالث من قداح الميسر، قال اللحياني: وهو الذي يسمى الرقيب، قال: وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب؛ وقال في القاموس: والحُرْضَة أي بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين،

والحلس بكسر المهملة وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر، والنافس بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر، ومسبل أي بسين مهملة وموحدة قال: بوزن محسن، السادس أو الخامس من قداح الميسر؛ وقال في مجمع البحرين: وهو المصفح أيضاً يعني بفتح الفاء، والمعلّى كمعظم سابع سهام الميسر، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب، والسفيح أي بوزنه وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له، والوغد أي بفتح ثم سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق الضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب له؛ وقال صاحب الزينة: وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء اللغة، ثم يجيلون عليها القداح فإن خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ونفدت أجزاء الجزور، وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيباً واحداً وصاحب التوأم نصيبين فعلى

ذلك يقسمون الغرم بينهم. وذكر عن الأصمعي أنه قال: كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءاً: للفظ جزء، وللتوأم جزءان، وللرقيب ثلاثة أجزاء - فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءاً؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه وقالوا: إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا يكون إذاً قامر ولا مقمور، ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور: أعشار، لأنها عشرة أجزاء، قال امرؤ القيس. وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل جعل القلب بدلاً لأعشار الجزور وجعل العينين مثلاً للقدحين أي سبت قلبه ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية من ديوانه: والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها، وإنما سمي توأماً بما عليه من الحظوظ، وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان، وإن قمرت أنصباء الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين، وذلك أنها عشرة قداح أولها الفذ وعليه فرض

وله نصيب، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان، والثالث الرقيب وعليه ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء، والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة أنصباء، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة أنصباء، والسادس المسبل وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء، والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة أنصباء، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح والمنيح والوغد، وربما سموها بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها هاهنا ونذكرها بأسمائها في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض، ولذلك تدعى أغفالاً لأن الغفل من الدواب الذي لا سمة له. وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءاً، والورك الأخرى جزء وعجزها جزء، والكاهل جزء، والزور وهو الصدر جزء، والملحا أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء، والكتفان وفيهما العضدان جزءان، والفخذان جزءان، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء، وما بقي من عظم أو بضعة

فهو الريم وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر؛ وربما استثنى بائع الناقة منها شيئاً لنفسه وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس، فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة أحضروا رجلاً يضرب بها بينهم يقال له الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس القداح ثم يؤتى بخريطة فيها القداح واسعة الأسفل ضيقة الفم قدر ما يخرج منها سهم أو سهمان والقداح فيها كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل الخريطة على يدي الحرضة، ويؤتى برجل يجعل أميناً عليه يقال له الرقيب فيقال له: جلجل القداح، فيجلجلها في الخريطة مرتين أو ثلاثاً، فإذا فعل ذلك أفاض بها وهو أن يدفعها دفعة واحدة فتندر من مخرجها ذلك الضيق، فإذا خرج قدح أخذه الرقيب، فإن كان من الثلاثة التي لا فروض عليها رده إلى الخريطة وقال: أعد، وإن كان من السبعة ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل القوم، وذاك أن الذين يتقامرون قد أخذ كل واحد منهم قدحاً على ما يحب،

فإن كان الذي خرج الفذ أخذ صاحبه جزءاً وسلم من الغرم وأعاد الحرضة الإفاضة، وإن كان الذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل القوم وسلم من الغرم أيضاً، وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ويسلم من الغرم، فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له وكذا الثالث يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ما لم يستغرق الأول والثاني أنصباء الجزور، مثل أن يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء، ثم يخرج للثاني المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ويغرم الباقون ثمن الجزور. أو يخرج في الأول الفذ وفي الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضاً سائر الأنصباء ويغرم باقي القوم ثمن الجزور، وكذا ما كان مثل هذا؛ فإن زادت سهام من خرج له قدح على ما بقي من الجزور غرم له من بقي ما زاد سهمه؛ وذلك مثل أن يخرج للأول المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني النافس وحظه خمسة وإنما بقي من الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون خمسي الجزور، وكذا لو خرج للأول النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني الحلس فأخذ أربعة أنصباء وخرج للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له الباقون ثلاثة أخماس

الجزور، وعلى هذا سائر قمارهم، إذا تدبرته علمت كيف يجري جميعه ويغرم القوم ما يلزمهم على قدر سهامهم الباقية يفرضون ما لزمهم على عدد ما في أنصبائهم من الفرض، وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ما في القداح من الفروض وهي ثمانية وعشرون جزءاً، ولا معنى لهذا القول لأنه يلزم أن لا يكون في هذا قمار ولا فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما خرج له ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا بفراغ القداح، فلا معنى للتقامر عليها، والأول أصح ويدل عليه شعر العرب، وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين فيفوز بأجزاء الجزور، مثل أن يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له الحرضة خرج له أحدهما ففاز بحظه ثم إذا ضرب الثانية خرج له الآخر فيفوز بسائر الجزور، ولو كان السهام والأنصباء على ما ذكروا لم يفز صاحب سهمين بسائر

الأنصباء إذ لا تذهب الأنصباء إلا بفراغ القداح، ومما يدل على فوز صاحب السهمين بالكل قول امرىء القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل يقول: تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز القلب كله، ومن هذا قول كثير ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب لحمها: وتؤبن من نص الهواجر والسرى ... بقدحين فازا من قداح المقعقع يقول: هذه الناقة هزلها السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها بالقداح ففاز منها قدحان فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - انتهى. هكذا ذكر شرح قول كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله أليق، وذلك لأنه قال أي يظن بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر والسرى لصبرها وكرمها وشدتها كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه؛ والمقعقع هو الذي يجيل القداح - انتهى. وهو أقرب مما قاله لأن قوله: تؤبن بقدحين فازا، ظاهر في أن القدحين لها وأنها هي الفائزة؛ والله سبحانه

وتعالى الموفق - هذا. وقوله: لا معنى للتقامر عليها، على تقدير التجزئة بثمانية وعشرين ليس كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء، وذلك بأن تكون السهام وهي القداح عشرة، فإنه لما قال: إن الأجزاء تكون ثمانية وعشرين، لم يقل: إنها على عدد السهام، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين، بل قال: إنها على عدد الفروض التي في السهام، وقد علم أنها عشرة؛ وقد صرح صاحب الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول، فحينئذ من خرج له المعلى مثلاً أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظاً ممن خرج له ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات؛ وقوله: إن الرجل ربما أخذ قدحين - إلى آخره، يبين وجهاً آخر من التفاوت، وهو أن الرجل ربما خرج له سهم واحد لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج، وربما خرج له

سهمان أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ففاز بمعظم الجزور، وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام، وربما خرج له أكثر من ذلك مع الوفاء للثمن بينهم على السواء، وهذا الوجه يتأتى أيضاً بتقدير أن تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء، لانحصار العد فيمن خرج له سهام سواء كان على عددهم أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن يخرج لغيره عدد من السهام؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد واحد يكون قماراً أيضاً، لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء، ومن قال: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال يغرم، كان القمار عنده لازماً في كل صورة بكل تقدير. وقال في الكشاف: إنهم كانوا يعطون الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئاً، وقد تقدم نقل ذلك عن صاحب الزينة والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما

اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفاً على السؤال عن المقتضي لتبذير المال {ويسئلونك ماذا ينفقون} وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في قوله: {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} [البقرة: 215] ، منع من توقع سؤال آخر، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلاً، وادعاء أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقاً مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع أسباب النزول وجد كثيراً من ذلك. وقال الحرالي: في العطف إنباء بتأكد التلدد مرتين كما في قصة بني إسرائيل، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه

الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما، وقال سبحانه وتعالى في الجواب: {قل العفو} وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة قال: فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من اليسر، فصار المنفق على ثلاث رتب: رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه، وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها «قالت امرأة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما يحل لنا من أموال أزواجنا - تسأل عن الإنفاق منها، قال: الرُطْب - بضم الراء وسكون الطاء - تأكلينه وتهدينه» لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى. وفي تخصيص المنفق بالعفو منع

لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف، إذ كان الأغلب أن تكون تصرفاته لا على هذا الوجه، لأن حالة السكر غير معتد بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفاً وكذا الميسر بل هو أغلظ. ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم، ومن أعظم الملوحات إلى ذلك أن في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف {وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] . قال الأصبهاني: قال أهل التفسير: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية. لما بيّن الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما أراد أبدع تفصيل لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال: هي يبين لنا ربنا غير هذا من الآيات كهذا البيان؟ فقال: {كذلك} أي مثل ما مضى من هذا البيان العلي الرتبة

البعيد المنال عن منازل الأرذال {يبين الله} الذي له جميع صفات الكمال {لكم} جميع {الآيات} قال الحرالي: فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى. وأفرد الخطاب أولاً وجمع ثانياً إعلاماً بعظمة هذا القول للإقبال به على الرأس، وإيماء إلى أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد امتلأ علماً من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم، ويجوز أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكوراً مرتين: مرة في خطابه تلويحاً، وأخرى في خطابهم تصريحاً؛ أو يقال: أشار إلى علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى {لعلكم تتفكرون *} أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي.

220

ولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور

الدارين وكفى وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا نزاع فيه لكثرة ما دل عليها فقال: {في الدنيا والآخرة} أي في أمورهما فتعلموا بما فتح الله لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من الأصول ما هو صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا الشر فيؤول بكم ذلك إلى فوز الدارين. ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم القوى البدنية والعقلية وكان النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في أمور الآخرة وكان الجهاد من أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم فنزل التحريج الشديد في أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سألوا عنهم فأفتاهم سبحانه وتعالى فيهم وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا يكون لمن يتعاطى الخمر والميسر فقال: {ويسئلونك عن اليتامى}

أي في ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر حصره؛ وأمره بالجواب بقوله: {قل إصلاح لهم خير} أي من تركه، ولا يخفى الإصلاح على ذي لب فجمع بهذا الكلام

اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة على خلقه ما لا يكاد يعد، وفي قوله: {لهم} ما يشعر بالحث على تخصيصهم بالنظر في أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي. ولما كان ذلك قد يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم قال: {وإن تخالطوهم} أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركاً بينكم وبينهم، لأن المصالح صارت كالواحدة. قال الحرالي: وهي رتبة دون الأولى، والمخالطة مفاعلة من الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع التحاجز بين ما شأنه ذلك {فإخوانكم} جمع أخ وهو الناشىء مع أخيه من منشأ واحد على السواء بوجه ما - انتهى. أي فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم بالمعروف وما يحل من أموال إخوانكم؛ قالت عائشة

رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. قالوا: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً كان في غيرهم أوسع، وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار، يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني. ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا الخير وعكسه قال مرغباً مرهباً: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم} أي في كل حركة وسكون. ولما كان الورع مندوباً إليه محثوثاً عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا المقام أولى قال: {المفسد} أي الذي الفساد صفة له {من المصلح} فاتقوا الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم. ولما كان هذا أمراً لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر منّ عليهم بشرعه في قوله: {ولو شاء الله} أي بعظمة كماله

{لأعنتكم} أي كلفكم في أمرهم وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدوداً وعينها يصعب لوقوف عندها وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها، من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك الذي يفحش نعته - قاله الحرالي. ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} يقدر على ما يريد {حكيم *} يحكمه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء منه. ولما ذكر تعالى فيما مر حلّ الجماع في ليل الصيام وأتبع ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل النكاح في سياق مانع مع الفساد داع إلى

الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من معظم المخالطة في النفقة وغيرها وكان الإنسان جهولاً تولى سبحانه وتعالى بحكمته تعريفه ما يصلح له وما لا يصلح من ذلك، وأخر أمر النكاح عن بيان ما ذكر معه من الأكل والشرب في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم، وقدمه في آية الصيام لأن النفس إليه أميل فقال عاطفاً على ما دل العطف على غير مذكور على أن تقديره: فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على وجه الإصلاح إن أردتم {ولا تنكحوا}

قال الحرالي: مما منه النكاح وهو إيلاج نهد في فرج ليصيرا بذلك كالشيء الواحد - انتهى. وهذا أصله لغة، والمراد هنا العقد لأنه استعمل في العقد في الشرع وكثر استعماله فيه وغلب حتى صار حقيقة شرعية فهو في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الجماع وفي اللغة بالعكس وسيأتي عند {حتى تنكح زوجاً غيره} [البقرة: 230] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة {المشركات} أي الوثنيات، والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] {حتى يؤمن} فإن المشركات شر محض {ولأمة} رقيقة {مؤمنة} لأن نفع الإيمان أمر ديني

يرجع إلى الآخرة الباقية {خير} على سبيل التنزيل {من مشركة} حرة {ولو أعجبتكم} أي المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. قال الحرالي: فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر الغيب في أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء من المؤمنات خلقاً وكوناً وظاهر صورة على حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقاً وظاهر صورة وشرف بيت - انتهى {ولا تنكحوا} أيها الأولياء

{المشركين} أي الكفار بأي كفر كان شيئاً من المسلمات {حتى يؤمنوا} فإن الكفار شر محض {ولعبد} أي مملوك {مؤمن خير} على سبيل التنزيل {من مشرك} حر {ولو أعجبكم} أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاماً بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ومن يعدونه شريفاً فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه. ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى

اتباعه قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم: {أولئك} أي الذين هم أهل للبعد من كل خير {يدعون إلى النار} أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم؛ وسيأتي في المائدة عند قوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] لذلك مزيد بيان. ولما رهب من أهل الشرك حثاً على البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحب فيه وبغير ذلك فقال: {والله} أي بعز جلاله وعظمة كماله {يدعوا} أي بما يأمر به {إلى الجنة} أي الأفعال المؤدية إليها. ولما كان ربما لا يوصل إلى الجنة إلا بعد القصاص قال: {والمغفرة} أي إلى أن يفعلوا ما يؤدي إلى أن يغفر لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة سنية

يغفرون فيها للناس ما أتوا إليهم. ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث يصير المدعو إليه متهيئاً للوصول إليه قال: {بإذنه} أي بتمكينه من ذلك لمن يريد سعادته {ويبين آياته} في ذلك وفي غيره {للناس} كافة من أراد سعادته وغيره {لعلهم يتذكرون *} أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار. ولما كان في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل الصيام على أحسن وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح شائبة للجماع تثير للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك كان نظم آية الحرث بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف فقال: {ويسئلونك عن المحيض} أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود. قال الحرالي: وهو

مفعل من الحيض وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو في الدم بمنزلة البول والعذرة في فضلتي الطعام والشراب من الفرج {قل هو أذى} أي مؤذ للجسم والنفس لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - قاله الحرالي، وقال: حتى أنه يقال إن التي توطأ وهي حائض يقع في ولدها من الآفات أنواع - انتهى. ولهذا سبب سبحانه وتعالى عنه قوله: {فاعتزلوا النساء} أي كلفوا أنفسكم ترك وقاعهن، من الاعتزال وهو طلب العزل وهو الانفراد عما شأنه الاشتراك - قاله الحرالي. {في المحيض} أي زمنه، وأظهره لئلا يلبس لو أضمر بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل الاستحاضة وهي دم صالح يسيل من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى كالحيض الذي هو دم فاسد يتولد من طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس لمرضت المرأة، فهو كالبول والغائط فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر - قاله الإمام. {ولا تقربوهن} أي في محل الإتيان بجماع ولا مباشرة في ما دون الإزار وإنما تكون المباشرة في ما علا عن الإزار {حتى} ولما كان فيه ما أشير إليه

من الركس قال: {يطهرن} أي بانقطاعه وذهاب إبانه والغسل منه، والذي يدل على إرادة ذلك مع قراءة التشديد قوله تعالى: {فإذا تطهرن} أي اغتسلن، فالوطء له شرطان: الانقطاع والاغتسال وربما دلت قراءة التخفيف على جواز القربان لا الإتيان وذلك بالمباشرة فيما سفل عن الإزار {فأتوهن} أي جماعاً وخلطة مبتدئين {من حيث أمركم الله} أي الذي له صفات الكمال، وهو القبل على أي حالة كان ذلك؛ ولما دل ما في السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو أحب أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه علل بقوله: {إن الله}

مكرراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام ولم يضمره إعلاماً بأن هذا حكم عام لما يقع من هفوة بسبب الحيض أو غيره {يحب} أي بما له من الاختصاص بالإحاطة بالإكرام وإن كان مختصاً بالإحاطة بالجلال {التوابين} أي الرجاعين عما كانوا عزموا عليه من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج الإلمام به، كلما وقعت منهم زلة أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفة الحلم والفعو والجود والرحمة والكرم «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه. وإذا أحب من يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي فهو في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب وبه أرحم، ولما كان ذلك مما يعز التخلص من إشراكه إما في تجاوز ما في المباشرة أو في

الجماع أولاً أو آخراً أتى بصيغة المبالغة. قال الحرالي: تأنيساً لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه، أي ومن معاودة التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه كذبه كلما أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئاً فيسقط من عين الله ثم لا يبالي به فيوقفه ذلك عن التوبة. ولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره جداً

أشار إلى ذلك بقوله: {ويحب} ولما كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة بأن تغلب الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال: {المتطهرين *} أي الحاملين أنفسهم على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره، وهم الذين يبالغون ورعاً في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضاً إلا بعد كمال التطهر؛ أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة حسية أو معنوية. ولما بين سبحانه وتعالى المأتي في الآية السابقة نوع بيان أوضحه مشيراً إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال: {نساؤكم} أي اللاتي هن حل لكم بعقد أو ملك يمين

ولما كان إلقاء النطفة التي يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث دلالة على أن الغرض الأصيل طلب النسل فقال مسمياً موضع الحرث باسمه موقعاً اسم الجزء على الكل موحداً لأنه جنس {حرث لكم} فأوضح ذلك. قال الحرالي: ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه لأولي العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - انتهى. وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم

جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله: {فأتوا حرثكم} أي الموضع الصالح للحراثة {أنى شئتم} أي من أين وكيف إشارة إلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة. قال الثعلبي: الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث. ولما كانت هذه أموراً خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض الورع قال: {وقدموا} أي أوقعوا التقديم. ولما كان السياق للجمع وهو من شهوات النفس قال مشيراً إلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي: {لأنفسكم} أي من هذا العمل وغيره من كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره افتخرتم به عنده وذلك بأن تصرفوا مثلاً هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب، ومن التقديم التسمية عند الجماع على ما وردت به السنة وصرح به الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على

ما نقل عنه. ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من عنده شك احتيج إلى مزيد وعظ فقال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يكرهه الملك الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه. وزاد سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال: {واعلموا أنكم ملاقوه} وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل. قال الحرالي: وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ما بين الزوجين سر لا يفشى، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته» وقال: «لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها»

فأنبأ تعالى أن أمر ما بين الزوجين مؤخر حكمه إلى لقاء الله عز وجل حفيظة على ما بين الزوجين ليبقى سراً لا يظهر أمره إلا الله تعالى، وفي إشعاره إبقاء للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد منهما إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى. ولما كان هذا لا يعقله حق عقله كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل الخلق فقال عاطفاً على ما تقديره: فأنذر المكذبين فعلاً أو قولاً، قوله تعالى: {وبشر المؤمنين *} أي الذين صار لهم الإيمان وصفاً راسخاً تهيؤوا به للمراقبة، وهو إشارة إلى أن مثل هذا من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه. ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع

مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعظيماً لمقامه: {ولا تجعلوا الله} أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله {عرضة} أي معرضاً {لأيمانكم} فيكون في موضع ما يمتهن ويبتذل فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح

الأشياء. قال الحرالي: والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد نحوه بل له صمد غيره {أن} أي لأجل أن {تبروا} في أموال اليتامى وغيرها مما تقدم الأمر به أو النهي عنه {وتتقوا} أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى {وتصلحوا بين الناس} فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ينقاد إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة، وفي الأمثال: فرس لا تجري إلا بمهماز بئس الفرس. ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فالله

جليل عظيم عطف عليه قوله: {والله} أي بما له من العز والعظمة {سميع} لجميع ما يكون من ذلك وغيره {عليم *} بما أسر منه وما أعلن، فاحذروه في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه، ويجوز أن يكون الجملة حالاً من واو {تجعلوا} فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام.

225

ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك: {لا يؤاخذكم} أي لا يعاقبكم، وحقيقته يعاملكم معاملة

من يناظر شخصاً في أن كلاًّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه {الله} فكرر في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذاناً بأن عظمته لا تمنع من المغفرة {باللغو} وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي. {في أيمانكم} فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم. ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال: {ولكن يؤاخذكم} والعبارة صالحة للإثم والكفارة. ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال: {بما كسبت} أي تعمدت {قلوبكم}

فاجتمع فيه مع اللفظ النية. قال الحرالي: فيكون ذلك عزماً باطناً وقولاً ظاهراً فيؤاخذ باجتماعهما، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى. ولم يبين هنا الكفارة صريحاً إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي. ولما كان ذكر المؤاخذة قطعاً لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهراً موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه: {والله} أي مع ما له من العظمة {غفور} أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا. ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال {حليم *}

لا يعاجلهم بالأخذ، والحلم احتمال الأعلى للأذى من الأدنى، وهو أيضاً رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الحرالي. ولما كان الإيلاء حلفاً مقيداً وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلاً على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبداً فتكون المرأة لا أيماً ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعاً يرجعون إليه فقال في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم: {للذين يؤلون} أي يحلفون حلفاً مبتدئاً {من نسائهم} في صلب النكاح أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن لا يجامعوهن أبداً أو فوق

أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد عنهن. قال الحرالي: والإيلاء تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحراراً أو عبيداً أو بعضاً وبعضاً في حال الرضى أو الغضب محبوباً كان أو لا لأن المضارة حاصلة بيمينه {تربص} أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه - انتهى. {أربعة أشهر} ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلماً من الله سبحانه وتعالى حيث لم يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق. قال الحرالي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج

أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها، يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع سبحانه وتعالى بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه تصرف. ولما كان حالهم بعد ذلك مردداً بين تعالى قسميه فقال مفصلاً له {فإن فاؤوا} أي رجعوا في الأشهر، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة، من الفيء وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث {فإن الله} يغفر لهم ما قارفوه في ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه {غفور رحيم *} له هاتان الصفتان ينظر بهما إلى من

يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام. قال الحرالي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ليكون حكم السر سراً وحكم الجهر جهراً - انتهى. ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيهاً بحال الطلاق وليس به قال مبيناً أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى طلق عليه الحاكم: {وإن عزموا الطلاق} فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعاً من غير مجمجة ولا ستر،

والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي. ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله: {فإن الله} أي الملك الذي له الجلال والإكرام {سميع} أي لعبارتهم عنه. قال الحرالي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعاً - انتهى. {عليم} أي به وبنيتهم فيه. قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن

العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو الإصرار على الإضرار، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق. ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال: - وقال الحرالي: لما ذكر تربص الزوج - سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها؛ انتهى - فقال: {والمطلقات} أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر

أو كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله فقيل: {يتربصن} أي ينتظرن اعتداداً. ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان التربص عاماً في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبراً لها بالنفس هزاً إلى الاحتياط في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال: {بأنفسهن} فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة. ولما كان القرء مشتركاً بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركاً بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصاً عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان مذكراً يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة يذكر

عددها دل على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده فقال ذاكراً ظرف التربص: {ثلاثة قروء} أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة الحجر أن هذه المادة بأي ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة، وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر أقراء وقروء، وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف

في الجمع كان بالطهر أولى. وقال الحرالي: قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما لئلا يطلق ما لم تنطلق عنه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما قرءاً لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءاً، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهراً هو أمد الاستقراء للدم باطناً فيبعد تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعداً ما - انتهى.

ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر تقصيراً للعدة وإلحاقاً للولد به، أو حيض لرغبة في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى: {ولا يحل لهن} أي المطلقات {أن يكتمن ما خلق الله} أي الذي له الأمر كله من ولد أو دم {في أرحامهن} جمع رحم. قال الحرالي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم، إنما تعلم أماراته. ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافياً للحل بلفظه مثبتاً للحرمة بمعناه تأكيداً له فكان التقدير: ولا يكتمن، قال مرغباً

في الامتثال مرهباً من ضده: {إن كنّ يؤمن بالله} أي الذي له جميع العظمة {واليوم الآخر} الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا، أي فإن كتمن شيئاً من ذلك دل على عدم الإيمان. وقال الحرالي: ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها؛ انتهى - وفيه تصرف. ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيهاً على أنه إن كان ولا بد من الطلاق فليكن رجعياً فقال تعالى: {وبعولتهن} أي أزواجهن، جمع بعل. قال الحرالي: وهو الرجل المتهيىء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على الزوج والسيد - انتهى. ولما كان

للمطلقة حق في نفسها قال: {أحق بردهن} أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح {في ذلك} أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها. ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله: {إن أرادوا} أي بالرجعة {إصلاحاً} وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي السراح كان في باطن الأمر زانياً. قال الحرالي: الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر، مما حذر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى.

ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله: {ولهن} أي من الحقوق {مثل الذي عليهن} أي في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في النوع، فكما للرجال الرجعة قهراً فلهن العشرة بالجميل، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك. ولما كان كل منهما قد يجور على صاحبه قال: {بالمعروف} أي من حال كل منهما. قال الحرالي: والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى. ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال بقوله: {وللرجال} أعم من أن يكونوا بعولة

{عليهن} أي أزواجهم {درجة} أي فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن الدرجة المرقى إلى العلو. وقال الحرالي: لما أوثروا به من رصانة العقل وتمام الدين - انتهى. فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل. ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئاً بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفاً على ما تقديره: لأن الله أعزهم عليهن بحكمته: {والله} أي الذي له كمال العظمة {عزيز} إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته؛ وقال: {حكيم} تنبيهاً على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة

بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه. ولما ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال: هل هي ممتدة كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة؟ فقال: {الطلاق} أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة. قال الحرالي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. وقال تعالى: {مرتان} دون طلقتان تنبيهاً - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة.

ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء سيصرح به في قوله في الآية الآتية {أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] فقال معقباً بالفاء {فإمساك} أي إن راجعها في عدة الثانية. قال الحرالي: هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك - بالفتح - للجلد {بمعروف} قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حداً يقطع قصد الضرار - انتهى {أو تسريح} أي إن طلقها الثالثة، ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية. قال الحرالي: سمى الثالثة تسريحاً لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضاً: هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي

مثلاً ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة، ولما كان مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعاً للإمتاع بالنفس قال: {بإحسان} تعريضاً بالجبر بالملل لئلا يجتمع منعان: منع النفس

وذات اليد - أفاده الحرالي وقال: ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. ومن ذلك بذل الصداق كاملاً وأن لا يشاححها في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال. ولما كان سبحانه وتعالى قد خيره بين شيئين: الرجعة والتسريح الموصوفين وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئاً منه مشاركاً للسراح في أنه يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة كما كان عليه حال أهل الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى لم يفرعها بالقابل قال مشيراً إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفاً على ما تقديره: فلا يحل لكم مضارتهن: {ولا يحل لكم} أي أيها المطلقون أو المتوسطون

من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين {أن تأخذوا} إحساناً في السراح {مما آتيتموهن} من صداق وغيره {شيئاً} أي بدون مخالفة. قال الحرالي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة لا في مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئاً ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى. ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال: {إلا

أن يخافا} نصاً على المراد بالإسناد إلى الزوجين، وعبر عن الظن بالخوف تحذيراً من عذاب الله، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة المتصل تنفيراً من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب إلا أن يحصل لهما أمر من حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في الحدود، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال من غير أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى خالفه الآخر حصل التشاجر المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ والله سبحانه وتعالى أعلم {ألا يقيما} أي في الاجتماع {حدود الله} العظيم فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق. قال الحرالي: وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من زوجها لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد وهو النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى. ثم زاد الأمر بياناً لأنه في مقام

التحديد فقال مسنداً إلى ضمير الجمع حثاً على التحقق ليحل الفداء حلاً نافياً لجميع الحرج: {فإن خفتم} أي أيها المتوسطون بينهما من الحكام وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما {ألا يقيما حدود الله} وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام، وتعظيم كبير لهذه لأحكام، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة والالتزام، وذلك لأن كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره، والشرع كله مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليهما} وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه

{فيما افتدت به} أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائناً ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من الرجعة، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا بإذنها. ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد فيها حدوداً تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية الصوم فقال: {تلك} أي الأحكام

العظيمة التي تولى الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها {حدود الله} أي شرائع الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي. ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله: {فلا تعتدوها} أي لا تتكلفوا مجاوزتها، وفيه أيضاً إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد. ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن تعدى شيئاً منها فقد ظلم: {ومن يتعد} أي يتجاوز {حدود الله} أي المحيط بصفات الكمال التي بينها

وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي: ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله: {فأولئك} أي المستحقون للابعاد {هم الظالمون *} أي العريقون في الظلم بوضع الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام. قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله سبحانه وتعالى، وحد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحد العالم؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما جاء من الله فهو الحق، وما جاء مني فهو السنة، وما جاء من أصحابي فهو السعة» فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب، فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله - انتهى. ولما بين قسمي الطلاق البائن - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد

من نظره إلى العوض قدم قسمه في قوله {أو تسريح بإحسان} ثم فرع عليه فقال موحداً لئلا يفهم الحكم على الجمع أن الجمع قيد في الحكم وأفهم التكرير للجمع شدة الذم لما كانوا يفعلون في الجاهلية من غير هذه الأحكام:

230

{فإن طلقها} أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه قال: فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي أو بعد الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين أن تكون بعد تزوج المرأة بزوج آخر أو لا. قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في

موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثاً لا تعود أبداً فلهذا العود بعد زوج صار السراح طلاقاً - انتهى. {فلا تحل له} ولما كان إسقاط الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في بعض ذلك الزمن يحل قال: {من بعد} أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار، وتمتد الحرمة {حتى} أي إلى أن {تنكح} أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الفارسي: إذا قال العرب: نكح فلان فلانة، أرادوا عقد عليها؛ وإذا قالوا:

نكح امرأته أو زوجته، أرادوا جامعها؛ وقال الإمام: إن هذا الذي قاله أبو علي جار على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل على ذلك بقياس رتبة، فالآية دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون الجماع كما بينته السنة وإلا كانت السنة ناسخة، لأن غاية الحرمة في الآية العقد وفي الخبر الوطء وخبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأشار بقوله: {زوجاً} إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون حلالاً في عقد صحيح {غيره} أي المطلق، وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثاً لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين

لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جداً ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها {فإن طلقها} أي الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللاً في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى. {فلا جناح عليهما} أي على المرأة ومطلقها الأول {أن يتراجعا} بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: {والمطلقات يتربصن} وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح {إن ظنا} أي وقع في ظن كل منهما {أن يقيما حدود الله} أي الذي له الكمال كله التي

حدها لهما في العشرة. قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحاً جعل تجديد النكاح مراجعة كل ذلك إيذاناً بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى. ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيماً للحدود قوله: {وتلك} أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم {حدود الله} أي العظيمة بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم {يبينها} أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب {لقوم} فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية {يعلمون *} أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم {أن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} [الأنفال: 29] {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] . ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض

صور المضارة ترهيباً منها فليست الآية مكررة فقال: {وإذا طلقتم النساء} أي طلاقاً رجعياً والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل: نساءكم، لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكماً مغائراً لهذا في بلوغ الأجل مثلاً ونحوه. ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلاً أن لما بعد الأجل حكماً غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبساً وكان التعبير به مفيداً أقصى ما يمكن به المضارة فقال: {فبلغن أجلهن} أي شارفن انقضاء العدة، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد

الأجل. وقال الحرالي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل، والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى {فأمسكوهن} أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر لحظة من العدة {بمعروف} أي بحال حسنة تحمد عاقبتها، ونكره إشعاراً بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة {أو سرحوهن بمعروف} بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء.

وقال الحرالي: هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى. ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماماً به معبراً بما يتناول جميع الأوقات فقال: {ولا تمسكوهن} أي بالمراجعة في آخر العدة {ضراراً} كما كان في الجاهلية {لتعتدوا} أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر. ولما كان التقدير: فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله: {ومن يفعل ذلك} أي الفعل البعيد عن الخير، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله {فقد ظلم نفسه} أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه. ولما كان قد لا يقصد شيئاً من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدماً على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاوناً بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهاً بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر: هو لاعب، قال: {ولا تتخذوا آيات الله} أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة

ناصبها {هزواً} بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها. ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال: {واذكروا نعمة الله} أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال: {عليكم} هل ترون فيها شيئاً من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة {وما} أي وخصوا بالذكر الذي {أنزل عليكم من الكتاب} الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء {والحكمة} التي بثها فيه وفي سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حال كونه {يعظكم} أي يذكر بما يرقق قلوبكم {به} أي بذلك كله {واتقوا الله} أي بالغوا في الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار

ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره بقوله: {واعلموا} وبتكرير الاسم الأعظم في قوله: {أن الله} فلم يبق وراء ذلك مرمى {بكل شيء} أي من أمور النكاح وغيرها {عليم *} أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. قال الحرالي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى. ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجاً نهياً لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم فقال: {وإذا طلقتم} أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال: {النساء} أيّ طلاق كان {فبلغن أجلهن} أي

انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل {فلا تعضلوهن} أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجاً كنتم أو غير أزواج، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى.

{أن ينكحن أزواجهن} أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجاً لمآل أمرهم إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجاً بما كان؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك {طلقتم} يفهم الأزواج من {تعضلوهن}

و {تعضلوهن} يفهم الأولياء من {طلقتم} وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك {إذا تراضوا} أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال: أزواجاً لهن مثلاً. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله: {بينهم} ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله: {بالمعروف} فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى. ولما ذكر الأحكام مبيناً لحكمها فكان {ذلك} وعظاً وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال: ذلك الأمر العظيم يا أيها الرسول {يوعظ} أي يرقق {به} قلوب {من كان} والوعظ قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم الأكثر. ولما كان من أتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جاهد نفسه حتى صار أهلاً لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع

لحظه بقوله: {منكم} معلماً أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: {يؤمن بالله} أي لما له من العظمة {واليوم الآخر} خوفاً من الفضيحة فيه، وفي تسميته وعظاً إفهام بأن من تجاوز حداً في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حداً. قال الحرالي: لأن من فعل شيئاً فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجاً، ومن زنى زنى به {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] . فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلاً عليهم: {ذلكم} أي الأمر العظيم الشأن {أزكى لكم} أي أشد تنمية

وتكثيراً وتنقية وتطهيراً بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله سبحانه وتعالى {وأطهر} للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهراً ومعيداً للاسم الأعظم تعظيماً للأمر: {والله} أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم {يعلم} أي له هذا الوصف {وأنتم لا تعلمون*} أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام.

ولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسّطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب واهتماماً بشأنه وحثاً على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر، وكذا الأب فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره مثلاً: فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولاً تفهم من بصره الله كثيراً من الفروع، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن. وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الاشتجار بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع

نظم به عطفاً أيضاً على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفاً أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبداً مشعراً بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم؛ انتهى - فقال تعالى: {والوالدات} أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهاً على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال: {يرضعن أولادهن} قال الحرالي: جعل تعالى

الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دماً كما يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث؛ وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى. ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال: {حولين} والحول تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة

الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازاً فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعاً لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاماً بالوقت المقيد للتحريم كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنما الرضاعة من المجاعة» بقوله: {كاملين} ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: {لمن} أي هذا الحكم لمن {أراد أن يتم

الرضاعة} فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام. وقال الحرالي: وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} [الأحقاف: 15] فإذا كان الحمل تسعاً كان الرضاع أحداً وعشرين شهراً، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثاً وثلاثين شهراً فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى. ولما أوهم أن ذلك يكون مجاناً نفاه بقوله: {وعلى} ولما كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال: {المولود له} أي على فراشه {رزقهن} أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن

متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال: {وكسوتهن} أجرة لهن. قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى. ولما كان الحال مختلفاً في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال: {بالمعروف} أي - من حال كل منهما. قال الحرالي: فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي منَّ علينا سبحانه وتعالى بها فقال: {لا تكلف} قال الحرالي: من التكليف وهو أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه {نفس} أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء {إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل،

كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى بمنة وكمال قوة. ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال: {لا تضآر والدة بولدها} أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الخير وهو آكد، وفتح الباقون على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل والمفعول {ولا مولود له

بولده} أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملاً للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافاً له عليه وتحريكاً لطبعه إلى مزيد نفعه. قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى. ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال: {وعلى الوارث} أي

وارث الوالد وهو الرضيع {مثل ذلك} أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن مات والده والوارث. قال الحرالي: المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام فقال مسبباً عما أفهمته العبارة: {فإن أرادا} أي الوالدان {فصالاً} أي فطاماً قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي: وهو من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم فلذا عبر به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال: {عن تراض منهما}

ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله: {وتشاور} أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به. قال الحرالي: فأفصح بإشعار ما في قوله: {أن يتم} وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون برياً من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي، قال عليه الصلاة والسلام «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار» والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى. {فلا جناح عليهما} فيما نقصاه عن

الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قلّ ما يخطىء. قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد. ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلاً على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال: {وإن أردتم} أي أيّها الرجال {أن تسترضعوا} أي أن تطلبوا من يرضع {أولادكم} من غير الأمهات {فلا جناح} أي ميل بإثم {عليكم إذا سلمتم} أي إلى المراضع {ما آتيتم} أي ما جعلتم لهن من العطاء {بالمعروف} موفراً طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع

فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير. ولما كان التقدير: فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين، عطف عليه قوله: {واتقوا الله} أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم سطواته بقوله منبهاً على عظم هذه الأحكام {واعلموا} وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال: {أن الله} أي المحيط بصفات الكمال تعظيماً للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} [البقرة: 215] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام {بما تعملون} أي من سر وعلن. ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير

منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: {بصير *} أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك.

234

ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة لذلك وتتميماً لأنواع العدد فقال. وقال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأساً لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما- انتهى. فقال: {والذين} أي وأزواج الذين {يتوفون منكم} أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي أعارهم إياها. قال الحرالي: من الوفاة وهو استخلاص الحق

من حيث وضع، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفياً تفعلاً من الوفاء وهو أداء الحق {ويذرون} من الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه {أزواجاً} بعدهم. ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظاً لقلوب الأقارب واحتياطاً للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتمّ فقال: {يتربصن} أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبراً بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاوياً على البعد عنها: {بأنفسهن} فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك السنّة {أربعة أشهر وعشراً}

إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل {فإذا بلغن أجلهن} ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله: {فلا جناح

عليكم} أي يا أهل الدين {فيما} ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال: {فعلن في أنفسهن} أي من النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد، ولا يحمل هذا على المباشرة ليكون دليلاً على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية {ولا تعضلوهن} المتأيدة بالسنّة. ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال: {بالمعروف} لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة، فإن فعلن ما ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل؛ وأجمع الفقهاء غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني، ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد. ولما كان التقدير: فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف

عليه قوله محذراً من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق غيرهم: {والله} أي الذي له صفات الكمال {بما تعملون} من سر وعلانية. ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف باطناً ختم بقوله {خبير *} أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره. ولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض بالخطبة ليس داخلاً في المنع فقال: {ولا جناح عليكم} أي إثم يميل {فيما عرضتم به} أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة، وأنا عازم على أن أتزوج، وعسى أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي: من التعريض وهو تفعيل من

العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضاً أي ناحية على غير قصد إليه وصمد نحوه - انتهى. والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن، كقول المحتاج: جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم، ويسمى التلويح أيضاً، والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق {من خطبة} وهي الخطاب في قصد التزوج. وقال الحرالي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم {النساء} المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها.

ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه الحرج فيه بقوله {أو أكننتم} أي أضمرتم {في أنفسكم} من تصريح وغيره سواء كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء. ولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل: {علم الله} أي بما له من صفات الكمال {أنكم ستذكرونهن} أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم. قال الحرالي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص

بهذه الأمة انتهى. ولما كان التقدير: فاذكروهن، استثنى منه قوله: {ولكن لا تواعدوهن} أي في ذكركم إياهن {سراً} ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال: {إلا أن تقولوا} أي في الذكر لهن {قولاً معروفاً} لا يستحيي منه عند أحد من الناس، فآل الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض؛ فنصت هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماماً به لما للنفس من الداعية إليه. ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديداً وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملاً على التحري ومنعاً من التجري فقال: {ولا تعزموا} أي تبتّوا أي تفعلوا فعلاً بتاً مقطوعاً به غير متردد فيه

{عقدة النكاح} أي النكاح الذي يصير معقوداً للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط «على» وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال: ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته، وهو أبلغ مما لو قيل: ولا تعقدوا النكاح، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى. قال الحرالي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها

وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز {حتى يبلغ الكتاب} أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق، أو ما كتب وفرض من العدة {أجله} أي أخر مدته التي ضربها للعدة. ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلاً غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى: {واعلموا} أي أيها الراغبون في شيء من ذلك {أن الله} وله جميع الكمال {يعلم ما في أنفسكم} كله {فاحذروه} ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة. ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال: {واعلموا أن الله} أي كما اقتضى جلاله العقوبة

اقتضى جماله العفو فهو لذلك {غفور} أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا {حليم *} لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة لا يطاق، ويجوز أن يكون التقدير: ولا تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم، لأن الماء يكون فيه أربعين يوماً نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح فتلك أربعة أشهر، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى «باثنين وأربعين يوماً» وفي رواية: «خمس وأربعين» وفي رواية: «بضع وأربعين» فإذا حمل البضع على ست وزيد

ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة أشهر وعشراً؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل: إنه يقل صبر النساء بعد ذلك، واقتصر في الاستبراء على قرء وهو أقل دال على براءة الرحم لأن السيد يكون مخالطاً للأمة غالباً فيشق الصبر، وثلثت عدة الحرة جرياً على سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة الإسراع من المخالطة، ولأن أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى، وكانت عدة الأمة من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي للقصر وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان التصنيف - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام الأصدقة، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق

والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان الصداق معلوماً عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال: هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب؟ فقيل: {لا جناح عليكم} أي لا تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة، وأصل الجناح الميل من الثقل {إن طلقتم النساء} أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن {ما لم تمسوهن} أي تجامعوهن. من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي {أو تفرضوا لهن فريضة} أي تسموا لهن مهراً معلوماً. أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. وإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس. قال الحرالي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق

لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به أن الصداق ليس ركناً فيه وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضاً ما فرفع عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه جناح الفرض وجبر موضع الفرض بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى. ولما كان التقدير: وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم عطف عليه قوله: {ومتعوهن} أي جبراً لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب حال المطلقين، والمطلقة من غير مس ولا فرض تستحقه للمتعة بالإجماع - نقله الأصبهاني. و {على الموسع} منهم أي الذي له في حاله سعة. وقال الحرالي: هو من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من

الكفاية {قدره} من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حساً أو معنى {وعلى المقتر} أي الذي في حاله ضيق. قال الحرالي: هو من الإقتار وهو النقص من القدر الكافي - انتهى {قدره} أي ما يقدر عليه ويطيقه، وقراءة فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل بتحمل شيء ما فوق القدرة {متاعاً} أي تمتيعاً {بالمعروف} وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة {حقاً على المحسنين *} أي الذين صار الإحسان لهم وصفاً لازماً، والإحسان غاية رتب الدين كأنه كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى. فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد، وإنما كانت إحساناً لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلماً أو ذا مودة

{لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} [الطلاق: 1] انتهى. ولا شك في أن هذا إحسان. ولما نفي الجناح بانتفاء المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما فقط فذكر الحكم عند انتفاء المسيس وحده صريحاً في ضد المفوضة السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض وحده تلويحاً فقال: {وإن طلقتموهن} أي الزوجات {من قبل أن تمسوهن} أي تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا {وقد} أي والحال أنكم {فرضتم} أي سميتم {لهن فريضة} أي مهراً مقدراً {فنصف} أي فالمأخوذ نصف {ما فرضتم} أي سميتم لهن من الصداق لا غير. ولما أوجب لها ذلك بعثها على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء بالتعبير بالعفو فقال: {إلا أن يعفون} أي النساء فإن النون ضميرهن والواو لام الفعل فلا يؤخذ منكم شيء {أو يعفوا الذي

بيده} أي إليه ولكن لما كان أغلب الأعمال باليد أسندت كلها إليها فصارت كناية عن القدرة {عقدة النكاح} وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها فيسمح لها بالجميع كان التعبير بهذا هزاً للزوج إلى العفو في نظير ما جعل إليه من هذا دونها. قال الحرالي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} خطاباً للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات خص هذا بالأولياء فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية بوجه ما من نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من خطابات السعة بالإيهام - انتهى. وجعل الإمام هذا مفهوماً من التعبير بالعقدة لأنها تدل على المفعول كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد وهو المصدر كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد {وأن تعفوا} أيها الرجال والنساء {أقرب} أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء. ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون

إلى فقال: {للتقوى} أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئاً ولا حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر المرأة ورضاها، ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن لم يفضل. ولما كان العفو فضلاً من العافي وإحساناً لها منه وكانوا إنما يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله: {ولا تنسوا} أي تتركوا ترك المنسي، والتعبير بالنسيان آكد في النهي {الفضل} أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا مفضلاً عليكم، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وزاده تأكيداً بقوله: {بينكم} أي حال كونه واقعاً فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجاً عنكم، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء، فما أمركم به إلا لنفعكم خاصة، لئلا يتأذى الزوج

ببذل لم ينتفع في مقابله من المرأة بشيء، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطاباً للقبيلين. وخصه الحرالي بالرجال فقال: فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله: {أو آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} [آل عمران: 20] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى.

ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {بما تعملون} أي وإن دق {بصير *} وأفهم ذلك: وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض فجميع مهر المثل.

238

ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد أن يضيع في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة الميل بالعشق والنفرة بالبغض الحامل على الإحن والشغل بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها نطاق الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال أن يقال: يا رب! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له شاغل عن كل مهم فهل بقي له سعة لعبادتك؟ فقيل: {حافظوا} بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة أي ليسابق بعضكم بعضاً في ذلك ويجوز أن يكون ذلك

بالنسبة إلى العبد وربه فيكون المعنى: احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته عليكم فلا يفعل فيها فعل الناسي فيترك تشريفكم بها، وأخصر منه أن يقال: لما ذكر سبحانه وتعالى ما بين العباد خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال: - وقال الحرالي: لما كان ما أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور: إقامة أمر الدين الذي هو ما بين العبد وربه، وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد، وإصلاح حال الآخرة والمعاد الذي هو موضع قرار العبد، صار ما يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا غلساً نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك مطلع نجوم خطابات الدين أثناء خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب الأمر نجماً خلال خطابات الحرام والحلال في أمر الدنيا؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على الصلاة لأن هذا الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس وتشاح في الأموال إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة بركة في الرزق وسلاح على الأعداء وكراهة الشيطان؛ فهي دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس وتقبل

الوسواس ويطرقها الشح، فكان في إفهام نجم هذا الخطاب أثناء هذه الأحكام الأمر بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن الارتباك في جملة هذه الأحكام - انتهى. فقال تعالى: {حافظوا} قال الحرالي: من المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علماً وهيئة ووقتاً وإقامة بجميع ما يحصل به أصله ويتم به عمله

وينتهي إليه كماله، وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال: {على الصلوات} فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها، أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف التلف، فإن في المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار الأرزاق وإذلال الأعداء {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه: 132] و {استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 193] «كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه، ويزيده وضوحاً اكتناف آيتي الوفاة لهذه الآية سابقاً ولاحقاً. وقال الحرالي: إن الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا، خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال دينه، وملاك دينه وأساسه إيمانه وصلاته، فمن حافظ على الصلوات أصلح الله حال دنياه وأخراه، وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملاً إسلامياً وخشوعاً وإخباتاً إيمانياً ورؤية وشهوداً إحسانياً فبذلك تتم المحافظة عليها، وأول ذلك

الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة، كما في مسح الأذنين مع الرأس، لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة؛ ثم التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء والتراب، فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثاً بغير طهارة؛ ثم حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها؛ وإنطاق كل ركن عملي بذكر الله يختص به أدنى ما يكون ثلاثاً فليس في الصلاة عمل لا نطق له؛ ولا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه؛ فبالنقص من تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها مشاق الدنيا، وما من عامل يعمل عملاً في وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالاً عليه وعلى من ينتفع به من عمله، وكان ما يأخذه من أجر فيه

شقى خبث لا يثمر له عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا آجلته، وخصوصاً بعد أن أمهل الله الخلق من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان والصلاة وما نقص عمل من صلاة، فبذلك كانت المحافظة على الصلوات ملاكاً لصلاح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع أحوالهم - انتهى. {والصلاة الوسطى} أي خصوصاً فإنها أفضل الصلوات لأنها أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى بيانه في أول السورة في قوله: {استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 193] فخصها سبحانه وتعالى بمزيد تأكيد وأخفاها لأداء ذلك إلى المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة القدر في رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، والاسم الأعظم في جميع الأسماء، ووقت الموت حملاً على التوبة في كل لحظة. وقال الحرالي: وما من جملة إلا ولها زهرة فكان في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة وخيارها وسطاها فلذلك خصص تعالى خيار الصلوات بالذكر، وذكرها بالوصف إبهاماً ليشمل الوسطى الخاصة بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم، ولينتظم

الوسطى العامة لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح، ولذلك اتسع لموضع أخذها بالوصف مجال العلماء فيها ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ذكرها حتى تتأكد المحافظة في الجميع بوجه ما، وفي قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها: وصلاة العصر - عطفاً ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه بعض العلماء، وفيه مساغ لمرجعه على {الصلاة الوسطى} بنفسها ليكون عطف أوصاف، وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفاً من حيث إن العصر خلاصة الزمان كما أن عصارات الأشياء خلاصاتها {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} [يوسف: 49] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل، ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي مشغلتهم بحاجة الغذاء؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال: فلان كريم وشجاع - إذا تم فيه الوصفان، فإذا نقصا عن التمام قيل: كريم شجاع - بالاتباع، فبذلك يقبل معنى هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر عطفاً لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى. ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى قولهم في الرمان المز: حلو حامض - من غير عطف،

وبرهانه أنهم قالوا: إن الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذناً بتمام الاتصال بينها فتكون الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما قاله البيانيون في باب الفصل والوصل، ولولا إشعار الكلام الأول بالجملة الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان ذلك يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام: وأما أسماء الله تعالى فتتابعها دون عطف، لأن شيئاً منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم الذات العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله: {له الأسماء الحسنى} [الحشر: 24] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه مدلول الاسم العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا، ومهما اطلعت على وصف حسن يليق به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم، لأن من يستحق العبادة لا يكون إلا كذلك جامعاً لأوصاف الكمال، أو لأنه لما جبلت النفوس وطبعت القلوب على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف بأوصاف الكمال كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى دعا إليه كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وأنا لا أشك أن المعطل إذا وقع في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق

قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع إليه في إزالته لما ركز في جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلاً عما تكسبه من قُرناه السوء من سوء الاعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ فدونك قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما وجدتها وضربت بفكري في رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد فراغي من تفسيري رأيت الكشاف أشار إليها في آية «والمستغفرين بالأسحار» في آل عمران - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال: {وقوموا لله} أي الذي له الجلال والإكرام {قانتين *} أي مطيعين - قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس. وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل حرف ذكر من القنوت في القرآن فهو الطاعة» وقيل: القنوت السكوت، ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله

تعالى عنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في حاجته حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» وقال مجاهد: خاشعين، وقيل غير ذلك؛ وإذا علم أصل معنى هذه الكلمة لغة علم أن المراد: مخلصين، وإليه يرجع جميع ما قالوه، وذلك أن مادة قنت بأي ترتيب كان تدور على الضمور من القتين للقليل اللحم والطعم، وقتن المسك إذا يبس، فيلزمه الاجتذاب والخلوص، فإنه لولا تجاذب الأجزاء لزوال ما بينها من المانع لم يضمر، ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولوداً كأنها تجتذب المني كله فتظفر بما يكون منه الولد، أو أنه لما كان المقصود الأعظم من الجماع الولد كانت كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم، أو كأنها تجتذب الولد من رحمها فتخرجه، وذلك من نتق السقاء وهو نفضه، حتى يقتلع ما فيه فيخلص، ومن

ذلك: البيت المعمور نتاق الكعبة، أي مطل عليها من فوق فلو أنه جاذب شيئاً من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها، ومن الضمور: التقن - لرسابة الماء؛ وهو الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيىء لاجتذاب العكولة؛ ويلزم الضمور الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع، ومنه: أمر متقن، أي محكم، و: رجل تقن - إذا كان حاذقاً بالأشياء، فهو خالص الرأي؛ ويلزمه الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي الطاعة بالدعاء وغيره فإنها جمع الهم على المطاع {أمَّن هو قانت آناء الليل} [الزمر: 9] ونحو ذلك، والتقن أيضاً الطبيعة فإنها سر الشيء وخالصه، ومنه الفصاحة من: تقن فلان، أي طبعه؛ ويلزم الضمور القيام فإنه ضمور بالنسبة إلى بقية الهيئات؛ ومنه: أفضل الصلاة طول القنوت. والسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه التقن للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق؛ والقلة ومنه: قراد قتين، أي قليل الدم، فيأتي أيضاً السكوت والإحكام؛ وإذا راجعت معاني هذه المادة وهي قنت وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا، وإذا علم ذلك علم

أن الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم، وذلك أن الصلاة إذا أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها وذلك محض الطاعة والخشوع. وقال الحرالي: القنوت الثبات على أمر الخير وفعله، وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام عسير عليهم، وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا يقع التفات للخلق، فلذلك لزم الصمت عن الخلق من معناه، لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة، ففي إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتاً في صلاته أقام الله سبحانه وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله، كما يشير إليه معنى آية {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك} [طه: 32] ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة في الرزق - انتهى. وحديث زيد هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن على الحدود التي صارت إليها آخراً؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحاً فيها كما كان الكلام، ويؤيده أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي نص بالمنع، وبهذا يزول ما في حديث ذي اليدين من الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل للمصلي إذا ظن

أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه فيها، «لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية المسجد فاتكأ عليها وخرج سرعان الناس، فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل الناس فصدقوه، فرجع فأكمل الصلاة» فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان قبل تحريم الأفعال والأقوال بهذه الآية. ويؤيد احتمال إباحة الأفعال أولاً اتباع الآية بقوله تعالى: {فإن خفتم} أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه {كتب عليكم} أو نحو ذلك من عدو أو سبع أو غريم يجوز الهرب منه أو غير ذلك {فرجالاً} أي قائمين على الأرجل، وهو جمع راجل من حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة. قال البغوي: أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم {أو ركباناً} أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن. وقال الحرالي: ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة

بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ولا يفقده حال، وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا في إقبال القلب بالكلية على الرب، فما اتسع له الحال ما وراء ذلك فعل وإلا اكتفى بحقيقتها، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة، وفيها على حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع

معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة، وقد وضح باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها، فقد صح فيها عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع عشرة صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان - انتهى. وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كيفية في صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي {فإذا أمنتم} أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم. ولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيراً إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبهاً بالاسم الأعظم على ما يؤكد الحضور في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكراً {فاذكروا الله} أي الذي له الأمر كله. قال البغوي: أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها. وقال الحرالي: أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه

إنما هو الذكر الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى: فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى الشافعي رضي الله تعالى عنه وصرحه في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نسلم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة» وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة وهو كذلك، لكن عاصم له أوهام في الحديث وإن كان حجة في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية. والبقرة مدنية كما في الصحيح في فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه في النكاح وغيره أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنى بها وهي بنت تسع سنين وأقامت عنده تسعاً، فيكون ذلك في السنة الثانية من الهجرة. وقال

الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة في باب وجه آخر من الناسخ والمنسوخ: أخبرنا محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «حُبسنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً} [الأحزاب: 25] قال: فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلالاً فأمره فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر كذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضاً؛ وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} [البقرة: 239] » وقد روى الشيخان أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ: كنا نسلم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إن في الصلاة شغلاً» لكنه ليس صريحاً في تحريم الكلام فيعود الاحتمال السابق، فإن كان الواقع أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي القول به أنه لا فرق بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما على حد سواء، كما صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي

ونقل عن اختيار الشيخ محيي الدين النواوي في كتابه التحقيق وتبعه عليه السبكي وغيره من المتأخرين، وكلام الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على من نسبه إلى أنه خالف في التفريع على الحديث المذكور: فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من فرعه حرفاً واحداً - هذا نصه في كتاب الرسالة. ولما أمر سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله: {كما علمكم} أي لأجل إنعامه عليكم بأن خلق فيكم العلم المنقذ من الجهل، فتكون الكاف للتعليل وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - والله سبحانه وتعالى أعلم {ما لم تكونوا تعلمون *} بما آتاكم على لسان هذا النبي الكريم من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار من الأصول ودقائق العلوم كلها. وقال الحرالي: من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء

والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في القلب من التعظيم والحرمة، وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة هذه الأمة - انتهى. ولما كان ذكر أحكام عشرة النساء على هذا الوجه مظنة سؤال سائل كما تقدم يقول: قد استغرق الاشتغال بهن الزمان وأضر بالفراغ للعبادة وكان هذا السؤال إيماء إلى الاستئذان في الرهبانية والاختصاء الذي سأل فيه من سأل كما سيبين إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة في قوله: {ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] وكان الإعراض عن جواب السائل بالأمر بالمحافظة على الصلاة ربما أشعر بالإقرار على مضمون السؤال والإذن في الترهّب بقرينة الإعراض عن السؤال وربما كان مشيراً إلى النهي عن الترهب بقرينة السكوت على ما تقدم من الأمر بعشرتهن من غير نهي عنه عقب الأمر بذلك ببعض آيات النساء تأكيداً لما أفهمته تلك الإشارة أي اتركوا الترهب وكونوا رجالاً في الاقتداء بنبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

في القيام بحقوق الله وحقوق نفسه وغيره من سائر العباد وجعل ما تعقب آية الصلاة من تعلق النكاح آيتين فقط أولاهما في حكم من أحكام الموت وهي منسوخة كما قال الأكثر ليست من دعائم أحكام هذا الباب إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الإقبال على العبادة أكثر وأن يكون الاشتغال بأمر النساء والأولاد إنما هو على وجه التزود للموت وما بعده فقال تعالى: {والذين} وقال الحرالي: لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الأزواج في الطلاق والوفاة وحكم الفرض والمتعة في المطلقات قبل الدخول ختم هذه الأحكام المؤكدة بالفرض والأمر بما هو من نحوها فنظم بالمتعة من النفقة والكسوة والإخدام وما في معناه المتعة بالسكنى للمتوفى عنها زوجها إلى حد ما كانت العدة في الجاهلية ليكون للخير والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما أيما عقد وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة - انتهى. فقال تعالى: {يتوفون منكم} أي يقاربون أن يستوفي أرواحهم من أعارها أبدانهم فيخلصها منها كاملة لا يغادر منها شيئاً ولا يأخذ شيئاً من الجسم معها مع ما بينهما من كمال الامتزاج الذي لا يقدر معه على تمييز أحدهما عن الآخر إلا هو سبحانه وتعالى {ويذرون أزواجاً} بعد موتهم، فليوصوا {وصية} ومن رفع فالتقدير عندهم: فعليهم

وصية، ويجوز أن تحمل الوفاة على حقيقتها ويكون التقدير: وصية من الله لأزواجهم، أو يوصيكم الله وصية {لأزواجهم} بالسكنى في بيوتهم {متاعاً} لهن {إلى} رأس {الحول} من حين الوفاة. قال الحرالي: وهو غاية العمر وجامع لجملة الفصول التي بوفائها تظهر أحوال الصبر عن الشيء والحرص عليه وإنما الحول الثاني استدراك - انتهى. {غير إخراج} أي غير مصاحب ذلك المتاع بنوع إخراج أو غير ذوي إخراج. قال الحرالي: لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضاً وباقي الحول متاعاً لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية من نفقة وكسوة وإخدام وسكنى، ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت عليه مع زوجها إشعاراً ببقاء العصمة وإلاحة من الله تعالى بحسن صبر المرأة المتوفى عنها زوجها على زوجها، لا تتزوج عليه غيره حتى تلقاه فتكون معه على النكاح السابق ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم أزواج نبيهم بعده اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجاً بحالهن، فيكون ذلك لمن يستشرف من خواص أمته إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه لأن الرجال مما يستحسنون ذلك لأزواجهم، فمن أشد

ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج زوجه من بعده لأنها بذلك كأنها هي المطلقة له، ولذلك ورد أن المرأة إنما تكون لآخر زوج. لأنها تركت الزوج ولم يتركها هو، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا وسفعاء الخدين حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا - أو: بانوا - كهاتين في الجنة» كأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكد ذلك المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية لأنه أثبت عهد معه - انتهى. روى البخاري في التفسير عن مجاهد {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} [البقرة: 234] قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله عزّ وجلّ: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] قال: جعل الله سبحانه وتعالى لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله سبحانه وتعالى: {غير إخراج} فالعدة كما هي واجب عليها. ولما كان هذا المتاع الواجب من جهة الزوج جائزاً من جهة المرأة نبه عليه بقوله {فإن خرجن} أي من أنفسهن من غير مزعج

ولا مخرج {فلا جناح عليكم} يا أهل الدين الذين يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {فيما فعلن في أنفسهن} من النكاح ومقدماته. ولما كانت لهن في الجاهلية أحوال منكرة في الشرع قيده بقوله: {من معروف} أي عندكم يا أهل الإسلام. ولما كان في هذا حكمان حكم من جهة الرجال فضل وآخر من جهة النساء عفو فكان التقدير: فالله غفور حليم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا كفوء له {عزيز حكيم *} وفي ضمنه كما قال الحرالي تهديد شديد للأولياء إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ألزم الله، ففي إلاحته أن من أضاع ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه وزوجه ومخلفيه من بعده ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء وفاقاً وحكماً قصاصاً، وهذه

الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ وإنما هي مما لحقها نسيان أوقعه الله تعالى على الخلق حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد إلا أحداً لم يذكر به ولم يشتهر منه فهي مما أنسى فران عليه النسيان لأمر شاءه الله سبحانه وتعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وقد ورد «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنفذ لامرأة من تركة زوجها نفقة سنة» وذلك والله سبحانه وتعالى أعلم قبل نزول آية الفرائض حين كانت الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف - انتهى. وبما قال الحرالي من أنها غير منسوخة قال مجاهد كما تقدم في رواية البخاري عنه أن الزوجة إن اختارت هذا فعدتها الحول وإلا فعدتها الآية الأولى، ونقله الشمس الأصفهاني عنه في تفسيره، ونقل عن بلديه أبي مسلم قريباً منه فإنه قال بعد أن نقل عنه أنها غير منسوخة: ليس

التقدير ما يفيد الوجوب على الزوج مثل: فليوصوا بل التقدير: وقد وصوا، أو: ولهم وصية. وحسن تعقيب آية المحافظة على الصلاة بعدة الوفاة كون الخوف المذكور فيها من أسباب القتل، ولعل إثباتها في التلاوة مع كونها منسوخة الحكم على ما قال الجمهور تذكيراً للنساء بما كان عدة لهن في أول الأمر لئلا يستطلن العدة الثابتة بأربعة أشهر وعشر فينتهكن شيئاً من حرماتها، كما أشار إليه ما في الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها «» أن امرأة استأذنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تكحل ابنتها لوجع أصابها، فأبى وقال: «قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» «.

241

ولما ذكر سبحانه وتعالى متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيداً للحكم بالتكرير وتعميماً بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى: {وللمطلقات} أي أيّ المدخول بهن بأي طلاق كان {متاع} أي من جهة الزوج يجبر ما حصل لها من الكسر {بالمعروف} أي من حالهما {حقاً على المتقين *} قال الحرالي:

حيث كان الذي قبل الدخول حقاً على المحسنين كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. وفيه إشارة إلى أن الطلاق كالموت لانقطاع حبل الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث. ولما بيّن سبحانه وتعالى هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلاً قال: هل يبين غيرها مثلها؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء {لكم آياته} أي المرئية بما يفصل لكم في آياته المسموعة {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا على حال يرجى لكم معها

التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيراً وفصلت به الآيات تفصيلاً وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله، وإنما كرر تنبيهاً على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئاً من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتاً لقواهم وبعيداً من قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم. ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة

الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلاً على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات: {ألم تر} وقال الحرالي: لما كان أمر الدين مقاماً بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافياً، ولما كان حظيرة الدين

إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصاً أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت وقائعهم مثلاً لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عياناً وبما ينزله من خبرهم بياناً وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة} [البقرة: 211] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه {ألم تر} إقبالاً على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعموم المعاني ما قيل فيه {ألم تروا} [لقمان: 20] إقبالاً على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه الآيات من قوله: {ألم تر}

ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى. ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال: {إلى الذين خرجوا} أي ممن تقدمكم من الأمم {من ديارهم} التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت {وهم ألوف} أي كثيرة جداً تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير. قال الحرالي: فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه

وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدعاء «إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة» انتهى. {حذر الموت} فراراً من طاعون وقع في مدينتهم أو فراراً من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظناً منهم أن الفرار ينجيهم. ودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسبباً عن خروجهم على هذا الوجه: {فقال لهم الله} أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله {موتوا} أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلاماً بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به من مرضاة مولاه. قال الحرالي: في إشعاره

إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم يقل: فأماتهم الله، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها، ففيه إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة بالقول إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة أشلائه أشد إتياناً على الميت من التي لا تأتي على أعضائه «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين» فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت {وإن إلى ربك المنتهى} [النجم: 42] ، فبذلك يعلم ذو الفهم أن

ذلك توطئة لقوله: {ثم أحياهم} وفي كلمة {ثم} إمهال إلى ما شاء الله - انتهى. وجعل سبحانه وتعالى ذلك تقريراً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في الحالتين وإما تنبيهاً على أنه في القطع بإخبار الله تعالى له على حالة هي كالرؤية لغيره تدريباً لأمته؛ ولعل في الآية حضاً على التفضل بالمراجعة من الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن الخارجين من ديارهم لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل: لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن فرارهم ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ففي قبضته وطوع

مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من القتال، أو يقال: ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فراراً من إرثها وقد يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضراراً بما يمنع حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى أنكم إذا عقلتم لم تمنعوا أحداً من فضل الله الذي آتاكم علماً منكم بأنه تعالى قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي يخلقها أو يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ويضعفه بعد قواه، فإنه لا ينفع من قدره حذر، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل وإن كثر العدد وجل المدد، {ألم تر} إلى أن قال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام {لذو فضل} {على الناس} أي عامة فليذكر كل واحد ما له عليه من الفضل،

وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك أقرب إلى الشكر وأبعد عن الكفر، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته حذراً من إماتة ماله بأخذ ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح حذراً من موت مقيد بكونها في عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذراً من موت مطلق، ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم والإيمان حذراً من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى

قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] {لعلكم تتقون} [البقرة: 21] {لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [البقرة: 219، 220] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا: أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا؟ فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد، فقالوا: فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه

لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكّرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطباً لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد هم - كما يقال: الكلام لك واسمعي يا جارة - {ألم تر} ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علماً هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته بإلى في قوله: {إلى الذين خرجوا} وقال: {فقال لهم الله} أي الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره {موتوا ثم أحياهم} بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلاً منه، فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهاراً لشرف نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال {لذو فضل} أي عظيم {على الناس} أي

كافة مطيعهم وعاصيهم. قال الحرالي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى. كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهوراً طويلة وكما تفضل عليكم أيها العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا {ولكن أكثر الناس} كرر الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم {لا يشكرون *} وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجرّ لمنكر ذلك إلى الحق من حيث

لا يشعر. قال الحرالي: والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسراً فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكراً، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمناً وصلاحاً، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفوراً، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكوراً، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. قال بعض التابعين رضي الله تعالى عنهم: لقد رأينا أقواماً يعنون من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم؛ وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى. وما أحسن

الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم؛ قال أهل التفسير: إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام؛ وقال البغوي: إنه ثالث خلفائهم، والذي رأيته في سفر الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسلام لتجديد أمر التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبياً أولهم يوشع بن نون وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل خامس عشرهم عليه الصلاة والسلام. قال في الإصحاح الحادي والعشرين من نبوته: وكانت

على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز عليها وأدور حولها، فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي: يا ابن الإنسان! هل تعيش هذه العظام؟ فقلت: أنت تعلم يا رب الأرباب! قال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام البالية! اسمعوا كلام الله أن هكذا يقول رب الأرباب لهذه العظام: إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا الرب، آتي بالعصب والجلد واللحم أنبته، وأرد فيكم الأرواح فتحيون، فلما تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة، واقتربت العظام كل عظم إلى مفصله، ورأيت قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم روح، وقال الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، تنبأ أيها الإنسان وقل للروح: هكذا يقول رب الأرباب: تعالوا أيها الأرواح، وأنفخ في هؤلاء القتلى فيعيشوا، فتنبأت كالذي أمرني الرب، فدخلت فيهم الروح

وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جداً، وقال لي الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، فمن أجل هذا تنبأ وقل: هكذا يقول رب الأرباب: هو ذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - انتهى. ولما بيّن سبحانه وتعالى أن الموت لا يصون منه فرار أمر بالجهاد الذي هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج إلى الأمر به وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن التقدير: فلا تفروا من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء {وقاتلوا} وعبر بفي الظرفية إشارة إلى وجوب كونهم

في القتال وإن اشتدت الأحوال مظروفين للدين مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ما فيصدقون في الإقدام على من لج في الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا منه الإذعان ونحو ذلك من مراعاة شرائع الإيمان، وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر الدين ووضوحه فلا عذر في الخروج عن شيء منه بحال فقال: {في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له كما كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال. ولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله: {واعلموا} منبهاً لهم لأن يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم {أن الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط {سميع} لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال {عليم *} بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولاً وعملاً ونية، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء {ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49] .

ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ تشويقاً مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره: {من ذا الذي} منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال {يقرض الله} الذي تفرد بالعظمة، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال: {قرضاً} وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب، ولأن أجره أكثر من أجر

الصدقة {حسناً} أي جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال. وقال الحرالي: القرض الجزّ من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة، والقرض بين الناس قرضاً بقرض مثلاً بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة والربا ازدياد، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى. ولما كانت الأنفس مجبولة على الشحّ بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله مسبباً عن ذلك: {فيضاعفه} قال الحرالي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله: {له} أي في الدنيا والآخرة.

قال الحرالي: هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسراً من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسراً من وزنه، «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة، وقال: خير الناس أحسنهم قضاء» فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه الكثرة؛ وفي قوله: {أضعافاً} ما يفيد أن الحسنة بعشر، وفي قوله: {كثيرة} ما يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] ، فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261]- انتهى. ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال: {والله} أي المحيط علماً وقدرة

{يقبض} أي له هذه الصفة وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت أمواله. قال الحرالي: والقبض إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به {ويبصط} أي لمن يشاء وإن ضاقت حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية {وإليه ترجعون *} حساً بالبعث ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما يعلم من نياتكم. ولما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن في مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه من الأذى والغي والعمى عجب من حال بني إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم لم ينصفوا إذ أمروا تحذيراً من مثل حالهم، وتصويراً لعجيب قدرته على نقض العزائم وتقليب القلوب، وإعلاماً بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية، ودليلاً على ختام الآية التي قبلها فقال مقبلاً على أعلى الخلق إشارة إلى أن للنفوس من دقائق الوساوس ما لا يفهمه

إلا البصراء: {ألم تر} قال الحرالي: أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب وهما طرفا انحراف في الأنفس، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها كما قال سبحانه وتعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] وقال عليه الصلاة والسلام: «والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا» فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز هؤلاء حين تولوا إلا قليلاً فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثاً عن الماضين وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، إياك

أعني واسمعي يا جارة! فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطاباً لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى. ويجوز أن يكون الخطاب لكل من ألقى السمع وهو شهيد. ولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال {إلى الملإ} أي الأشراف، قال الحرالي: الذين يملؤون العيون بهجة والقلوب هيبة - انتهى. ولما كان ذلك من أولاد الصلحاء أشنع قال: {من بني إسراءيل} ولما كان ممن تقرر له الدين واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفحش قال {من بعد موسى} أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة وأبقى فيهم كتاباً عجباً ما بعد القرآن من الكتب السماوية مثله. قال الحرالي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما يصحبها من نوره زمن وجوده

معهم، قالوا: ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أنكرنا قلوبنا - انتهى. {إذ قالوا} ولما كان الإخلاف مع الأكابر لا سيما مع الأنبياء أفظع قال: {لنبي لهم} ونكره لعدم مقتض لتعريفه. قال الحرالي: لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى عليه الصلاة والسلام، ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى لتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعده انتهى. ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون به إلا لإنالة الملك وكان القتال لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به واحدة قالوا: {ابعث لنا} أي خاصة {ملكاً} أي يقيم لنا أمر الحرب {نقاتل} أي عن أمره {في سبيل الله} أي الملك الأعلى.

قال الحرالي في إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها

إليه فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهدّ {قال} أي ذلك النبي {هل} كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام اكتفي بمعناها عن الهمزة - انتهى. {عسيتم} أي قاربتم ولما كانت العناية بتأديب السائلين في هذا المهم أكثر قدم قوله: {إن كتب} أي فرض - كذا قالوا، والأحسن عندي كما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة براءة أن يكون المعنى: هل تخافون من أنفسكم، ولما كان القصد التنبيه على سؤال العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر المقام بأن الأمر إذا وجب لم تبق فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى وصلتها قوله: {عليكم القتال} فرضاً لازماً، وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل عن مخالفة يتوقع تقصيرهم بها {ألا تقاتلوا} فيوقعكم ذلك في العصيان، قال الحرالي: بكسر سين عسى وفتحها لغتان، عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف المعاني من أوساط الصيغ وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر حيث

كان مبنى عن باد عن ضعف وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى. فكأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه وبعضهم يتركه عن قوة ولذلك نفى الفعل ولم يقل: أن تعجزوا. قال الحرالي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع وعدم سرعة التنبه - انتهى. ولما كان مضمون هذا الاستفهام: إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا الله عن جوابهم بقوله: {قالوا} أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف على غير مذكور أن التقدير: ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على أنفسنا بل نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال! عطف عليهم قولهم: {وما} أي وأي شيء {لنا} في {ألا نقاتل} ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه أنهض قالوا:

{في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إلهاباً وتهييجاً {وقد} أي والحال أنا قد {أخرجنا} أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا، وبناه للمجهول لأن موجب الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد بعينه {من ديارنا} التي هي لأبداننا كأبداننا لأرواحنا. ولما كان في {أخرجنا} معنى أبعدنا عطف عليه {وأبنائنا} فخلطوا بذلك ما لله بما لغيره وهو أغنى الشركاء لا يقبل إلا خالصاً. قال الحرالي: فأنبأ سبحانه وتعالى أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى. ولما كان إخلاف الوعد مع قرب العهد أشنع قال: {فلما} بالفاء المؤذنة بالتعقيب {كتب عليهم} أي خاصة {القتال} أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن كنتم تمنونه إذ كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين

قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77] ، {تولوا} فبادروا الإدبار بعد شدة ذلك الإقبال {إلا قليلاً منهم} أي فقاتلوا والله عليم بهم {والله} أي الذي له الإحاطة بكل كمال {عليم} بالمتولين، هكذا كان الأصل ولكنه قال: {بالظالمين *} معلماً بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية، ثم لما أجيبوا إلى ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ينبغي الكف فعصوا الله الذي أوجبه عليهم، فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة العصيان وخزي النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان. ولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فقال لهم

نبيّهم: ألم أقل لكم: لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمتى برز يجب، عطف عليه قوله: {وقال لهم} أي خاصة لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال: {نبيهم} أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك مؤكداً معظماً محققاً بأداة التوقع لأن سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع الإجابة {إن الله} أي بجلاله وعزّ كماله {قد} ولما كان إلباس الشخص عزّ الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال: {بعث لكم} أي خاصة

لأجل سؤالكم {طالوت} اسم ملك من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك فيهم {ملكاً} تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره. قال الحرالي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل

بيت الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكاً فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - انتهى. ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على أمر الملك الديان الذي أورده لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال من الجلال والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد اعتراضهم في جواب من كأنه قال: ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا؟ فقال: {قالوآ} أي هم لا غيرهم {أنى} أي من أين وكيف {يكون له} أي خاصة {الملك علينا ونحن} أي والحال أنا نحن {أحق بالملك منه} لأن فينا من هو من سبط الملوك دونه. قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد

وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: {أنا خير منه} [ص: 76] انتهى. {ولم} أي والحال أنه لم {يؤت سعة من المال} أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت المملكة، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى. ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله: {قال} أي النبي لا غيره مؤكداً لأجل إنكارهم معظماً عليهم الحق

بإعادة الاسم الأعظم {إن الله} أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح {اصطفاه} قال الحرالي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى. ولما كان ذلك مضمناً معنى ملكه قال في تعديته {عليكم} ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما اقتضى ذلك فقال: {وزاده} أي عليكم {بسطة في العلم} الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر، وهو يدل على اشتراط العلم في الملك، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها، وأن الملك ليس بالإرث {والجسم} الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران. ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال: والله} أي اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره {يؤتي ملكه} أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء {من يشاء}

كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون {والله} الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه {واسع} أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه {عليم *} أي بالغ العلم، فما اختاره فهو المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء.

248

ولما كان أغلبهم واقفاً مع المشاهدات غير ثابت القدم في الإيمان بالغيب قال: {وقال لهم نبيهم} مثبتاً لأمر طالوت {إن آية} أي علامة {ملكه} قال الحرالي: وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة

إلا كان إيمانه إن آمن غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة، ومن كان إيمانه باستبصار ثبت عليه ولم يحتج إلى آية، فإن كانت الآية كانت له نعمة ولم تكن عليه فتنة {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاّ أن كذب بها الأولون - وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفاً} [الإسراء: 59] فإن الآيات طليعة المؤاخذة والاقتناع بالاعتبار طليعة القبول والثبات - انتهى. {أن يأتيكم} أي من غير آت به ترونه {التابوت} قال الحرالي: ويعز قدره - انتهى. وهو والله سبحانه وتعالى أعلم الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات التي نسبتها من التوراة نسبة فاتحة الكتاب من القرآن وهو يسمى تابوت الشهادة كما تقدم ذكره في وصف قبة الزمان فيما مضى أول قصة بني إسرائيل وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم موظفون لحمله

ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا من نفائسهم وكأن عهدهم به كأن قد طال فذكّرهم بماثره ترغيباً فيه وحملاً على الانقياد لطالوت فقال: {فيه سكينة} أي شيء يوجب السكون والثبات في مواطن الخوف. وقال الحرالي: معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم الملكوت صورة بحسب حال المثبت، ويقال: كانت سكينة بني إسرائيل صورة هرّ من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد ملفق منه أعضاء تلك الصورة تخرج منه ريح هفّافة تكون علم النصر لهم - انتهى. وزاده مدحاً بقوله: {من ربّكم} أي الذي

طال إحسانه إليكم وتربيته باللطف لكم. وقال الحرالي وغيره: إنه كان في التابوت صورة يأتي منها عند النصر ريح تسمع. قال الحرالي: كما كانت الصبا تهب لهذه الأمة بالنصر، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نصرت بالصبا» فكانت سكينتها كلية آفاقها وتابوتها كلية سمائها حتى لا تحتاج إلى محمل يحملها ولا عدة تعدها لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها - انتهى. ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائه قال: {وبقية} قال الحرالي: فضلة جملة ذهب جلها {مما ترك} من الترك وهو أن لا يعرض للأمر حساً أو معنى {آل موسى وهارون} أي وهي لوحا العهد. قال الحرالي: وفي إشعار تثنية

ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بوصف دون هارون عليه السلام بما كان فيه من الشدة في أمر الله وباختصاص هارون عليه الصلاة والسلام بما كان فيه من اللين والاحتمال حيث لم يكن آل موسى وهارون، لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله. وقال: الآل أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة تجلو الأشياء فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى. ثم صرح بما أفهمه إسناد

الإتيان إليه فقال: {تحمله} من الحمل وهو ما استقل به الناقل {الملائكة} وما هذا بأغرب من قصة سفينة رضي الله تعالى عنه قال: «خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم فثقل عليهم متاعهم فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابسط كساءك، فبسطته فجعلوا فيه متاعهم فحملوه علي فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احمل فإنما أنت سفينة! قال: فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل عليّ» وأما مقاتلة الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في غزوة بدر فأمر شهير، كان الصحابي يكون قاصداً الكافر ليقاتله فإذا رأسه قد سقط من قبل أن يصل إليه، ولما كان هذا أمراً باهراً قال منبهاً على عظمته: {إن في ذلك} أي الأمر

العظيم الشأن {لآية} أي باهرة {لكم إن كنتم مؤمنين *} فإن المواعظ لا تنفع غيرهم. قال الحرالي: ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار صار حالهم في صورة الضعف الذي يقال فيه: إن كان كذا، فكان في إشعاره خللهم وفتنتهم إلا قليلاً - انتهى. وفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر وتدريب لمن كتب عليهم القتال وهو كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة واضحة إلى خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بما دل عليه من أمر استخلافه في الإمامة في الصلاة التي هي خلاصة هذا الدين كما أن ما في تابوت الشهادة كان خلاصة ذلك الدين، وتحذير لمن لعله يخالف فيها أو يقول إنه ليس من بني هاشم ولا عبد مناف الذين هم بيت الإمامة والرئاسة ونحو ذلك مما حمى الله المؤمنين منه، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يأبى الله ذلك والمؤمنون» وفي توجيه الخطاب إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعلام بأن أول مقصود به الأقرب منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالأقرب، وفيها تشجيع للصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما بعده إلى غير ذلك من الإشارات التي تقصر عنها العبارات - والله سبحانه وتعالى الموفق.

ولما كان التقدير: فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن، عطف عليه قوله: {فلما فصل} من الفصل وهو انقطاع بعض من كل، وأصله: فصل نفسه أو جنده - أو نحو ذلك، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به فصار يستعمل استعمال اللازم {طالوت} أي الذي ملكوه {بالجنود} أي التي اختارها وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع القهر. قال الحرالي: وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع {قال} أي ملكهم {إن الله} أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته {مبتليكم بنهر} من الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل

شيء، فضربه مثلاً للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز. قال الحرالي: فأظهر الله على لسانه ما أنبأ به نبيّهم في قوله {وزاده بسطة في العلم} [البقرة: 247]- انتهى. {فمن شرب منه} أي ملأ بطنه {فليس مني} أي كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون {ومن لم يطعمه فإنه مني} كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه

الدرجة العلية التي قد قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنياً من {فمن شرب} : {إلا من اغترف} أي تكلف الغرف {غرفة بيده} ففي قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير، وفي الضم إعلام بملئها، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد، والغرفة الفعلة الواحدة منه، وبالضم اسم ما حوته الغرفة، فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ومنهم من لم يستوف - قاله الحرالي وقال: فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف: من لم يطعمه البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله، ومن شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا. ولما كان قصص بني إسرائيل مثالاً لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم، فمن أصاب من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره. فما كان في بني إسرائيل

عياناً يكون وقوعه في هذه الأمة استبصاراً سترة لها وفضيحة لأولئك، ومن لم يصب منها شيئاً بتاً كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت المثبت، قيل لعلي رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! ما بال فرسك لم يكب بك قط؟ قال: ما وطئت به زرع مسلم قط. ومن أصاب ما له فيه ضرورة من منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع، فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول باليد، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما تنصرون بضعفائكم» وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين، قال: وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى لأنها اليد الخاصة

للتعريف، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين لاشتمال اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى. فعرض لهم النهر كما أخبرهم به {فشربوا منه} مجاوزين حد الاقتصاد {إلاّ قليلاً منهم} فأطاعوا فأرواهم الله وقوى قلوبهم، ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء النهر. قال الحرالي: وفيما يذكر أنه قرىء بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين بالاتباع كأن الكلام

مبني عليه حيث صار تابعاً وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ما بني على إخراج اتبع وما لم يبن على إخراجه وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضار الكلام الأول قطع ونصب - انتهى. وكان المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ وهذه القراءة عزاها الأهوازي في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما، وعقد سيبويه رحمه الله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع مثل هذا باباً ترجمه بقوله: باب ما يكون فيه إلاّ وما بعده وصفاً بمنزلة غير ومثل، ودل عليه بأبيات

كثيرة منها: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان قال كأنه قال: وكل أخ غر الفرقدين، وسوى بين هذا وبين آية {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] بالرفع {وغير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] ، وجوز في ما قام القوم إلا زبد، - بالرفع البدل والصفة، قال الرضي تمسكاً بقوله: وكل أخ - البيت، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم» وقال السمين: والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها المعارف والنكرات والظاهر والمضمر، وقال بعضهم: لا يوصف بها إلا النكرة والمعرفة بلام الجنس فإنه في قوة النكرة. ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم الخطر المزلزل للقلوب حثاً على سؤال العافية وتعريفاً بعظيم رتبتها كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم من عظيم الأذى ما مسه: إن لم يكن بك عليَّ غضب

فلا أبالي ولكن هي أوسع لي! فقال سبحانه وتعالى: {فلما جاوزه} أي النهر من غير شرب، من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى {هو والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان وجاوزوا {معه} وتراءت الفئتان {قالوا} أي معظمهم. قال الحرالي: رد الضمير مرداً عاماً إيذاناً بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه - انتهى. {لا طاقة} مما منه الطوق وهو ما استقل به الفاعل ولم يعجزه {لنا اليوم} أي على ما نحن فيه من الحال {بجالوت وجنوده} لما هم فيه من القوة والكثرة. قال الحرالي: ففيه من نحو قولهم {ولم يؤت سعة من المال} اعتماداً على أن النصر بعدة مال أو قوة، وليس إلا بنصر الله، ثم قال: فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي كما يأتي في {ربنا أفرغ} بما تولى الله من أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو

قوله {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} [الأنفال: 11]- الآيات، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عياناً فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه - انتهى. ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي أن يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال: {قال الذين يظنون} أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر {أنهم ملاقوا الله} أي الذي له الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذاً لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء؛ ويجوز أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة الحسنة {كم من فئة قليلة} كما كان في هذه الأمة في يوم

بدر {غلبت فئة كثيرة} ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين الذي لا كفوء له، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر عن ذكره ويرضى بقضائه. ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله: {والله} أي الملك الأعظم {مع الصابرين *} ولا يخذل من كان معه. ثم بين أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفاً على ما تقديره: فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال بين يديه: {ولما برزوا} وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة، والبروز هو الخروج عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما يتوارى فيه عن عين الناظر {لجالوت} اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان بالشام في زمن

بني إسرائيل {وجنوده} على ما هم عليه من القوة والكثرة والجرأة بالتعود بالنصر {قالوا ربنا أفرغ} من الإفراغ وهو السكب المفيض على كلية المسكوب عليه {علينا صبراً} حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل هذا الموطن {وثبت} من التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع الذي شأنه الاستزلال {أقدامنا} جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ويعتمده، أي بتقوية قلوبنا حتى لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا بقولهم {وانصرنا على القوم الكافرين*} موضع قولهم: عليهم، إلى أنهم إنما يقاتلونهم لتضييعهم حقه سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان من معظمهم أول ما سألوا وإلى أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم سبحانه وتعالى، ثم رتب على ذلك النتيجة حثاً على الاقتداء بهم لنيل

ما نالوا فقال عاطفاً على ما تقديره: فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم: {فهزموهم} مما منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي، وقال: ولم يكن فهزمهم الله، كما لهذه الأمة في {ولكن الله قتلهم} [الأنفال: 17] انتهى. {بإذن الله} أي الذي له الأمر كله. ثم بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله سبحانه وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي فقال: {وقتل داود} وكان في جيش طالوت {جالوت} قال الحرالي: مناظرة قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] وكان فضل الله عليك عظيماً - انتهى. وفي الزبور في المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره: صغيراً كنت في إخوتي، حدثاً في بيت

أبي، راعياً غنمه، يداي صنعتا الأرغن، وأصابعي عملت القيثار، من الآن اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر بهم الرب، خرجت ملتقياً الفلسطيني الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني إسرائيل. {وآتاه الله} بجلاله وعظمته {الملك} قال الحرالي: كان داود عليه الصلاة والسلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور الآية على يديه بقتل جالوت، قال تعالى: {والحكمة} تخليصاً للملك مما يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى. فكان داود عليه الصلاة والسلام أول من جمع له بين الملك والنبوة {وعلمه} أي زيادة مما يحتاجان إليه {مما يشاء} من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك.

ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - بانياً له على ما تقديره: فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به -: {ولولا دفع الله} المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته {الناس} وقرىء: دفاع. قال الحرالي: فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء

بغلبة وقهر عن وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته، وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ. ولما أثبت سبحانه وتعالى أن الفعل له خلقاً وإيجاداً بيّن أنه لعباده كسباً ومباشرة فقال: {بعضهم ببعض} فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى القياس، وتارة ينصر ضعيفهم - كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ بهيبة بعضهم لبعض قائماً {لفسدت الأرض} بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد {ولكن الله} تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي بعض الظالمين بعضاً وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبّره وقانون أحكمه في الأزل يكون سبباً لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام

ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو {ذو فضل} عظيم جداً {على العالمين *} أي كلهم أولاً بالإيجاد وثانياً بالدفاع فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ عليهم غير ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة، ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابياً ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجاً مما نالني من طلب الحجاج واستخفائي منه: صبر النفس عند كل ملمّ ... إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن في الأمور فقد ... يكشف لأواؤها بغير احتيال ربما تجزع النفوس من ... الأمر له فرجة كحل العقال قد يصاب الجبان في آخر ... الصفّ وينجو مقارع الأبطال فقلت ما وراءك يا أعربي؟ فقال: مات الحجاج، فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله: له فرجة! لأني كنت أطلب شاهداً لاختياري

القراءة في سورة البقرة {إلا من اغترف غرفة} [البقرة: 249]- انتهى. ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة لما في أوائل السورة في قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] إلى آخر تلك الآيات من دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصتهم أولها وآخرها مع ما في أثنائها جرياً على الآسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ومجادلة الفضلاء، فكان خلاصة ذلك كأنه قيل: {ألم} تنبيهاً للنفوس بما استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال {اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم، وتختم قصصهم بقوله: {ربنا إننا سمعنا

منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم} [آل عمران: 193] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]- إلى آخرها، ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما فيها لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام فتشجع الإنسان، فإذا تورّط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو كما أدبهم به نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا يحصون كثرة سألوا نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث ملك للجهاد، فلما بعث فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا بالاعتراض، ثم لما استقر الحال بعد نصب الأدلة وإظهار الآيات ندبهم، فانتدب جيش لا يحصى كثرة، فشرط عليهم الشاب الفارغ بناء دار وبناء بامرأة، فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفاً؛ ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم دون الدون من السائلين في بعث الملك، فكان الخالصون معه، كما قال بعض الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة: ألم تعلم بأني صيرفيّ ... أحك الأصدقاء على محك

فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوزه بشك وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي وهذا سر قول الصادق عليه الصلاة والسلام «أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء، ولا يزال يصفها بالعجز وإن ادعت خلاف ذلك، ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يسأله العفو والعافية. ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء من الغايات، وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله، وتضاءل نوافذ الأفهام عن الإتيان بشيء من مثاله، نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: {تلك} أي الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم، وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم؛ والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة القاهرة {آيات الله} أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته، ولما كانت الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال

لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر والتعالي فقال: {نتلوها} أي ننزلها شيئاً في إثر شيء بما لنا من العظمة {عليك} تثبيتاً لدعائم الكتاب الذي هو الهدى، وتشييداً لقواعده {بالحق} قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد: الحق الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع. وفي الصدق من جانب الحكم؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع. ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه - انتهى. فمعنى الآية على هذا: إنا عالمون بالواقع من هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص، فتلك العبارة ثابتة ثبات الواقع لا يتمكن منصف عالم من إنكارها ولا إنكار شيء منها، كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه، ويكون الخبر عنها صدقاً لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص؛ والحاصل أن الحق يعتبر من جانب المخبر، فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقاً، وأن الصدق يعتبر من جانب السامع، فإنه

ينظر إلى الخبر، فإن وجده مطابقاً للواقع قال: هذا صدق، وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه الآية وقوله سبحانه وتعالى {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] وقوله {قال فالحق والحق أقول} [ص: 84] {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} [الصافات: 37] و {هو الحق مصدقاً لما بين يديه} [فاطر: 31] ، وكذا {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الحجر: 85] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه، وهذ الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئاً وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار: أو بسبب الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه، وقوله {وآتيناك بالحق وإنا لصادقون} [الحجر: 64] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت، لأن مضمونه إذا وقع فنسبتَه إلى الخبر

علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه على ما هو به فنحن صادقون فيه، أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقاً له فعلمت صدقنا فيه؛ والذي لا يدع في ذلك لبساً قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة والسلام {قد جعلها ربي حقاً} [يوسف: 100] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها، وأما صدقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما أخبر به وذلك موجود من حين إخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن خبره كان حين إخباره به مطابقاً للواقع، وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها؛ فإن قيل: تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر به، فهب أنّا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته، قيل إنها وإن كان لا بد فيها من مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب، بخلاف باب التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك، وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق، والواقع

طالب لخبر يطابقه ليعرف على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقاً. وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع، فإذا كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه، إذا كان مبدأ الطلب من الخبر سمي باسمه الحقيق به، ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما ثبت أن التلاوة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق قال تعالى: {وإنك} أي والحال أنك {لمن المرسلين *} بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من غير معلم من البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر.

253

ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله: {تلك الرسل} بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم وعلو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى

وتقابله في التطرق، قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته، ثم قال: ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعاً في محل إعلاء في آية الأنعام قيل: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره - انتهى. ثم أتبع هذه الإشارة حالاً منها أو استئنافاً قوله: {فضلنا بعضهم على بعض} أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة.

ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبيناً لما أجمل من ذلك التفضيل بادئاً بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتاً القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام {منهم من كلم الله} أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام {ورفع بعضهم} وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على غيره، ومن

فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولاً، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريراً فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم، وأسقط الفوقية هنا إكراماً للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معيناً

بعض ما اقتضاه التفضيل: {درجات} أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة، من غير تبديل ولا تحريف، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع، وبكونه رحمة العالمين، وأمته خير أمة أخرجت للناس، وكونه خاتماً للنبيين الذين أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، فلا نبي بعده ينسخ شريعته، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مقرراً لشريعته مجدداً لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك، فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن

إبهامه في الظهور والجلاء كذكره، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه. ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة تهديداً لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر: {وءاتينا} بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك {عيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال: {ابن مريم} أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكرٍ أصلاً {البينات} من إحياء الموتى وغيره. قال الحرالي: والبينة ما ظهر

برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه {وأيدناه} أي بعظمتنا البالغة {بروح القدس} في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى: {فأرسلنا إليها روحنا} [مريم: 17] كذلك كان فعله مع تأييده؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته قال متى: أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح! لا يصلح لشيء لكن يطرح خارجاً وتدوسه الناس. وقال لوقا: جيد هو الملح فإن

فسد بماذا يملح! لا يصلح للأرض ولا المزبلة لكن خارجاً، من كان له أذنان سامعتان فليسمع. وقال متى: أنتم نور العالم، لا تستطيع مدينة تخفي وهي موضوعة على رأس جبل، ولا يوقد سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة ويضيء لكل من في البيت، هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، لا تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو الأنبياء، لم آت لأخل بل لأكمل الحق، أقول لكم إن السماء والأرض تزولان، وخطة واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون هذا كله؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيراً، والذي يعمل ويعلم هذا يدعى عظيماً في ملكوت السماء؛ ثم قال: وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين، لأنهم يحبون القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق، أقول لكم: لقد أخذوا أجرهم، وإذا صليت فادخل

إلى مخدعك وأغلق بابك عليك، وصل لأبيك سراً وأبوك يرى السر فيعطيك علانية، وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين، لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة كلامهم، فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه، وهكذا تصلون أنتم: أبانا الذي في السماوات! قدوس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا في اليوم، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير، لأن لك المجد والقوة إلى الأبد - آمين. وقال مرقس: وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما أبوكم الذي في السماوات يترك لكم هفواتكم. وقال متى: فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم لم يغفر لكم خطاياكم. وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب! علمنا نصلي كما علم

يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات! يتقدس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون إرادتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير؛ ثم قال لهم: من منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل فيقول له: يا صديقي! هبني ثلاث خبزات فإن صديقاً لي جاء إلي من طريق وليس لي ما أقدم إليه، فيجيبه ذلك من داخل ويقول: لا تتعبني قد أغلقت بابي، وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك، أقول لكم: إن لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه، وأنا أيضاً أقول لكم: سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، كل من سأل أعطي، ومن طلب وجد، ومن يقرع يفتح له. وقال متى: وإذا صمتم فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم، الحق أقول لكم، لقد أخذوا أجرهم، وأنت إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك. وقال لوقا: من منكم له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت: اصعد

واجلس، أو ليس يقول له: أعد لي ما آكله وشد حقويك، واخدمني حتى آكل وأشرب، ومن بعد ذلك تأكل وتشرب أنت، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر به! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا: إنا عبيد بطالون، إنما عملنا ما يجب علينا؛ وقال أيضاً: فقال له واحد من الجمع: يا معلم! قل لأخي: يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان! من أقامني عليكم حاكماً أو مقسماً! وقال لهم: انظروا وتحفظوا من كل الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله، وقال لهم مثلاً: إنسان غني أخصبت له كورة ففكر وقال: ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع غلاتي، أهدم أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي: يا نفس! لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكلي واشربي وافرحي، فقال له الله سبحانه وتعالى: يا جاهل! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن يكون هكذا، من يدخر ذخائر وليس هو غنياً بالله. وقال متى: لا تكنزوا لكم كنوزاً في الأرض حيث

الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون يتحيلون فيسرقون، اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون فيسرقون. وقال لوقا: بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنوزاً في السماوات لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس. وقال متى: لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم، سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام ما هو! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، فلهذا أقول لكم: لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، ألبس النفس؛ وقال قوقا: لأن النفس أفضل من المآكل، والجسد من اللباس، انظروا إلى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السمائي يقوتها،

أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها؛ وقال لوقا فيكم: أنتم أفضل من الطيور، من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحداً! فلماذا تهتمون باللباس! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب؛ وقال لوقا: تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى. أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها، فإذا كان زهر الحقل يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا: ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس؟ هذا كله يطلبه الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه، اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله تزادونه، لا تهتموا بالغد، فالغد يهتم بشأنه، ويكفي كل يوم شره؛ وقال لوقا: تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة، كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له، طوبى لأولئك

العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك، فطوبى لأولئك العبيد! ثم قال: فقال له بطرس: يا رب! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فقال: من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه: إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين، فأما العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيراً، والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيراً، لأن من أعطى كثيراً يطلب كثيراً والذي استودع كثيراً يطلب بكثير؛ وقال في موضع آخر: الأمين في القليل يكون أميناً في الكثير، والظالم في القليل ظالم في لكثير، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم! جئت لألقي ناراً في الأرض وما أريد إلا

اضطرامها، ولي صبغة أصطبغها، وأنا مُجدّ لتكمل، هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض! أقول لكم: يكون افتراق من الآن، يكون خمسة في بيت، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثةً، يخالف الأب ابنه، والابن أباه، والأم ابنتها، والابنة أمها، والحمأة كنتها، والكنة حمأتها. وقال متى: لا تدينوا لئلا تدانوا، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم. وقال لوقا: لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم، اغفروا يغفر لكم، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم، هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى! أليس يقعان كلاهما في حفرة! وقال متى: لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك، وكيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك. وفي عينك خشبة يا مرائي! أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج القذى من عين أخيك، لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تلقوا جواهركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم،

سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يطلب يجد، ومن سأل يعط ومن يقرع يفتح له، أيّ إنسان منكم يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً! أو يسأله سمكة فيعطيه حية! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن يسأله! وكل ما تريدون أن يفعل الناس افعلوه أنتم بهم؛ فهذا هو الناموس والأنبياء. قال لوقا: وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد؛ وقال أيضاً وقال لهم مثلاً: لكي يصلوا كل حين ولا يملوا؛ قال: كان قاض في مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك المدينة أرملة وكانت تأتي إليه وتقول: أنصفني من خصمي، ولم يكن يشاء إلى زمان، وبعد ذلك قال في نفسه: إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا أستحيي من الناس لكن من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إليّ في كل حين لتتعبني! قال الرب سبحانه وتعالى: اسمعوا ما قال قاضي الظلم،

أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل! نعم أقول لكم إنه ينتقم لهم سريعاً. وقال متى: ادخلوا من الباب الضيق، فإن المسلك واسع، والطريق المؤدية إلى الهلاك رحبة، والداخلين فيها كثيرهم، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي إلى الحياة! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة، ومن ثمارهم فاعرفوهم، هل يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين! هكذا كل شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة، والشجرة الرديئة تخرج ثمرة شريرة، لا تقدر شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة، ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة. وقال لوقا: وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين، ولا يقطف من العليق عنب، الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات، والشرير من ذخائره الشريرة يخرج الشر، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم.

وقال متى: وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار، فمن ثمارهم تعرفونهم، ليس كل من يقول: يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السماوات، لكن الذي يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم: يا رب! يا رب! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات كثيرة! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم. وقال لوقا: فقال له واحد: يا رب! قليل هم الذين ينجون! فقال: احرصوا على الدخول من الباب الضيق، فإني أقول لكم إن كثيراً يريدون الدخول منه فلا يستطيعون، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجاً ويقرعون الباب ويقولون: يا رب! يا رب! افتح لنا، فيجيب: لا أعرفكم، من أين أنتم؟ فيقولون: أكلنا قدامك وشربنا، فيقول: ما أعرفكم، من أين أنتم؟ تباعدوا عني بأعمال الظلم، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. قال متى: كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً بنى بيته على الصخرة. وقال لوقا: بنى بيتاً وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه ثابت على الصخرة، وكل من يسمع كلماتي هذه

ولا يعمل بها يشبه رجلاً جاهلاً بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً. وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كُتابهم. وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته. وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذباً. ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً وأنزل معهم كتباً، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاماً بأنه الفاعل المختار فكان التقدير: ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في الفضيلة، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات، وعطف عليه قوله تسلية لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لافتاً القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف

مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال والجمال {ولو شاء الله} أي الذي له جميع الأمر. قال الحرالي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى. {ما اقتتل} أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس {الذين من بعدهم} لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال الحرالي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى {من بعد ما جآءتهم البينات} أي على أيدي رسلهم. قال الحرالي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى. {ولكن اختلفوا} لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى {فمنهم} أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم {من آمن} أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب {ومنهم من كفر} ضلالاً عنها أو عناداً. ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين

من الخلق إليهم استقلالاً قال تعالى معلماً أن الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك معيداً ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال: {ولو شاء الله} الذي لا كفوء له {ما اقتتلوا} بعد اختلافهم بالإيمان والكفر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام {ولكن الله} أي بجلاله وعزّ كماله شاء اقتتالهم فإنه {يفعل ما يريد *} فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة. ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم

بالإيمان {أنفقوا} تصديقاً لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال: {مما} أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثاً على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحاً بحال من أبطأ عنه فقال: {رزقناكم}

بما لنا من العظمة، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لكونه مأموراً به، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال: {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه {لا بيع فيه} موجود {ولا خلة} قال الحرالي: هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى. {ولا شفاعة} والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال، ولا يراعى لصداقة من مساوٍ ولا شفاعة من كبير، لعدم إرادة الله

سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى {إن تبدوا الصدقات} [البقرة: 271] وغيرها وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] إلى قوله {المفلحون} [البقرة: 5] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاماً معنوياً برأس {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1 2] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد. فكان أوله حمداً وآخره حمداً ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال «حمدني عبدي، أثنى عليّ عبدي» فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى. ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم

بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر: {والكافرون} أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير: فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون، والكافرون {هم} المختصون بأنهم {الظالمون *} أي الكاملون في الظلم لا غيرهم، ومن المعلوم أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها، ومن كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائماً على شفا جرف هار، ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيراً من آياته بقوله {وما للظالمين من أنصار} [البقرة: 270] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة.

255

ولما أبتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها

في النفوس لا سيما عند العرب، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه

قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته: {الله} أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال

منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال: {لا إله إلا هو} مقرراً لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم. وقال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد

والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه {الله} وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. ولما وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال:

{الحي} أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر {القيوم} أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة. قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى. ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: {لا تأخذه سنة} قال الحرالي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب {ولا نوم} وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه

في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: {له} أي بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السماوات} الذي من جملته الأرض {وما في الأرض} أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه. قال الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته سلباً لقيام ما سواه - انتهى. ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به {من ذا الذي يشفع} أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره {عنده إلا بإذنه} أي بتمكينه لأن

من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر «شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلى الحي القيوم» انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله: {يعلم ما بين أيديهم} أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه {وما خلفهم} وهو ما لم ينله علمهم، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما

أفاض عليهم بحلمه فقال: {ولا يحيطون بشيء} أي قليل ولا كثير {من علمه إلا بما شاء} فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده. ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: {وسع كرسيه} ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة

والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء: كرسي، ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض

التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته، فكان الوجود مثنياً كما كان القرآن مثاني إجمالاً وتفصيلاً في القرآن ومداداً وصوراً في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه، وجعل وسع الكرسي وسعاً واحداً حيث قال: {السماوات والأرض} ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى. فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: {ولا يؤوده} أي يثقله. قال الحرالي: من الأود أي

بلوغ المجهود ذوداً، ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله {حفظهما} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى. ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله: {وهو} أي مع ذلك كله المتفرد بأنه {العلي} أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته {العظيم *} كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك

العقول، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم {الله} إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحاً لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار {وله المثل الأعلى} [الروم: 27] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الكبرياء ردائي» لأن الرداء هو ما على الظاهر «والعظمة إزاري» والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي

ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18]- انتهى. وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله: وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه، وبهذه الأسرار اتضح قول

السيد المختار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن هذه الآية سيدة آي القرآن» وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال، ونفي النقص وإثبات الكمال، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم، وقد احتوت على الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحاً، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة، وعلى السمع والبصر من لازم {له ما في السماوات وما في الأرض} ومن لازم {الحي} لأن المراد الحياة الكاملة؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولاً في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخراً، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم

كان مقداره خمسين ألف سنة، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال: {لا إكراه في الدين} وقال الحرالي: لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها.

فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلواً، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى. ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله: {قد تبين الرشد} قال الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم {من الغي} وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى. أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره،

لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية {فمن} أي فكان ذلك سبباً لأنه من {يكفر بالطاغوت} وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. {ويؤمن بالله} أي الملك الأعلى ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن {فقد استمسك} على بصيرة منه {بالعروة الوثقى} أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه {ومن يسلم وجهه إلى الله} [الحج: 31] ، والعروة ما تشد به العياب ونحوها

بتداخلها بعضها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه، ثم بين وثاقتها بقوله: {لا انفصام لها} أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب. قال ابن القطاع: فصمت الشيء صدعته، والعقدة حللتها، والشيء عنه ذهب. وقال الحرالي: من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ويجل اغتباطه به، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر، فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة. ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما: {والله} الذي له صفات

الكمال {سميع} أي لما يقال مما يدل على الإيمان {عليم *} أي بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين، ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشاداً إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم، كأنه قيل: فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان؟ فقال مستأنفاً: {الله} أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى

{ولي الذين آمنوا} أي يتولى مصالحهم، ولذلك بين ولايته بقوله: {يخرجهم من الظلمات} أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حساً أو معنى، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع {إلى النور} أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حساً أو معنىً - قاله الحرالي، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها، فصار البصر عرياً عن الاعتبار، والسمع خالياً عن الفهم والاستبصار، والقلب معرضاً عن التدبر والافتكار، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف.

ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عُبّاد الشهوات فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولاً والنقول ثانياً بشهوات النفوس {أولياؤهم الطاغوت} من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله: {يخرجونهم} وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر {من النور} أي الفطرى {إلى الظلمات} قال الحرالي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية «كل مولود يولد على الفطرة» انتهى.

ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال: {أولئك} أي الحالون في محل البعد والبغض {أصحاب النار} قال الحرالي: الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى. ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيداً بقوله مبيناً اختصاصهم بها: {هم} أي خاصة {فيها خالدون *} إلى ما لا آخر له. قال الحرالي: وجعل الخلود وصفاً لهم إشعاراً بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى. ولما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي: ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه، انتهى - فقال تعالى: {ألم تر} أي تعلم بما نخبرك

به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة. ولما كان هذا المحاج بعيداً من الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال: {إلى الذي حآج إبراهيم} أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به {في ربه} الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات،

ولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر الذي أشقى إبليس فقال: {أن} أي لأجل أن {آتاه الله} أي الملك الأعلى بفيض فضله {الملك} الفاني في الدنيا الدنيئة، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على جميع الأرض. قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى. فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكّن الله له من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له. ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال: {إذ} أي حاجه حين {قال إبراهيم ربي} أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي

{الذي يحيي ويميت} أي وحده، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة. ولما كان كأنه قيل: هذا أمر ظاهر مجمع عليه فماذا الذي يحاج المحاج فيه؟ أجيب بقوله: {قال} أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته {أنا} أي أيضاً {أحيي وأميت} بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل من لا يستحق القتل. فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن

{قال إبراهيم} وقال الحرالي: ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً} [الكهف: 53] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: 53] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى: {فإن} بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى. أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك: إن {الله} بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال {يأتي بالشمس} أي وهو الذي أوجدها {من المشرق} أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور {فأت بها} أنت {من المغرب} ولو يوماً واحداً.

قال الحرالي: إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى. {فبهت} قال الحرالي: من البهت وهو بقاء الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت {الذي كفر} أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في جهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة! وسيأتي لهذا الشأن في سورة الشعراء مزيد بيان، فيالله ما أعلى مقامات الأنبياء! وما أصفى بصائرهم! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى

التحية والإكرام. وقال الحرالي: فعرفه أي في قوله: {كفر} بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى. أي لأنه ستر ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً. ولما كان التقدير: لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء، قال سبحانه وتعالى: {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم} أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور {الظالمين *} عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجهاً ثابتاً يستمسكون به، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم، قال الإمام: فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى وهو من اللطائف القرآنية.

259

ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة، وتارة

بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله، فعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي المتعجب بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان معنى {ألم تر} هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها {إلا} قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] وقوله سبحانه وتعالى {هل هذا إلا بشر مثلكم} [الأنبياء: 3] كان كأنه قيل: هل رأيت الذي حاج إبراهيم {أو} هل رأيت {كالذي} ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا: أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون: إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت،

أو هم كالذي {مر} قال الحرالي: من المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله {على قرية} وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس {وهي خاوية} أي متهدمة ساقطة جدرانها {على عروشها} أي سقوفها، أو خالية على بقاء سقوفها. قال الحرالي: من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً، والعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه؟ قيل: {قال أنى يحيي هذه} أي القرية {الله} أي الذي له الأمر كله {بعد موتها} أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة. قال الحرالي: وفي لفظة «أنى» لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس

من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى. ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفاً في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال: {فأماته} أي فتسبب عن ذلك أن أماته {الله} أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به {مائة} ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال: {عام} حتى بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني. قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث {ثم بعثه} في بيانه إشعار

بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال {ثم إذا شاء أنشره} [عبس: 22]- انتهى. ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق: {قال} أي له الله سبحانه وتعالى أو من شاء ممن خطابه ناشىء عنه {كم لبثت} أي في رقدتك هذه {قال} لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه {لبثت يوماً} ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال: {أو بعض يوم} وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره {قال} أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر {بل لبثت مائة عام} معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك} أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين وعصير {لم يتسنه} من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلاً {وانظر إلى} {حمارك} بالياً رميماً، فجمع الله له سبحانه

وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه. ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا، عطف عليه قوله: {ولنجعلك} أي في مجموع خبرك {آية للناس} أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي. ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: {وانظر إلى العظام} أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته {كيف ننشزها} قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى. وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله {ثم نكسوها لحماً} قال الحرالي: جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر، واللحم الذي لحم بين العظام حتى

صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد {فلما تبين له} أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف سبحانه وتعالى به نفسه المقدسة في آية الكرسي. قال الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره {قال أعلم} بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى. ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه {أن الله} أي لما أعلم من عظمته {على كل شيء} أي من هذا وغيره {قدير *} قال الحرالي: في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك

بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى. وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل. ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولاً بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة، وقد قرر سبحانه وتعالى أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير، فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر، فكرر

سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله {وبالآخرة هم يوقنون} [البقرة: 4] {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة: 28] {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة: 56] {كذلك يحيي الله الموتى} [البقرة: 73] {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالباً بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فكان كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى: {وإذ} عطفاً على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ. وقال الحرالي: ولما

كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال: حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان، وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى، فقال سبحانه وتعالى: واذ {قال إبراهيم} ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن، فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيساً بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه وطرده، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله سبحانه وتعالى كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميماً للرد على ذلك مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت، ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح

لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة، فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به، ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول {رب} أي أيها المحسن إليّ {أرني كيف تحيي الموتى} قال الحرالي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] فمن ملكوت الأرض الإحياء، فقرره سبحانه وتعالى على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفاً: {قال} ولما كان التقدير: ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله: {أو لم تؤمن} فإن الإيمان يجمع ذلك كله {قال بلى} فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في

الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلاً، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره لخليله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] وذكر عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان {ولكن} أريد المعاينة {ليطمئن} من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق {قلبي} من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، فلما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام متهيئاً

لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب سبحانه وتعالى له مثلاً أراه إياه، جعله جري العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد، فأول العد الاثنان {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلاًّ وجزءاً فيكون زوجاً من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله سبحانه وتعالى أصلاً لمخلوقاته فكانت جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 10] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعاً، وجعل الأقطار أربعاً، وجعل الأعمار أربعاً، وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف» والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء {هو الذي بعث في الأميين رسولاً} [الجمعة: 2]

ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور {وصوركم فأحسن صوركم} [غافر: 64] ثم أظهر سبحانه وتعالى قهره بإماتته وإفناء صوره، «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذَّنَبِ، منه خلق وفيه يركب» فكان بددها في أربعة أقطار شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، أرى خليله عليه الصلاة والسلام كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها، يقال إن علياً رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} [ق: 4] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة والسلام مثلاً من جملة ذلك {قال فخذ} بالفاء تحقيقاً لمقاله وتصديقاً فيما تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه {أربعة من الطير} هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء، جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلاً

فيها لا طبعاً واجباً منها، فإن الله عزّ وجلّ هو الحكيم الذي جعل الحكمة، فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها، فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه جعل من الله، من جهله ألحد ومن تحققه وحد. كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من أمر الله، من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع، وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظاً وحداً ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لا تتعداه، فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى. وقوله سبحانه وتعالى، {فصرهن} أي اضممهن {إليك} أي لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها. قال الحرالي: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها، وإشعاره ينبىء والله سبحانه وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلاً لما لله

سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى: {ثم اجعل} عطفاً بكلمة المهلة تجاوزاً بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة، كما تصير المواليد تراباً عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية {على كل جبل} من الجبال القريبة إليك {منهن جزءاً} والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53] {فإنما هي زجرة واحدة

فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءاً حيث كان يشبه بعضه بعضاً {ثم ادعهن يأتينك سعياً} والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس، والمعنى في إتيان الطائر طائراً حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعياً حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعياً بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقاً للمثول وغايته مرأى عين، فصار موقناً مطمئناً وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها» في أشياء من أمثال ذلك، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عدداً كثيراً، وإنما لم يكثر ذلك على يده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث، ومحط الإيمان التصديق بالغيب، فلو كثر وقوع ذلك له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لكشف الغطاء، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما أراه سبحانه وتعالى ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علماً على عزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال: {واعلم أن الله} أي المحيط علماً وقدرة {عزيز} ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال: {حكيم *} فكان فيه إشعار بأنه سبحانه وتعالى جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض معادة {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله

حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم، إنما الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضاً وأفلاكاً ونجوماً وآفاقاً وموالد وتوالداً، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عوداً على بدء وبدءاً على عود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن} [التغابن: 9] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة، ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله سبحانه وتعالى العزّة في خلقه وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمها {قل لو كان البحر مداداً} [الكهف: 109] وكلماته لا تحد ولا تعد

{ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} [لقمان: 27] ، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين، وكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدماً، وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحاً فأجيب بالمنع منها بوصف العزة تلويحاً، وموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل تصريحاً أجيب تصريحاً، وسؤال الخليل عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الشك، وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» يرشد إلى ذلك، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يشك، وإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصريحاً بقوله «بلى» وتلويحاً بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت، نقل

أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً؟ فقال: الإبراهيمي لقوله تعالى {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النمل: 14] .

261

ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له} [الحديد: 11] نظراً إلى أول السورة تذكيراً بوصف المتقين حثاً عليه، فضرب لذلك مثلاً صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء، فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو من جليل العزة، وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء

لما قبله من نشر الأموات، فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس، وذلك من دقيق الحكمة، فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إن خليلي عليه الصلاة والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهّلته لامتطاء درجة أعلى من درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت نمطاً من ذلك لعامة الخلق مطوياً في إحياء النبات على وجه معتاد فمن اعتبر به أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه وتعالى: {مثل} فكان كأنه قيل: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} [الحديد: 11] {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا} [البقرة: 254] فإنه مثل {الذين ينفقون} أي يبذلون {أموالهم} بطيب نفس {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون {كمثل حبة} مما زرعه. قال الحرالي: من الحب وهو تمام النبات المنتهي إلى صلاحية كونه طعاماً للآدمي الذي هو أتم الخلق، فالحب أكمل من الثمرة طعامية والثمرة إدامية {أنبتت} أي بما جعل الله سبحانه وتعالى لها من قوة الإنبات بطيب

أرضها واعتدال ريها {سبع سنابل} بأن تشعب منها سبع شعب في كل شعبة سنبلة وهو من السنبل. قال الحرالي: وهو مجتمع الحب في أكمامه، كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم، وتعريف بأن الحب يجمعه لا بوحدته {في كل سنبلة مائة حبة} فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال الحرالي: فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث تصير الحبة أصلاً ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب، فكان ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام وما يقبله من التكثير، فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه بالسبع، لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر، فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - انتهى. فالآية من الاحتباك وتقديرها: مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها، فذكر المنفق أولاً دليل على حذف الزارع ثانياً، وذكر الحبة ثانياً دليل على حذف النفقة أولاً.

ولما كان التقدير: فكما ضاعف سبحانه وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق نفقته، عطف عليه قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} بما له من السعة في القدرة وكل صفة حسنى {والله} أي بما له من الكمال في كل صفة {واسع} لا يحد في صفة من صفاته التي تنشأ عنها أفعاله {عليم *} فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما علمه من نياتهم؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين، وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملاً. ولما كان الإنسان قد يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال: - وقال الحرالي: ولما كان للخلافة وخصوصاً بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ينقص التضعيف أو يبطله كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص نباته أو يستأصله نبه تعالى على ما يبطل؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {الذين ينفقون} ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من إفسادها بإضافتها إليهم فقال: {أموالهم} وحث على الإخلاص في قوله: {في سبيل الله} أي الذي له الأسماء الحسنى.

ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر فضلها وكان من المستبعد جداً تركها له نبه عليه بأداة البعد إعلاماً بعظيم فضله فقال: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا} بما يجاهدون به أنفسهم {مناً} قال الحرالي: وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعاً لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المنّ القطع {ولا أذى} وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه - انتهى. وكذا أن يقول لمن شاركه في فعل خير: لو لم أحضر ما تم، وتكرير {لا} تنبيه على أن انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر {لهم} ولم يقرنه بالفاء إعلاماً بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيماً لمقداره وتعظيماً لشأنه حيث لم يجعله مسبباً عن إنفاقهم {أجرهم} أي الذي ذكره في التضعيف فأشعر ذلك أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم، ثم زادهم رغبة بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ والتنمية حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف {ولا خوف عليهم} من هضيمة تلحقهم {ولا هم يحزنون *} على فائت، لأن ربهم سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم. ولما أفهم هذا وهي ما لا يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت

النفس إلى الوقوف على الحقيقة من أمره صرح به في قوله: {قول معروف} قال الحرالي: وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب حاله وحال القائل. ولما كان السائل قد يلح ويغضب من الرد وإن كان بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال: {ومغفرة} للسائل إذا أغضب من رده {خير من صدقة} وهي الفعلة التي يبدو بها صدق الإيمان بالغيب من حيث إن الرزق غيب فالواثق منفق تصديقاً بالخلف إعلاماً بعظم فضله {يتبعها أذى} بمن أو غيره، لأنه حينئذ يكون جامعاً بين نفع وضر وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر {والله} أي والحال أن الملك الذي لا أعظم منه {غني} فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه. ولما رهب المتصدق بصفة الغني رغبة في الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة في القول عند الرد بالجميل فقال: {حليم *} أي لا يعاجل من عصاه بل يرزقه وينصره وهو يعصيه ويكفره. ولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى

ما عري منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله والنص على محقه لها وإبطاله وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن {لا تبطلوا} قال الحرالي: فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى {صدقاتكم بالمن والأذى} فربما وازى عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب. قال الحرالي: فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بني على أصل الرياء - انتهى. فقال: {كالذي ينفق ماله} لغير الله، إنما ينفقه {رئاء الناس} أي لقصد أن يروه. قال الحرالي: هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه. ولما شبه المانّ والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء نفرة منه وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه

بأشدهما فقال: {ولا يؤمن بالله} أي الذي له صفة الكمال {واليوم الآخر} الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد الأعمال جيدها من رديئها. قال الحرالي: ولما ضرب مثلاً لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال: {فمثله} في إنفاقه مقارناً لما يفسده، ومثل نفقته {كمثل صفوان} وما زرع عليه، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل انصداعها بالنبات - انتهى. {عليه تراب} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه. ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل: {فأصابه} أي عقب كون التراب عليه من غير مهمة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها {وابل} أي مطر كثير فأزال التراب عنه {فتركه صلداً} أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من

يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور، فجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف. ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله: {لا يقدرون} أي الممثل لهم والممثل بهم {على شيء مما كسبوا} فالآية من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير: فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين، عطف عليه معلماً أنه يعمي البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله: {والله} الذي له الحكمة كلها {لا يهدي} أي لوجه مصلحة. ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال: {القوم الكافرين} وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه. ولما فرغ من مثل العاري عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من

الإنفاق مثلاً منبهاً فيه على أن غيره ليس مبتغى به وجه الله فقال: {ومثل} قال الحرالي: عطفاً على {الذي ينفق ماله رئاء الناس} {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} عطف مقابلة وعلى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] عطف مناسبة - انتهى. {الذين ينفقون أموالهم} أي مثل نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل {ابتغاء مرضات الله} أي الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي: والمرضاة مفعلة لتكرر الرضى ودوامه - انتهى. {وتثبيتاً من أنفسهم} بالنظر في إصلاح العمل وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق

الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات، ومتى تركها وهي مطبوعة على النقائص زاد طمعاً في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات، فمن للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم: لين من عطفه وحرك من نشاطه {كمثل جنة} أي بستان ومثل صاحبها. قال الحرالي: ولما كان حرث الدنيا حباً وثمراً جعل نفقات الأخرى كذلك حباً وتمراً. فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب، ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن الحرث مستجد في كل وقت، كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق، فكان مثله مثل الجنة الدائمة ليتطابق المثلان بالممثولين، فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع

سبل الخير - انتهى. {بربوة} أي مكان عال ليس بجبل. قال الحرالي: في إعلامه أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح اللواقح، فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من فوقها فضعفت حياتها، لأن الرياح هي حياة النبات «الريح من نفس الرحمن» انتهى. ثم وصفها بقوله: {أصابها وابل} أي مطر كثير {فأتت أكلها} أي أخرجته بإذن الله سبحانه وتعالى حتى صار في قوة المعطي {ضعفين} أي مثل ما كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل - كذا قالوا: مثلين، والظاهر أن المراد أربعة أمثاله، لأن المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ والآية من الاحتباك، ذكر المنفق أولاً دال على حذف صاحب الجنة ثانياً، وذكر الجنة ثانياً دال على حذف النفقة أولاً. ولما كان الوابل قد لا يوجد قال: {فإن لم يصبها وابل فطل} أي فيصيبها لعلوها طل، وهو الندى الذي ينزل في الضباب. وقال الحرالي: الطل سن من أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع، فإن المطر ينزل خفياً عن الحس وهو الطل، ثم يبدو بلطافة وهو الطش، ثم يقوى وهو الرش، ثم يتزايد ويتصل وهو الهطل، ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل، ثم يعظم سكبه وهو الجود؛ فله

أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى. والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق إلى أعمالهم فساد، غايتها أن يطرقها النقص باعتبار ضعف النيات، ولذلك كان التقدير تسبيباً عن ذلك: فالله بما تستحقون على نياتكم عليم، فعطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {بما تعملون} أي بما ظهر منه {بصير *} كما هو كذلك بما بطن، فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن. وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ولما قدم سبحانه وتعالى أن المن مبطل للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما مثلاً ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح للترهيب من المن والرياء رجع إليهما دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما مثلاً أوضح من السالف وأشد في التنفير عنهما والبعد منهما فقال - وقال الحرالي: ولما تراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ينفق مقابلاً لمن يبتغي مرضاة الله تعالى مثلاً بالجنة المخلفة، انتهى. فقال - منكراً على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال بضرب هذه الأمثال: {أيود أحدكم} أي يحب حباً شديداً

{أن تكون له جنة} أي حديقة تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال: {من نخيل} جمع نخلة وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه الشجر بالآدمي، ثابت ورقها، مغذ مؤدم ثمرها، في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمي بخلاف سائر الشجر، مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله {وأعناب} جمع عنب وهو شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص النخلة بل يتفرع علواً وسفلاً ويمنة ويسرة، مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله الحرالي. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال: {تجري من تحتها الأنهار} أي لكرم أرضها. وقال الحرالي: وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى. ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال: {له فيها من كل الثمرات} أي مع النخل والعنب. ولما ذكر كرمها ذكر شدة

الحاجة إليها فقال: {وأصابه} أي والحال أنه أصابه {الكبر} فصار لا يقدر على اكتساب {وله ذرية ضعفاء} بالصغر كما ضعف هو بالكبر {فأصابها} أي الجنة مرة من المرات {إعصار} أي ريح شديدة جداً. قال الحرالي: صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء، والإعصار ريح شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير، وهو أحد قسمي النار، نظيره من السعير السموم. وقال الأصفهاني: ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود {فيه نار، فاحترقت} تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال. قال الحرالي: من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهاباً وحياً بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه؛ فجعل المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته. وجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى. فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة

آماله، وروى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي الله تعالى عنه لأصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فيم ترون هذه الآية نزلت {أيود أحدكم} إلى أن قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: أيّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر رضي الله تعالى عنه: لرجل غني يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» . ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه لتبجيله وتكريمه بقوله مستأنفاً: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} أي الذي له الكمال كله {لكم الآيات} أي كلها {لعلكم تتفكرون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر، ومن يكون كذلك ينتفع بفكره. وقال الحرالي: فتبنون الأمور على تثبيت، لا خير في عبادة إلا بتفكر، كما أن الباني لا بد أن يفكر في بنائه، كما قال الحكيم: أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة، كذلك من حق أعمال الدين أن لا تقع إلا بفكرة في إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة، فكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به {لعلكم} مطابقين للمثل متفكر مضاعف

حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى. ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {أنفقوا} أي تصديقاً لإيمانكم {من طيبات ما كسبتم} وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعاً، ولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبهاً بذلك على أن كل ما يتقلب العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيباً في الجود به وفي جعله خياراً حلالاً وترهيباً من الشح به وجعله ديناً أو حراماً فقال: {ومما أخرجنا} أي بعظمتنا {لكم} نعمة منا عليكم {من الأرض} قال الحرالي: قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى. ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال: {ولا تيمموا} أي لا تتكلفوا أن تقصدوا {الخبيث منه} أي خاصة

{تنفقون} قال الحرالي: الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس: ظاهره وباطنه، في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهراً وباطناً، وقال: ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى. ثم أوضح قباحة ذلك بقوله: {ولستم بآخذيه} أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه {إلا أن تغمضوا} أي تسامحوا {فيه} بالحياء مع الكراهة. قال الحرالي: من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل، أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع، وقال: ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم بقوله: {واعلموا} انتهى. وعبر بالاسم الأعظم فقال: {أن الله} المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال {غني} يفضل على من أسلف خيراً رغبة فيما عنده وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم

وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه الثواب والعقاب {حميد *} يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب. قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق الأنفس أو خالفها. ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك فقال محذراً من البخل - في جواب من كأنه قال: هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالباً إلا شحيحة بالإنفاق-: {الشيطان} أي الذي اسمه أسوأ الأسماء، فإنه يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا! {يعدكم الفقر} المانع من الإنفاق. قال الحرالي: الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا. وكل ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا، وكل مقتنع غني، ومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى. {ويأمركم بالفحشاء} المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب

الأرواح. وقال الحرالي: وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء، وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء، لمناسبة ذكر الفقر، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى وفيه تصرف. ولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له من الخير فقال مصرحاً بما تقدم التلويح به: {والله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى الرحيم الودود {يعدكم مغفرة منه} لما وقع منكم من تقصير، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص {وفضلاً} بالزيادة في الدارين، وكل نعمة من فضل؛ ثم أكد ذلك بقوله: {والله} أي المحيط بكل كمال {واسع} لتضمنه معنى حليم غني، وأتبعه بقوله: {عليم *} إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دق. قال الحرالي: وفي إشعاره توهين لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما

علمه من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى. فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ترغيباً وترهيباً.

269

ولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم تصريحاً وتلويحاً وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال المتقنة والأقوال الحسنة تصريحاً وتلويحاً ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحاً فقال تعالى منبهاً على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة: - وقال الحرالي: ولما أبدى سبحانه وتعالى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عوداً على بدء أنبأ تعالى أن ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم من علم أمر الدنيا بل من علم

أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمّها لمن اصطفاه {ذلك مما أوحى إليك ربّك من الحكمة} [النحل: 39] فقال سبحانه وتعالى: {يؤتي الحكمة} انتهى. وفي ترتيبها على واسع عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه سبحانه وتعالى كما وقع لقابيل إذ قرب رديئاً كما هو مشهور في قصته، ولعله لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم بقوله: {وما للظالمين من أنصار} فصار كأنه قال سبحانه وتعالى: واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم {من يشاء} من عباده، ثم مدح من حلاه بها فقال مشيراً ببناء الفعل للمفعول إلى أنها مقصودة في نفسها: {ومن يؤت الحكمة} أي التي هي صفة من صفاته، وأشار بالتعريف إلى كمالها

بحسب ما تحتمله قوى العبيد، والحكمة قوة تجمع أمرين: العلم المطابق وفعل العدل وهو العمل على وفق العلم. قال الأصبهاني: والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين {فقد أوتي خيراً كثيراً} قال الحرالي ما معناه: إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير سبحانه وتعالى سمعه وبصره - إلى آخره. ولما كان التقدير: فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لبّ فيتأهل لأن يتذكر بما يلقيه الله سبحانه وتعالى من كلمته ما بثّ في الأنفس والآفاق من حكمته وصل به قوله: {وما يذكر} أي بكلام الله سبحانه وتعالى حكمه {إلا أولوا الألباب *}

أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته. وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل ظاهراً لظاهر وباطناً لباطن، من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه، من رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه من المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية، كذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ذكرها أعمال

الخلق وخصوصاً في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظماً وبآية الكرسي مناظرة - انتهى. ولما كان السياق سابقاً ولاحقاً للإنفاق علم أن التقدير: فما جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف عليه حثّاً على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيراً من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه قوله: {وما أنفقتم من نفقة} أي في وجه من الوجوه، فدخل فيه جميع التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي الدعوات للإخوان وغير ذلك. ولما كان الإنسان كثيراً ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه

قال {أو نذرتم من نذر} وإدخال من لتأكيد الاستغراق. قال الحرالي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما يستخرج به من البخيل» انتهى. {فإن الله} عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم {يعلمه} ذكر الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيماً للنذر لما قد يتوهم فيه من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه عليه، فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله سبحانه وتعالى يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف، ومن فعل منكم شيئاً منه على غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به وما له من ناصر، هكذا كان الأصل ولكنه سبحانه وتعالى عم وعلق الحكم بالوصف فقال: {وما للظالمين} أي الواضعين للشيء في

غير موضعه {من أنصار *} قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيراً ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصراً، وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى. ولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه قال سبحانه وتعالى حاثاً على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء: {إن تبدوا الصدقات} أي المتطوع بها، قال الحرالي: وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء، وقال: والهدية أجل حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل {فنعماً هي} فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح: إن نِعْم،، وبِئْس للمبالغة فالمراد بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف، واقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت واستقر، لا يمدح الإنسان بما لم يقع منه -

انتهى. {وإن تخفوها} حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له. ولما كان المقصود بها سد الخلة قال: {وتؤتوها الفقراء فهو} أي فذلك الإخفاء والقصد للمحتاج {خير لكم} لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات، وفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز على الغني. ولما كان التقدير: فإنا نرفع بها درجاتكم، عطف عليه قوله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} أي التي بيننا وبينكم. ولما كان التقدير: فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن الله بكل ما فعلتموه منها عليم، عطف عليه تعميماً وترغيباً وترهيباً: {والله} أي الذي له كل كمال {بما تعملون} أي من ذلك وغيره {خبير *} فلم يدع حاجة أصلاً إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عيناً بالجزاء عليه. ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه

من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجداً شديداً، خفض سبحانه وتعالى عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال: {ليس عليك} أي عندك {هداهم} حتى تكون قادراً عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه {ولكن الله} الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو {يهدي من يشاء} فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك، لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفاً لما قبلها وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة، معناه: وعندنا ألف شاة، تقول العرب: علينا كذا وكذا، أي مننا - فسره قاسم؛ انتهى. وهو يرجع إلى القدرة كما تقول: عليّ رضى فلان، أي أنا مطيق لذلك قادر على حمله، فالمعنى:

لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلاً وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها. قال الحرالي ما معناه: إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه سبحانه وتعالى جعل فيهم نصرة دينه. ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموماً القريب والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب صارفاً لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {وما تنفقوا من خير} أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» {فلأنفسكم} كما قيل له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن شاة ذبحت: ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال: بقيت إلا رقبتها! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون

ذلك بأنفسكم. ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال: {وما} أي والحال أنكم ما {تنفقون إلا ابتغاء} أي إرادة. ولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل بإحسانه وإخلاصه قال: {وجه الله} أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصاً من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده، هذا هو الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جداً عن الأذى والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي. ولما كان الإيقان بالوفا مرغباً في الإحسان ومبعداً من الإساءة والامتنان خوفاً من جزاء الملك الديان قال {وما تنفقوا من خير} أي على أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق

والمتصدق عليه {يوف} أي يبالغ في وفائه بالتضعيف واصلاً {إليكم وأنتم لا تظلمون *} أي لا يقع عليكم ظلم في ترك شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم. ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما مضى شاملاً للمؤمن وغيره بيّن أن محط القصد في الحثّ عليها المؤمن قال سبحانه وتعالى: {للفقراء} أي هذه الأحكام لهم {الذين أحصروا} أي منعوا عن التكسب، وأشار بقوله: {في سبيل الله} أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال: {يحسبهم الجاهل} أي الذي ليس عنده فطنة الخلص {أغنياء من} أجل {التعفف} عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه

وشرف نفس، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي. ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: {تعرفهم} أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك {بسيماهم} قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر - انتهى. وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك {لا يسئلون} لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق {الناس} من ملك ولا غيره {إلحافاً} سؤال إلزام، أخذاً من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي لازمه. وقال الحرالي: هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى. وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض

والتلويح الخفي، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلاً جداً أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما. ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال: {وما تنفقوا من خير} أي في أي وقت أنفقتموه {فإن الله} أي المستجمع لصفات الكمال {به عليم *} وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك. ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتاً كان كأن سائلاً قال: في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال: {الذين ينفقون أموالهم}

أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماماً به دلالة على فضله فقال: {بالليل} إن اقتضى ذلك الحال {والنهار} إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد {سراً وعلانية} كذلك. ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد. ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلاً له منزلة العدم، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك، ترغيباً في الكف عنه، لأنه منظور إليه في الجملة، وربط الجزاء في هذه إعلاماً بأنه مسبب عن هذه الأحوال، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها، حثاً على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك، لأن من سمح بالإنفاق لله سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال: {فلهم أجرهم} وسببيته

كونه علامة لحصول الأجر، لا أنه سبب حقيقي، إنما السبب الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلاً بقوله: {عند ربهم} أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما رباهم، ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال: {ولا خوف عليهم} كما فرحوا بها عن غيرهم {ولا هم يحزنون *} لأنه لا ثواب أعظم من ذلك، إذ لا عيشة لحزين ولا خائف؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول الإسلام لما كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد بجملته وبينه هذا البيان الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال: فأفضلهم المنفق ليلاً سراً. وأنزلهم المنفق نهاراً علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى.

275

ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من الأساليب، وكان الرزق يشمل الحلال

والحرام، وكان مما يسترزقون به قبل الإسلام الربا، وهو أخذ مجاناً، وهو في الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص وعيب، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجاناً، وهو في الظاهر نقص وفي الباطن زيادة وخير؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم منه، وبين لهم حكمه وأنه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة، وجعل ذلك في أسلوب الجواب لمن قال هل يكون النفقة المحبوبة المحثوث عليها من كل مال؟ فأجاب بقوله: - وقال الحرالي: ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى أفضل الأحوال، وهو الحال الذي دعوا إليه؛ نظم به أدنى الأحوال، وهو الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر الناس المربي؛ فنظم به خطاب الربا فقال: - {الذين} ولما كان من الصحابة من أكل الربا عبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا الجزاء يخص المصر فقال: {يأكلون الربا} وهو الزيادة من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى. فجرى على عادة هذا الذكر الحكيم في ذكر أحد الضدين بعد الآخر، وعبر بالأكل عن التناول، لأنه أكبر المقاصد وأضرها ويجري

من الإنسان مجرى الدم كالشيطان {لا يقومون} أي عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون به بين أهل الموقف هتكاً لهم وفضيحة. وقال الحرالي: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال انتهى. وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم {إلا كما يقوم} المصروع {الذي يتخبطه} أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه {الشيطان} ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلاً قال: {من} أي تخبطاً مبتدئاً من {المس} أي الجنون، فأشار سبحانه وتعالى بذلك إلى المنع من أن تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا، وإلى أن الخبيث المنهي عن تيمم إنفاقه قسمان: حسي ومعنوي،

والنهي في المعنوي أشد. وقال البيضاوي تبعاً للزمخشري: وهو أي التخبط والمس وارد على ما يزعمون أي العرب أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله - انتهى. وظاهره إنكار ذلك وليس بمنكر بل هو الحق الذي لا مرية فيه، قال المهدوي في تفسيره: وهذا دليل على من أنكر أن الصرع من جهة الجن وزعم أنه فعل الطبائع. وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء، فلا وجه لنفيها؛ وقال: الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة، والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية؛ ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف

الناس ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات - انتهى. وقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن «الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» وورد «أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب» ونحو ذلك؛ وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل ذلك، فأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، وربما كان يلقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع، فكثير جداً لا يحصى مشاهدوه - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم من كتب الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه وتعالى الموفق: روى الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا فيخبث علينا، فمسح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدره ودعا فثعّ ثعة وخرج من صدره مثل الجرو الأسود» فثعّ ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضاً وعبد بن حميد بسند صحيح حسن أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «خرجت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فركبنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فعرضت له امرأة معها صبي لها فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار، فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل ثم قال: اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثاً! ثم دفعه إليها» وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في حرة واقم، قال جابر: «

فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي، فوالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد ذلك! فقال: خذوا منها واحداً وردوا عليها الآخر» وروى البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله تعالى عنه. وفي الإنجيل من ذلك كثير جداً، قال في إنجيل متى ولوقا ومُرقُس يزيد أحدهم على الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم: وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى عبر البحر إلى كورة الجرجسيين، وقال في إنجيل لوقا: التي هي مقابل عبر الجليل، فلما خرج من السفينة استقبله مجنون، قال لوقا: من المدينة معه شياطين، وقال متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جداً حتى أنه لم يقدر أحد أن يجتاز من تلك الطريق فصاحا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع! جئت لتعذبنا قبل الزمان؛ قال لوقا:

وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس، وكان يقطع الرباط ويقوده الشيطان إلى البراري، فسأله يسوع: ما اسمك؟ فقال: لاجاون، لأنه دخل فيه شياطين كثيرة؛ وقال مرقس: فقال له: اخرج أيها الروح النجس! اخرج من الإنسان، ثم قال له: ما اسمك؟ فقال: لاجاون اسمي لأنا كثير، وطلب إليه أن يرسلهم خارجاً من الكورة؛ وكان هناك نحو الجبل قطيع خنازير كثيرة يرعى بعيداً منهم، فطلب إليه الشياطين قائلين: إن كنت تخرجنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير فقال لهم: اذهبوا، وقال مرقس: فأذن لهم يسوع، فللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير وقال: متى: فلما خرجوا ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير قد وثب على جرف وتواقع في البحر ومات جميعه في المياه،

وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة وأخبروهم بكل شيء وبالمجنونين، فخرج كل من في المدينة للقاء يسوع؛ قال مرقس: وأبصروا ذلك المجنون جالساً لابساً عفيفاً فخافوا، فلما أبصروه - يعني عيسى عليه الصلاة والسلام - طلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم؛ قال لوقا: لأنهم خافوا عظيماً، وقال مرقس: فلما صعد السفينة طلب إليه المجنون أن يكون معه فلم يدعه يسوع لكن قال له امض إلى بيتك وعرفهم صنع الرب بك ورحمته إياك، فذهب وكرز في العشرة مدن، وقال كل ما صنع به يسوع فتعجب جميعهم؛ وفي إنجيل لوقا معناه، وفي آخره: فذهب وكان ينادي في المدينة كلها بكل ما صنعه معه يسوع؛ وفي إنجيل متى: فلما خرج يسوع من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان، فلما خرج الشيطان تكلم الأخرس، فتعجب الجميع قائلين: لم يظهر قط هكذا في بني إسرائيل، فقال الفريسيون: إنه باركون الشياطين

يخرج الشياطين. ثم قال: حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس، فأبرأه حتى أن الأخرس تكلم وأبصر، فبهت الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود، فتسمع الفريسيون فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين. وفيه بعد ذلك: فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان ساجداً له قائلاً: يا رب! وفي إنجيل لوقا: يا معلم! ارحم ابني، فإنه يعذب في رؤوس الأهلة، ومراراً كثيرة يريد أن ينطلق في النار، ومراراً كثيرة في الماء؛ وفي إنجيل مرقس: قد أتيتك يا بني! وبه روح نجس وحيث ما أدركه صرعه وأزبده وضرر أسنانه فتركه يابساً، وفي إنجيل لوقا: أضرع إليك أن تنظر إلى ابني، لأنه وحيدي، وروح يأخذه فيصرخ بغتة ويلبطه بجهل، ويزيد عند انفصاله عنه ويرضضه، وضرعت

لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا؛ وفي إنجيل متى: وقدمته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يبرئوه، أجاب يسوع: أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن! إلى متى أكون معكم! وحتى متى أحتملكم! قدمه إلى هنا؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو جاء به طرحه الشيطان ولبطه؛ وفي إنجيل مرقس: فلما رأته الروح النجسة من ساعته صرعته وسقط على الأرض مضطرباً مزبداً؛ ثم قال لأبيه: من كم أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، ثم قال ما معناه: افعل معه ما استطعت وتحنن علينا، فقال له يسوع: كل شيء مستطاع للمؤمن، فصاح أبو الصبي وقال: أنا أومن فأعن ضعف إيماني، فلما رأى يسوع تكاثر الجمع انتهر الروح النجس وقال: يا أيها الروح الأصم الغير ناطق! أنا آمرك أن تخرج منه ولا تدخل فيه، فصرخ

ولبطه كثيراً وخرج منه وصار كالميت، وقال كثير: إنه مات، فأمسك يسوع بيده وأقامه فوقف؛ وفي إنجيل متى: فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان وبرىء الفتى في تلك الساعة، حينئذ أتى التلامذة إلى يسوع منفردين وقالوا له: لماذا لم نقدر نحن نخرجه؟ فقال لهم يسوع: من أجل قلة إيمانكم، الحق أقول لكم أن لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل: انتقل من هاهنا إلى هناك، فينتقل ولا يعسر عليكم شيء، وهذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة؛ وقال مرقس: لا يستطاع أن يخرج بشيء إلا بصلاة وصوم؛ وقال في إنجيل مرقس: إنه كان يعلم في كفرناحوم مدينة في الجليل، قال: وكان في مجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح بصوت عظيم قائلاً: ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! قد عرفنا من أنت يا قدوس الله! فنهره يسوع قائلاً: اسدد

فاك واخرج منه! فأقلقته الروح النجسة وصاح بصوت عظيم وخرج منه؛ وفي إنجيل لوقا: فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه وخاف الجمع مخاطبين بعضهم بعضاً قائلين: ما هو هذا العلم الجديد الذي سلطانه يأمر الأرواح النجسة فتطيعه! وخرج خبره في كل كورة الجليل؛ وفيه: ثم قام من هناك وذهب إلى تخوم صور وصَيْدا ودخل إلى بيت فأراد أن لا يعلم أحد به، فلم يقدر أن يختفي، فلما سمعت امرأة كانت بابنة لها روح نجس جاءت إليه وسجدت قدام قدميه، وكانت يونانية صورية، وسألته أن يخرج الشيطان من ابنتها، فقال لها: دعي البنين حتى يشبعوا أولاً، لا تحسبنّ

أن يؤخذ خبز البنين يدفع للكلاب، وأجابت بنعم يا رب! والكلاب أيضاً تأخذ مما يسقط من المائدة من فتات الأطفال، فقال لها من أجل هذه الكلمة: اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك، فذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها؛ وفي آخر إنجيل مرقس: إنه أخرج من مريم المجدلانية سبعة شياطين؛ وفي إنجيل لوقا: وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة وقرية ويكرز ويكبر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ومرثا امراة خوزي خازن هين ودس وسوسنة وأخوات كثيرات؛ وفي إنجيل لوقا: وفيما هو يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح

مزمن منذ ثمان عشرة سنة وكانت منحنية لا تقدر أن تستوي البتة، فنظر إليها يسوع وقال: يا امرأة! أنت محلولة من مرضك ووضع يده عليها، فاستقامت للوقت ومجدت الله، فأجاب رئيس الجماعة وهو مغضب وقال للجميع: لكم ستة أيام ينبغي العمل فيها وفيها تأتون وتستشفعون إلا في السبت! فقال: يا مراؤون! واحد منكم يحل ثوره أو حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه ابنة إبراهيم كان الشيطان قد ربطها منذ ثمان عشرة سنة! أما كان يحل أن تطلق من هذا الرباط في يوم السبت؟ فلما قال هذا الكلام أخزى كل من كان يقاومه. وكل الشعب كانوا يفرحون بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى. وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كافياً لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان مع أن فيه دلائل رادة على النصارى في ادعائهم التثليث والاتحاد

وأحسن ما ردّ على الإنسان من كلامه وبما يعتقده، وسيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة عند قوله سبحانه وتعالى: {وما من إله إلا الله} ما يلتفت إلى بعض هذا ويشرحه شرحاً جيداً نافعاً وكذا في جميع ما أنقله من الإنجيل كما ستراه إن شاء الله تعالى في مواضعه، وكل ما فيه من متشابه لم تألفه مما يوهم اتحاداً أو تثليثاً فلا تزدد نفرتك منه وراجع ما سيقرر في آل عمران وغيرها يرجع معك إلى المحكم رجوعاً جلياً، على أن أكثره إذا تؤملت أطرافه وجدته لا شبهة فيه أصلاً، وإن لم تكن أهلاً للجري في مضمار ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: كن ممن يعرف الرجال بالحق ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال، فانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أوّل كثيراً مما ذكرته بمثل تأويلي أو قريب منه، ولم أر كتابه إلا بعد كتابتي لذلك -

والله سبحانه وتعالى الموفق. وفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى قضى بنزع نور العقل من المربي ودل على ذلك بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد من الصواب {بأنهم} أي المربون {قالوا} جدالاً لأهل الله {إنما البيع} أي الذي تحصرون الحل فيه يا أهل الإسلام {مثل الربا} في أن كلاًّ منهما معاوضة، فنحن نتعاطى الربا كما تتعاطون أنتم البيع، فما لكم تنكرونه علينا؟ فَجعْلهُم الربا أصلاً انسلاخ مما أودعه الله في نور العقل وحكم الشرع وسلامة الطبع من الحكمة؛ والبيع كما عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن. وقال الحرالي: هو رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب عنه، فلذلك كل شار بائع {وأحل} أي والحال أنه أحل {الله} الذي له تمام العظمة المقتضية للعدل {البيع} أي لما فيه من عدل الانتفاع، لأنه معاوضة على سبيل النصفة للتراضي من الجانبين، لأن

الغبن فيه غير محقق على واحد منهما، لأن من اشترى ما يساوي درهماً بدرهمين يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه أو وجود راغب فيه لأمر دعاه إليه بثلاثة {وحرم الربا} لما فيه من اختصاص أحد المتعاملين بالضرر والغبن والآخر بالاستئثار على وجه التحقيق، فإن من أخذ درهماً بدرهمين لا يرجى خير ما فاته من ذلك الوجه أصلاً، وكذلك ربا المضاعفة وهو ما إذا طلب دينه فكان الغريم معسراً فألزمه بالدفع أو الزيادة في الدين فإنه ليس في مقابلة هذا الزائد شيء ينتفع به المدين. قال الحرالي: فيقع الإيثار قهراً وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته الفضل، فأجور الجور في الأموال الربا، وأجور الجور في الربا الربا كالذي يقتل بقتيل قتيلين، وكل من طفف في ميزان فتطفيفه ربا بوجه ما؛ ولذلك تعددت أبواب الربا وتكثرت؛ قال قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الربا بضع وسبعون باباً،

والشرك مثل ذلك وهذا رأسه» وهو ما كانت تتعامل به أهل الجاهلية، من قولهم: إما أن تربي وإما أن تقضي، ثم لحق به سائر أبوابه، فهو انتفاع للمربي وتضرر للذي يعطي الربا، وهذا أشد الجور بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا؛ فكما أعلمهم سبحانه وتعالى أثر حكمة الخير في الإنفاق أعلمهم أثر حكمة الشر في الربا في دار الآخرة وفي غيب أمر الدنيا وكما أنه يعجل للمنفق خلفاً في الدنيا كذلك يعجل للمربي محقاً في الدنيا حسب ما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى. ومادة بيع بجميع تقاليبها التسعة يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة: بيع وعيب وعبي وبوع وبعو ووبع ووعب وعبو وعبا - تدور على الاتساع، فالبيع يدور على التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى، والذي بالفعل يكون بالملك تارة وبغيره أخرى، والذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة أخرى، ولا يخفى أن كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة: باعه من السلطان سعى به إليه، وامرأة بائع إذا كانت نافقة لجمالها، والبياعة السلعة، والبيّع كسيد: المساوم، وأبعته بمعنى عرضته للبيع؛ ومن

الذي بالفعل من غير ملك: باع على بيعه أي قام مقامه في المنزلة والرفعة وظفر به، وكذا أبعت الرجل فرساً أي أعرته إياه ليغزو عليه؛ ومن الذي بالملك إزالة: بعته وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن، واستباعه سأله أن يبيعه منه، وانباع نفق، وانباع لي في سلعته سامح في بيعها وامتد إلى الإجابة إليه؛ ومن الذي بالملك تحصيلاً: باع الشيء بمعنى اشتراه. قال الفارابي في ديوان الأدب: قال أبو ثروان: بع لي تمراً بدرهم - يريد اشتر، وهذا الحرف من الأضداد، وابتاعه: اشتراه. والعيب بمعنى الوصمة توسع الكلام في العرض وسببه توسع الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل، والعيبة وعاء من أدم يوضع فيه المتاع وهي أيضاً الصدر والقلب وموضع السر، والعائب من اللبن الخادر أي الآخذ طعم حموضة

إما من العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول؛ والعباية ضرب من الأكسية لاتساعه عن الأزر ونحوها طولاً وعرضاً والرجل الجافي الثقيل تشبيهاً بها في الخشونة والثقالة، وتعبئة الجيش تهيئته من موضعه كأن مراكزه عياب له وضعت كل فرقة منه في عيبتها، وعيبك من الجزور نصيبك، والتعابي أن يميل رجل مع قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع بالفريقين وانتشار من الرجلين؛ ومن المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر وسع الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع مما دونه من الأحمال، وهو أيضاً العدل لأنه يسع ما يوضع فيه والمثل، ويفتح لأن الاثنين أوسع من الواحد، والعبء بالفتح ضياء الشمس وهو واضح في السعة، وعبأ المتاع والأمر كمنع هيأ كعبأه تعبئة لأنه

أعطاه ما يسعه ووضعه في مواضع تسعه، والطيب صنعه وخلطه فاتسع بالخلط وانتشرت رائحته بالصنعة؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به كالعباية، والأحمق الثقيل الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله من العبء بمعنى الحمل وبمعنى الثقيل والمعبأة كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج، والمعبأ كمقعد المذهب لاتساعه للذاهب فيه، وما أعبأ به ما أصنع، وبفلان: ما أبالي أي ما أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز؛ والباع قدر مد اليدين والشرف والكرم، والبوع أبعاد خطو الفرس في جريه، وبسط اليد بالمال، والمكان المنهضم أي المطمئن في لصب الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشقب، واللهب مهواة ما بين كل جبلين أو الصدع في الجبل أو الشعب الصغير، والشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن

أرض أو ما انفرج بين الجبلين، والشقب بالقاف صدع يكون في لهوب الجبال ولصوب الأودية دون الكهف توكر فيه الطير - وباعة الدار ساحتها، والبائع ولد الظبي إذا باع في مشيه، وانباع العرق سال، والحية بسطت نفسها بعد تحوّيها لتساور؛ والوبّاعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها، وكذبت وبّاعته أي حبق يعني ضرط، والوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه لامتداده إلى الحركة، ووعبه كوعده أخذه أجمع، كأوعبه واستوعبه، وأوعب جمع، والشيء في الشيء أدخله كله أي وسعه حتى دخل فيه، والوعب من الطرق: الواسعة، وبيت وعيب واسع؛ والبعو الجناية والجرم لأن ذلك يوسع الكلام في العرض، وهو أيضاً العارية، وبعاه قمره وأصاب منه، وبعاه بالعين أصابه بها كأنه وسع لعينه فيه حظاً.

ولما كان الوعظ كما قال الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها، وكان فيما أخبر به سبحانه وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن أجلّ ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ذلك قوله: {فمن جاءه} قال الحرالي: أطلق الكلمة من علامة التأنيث النازل الرتبة ترفيعاً لقدر هذه الموعظة الخفية المدرك العظيمة الموقع {موعظة} بناء مبالغة وإعلاء لما أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ الوعظ بما يشعر به الميم من التمام والهاء من الانتهاء، فوضع الأحكام حكمة، والإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - انتهى. ولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال: {من ربه} أي المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه من الخير.

قال الحرالي: في إشعاره أن من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى. {فانتهى} أي عما كان سبباً للوعظ. قال الحرالي: أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل فيه فسحة ولا قراراً عليه لما فيه من خبل العقل الذي هو أصل مزية الإنسانية وإن لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى. ولما كان السياق بما أرشد إليه التعليل بقوله: {ذلك بأنهم قالوا} دالاً على أن الآية في الكفرة وأن المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك بقوله: {فله ما سلف} أي من قبيح ما ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه شيء من جريرته لأن الإسلام يجب ما قبله وتوبة المؤمن لا تجب المظالم. قال الحرالي: والسلف هو الأمر الماضي بكليته الباقي بخلفه، وقال: في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم من ربا الجاهلية ببركة توبتهم من استئناف العمل به في الإسلام لما كان الإسلام يجب ما قبله، وفي طيّ إشعاره تعريض برده لمن

يأخذ لنفسه بالأفضل ويقوي إشعاره قوله {وأمره إلى الله} انتهى، أي فهو يعامله بما له من الجلال والإكرام بما يعلمه من نيته من خلوص وغيره. ولما كان المربون بعد هذه الزواجر بعيدين من رحمة الله عبر عنهم سبحانه وتعالى بأداة البعد في قوله: {ومن عاد} أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه عنه نكوباً عن حكمة ربه {فأولئك} أي البعداء من الله {أصحاب النار} ولما كانت نتيجة الصحبة الملازمة قال: {هم فيها خالدون*} . ولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن الصدقة كونها نقصاً محققاً بالحس بيّن أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده سبحانه وتعالى فما شاء محقه وإن كان كثيراً

أو ما أراد نماه وإن كان يسيراً فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل النار: {يمحق الله} أي بما له من الجلال والقدرة {الربا} بما يفتح له من أبواب المصارف. قال الحرالي: والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة {ويربي الصدقات} أي يزيد الصدقات بما يسد عنها مثل ذلك ويربح في تقلباتها؛ ويجوز كونه استئنافاً وذلك أنه لما تقرر أن فاعليه من أصحاب النار ساقه مساق الجواب لمن كأنه قال: وإن تصدقوا من أموال الربا وأنفقوا في سبيل الخير! إعلاماً بأن الربا مناف للخير فهو مما يكون هباء منثوراً. ولما آذن جعلهم من أصحاب النار أن من لم ينته عن الربا أصلاً أو انتهى وعاد إلى فعله مرتبك في شرك الشرك قاطع نحوه عقبات: ثنتان منها في انتهاك حرمة الله: ستر آياته في عدم الانتهاء، والاستهانة بها في العود إليه، الثالثة انتهاك حرمة عباد الله فكان إثمه متكرراً مبالغاً فيه لا يقع إلا كذلك عبر سبحانه وتعالى بصيغة

المبالغة في قوله عطفاً على ما تقديره تعليلاً لما قبله: فالمتصدق مؤمن كريم والمربي كفار أثيم: {والله} المتصف بجميع صفات الكمال {لا يحب كل كفار} أي في واجب الحق بجحد ما شرع من آياته وسترها والاستهانة بها، أو كفار لنعمته سبحانه وتعالى بالاستطالة بما أعطاه على سلب ما أعطى عباده {أثيم *} في واجب الخلق، أي منهمك في تعاطي ما حرم من اختصاصاتهم بالربا وغيره، فلذا لا يفعل معهم سبحانه وتعالى فعل المحب لا بالبركة في أموالهم ولا باليمن في أحوالهم، وهذا النفي من عموم السلب، وطريقه أنك تعتبر النفي أولاً ثم تنسبه إلى الكل، فيكون المعنى: انتفى عن كل كفار أثيم حبه، وكذا كل ما ورد عليك من أشباهه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أولاً ثم نفيت فهو لسلب العموم، وإن اعتبرت النفي أولاً ثم نسبته إلى الكل فلعموم السلب، وكذلك جميع القيود؛ فالكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون لتقييد النفي، فمثل: ما ضربته تأديباً، أي بل إهانة، سلب للتعليل والعمل

للفعل، وما ضربته إكراماً له، أي تركت ضربه للإكرام، تعليل للسلب والعمل للنفي، وما جاءني راكباً، أي بل ماشياً، نفي للكيفية، وما حج مستطيعاً، أي ترك الحج مع الاستطاعة، تكييف للنفي؛ وقد أشبع الشيخ سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى الكلام في ذلك في شرحه للمقاصد في بحث الرؤية عند استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 104] .

277

ولما بين تعالى ما سلبه عن الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته للمؤمنين المصدقين من رحمة الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر كما تقدم آنفاً على وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيراً إلى قسيم {ومن عاد} {إن الذين آمنوا} أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم عن الله سبحانه وتعالى {وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} ائتماراً

وانتهاء لا سيما ترك الربا. ولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق والخلق خصها بالذكر فقال: {وأقاموا الصلاة} بجميع حدودها {إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45] . ولما كان الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج الواجب من المال عن طيب نفس قال: {وآتوا الزكاة} فضلاً عن أن يبخلوا فضلاً عن أن يربوا ودل على أن جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة بقوله: {لهم أجرهم} وأعلم بحفظه وتنميمته بقوله: {عند ربهم} وآذن بتمام الانتفاع بقوله: {ولا خوف عليهم} أي من طارق يطرقهم بغير ما يلائمهم لأنهم في كنف العزيز العليم {ولا هم يحزنون} على شيء فاتهم فهم في غاية الرضى بما هم فيه، ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير مرة ونوه به كرة في أثر كرة. ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف

من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفياً لما قد يتوهم من قوله سابقاً {فله ما سلف} من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطباً لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفاً لهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالتصديق بألسنتهم. ولما كان الربا قد يكون مؤجلاً فيكون صاحبه قد مضت عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ سبحانه وتعالى في التشديد في هذه المواعظ فقال: {اتقوا الله} أي الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم {وذروا} أي اتركوا أي ترك كان {ما بقي من الربا} أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه. ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق

في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال: {إن كنتم مؤمنين} أي متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم. قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا، وهذه الآية أصل عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني. ولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله: {فإن لم تفعلوا} أي ترك الربا. قال الحرالي: في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. {فأذنوا بحرب} أي عظيمة. قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع، المدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال: {من الله} العظيم الجليل {ورسوله} صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال

الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محارباً له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى. {وإن تبتم} أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه {فلكم رؤوس أموالكم} أي كما هو حال البيع. ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: {لا تظلمون} أي بأخذ شيء مما بقي من الربا {ولا تظلمون} بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق. ولما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل: هذا حكم الموسر {وإن كان} أي وجد من المدينين {ذو عسرة} لا يقدر على الأداء في هذا الوقت {فنظرة} أي فعليكم نظرة له. قال الحرالي: وهو التأخير المرتقب نجازه {إلى ميسرة} إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين؛ قال الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح إنباء عن توسطها ليكون اليسر

في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. {وأن تصدقوا} أي وصدقتكم على المعسر بتركه له، ذلكم {خير} في الدنيا بما يبارك الله سبحانه وتعالى {لكم} ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر. ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة من النسبة إلى الجهل قال: {إن كنتم تعلمون} أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب العاوية. وقال الحرالي: فأعلم سبحانه وتعالى أن من وضع

كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى. وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لما أنزلت الآيات الأواخر - وفي رواية: من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي رواية: على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر» وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «آخر آية نزلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية الربا» ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين. وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: آخر آية نزلت من القرآن {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] قال: زعموا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى. ولا مخالفة لأنها من آية الربا والدين. وروى الحديث أبو عمرو الداني في كتاب «البيان في عدد آي القرآن» وقال فيه: «قال الملك: اجعلها على

رأس ثمانين ومائتين من البقرة» . ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير: فامتثلوا ما أمرتم به واجتنبوا ما نهيتم عنه، فعطف عليه تخويفاً من يوم العرض عليه والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي: لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها من خطاب الله سبحانه وتعالى لها فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مقابلة {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] الذي هو أول منزل النبوة

و {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر خطاب الله سبحانه وتعالى في آية {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] انتهى - فقال تعالى: {واتقوا يوماً} أي في غاية العظم {ترجعون فيه} حساً بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعاً ظاهراً لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب {إلى الله} الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد، فيكون حالكم بعد النقلة من الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلاً ولا متصرف فيكم إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله سبحانه وتعالى عليه من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك

فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة، واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة؛ وأشار سبحانه وتعالى إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله {ثم} قال الحرالي وقيل: «يا رسول الله! أين يكون الناس {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48] ؟ قال: في الظلمة دون الجسر» وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يقيمون في الظلمة ألف سنة» وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل الأرض وما شاء الله سبحانه وتعالى من أمره انتظاراً لمجيئه؛ ففي عبرة مقاله والله سبحانه وتعالى أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف

سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] ، فيكون ذلك تسعة أيام؛ ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم الدنيا - ثم وصف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المواقف إلى منتهاها - انتهى. ولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه فضلاً عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله: {توفى} أي تعطى على سبيل الوفاء {كل نفس ما كسبت} من خير وشر. قال الحرالي: جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في الآية التي بعدها {لها

ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى. ولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلاً يتسامح فيه بمائة مثلاً بيّن أن الأمر عنده على غير ذلك فقال: {وهم لا يظلمون *} شيئاً من الأشياء ولو قلّ، وهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي: وهذه الآية ختم للتنزيل وختم لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى. ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذوناً فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين. وأيضاً فإنه سبحانه

وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهراً ويزكيانه باطناً: الصدقة وترك الربا، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال: {يا أيها الذين آمنوا} كالذي تقدمه {إذا تداينتم} من التداين تفاعل بين اثنين من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى معاملة على تأخير - قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلاً أو لا، وهو خلاف الحاضر والعين، وقال: {بدين} مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين، لأنه مداينة بدينين. قال الحرالي: فكان

في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالاً وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولاً كان باطلاً بقوله: {إلى أجل مسمى} قال الحرالي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين. ولما كان الله سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعاً لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات

فقال سبحانه وتعالى أمراً للإرشاد لا للإيجاب {فاكتبوه} وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه {أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون *} [المؤمنون: 115] {ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} [الأنعام: 2] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله: {وليكتب بينكم} أي الدين المذكور {كاتب} وإن كان صبياً أو عبداً كتابة مصحوبة {بالعدل} استناناً به سبحانه وتعالى في ملائكته {وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين *} [الانفطار: 10] {بأيدي سفرة * كرام بررة *} [عبس: 15] . ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديماً لدرء المفاسد ثم الأمر فقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب} أي ما ندب إليه من ذلك {كما علمه الله} أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره

من خلقه شكراً له على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله سبحانه وتعالى لا ينقص عنها شيئاً {فليكتب} وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من المشقة. ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال: {وليملل} من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولاً وعلى الكتاب رسماً - قاله الحرالي {الذي عليه الحق} ليشهد عليه المستملي ومن يحضره. ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل من ذلك فقال: {وليتق الله} فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال: {ربه} تذكيراً بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير، وترجية للعوض في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره؛ وأكد ذلك بقوله: {ولا يبخس} من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن

محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم {منه شيئاً} . ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال سبحانه وتعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} فلا يعتبر إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا {أو ضعيفاً} عن الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن القوى حساً أو معنى {أو لا يستطيع أن يمل هو} كعيّ أو حياء أو عجمة ونحوه {فليملل وليه} القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل {بالعدل} فلا يحيف عليه ولا على ذي الحق. قال الحرالي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله سبحانه وتعالى على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وما تفصل منها {الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاماً من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن

استطاعته - انتهى. ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال: {واستشهدوا} أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها {شهيدين} قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين: شاهد التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة، وفي صيغة فعيل مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى. ولما بيّن عدد الشاهد بيّن نوعه فقال: {من رجالكم} وأعلم بالإضافة اشتراط كونه مسلماً وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم الحريّة كقوله {ولا يأب الشهداء} والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه. قال الحرالي: ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة

فقال: {فإن لم يكونا} أي الشاهدان {رجلين} أي على صفة الرجولية كلاهما {فرجل وامرأتان} وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب؛ ولما كنّ ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. ولما بيّن العدد بيّن الوصف فقال: {ممن ترضون} أي في العدالة {من الشهداء} هذا في الديون ونحوها. قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى. ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال: {أن تضل إحداهما} أي تغيب عنها الشهادة فتنساها أو شيئاً منها {فتذكر إحداهما الأخرى} فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة. قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، لأن المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف

ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، وفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معاً شاهد واحد حافظ - انتهى. وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر، والآية من الاحتباك. ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله: {ولا يأب الشهداء} أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل {إذا ما دعوا} دعاء جازماً بما أفهمته زيادة ما. ولما تمّ ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تُركت تهاوناً بالصغير ومللاً للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيماً لشأنه فقال: {ولا تسئموا} من السآمة. قال الحرالي: بناء مبالغة وهو أشد الملالة {أن تكتبوه} أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته {صغيراً} كان الدين {أو كبيراً} طالت الكتابة أو قصرت. قال الحرالي: ولم يكن قليلاً أو كثيراً، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، فربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان القليل العدد كثيراً بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر

أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى. {إلى أجله} أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه. ولما كان كأنه قيل: ما فائدة ذلك؟ فقيل: {ذلكم} إشارة بأداة البعد وميم الجمع إلى عظم جدواه. قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالاً على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. {أقسط} أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه الاقتضاب: إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل. وقال الحرالي: {أقسط} من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ثم زاد تعظيمه بقوله: {عند الله} أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته، لأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين {وأقوم للشهادة} أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه {وأدنى} أي أقرب في {ألاّ ترتابوا} أي تشكوا في شيء من الأمر الذي

وقع. قال الحرالي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيماً لشهادتهما، فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى. ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضاً أو تجارة ينمي بها المال المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر الكتابة تأكيداً ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: {إلا أن تكون} أي المداينة {تجارة حاضرة} هذا على قراءة عاصم، وكان في قراءة غيره تامة {تديرونها بينكم} أي يداً بيد، من الإدارة. قال الحرالي: من أصل الدور وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه {فليس عليكم} حينئذ {جناح} أي اعتراض في {ألاّ تكتبوها} أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء

فبعد ما يخشى من التجاحد. ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع قال: {وأشهدوا} سواء كانت كتابة أو لا {إذا تبايعتم} أي على وجه المتجر عاجلاً أو آجلاً أو لا للمتجر، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق بما فيه من الإنصاف، والأمر للإرشاد فلا يجب. ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهياً: {ولا يضار} يصح أن يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما {كاتب ولا شهيد} أي لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض

له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. {وإن تفعلوا} أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره {فإنه فسوق} أي خروج {بكم} عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى. وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفاً على ما تقدم من أمر ونهي، أو على ما تقديره: فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه-: {واتقوا الله} أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير استئنافاً لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم، عطف عليه قوله: {ويعلمكم الله} أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم. وقال الحرالي: وفي قوله: {يعلم} بصيغة الدوام إيذان بما

يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى. وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيماً للمقام وتعميماً للتعليم فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء عليم *} وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد.

283

ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضوراً يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله: {وإن كنتم} ولما كان الإنسان في السفر يكون مستجمع القوى كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على سفر} يعوز مثله إحضار كاتب {ولم تجدوا كاتباً فرهان} أي فيغنيكم عن الكتب رهن يكون بدلاً عنه، وقرىء: فرهان، وكلاهما جمع رهن - بالفتح والإسكان، وهو التوثقة بالشيء مما يعادله بوجه ما. وأشار بأن بدليتها لا تفيد إلا بما وصفها من قوله: {مقبوضة} أي بيد رب الدين وثيقة لدينه.

ولما كان التقدير: هذا إن تخوفتم من المداين، عطف عليه قوله: {فإن أمن} ولما كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال: {بعضكم بعضاً} أي فلم تفعلوا شيئاً من ذلك {فليؤد} أي يعط، من الأداء وهو الإتيان بالشيء لميقاته. ولما كان المراد التذكير بالإحسان بالائتمان ليشكر ولم يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله: {الذي اؤتمن} من الائتمان وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى المؤتمن - قاله الحرالي: {أمانته} وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين إحساناً إليه وحسن ظن به، وكذا إن كان الائتمان من جهة الراهن {وليتق الله} المستجمع لصفات العظمة {ربه} أي الذي رباه في نعمه وصانه من بأسه ونقمه وعطّف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق على الصفة التي أخذه بها فلا يخن في شيء مما اؤتمن عليه.

ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت الأنفس مجبولة على الشح مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ويشتد عنها المشاحنات وربما كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره فيحمل ذلك الشهود على السكوت قال سبحانه وتعالى: {ولا تكتموا الشهادة} أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو لا. ولما نهى أتبع النهي التهديد فقال: {ومن يكتمها فإنه آثم} ولما كان محلها القلب الذي هو عمدة البدن قال: {قلبه} ومن أثم قلبه فسد، ومن فسد قلبه فسد كله، لأن القلب قوام البدن، إذا فسد فسد سائر الجسد. ولما كان التقدير: فإن الله سبحانه وتعالى عالم بأنه كتم وكان للشهداء جهات تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد تلك الأعمال بإحاطة العلم: {والله} أي

المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر الأكوان فكانت أحواله مضبوطة بأنواع من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه فلذلك قدم قوله: {بما تعملون} أي كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا {عليم *} قال الحرالي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولاً وأمر ما بين الخلق والخلق مثلاً - انتهى. ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعداً للمطيع متوعداً للعاصي مصرحاً بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له: - وقال الحرالي: ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم بأنه سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات والأرض؛ انتهى - فقال: {لله} أي الملك الأعظم. ولما

كانت ما ترد لمن يغفل وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال: {ما في السماوات} أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره {وما في الأرض} مما تنفقونه وغيره من عاقل وغيره، يأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء. ولما كان التقدير: فهو يعلم جميع ما فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه بما يريد، عطف عليه محذراً من يكتم الشهادة أو يضمر سوءاً غيرها أو يظهره قوله تعالى: {وإن تبدوا} أي تظهروا

{ما في أنفسكم} من شهادة أو غيرها {أو تخفوه} مما وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي كرهتموها ولم تعزموا عليها. قال الحرالي: من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته {يحاسبكم} من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها {به الله} أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال. قال الحرالي: وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال

نظيفاً - انتهى وفيه تصرف. ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف: {فيغفر لمن يشاء} أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا {ويعذب من يشاء} بتكفير أو جزاء. ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام علمه من كمال قدرته: {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {على كل شيء قدير *} أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها. قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر الشهادة، وقال الأكثرون: هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله

تعالى عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لله ما في السماوات} الآية إلى {قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله! كُلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أترون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] ، قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} قالوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} . فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه} إلى {المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى {أو أخطأنا} قال: نعم» قال البغوي: وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: قد فعلت، واستمر إلى آخر السورة كلما قرؤوا جملة قال: نعم. فقد تبين

من هذا تناسب هذه الآيات، وأما مناسبتها لأول السورة رداً للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال، وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيماً للمدح وترغيباً في ذلك الوصف فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافاً لجواب من كأنه قال: ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها؟ {آمن الرسول} أي بما ظهر له من المعجزة القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره الله سبحانه وتعالى بإنزاله فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع الخلائق

الذين هم لله سبحانه وتعالى، وأنه الجامع لما تفرق فيهم من الكمال، وأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من المزايا والأفضال {بما أنزل إليه} أي من أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص هو به ورغب في الإيمان بما آمن به بقوله: {من ربه} أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له بجميل التزكية فهو لا ينزل إليه إلا ما هو غاية في الخير ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة. قال الحرالي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قالت له فاطمة رضي الله تعالى عنها عند موته: واكرباه! : «لا كرب على أبيك بعد اليوم» وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه «ما أوذي أحد في الله ما أوذيت» فنال حظه من حكمة ربه في دنياه حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما شبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً عاجلاً حتى لقي الله؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ولا سجن

عليه بعد خروجه من دنياه، «الحمى حظ كل مؤمن من النار» انتهى. ولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال: {والمؤمنون} معبراً بالوصف الدال على الرسوخ أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام الله سبحانه وتعالى بما دلت على أن الآتي به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولما أجمل فصل فقال مبتدئاً: {كل} أي منهم. قال الحرالي: فجمعهم في كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن القبول واحد والرد يقع مختلفاً - انتهى. ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله: {آمن بالله} أي لما يستحقه من ذلك لذاته لما له من الإحاطة بالكمال {وملائكته} الذين منهم النازلون بالكتب، لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك {وكتبه} أي كلها {ورسله} كلهم، من البشر كانوا أو من الملائكة، فإن فيما أنزل إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإخبار

بذلك. قال الحرالي: انقياداً لامتثال من البشر. ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض قال مؤكداً لما أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا: {لا نفرق} كما فعل أهل الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال: {بين أحد} أي واحد وغيره {من رسله} أي لا نجعل أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه في ذلك بل نؤمن بكل واحد منهم، والذي دل على تقدير «قالوا» دون غيره أنه لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفاً عليها: {وقالوا سمعنا} أي بآذان عقولنا كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له {وأطعنا} أي لكل ما فيه من أمرك. قال الحرالي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على المصر - انتهى.

ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعاً منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد: {غفرانك} أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا، والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله: {فيغفر لمن يشاء} . قال الحرالي: فهذا القول من الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، فهو شامل للجميع كل على رتبته - انتهى. وزادوا تملقاً بقولهم: {ربنا} ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب الغفران. قال الحرالي: وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بُعد قط؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون غفراً للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل

منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه وتعالى التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من قوله: «حمدني عبدي - إلى أن قال: ولعبدي ما سأل» وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله: «قد فعلت قد فعلت» وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب الأمر أولاً وسلب القدرة عما سواه آخراً، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين، فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ربه - انتهى. ولما كان التقدير بما أرشد إليه {ربنا} : فإنه منك مبدأنا، عطف عليه قوله حثاً على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص: {وإليك} أي لا إلى غيرك {المصير} أي مطلقاً لنا ولغيرنا. وقال ابن الزبير: ولما بين سبحانه وتعالى أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيراً من حالهم ونهياً عن مرتكبهم وحصل

قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه وتعالى: {آمن الرسول بما أنزل} فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا: {سمعنا وأطعنا} لا كقول بني إسرائيل. {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ، فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذاً وتركاً وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه. وكان العباد لما علموا {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]- إلى آخر السورة قيل لهم: عليكم بالكتاب - إجابة لسؤالهم؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم: أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين بيّن شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين بيّن

أمرهم وشأنهم؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك، وأن يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما يثمره الخطأ والنسيان، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه، وأن يعفو عنه - إلى آخر السورة؛ انتهى. ولما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم: {لا يكلف الله} أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال {نفساً إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه، وذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم

الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معيناً لصاحبه، فهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف به؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلباً للوفاء بما أخبرهم به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه سبحانه وتعالى خوفاً من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب: إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء لهم على قولهم {سمعنا وأطعنا} - الآية،

فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله {وإن تبدوا ما في أنفسكم} - الآية، بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] من الآصار في الدنيا والآخرة، فيكون حينئذ استئنافاً جواباً لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم؟ ويكون شرح قوله أول السورة: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستفتاح بقوله: {لها} أي خاصاً بها {ما كسبت} وذكر الفعل مجرداً في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته. قال الحرالي: وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى. {وعليها} أي بخصوصها {ما اكتسبت} فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع

التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط، فلذلك من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام. ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاماً بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسياناً ولا بما قارفوه خطأ ولا حمل عليهم ثقلاً بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاً ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم، ثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلاً للخلافة؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين، إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم، وليكون الدعاء كله محمولاً على الإصابة ومشمولاً بالإجابة فقال سبحانه وتعالى: {ربنا لا تؤاخذنا} أي لا تفعل معنا فعل

من يناظر خصماً فهو يناقشه على كل صغير وكبير {إن نسينآ} أي ففعلنا ما نهيتنا عنه {أو أخطأنا} أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءاً. قال الحرالي: والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ودّ أن لا يخطىء، وفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله - انتهى. وإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز كما تقدمت الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف الإحسان والرأفة. ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم مشقته من التكاليف فإنه لا يسأل عما يفعل قال: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} أي ثقلاً. قال الحرالي: هو العهد الثقيل أي الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى. ثم عظم المنة

بقوله: {كما حملته على الذين من قبلنا} إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق من الأحكام ما يهدّ الأركان تأكيداً لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، وأصل الإصر العاطف، أصره الشيء يأصره: عطفه، ويلزمه الثقل لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف وهو المقصود هنا؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة جداً، منها ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح من دك الذبيحة على زوايا المذبح، ثم قال: ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب قبة الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً لأنه سفك دماً ويهلك ذلك الرجل من شعبه، ومن أكل دماً نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس بالدم،

ومن قرب قرباناً أكل منه يوم ذبحه وثانيه، وما بقي في الثالث أحرق بالنار، ومن أكل منه هلك من شعبه؛ ومن ذلك في ذوي العاهات أن من برص من الآدميين يجلس وحده ولا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجاً من محلة بني إسرائيل - حتى ذكر البرص في الثياب والبيوت وغيرها، فما برص من الجلود والثياب يقطع موضع البرص منه، فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله بالنار، وإن ظهر في بيت برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجاً من القرية ويحرق بالنار؛ وكذا مرض السلس فيه تشديدات كثيرة، منها أن من جلس على ثوب عليه مسلوس يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل - ونحو هذا؛ ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: هذه سنة الأبرص الذي يتطهر: يقدم إلى الكاهن ويخرجه خارجاً من العسكر وينظر الحبر

إن كانت ضربة البرص قد برأت وتطهر منها يأمر الحبر فيقدم، ويؤتى بعصفورين حيين زكيين، وعود من خشب الأرز، وعهنة حمراء - وعد أشياء أخرى؛ وقرباناً على كيفية مخصوصة صعبة على عين ماء، ويغسل ثيابه وبدنه، ويحلق شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وكل شعر جسده، وأنه يمكث خارجاً من بيته سبعة أيام، وفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب على كيفية مخصوصة، وينضح الكاهن من دمه على ثياب وبدن هذا الذي تطهر من البرص، وكذا من زيت قربانه، ويصب بقيته على رأسه. وكذا في مرض السلس إذا برأ المسلوس يمكث سبعة أيام، ثم يتطهر ويغسل ثيابه، ويقرب قرباناً في باب قبة الزمان. وقال: وأي رجل أمذى أو خرج منه منيه يغسل جسده كله بالماء، ويكون نجساً إلى الليل؛ ومن دنا من الحائض يكون

نجساً إلى الليل وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجساً إلى الليل وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجساً، ومن دنا من فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل، وكذا المستحاضة. وفيه أيضاً: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: المرأة إذا حبلت وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام كما تكون في أيام حيضها، وفي اليوم الثامن يختن الصبي، وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوماً، لا تدنو من شيء مقدس، ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى تتم أيام تطهيرها؛ فإن ولدت جارية تكون مثل نجاستها في أيام حيضها أربعة عشر يوماً وتجلس مكانها على الدم الزكي ستة وستين يوماً، فإذا كملت أيام تطهيرها ابناً ولدت أو بنتاً تجيء بحمل حول - فذكر قرباناً في قبة الزمان على يد الكاهن لتطهر مما كان يجري منها من الدم. ومن الآصار ما في السفر الثاني أيضاً من أنهم إذا حصدوا أرضاً أو قطفوا كرماً حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن يتركوا للمساكين، ثم قال:

ولا تلتقطوا ما ينتثر من زيتونكم بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إليّ لأني أنا الله ربكم، ثم قال: فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر ثماراً تؤكل فدعوها ثلاث سنين ولا تأكلوا من ثمارها، فإذا كان في السنة الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة للرب ومجداً لإكرامه، وفي السنة الخامسة كلوا ثمارها فإنها تنمو وتزداد لكم غلاتها، أنا الله ربكم! وقال في أواخر السفر الخامس وهو آخر أسفارها: لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن بينكم في القضاء، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهناً، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر وأنقذكم الرب من هناك، لذلك آمركم وأقول لكم إنه واجب عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة، ليبارك الله ربكم في جميع أعمال أيديكم؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم والساكن والأرملة؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها بل دعوها ما يعيش به الساكن

واليتيم والأرملة؛ واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر، لذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} [المائدة: 47] . ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان قبلهم من الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه في القضاء، وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع، لأنه المالك التام المِلك والمَلِك المنفرد بالمُلك، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا: {ربنا ولا} وعبر بالتفعيل لما فيه بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال: {تحملنا ما لا طاقة} أي قدرة {لنا به} . ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاماً فقالوا: {واعف عنا} أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها {واغفر لنا} أي ولا تذكرها لنا أصلاً، فالأول العفو عن عقاب الجسم، والثاني العفو عن عذاب الروح.

وقال الحرالي: ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله: {وارحمنا} أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة. ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة {لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم} [هود: 43] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم، فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلاً عنهم: {أنت مولانا} والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع لها - انتهى بالمعنى. وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال، وذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما، فثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال: {فانصرنا} باللسان والسنان، وأشار إلى قوة

المخالفين حثاً على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله: {على القوم} وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله: {الكافرين} أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة، فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء، وأن قوله تعالى {لا إكراه في الدّين} [البقرة: 256] ليس ناهياً عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدّين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلاً عن الإحواج إلى إرهاب، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه عقله، ومن أبى أدخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام. ولما كان الختم بذلك مشيراً إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلاً ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبهاً على أن بداية هذه الصورة هداية وخاتمتها خلافة، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناماً للقرآن، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة

الفاتحة فتكون أماً للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي. وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها النبي والأئمة وتفصيل آيات مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفاً منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى، فكان ما كان

في القرآن من {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} [لقمان: 26] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة: كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد، ورد «أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء» ، و «أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام» وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول، ويبين بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من

أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع علهيا أو ختم عليها بفجور أو طغيان؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام، فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين، وكتاب الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا: {غفرانك ربنا} إلى انتهائها؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية

القيومية إلاحتها ونور آياتها، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة، فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم، فكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحاً، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة، وبما هما من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في

المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون إحاطته؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى. وسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام، ثم خص العرب ومن تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا على

أنه مقصود بالذات، فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهية {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} [البقرة: 163] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقياً لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً مسمى جميع الأسماء {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة

إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال بدونه، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام، وأرشد إلى آداب الدين الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك، توفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متلبس به؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة، وختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد، وذلك هو طريق أهل الرشاد، والهداية والسداد والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب.

آل عمران

{بسم الله} الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال {الرحمن} الذي وسعت رحمة ايجاد كل مخلوق وأوضح للمكلفين طريق النجاة {الرحيم} الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه وموطن جمعه وقدسه {الم *} المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى، والإخبار بأن رئاسة الدنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ينبغي الأقبال عليه والمسارعة اليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار

ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر لي أولاً، وأحسن منه أن نخص القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان إليه، وذلك لأن الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة، فالقيام يكون على كل نفس، والاستقامه العدل كما قال: {قائماً بالقسط} [آل عمران: 18] أي بعقاب العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموفق ترك العصيان ولزوم الطاعة؛ وهذا الوجه أوفق للترتيب، لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالاً جاء به التفصيل محاذياً لذلك، فابتدىء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين، ثم بسورة التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة، لأن التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه، ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها داعية إلى الاجتماع على ذلك؛ وأيضاً

فلما ثبت بالبقرة أمر الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة الجامعة في قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] فأثبت الوحدانيه له بإبطال إلهيه غيره بإثبات أن عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى، فلما ثبت أن الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم إليه واجتماعهم عليه؛ ومما يدل على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران، فإن لم يعرب عنه في هذه السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من أخبارهم بما فيها من الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن التوحيد خاصته المعقولة، والتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت الزهراء.

القصد الأول التوحيد ومناسبه هذا الأول بالإبتدائيه لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة في الحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان، لأنها أوضحت أمر الدين بحيث لم يبقى وراءها مرمى لمتنعت، أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو استبعد شيئاً من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدله مع وضوحه، أو إشارة إلى الاستدلال على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات، وبيان بعض ما يتعلق بذلك، وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات والأرض، والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك، وبأنهم لا يفرقون بين أحد من الرسل المشار إليهم في السورة، وبصدقهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، وبالنصرة على عامة الكافرين؛ لما كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غايه المناسبة ابتداء هذه السورة بالذي وقع الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت الرغبات آخر تلك إليه؛ وأحسن منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحه على وجه أرشد فيه إلى سؤال الهداية ثم شرع في

تفصيل ما جمعه في الفاتحة، فأرشد في أول البقرة إلى أن الهدايه في هذا الكتاب، وبيّن ذلك بحقية المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة، وأفهم ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده النصر، علم أنه واحد لا شريك له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو الحق، فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك، كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات المنتجة لها فقال: {الله} أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص. وقال الحرالي مشيراً إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقراراً لله سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب: هو ما رضيه الله سبحانه وتعالى فأقره؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى فيما يرجع إليه، وفيما يرجع إلى عبده، وفيما بينه وبين عبده، فكانت أم القرآن وأم الكتاب؛ جعل مثنى تفصيل

ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن موقعه في الفاتحة مضمناً سورة البقرة إلى ما أعلن به، لألأ نور آية الكرسي فيها، وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله سبحانه وتعالى في الفاتحة، فكان منزلة سورة آل عمران منزله تاج الراكب وكان منزله سورة البقرة منزلة سنام المطية؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران» وإنما بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي علن أمر الله، فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظاً وبتلقيه على اللقن منزل الكتاب بما أبداه علنه في هذه السورة؛ وبذلك يتضح أن إحاطة {الم} المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو قيامه وتمامه، ووصلة ما بين قيامه وتمامه، وأن إحاطة {الم} المنزلة في أو هذه السورة إحاطة إلهية حيايية قومية مما بين غيبة عظمة اسمه {الله} إلى تمام

قيوميته البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه {الحي القيوم} وما أوصله لطفه من مضمون توحيده المنبىء عنه كلمه الإخلاص في قوله: {لا إله الا هو} فلذلك كان هذا المجموع في منزله قرآناً حرفياً وقرآناً كلمياً اسمياً وقرآناً كلامياً تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم أله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] ، {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} » وكما وقعت إلاحة في سورة البقرة لما وقع بها الإفصاح في سورة آل عمران كذلك وقع في آل عمران من نحو ما وقع تفصيله في سورة البقرة ليصير منزلاً واحداً بما أفصح مضمون كل سورة بالإحة الأخرى، فلذلك هما غمامتان وغيايتان على قارئهما يوم القيامة كما تقدم لا تفترقان، فأعظم {الم} هو مضمون {الم} الذي افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة البقرة، ويليه في الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} [لقمان: 2] فللكتاب الحكيم إحاطة قواماً وتماماً ووصلة،

ولمطلق الكتاب إحاطة كذلك، وإحاطه الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة؛ وكذلك أيضاً اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف اللواميم، وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه وعلمه لمن آتاه الله فهماً بمنزله قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة دون سائر الأمم، الذي هو من العلم الأزلي العلوي؛ ثم قال: ولما كانت أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه «الله» الذي هو مسمى التسعة والتسعين أسماء التي أولها {إله} كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى إحاطات الحروف على نحو إحاطة اسمه «الله» في الأسماء، فكانت هذه الألف مسمى كل ألف كما كان اسمه {الله} سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى أنه مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم

الذي هو {الله} الأحد الذي لم يتطرق إليه شرك، كما تطرق إلى أسمائه من اسمه {إله} إلى غايه اسمه «الصبور» وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر الألفات أسماء لعظيم إحاطتة؛ وكذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف كذلك سائر الميمات اسم لمسمى هذا الميم، كما أن اسمه {الحي القيوم} أعظم تمام كل عظيم من أسماء عظمته؛ وكذلك هذه اللام بمنزلة ألفه وميمه، وهي لام الإلهية الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته؛ فمن لم ينته إلى فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في الكلم والكلام المنتظم في قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ، فهو قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي انتهى. فقوله: {الله} أي الذي آمن به الرسول وأتباعه بما له من الإحاطة بصفات الكمال {لا إله إلا هو} أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم عليه في المسألة. قال الحرالي: فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي الله في هذه

الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، ولما كان إحاطة العظمة أمراً خاصاً لأن العظمة إزاء الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة أهل العلم اسمه «الله الصمد» الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن عنه: أين الله؟ فيقول: في السماء، إلى حد علو أن يقول: فوق العرش، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه {إله} الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام، فلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم «الله» ، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيباً في بواطنها فتقول فيه: هو، فكان هذا الخطاب مبدوءاً بالاسم العظيم المظهر منتهياً إلى الاسم المضمر، كما كان خطاب {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] مبدوءاً بالاسم المضمر منتهياً إلى الاسم العظيم المظهر، وكذلك أيضاً اسم الله الأعظم في سورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] كما هو في هذه الفاتحة. ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك؛ انتهى ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا

يموت قال: {الحي} أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها. ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال: {القيوم *} إعلاماً بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء. قال الحرالي: فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته انتهى. وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه، وحث على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة اليه. ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك، وهو الكتاب المذكور في قوله: {بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: 285] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله: {بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] وفي آخرها بقوله {وكتبه ورسله} [البقرة: 285] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار المرفوعة عنا، ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء، وذلك لأن المصالح قسمان: روحانية وجسمانية، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو الروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق،

وأشرف المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف. ولما كانت مادة «كتب» دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه التفريق لتشمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال: وقال الحرالي: ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب رداً عليه، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الأحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدرج من رتبة إلى رتبة دونها؛ انتهى فقال: {نزّل} أي شيئاً فشيئاً في هذا العصر {عليك} أي خاصة بما اقتضاه تقديم الجار من الحصر، وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم أنه يوحي إليه وأنه يقدر على الإتيان بمثل هذا الوحي {الكتاب} أي القرآن الجامع للهدى منجماً بحسب الوقائع، لم يغفل عن واحدة منها ولا قدم جوابها ولا أخره عن محل الحاجة، لأنه قيوم لا يشغله شأن عن شأن.

قال الحرالي: وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجامع الأول الذي لا ينزل إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن صور الأواخر مقامة بحقائق الأوائل، فأول الأنوار الذي هو نور محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو قثم خاتم الصور التي هي صورة محمد انتهى. تنزيلاً ملتبساً {بالحق} أي الأمر الثابت، فهو ثابت في نفسه، وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك. قال الحرالي: وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب كذلك هو الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه، وهو الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع انتهى. حال كونه {مصدقاً} ولما كان العامل مرفوعاً لأنه أمر فاعل قواه في اللام فقال: {لما بين يديه} أي من الكتب السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عن الحضرة الإلهية. قال الحرالي: لما كان هذا الكتاب أولاً وجامعاً ومحيطاً كان كل كتاب بين يديه ولم يكن من ورائه كتاب انتهى. ولما كان نزاع وفد ونجران في الإله أو النبي أو فيهما

كان هذا الكلام كفيلاً على وجازتة بالرد عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله بالقيومية، وفي المعنى بالكتاب المعجز، ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة أشار إلى أن ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو أعلى منها في كل أمر أوجب تصديقها وإلى أن من أنكره بعد ذلك كان من الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في عناده فقال: {وأنزل التوراة} وهو «فوعلة» لو صرفت من الورى وهو قدح النار من الزند، استثقل اجتماع الواوين فقلب أولهما تاء كما في اتحاد واتّلاج واتّزار واتّزان ونحوه قال الحرالي: فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من كفر دعي إليها من الفراعنة، فكان فيها هدى ونور {والإنجيل *} من النجل، وضع على زيادة «إفعيل» لمزيد معنى ما وضعت له هذة الصيغة، وزيادتاها مبالغه في المعنى، وأصل النجل استخراج خلاصه الشيء، ومنه يقال للولد: نجل أبيه. كان الإنجيل استخلص خلاصه نور التوراة فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة، فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح أمر الدنيا وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع إحاطة

الظواهر، وكل آية ظاهرة فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر البواطن يحيط بالأمور النفسانية التي بها يقع لمح موجود الآخرة مع الإعراض عن إصلاح الدنيا بل مع هدمها، فكان الإنجيل مقيماً لأمر الآخرة هادماً لأمر الدنيا مع حصوله أدنى بلغة، وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا مع تحصيل الفوز في الآخرة، فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهر والباطن، فكان منزل التوراة من مقتضى اسمه الظاهر، وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن، كما كان منزل الكتاب الجامع من مقتضى ما في أول هذه السورة من أسمائه العظيمة مع لحظ التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه الله وسائر أسمائه على وجوه إحاطاتها انتهى وفيه تصرف؛ فأحاط هذا الكتاب إحاطة ظاهرة بأمري الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه للكتابين، وخصهما سبحانه وتعالى بالتنويه بذكرهما إعلاماً بعلي قدرهما. ولما لم يكن إنزالهما مستغرقاً للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل الجار معرياً من التقيد بمن نزلا عليه لشهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن {من قبل} أي من قبل هذا الوقت إنزالاً انقضى

أمره ومضى زمانه حال كون الكل {هدى} أي بياناً، ولذا عم فقال: {للناس} وأما في أول البقرة فبمعنى خلق الهداية في القلب، فلذا خص المتقين؛ والحاصل أن هذه الآية كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل: كل آمن بالله لأنه متفرد بالألوهية، لأنه متفرد بالحياة، لأنه متفرد بالقيومية؛ وآمن برسله الذين جاؤوا بكتبه المنزلة بالحق من عنده بواسطة ملائكته. ولما كانت مادة «فرق» للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على التدريج لما تقدم من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز لاقتضاء الإعجاز، وجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالاً تنبيهاً على علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبه المتقين الذين هو هدى لهم، وبتقواهم يكون لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى: {وأنزل الفرقان *} أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما يريد من الفصل والوصل الذي هو وظيفه السادة المرجوع إليهم عند الملمات، المقترن بالمعجزات الفارقة بين الحق والباطل، وسترى هذا المعنى إن شاء

الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا؛ فعل ذلك لينفذ قائله أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء المضلة والنحل الفاسدة، وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى الدعاء به ختام البقرة. قال الحرالي: فكان الفرقان جامعاً لمنزل ظاهر التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعاً يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده للتقوى التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الانفال: 29] فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع، فصار التنزيل في ثلاث رتب: رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع، ثم رتبة الفرقان المظهر لمحل الجمع بين الظاهر والباطن، ثم منزل التوراة والإنجيل المختفي فيه موضع ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى. ومناسبة ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان

وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت، وأن الخلق أخذ في النقصان، وهذا العالم أشرف على الزوال، فلم يأت بعده من قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكان هذا النبي الذي أتى بعده من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقاً، وكان مبعوثاً مع نفس الساعة، وكان نزوله هو آخر الزمان علماً على الساعة، وصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا زمان إرثه، وأن يكون ولا شيء معه كما كان، وأن الحين الذي يتمحض فيه تفرد الواحد قد حان، والآن الذي يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن؛ ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه الصلاه والسلام مخلوقاً من التراب الذي هو أمتن أسباب النماء، وهو غالب على كل ما جاوره، وكانت الأنثى مخلوقة من آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ونمائهم وازديادهم، فصدر أول سورة ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل بالأحكام والدلائل، فالمعنى أن آدم عليه الصلاة والسلام لما كان منه الابتداء

وعيسى عليه الصلاة والسلام لما كان دليلاً على الانتهاء اقتضت الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه، وأن تصدر سورة كل بما صدرت به والله سبحانه وتعالى الموفق. وقال ابن الزبير ما حاصله: إن اتصالها بسورة البقرة والله سبحانه وتعالى أعلم من جهات: إحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها، ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضاً إلى أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم، فإن هذا الكتاب جاء مصدقاً لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه، فهو بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين، ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة، وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة، وأنزل بعدها الإنجيل، وأن كل ذلك هدى لمن وفق، إعلاماً منه سبحانه وتعالى لأمه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من تقدمهم قد بين لهم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء: 15] ؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسلام ولهذا أشار قوله سبحانه وتعالى {إن مثل

عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] انتهى. ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزل الفرقان لمحو أديانهم الويل والثبور، فاتصل بذلك بقوله: {إن الذين كفروا} أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسلام عنه سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه {بآيات الله} المستجمع لصفات الكمال إقبالاً منهم على ما ليس له أصلاً صفة كمال، وهذا الكفر كما قال الحرالي دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله، قال: فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه انتهى. {لهم عذاب شديد} كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق عذاب. قال الحرالي: ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف انتهى.

والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال: ماذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة؟ أو يقال: إنه لما قال: {وأنزل الفرقان} [آل عمران: 4] أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال: وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى ولما أنزل سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين، وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد اليه حق، ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب. ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبساً ولا شبهة أنتج ذلك قطعاً أن الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون، فأخبر سبحانه وتعالى بما أعد لهم من العذاب فقال: {إن الذين} مؤكداً مظهراً لما كان من حقه الإضمار، لولا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل عليهم به من الآيات؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال: عاطفاً على ما أرشد السياق مع العطف على غير مذكور إلى أنه: فالله سبحانه وتعالى عالم بما له

من القيومية بجميع أحوالهم: {والله} أي الملك العظيم مع كونه رقيباً {عزيز} لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء {ذو انتقام *} أي تسلط وبطش شديد بسطوة. قال الحرالي: فأظهر وصف العزة موصولاً بما أدام من انتقامه بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام، فكأن في إشعاره دواماً لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة اليومية في طرفي النقمة والرحمة، فتقابل هذان الخطابان إفصاحاً وإفهاماً من حيث ذكر تفصيل الكتب إفصاحاً فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة، فإنه كما أنزل الكتب هدى أنزل متشابهها فتنة، فتعادل الإفصاحان والإلاحتان، وتم بذلك أمر الدين في هذه السورة انتهى. وما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم، وفي الآخرة تصديقاً لقولهم وزيادة في سرورهم ونعيمهم، وتهديداً لمن تُرك كثير من هذه السورة بسببهم وهم وفد نصارى نجران. يجادلون النبي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام،

فتارة يقولون: هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون، هو ثالث ثلاثة، وكان بعضهم عالماً بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وبأن أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه: فلم لا تتبعه وأنت تعلم أن عيسى أمر باتباعه؟ فقال له: لو اتبهناه لسلبنا ملك الروم جميع ما ترى من النعمة، وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم على ما بين في السيرة الهشامية وغيرها، واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء أوليائه بالنصرة آخر البقرة في نحو قوله: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم} [آل عمران: 10] {قل للذين كفروا ستغلبون} [آل عمران: 12] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال: {اصبروا وصابروا} [آل عمران: 200] ، ثم قال توضيحاً لما قدم في آية الكرسي من إثبات العلم، واستدلالاً على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من يدعي فيه الإلهية مشيراً بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة والسلام فأطراه بدعواه أنه إله، وموضحاً لأن كتبه هدى

وأنه عالم بالمطيع والعاصي بما تقدم أنه أرشد العطف في {والله عزيز} لى تقديره، ومعللاً لوصفه بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول القدرة: {إن الله} بما له من صفات الكمال التي منها القيومية {لا يخفى عليه شيء} وإن دق، ولما كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم والبعد عن الخفاء قال وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء: {في الأرض ولا في السماء *} أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة والسلام مثل هذا العلم، بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود السبعين والثمانمائة التصريح بأنه يخفى عليه بعض الأمور، قال في ترجمة إنجيل مرقس في قصة التي كانت بها نزف الدم: إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم القوة التي خرجت منه، فالتفت إلى الجمع وقال: من مس ثوبي؟ فقال له تلاميذه: ما ندري، الجمع يزحمك، ويقول: من اقترب؟ فجاءت وقالت له الحق، فقال: يا ابنة! إيمانك خلصك؛ وهو في إنجيل لوقا بمعناه ولفظه: فجاءت من ورائه وأمسكت طرف ثوبه، فوقف جري دمها الذي كان يسيل منها، فقال يسوع من لمسني؟ فأنكر جميعهم، فقال بطرس والذي

معه: يا معلم الخير! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول: من الذي لمسني من قرب مني؟ قد علمت أن قوة خرجت مني إلى آخره. وقال ابن زبير: ثم أشار قوله تعالى: {إن الله لا يخفى عليه شيء} إلى ما تقدم أي في البقرة من تفصيل أخبارهم. فكان الكلام في قوة أن لو قيل: أيخفي عليه مرتكبات العباد! وهو مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره انتهى.

6

ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال: وقال الحرالي: ولما كان كل تفصيل يتقدمه بالرتبة مجمل جامع، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فكان في هذه الآيه الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث إنه مما صور في الرحم وحملته الأنثى ووضعته، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس في أمر الإلهية؛ انتهى

فقال مبيناً أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا غيره: {هو} أي وحده {الذي} وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه ولا يفقهونه فقال: {يصوركم} أي أن كنتم نطفاً من التصوير وهو إقامه الصورة. وهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر لظهورها، فصورة كل شيء تمام بدوه قال الحرالي: {في الأرحام} أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه، ولما كان التصوير في نفسه أمراً معجباً وشيناً للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة الإلف باهراً فكيف بأحواله المتباينه وأشكاله المتخالفة المتباينة أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا الوطن شرط، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد، سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها دليلاً على كمال العلم والقيومية، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبداً، إذ الإله متعال عن ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص.

وقال الحرالي: فكان في إلاحة هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه تناظر وجوه التقدير الثلاثة التي في فاتحة سورة البقرة، فينتج هدى وإضلالاً وإلباساً أكمل الله به وحيه، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمه، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة به أئمة هذه الأمه انتهى. فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علماً وقدرة، فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفوء له؛ فلذلك وصل به كلمه الإخلاص وقال الحرالي: ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمه الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال: {لا إله إلا هو}

إيذاناً بما هي له الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس والإلتباس في أمرها؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصاً على أهل الإنجيل الذين ذكرت كتبهم صريحاً في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية لإكرام أهل ولايته؛ انتهى فقال: {العزيز} أي الغالب غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات، ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه {الحكيم *} أي الحاكم بالحكمة، فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهراً بالسياسة العالية نظراً له، والحكمة العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر العاجله وحسن العقبى في الآجلة؛ ففي ظاهر ذلك الجهد، وفي باطنه الرفق، وفي عاجله الكره، وفي آجله الرضى والروح؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم، فبذلك يكون

تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة قاله الحرالي بالمعنى. ولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم لكمال العلم، تقديراً لما مر من التصوير وغيره، وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات العباد لنزوله على وجه هو أعلى الوجوه، ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم البلغاء إلى غير ذلك من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة، وعلى عبد هو أكمل الخلق؛ أعقب الوصفين بقوله بياناً لتمام علمه وشمول قدرته: {هو} أي وحده {الذي} ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال: {أنزل عليك} أي خاصة {الكتاب} أي القرآن، وقصر الخطاب على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن هذا موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره. قال الحرالي: ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة، فلما

كانت سورة البقرة منزل كتاب هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة كتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره على الإيمان ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه؛ وفي إفهامه ما أنزله على الافتنان والإضلال بمنزله ختم الكفار؛ انتهى فقال: {منه آيات محكمات} أي لا خفاء بها. قال الحرالي: وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخذ حكمة أي زماماً يزم به الشيء الذي يخاف خروجه على الانضباط، كأن الآيه المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من جماحها وتضبطها إلى محال مصالحها، ثم قال: فهي آي التعبد من الخلق للخلق

اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة، فهن لذلك أم انتهى. ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض كالشيء الواحد، وكان رد المتشابه إليه في غايه السهولة لمن رسخ إيمانه وصح قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئاً واحداً أخبر عن الجمع بالمفرد فقال: {هن أم الكتاب} والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد، وقال الحرالي: هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أو فيه في الجسمانيات {وأخر} أي منه {متشابهات} قال الحرالي: والتشابه تراد التشبه في ظاهر أمرين لشبه كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما؛ ثم قال: وهن الآي التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادئ

ما أجراه عليهم، فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن نفسه لا تناله عقول الخلق، ولا تدركه أبصارهم، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل أنفسهم، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملاً، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيماناً، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث، واختلفت في الأربع اختلافاً كثيراً فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها، واتفق على محكمها ومتشابهها انتهى. فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهه مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره كذلك يقول الأقوال المتشابهه، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم، وهذا على وجه يشير إلى المهمة الذي تاه

فيه النصارى، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج، واللج الذي أغرق جماعاتهم، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول له القائل: يا رب! افعل لي كذا ويسجد له، فيقره على ذلك ويجيب سؤاله، فدل ذلك على أنه إله، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أباً وعلى نفسه أنه ابنه، فابتغوا الفتنه فيه واعتقدوا الأبوة والنبوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42] ، وهو {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} [مريم: 30، 31] {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 117] {إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [مريم: 51] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد ولله الحمد منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في

رد المتشابه إليه، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك الرب لما تبدى لمريم مبشراً بالمسيح عليه السلام وخافت منه قال لها: لا تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى، وأنت تقبلين حبلاً وتلدين ابناً يدعى يسوع، يكون عظيماً، وابن العذراء يدعى؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه؛ وفي إنجيله أيضاً وإنجيل متى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق: مكتوب: لا تجرب الرب إلهك، وقال وقد أمره أن يسجد له: مكتوب: للرب إلهك اسجد، وإياه وحده اعبد، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع؛ وفي إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب: روح الرب عليّ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة المقبولة للرب، والأيام التي أعطانا إلهنا، ثم طوى السفر ودفعه

إلى الخادم؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم: من قبل هذا فقد قبلني، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني، ومن سمع منكم فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس، أنكرته قدام ملائكة الله، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس، أعطاه الله الروح، وقال: قد سأله تلاميذه أن بأكل فقال لهم: طعامي أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله؛ وفيه في موضع آخر: الحق الحق أقول لكم! أن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده، لست أقدر أعمل شيئاً من ذات نفسي، وإنما أحكم بما أسمع، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل مسرة من أرسلني؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس: تعلمتم وصايا الناس وتركتم وصايا الله، وزجر بعض من اتبعه فقال: اذهب يا شيطان! فإنك لم تفكر في

ذات الله، وتفكر في ذات الناس؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده، واعترف له بالوحدانيه وجعل ذاته مبايناً لذات الناس الذي هو منهم؛ وفي جميع أناجيلهم نحو هذا، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك، ففي إنجيل لوقا أنهم قالوا له: يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك! كفافنا أعطنا في كل يوم، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ويشترون فيه، فقال لهم: مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر، والرب يطلق على السيد أيضاً، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] . ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم، ولو ردوا أيضاً الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله وهي كثيرة في جميع أناجيلهم لعلموا بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه

وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من الترية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال، كما لزمهم حتماً أن يأولوا قوله فيما قدمته: أبانا الذي في السماوات، وقوله في إنجيل متى لتلاميذه: هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، وقال: وأحسنوا إلى من أبغضكم، وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، انظروا! لا تصنعوا أمراً حكم قدام الناس لكي يروكم، فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق، ولا تصنع كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس، الحق أقول لكم! لقد أخذوا أجرهم؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك، لتكون صدقة في خفية، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية؛ وقل في الفصل العاشر منه: وصل لأبيك سراً، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية.

وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريراً كثيراً، فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا وغيره أن أم عيسى وإخواته أتوا اليه فلم يقدروا لكثره الجمع على الوصول إليه فقالوا له أملك وإخواتك خارجاً يريدون أن ينظروا إليك، فأجاب: أمي وأخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق عيسى عليه الصلاة والسلام لذلك ليرد المتشابه إلى المحكم. وإن لم يأولوا ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة، فإن كل أحد منهم مساو لجميع الناس وللبهائم في أن له أبوين، وكانت دعواهم هذة ساقطة لا يردها عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخر هم به يعترفون، وقد أقام هو نفسه عليه الصلاة والسلام أدلة على صرفها عن ظاهرها، منها غير ما تقدم أنه كثيراً ما كان يخبر عن نفسه فيقول: ابن الإنسان يفعل كذا،

ابن البشر قال كذا يعني نفسه الكريمة، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريداً للحقيقة، لأنه ابن امرأة منهم، وهو مثلهم في الجسد، والمعاني حيث نسبها إلى الله سبحانه وتعالى كان على المجاز كما تقدم. وأما السجود فقد ورد في التوراة كثيراً لأحاد الناس من غير نكير، فكأنه كان جائزاً في شرائعهم فعله لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم والله سبحانه وتعالى أعلم، وأما نحن فلا يجوز فعله لغير الله، ولا يجوز في شريعتنا أصلاً إطلاق الأب ولا الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى، وكذا كل لفظ أوهم نقصاً سواء صح أن ذلك كان جائزاً في شرعهم أم لا، وإذا راجعت تفسير البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى في البقرة {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] زادك بصيرة فيما هنا؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم، وكذا غيره من متشابه الإنجيل، كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر وصفات المحدثين، وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك

فحملنا ذلك كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال، فإن الله سبحانه وتعالى عزه وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء لعباده لتبين الثابت من الطائش والموقن من الشاك. قال الحرالي في كتابه عروة المفتاح: وجه إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه، وليتضح لهم نزول رتبهم عن علو ما تعرف به لهم، وليختم بعجزهم عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة يعني الأمر والنهي والحلال والحرام، وحبسهم بالخامس وتوقفهم عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة، واتصافهم بالخامس ليتم لهم العبادة بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز {فارجع البصر هل ترى من فطور} [الملك: 3] علماً وحساً

{ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} [الملك: 4] عجزاً، أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيار فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه، كما أسلموا له في الصغر اضطراراً، فرزقهم حظاً من علم خلقه، فمن لم يوقفه في حد الإيمان اشتباه خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين بعلي الأمر والتحقيق في علم الخلق، وأوخذ بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما يعنيه من حال نفسه بما لا يعنيه من أمر ربه، فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك، وتنظره يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده وتذلله لحرمته؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين: مبهمة ومفصلة،

أما انبهامه فلوقوف العلم به على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على توقفه عن مفصله ومبهمه، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور التسع والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب في القرآن، ليتلقى الخلق بادي أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن الله سبحانه وتعالى بعلمه بفتح من لدنه، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله سبحانه وتعالى كنهه من حيث لم يكن للنفس مدخل في علمه، وذلك قوله سبحانه وتعالى: {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 1، 2] لمن علمه الله إياه {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 2، 3] وقوفاً عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه، حتى تلحقه العنايه من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه؛ وأما الرتبة الثانية فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزيلات أمره، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته وأحوال أيامه؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله: {ثم استوى إلى السماء} [البقرة: 29]

إلى قوله سبحانه وتعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله} [لبقرة: 115] إلى سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات متعددات لقوله سبحانه وتعالى {إلا لنعلم من يتبع الرسول} [البقرة: 143] ، {فإني قريب} [البقرة: 186] {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] ، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279] ، {هو الذي يصوركم في الأرحام} [آل عمران: 6] ، {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 128] ، {ولله ملك السماوات والأرض} [آل عمران: 189] ، {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] ، {وكان الله سميعاً بصيراً} [النساء: 85] ، {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائده: 64] ، {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] ، {خلق السماوات والأرض} [الأعراف: 54] ، {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] ، {ولتصنع على عيني} [طه: 39] ، {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله} [القصص: 30] ، {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] ، {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43] ، {إن الله وملائكته يصلون علىلنبي} [الأحزاب: 56] ، {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [الأعراف: 12] ، {وهو

الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] ، {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه} [الجاثيه: 13] ، {وله الكبرياء في السماوات والأرض} [الجاثيه: 37] ، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} [الرحمن: 26، 27] ، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] ، {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] ، {ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] ، {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} [الحشر: 2] ، {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] ، {تعرج الملائكة والروح اليه} [المعارج: 4] ، {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] ، {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} [الفجر: 22] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما أخبرعنه حبيبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة والضحك والكف والأنامل، وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه الله

تعالى، ودوَّن بعض المتكلمين جملة منها لقصد التأويل، وشدد النكير في ذلك أئمة المحدثين، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه قال: آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه وتعالى، تأويلها تلاوتها، ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك عن الله ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد الإفهام، لا لمقصد الإعلام، فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شيئاً قط، بل كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح، وللخطاب به أفهم، حتى قال بعضهم لما ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله تعالى يضحك من عبده: لا نعدم الخير من رب يضحك» وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان: إما متوقف عنه في حد الإيمان، قانع بما أفاد من الإفهام، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان، وذلك أن الله سبحانه وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم تعليماً، وتعرف للخاصة منهم

بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم اعتباره تعجيزاً، فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا أن لا معرفة لهم، وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن، وتحققوا أن {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] و {لم يكن له كفواً أحد} [الإخلاص: 4] فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء الإيقان، والله يحب المحسنين. ثم قال فيما به تحصل قراءة هذا الحرف: اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماماً لأن حرف المحكم حال يتحقق للعبد. ولما كان حرف المتشابه إخباراً عن نفسه سبحانه وتعالى بما يتعرف به لخلقه من أسماء وأوصاف كانت قراءته بتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق ولا ما تناله عقولهم، وإن أجرى على تلك الاسماء والأوصاف على الخلق فيوجه، لا يلحق أسماء الحق ولا أوصافه منها تشبيه في وهم ولا تمثيل في عقل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، {ولم يكن له كفواً أحد} [الإخلاص: 4] ، فلاذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب

فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق وتقف عن تأويلها إجلالاً وإعظاماً معلوماتُهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها، وأما من جهة حال النفس والاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما صلح للسيد حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى، ولا يتسمى بالغنى فيقدح في هداه، فيهلك باسمه ودعواه، ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى بالعزة وعجزهم عن تسميته بالقدرة، واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب إلى سائر ما تسمى به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي، وأشير إليه من الأحاديث، وما عليه اشتملت «واردات الأخبار» في جميع الصحف والكتب، ومرائي الصالحين ومواقف المحدثين ومواجد المروّعين؛ وأما من جهة

العمل فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقاً لما في مضمون قوله سبحانه وتعالى {ولم يكن له كفواً أحد} [الإخلاص: 4] لأن مقتضاها الرد على المشبه من هذه الأمة، وليس لعمل الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان، فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال؛ والله العلي الكبير انتهى. وقد تقدم حرف الأمثال عند قوله تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} [البقرة: 7] وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ذوو الطبع العوج الذين لم ترسخ أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في العلم فقال: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي اعوجاج عدلوا به عن الحق. وقال الحرالي: هو ميل المائل إلى ما يزين لنفسه الميل إليه، والمراد هنا أشد الميل الذي هو ميل القلب عن جادة الاستواء وفي إشعاره ما يلحق بزيغ القلوب من سيىء الأحوال في الأنفس وزلل الأفعال في الأعمال، فأنبأ تعالى عما هو الأشد وأبهم ما هو الأضعف: {فيتبعون} في إشعار هذه الصيغة بما تنبئ عنه

من تكلف المتابعه بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمه هذا الخطاب، فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعاً سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة {ما تشابه منه} فأبهمه إبهاماً يشعر بما جرت به الكليات فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالتعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادئ الصورة من نحو العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها الله تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه، ففقائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه والإقدام على التعبد له، ففائدة إنزاله عملاً في المحكم وفائدة إنزاله فيه توقفاً عنه ليقع الابتلاء بالوجهين: عملاً بالمحكم ووقوفاً عن المتشابه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تتفكروا في الله» وقال علي رضي الله عنه: من تفكر في ذات الله تزندق ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه، كما ذكر عن مالك رحمه الله تعالى في قوله: الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة، فالخوض في المتشابه بدعة، والوقوف عنه سنة؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها

تلاوتها، هذا هو حد الإيمان وموقفه، وإليه أذعن الراسخون في العلم، وهم الذين تحققوا في أعلام العلم، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما بينه وبين خلقه وكان في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم، لأن المحكم واضح وجداني، متفقه عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب، لم يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعنايه منه، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية

التي فيها مواقف العلماء؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين: لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله، فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه، وينقذه من حجاب النورانية، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله، وما بين ذلك من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة انتهى. ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال: {ابتغاء الفتنة} أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك {وابتغاء تأويله} أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله. قال الحرالي: والابتغاء افتعال: تكلف البغي، وهو شدة الطلب، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه، فجعل

الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلاً أي طلباً للمآل عنده، لاقتصاره على نفسه، فكان أهون الزيغين انتهى. ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال: {وما} أي والحال أنه ما {يعلم} في الحال وعلى القطع {تأويله} قال الحرالي: هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده {إلا الله} أي المحيط قدرة وعلماً، قال: ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء، ومآل الأبد مآل يوم الخلود؛ وأبد الأبد مآل الأبد، وكذلك كل الخلق له مآل من الأمر فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر، كل تنزيل أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى، قال عيه الصلاة والسلام: «فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله: أنت ربنا» فكان تجليه

الأظهر لهم مآل تجليه الأخفى عنهم؛ فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم أمر وعلى تجل إبلاغاً إلى ما وراءه فكان تأويله، فلم تكن الإحاطة بالتأويل المحيط إلا لله سبحانه وتعالى. ولما ذكر الزائغين ذكر الثابتين فقال: {والراسخون في العلم} قال الحرالي: وهم المتحققون في أعلام العلم من حيث إن الرسوخ النزول بالثقل في الشيء الرخو ليس الظهورعلى الشيء، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان، لكنهم راسخون في العلم لم يظهروا بصفاء الإيقان على نور العلم، فثبتهم الله سبحانه وتعالى عند حد التوقف فكانوا دائمين على الإيمان بقوله: {يقولون آمنا به} بصيغة الدوام انتهى أي هذا حالهم في رسوخهم. ولما كان هذا قسيماً لقوله: {وأما الذين في قلوبهم زيغ} كان ذلك واضحاً في كونه ابتداء وأن الوقوف على ما قبله، ولما كان هذا الضمير محتملاً للمحكم فقط قال: {كل} أي من المحكم والمتشابه. قال الحرالي: وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه التعريف إلا من ألاح معناها منهم

فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك؛ وهو من أكمل وجوه التعريف، لأن حقيقة التعريف التعين بعيان أو عقل، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعاً واحداً، آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج من حد اجتماع، فما رجع إليه الإيمان في قلولهم: آمنا به، هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب قبل تفصيله انتهى. {من عند ربنا} أي المحسن إلينا بكل اعتبار، ولعله عبر بعند وهي بالأمر الظاهر بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند التأمل، وعبروه عن الاشتباه. ولما كان مع كل مشتبه أمر إذا دقق النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل إما محسوس وإما في حد ظهور المحسوس قال معمماً لمدح المتأملين على دقة الأمر وشدة عموضه بإدغام تاء التفعل مشيراً إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى الارتقاء عن رتبته، ملوحاً إلى أنه لا فهم لغيرهم عاطفاً على ما تقديره: فذكرهم الله من معاني المتشابه ببركه إيمانهم وتسليمهم بما نصبه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يمكن أن

يكون إرادة منه سبحانه وتعالى وإن لم يكن على القطع بأنه إرادة: {وما يذكر} أي من الراسخين بما سمع من المتشابه ما في حسه وعقله من أمثال ذلك {إلا أولوا الألباب*} قال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان، وراسخ في العلم يقف عند حد إيمان، ومتأول يركن إلى لبس بدعة، وفاتن يتبع هوى؛ فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام انتهى.

8

ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله حاكياً عنهم وهو في الحقيقة تلقين منه لهم لطفاً بهم مقدماً ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما لا ينبغي على طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد المقتضي عين الحكمة: {ربنا} أي المحسن إلينا

{لا تزغ قلوبنا} أي عن الحق. ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده فسادها وكان ثبات الإنسان على سنن الاستقامة من غير عوج أصلاً مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير المعصومين قال نازعاً الجار مسنداً الفعل غلى ضمير الجملة: {بعد إذ هديتنا} إليه. وقال الحرالي: ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن انتهى. فلذلك قالوا: {وهب لنا من لدنك} أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية، الباطن عن غير خواصك {رحمة} أي فضلاً ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا، ونكرها تعظيماً بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب. ولما لم يكن لغيره شيء أصلاً فكان كل عطاء من فضله قالوا وقال الحرالي: ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم، وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله: {إنك أنت الوهاب *} وهي صيغة مبالغة من

الوهب والهبة، وهي العطية سماحاً من غير قصد من الموهوب انتهى. ولما كان من المعلوم من أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول البقرة وأثنائها أن للناس يوماً يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله: {ربنا إنك جامع} قال الحرالي: من الجمع، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفاً أو قهراً انتهى. {الناس} أي كلهم {ليوم} أي يدانون فيه {لا ريب فيه} ثم عللوا نفي الريب بقولهم عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {لا يخلف} ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال: {الميعاد *} وقال الحرالي: هو مفعال من الوعد، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه، والوعد العهد في الخير انتهى. وكل ذلك تنبيهاً على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفاً من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه، فكأنه تعالى يقول للنصارى: هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي

وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره، ووكلتم أمر ذلك إليّ، وعولتم في فتح مغلقه عليّ خوفاً من يوم الدين؟ قال ابن الزبير: ثم لما بلغ الكلام إلى هنا أي إلى آيه التصوير كان كأنه قد قيل: فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب؟ أخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه، وكذا عيره من الكتب والله سبحانه وتعالى أعلم، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به، وهذا بيان لقوله: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [البقرة: 26] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر: لا طريق إلى تنكب الصراط، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 4] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبداً، ففيه معظم البيان، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها {والله خلقكم

وما تعملون} [الصافات: 96] فمن التنبيه {إن الذين كفروا} [البقرة: 6] ومنه: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [البقرة: 26] ومنه {آمن الرسول} [البقرة: 285] إلى خاتمتها، هذا من جلي التنبيه ومحكمه، ومما يرجع إليه ويجوز معناه بعد اعتباره: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وقوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} [آل عمران: 4] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها انتهى. ولما تحقق أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقاً لعزته سبحانه وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى: {إن الذين كفروا} أي الذين يظنون لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم يمتنعون من أمر الله لأنهم يفعلون في عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبه {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت، وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته، وأكد بإعادة النافي ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في المرام

{ولا أولادهم} وإن جلت وعظمت {من الله} أي الملك الأعظم {شيئاً} أي من إغناء مبتدئاً من جهة الله، وإذا كانت تلك الجهة عارية عما يغني كان كل ما يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى من بأس واقعاً بهم لا مانع له، فمهما أراد بهم كان من خذلان في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد البعث وعذاب في الآخرة، فأولئك المعرضون منه لكل بلاء {وأولئك هم وقود النار *} وفي ذلك أعظم تنبيه على أن الزائغين الذين خالفوا الراسخين فوقفت بهم نعمه المقتضيه لتصديقه عن تصديقه ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئاً، وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ومحشورون في الآخرة إلى جهنم. ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان الأليق بخطابها أن يكون الدعاء فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها، والإشارة فيه إلى ذلك أكثر من الإشارة في غيره، فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب النيرة بما أشارت إليه من فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك. قال الحرالي: ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سر التقدير الذي صرف عن الجواب فيه وإظهار

سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما الصلاة والسلام كان مما أظهره الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إعلاء لها على كل أمة، واختصاصاً لها بما علا اختصاص نبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قال قائلهم: أخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني لقوم لم يظهروا على سر القدر، وقال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر، فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن أعمالها لا تقبل إلا على معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها، كما قيل في أثارة من العلم: من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل، ومن لم يختم علمه بالجهل لم يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له، وأن المجرى على يديه أمر مقدر قدره الله تعالى عليه وأقامه فيه لما خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ليظهر بذلك حكمة الحكيم، ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ولله سبحانه وتعالى الحجة البالغة؛ وكذلك العالم متى

لم ينطو سره على أنه لا يعلم وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت له علم، فذلك ختم العمل بالعمل وختم العلم بالجهل، فكما أطلعه سبحانه وتعالى في فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه أظهره في فاتحة سورة آل عمران على علن قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه، كما هو بصير بسر القدر في تفرق أفعال خلقه، فكان منزل سورة البقرة قوام الأفعال ومنزل سورة آل عمران قوام التنزيل والإنزال فكان علن القيومية قوام التنزيل للكتاب الجامع الأول، والتنزيل قوام إنزال الكتب، وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام تفصيل الآيات المحكمات والمتشابهات، والإحكام والتشابه إقامة الهدى والفتنة، والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة، والأحوال وما دونها من الأفعال على وجه جمع يكون قواماً لما تفصل من مجمله وتكثر من وحدته وتفرق من اجتماعه، ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف الناس، واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان لما ذكر من شرف سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان

القلوب، وكان خطاب سورة البقرة بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء والاستماع، كما ظهر في آيات الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} [البقرة: 164] إلى قوله: {لقوم يعقلون} [البقرة: 164] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالاً على أولي الألباب الذين لهم لب العقل، بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} [آل عمران: 7] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه وتعالى {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون التذكر، إيلاء إلى الذي نزل الكتاب، وبالجملة فمثاني هذه السورة من تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب، كما أن منزل سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ظهر في هذه السورة من علن أمر الله، وبما افتتحت به من اسم الله الأعظم الذي جميع الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما، فكان فيها علن التوحيد وكماله وقوام تنزيل الأمر وتطورالخلق في جميع متنزلها ومثانيها، وظهر

فيها تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة البقرة في قوله سبحانه وتعالى {يؤتي الحكمة من يشاء} [البقرة: 269] فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر من الذين كفروا بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ذكر الله، فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه {الذين آمنوا} في قوله سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} [المنافقون: 9] انتهى. ولما كان السبب المقتضي لاستمرارالكفر من النصارى المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الخوف ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه وتعالى على أول قصة أسلافهم من بني إسرائيل، وما كانوا فيه من الذل مع آل فرعون، وما كان فيه فرعون من العظمة التي تُقسر بها ملوك زمانهم، ثم لما أراد الله سبحانه وتعالى قهر أسلافهم له لم تضرهم ذلتهم ولا قلتهم، ولا نفعته عزته ولا كثرة آله، فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى وطوى ذكر من قبلهم فقال: {كدأب} أي لم يغن عنهم ذلك شيئاً مثل عادة {آل فرعون} أي الذين اشتهر لديكم استكبارهم وعظمتهم وفخارهم، قال الحرالي:

الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها، وآل الرجل من إذ أحصر تراءى فيهم فكأنه لم يغب؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر، ومصر أرض جامعة كليتها وجملة، إقليمها نازل منزلة الأرض كلها، فلها إحاطة بوجه ما، فلذلك أعظم شأنها في القرآن وشأن العالي فيها من الفراعنة، وكان الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول الخلق من طليعة ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ملك، فكان أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ذات الواسطة، فلذلك بدىء به في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته بما هو كليم الله ومصطفاه على الناس، ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك، وخص آله لأنه هو كان عارفاً بأمر الله سبحانه وتعالى فكان جاحداً لا مكذباً انتهى. {والذين} ولما كان المكذبون إنما هم بعض المتقدمين أدخل الجار فقال: {من قبلهم} وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم واستظهارهم فكأنه قيل: ماذا كانت عادتهم؟ فقيل: {كذبوا} ولما كان التكذيب موجباً للعقوبة

كان مظهر العظمة به أليق، فصرف القول إليه فقال: {بآياتنا} السورية والصورية مع ما لها من العظمة بما لها من إضافتها إلينا {فأخذهم} ولما أفحشوا في التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلاً لأخذهم فقال: {الله} فاظهر الاسم الشريف تنبيهاً على باهر العظمة {بذنوبهم} أي من التكذيب وغيره. قال الحرالي: فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب، وأن المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب، فكان ما ظهر من أمر الدنيا يقع عقاباً على ما ظهر من الأعمال، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب، ويكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره من المخالفة فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة، والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره وباطنه، وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه على زيادة العظمه في عذابهم لمزيد اجترائهم فقال: {والله} أي الحال أن الملك الذي لا كفوء له في جبروته ولا شيء من نعوته {شديد العقاب *} لا يعجزه شيء.

ولما تم ذلك على هذه الوجوه الظاهره التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم مغلوبون وصل بها أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم بمضمون ذلك فقال: {قل للذين كفروا} أي من أهل زمانك جرياً على منهاج أولئك الذين أخذناهم {ستغلبون} كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون خالقكم وهو الغالب لكل شيء: «وليُغلَبنّ مُغالبُ الغَلاّب» واللام على قراءة الجمهور بالخطاب معدية، وعلى قراءة الغيب معللة، أي قل لأجلهم، أو هي بمعنى عن، أي قل عنهم، وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان يذكر في تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة تشريفاً لنبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة، فكان أول ذلك غلبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مكة المشرفة، وكان فتحها فتحاً لجميع الأرض لأنها أم القرى نبه على ذلك الحرالي. {وتحشرون} أي تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل الموت

{إلى جهنم} قال الحرالي: وهي من الجهامة، وهي كراهه المنظر انتهى؛ فتكون مهادكم، لا مهاد لكم غيرها {وبئس} أي والحال أنها بئس {المهاد *} .

13

ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل لهم ذلك: كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود؟ قيل لهم: إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم لجهل أو طول عهد فإنه {قد كان لكم آية} أي عظيمة بدلالة تذكير كان {في فئتين} تثنية فئة للطائفة التي يفيء إليها أي يرجع من يستعظم شيئاً، استناداً إليها حماية بها لقوتها ومنعتها {التقتا} أي في بدر {فئة} أي منهما مؤمنة، لما يرشد إليه قوله: {تقاتل في سبيل الله} أي الملك الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا، ومن كان كذلك لم يكن قطعاً إلا مؤمناً {وأخرى} أي منهما {كافرة}

أي تقاتل في سبيل الشيطان، فالآية كما ترى من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتى بكلامين يحذف من كل منهما شيء إيجازاً، يدل ما ذكر من كل على ما حذف من الآخر، وبعبارة أخرى: هو أن يحذف من كل جملة شيء إيجازاً ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه. ولما نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله: {يرونهم} وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن، وانتزع منه حالاً ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير: ظانيهم {مثليهم} فعلى قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى: ترون أيها المخاطبون الكفار المقاتلين للمؤمنين، وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى، يرى المسلمون الكفار مثلي المسلمين {رأي العين} أي بالحزر والتخمين، لا بحقيقة العدد، هذا أقل

ما يجوزونه فيهم، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم الله على مصادمتهم ونصرهم عليهم، أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على الثلث من عدتهم، كما هو المشهور في الآثار تأييداً من الله سبحانه وتعالى لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا، أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد المسلمين قال الحرالي: لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر والإيمان الباطن، فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتاً، وبما هو مؤمن ذاتاً، فالمؤمن المسلم ضعفان أبداً {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} [الأنفال: 66] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين، لا ذات قلب له، فكان المؤمن ضعفه، فوقعت الإراءة للفئة المؤمنة على ما هي عليه شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم، وكان ذلك أدنى الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل الله بمقدار الضعف الذي هو أقل

الزيادة الصحيحة، وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود الوجود الكامل، فهو عشر ذوات بما هو صاحب يقين ودين {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] انتهى. وهذا التقليل والتكثير واقع بحسب أول القتال وآخره، وقبل اللقاء وبعده، لما أراد الله سبحانه وتعالى من الحكم كما في آية الأنفال، والمعنى: إنا فاعلون بكم أيها الكفارعلى أيديهم ما فعلناه بأولئك، وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين لطيبهم {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100] . ولما كان التقدير: فنصر الله سبحانه وتعالى الفئة القليلة، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الأمر كله {يؤيد} والأيد تضعيف القوة الباطنة {بنصره} قال الحرالي: والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما

يكون لغير المحق الظفر والانتقام انتهى. {من يشاء} أي فلا عجب فيه في التحقيق، فلذلك اتصل به قوله: {إن في ذلك} أي الأمر الباهر، وفي أداة البعد كما قال الحرالي إشارة بعد إلى محل علو الآية {لعبرة} قال: هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى، ففي لفظها بشرى بما ينالون من ورائها مما هو أعظم منها إلى غاية العبرة العظمى من الغلبة الخاتمة التي عندها تضع الحرب أوزارها حيث يكون من أهل الكمال بعدد أهل بدر ثلاثمائة ثلاثة عشر، فهو غاية العبرة لمن له بصر نافذ ونظر جامع بين البداية والخاتمة {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104]- انتهى. {لأولي الأبصار *} أي يصيرون بها من حال إلى أشرف منها في قدرة الله وعظمته وفعله بالاختيار. قال الحرالي: أول موقع العين على الصورة نظر، ومعرفة خبرتها الحسية بصر، ونفوذه إلى حقيقتها رؤية، فالبصر متوسط بين النظر والرؤية

كما قال سبحانه وتعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين يبصرون الأواخر بالأوائل، فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر، وأعظمها في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها، التي تكون بالشام في آخر الزمان - انتهى. ولما علم بهذا أن الذي وقف بهم عن الإيمان من الأموال والأولاد وسائر المتاع إنما هو شهوات وعرض زائل، لا يؤثره على اتباع ما شرعه الملك إلا من انسلخ من صفات البشر إلى طور البهائم التي لا تعرف إلا الشهوات، وختم ذلك بذكر آية الفئتين كان كأنه قيل: الآية العلامة، ومن شأنها الظهور، فما حجبها عنهم؟ فقيل: تزيين الشهوات لمن دنت همته. وقال

الحرالي: لما أظهر سبحانه وتعالى في هذه السورة ما أظهره بقاء لعلن قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول، وإنزال الكتب الثلاثة: إنزال التوراة بما أنشاء عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا، فكان وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها، لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة، فمن مجبول على رغبة ورهبة في أمر الدنيا، ومن مجبول على ما هو من نحو ذلك في أمر الآخرة ومن مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله، فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها كتابها من نحو ما جبلت عليه، فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف ورهبة في موجود الدنيا، وكان كتاب الإنجيل كتاب دعوة إلى مكلوت الآخرة، وكانا متقابلين، بينهما ملابسة، لم يفصل أمرهما فرقان واضح، فكثر فيهما الاشتباه، فأنزل الله تعالى الفرقان لرفع لبس ما فيهما فأبان فيه المحكم والمتشابه من منزل الوحي، وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه أيضاً فرقان الخلق وما اشتبه من أمر الدنيا والآخرة ووام التبس على

أهل الدنيا من أمر الخلق بلوائح آيات الحق عليهم، فتبين في الفرقان محكم الوحي من متشابهه، ومحكم الخلق من متشابهه وكان متشابه الخلق هو المزين من متاع الدنيا، ومحكم الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة، فاطلع نجم هذه الآية لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة من إثبات أمر الدنيا لهم وعداً ووعيداً، لتكون هذه الآية تطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به أهلها، فأنبأ تعالى أن متاع الدنيا أمر مزين، لا حقيقة لزينته ولا حسن لما وراء زخرفه فقال: {زين للناس} فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة التزيين مما كانت في رتبة علو أو دنو، وفي إناطة التزيين بالناس دون الذين آمنوا ومن فوقهم إيضاح لنزول سنهم في أسنان القلوب وأنهم ملوك الدنيا وأتباعهم ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين هم أهل الدنيا {حب الشهوات} جمع شهوة، وهي

نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى. وفي هذا الكلام إعلام بأن الذي وقع عليه التزين الحب، لا الشيء المحبوب، فصار اللازم لأهل الدنيا إنما هو محبة الأمر الكلي من هذه المسميات وربما إذا تشخص في الجزئيات لم تكن تلك الجزئيات محبوبة لهم، وفيه تحريك لهمم أهل الفرقان إلى العلو عن رتبة الناس الذين أكثرهم لا يعلمون ولا يشكرون ولا يعقلون، ثم بين ذلك بما هو محط القصد كله، وآخر العمل من حيث إن الأعلق بالنفس حب أنثاها التي هي منها {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} [النساء: 1] فقال: {من النساء} أي المبتدئة منهن، وأتبعه ما هو منه أيضاً وهو بينه وبين الأنثى فقال: {والبنين} قال الحرالي: وأخفى فتنة النساء بالرجال ستراً لهن، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم حيث قال: {وعصى آدم ربه} [طه: 121] فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم، والله سبحانه وتعالى حي كريم - انتهى. ثم أتبع ذلك ما يكمل به أمره فقال: {والقناطير} قال الحرالي: جمع

قنطار، يقال: هو مائة رطل ويقال: إن الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أربعون درهماً، والدرهم خمسون حبة وخمساً من حب الشعير، وأحقه أن يكون من شعير المدينة {المقنطرة} أي المضاعفة مرات - انتهى. ثم بينها بقوله: {من الذهب والفضة} ثم أتبعها الزينة الظاهرة التي هي أكبر الأسباب في تحصيل الأموال فقال: {والخيل} قال الحرالي: اسم جمع لهذا الجنس المجبول على هذا الاختيال لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه الذي منه سمي واحدة فرساً {المسومة} أي المعلمة بأعلام هي سمتها وسيماها التي تشتهر بها جودتها، من السومة - بضم السين، وهي العلامة التي تجعل على الشاة لتعرف بها، وأصل السوم

بالفتح الإرسال للرعي مكتفي في المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها لمن تتوفر الدواعي للحفيظة عليها من أجله من الواقع عليها من الخاص والعام، فهي مسومة بسيمة تعرف بها جودتها ونسبتها {والأنعام} وهي جمع نعم، وهي الماشية فيها إبل، والإبل واحدها، فإذا خلت منها الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - انتهى. وقال في القاموس: النعم - وقد تسكن عينه - الإبل والشياء جمع أنعام، وجمع جمعه أناعيم. وقال القزاز في جامعه: النعم اسم يلزم الإبل خاصة، وربما دخل في النعم سائر المال، وجمع النعم أنعام، وقد ذكر بعض اللغويين أن النعم في الإبل خاصة، فإذا قلت: الأنعام - دخل فيها البقر والغنم، قال: وإن أفردت الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام. وقال قوم: النعم والأنعام بمعنى، وقال في المجمل: والأنعام البهائم، وقال الفارابي في ديوان الأدب: والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ولما ذكر هذه الأعيان التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل تحصيلها

أو تنميتها وتكثيرها فقال: {والحرث} . ولما فصلها وختمها بما هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل الخبر عن ثمرتها وبيان حقيقتها فقال: {ذلك} أي ما ذكر من الشهوات المفسر بهذه الأعيان تأكيداً لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ليقطعهم عن الدار الباقية. وقال الحرالي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حضرة الجنة انتهى. {متاع الحياة الدنيا} أي التي هي مع دناءتها إلى فناء. قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العادل أدنى، فافهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى، فجعل تعالى من أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين وحمل على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب عنه، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة

وأنبأ بالصدق عنه ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم، حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا فقبلته الأنفس ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا، فأنبا سبحانه وتعالى أن ما في الدنيا متاع، والمتاع ما ليس له بقاء، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيفة انتهى. ثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى حالاً من فاعل معنى الإشارة لقال: {والله} الذي بيده كل شيء، ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: وهو سوء المبدأ في هذا الذهاب إلى غاية الحياة، والله {عنده حسن المآب *} قال الحرالي: مفعل من الأوب وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى. فأرشد هذا الخطاب اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن يكون في يده، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث

يشغله عن الخير، بل يجعل عوناً على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله. ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديراً بأن يقول فعلاً أقبل؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال: {قل} أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا، ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، لإيثاره الغائب المسموع من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر رضي الله تعالى عنه حين أشفق عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم: «أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟

أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» شوق إليها بالاستفهام في قوله: {أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي الذي ذكر من الشهوات، وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه، ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله: {للذين اتقوا} أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ربهم، فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين وابتغاء ما كتب لهم من الولد إنفاذاً لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح، ولقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ونحو ذلك وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم على الذكر والجهاد والشكر وأنواع السعي في رضى السيد، وحازوا النقدين لا للكنز، بل للإنفاق في سبيل الخيرات، وربطوا

للجهاد، لا للفخر والرئاسة على العباد بل لقمع أولياء الشيطان ورفع أولياء الرحمن المسلتزم لظهور الإيمان، كما بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متشابه اقتنائها فقال: «وهي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر» ثم عظم سبحانه وتعالى ما لهم بقوله مرغباً بلفت القول إلى وصف الإحسان المقتضي لتربية الصدقات وغيرها من الأعمال الصالحات: {عند ربهم} أي المحسن إليهم بلباس التقوى الموجب لإيثارهم الآخرة على الدنيا، وقوله: {جنّات} مرفوع بالابتداء، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف إذا كان وللذين، متعلقاً بخير، ثم وصفها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} أي أن ماءها غير مجلوب، بل كل مكان منها متهيىء لأن ينبع منه ماء يجري لتثبت بهجتها وتدوم زهرتها ونضرتها، ثم أشار بقوله: {خالدين فيها} إلى أنها هي المشتملة على جميع الإحسان المغنية عن الحرث والأنعام،

وأن ذلك على وجه لا انقطاع له. قال الحرالي: وفي معنى لفظ الخلود إعلام بسكون الأنفس إليها لما فيها من موافقتها انتهى. ولعله إنما خص من بين ما تقدم من الشهوات ذكر النسوان في قوله: {وأزواج} لأنها أعظم المشتهيات، ولا يكمل التلذذ بها إلا بحصول جميع ما يتوقف ذلك عليه، فصار ذكرهن على سبيل الامتنان من القادر كناية عن جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ولما كانت التقوى حاملة على تطهير الأنفس من أوضار الأدناس من الأوصاف السيئة وكان الوصف بالمفرد أدل على أنهن في أصل الطهارة كأنهن نفس واحدة قال عادلاً عما هو الأولى من الوصف بالجمع لجمع من يعقل: {مطهرة} لأنهن مقتبسات من أنفسهم {خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} [الروم: 31] . ولما ذكر حظ البدن قرر لذة هذا النعيم بما للروح، وزاده من الأضعاف المضاعفة ما لا حد له بقوله: {ورضوان} قال الحرالي: بكسر الراء وضمها، اسم مبالغة في معنى الرضى، وهو على عبرة امتلاء بما تعرب عنه الألف والنون وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه، وكسرتها بباطن إحاطته - انتهى.

ولما جرى وعد الجنات على اسم الربوبية الناظر إلى الإحسان بالتربية فخم أمر هذا الجزاء وأعلاه على ذلك بنوطه بالاسم الأعظم فقال: {من الله} أي المحيط بصفات الكمال. ولما كان شاملاً لجميعهم وكان ربما ظن أنهم فيه متساوون أشار إلى التفاوت بقوله مظهراً في موضع الإضمار إشارة إلى الإطلاق عن التقييد بحيثية ما: {والله} أي الذي له الحكمة البالغة {بصير بالعباد} أي بنياتهم ومقادير ما يستحقونه بها على حسب إخلاصها، وبغير ذلك من أعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم.

16

ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من الفوز أتبعه ما استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلاً منه عليهم بها وبإيجاب ذلك على نفسه حثاً لهم على التخلق بتلك الأوصاف فقال: - وقال الحرالي: لما وصف تعالى قلوبهم بالتقوى وبرأهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في المقال فقال؛ انتهى - {الذين يقولون ربنا} أي يا من ربانا بإحسانه وعاد علينا بفضله، وأسقط أداة

النداء إشعاراً بما لهم من القرب لأنهم في حضرة المراقبة؛ ولما كانت أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها أحوال من لم يؤمن اقتضى المقام التأكيد فقالوا: {إننا} فأثبتوا النون إبلاغاً فيه {آمنا} أي بما دعوتنا إليه، وأظهروا هذا المعنى بقولهم: {فاغفر لنا ذنوبنا} أي فإننا عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن اجتهدنا لما جبلنا عليه من الضعف والنقص، تنبيهاً منه تعالىعلى أن مثل ذلك لا يقدح في التقوى إذا هدم بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر، والتوبة تجب ما قبلها. قال الحرالي: وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا تغيرها الأفعال، من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه، فكانت مغفرة الذنوب لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين آخذهم الله بذنوبهم من الذين كذبوا، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع، فما كان منها مع التكذيب أخذ به، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى. ولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية انتهاء فقال: {وقنا عذاب النار} أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا.

قال الحرالي: ولما وصف تقوى قلوبهم باطناً وأدب مقالهم ظاهراً وصف لهم أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال: {الصابرين} فوصفهم بالصبر إشعاراً بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها، والصبر أمدح أوصاف النفس، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات؛ أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه «لسقط أقدمه بين يدي أحب إليَّ من فارس أخلفه خلفي» وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها أصناماً يضر موجودها، وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها، فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها؛ وأما

الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل، يقال: إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف، لأن كل مستزيد تمولاً من الدنيا زائداً على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد» الحديث {وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم} [الحجر: 21] ؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر الكفاية لما يكون راتباً للإلزام ومرصداً للنوائب ومخرجاً للبذر، فإن أعطاه الله فضلاً أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع، ولا يمسكه متمولاً لقلبه إلى غيره من الأعيان فيكون محتكراً، قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله

تعالى عنهما «من احتكر أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه» فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له في الآخرة، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحاً، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى. ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذاناً بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: {والصادقين} قال الحرالي: في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت وتتبع بعضها بعضاً إذا تركبت والتأمت، يعني مثل: الرمان حلو حامض - إذا كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة، ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن العاجلة على ما عينه حكم النظم، في الآية

السابقة، ومن شأن الصابر عن الدنيا الصدق، لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى كسب الدنيا، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل قيتحقق به فيصدق في جميع أموره والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى {والقانتين} أي المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه. ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق، لأن من أكرم المنتمي إليك فقد بالغ في إكرامك فقال: {والمنفقين} أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما يرضيه، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة. قال الحرالي: فيه إشعار بأن من صبر نوّل، ومن صدق أعلى، ومن قنت جل وعظم قدره، فنوله الله ما يكون له منفقاً، والمنفق أعلى حالاً من المزكي، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضاً، والمنفق يجود بما في يده فضلاً - انتهى. ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص:

{والمستغفرين} أي من نقائصهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال {بالأسحار *} التي هي أشق الأوقات استيقاظاً عليهم، وأحبها راحة لديهم، وأولاها بصفات القلوب، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء. قال الحرالي: وهو جمع سحر، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه ما، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر، ومنه السحور، تعلل عن الغداء؛ ثم قال: وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال سبحانه وتعالى: {كانوا قليلاً من الّيل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17، 18] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل السيئات من سيئاتهم تبرؤاً من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاماً بصدق قولهم في الابتداء: {ربنا إننا آمنا} وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره، فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر

والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا وما فيها، وقد بان بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها، فتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى. ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس، فأشار بالصبر إلى الإيمان، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ولا سيما في السحر؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان، ولما ذكر عبادة البدن مجرداً بعد عبادة المال مجرداً ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما، شعارها تعرية الظاهر، ثم أتبعه

عبادة بدنية خفية، عمادها تعرية الباطن، فختم بمثل ما بدأ به، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى. ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها وأخبر عما أعد للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم بالإخبار بما أعد للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضاً من الأوصاف المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثبوتها ثبوتاً لا مرية فيه، فكرر تعالى هذه النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال الحرالي: لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في الوحي والكون انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية القيومية التي هي أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود، انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {شهد الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {أنه} قال الحرالي: فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له {لا إله إلا هو} فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل: إلا الله، لما يشعر به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل

العلي - انتهى. والمعنى أنه سبحانه وتعالى فعل فعل الشاهد في إخباره عما يعلم حقيقته بلفظ الشهادة جرياً على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم عما يأمرون به من المهمات في تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيهاً على أن الخطب قد فدح والأمر قد تفاقم، فيتساقط حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط الذباب في أحلى الشراب، وإلى ذلك ينظر قول وفد ثقيف: ما لمحمد يأمرنا بأن نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو لنفسه! فكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد لا يخطب خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشهادة لله فيها بالرسالة، فكأنه قيل: إن ربكم الذي أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب لكم الأدلة بخلق ما خلق على تفرده بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة منه سبحانه

لنفسه، وإليه أومأ من قال: ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبداً شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعاً بين آيتي السمع والبصر فلم يبق لكم عذراً. قال الحرالي: وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة التي إليها قصد القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة، وعندها وقفت العبارة، وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات، فمن شهد بها فقد شهد شهادة ليس وراءها مرمى، ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهوداً عليها لا شهادة، يؤثر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها النعمة يقول هذه الآية لا يزيد عليها، فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي هي شهادة الله لله سبحانه وتعالى بالوحدانية فقد كملت شهادته، وأتم الله سبحانه وتعالى النعمة عليه، وهي سر كل شهادة من دونها، وهي آية علن التوحيد الذي هو منتهى المقامات وغاية الدرجات في الوصول إلى محل الشهود الذي منه النفوذ إلى الموجود بمقتضى الأعظمية التي في الآية الفاتحة - انتهى.

ولما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه المقدسة أخبر عمن يعتد به من خلقه فقال مقدماً لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به سبحانه وتعالى ممن أطلعهم من الملك والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من شهوة ولا حظ ولا فتور: {والملائكة} أي العباد المقربون المصفون من أدناس البشر، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولما خص أهل السماوات عم فقال: {وأولوا العلم} وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ففعلوا ما فعل العظيم من الشهادات ليكون ذلك أدعى لغيرهم إليه وأحث عليه، ولما كانت الشهادة قد تكون على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله: {قائماً} وأفرد ليفهم أنه حال كل من المذكورين لا المجموع بقيد الجمع، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون حالاً من الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله سبحانه وتعالى حق توحيده غيره، لأنه لا يحيط به أحد علماً. وقال الحرالي: أفرد القيام فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهاماً، كما اندرجوا في الشهادة إفصاحاً، فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا يقاد منهم فيما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيديهم، لأن أمرهم قائم بالقسط من الله، يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في يوم النقمة قال

لهود عليه الصلاة والسلام: يا هود! ما هذا الذي أراهم في السحاب كأنهم البخاتي؟ فقال: ملائكة ربي، فقال له: أرأيت إن آمنت بالهك أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي؟ قال: ويحك! وهل رأيت ملكاً يقيد من جنده - انتهى. {بالقسط} أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلاً بوجه من الوجوه، وقد ثبت بهذه الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ما وقعت به الشهادة، ويجوز أن يراد مع ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه فإنه عدل وإن كان من بعضهم إلى بعض ظلماً، فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه الذي لا شائبة لأحد فيه، فهو إذا نسب إليه كان عدلاً، لأنه فعله بالحكمة، وإذا نسب إلى الظالم كان ظلماً، لأنه فعله لحظه لا للحكمة فلذلك قال على طريق الاستنتاج والتعليل للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ثبوتها بما تقدم وأن يكرروها دائماً أبداً: {لا إله إلا هو} وقال الحرالي: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي، لأن التهليل الأول في مرتبة الشهادة العلمية فاستوفى التهليلان جميع البادي علماً وفعلاً - انتهى. وأتبعه سبحانه

وتعالى بقوله: {العزيز الحكيم *} دليلاً على قسطه، لأنه لا يصح أبداً لذي العزة الكاملة والحكمة الشاملة أن يتصرف بجور، وعلى وحدانيته، لأنه لا يصح التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق لأحد غيره أصلاً، ولما كانت الآيات كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف الملائم لذلك. قال الحرالي: وقسط الله هو إخفاء عدله في دار الدنيا من حيث إنه خفض ورفع، يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه، فيؤول إلى عدل، ويراه بذلك في حال تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع، حكيم يخفي معنى حكمه فيما يخفض، فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله سبحانه وتعالى قسط، طيته عدل، سره سواء، فيظهر عزته فيما حكم انتقاماً وحكمته في الموازنة بين الأعمال والجزاء عدلاً - انتهى. ولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له الرقاب ويخلص له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللاً للشهادة منهم بالعدل - وقراءة الكسائي بالفتح أظهر في التعليل: {إن الدين} واصله الجزاء، أطلق هنا على الشريعة لأنها مسببة {عند الله}

أي الملك الذي له الأمر كله {الإسلام} فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس لكل طاعة، فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية لنهاية الإذعان. ولما كان ذلك مصرحاً بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلاً قال: فكان يجب أن يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه أتباعهم! فقيل: قد فعل ذلك، فقيل: فما لهم لم يلزموه؟ فقيل: قد لزموه مدة مديدة {وما} ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير: بين الله سبحانه وتعالى بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته المسموعة بكتبه وما {اختلف الذين أوتوا الكتاب} هذا الاختلاف الذي ترونه {إلا من بعد ما جاءهم العلم} بذلك كله، وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل {بغياً} واقعاً {بينهم} لا بينهم وبين غيرهم، بل من بعضهم على بعض للحسد والتنافس في الدنيا لشبه أبدوها ودعاو ادعوها، طال بينهم فيها النزاع وعظم الدفاع، والله سبحانه وتعالى عالم بكشفها، قادر على صرفها. قال الحرالي: والبغي السعي بالقول والفعل

في إزالة نعم أنعم الله تعالى بها على خلق بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى. ولما كان التقدير: فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب، عطف عليه قوله: {ومن يكفر} أي يستمر على كفره ولم يقل حلماً منه: ومن كفر {بآيات الله} أي المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفاً مع تلك الشبه وعمى عن الدليل فالله مهلكه عاجلاً {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفوء له {سريع} قال الحرالي: من السرعة وهي وحاء النجاز فيما شأنه الإبطاء - انتهى. ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن القرب فالمعنى: قريب {الحساب *} أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة الدنيا بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين، ثم ينقلون إلى حسابه سبحانه وتعالى في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة، ويحتمل أن تكون السرعة على بابها، والمراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المراوغة

والله تعالى أعلم. ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين انتحلوا فيه الإلهية. قال الحرالي: كان آية من الله سبحانه وتعالى للهداية، فوقع عندهم بحال من كفروا به، فكان سبب كفرهم ما كان مستحقاً أن يكون سبب هداية المهتدي، وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه بما ظهر على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى، وفي التعريض به إلاحة لما يقع لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية كفروا بها، كما قال عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه «مثلك يا علي كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود فبهتوا أمه وأحبه النصارى فأنزلوه بالمحل الذي ليس به» كذلك تفرقت فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين خارجيهم ورافضيهم انتهى.

20

ولما تم ذلك كان كأنه قيل: قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه {فإن حاجّوك} بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحاً أو تلويحاً عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال {فقل} أي فأعرض عنهم إلى أن آمرك بالقتال، لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - الإعراض عمن كابر في

المحسوس، وقل أنت عملاً بالآية السالفة: {أسلمت وجهي} أي أخلصت قصدي وتوجهي، وانقدت غاية الانقياد {لله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله، فلا كفوء له. قال الحرالي: ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا بإسلام أنفسهم، لتلحق التابعة من الأمة بالأئمة، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين والسبعين التي قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وما أنا عليه» فيما أوتي من اليقين «وأصحابي» فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر، كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر: الله ورسوله أعلم، فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده - انتهى. فقال تعالى عاطفاً على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل: {ومن} أي وأسلم من {اتبعن} وجوههم له سبحانه وتعالى. ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله: {وقل} تهديداً وتعجيزاً وتبكيتاً وتقريعاً

{للذين أوتوا الكتاب} أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضاً {والأمّيّن} الذين لا كتاب لهم، مشيراً بالاستفهام إلى عنادهم منكراً عليهم موبخاً لهم: {ءأسلمتم فإن أسلموا} عند ذلك {فقد اهتدوا} فنفعوا أنفسهم في الدنيا والآخرة، وفي صيغة «افتعلوا» ما يليح إلى أن الأنفس مائلة إلى الضلال زائغة عن طريق الكمال {وإن تولوا} أي عن الإسلام فهم معاندون فلا يهمنك أمرهم {فإنما عليك البلاغ} أي وعليهم وبال توليهم، وفي بنية التفعل ما يومىء إلى أن طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب، وأن الصادف عنها بعد ذلك قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه واعوجاج طبعه. ولما كان التقدير: فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير، وينكب عنه من علم فيه الشر، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بصير بالعباد} أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره. لا يقدر على فعل ذلك غيره، ولا يقدر أحد غيره أن يفعل غير ذلك. ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط التولي بأداة

الشك وقوعه، فتشوفت النفس إلى معرفة جزائهم أشار إليه واصفاً لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه على أهل الإنجيل جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملاً بجوامع من ذكرهم، لأن تفاصيل أمرهم قد استقرأته سورة البقرة، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بياناً وأهل الإنجيل إجمالاً، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بياناً وذكر أهل التوراة إجمالاً، لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1، 2] ، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران: 1، 2] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في عزير واختصوا بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين بالقسط؛ انتهى. فقال تعالى: {إن الذين يكفرون} وهم الذين خذلهم الله {بآيات الله} في إبراز الاسم الأعظم إشارة

إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه وتعالى. قال الحرالي: وفي ذكره بصيغة الدوام ما يقع منهم من الكفر بآيات الله في ختم اليوم المحمدي مع الدجال فإنهم أتباعه {ويقتلون النبيين} في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان لهم مدخل في شهادة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية» . ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً بل لمحض والكفر والعناد، لأن الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال: {بغير حق} أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف. ولما خص ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيداً للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم:

{ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} أي العدل، ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال: {من الناس} أي كلهم، سواء كانوا أنبياء أو لا، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي: فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمداً وخطأ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى. ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفاً والتقدير: أنهم مطبوع على قلوبهم، أو: لا يؤمنون، أو: لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل {فبشرهم بعذاب أليم *} أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة، فهو

من وادي: تحيتهم بينهم ضرب وجيع. ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال: إن لهؤلاء أعمالاً حساناً واجتهادات في الطاعة عظيمة، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد، كما أنهم هم أيضاً ذوات بغير قلوب، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين حبطت} أي فسدت فسقطت، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها {أعمالهم} أي كلها الدنياوية والدينية، وأنبأ تعالى بقوله: {في الدنيا} كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى {والآخرة} فلا يقيم لهم الله في يوم الدين وزناً، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين. ولما كان التقدير: فلا ينتصرون بأنفسهم أصلاً، فإنهم لا يدبرون تدبيراً إلا كان فيه تدميرهم، عطف عليه قوله: {وما لهم من ناصرين *}

قال الحرالي: فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء} [الروم: 4، 5] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم «يقتلون في آخر الزمان حتى يقول الحجر: يا مسلم! خلفي يهودي فاقتله، حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد» كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنه من شجرهم» وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه، فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين، فتنتسق الملة واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى. ولما كان من المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر الذين ورثوا العلم عنه دل على ما أخبر به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة الدين فقال: {ألم تر} وكان الموضع لأن يقال: إليهم، ولكنه قال: {إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}

ليدل على أن ضلالهم على علم، وأن الذي أوتوه منه قراءتهم له بألسنتهم وادعاء الإيمان به. وقال الحرالي: كتابهم الخاص بهم نصيب من الكتاب الجامع، وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه، فإنهم لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه ولرضوا به، وكان في هذا التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم ثم لا يرضون هم به - انتهى. {يدعون إلى كتاب الله} أظهر الاسم الشريف ولم يقل: إلى كتابهم، احترازاً عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام، لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا - نبه عليه الحرالي. وفيه أيضاً إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له الإحاطة الكاملة {ليحكم بينهم} قال الحرالي: في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه، أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه - انتهى. ولما كان اتباعه واجباً واضحاً نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن مخالفته بأداة البعد فقال: {ثم} وقال الحرالي: في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك بما يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى حق فأباه، وفي صيغة يتفعل في قوله: {يتولى}

ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم لما عرفوه وكتموه، وصرح قوله: {فريق منهم} بما أفهمه ما تقدم من قوله: {ليحكم بينهم} فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى، وأنبأ قوله المشير إلى كثرة أفراد هذا الفريق {وهم معرضون *} بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف، فصار وصفاً لهم بعد أن كان تعملاً، ما أنكر منكر حقاً وهو يعلمه إلا سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى. وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال: إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى. ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال: {ذلك} أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله {بأنهم قالوا} كذباً على الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة {لن تمسنا النار إلا أياماً} ولما

كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبراً له: {معدودات} وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة، على أن كذبهم أيضاً جرهم إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل. ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه ديناً قال: {وغرَّهم} قال الحرالي: من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى {في دينهم ما كانوا} أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه {يفترون *} أي يتعمدون كذبة، قال الحرالي: فتقابل التعجيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى.

ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة: {فكيف} أي يكون حالهم {إذا جمعناهم} أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة. ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال: {ليوم} ووصفُه بقوله: {لا ريب فيه} مشعر- كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم. ولما كان الجزاء أمراً متحققاً لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله: {ووفيت} والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها وقوله: {كل نفس} قال الحرالي: الفصل الموقع للجزاء مخصوص بوجود النفس التي دأبها أن تنفس فتريد وتختار وتحب وتكره، فهي التي توفي، فمن سلب الاختيار والإرادة والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم ارتفع عنه التوفية، إذ لا وجود نفس له

بما أسلم وجهه لله، فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها بإرادتها وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ودعواها في ملكها ومُلكها، فمتى نفست فتملكت ملكاً أو تشرفت مُلكاً خرجت عن إسلامها حتى ينالها سلب القهر منه وإلزام الذل عنه، وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية التي بعدها بختم هذه الآية وناظرت رأس آية ذكر الإسلام، فإنما هو مسلم لله وذو نفس متملك على الله حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا، فشمل هذا الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم، وعم الوفاء لكل من يعمه الجمع، كذلك خطاب القرآن يبدأ بخصوص فيختم بعموم، ويبدأ بعموم فيثنيه تفصيل - انتهى. ولما كان هذا الجزاء شاملاً للخير والشر قال: {ما} أي جزاء ما {كسبت} فأتى به مخففاً ليشمل المباشرة بكسب أو اكتساب، وأنث الفعل مع جواز التذكير مراعاة للفظ كل إشارة إلى الإحاطة بالأفعال ولو كانت في غاية الحقارة، وراعى معنى «كل» للوفاء بالمعنى مع موافقة الفواصل {وهم لا يظلمون *} أي لا يقع عليهم ظلم

بزيادة ولا نقص، ولا يتوقعونه. ولما أخبر تعالى أن الكفار سيغلبون وأنه ليس لهم من ناصرين كان حالهم مقتضياً لأن يقولوا: كيف ونحن أكثر من الحصى وأشد شكائم من ليوث الشرى، فكيف نغلب؟ أم كيف لا ينصر بعضنا بعضاً وفينا الملوك والأمراء والأكابر والرؤساء ومناوونا القليل الضعفاء، أهل الأرض الغبراء، وأولو البأساء والضراء، فقال تعالى لينتبه الراقدون من فرش الغفلات المتقلبون في فلوات البلادات من تلهيهم بما رأوا وسمعوا من نزع الملك من أقوى الناس وإعطائه لأضعفهم فيعلموا أن الذي من شأنه أن يفعل ذلك مع بعض أعدائه جدير بأن يفعل أضعافه لأوليائه: {قل اللهم} قال الحرالي: ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة ثم ملكاً فانتظم بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال، وأمر الخلافة في ذكر الراسخين

في العلم الذين يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] ، وكانت من هجيري أبي بكر رضي الله تعالى عنه، يقنت بها في وتر صلاة النهار في آخر ركعة من المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ذكر الملك الذي آتى الله هذه الأمة، وخص به من لاق به الملك، كما خص بالخلافة من صلحت له الخلافة، كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه - انتهى؛ فقال: {قل} أي يا محمد أو يا من آمن بنا مخاطباً لإلهك مسمعاً لهم ومعرضاً عنهم ومنبهاً لهم من سكرات غفلاتهم في إقبالهم على ملوك لا شيء في أيديهم، وإعراضهم عن هذا الملك الأعظم الذي بيده كل شيء. قال الحرالي: لعلو منزل هذه السورة كثر الإقبال فيها بالخطاب على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعل القائل لما كانت المجاورة معه، لأن منزل القرآن ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله سبحانه وتعالى إليهم مواجهة حتى ينتهي إلى الإعراض عند إباء من يأبى منهم، وما كان لإصلاح ما بين الأمة ونبيها يجري الله الخطاب فيه على لسانه من حيث توجههم بالمجاورة إليه، فإذا قالوا قولاً

يقصدونه به قال الله عز وجل: قل لهم، ولكون القرآن متلواً ثبتت فيه كلمة قل - انتهى. {اللهم مالك الملك} أي لا يملك شيئاً منه غيرك. قال الحرالي: فأقنعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ملك ربه، فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله، فلذلك لم يكن صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتظاهر بالملك ولا يأخذه مآخذه، لأنه كان نبياً عبداً، لا نبياً ملكاً، فأسلم الملك لله، كذلك خلفاؤه أسلموا الملك لله فلبسوا الخلقان والمرقعات واقتصروا على شظف العيش، ولانوا في الحق، وحملوا جفاء الغريب، واتبعوا اثره في العبودية، فأسلموا الملك لله سبحانه وتعالى، ولم ينازعوه شيئاً منه، حمل عمر رضي الله تعالى عنه قربة على ظهره في زمن خلافته حتى سكبها في دار امرآة من الأنصار في أقصى المدينة، فلما جاء الله بزمن الملك واستوفيت أيام الخلافة عقب وفاء زمان النبوة أظهر الله سبحانه وتعالى الملك في أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل

محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين خصص بالملك الطلقاء الذين كانوا عتقاء الله ورسوله، لينال كل من رحمة الله وفضله، التي ولى جميعها نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلَّ طائفة على قدر قربهم منه، حتى اختص بالتقدم قريشاً ما كانت، ثم العرب ما كانت إلى ما صار له الأمر بعد الملك من سلطنة وتجبر إلى ما يصير إليه من دجل كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب القرب والبعد منه {تؤتي الملك من تشآء} في الإيتاء إشعار بأنه تنوبل من الله من غير قوة وغلبة ولا مطاولة فيه وفي التعبير بمن العامة للعقلاء إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد إليها من سائر الأمم الذين دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض، فيعيده إلى إمام العرب الخاتم

للهداية من ذريته ختمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنبوة من ذرية آدم، ويؤتيهم من المكنة، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لو شاء أحدهم أن يسير من المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل» ومع ذلك فليسوا من الدنيا وليست الدنيا منهم، فيؤتيهم الله ملكاً من ملكه - ظاهر هداية من هداه، شأفة عن سره الذي يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا ليتصل بظهوره ملك يوم الدين، والملك التلبس بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها؛ قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما في وصيته: إذا جنيت فلتهجر يدك فاك حتى يشبع من جنيت له، فإن نازعتك نفسك في مشاركتهم فشاركهم غير مستأثر عليهم، وإياك والذخيرة! فإن الذخيرة تهلك دين الإمام وتسفك دمه، فالملك التباس بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ذخيرة منها. لما أرادوا أن يغيروا على عمر رضي الله تعالى عنه زيه عند إقباله على بيت المقدس نبذ زيهم وقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام! فلن نلتمس العزة بغيره. فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من شرفها قل ذلك الحظ أو جل، وهو به من أتباع

ملوك الدنيا، وكذلك من التمس الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها، كل ينال من الملك ويكون من شيعة الملوك بحسب ما ينال ويحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشره مع الصنف الذي يميل إليه، فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين والخلفاء، كما أن من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر منها حشر مع الملوك والسلاطين؛ جلس عمر رضي الله تعالى عنه يوماً وسلمان وكعب وجماعة رضي الله تعالى عنهم فقال: أخبروني أخليفة أنا أم ملك؟ فقال له سلمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! إن جبيت درهماً من هذا المال فوضعته في غيره حقه فأنت ملك، وإن لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة، فقال كعب: رحم الله تعالى! ما ظننت أن أحداً يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري، فالتزام مرارة العدل وإيثار الغير خلافة وتشيع في سبيلها، ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى. وفي تقديم الإيتاء على

النزع إشارة إلى أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب {وتنزع} قال الحرالي: من النزع، وهو الأخذ بشدة وبطش - انتهى. {الملك ممن تشآء} وفيه إشارة إلى إن الدعاء باللين إن لم يجدِ ثني بالترهيب، وعلى هذا المنوال أبرز قوله: {وتعز من تشآء} أي إعزازه {وتذل من تشآء} أي إذلاله، وهو كما قال: «إن رحمتي سبقت غضبي» قال الحرالي: وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش والقوة ما يناسب معنى الإيتاء، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة، فنزع مُلكَ المولك من الأكاسرة والقياصرة وخوّله قريشاً ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من صنوف الأمم غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً، إلى ما يتم به الأمر في الختم، والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى: لأهله ولآل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته وأبنائهم وذرياتهم الذين سلبهم الله ملك الدنيا فحلاهم بعز الآخرة وبعزة الدين كما قال

سبحانه وتعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} [فاطر: 10] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء، أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار، لا يجدون وحشة، ولا يحصرون في محل، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا استتروا أو اشتهروا، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهراً، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم، محصورون في أقطار ممالكهم، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك، والله عز وجل يقول: «إن عبداً أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في رزقه، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم»

فالملوك مملوكون بما ملكوا، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صادّ، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى، فقارض الله أهل بيت نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي عنهم، ولم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين، والذل مقابل ذلك العزة، فإذا كان ذلك العز عزاً دينياً ربانياً عوضاً عن سلب الملك كان هذا الذل - والله تعالى أعلم - ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم سبحانه وتعالى إياه بما أذلتهم أنفسهم، فاستعملتهم في شواتها وأذلهم أتباعهم فتوسلوا بهم إلى قضاء أغراضهم في أهوائهم، ويستذلهم من يظلمونه بما ينتصفون منهم، وينالهم من ذل تضييع الدين، ويبدو على وجوههم من ظلمة الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار العارفين - انتهى. ولعل نصارى نجران أشد قصداً بهذا الخطاب، فإنهم خافوا أن ينزع منه ملوك الروم ما خولوهم فيه من الدنيا إن أخبروا بما يعلمون من أمر هذا النبي

الأمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولما تقرر أنه مالك لما تقدم أنتج أن له التصرف المطلق فعبر عنه بقوله: {بيدك} أي وحدك {الخير} ولم يذكر الشر تعليماً لعباده الأدب في خطابه، وترغيباً لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لان العادة جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيهاً على أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، لأنهما ضدان، كل منهما مساوٍ لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما أفهم أن الشر بيده كما أعلم أن الخير بيده وخاص به قرر ذلك على وجه أعم بقوله معللاً: {إنك على كل شيء قدير *}

27

فلما ثبتت خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه

الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر. ولما ظهر في هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات والمتقابلات بعضها في بعض، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام والتشابه في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره وما التبس وأولج في خلقه وأمره، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية الكون الدائر، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم، لأن الإحكام والاشتباه

متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر فقال سبحانه وتعالى: {تولج} من الولوج، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل {الَّيل في النهار} فيه تفصيل من مضاء قدرته، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجاً فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول لما في المعقول من افتراق المتقابلات، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى. {وتولج النهار في الَّيل} أي تدخل كلاً منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر. قال الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت؛ انتهى. فقال سبحانه وتعالى: {وتخرج الحي} أي من النبات والحيوان {من الميت} منهما {وتخرج

الميت} منهما {من الحي} منهما كذلك. قال الحرالي: فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم، كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 14] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم {يا نوح إنه ليس من أهلك} [هود: 46] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام،

فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها كذلك أظهر في عيسى عليه الصلاة والسلام ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه، فملك من شاء ونزع الملك ممن شاء، وأعز من شاء وأذل من شاء، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما شاء، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى. ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش إلا به فقال: {وترزق من تشاء} قوياً كان أو ضعيفاً {بغير حساب *} أي تعطيه عطاء واسعاً جداً متصلاً من غير تضييق ولا عسر، كما فعل بأول هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة والقياصرة وآتاهم كنوزهم وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم. وقال الحرالي: ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق أهل شرف الملك وأهل عزة الدين ختم الخطاب بأمر الرزق الذي هو

تتمة الخلق، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ولا يكون بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله سبحانه وتعالى {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص: 39] كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها وتتطهر من فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى. ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه، وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع

موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا أوشكت إحداهما أن تغلب على الأخرى فتنزعها، فقال تعالى منبهاً على ذلك كله سائقاً مساق النتيجة لما قبله - وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} [آل عمران: 119] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته فقال تعالى:

{لا يتخذ المؤمنون} أي الراسخون في الإيمان وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال: {الكافرين أولياء} ونبه بقوله: {من دون المؤمنين} على أن ولاية أوليائه من ولايته، وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» فأقواهم له ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوى به مما يباطنه ويصافيه، وإذا اتخذ الكافر ولياً من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] وكما قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [آل عمران: 149] ، ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من الكافرين، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري مجرى المعاملة من البيع والشرى

والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم أن يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى. ولما كان التقدير: فمن تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم، لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيباً لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون الرسوخ قوله: {ومن يفعل ذلك} أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولاً على أكثر الخلق {فليس من الله} أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له {في شيء} قال الحرالي: ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى. ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي إلا أن تخافوا منهم أمراً خطراً مجزوماً به، لا كما خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب، فحينئذ يباح إظهار الموالاة

وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على عدوه، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم {ويحذركم الله} أي الملك الأعظم {نفسه} فإنه عالم بما تفعلونه. وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم. وموجود النفس ما تنفس، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى.

ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفاً على نحو ما تقديره: فمن الله المبدأ: - وقال الحرالي: ولما كان الزائل أبداً مؤذناً بترك الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا يستطيع الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، فأعلم أن المصير المطلق إلى الله سبحانه وتعالى، فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى؛ فقال -: {وإلى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {المصير *} أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه. ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقاً ودائماً قد تفعل ويدعى نفيها لخفائها أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتحذيرهم من موالاة أعدائه على وجه النفاق أو غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاة أمراً باطناً يترتب عليه فعل ظاهر فوقع التحذير فيه على الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ونبه فيه على منال العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلاً ولا تترك النفس الغية صغواً ونزوعاً إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقياً من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلاً

ولا تترك النفس الغية صغواً ونزوعاً إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقياً من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب على لسان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم؛ انتهى. فقال تعالى -: {قل إن تخفوا} أي يا أيها المؤمنون {ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} أي المحيط قدرة وعلماً، ثم قال عاطفاً على جملة الشرط التي هي مقول القول إرادة التعميم: {ويعلم ما} أي جميع ما {في السموات} ولما كان الإنسان مطبوعاً على ظن أنه إذا أخفي شيئاً في نفسه لا يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول فقال: {وما} أي وجميع ما {في الأرض} ظاهراً كان أو باطناً. ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة، وكان يلزم من تمام العلم شمول القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة طه - كان التقدير: فالله بكل شيء عليم، فعطف عليه قوله: {والله} أي بما له

من صفات الكمال {على كل شيء قدير *} ومن نمط ذلك قوله سبحانه وتعالى: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5] مع ذكر التصوير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة، وقد دل سبحانه وتعالى بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية. ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير المحذر منه، المحصى فيه كل كبير وصغير، المعامل فيه كل عامل بما يليق به، الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى: {يوم} وهو معمول لعامل من معنى «يحذر» {تجد كل نفس} والذي يرشد إلى تعيين تقدير هذا العامل - إذا جعل العامل مقدراً - قوله سبحانه وتعالى {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] سابقاً لها ولا حقاً، ويجوز أن يكون بدلاً من يوم في قوله {ليوم لا ريب فيه} [آل عمران: 9] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله سبحانه وتعالى أعلم، والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة {ما عملت من خير محضراً} أي لا نقص فيه ولا زيادة، بأمر القاهر القادر على كل شيء {وما عملت من سوء} حاضراً ملازماً، فما عملت من خير

تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [وما عملت من سوء {تود} أي تحب حباً شديداً {ولو أن بينها وبينه} أي ذلك العمل السوء {أمداً} أي زماناً. قال الحرالي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه {بعيداً} من البعد، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى. فالآية من الاحتباك: ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير. ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال: فاتقوه فإن الله يحذركموه {ويحذركم الله} أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها {نفسه} فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد، قال الحرالي: أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى. ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف،

فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانياً على ما تقديره: ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم: {والله} أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام {رؤوف بالعباد *} قال الحرالي: فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً، والتحذير السابق انتهائياً، فكان هذا رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متصلاً بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله. والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، فنم تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، فأحبه لذلك، قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله؟ فقال: أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده

في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى. وقد علم أن الآية من الاحتباك: التحذير أولاً دال على الوعد بالخير ثانياً، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهراً وباطناً بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله، وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه وتعالى، وختم برأفته سبحانه وتعالى بعباده، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال، ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين، جعل لذلك سبحانه وتعالى علامه فقال: - وقال الحرالي: لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر المترتبة في قوله سبحانه وتعالى {إن المسلمين} محبة الله سبحانه وتعالى بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها، أقام سبحانه وتعالى الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل ما يصل إليه القول من محبته بما

أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله سبحانه وتعالى فليتبع هذا النبي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله، وعناية الحق أن يحب العبد، فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي» وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم بما هم متبعون لمتبعه عندهم، وأصل ذلك أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان في في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد، فألزم الله سبحانه وتعالى على الخليقة ممن أحب الله سبحانه وتعالى أن يتبعوه، وأجرى ذلك على لسان إشعاراً بما فيه من الخير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى من حيث إنه نبي البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى، فقال سبحانه وتعالى -: {قل إن كنتم تحبون الله} أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على غاية الكمال، فإن الكمال محبوب لذاته

{فاتبعوني} قال الحرالي: قد فسر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهر اتباعه فقال «في البر» وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده، والتقوى وهي ملاك الأمر وأصل الخير، وهي إطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من مِلك ولا من مُلك ولا من فعل ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن يكون موجوداً لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل وجوده لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصى - انتهى. قال الإمام: المحبة توجب اإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى. فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو كذاب، وكتاب الله سبحانه وتعالى يكذبه {يحببكم الله} أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى حباً ظهرت أماراته بما أعلم به الفك، فإن الأمر المنجي غاية النجاة إنما هو محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، لا محبة العبد لله، فإنه ربما كانت له حالة

يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه وتعالى، والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى الله، وحينئذ يفعل الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب. قال الحرالي: فإن من رد الأمانة إلى الله سبحانه وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ورجله، وإذا أحب الله عبداً أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله، فمن أحب الله وله، ومن أحبه الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه وتعالى - انتهى. فقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرافة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي «اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة» «ما تقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه» . ولما كان الدين شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه، لما عليه العبد من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع

إيصال الثواب يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي: ولما كان من آية حب الله له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أنزل عليه من قوله: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1 2] أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله -: {ويغفر لكم ذنوبكم} أي مطلقاً، وذنب كل عبد بحسبه، لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه، ولذلك في كل مقام توبة، حتى تقع التوبة من التوبة فيكمل الوجود والشهود. ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: {والله} أي الذي له الكمال كله {غفور رحيم *} أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد مغفرة وهو القاصد، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى. ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع الإذعان فقال - أو يقال: لما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غاية

الرأفة بالعبادة وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له سبحانه وتعالى: فإن لم يقدروا على كمال اتباعي؟ فقال: {قل} وقال الحرالي: ولما ذكر تعالى ما تقدم من التحذيرين، في رتبتين أولاهما في الذكر بحاتين من موجب التحذيرين، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة، وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق، فمن أطاع الله روسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية المؤمنين سلم من التحذيرالظاهر، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من التحذير الباطن، فختم الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار، فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة، فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} [آل عمران: 31] ، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني، انتهى فقال سبحانه وتعالى: {قل أطيعوا الله} أي لما له من صفات

الكمال. ولما قدم أن رضاه في اتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدل على أن الطاعتين واحدة قال موحداً للعامل: {والرسول} أي الكامل في الرسلية لما له به سبحانه وتعالى من مزايا الاتصال، وهو وإن كان اسماً كلياً لكنه كان حين إنزال هذا الخطاب مختصاً بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل إلى الخلق كافة على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليهم أجمعين وسلم. قال الحرالي: فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك، وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطاً بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة للعالمين {فإن تولوا} أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله سبحانه وتعالى والرحمة من رسول الله - انتهى. و {تولوا} يحتمل المضارع والمضي، فكان الأصل في الكلام: {فإن الله} الذي له الغنى المطلق لا يحبكم، أو: لا يحبهم، ولكنه أظهر الوصف المعلم بأن التولي كفر فقال: {لا يحب

الكافرين *} قال الحرالي: أفرد لله لما كان وعيداً، إبقاء لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حيز الرحمة. ولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا الكفر عموم كفر يداخل رتباً من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما يناله العفو أو المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، ومن فيه كفر فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وإنما يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل توحيداً كان أحب، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان كفراً بحسب ما يغطى على تلك الرتبة من التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه وكشف غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى. وقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل نظمها: فإن تولوا

فإن الله لا يحبهم لكفرانهم، وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم، فإن الله لا يحب الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على حذف الإقبال من الثاني، إثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول. ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الشريف «فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» تنبيهاً لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه ديناً اصطفى للتخلق به ناساً يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه، وليسوا من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال: إنه سبحانه وتعالى لما شبه أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه منها إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه مع الاعتقاد الجازم المستقيم، وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه

بالتمني الفارغ، وأنهى ذلك وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير تصويره في الأرحام كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص عباده المقبلين على ما يرضيه فقال: أو يقال ولعله أحسن: ولما أخبر سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك، وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين بالعلم الذين توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله: وقال الحرالي: لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم سبحانه وتعالى بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى عليه الصلاة والسلام آخراً لمتقدم خلق آدم عليه الصلاة والسلام أولاً، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي الكون في علو ورحه ودنو أديم تربته وأنه سبحانه وتعالى نزل

الروح إلى الخلق الآدمي كما قال {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9] وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه، فكان ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم بها وجود عيسى عليه الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام بالنفخة.

33

ولما كان أصل الإبداء نوراً علياً نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالماً دنياوياً محتوياً على الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى: {إن الله} أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته {اصطفى} أي للعلم والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه {آدم} أباكم الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من

غير ذكر، وآدم أغرب حالاً منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحاً بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح. قال الحرالي: فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكاً وملكوتاً خلقاً وأمراً، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه، فسماه آدم من أديم الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية. فكان مما أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله: لما خلق الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه وتعالى آدم محراباً وكعبة وباباً وقبلة، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إماماً، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى {ونوحاً} أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم. وقال الحرالي: أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسلام اصطفاء على اصطفاء آدم ترقياً إلى كمال الوجود الآدمي وتعالياً إلى الوجود الروحي العيسوي، فاصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام

بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول «لا إله إلا الله» ، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطناً لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من الذر الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحاً عليه السلام وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجراً كفاراً، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام {وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب: 7] فكان ميثاق نوح عليه السلام ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة التوحيد النوارانيون منه، فكان نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة زمانه، كما كان آدم صفوة حينه - انتهى.

ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في تعظيمه بقوله: {وآل إبراهيم} أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مثلهم لأنه أحدهم، وكذا قوله: {وآل عمران} في قوله: {على العالمين *} إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم، وأفصح بذلك إفصاحاً جلياً في قوله: {ذرية بعضها من بعض} أي فهم كلهم من بني آدم، لا مزية لبعضهم على بعض في ذلك، لا مزية في شيء من ذلك، وأنتم لا تشكون فيه من شيء من الخصائص مما دون أمد عيسى عليه الصلاة والسلام، فما لكم لما خص سبحانه وتعالى آل عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح لديكم؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر.

وقال الحرالي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، فأبان هذا الخطاب في عيسى عليه الصلاة والسلام اصطفاء من جملة هذا الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن لايقع فيه هو أيضاً لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكماً ومتشابهاً وأظهر الخلق بادياً وملتبساً انتهى. وقد عاد سبحانه وتعالى بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى عليه الصلاة والسلام الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها، وكراماته التي لا تكون إلا للقرب، فأخبر أولاً عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى عليه السلام من كفر برفعه فوق طوره، ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبساً بوجه. وقال الحرالي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسلام

بما هو أخص من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - والله سبحانه وتعالى أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسلام ومن هو منهم من ذريتهم لأن إسماعيل عليه السلام اختص بالوصلة بين إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقى ما هو لهم من وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو من ولد داود عليه الصلاة والسلام فيما يذكر، وداود من سبط لاوي بن إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب، فلذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى عليه السلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق {يا موسى إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم عليه الصلاة والسلام، وآل عمران - والله سبحانه وتعالى أعلم - مريم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة

والسلام ليحوزوا طرفي الكون روحاً وسلالة، والعالمون علم الله الذي له الملك، فكما أن الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه علماً على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاماً، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصاً، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم، فاصطفى سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام على الموجودين في وقته، وكذلك نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران كلاًّ على عالم زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم وأشار سبحانه وتعالى بذكر الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى عليه الصلاة والسلام في سلك الجميع ذرءاًَ، وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهية، لأن الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فكان نصب لفظ الذرية تكييفاً لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو الذي يسميه النحاة حالاً - انتهى. ولما ذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم، وكان مدار

أمر الاصطفاء على العلم، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفراً أو إيماناً على السمع ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله عاطفاً على ما تقديره: فالله سبحانه وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد: {والله} أي المحيط قدرة وعلماً {سميع عليم *} إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيباً في أحوالهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم. ولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة، وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته، وكان معظم المقصود من ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في عمود النسب، وليس في أمر ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاوياً لمن قبل: {إذ} أي اذكر جواباً لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين {قالت امرأة عمران} وهي حامل. وقال الحرالي: لما اكن من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى عليه الصلاة والسلام اختص التفصيل بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون سائر من ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر خلق آدم عليه الصلاة والسلام

في سورة البقرة، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء، فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى عليه الصلاة والسلام من قول أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذراً، ففصل ما به ختم من اصفطاء آل عمران، ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة {رب إني نذرت لك ما في بطني} وكان نذر الولد شائعاً في بني إسرائيل إلا أنه كان عندهم معهوداً في الذكور لصلاحهم لسدانة بيت الله والقيام به، فأكمل الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع» فذكر مريم بنت عمران عليها السلام، فكان من كمالها خروج والدتها عنها، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق، فكان خروجها أكمل من خروج الولد لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه فحينئذ يترقى إلى حزب أبيه، ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة والسلاح ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة عمران عن حملها وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها -

انتهى. ونذرته لله تعالى حال كونه {محرراً} أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه، قال الحرالي: والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه، وفي الإتيان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. {فتقبل مني} ولما كان حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت: {إنك أنت} أي وحدك {السميع العليم *} فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] ، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك، ولا يعلم أحد نيتي مثل علمك ولا أنا، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه. ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال: {فلما وضعتها قالت} أي تحسراً ذاكرة وصف الإحسان استمطاراً للامتنان {رب إني وضعتها} قال الحرالي: من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل {أنثى} هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى.

ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ليس كذلك، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت: {والله} أي الذي له صفات الكمال. ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت عنها بما فقالت: {أعلم بما وضعت} وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله، وفي قراءة إسكان التاء الذي هو إخبار من الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كمل من النساء لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكراً وحقيقته أنثى. ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت: {وليس الذكر}

أي الذي هو معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته وسلامته من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة {كالأنثى} التي وضعتها، وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك، ولو قالت: وليست الأنثى كالذكر، لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة. قال الحرالي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته كفافاً لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله سبحانه وتعالى لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها، فكانت مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه وتعالى كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء، والتقدير: قالت كذا والحال أن الله أعلم منها بما وضعت، والحال أيضاً أنه ليس الذكر الذي أرادته بحكم معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه،

بل هي أعلى، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين لحكم التوراة، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سبباً في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم، وتلد صاحب شريعة مستقلة، ثم يكون مقرراً لأعظم الشرائع. ولما تم ما قالته عند الوضع او قاله الله في تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة، وأكدت إعلاماً بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا: {وإني سميتها مريم} ومعنى هذا الاسم بلسانهم: العابدة. قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسماً، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول: يا رب! أضاعوني، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عيناً واسماً. ولما كانت محررة لله سبحانه وتعالى كان حقاً أن يجري الله سبحانه وتعالى إعاذتها قولاً كما هو جاعلها معاذة كوناً من حيث هي له، وما

كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت: {وإني أعيذها بك} وفي قوله: {وذريتها} إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله سبحانه وتعالى مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن شاء. ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيداً ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها: {من الشيطان الرجيم *} وفي هذا التخليص لمريم عليها السلام بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتصال واصل؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه» .

ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: {فتقبلها} فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها {فتقبل} ، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث لم يكن فاقبل مني فلم تكن إجابته {فقبلها} ، فيكون إعطاء واحداً منقطعاً عن التواصل والتتابع، فلا تزال بركة تحريرها متجدداً لها في نفسها وعائداً بركته على أمها حتى تترقى لى العلو المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى. وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافاً إليها إبلاغاً في المعنى فقال: {ربها} قال الحرالي: وظهر سر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى: {بقبول حسن} حيث لم يكن «بتقبل» - جرياً على الأول. ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطناً أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهراً في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من «أفعل» في قوله:

{وأنبتها} والاسم من «فعل» في قوله: {نباتاً حسناً} إعلام بكمال الأمرين من إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسناً - انتهى. فوقع الجواب لأنها عناية من الله سبحانه وتعالى بها على ما وقع سؤالها فيه، فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها، وكفر وغلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما ادعى. وقال الحرالي: وقد أنبأ سبحانه وتعالى في هذه السورة الخاصة بقصة مريم عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفي اللبس في أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص منزلها، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من قصص الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى، وفيه تصرف.

ولما كان الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال: {وكفلها} قال الحرالي: من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير عليه كالفلك الدائر {زكريا} وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه وتعالى هو في الحقيقة كفيلها بما هو تقبلها، وفي استخلاص لزكريا من حيث جعله يد وكالة له فيها - انتهى. ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين سبحانه وتعالى أن تلك الكفالة إنما كانت جرياً على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول: ما فعل في كفالتها؟ : {كلما} أي كان كلما {دخل عليها زكريا المحراب} أي موضع العبادة. وقال الحرالي: هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب {وجد عندها رزقاً} وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف العنب - كما سيأتي في آخر المائدة، ومثل ذلك كثير في هذه الأمة، وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته

وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده كلمة {كلما} من التكرار، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو سبحانه وتعالى المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها الله سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من حفظها أن تولى الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد، وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال: من غذي بطعام قوم غذي بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم، وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهراً كفلته باطناً حين أبدى الله سبحانه وتعالى له من أمره ما لم يكن قبل بداً له، فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبّانه كما رزق مريم الرزق في غير أوانه، وفي

تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ذكر من رجوليتها باطناً من حيث إن محل النساء أن يتأخرن فأبدى الله سبحانه وتعالى في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها، والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، ويف لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته، بخلاف من له متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله، إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه إشعار بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل الله سواء محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه، وفي ذكر الرزق شائعاً إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى. ولما كان كأنه قيل: فما كان يقول لها إذا رأى ذلك؟ قيل:

كان كلما وجد ذلك، أو: لما تكرر وجدانه لذلك {قال يا مريم أنّى} أي من أين {لك هذا} قال الحرالي: كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: من جهة الزمان أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه، ومن جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله، وفي ذكر الضمير في قوله: {قالت هو من عند الله} إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه، فهو إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت {من عند الله} ذي الجلال والإكرام، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغرباً فيما هو من عنده فهو من لدنه، فهي ثلاث رتب: رتبة لدنية، ورتبة عندية، ورتبة حكمية عادية؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى: {آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علماً} [الكهف: 65] حيث كان مستغرباً عند أهل الخصوص كما قال: {أخرقتها لتغرق

أهلها لقد جئت شيئاً إمراً} [الكهف: 71] والإمر العجب، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافاً إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن {من عند ربي} لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال {هذا من فضل ربي} [النمل: 40] لما كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكناً فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى. ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيهاً على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكلية. قال الحرالي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحاً لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم قولها: {يرزق من يشاء} وقولها: {بغير حساب *} يشعر بأنه عطاء متصل، فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق لا متعقب عليه، لأن كل محسوب في الإبداء

محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق الله سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله سبحانه وتعالى - انتهى. ولما كان كأنه قيل: فما قال زكريا حينئذ؟ قيل: {هنالك} أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار {دعا زكريا ربه} تذكراً لما عودهم الله سبحانه وتعالى به من الإكرام، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة، قال الحرالي: لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ولداً في غير إبانه كما رزق مريم رزقاً في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى. {قال رب} أي الذي عودني بإحسانه {هب لي من لدنك} قال الحرالي: طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى: {وعلمناه

من لدنا علماً} [الكهف: 65] ، وكما قال فيه {وحناناً من لدنا} [مريم: 13] ، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند {ذرية} فيه إشعار بكثرة ونسل باق، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصوراً لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى. {طيبة} أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله: {إنك سميع الدعاء} أي مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا كان قادراً كاملاً، وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة. قال الحرالي: أعلم الداعي بما لله سبحانه وتعالى من الإجاة، والقرب «وسيلة في قبول» دعائه - انتهى.

39

ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال {فنادته} أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته {الملائكة}

يعني هذا النوع، لا كلهم بل ناداه البعض، وكان متهيئاً بما آتاه الله سبحانه وتعالى من المفضل لمناداة الكل، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل {وهو قائم يصلي في المحراب} وهو موضع محاربة العابد للشيطان، وهو أشرف الأماكن لذلك. قال الحرالي: فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام، وسجود يقابله، وركوع متوسط، فذكرت صلاته بالقيام إشعاراً بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى. ثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال: بأي شيء نادته الملائكة؟ قوله: {أن الله يبشرك} قال الحرالي: فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع معاني الأسماء، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية؛ وفي قوله: {بيحيى} مسمى بصيغة الدوام - مع أنه كما قيل: قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية فيه دائماً، لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيداً - انتهى. {مصدقاً بكلمة} أي نبي خلق بالكلمة

لا بالمعالجة العادية، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب. قال الحرالي: فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى، ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة، ففي قوله: {من الله} إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى. {وسيداً وحصوراً} أي فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من النكاح. قال في القاموس: والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك، أو الممنوع منهن، أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن، والمجبوب - والهَيوب المحجم عن الشيء. وقال الحرالي: وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملاً فيه - انتهى {ونبياً}

ولما كان النبي لا يكون إلا صالحاً لم يعطف بل قال: {من الصالحين *} إعلاماً بمزية رتبة الصلاح واحترازاً من المتنبيين، فكأنه قيل: فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى؟ فقيل: {قال} يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقيناً وسكينة {رب} أي أيها المحسن إلي. ولما كان مطلوبه ولداً يقوم مقامه فيما هو فيه من النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور الأقويا الكلمة، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفاً لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال: {أنّى} أي كيف ومن أين {يكون لي} وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال: {غلام} وفي تعبيره به في سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعاً زائداً على الحد، لما عنده من غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح،

بحيث يظن أنه لا إرب له فيه، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس، وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد، ولأنه أمدح له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه، وما ورد - كما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ذكره مثل هذه القذاة» فقد ضعفوه، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخباراً عن أنه لما أعرض عنه رأساً ضعف ما معه لذلك، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته، والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال الوجود الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقع لعيسى عليه السلام بعد نزوله {وقد} أي والحال أنه قد {بلغني الكبر} إلى حد لا يولد فيه عادة {وامرأتى عاقر} قال الحرالي: من العقر وهو البلوغ إلى حد انقطاع النسل هرماً - انتهى؛ كذا قال، وآية سورة مريم تدل على أن المعنى أنها لم تزل عقيماً، وعليه يدل كلام أهل اللغة، قال في القاموس في الراء: العقرة وتضم: العقم، وقد

عُقرت كعُنى فهي عاقر، ورجل عاقر وعقير: لا يولد له ولد، والعُقَرة كهمزة: خرزة تحملها المرأة لئلا تلد، وقال في الميم: العقم بالضم: هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد، عقمت كفرح ونصر وكرم وعُنى، ورحم عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم: لا يولد له، وقال الإمامان أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه: والعقر بضم العين وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر، يقال: الإمام أبو غالب «ابن التياني» في كتابه الموعب صاحب [تلقيح] العين: العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر، لكن خلقة، ثم قال وتعقرت: إذا ولدت ثم أمسكت - والله الموفق.

ثم وصل به قوله: {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد الرتبة. ولما كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال: {الله يفعل ما يشاء *} لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلماً فكأنه قيل: قد قرت عينه فا قال؟ قيل {قال} إرادة تعجيل البشرى وتحقيق السراء: {رب اجعل لي آية} أي علامة أعلم بها ذلك {قال آيتك ألا تكلم الناس} أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام دنيوي {ثلاثة أيام} . ولما كان الكلام يطلق على الفعل مجازاً استثنى منه قوله: {إلا رمزاً} لتخلص هذه المدة للذكر شكراً على النعمة فاحمد ربك على ذلك. قال الحرالي: والرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كاليد واللحظ والشفتين ونحوها، والغمز أشد منه باليد ونحوها - انتهى. فعدم الكلام مع صحة آلته دليل إيجاد المتكلم مع

ضعف آلته إلى حد لا يتكون عنها عادة، ولما كان الأتم في القدرة أن يحبس عن كلام دون آخر قال: {واذكر ربك} أي بالحمد وهو أن تثبت له الإحاطة بكل كمال {كثيراًً} في الأيام التي منعت فيها من كلام الناس خصوصاً، وفي سائر أوقاتك عموماً {وسبح} أي أوقع التسبيح لمطلق الخليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص {بالعشي} وقال الحرالي: من العشو وأصل معناه: إيقاد نار على علم لمقصد هدى أو قرى ومأوى على حال وهن، فسمي به عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك، ويتأكد معناه في العشاء، ومنه سمي الطعام: العشاء {والإبكار *} وأصله المبادرة لأول الشيء، ومنه التبكير وهو السرعة، والباكورة وهو أول ما يبدو من الثمر، فالإبكار اقتطاف زهرة النهار وهو أوله - انتهى. ولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بياناً لاستجابة الدعاء من أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك: {و} اذكر {إذ قالت الملائكة} وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسلام كما في سورة مريم عليها

السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى {يا مريم إن الله} أي الذي له الأمر كله {اصطفاك} أي اختارك في نفسك، لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض من هو في نفسه خيار {وطهرك} أي عن كل دنس {واصطفاك} أي اصطفاء خاصاً {على نساء العالمين *} فمن هذا الاصطفاء والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال الحرالي: أن خلصت من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النبي العربي؛ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخديجة رضي الله عنها: «أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران» - انتهى. ولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال: {يا مريم اقنتي} أي أخلصي أفعالك للعبادة {لربك} الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه التربية. ولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال: {واسجدي} فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. قال الحرالي: وكان من اختصاص هذا الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي إزاره

على ما لم يطلع عليه أحداً ممن سواها في قوله: {واركعي مع الراكعين *} كما قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43]- إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلاً في خاتمة اليوم المحمدي، ويكمل له الوجود الإنساني حيث يتزوج ويولد له - كما ذكر، ولك كله فيما يشعر به ميم التمام في ابتداء الاسم وانتهائه، وفيما بين التمامين من كريم التربية لها ما يشعر به الراء من تولي الحق لها في تربيتها ورزقها، وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت على عالمها - انتهى. والمراد باتباع قصتها لما مضى التنبيه على انخراطها في سلك ما مضى من أمر آدم ويحيى إفصاحاً، وإبراهيم في ابنية إلاحة في خرق العادة فيهم، وأن تخصيصها بالإنكار أو التعجب والتنازع مع الإقرار بأمرهم ليس من أفعال العقلاء؛ والظاهر أن المراد بالسجود في هذا المقام ظاهره وبالركوع الصلاة نفسها، فكأنه قيل: واسجدي مصلية

ولتكن صلاتك مع المصلين أي في جماعة، فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال، ولم يقل: مع الراكعات، لأن الاقتداء بالرجال أفضل وأشرف وأكمل، وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم عليه السلام ولا من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم إلا في موضع واحد لا يحسن جعله فيه على ظاهره، ورأيته ذكر الصلاة فيها على ثلاثة أنحاء: الأول إطلاق لفظها من غير بيان كيفية، والثاني إطلاق لفظ السجود مجرداً، والثالث إطلاقه مقروناً بركوع أو جثو أو خرور على الوجه ونحو ذلك؛ ففي السفر الأول منها في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ماتت زوجته سارة رضي الله تعالى وسأل بني حاث أهل تلك الأرض أن يعطوه مكاناً يدفنها فيه فأجابوه: فقام إبراهيم فسجد لشعب الأرض بني حاث وكلمهم؛ وفيه في قصة ربانية قال: وسجد على الأرض وقال: يا رب - فذكر دعاء ثم قال: وصلى إبراهيم بين يدي الرب؛ وفيه في قصة عبد لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ذهب إلى بلاد حران يخطب لإسحاق عليه السلام امرأة فظفر بقصده: فجثا الرجل - أي عبد إبراهيم - على الأرض

فسجد للرب وقال: تبارك الله رب سيدي إبراهيم؛ وفيه لما أجابه أهل المرأة: فلما سمع غلام إبراهيم كلامهم سجد على الأرض قدام المرأة، وفيه عند لقاء عيصو لآخيه يعقوب عليه الصلاة والسلام: فدنت الأمان وأولادهما فسجدوا - أي لعيصوا، ودنت ليا وولدها فسجدوا؛ فلما كان أخيراً دنت راحيل ويوسف فسجدوا؛ وفيه في قصة يوسف عليه السلام: ودنا إخوته فخروا له سجداً وقالوا له: ها نحن لك عبيد؛ وفي السفر الثاني عند قدوم موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيل وإخباره لهم بإرسال الله سبحانه وتعالى له وإظهاره لهم الآيات: فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم وجثا الشعب وسجدوا للرب؛ وفيه في خروجهم من مصر: فركع الشعب كله ساجداً لله سبحانه وتعالى؛ وفيه: فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجداً؛ وفيه في

تلقي موسى عليه السلام لختنه شعيب عليهما السلام إذ جاءه يهنئه بما أنعم الله عليه بعد غرق فرعون: فخرج موسى يتلقى ختنه وسجد له وقبله وسأل كل منهما عن سلامة صاحبه؛ وفيه: وقال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام عند ما بشره بقتل الكنعانيين وغيرهم من سكان بلاد القدس: لا تسجدوا لآلهتهم ولا تعبدوها ولا تفعلوا كأفعالهم - بل كبهم كباً على وجوههم وكسر أصنامهم - واعبدوا الرب إلهكم، وفي أوائل السفر الثالث في ذكر ظهور مجد الرب لهم في قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها على حياة موسى عليه الصلاة والسلام: وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله سبحانه وتعالى وخر الشعب كله على وجهه، وفي الرابع عندما هم بنو إسرائيل بالرجوع إلى مصر تضجراً من حالهم: فخر موسى وهارون عليهما السلام على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها؛ وفيه: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها، فخرا ساجدين على وجوههما؛ وفيه عندما تذمروا عليه من أجل العطش: فجاء موسى وهارون من عند الجماعة إلى باب قبة الزمان

فخرا على وجوههما فظهر لهما مجد الرب - فذكر قصة ضرب الحجر بالعصا وانفجار الماء؛ وفيه في قصة بلعام بن باعور حين رأى ملكاً في طريقه فجثا على وجهه ساجداً. وأما إطلاق لفظ الصلاة فقال في آخر لاسفر الثاني: وكان إذا خرج موسى عليه الصلاة والسلام إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته، وينظرون إلى موسى عليه الصلاة والسلام من خلفه حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل موسى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة، ويكلم موسى وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفاً على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته؛ وفيه: وعمل سطلاً من نحاس فنصبه عند منظر النسوة اللاتي يأتين فيصلين على باب قبة الأمد. وكل ما فيها من ذكر الصلاة فهكذا يطلق لفظه غير مقرون بما يرشد إلى كيفية، فلا فائدة في سرده؛ وهذا القبة أمر الله سبحانه

وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام باتخاذها مظهر المجد وأن يجعلها كهيئة الغمام الذي ظهر له مجده تعالى فيه في جبل طور سيناء، وهي من غرائب الدهر في الارتفاع والسعة والهيئة، ففيها من الخشب والبيوت والتوابيت والأعمدة والجواهر وصفائح الذهب والفضة والنحاس والسرداقات والستور من الحرير والأرجوان والكتاب والأطناب وغير ذلك مما يكل عنه الوصف، وكله بنص نم الله سبحانه وتعالى على الطول والعرض والوزن والمحل بحيث إنه كان فيها من صفائح الذهب ومساميره ونحوها تسعة وعشرون قنطاراً وأربعمائة وثلاثون مثقالاً بمثقال القدس، ومن الفضة مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالاً، ومن النحاس سبعون قنطاراً وألفان وأربعمائة مثقال؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من الأرض وينزل بنو لاوي سبط موسى عليه الصلاة والسلام وهارون حولها يخدمونها بين يدي هارون عليه الصلاة والسلام وبنيه، ومن دنا منها من غيرهم احترق، وينزل أسباط بني إسرائيل حول بني لاوي، لكل سبط منزلة لا يتعداها من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها، كل ذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام؛ وكان

السحاب يغشاها بالنهار، وكان النار تضيء عليها بالليل وتزهر، فما دام السحاب مجللاً لها فهم مقيمون، فإذا ارتفع عنها كان إذناً في سفرهم. فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد السجود، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك حينئذٍ يسمى صلاة، وإلاّ كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم، وذلك موافق للغة، قال في القاموس: سجد: خضع؛ والخضوع التطأمن، وأما المكان الذي فيه ذكر الركوع فالظاهر أن معناه: فصلى الشعب كله ساجداً لله سبحانه وتعالى، لأن الركوع في اللغة يطلق على معان منها الصلاة، يقال: ركع - أي صلى، وركع - إذا انحنى كبواً، والراكع من يكبو على وجهه، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره، لأنه لا يمكن في حال السجود، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن بأولى مما ذكرته في الركوع - والله سبحانه وتعالى أعلم، واحتججت باللغة لأن مترجم النسخة التي وقعت لي في عداد البلغاء، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها، على أني سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع، ثم رأيت البغوي

صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] بأن صلاتهم لا ركوع فيها، وكذا بان عطية وغيرهما. ولما كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران من زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسلام للمجادلة بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجاً عن إشكال الخوارق في آله، وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذكر ذلك من الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى: ذكر قصة يحيى عليه الصلاة والسلام في حمله وولادته ونبوته وما اتفق في ذلك من الخوارق من الأناجيل وقد مزجت بي ألفاظها فجعلتها شيئاً واحداً على وجه ألم بعضه بأول أمر المسيح عليه الصلاة والسلام؛ قال مترجمها في أول إنجيل لوقا: كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن، أي حبر إمام، اسمه زكريا من خدمة آل أبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات، وكانا كلاهما تقيين قدام الله سائرين ي

جميع وصاياه وحقوق الرب بغير عيب، ولم يكن لهما ولد لأن اليصابات كانت عاقراً، وكانا كلاهما قد طعنا في أيامهما، فبينما هو يكهن في أيام ترتيب خدمته أمام الله كعادة الكهنوت إذ بلغته نوبة وضع البخور فجاء ليبخر، فدخل إلى هيكل الله وجميع الشعب يصلون خارجاً في وقت البخور، فتراءى له ملاك الرب قائماً عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا! قد سمعت طلبتك، وأمرأتك اليصابات تلد ابناً، ويدعي اسمه يوحنا، ويكون لك فرح وتهلل، وكثير يفرحون بمولده، يوكون عظيماً قدام الرب، لا يشرب خمراً ولا سكراً، ويمتلىء من روح القدس وهو في بطن أمه، ويعيد كثيراً من بني إسرائيل إلى إلههم، وهو يتقدم أمامه بالروح وبقوة ألياء، ويقبل بقلوب الآباء على الأبناء والعصاة إلى علم الأبرار، ويُعد للرب شعباً مستقيماً، فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في أيامها؟ فأجاب الملاك وقال: أنا جبريل الواقف

قدام الله، أرسلت أكلمك بهذا وأبشرك، ومن الآن تكون صامتاً، لا تستطيع أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون هذا. وكان الشعب منتظرين زكريا متعجبين من إبطائه في الهيكل، فلما خرج لم يقدر يكلمهم، فعلموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يشير إليهم، وأقام صامتاً، فلما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته، ومن بعد تلك الأيام حملت اليصابات امرأته، وكتمت حملها خمسة أشهر قائلة: هذا ما صنع بي الرب في الأيام التي نظر إليّ فيها لينزع عني العار بين الناس، ولما كانت في الشهر السادس أرسل جبريل عليه الصلاة والسلام الملاك من عند الله سبحانه وتعالى إلى مدينة في الجليل تسمى ناصرة إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف من بيت داود، واسم العذراء مريم، فلما دخل إليها الملاك قال لها: افرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك! مباركة أنت في النساء، فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت قائلة ما هذا السلام؟ فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم! فقد ظفرت

بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى وأنت تقبلين حبلاً وتلدين ابناً، ويدعى اسمه يسوع، هذا يكون عظيماً، وابن العذراء يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه انقضاء، فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا ولا أعرف رجلاً؟ فأجاب الملاك وقال لها: روح القدس يحل عليك وقوة العلي تقبلك، فإنه ليس عند الله سبحانه وتعالى أمر عسير، فقالت مريم: هانذا عبدة الرب فيكون فيّ كقولك، وانصرف عنها الملاك، فقامت مريم في تلك الأيام ومضت مسرعة إلى عين كرم إلى مدينة يهودا، ودخلت إلى بيت زكريا فسلمت على اليصابات، فلما سمعت اليصابات صوت سلام مريم تحرك الطفل في بطنها، فامتلأت اليصابات من روح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت: مباركة أنت في النساء! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي هذا أن يأتي أمر ربي إليّ، منذ وقع صوت سلامك في أذني تحرك الطفل بتهليل في بطني، فطوبى للتي آمنت أن يتم لها ما قيل من الرب! فقالت

مريم: تعظم نفسي بالرب ويتهلل روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى تواضع عبدته، وقدوس اسمه، ورحمته لخائفيه، صنع القوة بذراعه وفرق المستكبرين بفكر قلوبهم، أنزل القادرين عن الكراسي ورفع المتواضعين، أشبع الجياع من الخيرات، فأقامت مريم عليها السلام عندها نحواً من ثلاثة أشهر وعادت إلى بيتها. ولما تم زمان اليصابات لتلد ولدت ابناً، فسمع جيرانها وأقاربها أن الرب قد أعظم رحمته معها، ففرحوا لها، فلما كانت في اليوم الثامن جاؤوا ليختنوا الصبي ودعوه باسم أبيه زكريا فأجاب أمه قائلة: لا ولكن ادعوه يوحنا، فقالوا لها: ليس أحد في جنسك يدعى بهذا الاسم، فأشاروا إلى أبيه: ما تريد أن تسميه؟ فاستدعى لوحاً وكتب قائلاً: يوحنا، فتعجب جميعهم، وانفتح فوه قائلاً من ساعته ولسانه، وتكلم وبارك، ووقع خوف عظيم على جميع جيرانهم، وتُحدث بهذا الكلام في جميع تخوم يهودا، وفكر جميع السامعين

في قلوبهم قائلين: ماذا ترى يكون من هذا الصبي! ويد الرب كانت معه، فامتلأ زكريا أبوه من روح القدس وبدأ قائلاً: تبارك الرب إله إسرائيل الذي اطلع وصنع نجاة لشعبه وأقام لنا قرن خلاص من بيت داود فتاه كالذي تكلم على أفواه أنبيائه القديسين من الأبد، خلاص من أعدائنا ومن يدي كل مبغضاً، صنع رحمة مع آبائنا، وذكر عهدة القديس: القسم الذي عهد به لإبراهيم أبينا ليعطينا الخلاص بلا خوف من يدي أعدائنا لنخدمه بالبر والعدل قدامه في كل أيام حياتنا، وأنت ايها الصبي نبي العلاء تدعى، وتنطلق قدام وجه الرب لتصلح طريقة ليعطي علم الخلاص لشعبه لمغفرة الخطايا بتحنن ورحمة، إلهنا الذي افتقدنا شرق من العلو ليضيء للجالس في الظلمة وظلال الموت لتستقيم سبل أرجلنا للسلامة.

فأما الصبي فكان يشب ويتقوى بالروح وأقام في البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل، وفي سنة خمس عشرة من ولاية طيباريوس قيصر وفيلاطوس النبطي على اليهودية وهيرودس رئيس الجليل، وفيلفوس أخوه على ربع الصورية وكورة أبطرحيون وأوساسوس رئيس على ربع الإيليا، وحنان وقيافا رؤساء الكهنة، حلت كلمة الله سبحانه وتعالى على يوحنا بن زكريا في البرية فجاء إلى كل البلاد المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا - كا هو مكتوب في سفر كلام أشعيا النبي - قائلاً: صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب فاصنعوا سبله مستقيمة، جميع الأودية تمتلىء وجميع الجبال والآكام تتضع، ويصير الوعر سهلاً والخشنة إلى طريق سهلة، ويعاين كل ذي جسد خلاص الله سبحانه وتعالى؛

وفي إنجيل متّى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات - هذا هو الذي في أشعيا النبي: إذ يقول صوت صارخ، وقال مرقس: مكتوب في أشعيا النبي: هوذا أنا مرسل ملاكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، ثم استنعى صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب وسهلوا سبله، وكان لباس يوحنا وبر الإبل، ومنطقته جلداً على حقويه، وكان طعامه الجراد وعسل البر، حينئذٍ خرجوا إليه من يروشليم، وكل اليهودية وجميع كور الأردن، وكان يعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم؛ وفي مرقس: كان يوحنا يعمد في القفر ويكرز بمعمودية التوبة لغفران الخطايا، وكان يخرج إليه جميع

كور يهودا وكل يروشليم فيعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم فقال للجمع الذين يأتون إليه ويعتمدون منه: يا ثمرة الأفاعي! وفي متى: فلما رأى كثيراً من الفريسيين والزنادقة يأتون إلى معموديته قال لهم: يا أولاد الأفاعي - ثم اتفق هو ولوقا - من دلكم على الهرب من الغضب الآتي؟ اعملوا الآن ثماراً تليق بالتوبة ولا تقولوا في نفوسكم: إن أبانا إبراهيم، أقول لكم: إن الله سبحانه وتعالى قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم ها هوذا الفأس موضوع على أصول الشجر، وكل شجرة لا تثمر ثمرة طيبة تقطع وتلقى في النار، فسأله الجموع، ماذا نصنع؟ أجاب وقال لهم: من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له طعام فليصنع مثل ذلك، فأتى العشارون ليعتمدوا منه فقالوا: ماذا نصنع يا معلم؟ فقال لهم: لا تفعلوا أكثر مما أمرتم به، وسأله أيضاً الجند قائلين: ماذان نصنع نحن أيضاً؟ فقال لهم: لا تعيبوا أحداً ولا تظلموا أحداً، واكتفوا بأرزاقكم.

وإن جميع الشعب فكروا في قلوبهم وظنوا أن يوحنا المسيح، أجابهم يوحنا أجمعين وقال لهم: أما أنا فأعمدكم بالماء للتوبة، وسيأتي الذي هو أقوى من الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه؛ وقال متى: لا أستحق أن أحمل حذاءه؛ وقال مرقس: وكان يبشر قائلاً: الذي يأتي بعدي أوقى مني، لست أهلاً - أعني لحل سيور حذائه، أنا أعمدكم بالماء وهو يعمدكم بروح القدس والنار، الذي بيده المرفش، ينقي به الذرة، ويجمع القمح إلى أهرائه، ويحرق التبن بناء لا تطفأ، ولا يخبز الشعب، ويبشرهم بأشياء كثيرة؛ وفي إنجيل يوحنا: كان إنسان أرسل من الله، اسمه يوحنا، جاء للشهادة للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل إنسان،

الآتي إلى العالم، إلى خاصته، جاء وخاصته لم تقبله، فأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً، والكلمة صارت جسداً، وحل فينا، ورأينا مجده مجداً مثل الوحيد الممتلىء نعمة، وحقاً يوحنا شهد من أجله وصرخ وقال: هذا الذي قلت إنه يأتي بعدي كان قبلي، لأنه أقدم مني، ومن امتلائه نحن بأجمعنا أخذنا نعمة من أجل أن الناموس بموسى أعطى، والنعمة والحق أوحيا بيسوع المسيح الذي لم يره أحد قط، الابن الوحيد. هذه شهادة يوحنا إذا أرسل إليه اليهود من يروشليم كهنة ولاويين - أي ناساً من أولاد لاوي - ليسألوه: من أنت، فاعترف وأقر أني لست المسيح، فسألوه: فمن ألياء؟ فقال: لست أنا النبي، قال: كلا! فقالوا له: فمن أنت لنرد الجواب إلى الذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا الصوت الصارخ في البرية: سهلوا طريق الرب - كما قال أشعيا النبي. فأما أولئك الذين أرسلوا فكانوا من الفريسيين فقالوا: ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا ألياء ولا النبي؟ أجابهم يوحنا: أنا أعمدكم بالماء، وفي وسطكم قائم ذاك الذي ليستم تعرفونه،

الذي يأتي بعدي وهو أقوى مني، وهو قبلى كان، ذاك الذي لست مستحقاً أن أحل سيور حذائه. هذا كان في بيت عنيا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد. قال لوقا: فأما هيرودس رئيس الربع فكان يوحنا يبكته من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلفوس ولأجل الشر الذي كان هيرودس يفعله، وزاد على ذلك أنه طرح يوحنا في السجن؛ وقال مرقس وقد ذكر آيات أظهرها المسيح: وسمع هيرودس الملك وقال: إن يوحنا المعمدان قام من الأموات، ومن أجل تلك القوات يعمل، وقال آخرون: إنه ألياء، وآخرون: إنه نبي كواحد من الأنبياء، فلما سمع هيرودس قال: أنا قطعت رأس يوحنا؛ وفي متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات، من أجل هذه القوات يعمل، وكان هيرودس قد

أمسك يوحنا وشده وجعله في السجن، وقال مرقس: وحبسه من أجل هيروديا امرأة فيلفوس، لأنه كان قد تزوجها وقال له يوحنا: ما يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك، وكانت هيروديا حنقة عليه تريد قتله، ولم تقتله لأن هيرودس كان يخاف من يوحنا، لأنه يعلم أنه رجل صديق قديس ويحفظه ويسمع منه كثيراً بشهوة، وكان في يوم من الزمان وافى هيرودس مولود، فصنع وليمة لعظمائه ورؤسائه ومقدمي الجليل، ودخلت ابنة هيروديا فرقصت، فوافق ذلك هيرودس وجلساءه، فقال الملك للصبية: سلي ما أردت فأعطيك! وحلف لها أني أعطيك ما سألت ولو كان نصف ملكي، فخرجت وقالت لأمها: أي شيء أسأله؟ فقالت: رأس يوحنا المعمدان، فرجعت للوقت بسرعة إلى الملك وسألت رأس يوحنا على طبق، فحزن الملك، ومن أجل اليمين والمنكبين لم ير منعها،

فأنفذ سيافاً من ساعته وأمر أن يؤتى برأسه في طبق، فمضى وقطع رأسه في الحبس وجاء به في طبق وأعطاه للصبية، فأخذته الصبية ودفعته لأمها؛ وسمع تلاميذه فجاؤوا ورفعوا جثته وجعلوها في قبر؛ قال متى: وجاء تلاميذه فأخذوا جسده ودفنوه وأتوا فأخبروا يسوع فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفرداً، فسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدن، فلما خرج أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم وأبرأ اعلاّءهم ومرضاهم انتهى.

44

ولما أتى نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته، لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالماً قط - صادقاً لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى، وكان من حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت

العتي فقال: {ذلك} أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام {من أنباء الغيب نوحيه} أي نجدد إيحاءه في أمثاله {إليك} في كل حين فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوماً على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة ويجوز أن تكون الجملة حالاً تقديرها: {و} الحال أنك {ما كنت} ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في قوله: {هو من عند الله} وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيهاً على أنه مما يستغرب جداً حتى عند أهل الاصطفاء فقال: {لديهم} قال الحرالي: لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى. {إذ يلقون} لأجل القرعة - {أقلامهم} قال الحرالي: جمع قلم، وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى {أيهم}

أي يستهمون أيهم {يكفل مريم} أي يحضنها ويربيها تنافساً في أمرها لما شرفها الله تعالى به {وما كنت لديهم إذ} أي حين {يختصمون *} أي في ذلك حتى نقصّ مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب، أو بوحي منا؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت، لشهرتك بالنشأة أمياً مباعداً للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة، فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيهاً على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على وفد نصارى نجران، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول

القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب، واستمر في إكمال المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلاً من إذ الأولى إيذاناً بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف الأغراض: {إذ قالت الملائكة يا مريم} ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات فقال: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، فلا راد لأمره {يبشرك} وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام، وقوله: {بكلمة} أي مبتدئة {منه} من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب، والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة حقيقتها، بل ما يكون عنها ويكون فعالاًَ بها فقال مذكراً للضمير: {اسمه} أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء:

{المسيح} أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم: من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهراً متأهلاً للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركاً، فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى عليه الصلاة والسلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يُمسَح؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى عليه الصلاة والسلام وصف بوصفه - من باب التسمية بالضد، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال {عيسى} وبين أنه يكون منها وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك: {ابن مريم} وذلك أنفى لما ضل به من ضل في أمره، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه أولاً ثم تفسيره، وقوله: {اسمه} تعظيم لقدره وبيان لفضله

على يحيى عليهما السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالاً دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال الولادة تحقيقاً لظهور أثر الكلمة عليه فقال: {وجيهاً} قال الحرالي: صيغة مبالغة مما منه الوجاهة، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى. {في الدنيا} ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال: {والآخرة} ولما كانت الوجاهة ثمَّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفاً بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال: {ومن المقربين *} أي عند الله. ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال: {ويكلم الناس} أي من كلمه من جميع هذا النوع، بأي لسان كان كلمه، حال كونه {في المهد} قال الحرالي: هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه - انتهى. وبشرها بطول حياتها بقوله: {وكهلاً} أي بعد نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت.

قال الحرالي: والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان، وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره، يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى بضع وستين، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صباً، وإحدى وعشرون شباباً، وإحدى وعشرون كهولة، وإحدى وعشرون شيوخة، فذلك بضع وثمانون سنة - انتهى. وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة: ثم ما ادم بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين؛ ويقال: شاب الرجل، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر - انتهى. والكهل - قال أهل اللغة - مأخوذ من: اكتهل النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج، وكلام الفقهاء لا يخالفه، فإن مبناه العرف، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه، وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة.

ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيراً إلى علو مقدارها: {ومن الصالحين *} ومعلماً بأنها محيطة بأمره، شاملة لآخر عمره، كما كانت مقارنة لأوله، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجباً فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن {قالت رب} أيها المحسن إلى {أنّى} أي من أين وكيف {يكون لي} ولما كان استبعادها لمطلق الحبل، لا بقيد كونه ذكراً كما في قصة زكريا عليه السلام قالت {ولد} وقالت: {ولم يمسسني بشر} لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط. قال الحرالي: والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته، من معنى البشرة، وهو ظاهر لاجلد انتهى (ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه السلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من

غير سبب أصلاً عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال: {الله} أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه {يخلق} أي يقدر ويصنع ويخترع {ما يشاء} فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من جعل الشيخ كالشاب، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال: {اذا قضى أمراً} أي جل أو قل {فإنما يقول له كن فيكون *} بياناً للكلمة، فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفاً علي {ويكلم الناس} بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم، وبالنون في قراءة الباقين نظراً إلى العظمة إظهاراً لعظمة العلم: {ويعلمه} أو يكون مستأنفاً فيعطف على ما تقديره: فنخلقه كذلك ونعلمه {الكتاب} أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره {والحكمة} أي العلوم الإلهية

لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه. ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلاً لأسرار الكتب الإلهية قال: {والتوراة} أي التي تعرفينها {والإنجيل *} بإنزاله عليه تالياً لهما، وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها. ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما مضى مقدمات لها: {ورسولاً} عطفاً على «تالياً» المقدر، أو ينصب بتقدير: يجعله {إلى بني إسراءيل} أي بالإنجيل. ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقروناً بحرف التوقع فقال: {أني} أي ذاكراً أني {قد جئتكم بآية من ربكم} أي الذي طال إحسانه إليكم، ثم أبدل من «آية» {إني أخلق لكم} أي لأجل تربيتكم بصنائع الله

{من الطين} قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئاً لقبول وقع الصورة فيه {كهيئة} وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها {الطير} ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقباً للتصوير: {فأنفخ} قال الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى. {فيه} أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة {فيكون طيراً} أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك. ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال: {وأبرىء} قال الحرالي: من الإبراء

وهو تمام التخلص من الداء، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى. {الأكمه والأبرص} بإيجاد ما فقد منها من الروح المعنوي؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل معناه: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه، ومنه براص الأرض - لبقع لا نبت فيها، ومنه البريص في معنى البصيص، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي: البرص عبارة عن سور مزاج يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى. ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال: {وأحي الموتى} أي برد أرواحهم إلى أشباحهم، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل، وقد أعطاني قوة ذلك،

وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال: «أتى رجل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة! أجيبي بإذن الله سبحانه وتعالى! فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك! فقال لها: إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما، فقالت: لا حاجة لي بهما، وجدت الله خيراً لي منهما» وقد تقدم في البقرة عند {أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] ما ينفع هنا، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده، فصارت أحسن من أختها شهيرة، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه لأمه كذلك. ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتيه ربما أورث لبساً في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر فقال مكرراً لما قدمه في مثله معبراً بما يدل على عظمه: {بإذن الله} أي بعلمه وتمكينه،

ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال: {وأنبئكم} أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب {بما تأكلون} أي مما لم أشاهده، بل تقطعون بأني كنت غائباً عنه {وما تدخرون} ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال: {في بيوتكم} قال الحرالي: من الادخار: افتعال من الدخرة، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كانت لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار - انتهى. ولما ذكرهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآية لكم} أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء، وأفرد كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم، وكذا

جمع ثانياً قطعاً لتعنت من قد يقول: إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم - لو جمع الأول، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال: {إن كنتم مؤمنين *} أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به. ولما كان ترجمة {إني قد جئتكم} آتياً إليكم بآية كذا، مصدقاً بها لما أتيت به، عطف على الحال المقدر منه تأكيداً لأنه عبد الله قوله: {ومصدقاً لما بين يدي} أي كان قبل إتياني إليكم {من التوراة} أي المنزلة على أخي موسى عليه الصلاة والسلام، لأن القبلية تقتضي العدم الذي هو صفة المخلوق؛ أو يعطف على {بآية} إذا جعلنا الباء للحال، لا للتعدية، أي وجئتكم مصحوباً بآية ومصدقاً. ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه ليس كمن بينه وبين موسى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على

ما هي عليه وتحديد أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة والسلام بل هو مع تصديقها ينسخ بعضها فقال: {ولأحل} أي صدقتها لأحثكم على العمل بها ولأحل {لكم بعض الذي حرم عليكم} أي فيها تخفيفاً عليكم {وجئتكم} اية ليس مكرراً لتأكيد: {أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين} على ما توهم، بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى، وكان من المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال، وكان من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق، منها إحياء ميت ويدعى الإلهية، كان من الجائز أن يكون ذلك سبباً لشبهة تعرض لبعض الناس، فختم هذا الدليل على رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته، وذلك مطابقته لما دعا إليه الأنبياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال: وجئتكم {بآية} أي عظيمة خارقة للعادة {من} عند {ربكم} أي المحسن إليكم بعد التفرد بخلقكم، وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي، هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي.

ولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع الآيات تأكيد رسالته تلطيفاً لطباعهم الكثيفة، فينقطع منها ما كانت ألفته في الأزمان المتطاولة من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما يصرح بعبوديته أيضاً فقال مبادراً للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل امتنانه {فاتقوا الله} أي الذي له الأمر كله {وأطيعون *} أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول.

51

ولما كان كأنه قيل: ما تلك الآية التي سميتها «آية» بعد ما جئت به من الأشياء الباهرة قال: {إن الله} الجامع لصفات الكمال {ربي وربكم} أي خالقنا ومربينا، أنا وأنتم في ذلك شرع واحد، وقراءة من فتح {إن} أظهر في المراد {فاعبدوه هذا} أي الذي دعوتكم إليه {صراط مستقيم *} أنا وأنتم فيه سواء، لا أدعوكم

إلى شيء إلا كنت أول فاعل له، ولا أدعي أني إله ولا أدعو إلى عبادة غير الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من الكذبة الذين تظهر الخوارق على أيديهم امتحاناً من الله سبحانه وتعالى لعباده فيجعلونها سبباً للعلو في الأرض والترفع على الناس، وجاء بالتحذير منهم وتزييف أحوالهم الأنبياء، وإلى هذا يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة فإنه جعل العلامة على صدق الصادق وكذب الكاذب الدعوة، فمن كانت دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وجب تصديقه، من كذبه هلك، ومن دعا إلى غيره وجب تكذيبه، ومن صدقه هلك؛ قال في السفر الخامس منها: وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب، ولا يوجد فيكم من يقبر ابنه أو ابنته في النار نذراً للأصنام، ولا من يطلب تعليم العرافين، ولا من يأخذ بالعين، ولا يوجد فيكم

من يتطير طيرة، ولا ساحر، ولا من يرقى رقية، ولا من ينطلق إلى العرافين والقافة فيطلب إليهم ويسألهم عن الموتى، لأن كل من يعمل هذه الأعمال هو نجس بين يدي الله ربكم، ومن أجل هذه النجاسة يهلك الله هذه الشعوب من بين أيديكم؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين أما الله ربكم، لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم، بل يقيم لكم نبياً من إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي كما أطعتم الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: لا نسمع صوت الله ربنا ولا نعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ما أحسن ما تكلموا! سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك وأجري قولي فيه ويقول لهم ما آمره به، والرجل الذي لا يقبل

قول النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه، فأما النبي الذي يتكلم ويتجرأ باسمي ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء الآلهة الأخرى ليقتل ذلك النبي، وإن قلتم في قلوبكم: كيف لنا أن نعرف القول الذي لم يقله الرب، إذا تكلم ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله: ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه؛ وقال قبل ذلك بقليل: وإذا أهلك الله الشعوب التي تنطلقون إليها وأبادهم م نبين أيديكم وورثتموهم وسكنتم أرضهم، احفظوا، لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما يهلكهم الله من بين أيديكم، ولا تسألوا عن آلهتهم ولا تقولوا: كيف كانت هذه الشعوب تعبد آلهتها حتى نفعل نحن مثل فعلها؟ ولا تفعلوا مثل فعالها أمام الله ربكم، لأنهم عملوا بكل ما أبغض الله وأحرقوا بنيهم وبناتهم لآلهتهم، ولكن القول الذي آمركم به إياه احفظوا وبه اعملوا! لا تزيدوا ولا تنقصوا منه شيئاً

فإن قام بينكم نبي أو من يفسر أحلاماً وعمل آية أو عجيبة ويقول: اقبلوا بنا نعبد الآلهة الأخرى التي لا تعرفونها ونتبعها - لا يقبل قول ذلك النبي وصاحب الأحلام، لأنه إنما يريد، أن يجربكم ليعلم هل تحبون الله ربكم، احفظوا وصاياه واتقوا واسمعوا قوله واعبدوه والحقوا به، فأما ذلك النبي وذلك الذي تحلّم الأحلام فليقتل، لأنه نطق بإثم أمام الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وخلصكم من العبودية فأراد أن يضلكم عن الطريق الذي أمركم الله ربكم أن تسيروا فيه، واستأصلوا الشر من بينكم، وإن شوقك أخوك ابن أمك وأبيك أو ابنتك أو حليلتك أو صديقك ويقول لك: هلم بنا نتبع الآلهة الأخرى التي لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ومن أقطار الأرض إلى أقصاها - لا تقبل قوله ولا تطعه ولا تشفق عليه ولا ترحمه ولا تلتمّ عليه ولا تتعطف عليه، ولكن اقتله قتلاً، وابدأ به

أنت قتلاً، ثم يبدأ به جميع الشعوب، وارجموه بالحجارة وليمت، لأنه أراد أن يضلك عن عبادة الله ربك الذي أخرجك من أرض مصر وخلصك من العبودية، ويسمع بذلك جميع بني إسرائيل، ويفزعون فلا يعودوا أن يعملوا مثل هذا العمل السوء بينكم، وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم الله قوماً قد ارتكبوا خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم: ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها، ابحثوا نعماً وسلوا حسناً، إن كان القول الذي بلغكم يقيناً وفعلت هذه النجاسة في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف، واقتلوا كل من فيها من النساء والصبيان والبهائم بالسيف، واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية بالنار وأحرقوا كل نهبها أما الله ربكم، وتصير القرية تلاً خراباً إلى الأبد ولا تبنى أيضاً، ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف عليكم ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم؛ هذا إن أنتم سمعتم قول الله ربكم، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم، وعملتم الحسنات أمام الله ربكم، فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم، لا تأثموا

ولا تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت، لأنكم شعب طاهر لله ربكم، وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له شعباً حبيباً أفضل من جميع شعوب الأمم - انتهى. فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في الدعاء إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى على صدق النبي الحق اختصاصه الله تعالى بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه إلى غير الله؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال وأمثاله، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته من الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته، وهذا كما يأتي من أمر الله سبحانه وتعالى لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] إلى قوله: {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} [آل عمران: 64] . ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة القويمة الجامعة، وكان قوله: في أول السورة {يصوركم في الأرحام

كيف يشاء} وقوله هنا {يخلق ما يشاء} مغنياً عن ذكر حملها، طواه وأرشد السياق حتماً إلى أن التقدير: فصدق الله فيما قال لها، فحملت به من غير ذكر فولدته - على ما قال سبحانه وتعالى - وجيهاً وكلم الناس في المهد وبعده، وعلمه الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ما أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر، فتابعه قوم وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات، ونصبوا له الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسلياً لهذا النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فلما أحس} قال الحرالي: من الإحساس وهو منال الأمر بادراً إلى العلم والشعور الوجداني - انتهى {عيسى منهم الكفر} أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم يتكاثر

بعد أن علم كفرهم علماً لا مرية فيه، فاستغاث بالأنصار وعلم أن منجنون الحرب قد دار، فعزم على إلحاقهم دار البوار {قال من أنصاري} . ولما كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت على تضمين هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال: {إلى} أي سائرين أو واصلين معي بنصرهم إلى {الله} أي الملك الأعظم {قال الحواريون} قال الحرالي: جمع حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته بما كان من إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى. وهو مصروف لأن ياءه عارضة {نحن أنصار الله} أي الذي أرسلك وأقدرك على ما تأتي به من الآيات، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلماً، ثم صححوا النصرة وحققوا بأن عللوا بقولهم: {آمنا بالله} أي على ما له من صفات الكمال، ثم أكدوا ذلك بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل الخق إذ ذاك: {واشهد بأنا مسلمون *} أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو حق من آمن لتكون

شهادتك علينا أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة. ثم لما خاطبوا الرسول أدباً ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاماً للأمر وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين لأداة النداء استحضاراً لعظمته بالقرب لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب: {ربنا آمنا بما أنزلت} أي على ألسنة رسلك كلهم {واتبعنا الرسول} الآتي إلينا بذلك معتقدين رسالته منك وعبوديته لك {فاكتبنا} لتقبّلك شهادتنا واعتدادك بها {مع الشاهدين *} أي الذين قدمت أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة، ولعله عقب ذلك بقوله: {ومكروا} المعطوف على قوله: {قال من أنصاري إلى الله} بالإضمار الصالح لشمول كل من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع، أما مكر اليهود فمشهور، وأما الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو الذي تولى

كبر الأمر وجر اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء، وترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بفكرهم خافوا غائلته فأعملوا الحيلة في قتله. والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك، فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى - انتهى. ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله: {ومكر الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً. ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصاً من جهة ما فقال: {والله} أي والحال أنه الذي له هذا الاسم الشريف فلم يشاركه فيه أحد بوجه {خير الماكرين *} بإرادته تأخير حربه لهم إلى وقت قضاه في الأزل فأمضاه وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره الذين سألهم ربه هذه الأمة تشريفاً لهم، ثم بين ما فعله بهم من القضاء الذي هو على صورة المكر في كونه أذى يخفى على المقصود به بأنه رفعه إليه وشبه ذلك عليهم

حتى ظنوا أنهم صلبوه وإنما صلبوا أحدهم، ويقال: إنه الذي دلهم، وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به العز إلى آخر الدهر فكان تدميرهم في تدبيرهم، وذلك أخفى الكيد فقال تعالى مخبراً عن ذلك على وجه مبشر له بأنه عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف أنفه: {إذ} أي مكر حين {قال الله} أي ما له من التفرد بصفات الكمال {يا عيسى إني متوفيك} وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل الكفار ملزومة للموت حتف الأنف، وأما قول الزمخشري: أي مستوفى أجلك ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة من القتل لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل

قطع أجل المقتول المكتوب، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها؛ ويجوز أن يكون معنى متوفيك: آخذك إليّ من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش مكرهم. قال في القاموس: أوفى فلاناً حقه: أعطاه وافياً، كوفّاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه. ثم زاد سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: {ورافعك} وزاد إعظام ذلك بقوله: {إليّ ومطهرك من الذين كفروا} . ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم من الأحوال، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره فقال: {وجاعل الذين اتبعوك} أي ولو بالاسم {فوق الذين كفروا} أي ستروا ما يعرفون من نبوتك بما رأوا من الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر بك {إلى يوم القيامة} وكذا

كان، لم يزل من اتسم بالنصرانية حقاً أو باطلاً فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. ولما كان البعث عاماً دل عليه بالالتفات إلى الخطاب فقال تكميلاً لما بشر به من النصرة: {ثم إليّ مرجعكم} أي المؤمن والكافر في الآخرة {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون *} ثم فصل له الحكم فقال مرهباً لمخالفيه مرغباً لموافقيه، وقدم المخالفين لأن السياق لبيان إذلالهم: {فإما الذين كفروا} أي من الطائفتين {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا} بالذل والهوان والقتل والأسر {والآخرة} بالخزي الدائم {وما لهم من ناصرين *} وإن كثر عددهم ولم يقل: وأما الذين اتبعوك - لئلا يلتبس الحال وإن كان من اتبع النبي الأمي فقد اتبعه في بشارته به والأمر باتباعه بل قال: {وأما الذين آمنوا وعموا الصالحات} لأن هذه ترجمة الذين اتبعوه حق الاتباع. ولما كان تمام الاعتناء بالأولياء متضمناً لغاية القهر للأعداء أبدى

في مظهر العظمة قوله تعظيماً لهم وتحقيراً لأعدائهم: {فيوفيهم أجورهم} أي نحبهم من غير أن نبخسهم منها شيئاً أو نظلم أحداً من الفريقين في شيء فإن الله سبحانه وتعالى متعال عن ذلك {والله} الذي له الكمال كله {لا يحب الظالمين *} من كانوا، أي لا يفعل معهم فعل المحب، فهو يحبط أعمالهم لبنائها على غير أساس الإيمان، فالآية من الاحتباك، ونظمها على الأصل: فنوفيهم لأنا نحبهم والله يحب المؤمنين، والذين ظلموا نحبط أعمالهم لأنا لا نحبهم والله لا يحب الظالمين؛ فتوفية الأجر أولاً ينفيها ثانياً، وإثبات الكراهة ثانياً يثبت ضدها أولاً، وحقيقة الحال أنه أثبت للمؤمنين لازم المحبة المراد منها في حق الله سبحانه وتعالى لأنه أسّر،

ولازم المراد من عدمها في الظالمين لأنه أنكأ. ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء تكوينه إلى انتهاء رفعه وما كان بعده من أمر أتباعه مشيراً بذلك إلى ما فيه من بدائع الحكم وخزائن العلوم واللطائف المتنزلة على مقادير الهمم على أتقن وجه وأحكمه وأتمه وأخلصه وأسلمه، وختمه بالتنفير من الظلم، وكان الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكان هذا القرآن العظيم قد حاز من حسن الترتيب ورصانة النظم بوضع كل شيء منه لفظاً ومعنى في محله الأليق به المحل الأعلى، لا سيما هذه الآيات التي أتت بالتفصيل من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدع فيه شكاً ولا أبقت شبهة ولا لبساً، أتبع ما تقدم من تفصيل الآيات البينات قوله منبهاً على عظمة هذه الآيات الشاهدات الآتي بها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأوضح الصدق بإعجازها في نظمها وفي العلم بمضامينها من غير معلم من البشر كما تقدم نحو ذلك في {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} {هود: 49] {ذلك} أي النبأ العظيم والأمر الجسيم الذي لم تكن تعلم شيئاً منه ولا علمه من شبان قومك

{نتلوه} أي نتابع قصه بما لنا من العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق حال كونه {من الآيات} أي التي لا إشكال فيها، ويجوز أن يكون خبر اسم الإشارة، {والذكر الحكيم *} إشارة إلى ذلك لأن الحكمة وضع الشيء في أعدل مواضعه وأتقنها، وأشار بأداة البعد تنبيهاً على علو منزلته ورفيع قدره.

59

ثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال: {إن مثل عيسى} أي في كونه من أنثى فقط {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في إخراجه من غير سبب حكمي عادي {كمثل آدم} في أن كلاًّ منهما أبدع من غير أب، بل أمر آدم أعجب فإنه أوجده من غير أب ولا أم، ولذلك فسر مثله بأنه {خلقه} أي قدره وصوره جسداً من غير جنس البشر، بل {من تراب} فعلمنا أن تفسير مثل عيسى كونه خلقه من جنس البشر من أم فقط بغير أب، فمثل عيسى أقل غرابة من هذه الجهة وإن كان أغرب من حيث إنهم لم يعهدوا مثله، فلذلك كان مثل آدم مثلاً له موضحاً لأنه مع كونه أغرب اشهر (وعبر بالتراب دون الماء والطين والحمأ وغيره كما في

غير هذا الموطن، لأن التراب أغلب أجزائه ولأن المقام لإظهار العجب، وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار بالهداية والعلوم الباهرة من التراب الذي هو أكثف الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال على الشياطين من كونهم من عنصر نير أعجب) . ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد من أنثى، ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق عيسى عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلاًّ منهما لم يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان كل جماع موجباً للولد وكل تراب موجباً لتولد الحيوان منه، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه ولد علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته، ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى، فلا فرق في ذلك بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله موجباً للحبل وبين أن يريد كونه من

أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى، كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعاً أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سلف قريباً: إن الله قادر على أن يقيم من الحجارة أولاداً لإبراهيم، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب وسبب، بل كلها في قدرته سواء، وإلى ذلك أشار قوله: {ثم قال له كن} أي بشراً كاملاً روحاً وجسداً، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في {فيكون *} دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويراً لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيهاً على أن هذا هو الشأن دائماً، يتجدد مع كل مراد، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلاً - كما تقدم التصريح به في آية {إذا قضى أمراً} [البقرة: 117] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن معتقدهم وفد نجران، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس، وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أمه الذي كان يعلم الأسماء كلها وسجد له الملائكة، لا بخالقه ومكونه تعالى عما

يقول الظالمون علواً كبيراً. قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلاً مبدؤه السلالة الطينية، وغايته النفخة الأمرية، وكان عيسى عليه الصلاة ولاسلام مثلاً مبدؤه الروحية والكلمة، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية، حتى قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج امرأة من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت العيسوية في الآدمية وليكون مثلاً واحداً أعلى جامعاً {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} [الروم: 27]- انتهى. ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال: {الحق} أي الكامل في الثبات كائن {من ربك} أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالاً، ولما تسبب عما مضى نقلاً وعقلاً الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام قال: {فلا تكن من الممترين *} مشيراً بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها، وما أحسن ما في سفر الأنبياء

الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى، يتناقلونه معتقدين ما فيه، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسلام وموافقة معتقدنا فيه، لكنهم لا يتدبرون، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه السلام: اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي خلقتك في الرحم وأعنتك، ثم قال: هكذا يقول: يقول الرب: أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك وأعنتك، أنا الذي خلقت الكل، وأنا الذي مددت السماء وحدي، وأنا الذي ثبتّ الأرض، أنا الذي أبطل آيات العرافين، وأصير كل تعريفهم جهلاً، وأرد الحكماء إلى خلفهم، وأعرف أعمالهم للناس، وأثبت كلمة عبيدي، وأتمم قول رسلي؛ ثم قال: أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء، الويل للذي يخاصم خالقه ولا يعلم أنه من خزف الطين! لعل الطين يقول للفاخوري: لماذا تصنعني؟ أو لعله يقول له: لست أنا من صنعتك، الويل للذي يقول لأبيه: لماذا ولدتني؟ أو لأمه: لماذا حبلت بي؟ هكذا يقول الرب قدوس

إسرائيل ومخلصه: أنا الذي خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها، وجعلت فيها الكواكب البهية. ذكر ما يحتاج إليه المفسرون - ويثمر إن شاء الله سبحانه وتعالى زيادة الإيقان لكل مسلم - من قصة عيسى عليه السلام في ولادته وما يتعلق بهذه السورة من مبدإ أمره ومنتهاه وبعض ما ظهر على يديه من الآيات ولسانه من الحكم المشيرة إلى أنه عبد الله ورسوله وغير ذلك من الأناجيل الأربعة التي في أيدي النصارى اليوم، وقد أدخلت كلام بعضهم في بعض وجمعت ما تفرق من المعاني في سياقاتهم بحيث صار الكل حديثاً واحداً: قال متى - ومعظم السياق له -: كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ابراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم قال: لكل الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً، ومن داود إلى زربابل أربعة عشر جيلاً، ومن زربابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً؛ لما خطبت مريم أمه ليوسف قبل أن يفترقا وجدت حبلاً من

روح القدس، وكان يوسف خطيبها صديقاً ولم يرد أن ينشرها، وهم بتخليتها سراً، وفيما هو مفكر في هذا إذا ظهر له ملاك الرب في الحلم قائلاً: يا يوسف بن داود! لا تخف أن تأخذ مريم خطيبتك، فإن الذي تلده هو من روح القدس، وستلد ابناً ويدعى اسمه يسوع، وهو يخلص شعبه من خطاياهم، هذا كله كان لكي يتم ما قيل من قبل الرب على لسان النبي القابل: ها هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعى اسمه «عمانويل» الذي تفسيره: الله معنا، فقام يوسف من النوم وصنع كما أمره ملاك الرب وأخذ مريم خطيبته ولم يعرفها حتى ولدت ابناه البكر، ودعي اسمه يسوع. وفي إنجيل لوقا: ولما كان في تلك الأيام - أي أيام ولادة يحيى بن زكريا عليهم السلام - خرج أمر من أوغوسطوس قيصر

بأن يكتب جميع المسكونة هذه الكتبة الأولى في ولاية فرسوس على الشام، فمضى جميعهم ليكتتب كل واحد منهم في مدينته، فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لأنه كان من بيت داود وقبيلته ليكتتب مع مريم خطيبته وهي حبلى، فبينما هما هناك إذ تمت أيام ولادتها لتلد، فولدت ابنها البكر ولفته وتركته في مزود لأنه لم يكن لهما موضع حيث نزلا، وكان في تلك الكورة رعاة يسهرون لحراسة الليل نوباً على مراعيهم، وإذا ملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب أشرق عليهم، فخافوا خوفاً عظيماً، قال لهم الملاك: لا تخافوا الآن، هو ذا أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع الشعوب، لأنه ولد لكم اليوم مخلص، الذي هو المسيح في مدينة داود، وهذه علامة لكم أنكم تجدون طفلاً ملفوفاً موضوعاً في مزود، وللوقت بغتة تراءى مع الملاك جنود كثيرة سماويون، يسبحون الله سبحانه وتعالى ويقولون: المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة؛ فلما صعد الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: امضوا بنا إلى بيت لحم لننظر الكلام الذي أعلمنا به الرب، فجاؤوا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل موضوعاً في

مزود؛ فلما رأوه علموا أن الكلام الذي قيل لهم عن الصبي حق، وكل من سمع تعجب مما تكلم به الرعاة، وكانت مريم تحفظ هذا الكلام كله وتقيه، ورجع الرعاة يمجدون الله سبحانه وتعالى ويسبحون على كل ما سمعوا وعاينوا كما قيل لهم. ولما تمت ثمانية أيام أتوا به ليختن ودعوا اسمه يسوع كالذي دعاه الملاك قبل أن تحبل به في البطن، فلما كملت أيام تطهيرها - على ما في ناموس موسى - صعدوا به إلى يروشليم ليقيموه للرب، كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم أمه يدعى قدوس الرب، ويقرب عنه - كما هو مكتوب في ناموس الرب - زوج

يمام أو فرخا حمام؛ وكان إنسان بايروشليم اسمه شمعون، وكان رجلاً باراً تقياً، يرجو عز بني إسرائيل، وروح القدس كان عليه، وكان يوحى إليه من روح القدس أنه لا يموت حتى يعاين المسيح الرب، فأقبل بالروح إلى الهيكل عندما جاؤوا بالطفل يسوع ليصفى عنه كما يجب في الناموس، فحمله على ذراعه وبارك الرب قائلاً: الآن يا سيد! أطلق عبدك بسلام لكلامك، لأن عيني أبصرتك خلاصك الذي أعددت قدام جميع الشعوب، نور استعلن للأمم ومجد لشعبك إسرائيل، وكان يوسف وأمه يتعجبان مما يقال عنه، وباركهما شمعون وقال لمريم أمه: هوذا هذا موضوع لسقوط كثير وقيام كثير من بني إسرائيل. وكانت حنة النبية ابنة فانوئل من سبط أشير قد طعنت في أيامها وأقامت مع

زوجها سبعة وستين بعد بكوريتها، وترملت أربعة وثمانين عاماً غير مفارقة للهيكل عائدة للصّوم، وللطلبة ليلاً ونهاراً، وفي تلك الساعة جاءت قدامه معترفة لله وكانت تتكلم من أجله عند كل أحد، تترجى خلاص يروشليم، فلما أكملوا كل شيء على ما في ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة، فأما الصبي فكان ينشأ ويتقوى بالروح ويمتلىء بالحكمة، ونعمة الله كانت عليه، وأبواه يمضيان إلى يروشليم في كل سنة في عيد الفصح. وقال متى: فلما ولد يسوع في بيت لحم يهودا في أيام هيرودس الملك إذا مجوس وافوا من المشرق إلى يروشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود لأنا رأينا نجمة في المشرق، ووافينا لنسجد له، فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجمع يروشليم وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب واتسخبرهم: أين يولد المسيح؟ فقالوا

له: في بيت لجحم أرض يهودا - كما هو مكتوب في النبي: وأنت يا بيت لحم أرض يهودا لست بصغيرة في ملوك يهود، يخرج منك مقدم، الذي يرعى شعب بني إسرائيل. حينئذ دعا هيرودس والروم المجوس سراً، وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه النجم وأرسلهم إلى بيت لحم قائلاً: امضوا فابحثوا عن الصبي باجتهاد، فإذا وجدتموه فأخبروني لآتي أنا وأسجد له، فلما سمعوا من الملك ذهبوا، وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي، فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً، وأتوا إلى البيت فرأوا الصبي، مع مريم أمه، فخروا له سجداً وفتحوا أوعيتهم وقدموا له قرابين ذهباً ولُباناً ومُرّاً، وأنحى إليهم في الحلم أن لا يرجعوا إلى هيردوس، بل يذهبوا في طريق أخرى إلى كورتهم، فلام ذهبوا وإذ ملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلاً: قم، خذ الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر وكن هناك حتى أقول لك فإن هيردوس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي أمه

ليلاً، ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من قبل الرب بالنبي القابل من مصر: دعوت ابني؛ حينئذ لما رأى هيرودس سخرية المجوس به غضب جداً وأرسل، فقتل كل صبيان بيت لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون، كنحو الزمان الذي تحقق عنده من المجوس، حينئذ تم ما قيل من أرميا النبي حيث يقول: صوت سمع في الزأمة، بكاء ونوح وعويل كثير، راحيل تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزى لفقدهم؛ فلما مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم بمصر قائلاً: قم، خذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل؛ فما سمع أن أورشلاوش قد ملك على اليهودية عوض هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك، فأخبر في الحلم وذهب إلى حور ناحية الجليل، فأتى وسكن في مدينة تدعى ناصرة لكي يتم ما قيل في الأنبياء: إنه يدعى ناصريا

وفي إنجيل لوقا: فلما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا إلى يروشليم إلى العيد كالعادة، فلما كملت الأيام ليعودوا تخلف عنهما يسوع في يروشليم ولم تعلم أمه ويوسف، لأنهما كانا يظنان أنه مع السائرين في الطريق، فلما ساروا نحو يوم طلباه عند أقربائهما ومعارفهما فلم يجداه، فرجعا إلى يروشليم يطلبانه، وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالساً بين العلماء يسمع منهم ويسألهم، وكان كل من يسمعه مبهوتين من علمه وإجابته لهم، فلما أبصراه بهتا، فقالت له أمه: يا بني! ما هذا الذي صنعت بنا؟ إن أباك وأنا كنا نطلبك باجتهاد معذبين، فقال لهما: لم تطلباني؟ أما تعلمان أنه ينبغي أن أكون في الذي لأبي؟ فأما هما فلم يفهما الكلام ونزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان يطيعهما، فأما يسوع فكان ينشأ في قامته وفي الحكمة والنعمة عند الله والناس. قال متى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية

يهودا - إلى آخر ما تقدم آنفاً من بشارة يحيى عليه الصلاة والسلام به، ثم قال: حينئذ أتى يسوع من الجليل إلى الأردن ليعتمد من يوحنا، فامتنع يوحنا منه وقال: أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي، فأجاب يسوع: دع الآن، هكذا يجب لنا أن نكمل كل البر، حينئذ تركه فاعتمد يسوع، وللوقت صعد من الماء فانفتحت له السماوات، ورأى روح الله نازلاً كمثل حمامة جائياً إليه. وقال مرقس: وكان تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واصطنع في نهر الأردن من يوحنا، فساعة صعد من الماء رأى السماوات قد انشقت، وروح القدس كالحمامة نزلت عليه، وللوقت أخرجه الروح إلى البرية، وأقام بها أربعين يوماً وأربعين ليلة، وهو مع الوحوش، والملائكة تخدمه. وقال متى: وصام أربعين يوماً وأربعين ليلة. وقال لوقا: وكان لما اعتمد جميع الشعب واعتمد يسوع فبينما هو يصلي انفتحت السماء ونزل عليه روح القدس شبه جسد حمامة، وكان قد صار ليسوع ثلاثون سنة وكان يُظنّ أنه ابن يوسف وأن يسوع امتلأ من روح القدس ورجع من الأردن، فانطلق به الروح أربعين يوماً،

لم يأكل شيئاً في تلك الأيام؛ ثم قال: ورجع يسوع إلى الجليل بقوة الروح وخرج خبره في كل الكورة، وكان يعلم في مجامعهم ويمجده كل أحد، وجاء إلى الناصرة حيث كان تربى ودخل كعادته إلى مجمعهم يوم السبت، وقام ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا النبي فلما فتح السفر وجد الموضع الذي فيه مكتوب: روح الرب عليّ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأشفي منكسري القلوب وأبشر المأسورين بالتخلية والعميان بالنظر، وأرسل المربوطين بالتخلية، وأبشر بالسنة المقبولة للرب والأيام التي أعطانا إلهنا؛ ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم وجلس، وكل من كان في الجمع كانت عيونهم محدقة إليه، فبدأ يقول لهم: اليوم كمل هذا المكتوب بأسماعكم؛ وفي إنجيل يوحنا: إن يسوع قال: إن كنت أنا أشهد لنفسي فليست شهادتي حقاً، ولكن الذي يشهد لي بها حق، أنتم أرسلتم إليّ يوحنا فشهد لي بالحق، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني

أقول هذا لتخلصوا أنتم، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي أعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي أرسل، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من أجلي، لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني، وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم، من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد، لا تظنوا أني أشكوكم، إن لكم من يشكوكم: موسى الذي عليه تتوكلون، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم بي، لأن ذلك كتب من أجلي، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيراً على إثباته هنا، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك. ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد، فبين أولاً ما تفضل

فيه عيسى عليه الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتَهم، ألزمهم عل تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى: {فمن} أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك: من {حآجك فيه} أي خاصمك بإيراد حجة، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد. ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال: {من} أي مبتدئاً المحاجة من، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة {بعدما جآءك من العلم} أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك في أمره {فقل تعالوا} أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمر نعرف فيه علو المحق وسفول المبطل {ندع أبنآءنا وأبناءكم} أي الذي هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه {ونساءنا ونساءكم} أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه

أولو الهمم العوالي {وأنفسنا وأنفسكم} فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم بالمدافع، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق. ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال: {ثم نبتهل} أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره. وقال الحرالي: الابتهال طلب البهل، والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم مقصود - انتهى. {فنجعل لعنت الله} أي الملك الذي له العظمة كلها فهو يجبر ولا يجار عليه، أي إبعاد وطرده {على الكاذبين *} وقال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه: ثم لما أتبعت قصة آدم عليه الصلاة والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما

لم تكن العرب تعرفه، وأنذروا وحذروا؛ أتبعت قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى. ولما كان العلم الأزلي حاصلاً بأن المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفاً من الاستئصال في العاجلة مع الخزي الدائم في الآجلة، وكان كفهم عن ذلك موجباً للقطع بإبطالهم في دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم، حسن كل الحسن تعقيب ذلك بقوله: - تنبيهاً على ما فيه من العظمة - {إن هذا} أي الذي تقدم ذكره من أمر عيسى عليه السلام وغيره {لهو} أي خاصة دون غيره مما يضاده {القصص الحق} والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئاً بعد شيء على ترتيبها، في معنى قص الأثر، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى. ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلاً على ذلك بأنه الحي القيوم صريحاً ختمها بمثل ذلك إشارة وتلويحاً فقال - عاطفاً على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله ورسوله معمماً للحكم معرقاً بزيادة الجار في النفي: {وما من إله} أي معبود بحق، لأن له صفات الكمال، فهو بحيث

يضر وينفع {إلا الله} أي المحيط بصفات الكمال، لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح به، فاندرج في ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره، وقد علم من هذا السياق أنهم لما علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى علماً منهم بأنهم له عاصون ولحقّه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده من الدفع عنهم ولا من النفع لهم، فلا برهان أقطع من هذا. ولما كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على طريق الحصر فقال - عاطفاً على ما قدّرته مام أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله من نفي: {وإن الله} أي الملك الأعظم {لهو} أي وحده {العزيز الحكيم *} وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما، وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا هو. ولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبهاً بالتعبير بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالماً بأن مبطل، ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة،

فمن حق ذكره أن يكون من قبيل فرض المحالات: {فإن تولوا} أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه {فإن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {عليهم} بهم، هكذا كان الأصل، فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيراً من مثل حالهم فقال: {بالمفسدين *} أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاماً يتقنه بحكمته فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر.

64

ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا، فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة، اقتضى ذلك عظم تشوفه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليها لعظم حرصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هداية الخلق، فأمره بأن يذكرها مكرراً إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها،

دعاء لا أعدل منه، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى: {قل} ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفاً بهم بما يحبون فقال: {يا أهل الكتاب} إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به {إلى كلمة} ثم وصفها بقوله: {سواء} أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه {بيننا وبينكم} ثم فسرها بقوله: {ألا نعبد إلا الله} أي لأنه الحائز لصفات الكمال، وأكد ذلك بقوله: {ولا نشرك به شيئاً} أي لا نعتقد له شريكاً وإن لم نعبده. ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال: {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً} أي كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون. ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية نبه على

أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد، والأجتراء على ما يختص به الله سبحانه وتعالى فقال: {من دون الله} الذي اختص بالكمال. ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسبباً عن ذلك مشيراً بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون: {فإن تولوا} أي عن الإسلام له في التوحيد {فقولوا} أنتم تبعاً لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال: {أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131] وامتثالاً لوصيته إذ قال: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] {اشهدوا بأنا} أي نحن {مسلمون *} أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره، فيوشك أن يأمرنا نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتالكم لنصرته عليكم جرياً على عادة الرسل، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة. ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى بدينة كما تقدم في قوله سبحانه وتعالى {بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من

المشركين} [البقرة: 135] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصداً لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على دينهم، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم، مع أن العقل يرده بأدنى التفات، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم، وكتابهم إنما نزل على نبيهم، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة، واليهود ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة والسلام في جبل الجليل، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه، وكان دينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما هو الإسلام، وهو الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتاً لهم: {يا أهل الكتاب} كالمعلل لتبكيتهم، لأن الزلة من العالم أشنع {لم تحآجون في إبراهيم} فيدعيه كل من فريقكم {و}

الحال أنه {ما أنزلت التوراة والإنجيل} المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم {إلا} ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال: {من بعده} وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم عليه السلام، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليه السلام كما قيل في الدينين المذكورين. ولما كان الدليل العقلي واضحاً في ذلك ختم الآية بقوله منكراً عليهم {أفلا تعقلون *} أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زوراً وبهتاناً، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال منبهاً لهم مكرراً التنبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم: {ها أنتم هؤلاء} أي الأشخاص الحمقى، ثم بين ذلك بقوله: {حاججتم} أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم {فيما لكم به علم} أي نوع

من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أحوالهما عناداً أو طغياناً {فلم تحاجون} أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلاً عن أن يكون حجة {فيما ليس لكم به علم} اصلاً، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل {والله} أي المحيط بكل شيء {يعلم} أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه وتعالى، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه {وأنتم} أي وتعلمون أنكم أنتم {لا تعلمون *} أي ليس لكم علم أصلاً إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى، هذا على تقدير كون «ها» في «ها أنتم» للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه «النشر في القراءات العشر» عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال: وإنما هي {أأنتم} ممدودة، فجعلوا الهمزة

هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى هذا التقدير يكون استفهاماً معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم. ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه كل شرك أيضاً، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً} أي كما ادعى اليهود {ولا نصرانياً} كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل {ولكن كان حنيفاً مسلماً} وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً} [البقرة: 135] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام، والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلم

المطيع لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، وإن شئت قلت: هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله عزّ وجلّ، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن قال له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك «قل: آمنت بالله ثم استقم» انتهى. ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: {وما كان من المشركين *} وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات. ولما نفي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به

نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلاً، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله سبحانه وتعالى مؤكداً رداً عليهم وتكذيباً لمحاجتهم: {إن أولى الناس} أي أقربهم وأحقهم {بإبراهيم للذين اتبعوه} أي في دينه من أمته وغيرهم، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم، ثم صرح بهذه الأمة فقال: {وهذا النبي} أي هو أولى الناس به {والذين آمنوا} أي من أمته وغيرهم وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان {والله} أي بما له من صفات الكمال - وليهم، هذا الأصل، ولكنه قال: {ولي المؤمنين *} ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيباً لمن لم يبلغه في بلوغه. ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جواباً لمن كأنه قال: فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم

فيه مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل؟ {ودت طآئفة} أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف التابع المحب مكراً وخداعاً {من أهل الكتاب} حسداً لكم {لو يضلونكم} بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ {وما} أي والحال أنهم ما {يضلون} بذلك التمني أو الإضلال لو وقع {إلا أنفسهم} لأن كلاًّ من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله، فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله {وما يشعرون *} أي وليس يتجدد لهم في وقت من الأوقات نوع شعور، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلاً وعدوا هم بهائم، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف، ثم التصريح ببراءته، ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع. ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت

أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون، لا يعملون بعلمهم، بل يعملون بخلافه، فقال مستأنفاً بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب: {يا أهل الكتاب} أي الذين يدعون أنهم أهل العلم {لم تكفرون} أي كفراً تجددونه في كل وقت {بآيات الله} أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزاً وعلماً {وأنتم تشهدون *} أي تعلمون علماً هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته؛ ثم أتبع ذلك استئنافاً آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال: {يا آهل الكتاب لم تلبسون الحق} أي الذي لا مرية فيه {بالباطل} أي بأن تؤولوه بغير تأويله، أو تحملوه على غير محله {وتكتمون الحق} أي الذي لا يقبل تأويلاً، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتوابعها {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون *} أي من

ذوي العلم، فأنتم تعرفون ذلك قطعاً وأن عذاب الضال المضل عظيم جداً. ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفاً على {ودت طائفة} مبيناً لنوع إضلال آخر: {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي من يهود المدينة {آمنوا} أي أظهروا الإيمان {بالذي أنزل على الذين آمنوا} متابعة لهم {وجه} أي أول {النهار} سمي وجهاً لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ولذا عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له، ولفظ لا حقيقة له، في جزء يسير جداً {واكفروا آخره} أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه {لعلهم يرجعون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه {ولا تؤمنوا} أي توقعوا التصديق الحقيقي {إلا لمن تبع دينكم} فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته. ولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب

من حالهم منبهاً على ضلالهم بقوله معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب: {قل إن الهدى هدى الله} أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال، أي لا تقدرون على إضلال أحد منا عنه، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه، ثم وصل به تقريعهم فقال: {أن} بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير، وتقديرها في قراءة غيره، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن {يؤتى أحد} أي من طوائف الناس {مثل ما أوتيتم} أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول الأمر {أو} كراهة أن {يحاجوكم} أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم {عند ربكم} الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم. ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة لها ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك، لكن لما قصد بها

الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيباً لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من مكرهم ويؤمن من شرهم معرضاً عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذاناً بشديد الغضب: {قل إن الفضل} في التشريف بإنزال الآيات وغيرها {بيد الله} المختص بأنه لا كفوء له، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وأتبعه نتيجته فقال: {يؤتيه من يشاء} فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء، ثم قال مرغباً مرهباً وراداً عليهم في الأمر الثاني: {والله} الذي له من العظمة وسائر صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام {واسع عليم *} أي يوسع على من علم فيه خيراً، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير، ويعلم دقيق أمركم وجليله، فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده. ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها

من أنه فاعل بالاختيار تام الاقتدار فقال: {يختص برحمته من يشاء} ثم أكد تعظيم ما لديه دفعاً لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال: {والله} الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده {ذو الفضل العظيم *} وكرر الاسم الأعظم هنا تعظيماً لما ذكر من النعم مشيراً بذلك كله إلى التمكن من الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة علمه. فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقاً منهم فأعلاه، ورذل فريقاً منهم فأرداه، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى الصواب، فقال عاطفاً على ما مضى من مخازيهم مقرراً لكتمانهم للحق مع علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبهاً على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم من حيث ان خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقاً من ربقة الحياء - إلى الله، مادحاً للأمين منهم: {ومن

أهل الكتاب} أي الموصوفين {من إن تأمنه بقنطار} أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي {يؤده إليك} غير خائن فيه، فلا تسوقوا الكل مساقاً واحداً في الخيانة {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي واحد {لا يؤده إليك} في زمن من الأزمان دناءة وخيانة {إلا ما} أي وقت ما {دمت عليه قائماً} تطالبه به غالباً له بما دلت عليه أداة الاستعلاء، ثم استأنف علة الخيانة بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد من الكمال {بأنهم قالوا} كذباً على شرعهم {ليس علينا في الأميين} يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم {سبيل} . ولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل فكيف على الله سبحانه وتعالى قال: {وهم

يعلمون *} أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب. ولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله: {بلى} أي عليكم في خيانتهم لتحريم العذر عليكم مطلقاً، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في البقرة في آية {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [البقرة: 62] وآية {وقولوا للناس حسناً} [البقرة: 83] . ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن الله يبغض الخائن فقال: {من أوفى بعهده} في الدين والدنيا {واتقى} أي كائناً من كان {فإن الله} ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعاراً بأنه العلة الحاملة له على الأمانة فقال: {يحب المتقين *} . ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة،

وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال: {إن الذين يشترون} أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض {بعهد الله} أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلماً {وأيمانهم} أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل {ثمناً قليلاً} في الدنيا {أولئك} أي البعيدو الرتبة في الدناءة {لا خلاق} أي نصيب {لهم في الآخرة} أي لبيعهم له بنصيب الدنيا {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم بما انتهكوا من حرمته. ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله: {ولا ينظر إليهم} أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال: {يوم القيامة} الذي من افتضح في جمعه لم يفز {ولا يزكيهم} لأنهم لم يزكوا

اسمه {ولهم} أي مع ذلك {عذاب أليم *} يعرفون به ما جهلوا من عظمته. ولما نسبهم إلى الكذب عموماً نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال: {وإن منهم لفريقاً} أي جبلوا على الفرقة، فهم لا يزالون يسعون في التفريق {يلون} أي يفتلون ويحرفون {ألسنتهم بالكتاب} بأن ينقلوا اللسان لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر - مثلاً بأن يقولوا في {اعبدوا الله} [المائدة: 72 وغيرها] اللات، وفي {لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] بالحد، وفي «من زنى فارجموه» فارحموه بالمهملة، أو فحمموه، أو اجلدوه - ونحو هذا. ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيراً عن السماع منهم وتنبيهاً على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال: {لتحسبوه} أي الذي لوى به اللسان فحرف {من

الكتاب} أي المنزل من عند الله، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال: {ما هو من الكتاب} أعاده ظاهراً تصريحاً بالتعميم. ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال: {ويقولون} أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا {وهو من عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعداً لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق مظهراً في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال: {وما هو} أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته {من عند الله} أي الذي له الإحاطة العامة، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره. ولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحاً بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحاً أخبر بأن ذلك عادة لهم، لا يقفون

منه عند عد، ولا ينحصرون فيه بحد، فقال: {ويقولون على الله} أي الحائز لجميع العظمة جرأة منهم {الكذب} أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله: {وهم يعلمون *} أي أنه كذب، لا يشكون فيه.

79

ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، لأنهم لا علم لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام، ومهما كان القول كذباً على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون تعبداً للمنسوب إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه عبادته من دون الله سبحانه وتعالى، وذلك بعد أن اوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام

المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال: {ما كان} أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه {لبشر} أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما {أن يؤتيه الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {الكتاب والحكم} أي الحكمة المهيئة للحكم، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم، لأن أصلها الإحكام، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده {والنبوة} وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد {ثم} يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن {يقول للناس كونوا عباداً لي} . ولما كان ذلك قد يكون تجوزاً عن قبول قوله والمبادرة

لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله: {من دون الله} أي المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى، فلم يبق لهم مستند، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها، فصح قطعاً انتقاؤه عنه. ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال: {ولكن} أي يقول {كونوا ربانيين} أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات: مات رباني هذه الأمة: {بما كنتم تعلمون الكتاب} أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له {وبما كنتم تدرسون *} فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق. ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه

وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {ولا يأمركم} أي ذلك البشر {أن تتخذوا} أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة {الملائكة والنبيين} فضلاً عن غيرهم {أرباباً} أي مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك: {أيأمركم بالكفر} إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه {بعد إذ أنتم مسلمون *} أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى. ولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على {إذ أنتم مسلمون} {وإذ أخذ الله} أي الذي له الكمال كله {ميثاق النبيين} أي كافة، والمعنى: ما كان له أن يقول ذلك بعد

الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه، وهذا معنى قوله: {لما} أي فقال لهم الله: لما {آتيتكم} وقراءة نافع: آتيناكم، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري {من كتاب وحكمة} أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه {ثم جآءكم رسول} أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: {مصدق لما معكم} أي من ذلك الكتاب والحكمة {لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه، فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إنّ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال: {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين {وأخذتم على ذلكم} أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع {إصري} أي عهدي، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن

عهد التقيد بنوع من القيود، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا أقررنا} أي بذلك، فقيل: ما قال؟ فقيل {قال فاشهدوا} أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، أو يا ملائكة! عليهم {وأنا معكم من الشاهدين * فمن} أي فتسبب عنه أنه من {تولى} أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر. ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال: {بعد ذلك} أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة {فأولئك} أي البعداء من خصال الخير {هم الفاسقون *} أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق. ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله {شهد الله} الآية إلى {إن الدين عند الله الإسلام} على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق -: {أفغير} أي أتولوا ففسقوا، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن تقديم «

غير» يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصاً لغير دين الله، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله {دين الله} الذي اختص بصفات الكمال {يبغون} أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على قراءة الخطاب {وله} أي والحال أنه له حاصة {أسلم} أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه {من في السموات والأرض} وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم {طوعاً} بالإيمان أو بما وافق أغراضهم {وكرهاً} بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً {وإليه يرجعون *} بالحشر، لا تعالجون مقراً ولا تلقون

ملجأ ولا مفراً، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاند للمرسل. ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير الله، ثم هدد من تولى، فكان السامع جديراً بأن يقول: أنا مقبل غير متول فما اقول وما أفعل؟ قال مخاطباً لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم: {قل} أي قبل كل شيء، أي ملفتاً لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل {آمنا} أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتاً لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلص أبنائه، وأبوه وجادلوا فيه عدواناً وادعوه؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال: {بالله} الذي لا كفوء له. ولما كان الإنزال على الشيء مقصوداً به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب أن يقال: {وما أنزل علينا} فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازاً، وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد

{وما أنزل على إبراهيم} أي أبينا {وإسماعيل وإسحاق} أي ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب. ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: {وما أوتي موسى} من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة {وعيسى} من ذرية داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام. ولما كان النظر هنا إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة، ونظر إلى الكل لمحاً واحداً فقال: {والنبيون} أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه {من ربهم} أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله: {لا نفرق بين أحد منهم} تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى {ونحن له} أي لله وما أنزل من عنده {مسلمون *} أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى.

ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذراً من الردة عنه عاطفاً على {آمنا} ومظهراً لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيراً بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى -: {ومن يبتغ} أي يتطلب {غير} دين {الإسلام} الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له {ديناً} وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: {فلن يقبل منه} أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم، وقوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} معناه: ولا يقبل منهم في الآخرة، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم

وتوقعهم له، عالمين قطعاً بصدقه لما في كتبهم من البشارة به. ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله: {كيف يهدي الله} مع ما له من كمال العظمة {قوماً} أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه {كفروا} أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: {بعد إيمانهم} بذلك كله {وشهدوا} أي وبعد أن شهدوا {أن الرسول حق} بما عندهم من العلم به {وجاءهم البينات} أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعاً، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء. ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: {والله} أي الذي له الكمال كله {لا يهدي

القوم الظالمين *} أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيراً من مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {جزاؤهم أن عليهم لعنة الله} أي الملك الأعظم، وهي غضبه وطرده {والملائكة والناس أجمعين *} حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، وحذراً من فعل مثل ذلك معه {خالدين فيها} أي اللعنة دائماً. ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: {لا يخفف عنهم العذاب} مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة. ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: {ولا هم ينظرون *} أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه، لم يترك شيء نمها

لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان. ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها سبحانه وتعالى مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: {من بعد ذلك} الارتدار حيث تقبل التوبة {وأصلحوا} أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة {فإن الله} أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله {غفور} يمحو الزلات {رحيم *} بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه. ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: {إن الذين كفروا} أي بالله وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله {من بعد إيمانهم} بذلك. ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم ازدادوا كفراً} أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا

بالتوبة {لن تقبل توبتهم} أي إن تابوا، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحاً يدومون عليها ويصلحون ما فسد، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاماً بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة، فلا يتوبون أبداً توبة صحيحة، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب {وأولئك هم} أي خاصة {الضالون *} أي الغريقون في الضلال وإليه أشار {ولو أسمعهم لتولوا} [الأنفال: 23] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه، فأنى لهم بالرجوع منه والتقصي عنه! ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائناً لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبيناً لهم

أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر: {إن الذين كفروا} أي هذا الكفر أو غيره، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام: التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا، والتائبون توبة فاسدة، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة، ولذا قال: {وماتوا وهم كفار} ولما كان الموت كذلك سبباً للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه، صرح بنفي قبول الفداء كائناً من كان، وربطه بالفاء فقال: {فلن يقبل} أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه {من أحدهم} أي كائناً من كان {ملء الأرض ذهباً} أي من الذهب لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ذلك {ولو افتدى به} لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أعطوا السائل ولو جاء على فرس» فكونه

جاء على فرس يؤذن بغناه، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجباً عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم} [البقرة: 85] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله، فنص عليه؛ وأيضاً فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان. فالمعنى: لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء، والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة، أي لا يقبل منه شيء؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله: {أولئك} أي البعداء من الرحمة {لهم عذاب أليم} ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال: {وما لهم من ناصرين *} أي ينصرونهم بوجه من الوجوه، فانتفى عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ.

92

ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]- وما بعد ذلك إنما جرّه - ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول، رجوعاً إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله: {لن تنالوا البر} وهو كمال الخير {حتى تنفقوا} أي في وجوه الخير {مما تحبون} أي من كل ما تقتضون، كما ترك إسرائيل عليه الصلاة والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى.

ولما كان التقدير: فإن أنفقتم منه علمه الله سبحانه وتعالى فأنالكم به البر، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا، وكان كل من المحبة والكراهة أمراً خفياً، قال سبحانه وتعالى مرغماً مرهباً: {وما تنفقوا من شيء} أي من المحبوب وغيره {فإن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة. وقدم الجار اهتماماً به إظهاراً لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سألك - هل تعلم كذا: لا أعلم إلا هو، فقال: {به عليم *} فهذا كما ترى احتباك. ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى: {كل الطعام} أي من الشحوم مطلقاً وغيرها {كان حلاًّ لبني إسرائيل} أي أكله - كما كان حلاًّ لمن قبلهم على أصل الإباحة {إلا ما حرم إسرائيل} تبرراً وتطوعاً {على نفسه} وخصه بالذكر استجلاباً لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا: إنما حرم ذلك اتباعاً لحكم التوراة قال:

{من قبل} وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقاً له. وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: {أن تنزل التوراة} وكان قد ترك لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثاراً لعباده - كما تقدم ذلك في البقرة عند {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] . ولما كانت هذه الآية إلزاماً لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذراً لهم في التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم وما ذكر معها حراماً على من قبلنا كما كانت حراماً علينا، فأمر بجوابهم بأن قال: {قل} أي لليهود {فأتوا بالتوارة فاتلوها} أي لتدل لكم {إن كنتم صادقين *} فيما ادعيتموه، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا {فمن} أي فتسبب عن ذلك أنه من {افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعظم {الكذب} أي في أمر المطاعم أو غيرها. ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان، لا عن إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال: {من بعد ذلك} أي البيان العظيم الظاهر جداً {فأولئك} أي الأباعد الأباغض {هم} خاصة

لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية {الظالمون *} أي المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام، فهو لا يضع شيئاً في موضعه، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل القدرة. ولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم يأتوا به صار ظاهراً كالشمس، لا شك فيه ولا لبس، ولم يزدهم ذلك إلا تمادياً في الكذب - أمر سبحانه وتعالى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: {قل} أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم {صدق الله} أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر، وتخبر به عن ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم، وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ممن قبل موسى عليه الصلاة والسلام، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة، نافياً بذلك أن يكون تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك، وإذ قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن. ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم قطعاً أنه ما كان يهودياً

ولا نصرانياً ولا مشركاً، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه، فتسبب عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله سبحانه وتعالى به فبان كالشمس صدقه، لا فيما افتروه هم من الكذب، فقال سبحانه وتعالى: {فاتبعوا ملة إبراهيم} وهي الإسلام أي الانقياد للدليل، وهو معنى قوله: {حنيفاً} أي تابعاً للحجة إذا تحررت، غير متقيد بمألوف. ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفطوراً. على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال: {وما كان من المشركين} أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى. ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي كفروا بتركها، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه وتعالى: {إن أول بيت}

أي من البيوت الجامعة للعبادة {وضع للناس} أي على العموم متعبداً واجباً عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، ولعل بناء وضع، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام {للذي ببكة} أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة، ويزدحم الناس فيها إزدحاماً لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاماً لم يعهد مثله فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم؛ حال كونه {مباركاً} أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا {وهدى للعالمين *} أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم، فعاب عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم. وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفاً منهم مثالاً لما قدم من الإخبار به عن كذبهم، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين

المؤالفة، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه الصلاة والسلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفاً من بني إسرائيل، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلاً ورأساً، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله: {فيه آيات بينات} وقوله: {مقام إبراهيم *} أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلاً أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر {إن} في قوله: {للذي ببكة} فكأنه قيل: إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم، وأعربه غيره بدل بعض من قوله {آيات} وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم، وحفظه

إلى هذا الزمان مع كونه منقولاً، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام. ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى: {ومن دخله} أي فضلاً عن أهله {كان آمناً} أي عريقاً في الأمن، أو فأمنوه بأمان الله، وتحويل العبارة عن «وأمن داخله» لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن، وفيه بشارة بدخول الجنة. ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتاناً أنه على دينهم، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى: {ولله} أي الملك الذي له الأمر كله {على الناس} أي عامة، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في {استطعما أهلها} [الكهف: 77] في الكهف،

وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم {حج البيت} أي زيارته زيارة عظيمة، وأظهر أيضاً تنصيصاً عليه وتنويهاً بذكره تفخيماً لقدره، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج، ثم مَن بالتخفيف بقوله مبدلاً من الناس، تأكيداً بالإيضاح بعد الإبهام وحملاً على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة: {من استطاع} أي منهم {إليه سبيلاً} فمن حجه كان مؤمناً. ولما كان من الواضح أن التقدير: ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفاً بالوجوب، وبالمروق من الدين إن جحد، عطف عليه قوله: {ومن كفر} أي بالنعمة أو بالدين {فإن الله} اي الملك الأعلى {غني} ولما كان غناه مطلقاً دل عليه بقوله موضع عنه: {عن العالمين *} أي طائعهم وعاصيهم، صامتهم وناطقهم، رطبهم ويابسهم، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم، فثبتت بذلك براءته منهم،

والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولاً يدل على كفر من أباه، وإثبات {ومن كفر} ثانياً يدل على إيمان من حجه. ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلاً وسمعاً، ولم يبق لمتعنت شبهة، ولم يبادروا الإذعان، بل زادوا في الطغيان، وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان، أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال سبحانه وتعالى مخاطباً لرسوله الذي يكون قتلهم على يده: {قل} وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقال: {يا أهل الكتاب} أي من الفريقين {لم تكفرون} أي توقعون الكفر {بآيات الله} أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات نقلاً وعقلاً الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ولما كان كفرهم ظاهراً ذكر شهادته تعالى فقال مهدداً {والله} أي والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً فلا إله غيره وقد أشركتم به {شهيد على} كل {ما تعملون *} أي لكونه يعلم

سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم. ثم استأنف إيذاناً بالاستقلال تقريعاً آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال: {قل يا آهل الكتاب} أي المدعين للعلم واتباع الوحي، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم {لم تصدون} أي بعد كفركم {عن سبيل الله} أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدمه اهتماماً به. ثم ذكر المفعول فقال: {من أمن} حال كونكم {تبغونها} أي السبيل {عوجاً} أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله، ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} [آل عمران: 65] {يا أهل الكتاب لم تكفرون} [آل عمران: 70] والآية التي بعدها بغير واسطة. وقال أبو البقاء في إعرابه: إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من الضمير في تصدون أو من السبيل،

لأن فيها ضميرين راجعين إليها، فلذلك يصح أن يجعل حالاً من كل واحد منهما، وعوجاً حال - انتهى. وقال صاحب القاموس في بنات الواو: بغا الشيء بغواً: نظر إليه كيف هو، وقال في بنات الياء: بغيته أبغيه: طلبته، فالظاهر أن جعل عوجاً حالاً - كما قال أبو البقاء - أصوب من جعله مفعولاً - كما قال في الكشاف. ويكون تبغون إما يائياً فيكون معناه: تريدونها معوجة أو ذات عوج، فإن طلب بمعنى: أراد؛ وإما أن يكون واوياً بمعنى: ترونها ذات عوج، أي تجعلونها في نظركم يعني: تتكلفون وصفها بالعوج مع علمكم باستقامتها، لكن قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح «ابغني أحجاراً أستنفض بهن» يؤيد قول صاحب الكشاف. ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخاً: {وأنتم شهداء} أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به

لانقيادهم للأدلة. ولما كان الشهيد قد يغفل، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم، هددهم بإحاطة علمه فقال: {وما الله} أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها {بغافل} أي أصلاً {عما تعملون *} ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم، أقبل بالبشر على أحبائه، مواجهاً لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه، محذراً لهم الاغترار بالمضلين، ومنبهاً ومرشداً ومذكراً ودالاً على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود، فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي بنبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إن تطيعوا فريقاً} أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به {من الذين أوتوا الكتاب} أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه {يردوكم} وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله مشيراً بإسقاط الجار إلى الاستغراق زمان البعد: {بعد إيمانكم كافرين *}

أي غريقين في صفة الكفر، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها! . ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم عليه بعد اتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأحوال الشريفة فقال - عاطفاً على ما تقديره: فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم: {وكيف تكفرون} أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال {وأنتم تتلى} أي تواصل بالقراءة {عليكم آيات الله} أي علامات الملك الأعظم البينات {وفيكم رسوله} الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه {ومن} أي والحال أنه من {يعتصم} أي يجهد نفسه في ربط أموره {بالله} المحيط بكل شيء علماً وقدرةً في جميع أحواله كائناً من كان. ولما

كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال: {فقد هدى} وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين {إلى صراط مستقيم *} . ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {اتقوا الله} أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام {حق تقاته} فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمراً دونه {ولا تموتن} على حالة من الحالات {إلا وأنتم مسلمون *} أي منقادون أتم الانقياد، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو التوحيد، وقوله سبحانه وتعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] في فروعه. ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله قاصراً، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال: {واعتصموا} أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم {بحبل الله} أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به

إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح وهذا الدين مثاله فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله. ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله: {جميعاً} لا تدعوا أحداً منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلوا عنه فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطاً شديداً حزمة نبل بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله: {ولا تفرقوا} ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث

على إدامة الاعتصام والتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال: {واذكروا نعمة الله} الذي له الكمال كله {عليكم} يا من اعتصم بعصام الدين! {إذا كنتم أعداء} متنافرين أشد تنافر {فألف بين قلوبكم} بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم {فأصبحتم بنعمته إخواناً} قد نزع ما في قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن. ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال: {وكنتم على شفا} أي حرف وطرف {حفرة من النار} بما كنتم فيه من الجاهلية {فأنقذكم منها} . ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول: لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - {كذلك} أي مثل هذا البيان البعيد المنال البديع المثال {يبين الله} المحيط علمه الشاملة قدرته بعظمته {لكم آياته} وعظم الأمر

بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه. ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله: {لعلكم تهتدون *} أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو سبحانه وتعالى فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ومن أراد أرداه.

104

ولما عاب سبحانه وتعالى الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين بالهدى في أنفسهم، وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع، وكان الأمر بالاجتماع المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل جزئية من جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد؛ أتبعه بقوله - منبهاً على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن فروض الكفايات -: {ولتكن منك أمة} أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها، ويكون بعضها قاصداً بعضاً، حتى تكون أشد شيء ائتلافاً واجتماعاً في

كل وقت من الأوقات على البدل {يدعون} مجددين لذلك في كل وقت {إلى الخير} أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير. ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأموراً به مرتين دلالة على جليل أمره وعليّ قدره فقال: {ويأمرون بالمعروف} أي من الدين {وينهون عن المنكر} فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين. ولما كان هذا السياق مفهماً لأن التقدير: فإنهم ينالون بذلك خيراً كثيراً، ولهم نعيم مقيم؛ عطف عليه مرغباً: {وأولئك} أي العالون الرتبة العظيمو النفع {هم المفلحون *} حق الإفلاح، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة.

ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضاً بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتاً لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة. ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بيَّن أن الأمر ليس كذلك فقال: {واختلفوا} بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى. ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال: {من} أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من {بعد ما جاءهم} وعظمه بإعرائه عن التأنيث {البينات} أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم. ولما كان التقدير: فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون،

عطف عليه قوله: {وأولئك} أي البعداء البغضاء {لهم عذاب عظيم *} أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع، والآية من الاحتباك: إثبات «المفلحون» أولاً يدل على «الخاسرون» ثانياً، والعذاب العظيم ثانياً يدل على النعيم المقيم أولاً. ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم يوم القيامة في قوله {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} [آل عمران: 77] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئاً بما هو أنكى لهم من تنعيم أضدادهم -: {يوم تبيض وجوه} أي بما لها من المآثر الحسنة {وتسود وجوه} بما عليها من الجرائر السيئة {فأما الذين اسودت وجوههم}

بدأ بهم لأن النشر المشوش أفصح، ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: {أكفرتم} يا سود الوجوه وعبيد الشهوات! {بعد إيمانكم} بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول المستقيمة من النظر في الدلائل، ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود {فذوقوا العذاب} أي الأليم العظيم {بما كنتم تكفرون *} وأنتم تعلمون، فإنكم في لعنة الله ماكثون {وأما الذين ابيضت وجوهم} إشراقاً وبهاء لأنهم آمنوا فأمنوا من العذاب {ففي رحمة الله} أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام الذي هو فعل الراحم. لا في غير رحمته. ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال: هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها لهم في الدنيا والآخرة -: {هم} أي خاصة {فيها خالدون} فلذا كانوا يؤمنون، فالآية من الاحتباك: إثبات الكفر أولاً دل على إرادة الإيمان ثانياً، وإثبات الرحمة ثانياً دل على حذف اللعنة أولاً.

ولما حازت هذه الآيات من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق أشار إليها مع قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال: {تلك آيات الله} أي هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول، ثم استأنف الخبر عنها في مظهر العظمة قائلاً: {نتلوها} أي نلازم قصها، وزاد في تعظيمها بعد المبتدأ بالمنتهي فقال: {عليك} ثم أكد ذلك بقوله: {بالحق} أي ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم وهلاكهم من غير أن نظلم أحداً منهم {وما الله} أي الحائز لجميع الكمال {يريد ظلماً} قلَّ أو جلَّ {للعالمين *} أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم، لأنه سبحانه وتعالى متعالٍ عن ذلك، لا يتصور منه وهو غني عنه، لأن له كل شيء. ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في وهم أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالاً على أنه غني عن الظلم بقوله: {ولله} الملك الأعلى {ما} أي

كل شيء {في السماوات و} كل {ما في الأرض} من جوهر وعرض مِلكاً ومُلكاً. ولما كان المقصود سعة الملك لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال: {وإلى الله} الذي لا أمر لأحد معه {ترجع الأمور} أي كلها، التي فيهما والتي في غيرهما، فلا داعي له إلى الظلم، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء. ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمداً وشكراً ومؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكراً: {كنتم خير أمة} أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً. ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال: {أخرجت للناس} ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله: {تأمرون} أي على سبيل التجدد والاستمرار {بالمعروف} أي كل ما عرفه الشرع وأجازه

{وتنهون عن المنكر} وهو ما خالف ذلك، ولو وصل الأمر إلى القتال، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} إراحة لهم من كلفة النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب، وللترمذي - وقال: حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه يقول في هذه الآية: «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى» وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «أنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام» . ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه

الذي هو أساس كل خير فقال {وتؤمنون} أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون {بالله} أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته، وارتدت نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً، لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثاً! قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب: روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً من هؤلاء - انتهى. ولما كان من المعلوم أن التقدير: وذلك خير لكم، عطف عليه

قوله: {ولو آمن أهل الكتاب} أي أوقعوا الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره، ولم يفرقوا بين شيء من ذلك {لكان} أي الإيمان {خيراً لهم} إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر الثابت. ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً: {منهم المؤمنون} أي الثابتون في الإيمان، ولكنهم قليل {وأكثرهم الفاسقون *} أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم. ولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله: {لن يضروكم} ولما كان الضر- كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس، والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحوال، أطلق الضر هنا على جزء معناه وهو مطلق الإيلام، ثم استثنى منه فقال: {إلا أذى} أي بألسنتهم، وعبر بذلك لتصوير مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن، فيكون الاستثناء أدل على نفي وصولهم إلى المواجهة {وإن يقاتلوكم} أي يوماً من الأيام {يولوكم}

صرح بضمير المخاطبين نصاً في المطلوب {الأدبار} أي انهزاماً ذلاً وجبناً. ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلاً عن حكم الجزاء لئلا يفهم التقييد بالشرط مشيراً بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم -: {ثم لا ينصرون *} أي لا يكون لهم ناصر من غيرهم أبداً وإن طال المدى، فلا تهتموا بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين، وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلاً! لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. ولما أخبر عنهم سبحانه وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم بضد ما أرادوا، فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة، وعن الإخلاد إلى المال إسكانهم المسكنة، وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى آخر الدهر باقٍ في أعقابهم بأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال سبحانه وتعالى مستأنفاً: {ضربت عليهم الذلة} وهي الانقياد كرهاً، وأحاطت بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه {أين ما ثقفوا} أي

وجدهم من هو حاذق خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال {إلا} حال كونهم معتصمين {بحبل} أي عهد وثيق مسبب للأمان، وهو عهد الجزية وما شاكله {من الله} أي الحائز لجميع العظمة {وحبل من الناس} أي قاطبة: الذي آمنوا وغيرهم، موافقٍ لذلك الحبل الذي من الله سبحانه وتعالى. ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو من وجه قال: {وبآءو} أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح {بغضب من الله} الملك الأعظم، ملازمٍ لهم، ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليسار قال: {وضربت} أي مع ذلك {عليهم} أي كما يضرب البيت {المسكنة} أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل، فكأنه قيل: لم استحقوا ذلك؟ فقيل: {ذلك} أي الإلزام لهم بما ذكر {بأنهم} أي أسلافهم الذي رضوا هم فعلهم {كانوا يكفرون} أي يجددون الكفر مع الاستمرار {بآيات الله} اي

الملك الأعظم الذي له الكمال كله، وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها مع اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم {ويقتلون الأنبياء} أي الآتين من عند الله سبحانه وتعالى حقاً على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير، فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي كما هي قاعدة الحكمة. ولما كانوا معصومين ديناً ودنيا قال: {بغير حق} أي يبيح قتلهم؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله: {ذلك} أي الكفر والقتل العظيمان {بما عصوا وكانوا} أي جبلة وطبعاً {يعتدون *} أي يجددون تكليف أنفسهم الاعتداء، فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر، فقال الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض، ومن ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر، والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا، وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآن، قال في السفر الثاني: وقال الله سبحانه

وتعالى جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة أخرى، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي.

113

ولما كان السياق ربما أفهم أنهم كلهم كذلك قال مستأنفاً نافياً لذلك: {ليسوا سوآء} أي في هذه الأفعال، يثني سبحانه وتعالى على من أقبل على الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفاً ولا خلفاً بعيداً ولا قريباً. ثم استأنف قوله بياناً لعدم استوائهم: {من أهل الكتاب} فأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم {أمة} أي جماعة يحق لها أن تؤم {قائمة} أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في الثبات على ما شرعه، متهيئة بالقيام للانتقال عنه عند مجيء الناسخ الذي بشر به ووصفه. غير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه. ثم ذكر الحامل على الاستقامة فقال: {يتلون} أي

يتابعون مستمرين {آيات الله} أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها {آناء الليل} أي ساعاته {وهم يسجدون *} أي يصلون في غاية الخضوع. ثم ذكر ما أثمر لهم التهجد فقال: {يؤمنون} وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته فقال: {بالله} أي الذي له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول. وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها، لأنه الحامل على كل خير فقال: {واليوم الآخر} أي إيماناً يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم. ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقوّمون غيرهم فقال: {ويأمرون بالمعروف} أي مجددين ذلك مستمرين عليه {وينهون عن المنكر} لذلك، ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم

في جميع أنواعه فقال: {ويسارعون في الخيرات} ولما كان التقدير: فأولئك من المستقيمين، عطف عليه: {وأولئك} أي العالو الرتبة {من الصالحين *} إشارة إلى أن من لم يستقم لم يصلح لشيء، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات. ولما كان التقدير: فما فعلوا من خير فهو بعين الله سبحانه وتعالى، يشكره لهم، عطف عليه قوله: {وما تفعلوا} أي أنتم {من خير} من إنفاق أو غيره {فلن تكفروه} بل هو مشكور لكم بسبب فعلكم، وبني للمجهول تأدباً معه سبحانه وتعالى، وليكون على طريق المتكبرين. وعطف على ما تقديره: فإن الله عليم بكل ما يفعله الفاعلون، قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء {عليم بالمتقين *} من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة لهم

على كل خير، فهو يثيبهم أعظم الثواب، ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد من العقاب، هذا على قراءة الخطاب، وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في نظمها بما قلته. ولما رغبهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه عالم بدقة وجله، وأخبر أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على وجه أنتج أن بنيه كاذبون في ادعائهم أنهم على ملة جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة المتقين المستغفرين بالأسحار التي هي أشرف آناء الليل وكان مما يمنع منه خوفُ الفقر والنزول عن حال الموسرين من الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفاً مع الحال الدنيوي، وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ذهباً، أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفاً أضداد من تقدم، نافياً ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم -: {إن الذين

كفروا} أي بالله بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقاً أو غيره {لن تغني عنهم أموالهم} أي وإن كثرت {ولا أولادهم} وإن عظمت {من الله} أي الملك الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من الإغناء تأكيداً لما قرر من عدم نصرة أهل الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواءً. ولما كان التقدير: فأولئك هم الخاسرون، عطف عليه قوله: {وأولئك أصحاب النار} أي هم مختصون بها، ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال: {هم فيها خالدون *} ولما كان ربما قيل: فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به في المغارم؟ ضرب لذلك مثلاً جعله هباء منثوراً، ضائعاً وإن كثر بوراً، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، بقوله سبحانه وتعالى جواباً لهذا السؤال: {مثل ما ينفقون} أي من المال، وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال: {في هذه الحياة الدنيا} أي على وجه القربة أو غيرها، لكونهم ضيعوا الوجه الذي به يقبل، وهو الإخلاص. ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح {كمثل ريح فيها صر} أي برد شديد {أصابت حرث قوم} موصوفين بأنهم

{ظلموا أنفسهم} أي بالبناء على غير أساس الإيمان {فأهلكته} فمثل ما ينفقون في كونه لم ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين، أما في الدنيا فبضياعه في غير شيء، وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه وقصدهم الفاسد به، مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين، بل ضرهم في الدنيا بضياعه، وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد، ومثل إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم تنفعه، فلما كانت الريح الموصوفة أمراً مشاهداً جلياً جعلت في إهلاكها مثلاً لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي، ولما كان الزرع المحترق أمراً محسوساً جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالاً لأمر معقول، وهو أموالهم في كون إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئاً غير الخسارة والتعب، فالمثلان ضياع الرزع والإنفاق، وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق لأنه أخفى، وقد بان أن الآية من الاحتباك: حذف أولاً مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه، وثانياً الحرث لدلالة ما ينفق عليه. ولما كان سبحانه وتعالى موصوفاً بأنه الحكم العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيراً فعل قال دفعاً لتوهم أن ذلك بخس: {وما ظلمهم} أي الممثل بهم والممثل لهم {الله} الملك الأعظم الغنيّ الغِِنى المطلق

لأنه المالك المطلق، وقد كفروا، أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا على غير الوجه الذي شرعه، وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم بالطاعات، وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات وتخرق فيها العادات، ثم قال: {ولكن} لوما كان الممثل لأجلهم الذين كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسلموا لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة من فعل الكون وقال: الأساس بكفرهم، وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم، لا يتعداها إلى غيرها وإن ظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم، فإن العاقبة لما كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم، بل هي زيادة في وبالهم، فهي من ظلمهم لأنفسهم.

118

ولما كان الجمال بالمال لا سيما مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة، وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة قبيحاً وبَذوله شحيحاً؛ قال سبحانه وتعالى - مكرراً التنبيه على مكر ذوي الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي إيماناً صحيحاً مصدقاً ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله {لا تتخذوا بطانة} أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة

والصفاء ومبادلة المال والوفاء {من دونكم} أي ليسوا منكم أيها المؤمنون، وعبر بذلك إعلاماً بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علّي درجتها بموادتهم. ثم وصفهم تعليلاً للنهي بقوله: {لا يألونكم خبالاً} أي يقصرون بكم من جهة الفساد، ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضاً: {ودّوا ما عنتم} أي تمنوا مشقتكم. ولما كان هذا قد يخفى بيَّنه بقوله معللاً: {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها، لأن الإنسان إذا امتلأ من شيء غلبه بفيضه، ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا تتأملونها فتأملوا. ثم أخبر عن علمه سبحانه قطعاً وعلم الفطن من عباده بالقياس ظناً بقوله: {وما تخفي صدورهم أكبر} مما ظهر على سبيل الغلبة. ثم استأنف على طريق الإلهاب والتهييج قوله: {قد بيَّنا} أي بما لنا من العظمة {لكم} أي بهذه الجمل {الآيات} أي الدالات على سعادة الدارين ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف والمؤالف. وزادهم إلهاباً بقوله: {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعقلون *} ثم استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم

فقال منبهاً أو مبدلاً الهاء من همزة الإنكار: {ها أنتم أولاء} أي المؤمنون المسلمون المستسلمون {تحبونهم} أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء بواطنكم {ولا} أي والحال أنهم لا {يحبونكم} لمخالفتهم لكم في الدين، فإنهم كاذبون في إقرارهم بالإيمان {وتؤمنون} أي أنتم {بالكتاب كله} أي ويكفرون هم به كله، إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض {وإذا لقوكم قالوا} أي لكم {آمنا} لتغتروا بهم {وإذا خلوا} أي منكم، وصوّر شدة حنقهم بقوله: {عضّوا عليكم} لما يرون من ائتلافكم وحسن أحوالكم {الأنامل من الغيظ} أي المفرط منكم، ومن جعل الهاء في {ها أنتم} بدلاً عن همزة الاستفهام فالمراد عنده: أأنتم يا هؤلاء القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعليّ الآراء بقبولكم الحق كله، لأن المؤمن كيس فطن؛ فهو استفهام - وإن كان من وادي التوبيخ - المراد به التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات - والله الموفق.

ولما كانوا كأنهم قالوا: فما نفعل؟ قال مخاطباً للرأس المسموع الأمر المجاب الدعاء: {قل} أي لهم {موتوا بغيظكم} أي ازدراء بهم ودعاء عليهم بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم. ولما كانوا يحلفون على نفي هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكداً لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة: {إن الله} أي الجامع لصفات الكامل {عليم بذات الصدور *} أي فلا تظنوا أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه.

120

ولما كان ما أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجاً ليصل إلى المشاهدة إلى بيان دل عليه بقوله: {إن تمسسكم} أي مجرد مس {حسنة تسؤهم} ولما كان هذا دليلاً شهودياً ولكنه ليس صريحاً أتبعه الصريح بقوله: {وإن تصبكم} أي بقوة مرها وشدة وقعها وضرها {سيئة يفرحوا بها} ولما كان هذا أمراً مبكتاً غائظاً مؤلماً داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطاً بشرط التقوى والصبر فقال: {وإن تصبروا وتتقوا} أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى {لا يضركم كيدهم شيئاً} ثم علل ذلك بقوله:

{إن الله} أي ذال الجلال والإكرام {بما يعملون محيط *} أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله، والمعنى على قراءة الخطاب: بعملكم كله، فمن صبر واتقى ظفرته، ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه. ولما كان ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقاً ومفهوماً محتاجاً إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم سبحانه وتعالى بالوقائع التي شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى وعدمه عند العمل بالمفهوم، وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور والسرور عد المساءة، وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات، مشيراً إلى ذلك بواو العطف على غير مذكور، مخاطباً لأعظم عباده فطنة وأقربهم إليه رتبة، تهييجاً لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف مع المألوف فقال تعالى: {وإذ} أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين صبرتم واتقيتم

فنصرتم، وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، ثم في بدر، ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك، واذكر إذ لم يصبر أصحابك فأصيبوا، وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ {غدوت} أي يا خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين! {من أهلك} أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين. وقد نزلوا بأحد في أواخر يوم الأربعاء، أو في يوم الخميس لقتالكم. وبنى من {غدوت} حالاً إعلاماً بأن الشروع في السبب شروع في مسببه فقال: {تبوىء} أي تنزل {المؤمنين} أي صبيحة يوم السبت وعبر بقوله: {مقاعد} إشارة إلى أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقدم إلى كل أحد بالثبات في مركزه، وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئاً إلا بأمره لا سيما الرماة، ثم ذكر علة ذلك فقال: {للقتال} . ولما كان التقدير: وتتقدم إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال، أشار تعالى إلى أنه وقع في غضون ذلك منه ومنهم كلام

كثير خفي وجلي بقوله: {والله} أي والحال أن الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته {سميع} أي لأقوالكم {عليم *} أي بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه، ولعله خص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلذيذ الخطاب في التذكير تحريضاً لهم مع ما تقدمت الإشارة إليه على المراقبة تعريضاً لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 100] ، فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما أراد بهم عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله، ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم عند نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريباً، ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيدوا فيه بالنصر لأن الشماتة بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر، ودل ذكرها على المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان: المساءة بالحسنة،

والفرح والمسرة بالمصيبة، فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان الأول، وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة، وهي هنا عدم الاحتياج إلى ذكره لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه، وما تقدم من كونه غير صريح الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدراً - كما ترى - بعد محكمة ستذكر، وأطلق سبحانه وتعالى - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينتظر فيهم ما يأتيه من الوحي بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة وباتت وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحرسونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحرست المدينة الشريفة، ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة فاستشارهم في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة: البقر المذبوحة، والثلم في سيفه، وإدخال يده في الدرع الحصينة، وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة المكث في المدينة، فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء والصبيان من فوق الأسطحة، وكان عبد الله بن أبيّ المنافق على هذا الرأي، فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله

بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه - يلحون عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخروج إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على استكراههم له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يأتيه الوحي، فلما خرج إليهم أخبروه وسألوه في الإقامة إن شاء فقال: «ما كان ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» . وفي رواية «حتى يلاقي» فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ففرغ مع غياب الشمس، ورآه المشركون حين نزل بهما، واستعمل تلك الليلة على حرسه محمد ابن مسلمة، واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل، ثم أدلج من سحر ليلة السبت، وندب الأدلاء ليسيروا أمامه، وحانت صلاة الصبح في الشوط وهم بحيث يرون المشركين، فأمر بلالاً رضي الله عنه فأذن وأقام، وصلى بأصحابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصبح صفوفاً، فانخزل عبد الله بن أبيّ بثلث العسكر فرجع وقال: أطاع الولدان، ومن لا رأي له وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا! وتبعهم عبد الله بن عمرو

بن حرام أبو جابر ابن عبد الله -أحد بني سلمة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلاً - يناشدهم الله في الرجوع، فلم يرجعوا فقال: أبعدكم الله! سيغني الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنكم، ورجع فوافق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصف أصحابه، وكادت طائفتان من الباقين - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن عمرو وبنو حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين، ثم ثبتهم الله تعالى؛ ونزل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشعب من أحد، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره!» وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له أو عليه، حتى قال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تعينونا، وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة، وانضحوا الخيل عنا إذا أتت من ورائنا» وبرز

صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة، فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل، وفعلوا ذلك واحداً بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل، فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي القتل في أصحاب اللواء أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه فشدوا فهزموا المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم، وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين نضحهم الرماة بالنبل فرجعوا فلما وقع الصحابة رضي الله عنهم في نهب العسكر خلى الرماة ثغرهم، فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة، فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة رضي الله عنهم من ورائهم وهم ينتهبون، فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس: إن محمداً قد قتل، فانهزم الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم إلا قليل ما بين العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال، فاستمر يحاول بهم العدو، والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب، وصرف الله العدو، فدفن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشهداء وصف أصحابه رضي الله عنهم فأثنى على الله عز وجل ثناء عظيماً، ذكر فيه فضله سبحانه وعدله، وأن الملك ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، ورجع إلى المدينة الشريفة وقد أصابته الجراحة في

مواضع من وجهه بنفسي هو وأبي وأمي ووجهي وعيني. ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين فضلاً عن المصارحين بالمصارمة متصفون بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء مع أنه كان سبباً في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية المناسبة، ولذلك افتتحها سبحانه وتعالى بقوله - مبدلاً من {إذ غدوت} دليلاً على ما قبله من أن بطانة السوء لا تألوهم خبالاً وغير ذلك -: {إذا همت طائفتان} وكانا جناحي العسكر {منكم} أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس {أن تفشلا} أي تكسلاً وتراخياً وتضعفاً وتجبناً لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا، كما رجع المنافقون {والله} أي والحال أن ذا الجلال والإكرام {وليهما} وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما،

أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره سبحانه وتعالى لتضعفا بخذلانه {و} الحال أنه {على الله} أي الذي له الكمال كله وحده {فليتوكل المؤمنون *} أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها: والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك، فالأمر بالتوكل ثانياً دال على وجوده أولاً، وإثبات الولاية أولاً دال على الأمر بها ثانياً، وفي البخاري في التفسير عن جابر رضي الله عنه قال: فينا نزلت {إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا} قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل: {والله وليهما} .

123

ولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من المسلمين في هذه الغزوة ربما كان سبباً في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا له أهلية النفوذ في الدقائق من عجائب المقدور في قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} [آل عمران: 10] {قل للذين كفروا ستغلبون} [آل عمران: 12] ذكرهم الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر، وهم في القلة دون ما هم الآن بكثير، مشيراً لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر، وحالهم إذ ذاك حال الآيس منه، ولذلك كانوا في غاية الكراهة للّقاء بخلاف ما كانوا عليه في هذه الكرة، حثاً على ملازمة التوكل، منبهاً على أنه لا يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على الدين كله فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان قليلاً فلقد نصركم الله أول النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم بطاعتكم للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ملازمة التعب والإقبال على الحرب وغير ذلك بما أمركم به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن رجع

عنكم شيئاً -: {ولقد نصركم الله} بما له من صفات الجلال والجمال {ببدر} المشار إليها أول السورة بقوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} [آل عمران: 13] لما صبرتم واتقيتم. ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال: {وأنتم أذلة} أي فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم، وهو دليل أيضاً على منطوق قوله تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} [آل عمران: 120] كما كان أمر أحد دليلاً على منطوقها ومفهومها معاً: دل على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم، وعلى مفهومها بإدالة العدو عليهم عند فشلهم آخره - والله الموفق؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة أحد من السير وكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران: 52] ، فإن الصحابة رضي الله عنهم هزموهم - كما مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أحد ولا بقي عند نسائهم حامٍ، فلما خالف الرماة أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وأقبلوا على الغنيمة أراد الله تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير محتاجة في الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين، والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان، فاستمر عليه الصلاة والسلام في نحورهم يحاولهم ويصاولهم، يرامونه مرة ويطاعنون أخرى، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى، والله تعالى يمنعه منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب، وقتل بيده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبي بن خلف مبارزة، تصديقاً لما كان أوعده به قبل الهجرة، وخالطوه غير مرة ولم يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه، ثم ردهم خائبين بعد أن تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار، ولم يرجع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من استشهد من أصحابه، وأما هم فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم، وهم اثنان وعشرون رجلاً من سرواتهم وحمال راياتهم، وقال الجلال الخجندي في كتابه فردوس المجاهدين: إنه صح النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما نصر

النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى. كفى على ذلك دليلاً ما نقل موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإسلام: يا محمد! قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد ظهرت عليك، وإنما كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ في الشريعة وثبات قدم في السنن، ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم النهي في القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفاً على قوله تعالى: {نعمة} في قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} [آل عمران: 103] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولاً أو فعلاً، المقتضي لهدم الدين من أصله، لأن همّ الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ومصافيهم، ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} [آل عمران: 149] ، ويكون

إسناد الفعل في {غدوت} ، وأمثاله إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمراد الإسناد إلى الجمع، لأنه الرئيس فخطابه خطابهم، ولشرف هذا الفعل، فكان الأليق إفراده به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر- كما هو الواقع - عليهم. ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال: {فاتقوا الله} أي في جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي، والشكر فعل ينبىء عن تعظيم المنعم، وشكر الله صرف جميع ما أنعم به في طاعاته فحينئذ التقوى من الشكر فإن أريد العموم انحل الكلام إلى: اشكروا لعلكم تشكرون، ولا يتحرر الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: الواقية ما وقاك الشر، وكل شيء وقيت به شيئاً فهو وقاء له ووقاية، وقوله سبحانه وتعالى: {لعلكم تتقون} قال ابن عرفة - أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى. فاتضح أن حقيقة {واتقوا} : اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، وأن

سبب اتخاذ الوقاية الخوف من ضاره فالظاهر - والله أعلم - أن اتقوا بمعنى: خافوا - مجازاً مرسلاً من إطلاق اسم المسبب على السبب، فالمعنى: خافوا الله لتكونوا على رجاء من أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار، ولئن سلمنا أن التقوى من الشكر فالمعنى: اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر، وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر هو أصل الباب الذي يثمر باقيه، وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة: إن المعنى: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي، ويجوز أن يكون: لعلكم تزدادون نعماً فتشكرون عليها - إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم. ولما اشتملت هذه القصة على المصيبة التي سيقص الله كثيراً منها، وهي مستوفاة في السير كان أنسب من قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - البداءةُ بتذكير من باشرها بما وعدهم الله به على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل وقوع القتال من النصر المشروط بالصبر

والتقوى تنبيهاً لهم على أن الخلل من جهتهم أتى، ثم وعظمهم بالنهي عما منعهم النصر، والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص عليهم من نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا وعلموا أن الخلل من أنفسهم، فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر والتضرع والإقرار بالذنب، فقال - مبدلاً من {إذ غدوت} عوداً على بدء تعظيماً للأمر حثاً على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره -: {إذ تقول للمؤمنين} أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به، حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفاً وجبناً، مع ما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها بذبح يكون في أصحابه، ليكون إقدامهم على بصيرة، أو يصدهم ذلك عن الخروج إلى العدو كما كان ميل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أكثر أصحابه وإعلامهم إلى المكث في المدينة قال منكراً آتياً بأداة التأكيد للنفي: {ألن يكفيكم} أي أيها المؤمنون {أن يمدكم} إمداداً خفياً - بما أشار إليه الإدغام {ربكم} أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم {بثلاثة آلاف}

ثم عظم أمرهم بقوله: {من الملائكة} ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء بقوله: {منزلين *} ثم تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم تحقيقاً للكفاية فقال: {بلى} أي يكفيكم ذلك، ثم استأنف قوله: {إن تصبروا وتتقوا} أي توقعوا الصبر والتقوى لله ربكم، فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه {ويأتوكم} أي الكفار {من فورهم} أي وقتهم، استعير للسرعة التي لا تردد فيها، من: فارت القدر - إذا غلت {هذا} أي في هذه الكرة {يمددكم} أي إمداداً جلياً - بما أشار إليه إشارة لفظية: الفك، وإشارة معنوية: التسويم {ربكم} أي المحسن إليكم بأكثر من ذلك {بخمسة آلاف من الملائكة} ثم بين أنهم من أعيان الملائكة بقوله: {مسومين *} أي معلمين بما يعرف به مقامهم في الحرب، والظاهر من التعبير بالتسويم إفهام القتال، ومن الاقتصار على الإنزال عدمه، ويكون فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه منهم. قال البغوي: قال ابن عباس ومجاهد: لم يقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً ومدداً. ولما كان التقدير: وليس الإمداد بهم موجود للنصر، وكان قد قدم في أول السورة قوله: {والله يؤيد بنصره من يشاء} [آل عمران: 13] قال هنا

قاصراً للأمر عليه: {وما جعله الله} أي الإمداد المذكور وذكره لكم على ما له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا يحتاج مراقبها إلى شيء أصلاً {إلا بشرى} . وما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة، وكان المقتول منهم أكثر قال: {لكم} لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم، ولمثل هذا قدم القلوب فقال: {ولتطمئن} وعلم أن التقدير - لتكون الآية من الاحتباك: لتستبشر نفوسكم به وطمأنينة لكم لتطمئن {قلوبكم به} أي الإمداد، فحكم هنا بأنه بشرى مقيداً بلكم، فكانت العناية بضمير أشد حتى كأنه قيل: إلا وبشرى لكم وطمأنينتكم، فوجب تأخير ضميره عنهم، والمعنى أنهم كانوا أولاً خائفين، فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر، فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم لما اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألزّ قوتها لأنه قد سبق لها نصر وسرور بضرب وطعن في بدر

وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين بأنه لا حول لهم ولا قوة، ولذلك قال تعالى: {وما النصر} أي في ذلك غيره {إلا من عند الله} أي المستجمع لصفات الكمال، لا بمدد ولا غيره فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم. ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال: {العزيز} الذي لا يغالب، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد {الحكيم *} الذي يضع الأشياء في أتقن محالها من غير تأكيد أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها، ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره، فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل، فاحذروه لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال، ولما قرر الوعد ذكر ثمرته فقال معلقاً الجار بيمددكم: {ليقطع} أي بالقتل {طرفاً} أي طائفة من كرامهم، يهنون بهم {من الذين كفروا} أي ويهزم الباقين {أو يكبتهم} أي يكسرهم ويردهم بغيظهم مع الخزي

أذلاء، وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه {فينقلبوا} أي كلهم مهزومين {خائبين *} وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد وضعفهم عنكم به، ويجوز تعليق {ليقطع} بفعل التوكل، أي فليتوكلوا عليه ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم، فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو رهبة، أو يميتهم على كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم؛ ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله: {وما جعله الله إلا بشرى} أو بقوله: {ولتطمئن} وهو حسن أيضاً.

128

ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حريصاً على طلب الإدالة عليهم ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال تعالى: {ليس لك من الأمر} أي فيهم ولا غيرهم {شيء} موسطاً له بين المتعاطفات، يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد، بل الأمر له كله، إن أراد فعل بهم ما تريد، وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم أو إماتتهم على الكفر حتف الأنف فيتولى هو عذابهم، وذلك معنى قوله: {أو يتوب عليهم} أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم عليه من الظلم {أو يعذبهم} كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد، أو يعذبهم هو من

غير واسطتكم بما يستدرجهم به مما يوجب إصرارهم حتى يموتوا على الكفر مع النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة عقابهم. ثم علل الأقسام الأربعة بقوله: {فإنهم ظالمون *} وفي المغازي من صحيح البخاري معلقاً عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت {ليس لك من الأمر شيء} - إلى قوله: {ظالمون} » ورواه موصولاً في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا اللفظ، وفيه «اللهم العن فلاناً وفلاناً» . ولما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبيناً لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر ب «ما» لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر {وما في الأرض} كذلك مِلكاً ومُلكاً فهو يفعل في مِلكه ومُلكه ما يشاء، وفي التعبير ب «ما» أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل.

ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال - مترجماً لذلك مقرراً لقوله: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128] : {يغفر لمن يشاء} أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره {ويعذب من يشاء} بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل. ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: {والله} أي المختص بالجلال والإكرام {غفور رحيم *} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح {ليس لك} [آل عمران: 128] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى الأمر

وحده. ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة واشتد نهيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها. ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع الشهوات فكان مبعداً لمتعاطيه من الرحمة مدنياً من النقمة، وكان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل تعالى عليهم بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، صدقوا إيمانكم بأن {لا تأكلوا الربا} أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح، وهو كما ترى إقبال متلطف منادٍ لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] ؛ {والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران: 17] ؛ {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] ناهٍ عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو غيرها

بطريق الإشارة بدلالة التضمن، إذ المطلق جزء المقيد، ففي هذه العبارة التي صريحها ناهٍ عن الإقبال على الدنيا إقبالاً يوجب الإعراض عن الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما يردع من له أدنى تقوى، ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان في كل زمان {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 278] ، {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} [البقرة: 86] . ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب، وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة، دلالة على تناهي الحب للتكاثر، ناسب المقام ربا التضعيف فقال: - أو يقال: لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة، وكان حب الزيادة حلالاً قد يجر إلى حبها حراماً، فيجر إلى الربا المضاعف، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال -: {أضعافاً مضاعفة} أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلاً عن الإعراض عنه فضلاً عن الإقبال عليه، فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها،

وعلى مطلق الزيادة بتضمنها، وهي من وادي قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» وختام الآية بقوله: {واتقوا الله} أي الملك الأعظم {لعلكم تفلحون} مشير إلى ذلك، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم، ويمنعكم إن تساهلتم، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلاً وقوة بطريق الإشارة، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها، والناظم حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سبباً لنزول هذه الآية ووضعها عنا، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد، فقد كان حلفه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه

حمزة رضي الله عنه سبباً لنزول آخر سورة النحل {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] إلى آخرها، ولم توضع هنا، والأمر الصالح لأن يكون سبباً لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن عمروا بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضباً لهم، أم غضباً لله عز وجل؟ فقال: بل غضباً لله عز وجل ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمات فدخل الجنة وما صلى لله عز وجل صلاة. والقصة في جزء عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي - بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم

عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي، والجزء السابع عشر من المجالسة للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ أبي داود، ولفظ العيشي: إن عمرو بن وقش - وقال الدينوري: أقيش - كان له ربا في الجاهلية، وكان يمنعه ذلك الربا من الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم، فجاء ذات يوم ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زاد الدينوري: وأصحابه بأحد فقال: أين سعد ابن معاذ؟ وقال العيشي: فقال لقومه: أين سعد بن معاذ؟ قالوا: هو بأحد، قال الدينوري: فقال: أين بنو أخيه؟ قالوا: بأحد، فسأل عن قومه، فقالوا: بأحد، فأخذ سيفه ورمحه ولبس لأمته، ثم أتى أحداً؛ وقال الدينوري: ثم ذهب إلى أحد، فلما رآه السملمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت! فقاتل فحمل إلى أهله جريحاً، فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته -: سليه! وقال العيشي: فقال لأخته: ناديه، فقولي؛ وقال الدينوري: فقالت: أجئت غضباً لله ورسوله أم حمية وغضباً لقومك؟ فنادته، فقال: جئت غضباً لله ورسوله! فمات فدخل الجنة ولم يصل لله قط؛ وقال الدينوري: قال أبو هريرة: ودخل الجنة، وما صلى لله صلاة. ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنهم أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط؛ وقال الواقدي: أخبروني برجل يدخل الجنة

لم يسجد لله قط، فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه: هو أخو بني عبد الأشهل؛ وقال ابن إسحاق: فإذا لم يعرفه الناس سألوا: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش رضي الله تعالى عنه؛ زاد ابن إحساق: قال الحصين - يعني شيخه: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيف فغدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم! ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث! فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم لم يلبث أن

مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» والمعنى على هذا: يا أيها الذين يريدون الإيمان! لا تفعلوا مثل فعل الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة فتهلكوا، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ الإذعان في أنفسهم والإيقان بمر الزمان! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلاً، ومن أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيراً جليلاً، لأن مَن له ملك السماوات والأرض يفعل ما يشاء، ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى الأضعاف المضاعفة، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة الناهية عن مطلق الربا، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر، وهذا من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه، فحرم ربا الفضل في آيات البقرة،

ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف، ثم نص عليه في هذه الآية، فصار محرمأً مرتين: مفهوماً ومنطوقاً، مع ما أفاد ذكره من النكت التي تقدم التنبيه عليها.

131

ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى: {واتقوا النار} أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته {التي أعدت} أي هيئت {للكافرين *} أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات، وللكافرين بالنعمة عصياناً بالعرض. ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقرباً قال اتباعاً للوعيد بالوعد: {وأطيعوا الله} ذا الجلال والإكرام {والرسول} أي الكامل في الرسلية كمالاً ليس لأحد مثله، أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص {لعلكم ترحمون *} أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره. ولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا، المراد بالنهي عنه الصرف عن مطلق الإقبال على الدنيا، المشار إلى ذمها في قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} [آل عمران: 14] ، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب، وكان ذلك قد يكون مع التواني أمر بالمسارعة فيه

توصلاً إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم} [آل عمران: 125] ، {وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} [آل عمران: 120] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من دعائم هذه السورة {قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا} [آل عمران: 15] ، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة من الرب اللطيف بعباده، وإلى ما يبيح الجنة أعدت للمتقين الذين تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 130] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في سبيل الله في مرضاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الجهاد وغيره في السراء والضراء، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالاً يخلّ ببعض الأوامر، وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل او جراحة، والعفو عمن

يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشاداً إلى أن لا يكون جهادهم إلا غضباً لله تعالى، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلاً، وبالصبر أيضاً على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره كما فعل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد المطلب، فإنه وقف صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك اليوم الذي كان أعظم أيام الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها، فهزم ظلام الكفر وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته فقال: «ما تظنون إني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيراً! أخ وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين أو أكل الربا أو التولي عن قتال الأعداء، وعن ظلم النفس من محبة الدنيا الموجب للإقبال على الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مما أراد الله تعالى فقال تعالى: {وسارعوا} أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من يسابق خصماً {إلى مغفرة من ربكم} أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعمل ما يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب {وجنة} أي عظيمة جداً بعمل كل ما يحصل

الثواب، ثم بين عظمها بقوله: {عرضها السماوات والأرض} أي كعرضهما، فكيف بطولها، ويحتمل أن يكون كطولهما، فهي أبلغ من آية الحديد - كما يأتي لما يأتي، وعلى قراءة {سارعوا} بحذف الواو يكون التقدير: سارعوا بفعل ما تقدم، فهو في معناه، لا مغائر له. ولما وصف الجنة بين أهلها بقوله: {أعدت} أي الآن وفرغ منها {للمتقين *} وهم الذين صارت التقوى شعارهم، فاستقاموا واستمروا على الاستقامة، ثم وصف المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالاً على وجه معرف بأسباب النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ومن معهم من المؤمنين بادئاً بما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن المال الذي هو عديل الروح فقال: {الذين ينفقون} أي مما آتاهم الله، وهو تعريض بمن أقبل على الغنيمة {في السراء والضراء} أي في مرضاة الله في حال الشدة والرخاء. ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال: {والكاظمين} أي الحابسين {الغيظ} عن

أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه. ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو بقوله: {والعافين} وعمم في الحكم بقوله: {عن الناس} أي ظلمهم لهم ولو كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم. ولما كان التقدير: فإن الله يحبهم لإحسانهم عطف عليه تنويهاً بدرجة الإحسان قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المحسنين *} أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد والاستمرار. ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أناه لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلاباً لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال: {والذين إذا فعلوا} أي باشروا عن علم أوجهل فعله {فاحشة} أي من السيئات الكبار {أو ظلموا أنفسهم} أي بأي نوع كان من الذنوب، لتصير الفاحشة موعوداً بغفرانها بالخصوص وبالعموم {ذكروا الله} أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه {فاستغفروا} الله، أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها {لذنوبهم} أي فإنه يغفر لهم

لأنه غفار لمن تاب. ولما كان هذا مفهماً لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله غفرانه، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغباً في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين: {ومن يغفر الذنوب} أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها {إلا الله} أي الملك الأعلى. ولما كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون *} أي إنهم على ذنب. ولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلماً بجزائهم الذين سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيراً إليهم بأداة البعد تعظيماً لشأنهم على وجه معلم بأن أحدأً لا يقدر الله حق قدره -: {أولئك} أي العالو الرتبة {جزآؤهم مغفرة} أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها بقوله: {من ربهم} أي المسحن إليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال: {وجنات} أيّ جنات، ثم بين عظمها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} حال كونكم {خالدين فيها} هي أجرهم على عملهم {ونعم أجر العاملين *} هي، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم.

ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل، والترهيب مما يوقع فيه، والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد، فبدأ بالسبب الأقوى، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقاً وأقوى همماً وأكثر عدداً وأحكم عدداً، فقال تعالى معللاً للأمر بالمسارعة إلى المغفرة: {قد خلت} ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض، ولا في جميع الزمان، أثبت الجار فقال: {من قبلكم} اي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم {سنن} أي وقائع سنها الله في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين، وأحوال وطرائق كانت للفريقين، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين، فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد {فسيروا في الأرض} أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير، وتعتبروا من العين بالأثر، وتقرنوا بين النقل والنظر، ولما كان الرجوع عن الهفوة واجباً على الفور عقب بالفاء قوله: {فانظروا} أي نظر اعتبار، ونبه على

عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم إشكاله فقال: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *} . ولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله على طريق الاستفتاح: {هذا بيان} أي يفيد إزالة الشبه {للناس} أي المصدقين والمكذبين {وهدى} أي إرشاد بالفعل {وموعظة} أي ترقيق {للمتقين*} .

138

ولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عنها من قبل الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره: فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين، وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل -: {ولا تهنوا} أي في جهاد أعدائكم الذين هم أعداء الله، فالله معكم عليهم، وإن ظهروا يوم أحد نوع ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر {ولا تحزنوا} أي على ما أصابكم منهم ولا على غيره مما عساه ينوبكم {و} الحال أنكم {أنتم الأعلون} أي في الدارين {إن كنتم مؤمنين *} أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي عن الله - لكم صفة راسخة، فإنهم لا يهنون؛

لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنبياء قبلكم لعلوكم عدوكم، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل، ومولاكم العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق الملكَ الكبير لمن قتل، والنصر والتوزر لمن بقي، وهو حي قيوم، ولا يخفى عليه شيء من أحوالكم، فهو ناصركم وخاذلكم، وأما في الآخرة فلأنكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهم في النار عند ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أبداً. ولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم بقوله: {إن يمسسكم قرح} أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم {فقد مس القوم} أي الذين لهم من قوة المحاولة ما قد علمتم، أي في يوم أحد نفسه وفي يوم بدر {قرح مثله} أي في مطلق كونه قرحاً وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد وأكثر منه في يوم بدر، على أنه كما أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم، ويوم أحد بالقتل

والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه، فهو جدير بأن يظفركم بعد وهنكم وأنتم أولياؤه، فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا أنتم وأنتم على الحق، ترجون من الله ما لا يرجون، فقد أدلناكم عليهم يوماً وأدلناهم عليكم آخر {وتلك الأيام} ولما نبه على تعظيمها بأداة البعد، وكانت إنما تعظم بعظم أحوالها ذكر الحال المنبه عليها بقوله: {نداولها بين الناس} أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى. ولما كان التقدير: ليدال على من كانت له الدولة، فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا شريك ولا منازع عطف عليه قوله: {وليعلم الله} أي المحيط بجميع الكمال {الذين آمنوا} أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم، ومعنى {ليعلم} أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيباً إلى عالم الشهادة ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم {ويتخذ منكم شهداء} أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة، لا غيبة فيها، فهو سبحانه وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهوداً عليهم

أصلاً بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره، فإن الله يحب المؤمنين، وليعلم الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء {والله} أي الملك الأعلى {لا يحب الظالمين *} أي الذين يخالف فعلهم قولهم، فهو لا يستشهدهم، وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم، وفيه بشارة في ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب، لئلا يحزنوا على ما أصابهم، ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره بحفظه، وأقبلوا على الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو، والآية من الاحتباك: إثبات الاتخاذ أولاً دال على نفيه ثانياً، وإثبات الكراهة ثانياً دال على المحبة أولاً. ولما قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة بقوله: {وليمحص} أي وليطهر {الله} أي ذو الجلال والإكرام {الذين أمنوا} أي إن أصيبوا، ويجعل مصيبتهم سبباً لقوتهم {ويمحق الكافرين *} أي شيئاً فشيئاً في تلك الحالتين بما يلحقهم من

الرجس، أما إذا كانت لهم فبالنقص بالقوة بالبطر الموجب للعكس، وأما إذا كانت عليهم فبالنقص بالفعل الموجب للقطع بالنار. ولما كان السياق يرشد إلى أن المعنى: أحسبتم أنه لا يفعل ذلك، عادله بقوله: {أم حسبتم} أي يا من استكره نبينا على الخروج في هذا الوجه {أن تدخلوا الجنة} أي التي أعدت للمتقين {ولما يعلم الله} أي يفعل المحيط علماً وقدرة بالامتحان فعل من يريد أن يعلم {الذين جاهدوا منكم} أي أوقعوا الجهاد بصدق العزيمة، ثم أمضوه بالفعل تصديقاً للدعوى {ويعلم الصابرين *} أي الذين شأنهم الصبر عند الهزاهز والثبات عند جلائل المصائب تصديقاً لظاهر الغرائز، فإن ذلك أعظم دليل على الوثوق بالله ووعده الذي هو صريح الإيمان. ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: فلقد كنتم تقولون: لئن خرجت بنا ليبتلين الله بلاء حسناً، عطف عليه قوله: {ولقد} ويجوز أن يكون حالاً من فاعل {حسبتم} {كنتم تمنون الموت} أي الحرب، عبر عنها به لأنها سببه، ولقد تمنى بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة

{من قبل أن تلقوه} أي رغبة فيما أعد الله للشهداء {فقد رأيتموه} أي برؤية قتل إخوانكم، والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب، وللموت نفسه برؤية أسبابه القريبة، وقوله: {وأنتم تنظرون *} بمعنى رؤية العين، فهو تحقيق لإرادة الحقيقة.

144

ولما كان التقدير: فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذباً: ألا إن محمداً قد قتل! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون له، وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال: {وما محمد إلا رسول} أي من شأنه الموت، لا إله، ثم قرر المراد من السياق بقوله: {قد خلت} أي بمفارقة أممهم، إما بالموت أو الرفع إلى السماء، ولما كان المراد أن الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال: {من قبله الرسل} أي فيسلك سبيلهم، فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم فاستمسك بنورهم. ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم بقوله: {أفإن} ولما كان الملك القادر على ما يريد

لا يقول شيئاً وإن كان فرضاً إلا فعله ولو على أقل وجوهه، وكان في علمه سبحانه أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموت موتاً - لكونه على فراشه، وقتلاً - لكونه بالسم، قال: {مات} أي موتاً على الفراش {أو قتل} أي قتلاً {انقلبتم} أي عن الحال التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين! ثم قرر المعنى بقوله: {على أعقابكم} لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان على الاستواء والانتقال إلى أحسن {ومن} أي انتقلتم والحال أنه من {ينقلب على عقبيه} أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه {فلن يضر الله} أي المحيط بجميع العظمة {شيئاً} لأنه متعالٍ عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع أمره، لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده، فلو أراد لهداهم أجمعين، ولو أراد أضلهم أجمعين، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله، وسيجزي الله الشاكرين، ومن سار ثابتاً على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه لشكره لله {وسيجزي الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {الشاكرين *} أي كلهم، فالآية من الاحتباك: أثبت الانقلاب وعدم الضر أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، والجزاء ثانياً دليلاً على حذف مثله أولاً.

ولما كان موت الرأس من أنصار الدين لا يصلح أن يكون سبباً للفرار إلا إذا كان موته بغير إذن صاحب الدين، وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن أن يكون سبباً للنجاة، وأما إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين، والفرار لا يكون سبباً في زيادة الأجل ولا نقصه؛ أشار إلى ذلك بقوله: {وما كان لنفس} أي من الأنفس كائنة من كانت {أن تموت} أي بشيء من الأشياء {إلا بإذن الله} أي بعلم الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة وإرادته وتمكينه من قبضها «كتب لكل نفس عمرها» {كتاباً مؤجلاً} أي أجلاً لا يتقدم عنه بثبات، ولا يتأخر عنه بفرار أصلاً. ولما كان المعنى: فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام، ومن أحجم ذممته ولم ينفعه الإحجام، وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله، والحامل على الإحجام إيثار الدنيا؛ عطف على ذلك قوله: {ومن يرد ثواب الدنيا} أي بعمله - كما افهمه التعبير بالثواب، وهم المقبلون على الغنائم بالنهب والفارون كفراً لنعمة الله {نؤته منها} أي ما أراد، وختام الآية يدل على أن التقدير هنا: وسنردي الكافرين ولكنه طواه رفقاً لهم {ومن يرد ثواب الآخرة} أي وهم الثابتون شكراً على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم شاغل عن الجهاد، ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله تعالى علينا قال:

{نؤته} ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى فقال: {منها} أي وسنجزيه لشكره، وهو معنى قوله: {وسنجزي الشاكرين *} لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل، وأوضح بحال الزلل، وكان التقدير بعد انقضائها: فكأين من قوم أمرناهم بالجهاد، فكانوا على هذين القسمين، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي، ولم يضرنا ذلك شيئاً، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا، عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله: {وكأين} وهي بمعنى كم، وفيها لغات كثيرة، قرىء منها في العشر بثنتين: الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلاً ووقفاً، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه

الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في {كأين} ، وقال سبحانه: {من نبي} لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله: {قتل} أي ذلك النبي حال كونه {معه} لكن الأرجح إسناد {قتل} إلى {ربيون} لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو -: قاتل معه {ربيون} أي علماؤهم ورثة الأنبياء، وعلى منهاجهم {كثير فما} أي فما تسبب عن قتل نبيهم وهنهم، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة -: قتل الربيون، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم {وهنوا} أي ضعفوا عن عملهم {لما أصابهم في سبيل الله} أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله {وما ضعفوا} أي

مطلقاً في العمل ولا في غيره {وما استكانوا} أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضاً بمن قال: اذهبَوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، بل صبروا، فأحبهم الله لصبرهم {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب الصابرين *} أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه. ولما أثنى سبحانه وتعالى على فعلهم أتبعه قولهم فقال: {وما كان} أي شيء من القول {قولهم} أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم {إلا أن قالوا} أي وهم يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} أي التي استوجبنا بها الخذلان {وإسرافنا في أمرنا} هضماً لأنفسهم، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم، فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا، كما أشار لكم سبحانه وتعالى إلى ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من قوله: {أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] .

ولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا: {وثبت أقدامنا} إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب، والثبات من ثمرات الطاعة - إنما تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله، لا لحظ من حظوظ النفس أصلاً بقوله: {وانصرنا على القوم الكافرين *} .

148

فلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال {فأتاهم الله} المحيط علماً وقدرةً {ثواب الدنيا} أي بأن قبل دعاءهم بالنصر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات الشر. ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوباً وبالبلاء مصحوباً، لأنها دار الأكدار؛ أعراه من وصف الحسن، وخص الآخرة به فقال: {وجسن ثواب الآخرة} أي مجازاً بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا، وحقيقة في الآخرة، فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه الله، فأحبهم

لإحسانهم {والله} المحيط بصفات الكمال {يحب المحسنين *} كلهم، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضاً، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال: {نؤته منها} [آل عمران: 145] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية {ولقد كنتم تمنون الموت} [آل عمران: 143] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] وثبات الإقدام إشارة إلى {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلاً لهم عن الالتفات إلى غيره، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} [آل عمران: 145] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، لأن علمه محيط، وكرمه لا يحد، وخزائنه لا تنفد، بل

لا تنقص، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة، ولا ريب أن في مدح من سواهم تهييجاً زائداً لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عوداً واثبت عموداً وأربط جأشاً وأذكر لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم. ولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته للمحسنين، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا صرتهم فقال تعالى واصلاً بالنداء في آية الربا: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {إن تطيعوا} بخضوع واستئمان أو غيره {الذين كفروا} أي هذا الفريق منهم أو غيره {يردوكم على أعاقبكم} بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين

{فتنقلبوا خاسرين *} في جميع أموركم في الدارين، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 100] ، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - والله الموفق. ولما كان التقدير: فلا تطيعوهم، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقاً ما دمتم مؤمنين، عطف عليه قوله: {بل الله} أي الملك الأعظم {مولاكم} مخبراً بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله: {وهو خير الناصرين *} أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان فمنع غيره - كائناً من كان - من إذلاله ثم قرر ذلك بقوله محققاً للوعد: {سنلقي} أي بعظمتنا {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين، ثم بين سبب ذلك فقال: {بما أشركوا بالله} أي ليعلموا

قطعاً أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له، وبين بقوله: {ما لم ينزل} أي في وقت من الأوقات {به سلطاناً} أنه لا حجة لهم في الإشراك، وما لم ينزل به سلطاناً فلا سلطان له، ومادة سلط ترجع إلى القوة، ولما كان التقدير: فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به، عطف عليه: {ومأواهم النار} ثم هوّل أمرها بقوله: {وبئس مثوى الظالمين *} أي هي، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. ولما كانت السين في {سنلقي} مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} [آل عمران: 125] ، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل {ولقد نصركم الله ببدر} [آل عمران: 123] كما مضى -: {ولقد صدقكم الله وعده} أي في قوله {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم} [آل عمران: 120] {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم {بإذنه} فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال - قاله في القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون

رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحسن: {حتى إذا فشلتم} أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر: هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم طوراً يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرموم يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم وقال يفاخر بقومه كلهم: إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: {وتنازعتم} أي بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئاً من

يد بعض {في الأمر} أي أمر الثغر المأمور بحفظه {وعصيتم} أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر. وأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء، وتبشيراً بزوالها فقال: {من بعد ما أراكم ما تحبون} أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم. ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله: {منكم من يريد الدنيا} أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها. ولما كان حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال: {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون في مراكزهم، لما يعرجوا على الدنيا. ولما كان التقدير جواباً لإذا: سلطهم عليكم، عطف عليه قوله: {ثم صرفكم عنهم} أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة {ليبتليكم} أي يفعل في ذلك فعل من يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء. ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج

للقلوب عطف على قوله {صرفكم} {ولقد عفا عنكم} أي تفضلاً عليكم لإيمانكم {والله} الذي له الكمال كله {ذو فضل على المؤمنين *} أي كافة، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف.

153

ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوّره فقال: {إذ} أي صرفكم وعفا عنكم حين {تصعدون} أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة، أو تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفاً من القتل {ولا تلوون} أي تعطفون {على أحد} أي من قريب ولا بعيد {والرسول} أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية {يدعوكم في أخراكم} أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بوعد الله ومراقبة له يقول كلما مرت عليه جماعة منهزمة: «إليّ عباد الله! أنا رسول الله! إليّ إليّ عباد الله» كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي

وعدو عدماً؛ وإنما قلت: إن معنى ذلك الانهزام، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: جعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، ولم يبق مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير اثني عشر رجلاً. ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى: {فأثابكم} أي جعل لكم ربكم ثواباً {غماً} أي باعتقادكم قتل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً {بغم} أي كان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور حين تبين أنه خبر كاذب، وأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة، فهو من الدواء بالداء، ثم علله بقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي من النصر والغنيمة {ولا ما أصابكم} أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك

بالسرور بحياة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره: فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم -: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {خبير بما تعملون *} أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها، وبما يصلح من جزائه ودوائه، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالدواء، لأنه الفاعل القادر المختار. ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيداً، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله: {ثم أنزل عليكم} ولما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن، وكان متصلاً بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال: {من بعد الغم} أي المذكور وأنتم في نحر العدو {أمنة} أي أمناً عظيماً، ثم ابدل منها تنبيهاً على ما فيها من الغرابة قوله: {نعاساً} دليلاً قطعياً فإنه لا يكون إلا من أمن؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه

قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه» ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله: {يغشى طائفة منكم} وهم المؤمنون، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله: {وطائفة} أي أخرى من المنافقين {قد أهمتهم أنفسهم} لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون خلاصها، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلاً لاتصال رعبهم وشدة جزعهم، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور، ثم فسر همهم فقال: {يظنون بالله} المحيط بصفات الكمال {غير الحق} أي من أن نصره بعده هذا لا يمكن، أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد، ونحو ذلك من سفساف الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام {ظن الجاهلية} أي الذين لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون غيره - ما يعلم أتباع الرسل. ثم فسر الظن بقوله: {يقولون} أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشباً وتاسفاً على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبيّ بعد أن خرجوا {هل لنا من الأمر} أي المسموع، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله: {من شيء} فكأنه قيل: فماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل} أي لهم رداً عليهم احتقاراً

بهم {إن الأمر} أي الحكم الذي لا يكون سواه {كله لله} أي الذي لا كفوء له، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء، شئتم أو أبيتم، غزوتم أو قعدتم، ثبتم أو فررتم. ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله: {إن يمسسكم قرح} [آل عمران: 140] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله، حتى وصل إلى هنا، وكان قولهم هذا غير صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله: {يخفون} أي يقولون ذلك مخفين {في أنفسهم ما لا يبدون لك} لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر} أي المسموع {شيء ما قتلنا ههنا} لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو. ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من القدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} أي بعد أن أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم

أحد {لبرز الذين كتب عليهم القتل} أي في هذه الغزوة {إلى مضاجعهم} أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها، لأن ما قدرناه لا يمكن أحداً دفعه بوجه من الوجوه، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله: {ليبتلي} أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر: إن فاديتم الأسارة ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم {وليبتلي الله} أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري {ما في صدوركم} أي من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية {وليمحص ما في قلوبكم} اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها. وختم بقوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {عليم بذات الصدور *} مرغباً ومرهباً ودافعاً لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا. ولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم، لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك، عفا عنهم سبحانه

وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من التأمين صريحاً، وبما فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحاً إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه الآية. لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى.

155

ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار، خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفاً لبيان ما هو من ثمرات العلم: {إن الذين تولوا منكم} أي عن القتال ومقارعة الأبطال {يوم التقى الجمعان} أي من المؤمنين والكفار {إنما استزلّهم} أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي {الشيطان} أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة {ببعض ما كسبوا} أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك، فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال،

فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر. ولما كان ذلك مفهماً أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله: {ولقد عفا الله} أي الذي له صفات الكمال {عنهم} لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيداً للاسم الأعظم تنبيهاً على أن الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال: {إن الله غفور} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً. ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله: {حليم *} أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا. ولما كان قولهم: إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما «كان رأي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأكابر من أصحابه» لسلمنا، إلى غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه قولاً موجباً لغيظ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيراً من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم

وتعاظم أسفهم عليهم. كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر، ولما كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن {لا تكونوا كالذين كفروا} أي بقلوبهم على وجه الستر {وقالوا} أي ما فضحهم {لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسباً أو مذهباً {إذا ضربوا} أي سافروا مطلق سفر {في الأرض} أي لمتجر أو غيره {أو كانوا غزّى} أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره جمع غازٍ، فماتوا أو قتلوا {لو كانوا عندنا} أي لم يفارقونا {ما ماتوا وما قتلوا} وهذا في غاية التهكم بهم، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا يقوله عاقل ولما كان هذا القول محزناً اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله: «قالوا» وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله: {ليجعل الله} أي الذي لا كفوء له {ذلك} أي القول أو الانفراد به عن مشارك

{حسرة في قلوبهم} أي باعتقاده وعدم المواسي فيه وعلى تقدير التعليق ب «قالوا» يكون من باب التهكم بهم لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلاً وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء {والله} أي لا تكونوا مثلهم والحال. أو قالوا ذلك والحال. أن الذي له الإحاطة الكاملة {يحيي} أي من أراد في الوقت الذي يريد {ويميت} أي من أراد إذا أراد لا يغني حذره من قدره {والله} أي المحيط بكل شيء قدره وعلماً {بما تعملون} أي بعملكم وبكل شيء منه {بصير *} وعلى كل شيء منه قدير لا يكون شيء منه بغير إذنه ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه. ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء وكراهة الموت بيّن لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ذلك مبعداً لهم مما قال المنافقون موجباً لتسليم الأمر للخالق بل محبباً فيه وداعياً إليه فقال: {ولئن} وهو حال أخرى من لا «تكونوا» {قتلتم} أي من أية قاتل كان {في سبيل الله}

أي الملك الأعظم قتلاً {او متم} أي فيه موتاً على أية حالة كانت. ولما كان للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال: {لمغفرة} أي لذنوبكم تنالكم فهذا تعبد بالخوف من العقاب {من الله} أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من طاعة {ورحمة} أي لأجل ذلك وهو تعبد لطلب الثواب {خير مما يجمعون *} أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء مع أنه ما فاتكم شيء من أعماركم.

158

ولما ذكر أشرف الموت بادئاً بأشرفه ذكر ما دونه بادئاً بأدناه فقال: {ولئن متم أو قتلتم} أي في أي وجه كان على حسب ما قدر عليكم في الأزل {لإلى الله} أي الذي هو متوفيكم لا غيره، وهو ذو الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد لذاته. ودل على عظمته بعد الدلالة بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال: {تحشرون *} فإن كان ذلك الموت أو القتل على طاعته أثابكم وإلا عاقبكم، والحاصل أنه لا حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات: قتل أو غيره، ولا في الحشر إليه سبحانه وتعالى، وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ففيه حيلة بالطاعة. والله سبحانه وتعالى الموفق. وما أحسن ما قال عنترة في نحوه وهو

جاهلي، فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك: بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل ولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما فعل بهم من الرفق والللين مع ما سبب الغضب الموجب للعنف والسطوة من اعتراض من اعترض على ما أشار به، ثم مخالفتهم لأمره في حفظ المركز والصبر والتقوى، ثم خذلانهم له وتقديم أنفسهم على نفسه الشريفة، ثم عدم العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر بإقبالهم عليه، ثم اتهام من اتهمه. إلى غير ذلك من الأمور التي توجب لرؤساء الجيوش وقادة الجنود اتهام أتباعهم وسوء الظن بهم الموجب للغضب والإيقاع ببعضهم ليكون ذلك زاجراً لهم عن العود إلى مثله فقال تعالى: {فبما رحمة من الله} أي الذي له الكمال كله {لنت لهم} أي ما لنت لهم هذا اللين الخارق للعادة ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك إلا بسبب رحمة عظيمة من

الله الحائز لجميع الكمال، فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم بانهزامهم عنك بعد إذ خالفوا رأيك، وهم كانوا سبباً لاستخراجك؛ والذي اقتضى هذا الحصر هو ما لأنها نافية في سياق الإثبات فلم يمكن أن توجه إلا إلى ضد ما أثبته السياق، ودلت زيادتها على أن تنوين «رحمة» للتعظيم، أي فبالرحمة العظيمة لا بغيرها لنت. ولما بين سبحانه وتعالى سبب هذا اللين المتين بين ثمرته ببيان ما في ضده من الضرر فقال: {ولو كنت فظّاً} أي سيىء الخلق جافياً في القول {غليظ القلب} أي قاسية لا تتأثر بشيء، تعاملهم بالعنف والجفاء {لانفضّوا} أي تفرقوا تفرقاً قبيحاً لا اجتماع معه {من حولك} أي ففات المقصود من البعثة. ولما أخبره سبحانه وتعالى أنه هو عفا عنهم ما فرطوا في حقه أمره بالعفو عنهم فيما يتعلق به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبالاستمرار على مشاورتهم عند النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولاً في الخروج من المدينة. وثانياً في تضييع المركز، وثالثاً في إعراضهم عن الإثخان في العدو بعد الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم عن النهب، ورابعاً

في وهنهم عند كر العدو إلى غير ذلك - موجباً لترك مشاورتهم، فيفوت ما فيها من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف والتسنن وغير ذلك فقال سبحانه وتعالى: {فاعف عنهم} أي ما فرطوا في هذه الكره في حقك {واستغفر لهم} أي الله سبحانه وتعالى لما فرطوا في حقه {وشاورهم} أي استخرج آراءهم {في الأمر} أي الذي تريده من أمور الحرب تألفاً لهم وتطييباً لنفوسهم ليستن بك من بعدك {فإذا عزمت} أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه، وقراءة من ضم التاء للمتكلم بمعناها، أي فإذا فعلت أنت أمراً بعد المشاورة لأني فعلت فيه - بأن أردته - فعل العازم. ولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال: {فتوكل} أي فيه {على الله} أي الذي له الأمر كله، ولا يردك عنه خوف عاقبة - كما فعلت بتوفيق الله في هذه الغزوة، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {يحب المتوكلين *} أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم

وإن رُئي غير ذلك. ولما كان التقدير؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مُناهم مما عزموا عليه لأجله؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه، بأن من نصره هو المنصور، ومن خذله هو المخذول، فقال تعالى: {إن ينصركم الله} أي الذي له جميع العظمة {فلا غالب لكم} أي إن كان نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينكم أو لا، فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمداً قد قتل! وهلا فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضير رضي الله تعالى عنه حين قال: «موتوا على ما مات عليه نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فهو أعذر لكم عند ربكم» {وإن يخذلكم} أي بإمكان العدو منكم {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي من نبي أو غيره، ولما كان التقدير: فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، عطف عليه قوله: {وعلى الله} أي الملك الأعظم وحده، لا على نبي ولا على قوة بعد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها {فليتوكل المؤمنون *} أي كلهم فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم. ولما كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها. والنزاهة عن من أعظم موجبات النصر، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية

بآية الغلول بياناً، لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة، فإنه لا يخذل إلا بالذنوب، ومن أعظم الذنوب الموجبة للخذلان الغلول فيكون المراد بتنزيهه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه - والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد أن يغلو بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه، وإما أن يكون للخوف من أن يغل رئيسهم وحاشاه! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم على السواء، وحاشاه من كل من ذلك! وأما المبادرة إلى النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث، لا يصوب عاقل إليه؛ إذا تقرر هذا فيمكن أن يكون التقدير: فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم، فلا يقبلوا على ذلك إقبالاً يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل، وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان، وما نهى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن يفتحوا طريقاً إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفاً على {وكأين من نبي} [آل عمران: 146] {وما كان} أي ما تأتى وما صح في وقت من الأوقات

ولا على حالة من الحالات {لنبي} أي أي نبي كان فضلاً عن سيد الأنبياء وإمام الرسل {أن يغل} تبشيعاً لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجراً من معاودة مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر، وعلى قراءة الجماعة غير ابن كثير وأبي عمرو - بضم الياء وفتح العين مجهولاً من: أغل - المعنى: وما كان له وما صح أن يوجد غالاً، أو ينسب إلى الغلول، أو يظن به ما يؤدي إلأى ذلك؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده: فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما يدانيه فتخذلوا، فإنه ما كان لكم أن تغلوا، وما كان أي ما حل لنبي أي من الأنبياء قط أن يغل، أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط إباحة الغلول، فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب، فإن ذلك يسلب كمال التوكل، فإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، فيوجب له الخذلان، روى الطبراني في الكبير- قال الهيثمي: ورجاله ثقات - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيشاً فردت رايته. ثم بعث فردت، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت {وما كان لنبي أن يغل} » .

ولما كان فعلهم ذلك محتملاً لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في التهديد بقوله: {ومن يغلل} أي يقع منه ذلك كائناً من كان {يأت بما غل يوم القيامة} ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي: إنه لمطلق الخيانة، وإنه يجوز أن يكون التقدير: وما كان لأحد أن يفعل ما يؤدي - ولو وعلى بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول، قال صاحب القاموس: أغل فلاناً: نسبه إلى الغلول والخيانة، وغل غلولاً: خان - كأغل، أو خاص بالفيء، وقال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: أغل الرجل أغلالاً - إذا خان، فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولاً، وقرىء: أن يَغُل، وأن يُغَل، فمن قرأ: يَغُل - أراد: يخون، ومن قرأ: يُغَل - أراد: يخان، ويجوز أن يريد: لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئاً في خفاء فقد غل يغل غلولاً، ويسمى الخائن غالاً، وفي الحديث «لا إغلال ولا إسلال» الإغلال: الخيانة في كل شيء، وغللت الشيء أغله غلاًّ - إذا سترته، قالوا: ومنه الغلول في المغنم، إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئاً ستره في متاعه، فقيل للخائن: غال ومغل، ويقال: غللت الشيء في الشيء - إذا أدخلته فيه، وقد انغل - إذا دخل في الشيء، وقد انغل في الشجر.

دخل - انتهى. فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أواخره القصة، كما أن آية الربا نهي عنه على طريق الإشارة، فتم بها الوعظ الذي في أوائل القصة، فقد اكتنف التنفير من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة له وفي الغزو مطلقاً - طرفي الوعظ فيها، ليكون من أوائل ما يقرع السمع وأواخره. ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيهاً على أن ذلك اليوم يوم الدين، فلا بد من الجزاء فيه وتصويراً له تبشيعاً للفضيحة فيه بحضرة الخلق أجمعين، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي وتضعيف الفعل فقال معمماً الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى: {ثم توفى} أي في ذلك اليوم العظيم، وبناه للمجهول إظهاراًَ لعظمته على طريق كلام القادرين {كل نفس} أي غالة وغير غالة {ما كسبت} أي ما لها فيه فعل ما من خير أو شر وافياً مبالغاً في تحريز وفائه {وهم لا يظلمون *} أي لا يقع عليهم ظلم في شيء منه بزيادة ولا نقص.

162

ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلاً تسبب عنه

الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن وغيره، أو فعل فعلاً وقال قولاً يؤدي إلأى ذلك كالمنافقين وكالمقبلين على الغنيمة فقال تعالى: {أفمن اتبع} أي طلب بجد واجتهاد {رضوان الله} أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق، فصار إلى الجنة ونعم الصبر {كمن بآء} أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح، أو حل وأقام {بسخط من الله} أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار لولا العفو {ومأواه جهنم} أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه {وبئس المصير *} أي هي. ولما أفهم الإنكار على من سوّى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله: {هم درجات} أي متباينون تباين الدرجات. ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال: {عند الله} أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم، لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بصير} أي بالبصر والعلم {بما يعملون *} أي بعد إيجادهم، لأن ذلك أيضاً خلقه وتقديره، ولس لهم فيه إلا نسبته

إليهم بالكسب، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية. ولما أرشدهم إلى هذه المراشد، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم، فيألفونه فيعلمهم؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال سبحانه وتعالى - مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول -: {لقد من الله} أي ذو الجلال والإكرام {على المؤمنين} خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة {إذا بعث فيهم} أي فيما بينهم أو بسببهم {رسولاً} وزادهم رغبة فيه بقوله: {من أنفسهم} أي نوعاً وصنفاً، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه

وطهارته قبل النبوة وبعدها {يتلوا عليهم آياته} أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه، وما لم نعرفه أكثر {ويزكيهم} أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار بما يفهمه بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك، كما مضى في سورة البقرة {ويعلمهم الكتاب} أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه {والحكمة} تفسيراً وإبانة وتحريراً {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال {من قبل} أي من قبل ذلك {لفي ضلال مبين *} أي ظاهر، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار، فلما خالفوه حصل الخذلان. ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها. وأثبت ما له من أضدادها من معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم: لو كان رسولاً ما انهزم أصحابه عنه،

فقال تعالى: {أولما} أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم العليم الحكيم ولما {أصابتكم} أي في هذا اليوم {مصيبة} لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده {قد أصبتم مثليها} أي في بدر وأنتم في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه {قلتم أنّى} من أين وكيف أصابنا {هذا} أي بعد وعدنا النصر {قل هو من عند أنفسكم} أي لأن الوعد كان مقيداً بالصبر والتقوى، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعدّ الأسرى، فرضوا وقالوا: نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة. ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {على كل شيء} أي من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما {قدير *}

وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء، وخالف من خالف منكم الآن، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة. ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال: {وما أصابكم} ولما استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال: {يوم التقى الجمعان} أي حزب الله وحزب الشيطان في أحد {فبإذن الله} أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة الإحياء والإماتة إليه. ولما كان التقدير: ليؤدبكم به، عطف عليه قوله: {وليعلم المؤمنين *} أي الصادقين في إيمانهم. ولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من تعليقه به مع غيره أعاد العامل لذلك، وإشعاراً بأن أهل النفاق أسفل رتبة من أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال: {ولعلم الذين نافقوا} أي علماً تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، وهذا مثل قوله هناك {وليبتلي الله ما في صدوركم} [آل عمران: 154] . وعطف

على قوله {نافقوا} ما أظهر نفاقهم، أو يكون حالاً من فاعل {نافقوا} فقال: {وقيل لهم تعالوا قاتلوا} أي أوجدوا القتال {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب الذي شرعه {أو ادفعوا} أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب {قالوا لو نعلم} أي نتيقن {قتالاً} أي أنه يقع قتال {لاتبعناكم} أي لكنه لا يقع فيما نظن قتال ورجعوا. ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهراً في نفاقهم ترجمة بقوله: {هم للكفر يومئذ} أي يوم إذ كان هذا حالهم {أقرب منهم للإيمان} عند كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبراً بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين، فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم -: {يقولون بأفواههم} ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم؛ صرح به في قوله {ما ليس في قلوبهم} بل لا شك عندهم في وقوع القتال، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} أي منهم {بما يكتمون *} أي كله لأنه يعلمه قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه، وإذا كان نسوه بتطاول الزمان

والله سبحانه وتعالى لا ينساه.

168

ولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال مبيناً للذين نافقوا: {الذين قالوا لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم والحال أنهم قد أسلموهم {وقعدوا} أي عنهم خذلاناً لهم {لو أطاعونا} أي في الرجوع {ما قتلوا} ولما كان هذا موجباً للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله: {قل} أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت {فادرءوا} أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا {عن أنفسكم الموت} أي حتى لا يصل إليكم أصلاً {إن كنتم صادقين} أي في أن الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه. ولما أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر، فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام

من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه، كما أشار إليه قوله في البقرة {ولكن لا تشعرون} [البقرة: 153] فقال تعالى عاطفاً على قل محبباً في الجهاد، إزالة لما بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت: {ولا تحسبن الذين قتلوا} أي وقع لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها {في سبيل الله} أي الملك الأعظم، والله أعلم بمن يقتل في سبيله {أمواتاً} أي الآن {بل} هم {أحياء} وبين زيادة شرفهم معبراً عن تقربهم بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم في كل حال، فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله {يرزقون *} أي رزقاً يليق بحياتهم {فرحين بما آتاهم الله} أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير {من فضله} لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى، وبقيت لهم

حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره، فلا غفلة لهم، فكان ذلك مذهباً لحزن من خلفوه ومرغباً لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم، وهذا - والله سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة، أي أنهم ليست لهم حال غيبة، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلاً كذلك. ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال: {ويستبشرون} أي توجد لهم البشرى وجوداً عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا {بالذين لم يلحقوا بهم} أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم بين ذلك بقوله: {من خلفهم} أي في الدنيا. ثم يبن المبشر به فقال: {ألاّ خوف عليهم} أي على إخوانهم في آخرتهم {ولا هم يحزنون *} أي أصلاً، لأنه لا يفقد منه شيء، بل هم كل لحظة في زيادة، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك، لأن السبب واحد، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة. ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد مَنّ فقال: {يستبشرون بنعمة من الله} أي ذي الجلال والإكرام، كبيرة

{وفضل} أي منه عظيم {وأن الله} أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره {لا يضيع أجر المؤمنين *} أي منهم ومن غيرهم، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء. ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال: {الذين استجابوا} أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان {لله والرسول} أي لا لغرض مغنم ولا غيره، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان -: {من بعد ما أصابهم القرح} . ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى: {للذين أحسنوا} وعبر بما يصلح للبيان

والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال: {منهم واتقوا أجر عظيم *} وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا: إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، أو غزوة بدر الموعد، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله، وإلا فليس كذلك، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أُحد - بطلب العدو وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس، فأجابوا بالسمع والطاعة، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم، ولم يتخلف منهم أحد، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما

فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة. قال الواقدي: ودعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس، فدفعه إلى علي رضي الله عنه، ويقال: إلى أبي بكر رضي الله عنه، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأسه مشجوج وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد سقطت، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان بأبي هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، ثم ركع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتين، فدعا بفرسه على باب المسجد، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير، فإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال: يا طلحة سلاحك! قال: قلت: قريب، قال: فأخرج، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

مني بجراحي، ثم أقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على طلحة فقال: «أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسيالة، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذلك الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا!» ومضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد، قال جابر رضي الله عنه: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل ناراً، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح - قال الواقدي: جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية، عامة بني عبد الأشهل جريح، بل كلهم - رضي الله عنهم! فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يأمركم أن تطلبوا عدوكم، قال: يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: سمعاً وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه ولحق برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير، فلبسوا ولحقوا، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال: هذا منادي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمركم بطلب العدو، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحاً، وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحاً، وبقطبه بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببئر أبي عتبة إلى رأس الثنية عليهم السلاح، قد صفوا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال: «اللهم ارحم بني سلمة!» وحدث ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما جراح كثيرة،

فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه: والله إن تركنا غزوة مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لغَبنا والله ما عندنا دابة نركبها وما ندري كيف نصنع! قال عبد الله: انطلق بن، قال رافع: لا والله ما بي مشي! قال أخوه: انطلق بنا نتجارّ، فخرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند العشاء وهو يوقدون النيران، فأتى بهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال: «ما حبسكما؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخير وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم» وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن طريقه الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من

أصحابه رضي الله عنهم، وكان الخيل عشرة قال الواقدي: وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر أهل الموسم: يا محمد! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ليرفع ذلك إلى عدوه: ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا، فقال الضمري: بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك» .

173

ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة رضي الله عنهم صدقاً لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ عليه الخلائق، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس، كان التعبير - بصيغة في قوله: {الذين قال لهم الناس} أي نعيم أو ركب عبد القيس {إن الناس} يعني قريشاً {قد جمعوا لكم فاخشوهم} أمدح للصحابة رضي الله عنهم من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه.

ولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى: {فزادهم} أي هذا القول {إيماناً} لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله {وقالوا} ازدراء بالخلائق اعتماداً على الخالق {حسبنا} أي كافينا {الله} أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا. ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال: {ونعم الوكيل *} أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم. وقال: كان آخر كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» . ولما كان اعتمادهم على الله سبباً لفلاحهم قال {فانقلبوا} أي فكان ذلك سبباً لأنهم انقلبوا، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {بنعمة} وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال: {من الله} أي الذي له الكمال كله {وفضل}

أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه. عند ربهم حال كونهم {لم يمسسهم سوء} أي من العدو خوفوه ولا غيره {واتبعوا} أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغاية جهدهم {رضوان الله} أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله {والله} أي الذي لا كفوء له {ذو عظيم *} أي في الدارين على من يرضيه، فستنظرون فوق ما تؤملون، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيراً. ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم مَن كيده ضعيف وأمره هين خفيف واهٍ سخيف وهو الشيطان، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم

الشيطان فقال التفاتاً إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم: {إنما ذلكم} أي القائل الذي تقدم أنه الناس {الشيطان} أي الطريد البعيد المحترق. ولما نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور، كان كأنه قيل: فماذا عساه يصنع؟ فقال: {يخوف} أي يخوفكم {أولياءه} لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت. ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال: {فلا تخافوهم} أي لأن وليهم الشيطان {وخافون} أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبداً عن رسولي {إن كنتم مؤمنين *} أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان. ولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان،

أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم. ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد، ثم المقاتلين القائلين: هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود، ثم من استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين، وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبِين، ويقدح في رجاء قصر مدته، ويوجب الحزن على ذلك، قال تعالى قاصراً الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم {ولا يحزنك الذين يسارعون} أي يسرعون إسراع من يسابق خصماً {في الكفر} ثم علل ذلك بقوله: {إنهم لن يضروا الله} أي الذي له جميع العظمة {شيئاً} أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به، وحذف المضاف تفخيماً له وترغيباً فيه حيث جعله هو المضاف إليه. ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جواباً: {يريد الله} أي الذي له الأمر كله {ألاّ يجعل لهم حظاً} أي نصيباً {في الآخرة} ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله: {ولهم عذاب عظيم *} قد عم

جميع ذواتهم، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم. ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله: {إن الذين اشتروا الكفر} أي فأخذوه {بالإيمان} أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: {لن يضروا الله} أي الذي لا كفوء له {شيئاً} لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله، وختمها بقوله: {ولهم عذاب أليم *} لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد. ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سبباً للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا} أي بالله ورسوله {إنما نملي} أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا {لهم خير لأنفسهم} ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال: {إنما نملي لهم} أي استدراجاً {ليزدادوا إثماً} وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، فإذا بلغ النهاية أوجب

الأخذ. ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه وتعالى: {ولهم عذاب مهين *} .

179

ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض، وهو أعم مما بالرجوع، جاء نظم الآيات على ذاك؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها تمييز المخلص فعلاً أو قولاً من غيره، أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره فقال مشيراً بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلو درجته لديه وعظيم قربه منه سبحانه وتعالى: {ما كان الله} أي مع ما له من صفات الكمال. ولما كان ترك التمييز غير محمود، عبر بفعل الوذر، وأظهر موضع الإضمار لإظهار شرف الوصف تعظيماً لأهله فقال: {ليذر المؤمنين} أي الثابتين في وصف الإيمان {على ما أنتم عليه} من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من الذين آمنوا على حال الإشكال

للاقتناع بدعوى اللسان دليلاً على الإيمان {حتى يميز الخبيث من الطيب} بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة وأحوال شيديدة، لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد، المخلصون في الاعتقاد {وما كان الله} لاختصاصه بعلم الغيب {ليطلعكم على الغيب} أي وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على إخوانهم {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله {يجتبي} أي يختار اختياراً بليغاً {من رسله من يشاء} أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان، وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال: {فأمنوا بالله} أي في عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى {ورسله} في أنه أرسلهم وفي أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه. ولما كان التقدير: فإنكم إن لم تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم الأليم المهين، عطف عليه قوله: {وإن تؤمنوا} أي بالله

ورسله {وتتقوا} أي بالمداومة على الإيمان وما يقتضيه من العمل الصالح {فلكم أجر عظيم *} أي منه أنه لا يضركم كيد أعدائكم شيئاً كما تقدم وعدكم به. ولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر: أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك. وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال راداً الخطاب إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد: {ولا تحسبن} أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله: {الذين يبخلون} أي عن الحقوق الشرعية {بما آتاهم الله} أي بجلاله وعز كماله {من فضله} أي لا لاستحاقهم له ببخلهم {هو خيراً لهم} أي لتثمير المال بذلك

{بل هو} أي البخل {شر لهم} لأنهم مع جعل الله البخل مَتلفة لأموالهم {سيطوقون} أي يفعل من يأمره بذلك كائناً من كان بغاية السهولة عليه {ما يخلوا به} أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقاً بأن يجعله شجاعاً أي حية عظيمة مهولة، تلزم الإنسان منهم، محيطة بعنقه، تضربه في جانبي وجهه {يوم القيامة} لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم فيه، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذاباً عليهم، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك! أنا كنزك! - ثم تلا هذه الآية» . ولما كان هذا طلباً منهم للإنفاق، وكان الطالب منا محتاجاً إلى ما يطلبه، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفاً على ما تقديره: لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم: {ولله} أي الذي له الكمال كله {ميراث السماوات والأرض} أي اللذين هذا مما فيهما، بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن

أملى لهم، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض، ويكون هو الوارث لذلك كله. ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى، وكان البخل من الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم بقوله: {والله} أي الملك الأعظم. ولما كان منصب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة في قراءتهما، وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق: {بما تعملون خبير *} . ولما كان العمل شاملاً لتصرفات الجوارح كلها من القلب واللسان وسائر الأركان قال - دالاًّ على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهدة البخل إلى حضيض القبح مريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه قياساً على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج -: {لقد سمع الله} أي الذي له جميع الكمال {قول الذين قالوا} أي من اليهود {إن الله} أي الملك الأعظم {فقير}

أي لطلبه القرض {ونحن أغنياء} لكونه يطلب منا، وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى إتمام ما نبه عليه قبل هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى الأساليب. ولما تشوفت النفوس إلى جزائهم على هذه العظيمة، وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه وتعالى مهدداً لهم مشيراً إلى أنه على غير ذلك: {سنكتب} أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه في الدنيا {ما قالوا} أي من هذا الكفر وأمثاله، والسين للتأكيد، ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث على التوبة قبل ختم رتب الشهادة، وسيأتي في الزخرف له مزيد بيان. ولما كان هذا اجتراء على الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيراً بإضافة المصدر إلى ضميرهم، وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد الناس تمرداً تمرناً على ارتكاب العظائم، وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقاً -: {وقتلهم الأنبياء}

أي الذي أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان دينهم، ولما لم يكن في قتلهم شبهة أصلاً يقال: {بغير حق} فهو أعظم ذمّاً مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله {ويقتلون الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 112] . ثم عطف على قوله {سنكتب} قوله: {ونقول} أي بما لنا من الجلال {ذوقوا} أي بما نمسكم به من المصائب في الدنيا والعقاب في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي كنتم تبخلون بها فلا تؤدون حقوقها {عذاب الحريق *} جزاء على ما أحرقتم به قلوب عبادنا، ثم بين السبب فيه بقوله: {ذلك} أي العذاب العظيم {بما قدمت أيديكم} أي من الكفر بقتلهم وبغيره {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {ليس بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد *} ولو لم يعذبكم لكان ترككم على صورة الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم. ولما كان القربان من جنس النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن نظم آية القربان هنا بقوله - رادّاً شبة لهم أخرى ومبيناً قتلهم الأنبياء: {الذين قالوا} تقاعداً عما يجب عليهم من المسارعة بالإيمان {إن الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {عهد إلينا} وقد كذبوا في ذلك {ألا نؤمن لرسول} أي كائن من كان

{حتى يأتينا بقربان} أي عظيم نقربه لله تعالى، فيكون متصفاً بأن {تأكله النار} عند تقريبه له وفي ذلك أعظم بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم {إن الله فقير} حيث طلب الصدقة - إلا التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من دينهم لاذي يتقربون إلى الله به، بل وادعوا أنه لا يصح دين بغيره. ولما افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله: {قل قد جاءكم رسل} فضلاً عن رسول. ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال {من قبلي} كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليه السلام {بالبينات} أي من المعجزات {وبالذي قلتم} أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما في الصحيح - لأحد كان قبلنا، فلم تحل لعيسى عليه السلام فلم تكن مما نسخه من أحكام التوراة، وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع فيها غلول {فلم قتلتموهم} أي

قتَلَهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك فشاركتموهم فيه {إن كنتم صادقين *} أي في أنكم تؤمنون لمن أتاكم على الوجه الذي ذكرتموه، وفي ذلك رد على الفريقين: اليهود المدعين أنهم قتلوه الزاعمين أنه عهد إليهم في الإيمان بمن أتاهم بذلك، والنصارى المسلمين لما ادعى اليهود من قتله المستلزم لكونه ليس بإله.

184

ولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم الذي جعلوه قراطيس، يبدونها ويخفون كثيراً، وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ما يقتضي تصديقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان سبحانه عالماً بأن أكثرهم يعاندون سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله: {فإن كذبوك} فكان كأنه قيل: هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك، فإن لم يفعلوا بل كذبوا {فقد} ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء

والكفر وعدم الوفاء وكانت السورة سورة التوحيد، والرسل متفقون عليه، وقد أتى كل منهم فيه بأنهى البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربما دلت على نوع ضعف فقال: {كذب رسل} ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه في الزمان أشد أثبث الجار فقال {من قبلك} أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة {جآءو بالبينات} أي من المعجزات {والزبر} أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم الزواجر والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي {والكتاب المنير} أي الجامع للأحكام وغيرها. الموضح لأنه الصراط المستقيم. ولما تقدم في قصة أحد رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ظفر الكافرين، وعاب سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا بد منه، وإلى ذلك أشار بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} [آل عمران: 154] {ولئن قتلتم في سبيل الله} [آل عمران: 157] {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت} [آل عمران: 168] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} [آل عمران: 169] وغير ذلك مما

بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب امتداد العمر، مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل، فكان ذلك محققاً لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام، مضموماً إلى ما نشاهد من ذلك في كل لحظة؛ صوَّر ذلك الموت بعد أن صار مستحضراً للعيان تصويراً أوجب التصريح به إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو في شك منه فقال تعالى: {كل نفس} أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار {ذآئقة الموت} أي وهو المعنى الذي يبطل معه تصرف الروح في البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيّاَ حساساً، ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار، وهو عبد محتاج، فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ومحمد عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكان نظمها بعد الآيات المقتضية لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس بظلام للعبيد شديد الحسن، وذلك مناسب أيضاً لختم الآية بالتصريح

لتوفية الأجور يوم الدين، وأن الزحزحة عن النار ودخول الجنة لهو الفوز، لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما كان سبباً لامتداد العمر وسعة المال بقوله: {وإنما توفون} أي تعطون {أجوركم} على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر {يوم القيامة} وأما ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء {فمن زحزح} أي أبعد في ذلك اليوم إبعاداً عظيماً سريعاً {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي بالحياة الدائمة والنعيم الباقي. والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت، فتوفى أنت أجرك على صبرك على أذاهم، وكذا من أطاعك، ويجازون هم على ما فرطوا في حقك فيقذفون في غمرة النار، وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة وغيرها من التوسع العاجل، أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا، وذلك ترهيباً من الالتفات إلى تعجل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر رضي الله عنه في أول إسلامه: وجدت بضاعة بنسيئة، ما وقعت على بضاعة قط أنفس منها، وهي لا إله إلا الله. فالحاصل أن «كل نفس» أي حذرة من الموت ومستسلمة {ذائقة الموت} أي فعلام الاحتراس منه بقعود عن الغزو أو هرب من العدو! {وإنما توفون أجوركم} أي يا أهل الإسلام التي وعدتموها على الأعمال الصالحة

{يوم القيامة} أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في الحياة الدنيا {فمن} أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من {زحزح عن النار} أي بكونه وفي أجره ولم يتعجل طيباته {وأدخل الجنة} أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة الدائمة مع الطيبات الباقية {فقد فاز} أي كل الفوز، ولما صح أنه لا فوز إلا ذلك صح قوله: {وما الحياة الدنيا} أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن الشهداء {إلا متاع الغرور *} أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها. وفي ذلك أيضاً مناسبة من وجه آخر، وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل - الذين لازموا الصبر والاجتهاد في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم. وتركوا ما كان بأيديهم عاجزين عن المدافعة، ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى، وأن الفريقين ينتظرون الجزاء، فالرسل لتمام الفوز، والكفار لتمام الهلاك؛ أخبر أن كل نفس كذلك، ليجتهد الطائع ويقتصر العاصي، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء: {لو أطاعونا ما قتلوا} أي إن الذي فررتم

منه لا بد منه، والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به، فالسعيد من سعى في أن يكون موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه. ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تكذيبهم لما بما لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه، فيفوز من كان من أهل حزبه، ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه؛ أعاد التسلية على وجه يشمل المؤمنين، وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكداً لأن الواقف في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء، هذا طبع البشر وإن تطبّع بخلافه، وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه، وأفاد بناؤه للمفعول أن المنكى البلاء لا كونه من جهة معينة -: {لتبلون} أي تعاملون معاملة المختبر لتبيين المؤمن من المنافق {في أموالكم} أي بأنواع الإنفاق {وأنفسكم} أي بالإصابة في الجهاد وغيره، فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي، وكان إيلاء ذلك للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل

الفوز مناسباً من حيث الترغيب في كل ما يكون سبباً لذلك من الصبر على ما يبتلي به سبحانه وتعالى من كل ما يأمر به من التكاليف، أو يأذن فيه من المصائب، وقدم المال لأنه - كما قيل - عديل الروح، وربما هان على الإنسان الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده من أفعال المكارم، وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها القتل بسبب الإقبال على المال، وكان ذكرها تعليلاً لبغضة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار. ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص، وكان ربما أطمع في العافية بعده، فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله، وليس ذلك من أخلاق المشمرين أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار من الأثقال والآصار، فأخبر أن البلاء لم ينقص به، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار، ورغب في شعار المتقين: الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد، وبناها عليه معلماً أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال: {ولتسمعن} أي بعد هذا اليوم {من الذين} ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول

قوله: {أوتوا الكتاب} ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال: {من قبلكم} أي من اليهود والنصارى {ومن الذين أشركوا} أي من الأميين {أذى كثيراً} أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها {وإن تصبروا} أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره {وتتقوا} أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتماداً على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف {فإن ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {من عزم الأمور *} أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها، ولا يتردد فيه، ولا يعوق عنه عائق، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلاً عليه من قوله: {قد بدت البغضاء من أفواههم} [آل عمران: 118] إلى أن ختم بقوله: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} [آل عمران: 120] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور. ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق، ثم أخبر بقوله: {قد جائكم رسل من قبلي} [آل عمران: 183] {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] أن النبيين وفوا بالعهد، وأن كثيراً من أتباعهم خان؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على

مضمون الآية التي قبلها، وكأنه قيل: فاذكروا قولي لكم {لتبلون} واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه {و} اذكروا {إذ أخذ الله} الذي لا عظيم إلا هو {ميثاق الذين} . ولما كانت الخيانة من العالم أشنع، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم كافياً في ذلك بنى للمجهول قوله: {أوتوا الكتاب} أي في البيان، فخافوا فما آذوا إلا أنفسهم، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم اشد وإليه أسرع، أو يكون التقدير: واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم، واصبروا لتفوزوا، واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار. هذا ما كان ظهر لي أولاً، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه وخوّف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها

دليلاً عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه؛ عطف على «إذا» المقدرة لعطف {وإذا غدوت} [آل عمران: 121] عليها - قوله: {وإذا أخذ الله} أي اذكروا ذلك يدلكم على عداوتهم، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ {ميثاق الذين أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله: {ليبيننه} أي الكتاب {للناس ولا يكتمونه} أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به {فنبذوه} أي الميثاق بنبذ الكتاب {ورآء ظهورهم} حسداً لكم وبغضاً، وهو تمثيل لتركهم العمل به، لأن من ترك شيئاً وراءه نسيه {واشتروا به} ولما كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلاً على العكس مما بذلوه على أنه ثمن، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله: {ثمناً} وزاد في بيان سفههم بقوله: {قليلاً} أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم {فبئس ما يشترون *} أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار

الباقية، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاماً بلجاجهم فيه، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج. ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم، فهم أهل الاقتداء بهم؛ قال سبحانه وتعالى مخبراً عن مآلهم تحذيراً من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء: {لا تحسبن} على قراءة الجماعة بالغيب {الذين يفرحون بما آتوا} أي مما يخالف ظاهره باطنه. وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك، أي لا يحسبن أنفسهم، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير {ويحبون أن يحمدوا} أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم {بما لم يفعلوا} أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه، قال ابن هشام في السيرة: أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يتحملوهم على هدى ولا حق. ولما تسبب عن ذلك العلمُ بهلاكهم قال: {فلا تحسبنهم} أي تحسبن أنفسهم، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء

وعلى قراءة الجماعة المعنى: لا تحسبنهم أيها الناظر {بمفازة من العذاب} بل هم بمهلكة منه {ولهم عذاب أليم *} .

189

ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال من فاعل «يحسب» فقال تعالى: {ولله} أي الذي له جميع صفات الكمال وحده {ملك السماوات والأرض} أي لا يقع في فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم، وله جميع ما يمكنهم الانحياز إليه، وله ما لا تبلغه قُدَرُهم من ملك الخافقين فهو بكل شيء محيط {والله} أي الذي له جميع العظمة {على كل شيء قدير *} وهو شامل القدرة، فمن كان في ملكه كان في قبضته، ومن كان في قبضته كان عاجزاً عن التفصي عما يريد به، لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا هو - كما افتتح به السورة. ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب، لأن المقصود الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم، وذلك هو اتباع الملة الحنيفية، وهو متوقف على صدق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه - مع الإعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي -

للشبهات وبيانه للخفيات، وأظهر مكابرة أهل الكتاب، وفضحهم أتم فضيحة، فلما تم ذلك على أحسن وجه منظماً ببدائع الحكم من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوار المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال: {إن في خلق السماوات والأرض} أي على كبرهما وما فيهما من المنافع، ونبه على التغير الدال على المغير بقوله: {واختلاف الليل والنهار} أي اختلافاً هو - كما ترون - على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز العليم {لآيات} أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله: {لأولي الألباب *} وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة. فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع، وختم تلك بما هو لأول السلوك: العقل، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين.

ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد بعقله فقال: {الذين يذكرون الله} أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك، وله جميع أوصاف الكمال. ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر، عبر عنه لهذا التفصيل نفياً لاحتمال التجوز ودفعاً لدعوى العذر فقال: {قياماً وقعوداً} ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال: {وعلى جنوبهم} أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم، فهم في غاية المراقبة. ولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب وقهرهما وضعف داعية الهوى، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال: {ويتفكرون} أي على الأحوال. ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس، وكانت آيات الآفاق أعظم {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] . قال: {في خلق السماوات والأرض} على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام

مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار داراً يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور، فيقولون تضرعاً إليه وإقبالاً عليه: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {ما خلقت هذا} أي الخلق العظيم المحكم {باطلاً} أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها على ما شرعت القضايا، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى، يكون فيها محض العدل، ويظهر فيها الفصل. ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصاً ظاهراً وخللاً بيناً نزهوه عنه فقالوا: {سبحانك} وفي ذلك تعليم العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفتة زاد خوفه فزاد تضرعه، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره، ولولا أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثاً، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضي تيقنهم أن أمامنا داراً يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم

رغبة في الخلاص في تلك الدار: {فقنا عذاب النار *} على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محبّي المحمدة بالباطل، والنار المحذر منها في {فمن زحزح عن النار} [آل عمران: 185] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من العذاب ليكون موضع السؤال أعظم، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطاراً للإجابة: {ربنآ} وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاماًَ بأن حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثاً لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا: {إنك من تدخل النار} أي للعذاب {فقد أخزيته} أي أذللته وأهنته إهانة عظيمة بكونه ظالماً. وختمها بقوله: {وما للظالمين من أنصار *} الحاسم لطمع من يظن منهم أنه بمفازة من العذاب، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم. ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم {ربنآ} ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر الله حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن؛ اقتضى

المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء: {إننا} فأظهروا النون إبلاغاً في التأكيد {سمعنا منادياً} أي من قبلك، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيداً بعد الإطلاق بقوله: {ينادي} قال محمد بن كعب القرظي: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى «إلى» عبر بها فقيل: {للإيمان} ثم فسروه تفخيماً له بقولهم: {أن آمنوا بربكم} ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم: {فآمنا} أي عقب السماع. ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحاً بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كان جابّاً له في ظاهر الشرع، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة، وإليه الإشارة بقولهم: {وكفر عنا سيآتنا} أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر {وتوفنا مع الأبرار *} أي ليس لنا سيئات. ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك، فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقناً لهم مكرراً صفة الإحسان تنبيهاً على مزيد الابتهال والتضرع

والتخضع والتخشع: {ربنا وآتنا ما وعدتنا} ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال: {على رسلك} أي من إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات} [البقرة: 25] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القوة لديه {ولا تخزنا يوم القيامة} أي بالمؤاخذة بالسيئاتن ثم أرشدهم إلى الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولاً من أنه لا يجب عليه شيء بقوله باسطاً لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة: {إنك لا تخلف الميعاد} . ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال: {فاستجاب} أي فأوجد الإجابة حتماً {لهم} قال الأصفهاني: وعن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات «ربنا» أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية. وأشار إلى أنها من

منّه وفضله بقوله: {ربهم} أي المحسن إليهم المتفضل عليهم {إني لا أضيع عمل عامل منكم} كائناً من كان {من ذكر أو أنثى} وقوله معللاً: {بعضكم من بعض} التفات إلى قوله سبحانه {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل عمران: 59] الناظر إلى قوله {ذرية بعضها من بعض} [آل عمران: 34] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى {اصطفى آدم ونوحاً} [آل عمران: 33] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلاً، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل. ولما أقر أعينهم بألإجابة، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموماً في قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 170-171] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الوعد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً: {فالذين هاجروا} أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة وأعز البلاد عليهم. ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره نبه عليه بقوله: {وأخرجوا من ديارهم} أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن

باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله: {وأوذوا} أي بغير ذلك من أنواع الأذى {في سبيلي} أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إليّ فيه، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه {وقاتلوا} أي في سبيلي. ولما كان القتل نفسه هو المكروه، لا بالنسبة إلى معين؛ كان المدح على اقتحام موجباته، فبنى للمفعول قوله: {وقتلوا} أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح عن منازل أشباحهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام، لأن من استقتل أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد أمامه، فكأنه قيل: وأرادوا القتل، هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع فيكون المعنى: وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل {لأكفرن عنهم سيئاتهم} كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره

وإن اجتهد {ولأدخلنهم} أي بفضلي {جنات تجري من تحتها الأنهار} كما سبق به الوعد {ثواباً} وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه، وعظمه بقوله: {من عند الله} أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه {والله} أي الذي له الجلال والإكرام، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال: {عنده} أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة {حسن الثواب *} أي وهو ما لا شائبة كدر فيه، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره.

196

ولما كانت هذه المواعدة آجلة، وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل السعة ربما أثر في بعض النفوس أثراً يقدح في الإيمان بالغيب الذي هو شرط قبول الإيمان؛ داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد بأنهم سيغلبون، وأن أموالهم إنما هي صورة، لا حقائق لها، عطفاً لآخرها على أولها، وتأكيداً لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطباً لأشرف عباده، والمراد من

يمكن ذلك عادة فيه، لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع - {لا يغرنك تقلب} أي لا تغترر بتصرف {الذين كفروا} تصرف من يقلب الأمور بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة القلب في البدن {في البلاد *} فإن تقلبهم {متاع قليل} أي لا يعبأ به ذو همة علية، وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم - وإن فرض أنه طال زمانه وعلا شأنه - تافه لزواله ثم عاقبته، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها، فقال: {ثم مأواهم} أي بعد التراخي إن قدر {جهنم} أي الكريهة المنظر الشديدة الأهوال، العظيمة الأوجال، لا مهاد لهم غيرها {وبئس المهاد *} أي الفراش الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء. ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان. وكانت تلك الشروط قد لا توجد، ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب للإسعاد، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى: {قل أأنبئكم بخير من ذلكم} [آل عمران: 15] فقال تعالى: {لكن الذين اتقوا ربهم} أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكراً

لإحسانه وخوفاً من عظم شأنه {لهم جنات} وإلى جنات، ثم وصفها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} تعريفاً بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها. ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال: {خالدين فيها} ولما كان النزل ما يعد للضيف عند نزوله قال معظماً ما لمن يرضيه: {نزلا} ولما كان الشيء يشرف بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله: {من عند الله} مضيفاً إلى الاسم الأعظم، وأشار بجعل الجنات كلها نزلاً إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع على حقيقة وصفه، ولهذا قال معظماً - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - {وما عند الله} أي الملك الأعظم من النزل وغيره {خير للأبرار *} مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم.

199

ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظٌّ من الهجرة، فكانوا قسماً ثانياً من المهاجرين، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم

يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيراً إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً - ربما أيأس من إيمانهم؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم وغير الأسلوب عن أن يقال مثلاً: والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعاً في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال: {وإن من أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى {لمن يؤمن بالله} أي الذي حاز صفات الكمال، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله: {وما أنزل إليكم} أي من هذا القرآن {وما أنزل إليهم} أي كله، فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي، وإليه الإشارة بقوله جامعاً للنظر إلى معنى من تعظيماً لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان: {خاشعين لله} أي لأنه الملك الذي لا كفوء له، غير مستنكفين عن نزل المألوف {لا يشترون بآيات الله} أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال، الآمرة لهم بذلك {ثمناً قليلاً} بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريباً في وصف معظمهم، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها.

ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال: {أولئك} أي العظيمو الرتبة {لهم أجرهم} أي الذي يؤملونه ثم زادهم فيه رغبة تشريفة بقوله: {عند ربهم} أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم، كل ذلك تعظيماً له من حيث إن لهم الأجر مرتين. ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره، ولا يضيع شيئاً، ويجازي المسيء والمحسن، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب، وذلك سبب لطول الانتظار، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله: {إن الله} أي بما له من الجلال والعظمة والكمال {سريع الحساب *} ولما كثر في هذه الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب واستهانة عظائم الكروب، والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول والفروع انخلاعاًَ من المألوفات

إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات، وختم بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله تعالى منبهاً على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل لجميع الآداب: {يا أيها الذين آمنوا} أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة {اصبروا} أي أوقعوا الصبر تصديقاً لإيمانكم على كل ما ينبغي الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم إليه الزهراوان {وصابروا} أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار والمنافقين وسائر العصاة، فلا يكونن على باطلهم أصبر منكم على حقكم {ورابطوا} أي بأن تربطوا في الثغور خيلاً بإزاء ما لهم من الخيول إرهاباً لهم وحذراً منهم - هذا أصله، ثم صار الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب عن الدين ولو لم تكن خيول، بل وتطلق على المحافظة على الطاعات، ثم أمر بملاك ذلك كله فقال: {واتقوا الله} أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين له، مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته {لعلكم تفلحون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء، وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة الدعاء بالنصرة على الكافرين،

المختتم به البقرة {فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ومعاداة أعدائه، كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب: هذا القرآن المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل، كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكيناً من الله - والله عزيز ذو انتقام - ردّاً للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب. مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران، والكتاب الذي حدت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس بن قيس وأنظاره من الفرقة، وذه السورة من أواخر ما نزل، روى البخاري في فضائل القرآ، " عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تريه مصحفها، فقالت: لم؟ قال لعلي: أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ

غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل احلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا تدع الزنى أبدا، لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) [القمر: 46] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلأا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السورة انتهي. وقد عنت بهذا رضي الله عنعا أن القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان، ثم رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال، كما تشاهده من هذا الكتاب البديع البعيد المنال

النساء

ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها

من التوحيد، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادةً الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت «النساء» لذلك، ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد {بسم الله} الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف المقدور {الرحمن} الذي جعل الأرحام رحمة عامة {الرحيم *} الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة. لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحيم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعاً: العلم والشجاعة والعدل والعفة، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام، وكانت آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية {نزل عليك الكتاب بالحق} [آل عمران: 3] ، {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] ، {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18] {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} [آل عمران: 146] {فإذا عزمت فتوكل على الله} [

آل عمران: 159] {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} [آل عمران: 169] ، {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] ، {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} [آل عمران: 200] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جوراً عن سواء السبيل وضلالاً عن أقوم الدليل؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين، وما أحسن ابتداءها بعموم: {يا أيها الناس} بعد اختتام تلك بخصوص «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا» الآية. ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها، فكانت في غاية المشقة على النفوس، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال: {اتقوا ربكم} أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس. ابتدأ هذه ببيان

كيفية ابتداء الخلق حثاً على أساس التقوى من العفة والعدل فقال: {الذي} جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها ولا تضيعوها، وذلك أنه {خلقكم من نفس واحدة} هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكراً بعظيم قدرته ترهيباً للعاصي وترغيباَ للطائع توطئة للأمر بالإرث، وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعاً لسورتين: هذه وهي رابعة النصف الأول، والحج وهي رابعة النصف الثاني، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدإ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويراً لا مزيد عليه، فدل فيها على المبدإ والمعاد تنبيهاً على أنه محط الحكمة، ما خلق الوجود إلا لأجله، لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه، وربت ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية، وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السورة الماضية المجادلة في أمر عيسى، وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسلام، وكانت حقيقة حاله أنه ذكرٌ يولّد من أنثى فقط بلا واسطة ذكر؛

بين في هذه السورة بقوله - عطفاً على ما تقديره جواباً لمن كأنه قال: كيف كان ذلك؟ - إنشاء تلك النفس، أو تكون الجملة حالية - {وخلق منها زوجها} أي مثله في ذلك أيضاً كمثل حواء: أمه فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى فصار مثله كمثل كل من أبيه وأمه: آدم وحواء معاً عليهما الصلاة والسلام، وصار الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه - حاصراً للقسمة الرباعية العقلية التي لا مزيد عليها، وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى، بشر منهما، بشر من ذكر فقط، بشر من أنثى فقط؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق، وعبر عن غيرها بالجعل، لخلو السياق عن هذا الغرض، ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى عليه الصلاة والسلام {كذلك الله يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] ، وأيضاً فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى، فكان بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب وترتيب المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على أسبابها وإن لم يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم! . ولما ذكر تعالى الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية، ولما

كان الكل - المشار إليه بقوله تعالى عطفاً على ما تقديره: وبث لكم منه إليها: {وبث منهما} أي فرق ونشر من التوالد، ولما كان المبثوث قبل ذلك عدماً وهو الذي أوجده من العدم نكر لإفهام ذلك قوله: {رجالاً كثيراً ونساءً} من نفس واحدة؛ كان إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم، ووصف الرجال دونهن مع أنهن أكثر منهم إشارة إلى أن لهم عليهن درجة، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار. ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيراً إلى أنه جدير بذلك منهم لكونه ربهم، عطف على ذلك الأمر أمراً آخر مشيراً إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال: {واتقوا الله} أي عموماً لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصاً لما له إليكم من الإحسان والتربية، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سبباً لتربيتكم. ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال: {الذين تساءلون} أي يسأل بعضكم بعضاً {به} فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف،

ثم زاد المقصود إيضاحاً فقال: {والأرحام} أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها، فإنكم تقولون: ناشدتك بالله والرحم! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة. فقال مؤكداً لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين الله سبحانه: {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان عليكم} وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد {رقيباً *} وخفض حمزة «الأرحام» المقسم بها تعظيماً لها وتأكيداً للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما، والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفاً كما شرحته آية {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] ، وغيرها - أو كان قسماً، واتفق المسلمون على أن صلى الرحم واجبة، وأحقهم بالصلة الولد، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال. ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية، وكان

قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام، ثم ذكر في قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده؛ علم أنه له بد من وجود الأيتام في كل وقت، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال: {وآتوا اليتامى} أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم، وأصل اليتيم الانفراد {أموالهم} أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ - كما يأتي، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان. أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله بخصوصها في صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب! لما لا يخفى من أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ناصر لهم، وقد يكونون ذوي رحم. ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل للغافل على لزوم المأمور به فقال: {ولا تتبدلوا} أي تكلفوا أنفسكم أن تأخذوا على وجه البدلية {الخبيث} أي من الخباثة التي لا أخبث منها،

لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان، فتهدم - جميع أمره {بالطيب} أي الذي هو كل أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض، المعلية لقدر الإنسان؛ ثم بعد هذا النهي العام نوّه بالنهي عن نوع منه خاص، فقال معبراً بالأكل الذي كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب، فكيف إذا كان حراماً ومن مال ضعيف مع الغنى عنه: {ولا تأكلوا أموالهم} أي تنتفعوا بها أيّ انتفاع كان، مجموعة {إلى أموالكم} شرهاً وحرصاً وحباً في الزيادة من الدنيا التي علمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان في آل عمران، وعبر بإلى إشارة إلى تضمين الأكل معنى الضم تنبيهاً على أنها متى ضمت إلى مال الولي أكل منها فوقع في النهي، فحض بذلك على تركها محفوظة على حيالها؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي الأول {كان حوباً} أي إثماً وهلاكاً {كبيراً *} .

3

ولما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في التناسل من توسط النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى، وكانوا يلون أمور يتاماهم، وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن، فكان ربما أوقفهم هذا التحذير من أموالهم عن النكاح خوفاً من التقصير في

حق من حقوقهن أتبعه تعالى عطفاً على ما تقديره: فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح وغيره: {وإن خفتم} فعبر بأداة الشك حثاً على الورع {ألا تقسطوا} أي تعدلوا {في اليتامى} ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن {فانكحوا} . ولما كانت النساء ناقصات عقلاً وديناً، عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال: {ما} ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن للحل، حمل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاماً مخصوصاً بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا يؤدي - مع كونه تكراراً - إلى أن يكون الكلام مجملاً - لأن الحل لم يتقدم علمه، والحمل على العام المخصوص أولى، لأنه حجة في غير محل التخصيص، والمجمل ليس بحجة أصلاً - أفاده الإمام الرازي؛ فقال تعالى: {طاب} أي زال عنه حرج النهي السابق ولذّ، وأتبعه قيداً لا بد منه بقوله: {لكم} وصرح بما علم التزاماً فقال: {من النساء} أي من غيرهن {مثنى وثلاث ورباع} أي حال كون هذا المأذون في نكاحه موزَّعاً هكذا: ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً لكل واحد، وهذا الحكم عرف من العطف بالواو، ولو كان بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة،

ولم يفد التخيير المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع، وهذا دليل واضح على أن النساء أضعاف الرجال، وروى البخاري في التفسير «عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} [النساء: 3] ، فقالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد هذه الآية، فأنزل الله عز وجل {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127] قالت عائشة: وقول الله عز وجل في آية أخرى {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال» وفي رواية «

في النكاح» ، فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وهذا الخطاب للأحرار دون العبيد، لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له، بل لا بد من إذن السيد. ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسبباً عن الإذن في النكاح: {فإن خفتم ألا تعدلوا} أي في الجمع {فواحدة} أي فانكحوها، لأن الاقتصار عليها أقرب إلى العدل لأنه ليس معها من يقسم له فيجب العدل بينها وبينه ولما كان حسن العشرة المؤدي إلى العدل دائراً على اطراح النفس، وكان الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوّى بين العدد منهم إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل: {أو ما} أي انكحوا ما {ملكت أيمانكم} فإنه لا قسم بينهن، وذكر ملك اليمين يدل أيضاً على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار {ذلك} أي نكاح غير التيامى والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء {أدنى} أي أقرب إلى {ألا تعولوا *} أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم، أو تكثر عيالكم، أما عند الواحدة فواضح، وأما

عند الإماء فالبعزل، وعدم احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن، والبيع لمن أراد منهن، وأمرهن بالاكتساب، أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء، أو تأكلوا أموال التيامى؛ وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعنى المادة الذي مدارها عليه، لأن مادة «علا» - واوية بجميع تقاليبها الست: علو، عول، لوع، لعو، وعل، ولع؛ ويائية بتركيبيها: ليع، عيل تدور على الارتفاع، ويلزمه الزيادة والميل، فمن الارتفاع: العلو والوعل والولع، ومن الميل والزيادة: العول، وبقية المادة يائيةً وواويةً إما للإزالة، وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي بيانه؛ فعلا يعلو: ارتفع، والعالية: الفتاة القويمة - لأ، ها تكون أرفع مما ساواها وهو معوج، والعالية من محال الحجاز - لإشرافها على ما حولها، وكذا العوالي - لقرى بظاهر المدينة الشريفة - لأنها في المكان العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره، والمعلاة: كسب الشرف، ومقبرة مكة بالحجون - لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دونه، وفلان من علية الناس، أي أشرافهم، والعلية بالتشديد: الغرفة، وعلى

حرف الاستعلاء، وتعلت المرأة من نفاسها، أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال، والعلاوة: رأس الجبل وعنقه، وما يحمل على البعير بين العدلين، ومن كل شيء: ما زاد عليه، والمعلى: القدح السابع من الميسر - لأنه الغاية في القداح الفائزة، لأن القداح عشرة: السبعة الأولى منها فائزة، والثلاثة الأخيرة مهملة لا أنصباء لها، وعلوان الكتاب: عنوانه وارتفاعه على بقية الكتاب واضح، والعليان: الطويل والضخم، والناقة المشرفة، ومن الأصوات: الجهيرة، والعلاة: السندان، والعلياء: رأس كل جبل مشرف، والسماء، والمكان العالي، وكل ما علا من شيء، وعليك زيداً: الزمه - لأنه يلزم من ملازمته له العلو على أمره، وعلا النهار: ارتفع وعلا الدابة: ركبها وأعلى عنها: نزل - كأنه من الإزالة وكذا علَّى المتاع عن الدابة تعلية: أنزله، وأعليت عن الوسادة وعاليت: ارتفعت وتنحيت، ورجل عالي الكعب: شريف، وعلَّى الكتاب تعلية: عنونه كعلونه، وعالوا نعيه: أظهروه، والعلي: الشديد القوي، وعليون في السماء

السابعة، وأخذه علواً: عنوة، والتعالي: الاتفاع، إذا أمرت منه قلت: تعال - بفتح اللام، ولها: تعالي - بفتح اللام، - ولو كنت في موضع أسفل من موضع المأمور، لأنه يحتاج إلى تطاول مهما كان بينك وبينه مسافة، ولأن الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك، وتعلى: علا في مهلة، والمعتلي: الأسد؛ واللعو: السيء الخلق، والفسل، والشره الحريص، واللاعي: الذي يفزعه أدنى شيء، إما لأنه وصل إلى الغاية في السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق، وإما لأنه من باب الإزالة، أو التسمية بالضد، وذئبة لعوة وامرأة لعوة، أي حريصة، واللعوة: السواد بين حلمتي الثدي، إما لأن ذلك أعلاه، وإما لعلو لون السواد على لون الثدي، والألعاء: السلاميات، والسلامى عظم يكون في فرسن البعير،

وعظام الصغار في اليد والرجل، وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة والشدة والصلابة، وهي أعظم قوامه؛ واللاعية: شجيرة في سفح الجبل، لها نور أصفر، ولها لبن، وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك أطفاها، أي جعلها طافية أي عالية على وجه الماء، سميت بذلك إما من باب الإزلاة نظراً إلى محل بيتها، وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه طعمها وإما لفعلها هذا في السمك وتلعّى العسل: تعقّد وزناً ومعنى - إما من اللاعية لأنها كثيرة العقد، وإما من لازم العلو: القوة والشدة، ولعا لك - يقال عند العثرة، أي أنعشك الله؛ والعول: ارتفاع الحساب في الفرائض، والعول: الميل، وقدم تقدم أنه لازم للعلو، والعول: كل ما أمر غلبك، كأنه علا عنك فلم تقدر على نيله والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو، وقوت العيال - لأنه سبب علوهم، وعوّل عليه معولاً: اتكل

واعتمد، والاسم كعنب، وعيّل ككيس، وعال: جار والميزان: نقص أو زاد، فالزيادة من الارتفاع، والنقص من لازم الميل، وعالت الفريضة: ارتفعت أي زادت سهامها فدخل النقصان على أهل الفرائض، قال أبو عبيد: أظنه مأخوذاً من الميل، وعال أمرهم: اشتد وتفاقم، وعال فلان عولاً وعيالاً: كثر عياله، كأعول وأعيل، ورجل معيل ومعيّل ذو عيال، وأعال الرجل وأعول - إذا حرص، إما مما تقدم تخريجه، وإما لأنه لازم لذي العيال، وعال عليه: حمل، أي رفع عليه الحمول كعول، وفلان: حرص، والفرس، صوتت، وأعولت المرأة: رفعت صوتها بالبكاء، وعيل عوله: ثكلته أمه - لما يقع من صياحها، وعيل ما هو عائله: غلب ما هو غالبه، يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا وقد خرج عن أمثاله علواً، وقد يكون بسفول، فيكون من التسمية بالضد، والعالة: النعامة لأنها أطول الطير، وما له عال ولا مال: شيء ح لأن ذلك غاية في السفول إن كان عجزاً، وفي العلو إن كان زهداً، ويقال للعاثر: عالك عالياً. كقولهم: لعا لك، والمعول: حديدة تنفر بها الجبال - من القوة اللازمة للعلو، والعالة، شبه الظلة يستر بها

من المطر؛ واللوعة: حرقة توجد من الحزن أو الحب أو المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان، ولاعه الحب: أمرضه، وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشها - كأنها ولهى فزعاً، ولاع يلاع: جزع أو مرض ورجل هاع لاع: جبان جزوع، أو حريص، أو سيىء الخلق - لما علاه من هذه الأخلاق المنافية للعقل وغلبه منها، ولاعته الشمس: غيرت لونه واللاعة أيضاً: الحديدة الفؤاد الشهمة - لأنه يعلوا غيره، وامرأة لاعة: التي تغازلك ولا تمكنك - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب؛ والوعل: تيس الجبل، والشريف، والملجأ، والوعلة: الموضع المنيع من الجبل، أو صخرة مشرفة منه، وهم علينا وعل واحد: مجتمعون، وما لك عن ذلك وعل، أي بد - إنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه والوعل: اسم شوال - كأنه لما له من العلو بالعيد والحج، والوعل ككتف: اسم شعبان ح لما له من العلو بتوسطه بين رجب وشوال، والوعلة أيضاً: عروة القميص

والزير زره والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو، ووعال كغراب: حصن باليمن، والمستوعل - بفتح العين: حرز الوعل، ووعل كوعد: أشرف، وتوعلت الجبل: علوته؛ وأولع فلان بكذا، أو ولع بالكسر: استخف، أي صار عالياً عليه غالباً له إطاقته حمله، وولع بحقه: ذهب، وولع بالفتح - إذا كذب، إما للإزالة وإما لأنه استخفه الكذب فحمله، وولع والع - مبالغة، أي كذب عظيم والمولع: الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان، أو غلب تلك الألوان أصل لونه، وعبارة القاموس: والتوليع: استطالة البلق، يقال برذون وثور مولع - كمعظم، والوليع: الطلع ما دام في قيقائه، أي وعائه. وهو قشرة الطلع لعلوه، وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه، إما للإزالة، لإنه لما منعه كان كأنه أزال علوه، وإما لأنه علا عليه، وأولعه به، أي أغراه، أي حمله عليه؛ والعيلة: الحاجة، وعال يعيل - إذا افتقر، وذلك إما من الإزالة، أو لأن الحاجة علته، أو لأنها ميل، وعالني الشيء: أعجزني، وعيل صبري: قل وضعف أي علاه من الأمر ما أضعفه، وعلت الضالة: لم أدر أين أبغيها، والمعيل:

الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيداً أي يلتمس فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب، وعالني الشيء: أعوزني - إما أزال علوي، أو علا عني، وعال في مشيه: تمايل واختال وتبختر - لأنه لا يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل، وعال في الأرض: ذهب أي علا عليها مشياً، والذكر من الضباع عيلان، والعيل محركة: عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا يريده، فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو؛ وليعة الجوع - بالفتح: حرقته - كما تقدم في اللوعة، ولعت - بالكسر: ضجرت، كأنه من الإزالة، أو أن العلو للأمر المتضجر منه، والملياع - علاها، والملياع: التي تقدم الإبل سابقة ثم ترجع إليها، وريح لياع - بالكسر: شديدة، وقد وضح بذلك صحة ما فسر به إمامنا الشافعي صريحاً ومطابقة - كما تقدم، وشهد له العول في الحساب والسهام، وهو كثرتها، وظهر تحامل من

رد ذلك وقال: إنه لا يقال في كثرة العيال إلا: عال يعيل، وكم من عائب قولا صحيحاً! وكيف لا وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة، وقد وافقه غيره وشهد لقوله الحديث الصحيح؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه البيان: {ألا تعولوا} قال الشافعي: معناه أن لا تكثر عيالكم ومن تمونونه، وقيل: إن أكثر السلف قالوا: المعنى أن لا تجوروا، يقال: عال يعول - إذا جار وأعال يعيل - إذا كثر عياله؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال: معناه أن لا تكثر عيالكم، وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشهد لذلك، قال: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» انتهى. وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ «أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» وفي الباب أيضاً عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي وأبي أمامة رضي الله عنهم، وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عنه، قال: «ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه» أفاده شيخنا ابن حجر

في تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام: إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة، عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة، وأراد الميل لكون الكثرة، لا تنفك عنه، وقال ابن الزبير: لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه الصلاة والسلام من غير أب ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ذكر في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه كمثل آدم عليه الصلاة والسلام في عدم الافتقار إلى أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام، فكأن سائر الحيوان لا يتوقف إلا على أم فقط؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} إلى قوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} ثم أعلم تعالى كيفية النكاح المجعول سبباً في التناسل وما يتعلق به، وبين حكام الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه، فأعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين لنا ما ينكح

وما أبيح من العدد وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، فصل ذلك كله إلا الطلاق. لأن أحكامه تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا، وناسب هذا المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: {الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1] ، فافتتحها بالالتئام والوصلة ولهذا خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة إبقاء لذلك التواصل فلم يكن الطلاق ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر إلا إيماء {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 13] ولكثرة ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - تكرر كثيراً في هذه السورة الأمر بالاتقاء، وبه افتتحت {اتقوا ربكم} [النساء: 1] ، {واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام} [النساء: 1] ، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131] ، ثم حذروا من حال من صمم على الكفر وحال اليهود والنصارى والمنافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين، وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إلى الختم

بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى.

4

ولما حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء؛ كان ربما تعلق به من يبخل عن بعض الحقوق، لا سيما ما يستكثره من الصداق، فأتبعه ما ينفي ذلك، فقال - مخاطباً للأزواج، لأن السياق لهم، معبراً بما يصلح للدفع والالتزام المهيىء له: {وآتوا النساء} أي عامة من اليتامى وغيرهن {صدقاتهن} ، وقوله مؤكداً للإيتاء بمصدر من معناه: {نحلة} مؤيد لذلك، لأن معناها: عطية عن طيب نفس؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وأصله - أي النحل: إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا: معنى النحلة الديانة والملة والشرعة والمذهب، أي آتوهن ذلك ديانة. ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك فقال: {فإن طبن لكم} أي متجاوزات {عن شيء} ووحّد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات، ولم يقل: منها، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقاً كاملاً فقال: {منه} أي الصداق {نفساً} أي عن شهوة صادقة من غير إكراه

ولا خديعة {فكلوه} أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم {هنيئاً} أي سائغاً صالحاً لذيذاً في عافية بلا مشقة ولا مضرة {مريئاً *} أي جيد المغبة بهجا ساراً، لا تنغيص فيه، وربما كان التبعيض ندباً إلى التعفف عن قبول الكل، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم، وهذا الكلام يدل أيضاً على تخصيص الأحرار دون العبيد، لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئاً. قال الأصبهاني: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب نفسها، وعن الشعبي ان رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: {فإن طبن لكم} [النساء: 4] قال: لو طابت نفسها لما رجعت فيه؛ وعنه قال: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، لأنهن يخدعن.

ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم، ونهى عن أكل شيء منها تزهيداً في المال واستهانة به، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذراً من الظلم والحاجة نهى عن التبذير، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه «نعم المال الصالح للرجل الصالح» رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال - لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرين، ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى: {ولا تؤتوا} أيها الأزواج والأولياء {السفهاء} أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم {أموالكم} أي الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم، ولكم بها علقة بولاية أو غيرها، فإنه يجب عليكم حفظها {التي جعل الله} أي الذي له

الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة {لكم قياما} أي ملاكاً وعماداً تقوم بها أحوالكم، فيكون ذلك سبباً لضياعها، فضياعها سبب لضياعكم، فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة، في سببيته {وارزقوهم} متجرين {فيها} وعبر بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا تزال موضعاً للفضل، حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال {واكسوهم} أي فإن ذلك ليس من المنهيّ عنه، بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال {وقولوا لهم} أي مع ذلك {قولاً معروفاً *} أي في الشرع والعقل كالعدة الحسنة ونحوها، وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس مخالفاً للشرع فهو معروف، فإن ذلك ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع للشر؛ والحجر على السفيه مندرج في هذه الآية، لأن ترك الحجر عليه من الإيتاء المنهي عنه. ولما نهى عن ذلك البذل للسفهاء أيتاماً كانا أو غيرهم، بين أنه ليس دائماً بل ما دام السفه قائماً، فمست الحاجة إلى التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع، ولما كان السفه أمراً

باطناً لا يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال؛ بدأ سبحانه بتعليم ما يتوصلون به إلى معرفته فقال مصرحاً بالأيتام اهتماماً بأمرهم: {وابتلوا اليتامى} أي اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم {حتى إذا بلغوا النكاح} أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن {فإن آنستم} أي علمتم علماً أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه وتطيب أنفسكم به {منهم} أي عند بلوغه {رشداً} أي بذلك التصرف، ونكره لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه {فادفعوا إليهم أموالهم} أي لزوال الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير، وأضافها إليهم بعد إضافتها أولاً إلى المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها. ولما كان الإنسان مجبولاً على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط، لا سيما إن حصل له إذن ما؛ أدبه سبحانه بقوله: {ولا تأكلوها} أي بعلة استحقاقكم لذلك بالعمل فيها {إسرافاً} أي مسرفين بالخروج عن القصد في التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة {وبداراً} أي مبادرين {أن يكبروا} أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها، وكأنه عطف

بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في الأقوال «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» . ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة، أفصح به في قوله: {ومن كان} أي منكم أيها الأولياء {غنياً فليستعفف} أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة، فيعف عنه بما بسط الله له من رزقه {ومن كان فقيراً} وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبراً بالأكل لأنه معظم المقصود: {فليأكل بالمعروف} أي بقدر أجرة سعيه. ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار، أمر بالحزم - كما في الطبراني الأوسط عن أنس «احترسوا من الناس بسوء الظن» - فقال: {فإذا دفعتم إليهم} أي اليتامى {أموالهم} أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن حفظها {فأشهدوا عليهم}

أي احتياطاً لأن الأحوال تتبدل، والرشد يتفاوت، فالإشهاد أقطع للشر، وأنفع في كل أمر، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة، واحترز غاية الاحتراز. ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس، وكان الحب للشيء يعمي ويصم؛ ختم الآية بقوله: {وكفى بالله} أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازاً - كما إذا أمرنا بالفعل مثلاً {حسيباً *} أي محاسباً بليغاً في الحساب، فهو أبلغ تحذيراً لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير.

7

ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى أن ختم بهذه الآية، كان كأن سائلاً سأل: من أين تكون أموالهم؛ فبين ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى: {للرجال} أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، ويخصون الإرث بما عمر الديار، فنبه

سبحانه على أن العلة النطفة {نصيب} أي منهم معلوم {مما ترك الوالدان والأقربون} . ولما كانوا لا يورثون النساء قال: {وللنساء نصيب} ولقصد التصريح للتأكيد قال موضع «مما تركوا» : {مما ترك الوالدان والأقربون} مشيراً إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث، ثم زاد الأمر تأكيداً وتصريحاً بقوله إبدالاً مما قبله بتكرير العامل: {مما قل منه أو كثر} ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه، فقال مبيناً للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني: {نصيباً مفروضاً *} أي مقدراً واجباً مبيناً، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} أي ممن لا يرث صغاراً أو كباراً {واليتامى والمساكين} أي قرباء أو غرباء {فارزقوهم منه} أي المتروك،

وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد {وقولوا لهم} أي مع الإعطاء {قولاً معروفاً *} أي حسناً سائغاً في الشرع مقبولاً تطيب به نفوسهم.

9

ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى، وختم بالأمر بالإنة القول، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصوراً لحالهم مبيناً أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال: {وليخش} أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم {الذين} وذكر لهم حالاً هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال: {لو تركوا} أي شارفوا الترك بموت أو هرم، وصوّر حالهم وحققه بقوله: {من خلفهم} أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم {ذرية} أي أولاداً من ذكور أو إناث {ضعافاً} أي لصغر أو غيره {خافوا عليهم} أي جور الجائرين. ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم؛ أمر بما

يحفظهم على الصراط السوي بقوله: {فليتقوا} وعبر بالاسم الأعظم إرشاداً إلى استحضار جميع عظمته فقال: {الله} أي فليعدلوا في أمرهم ليقيِّض الله لهم من يعدل في ذريتهم، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم {وليقولوا} أي في ذلك وغيره {قولاً سديداً *} أي عدلاً قاصداً صواباً، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن. ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأساً فتضيع مصالحهم؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكداً لما كان قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم: {إن الذين} ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال: {يأكلون أموال اليتامى ظلماَ} أي أكلاً هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه، فهو كفعل من يمشي في الظلام، ثم أتبعه ما زاده تأكيداً بالتحذير في سياق الحصر فقال: {إنما يأكلون} أي في الحال وصور الأكل وحققه بقوله: {في بطونهم ناراً} أي

تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله - مكرراً التحذير مبيناً بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم: {وسيصلون} أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه {سعيراً *} أي عظيماً هو نهاية في العظمة، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له.

11

ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد، وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم، فاقتضت البلاغة بيان أصول جميع المواريث، وشفاء العليل بإيضاح أمرها، فقال - مستأنفاً في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكداً لما أمر به منها غاية التأكيد مشيراً إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته، والتحذير من الضلال في آخرها، ورغب فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه نصف العلم، وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة: {يوصيكم الله} أي بما له من

العظمة الكاملة والحكمة البالغة، وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم أشد فقال: {في أولادكم} أي إذا مات مورثهم. ولما كان هذا مجملاً كان بحيث يطلب تفسيره، فقال جواباً لذلك بادئاً بالأشرف بياناً لفضله بالتقديم وجعله أصلاً والتفضيل: {للذكر} أي منهم إذا كان معه شيء من الإناث، ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه {مثل حظ الأنثيين} أي نصيب من شأنه أن يغني ويسعد، وهو الثلثان، إذا انفردتا فللواحدة معه الثلث، فأثبت سبحانه للإناث حظاً تغليظاَ لهم من منعهن مطلقاً، ونقصهن عن نصيب الرجال تعريضاً بأنهم أصابوا في نفس الحكم بانزالهن عن درجة الرجال. ولما بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص، واشعر ذلك بأن لهن إرثاً في الجملة وعند الاجتماع مع الذكر، وفُهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه، لكنه غير مقصود، ولا سبق له النص - حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر، وهو أن لهما الثلثين، وكان ذلك أيضاً مفهماً لأن الواحدة غذا كان لها مع الأخ الثلث كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثمَّ ذكر من باب الأولى،

فاقتضى ذلك أنهن إذا كن ثلاثاً أو أكثر ليس معهم ذكر استغرقن التركة، وإن كانت واحدة ليس معها ذكر لم تزد على الثلث؛ بين أن الأمر ليس كذلك - كما تقدم - بقوله مبيناً إرثهن حال الانفراد: {فإن كن} أي الوارثات {نساء} أي إناثاً. ولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع، وهو اثنتان حقيقة أو مجازاً حقق ونفى هذا الاحتمال بقوله: {فوق اثنتين} أي لا ذكر معهن {فلهن ثلثا ما ترك} أي الميت، لا أزيد من الثلثين {وإن كانت} أي الوارثة {واحدة} أي منفردة، ليس معها غيرها {فلها النصف} أي فقط. ولما قدم الإيصاء بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغاراً، وكان الوالد أقرب الناس إلى الولد وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالاً به أتبعه حكمه فقال: {ولأبويه} أي الميت، ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد، ويكون سامعه إليه أشوق بقوله مبدلاً بتكرير العامل: {لكل واحد منهما} أي أبيه وأمه اللذين ثنيا بأبوين

{السدس مما ترك} ثم بين شرط ذلك فقال: {إن كان له} أي الميت {ولد} أي ذكر، فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضاً، والباقي بعد الفروض حق عصوبة. ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال: {فإن لم يكن له ولد} أي ذكر ولا أنثى {وورثه أبواه} أي فقط {فلأمه الثلث} أي وللأب الباقي لأن الفرض أنه لا وارث له غيرهما، ولما كان التقدير: هذا مع فقد الإخوة أيضاً، بني عليه قوله: {فإن كان له إخوة} أي اثنان فصاعدا ذكوراً أو لا، مع فقد الأولاد {فلأمه السدس} أي لأن الإخوة ينقصونها عن الثلث إليه، والباقي للأب، ولا شيء لهم، وأما الأخت الواحدة فإنها لا تنقصها إلى السدس سواء كانت وارثة أو لا، وكذا الأخ إذا كان واحداً، ثم بين أن هذا كله بعد إخراج الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي جمع المال فقال: {من بعد وصية يوصي بها} أي كما مندوب لكل ميت، وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثاً على أدائها، لأن أنفس الورثة تشح بها، لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض {أو دين} أي إن كان

عليه دين. ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم أنفع له، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه، وكان ما رآه خلاف الحق في الحال أو في المآل، وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ذلك، ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما» الحديث لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف شاء؛ قال تعالى حاثاً على لزوم ما حده مؤكداً بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن في اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله، وهي على وجوه لا تدرك عللها: {أبآؤكم وأبنآؤكم} أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ذكرنا {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي من غيره، لأنه لا إحاطة لكم في علم ولا قدرة، فلو وكل الأمر في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم مواضعها. ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكداً له بلفظ الوصية، وزاده تأكيداً بما جعله اعتراضاً بين الإيصاء وبين (فريضة) بين أنه على سبيل الحتم الذي من تركه عصى، فقال ذاكراً مصدراً

مأخوذاً من معنى الكلام: {فريضة من الله} أي الذي له الأمر كله، ثم زادهم حثاً على ذلك ورغبة فيه بقوله تعليلاً لفريضته عليهم مطلقاً وعلى هذا الوجه: {إن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان} ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت في وقت من الأوقات، لأنه لا يجري عليه زمان، ولا يحويه مكان، لأنه خالقهما {عليماً} أي بالعواقب {حكيماً *} أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب، فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة، وأخرى بلا واسطة، وهذا تارة يكون بنسب، وتارة بصهر ونسب، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه، وبدأ منه بالنسب لقوته، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به.

12

ولما كان الإرث بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده، وقدمه على الإرث بقرابة الأخوة تعريفاً بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة، وقدم منه الرجل لأنه أفضل فقال: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} وبين شرط هذا بقوله: {إن لم يكن لهن ولد} أي منكم أو من غيركم، ثم بين الحكم على التقدير الآخر فقال: {فإن كان لهن ولد} أي وارث وإن سفل سواء كان ابناً أو بنتاً {فلكم الربع مما تركن} أي

تركت كل واحدة منهن، ويغسلها الزوج لأن الله أضافها إليه باسم الزوجية، والأصل الحقيقة، ولا يضر حرمة جماعها بعد الموت وحلُّ نكاح أختها وأربع سواها، لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو الحياة، وذلك لا يمنع علقة النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل العدة لو كان الفراق بالطلاق، ثم كرر حكم الوصية اهتماماً بشأنها فقال: {من بعد وصية يوصين بها} أي الأزواج أو بعضهن، ولعله جمع إشارة إلى أن الوصية أمر عظيم ينبغي أن يكون مستحضراً في الذهن غير مغفول عنه عند أحد من الناس {أو دين} . ولما بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلماً أنه على النصف مما للزوج - كما مضى في الأولاد -: {ولهن} أي عدداً كن أو لا {الربع مما تركتم} أي يشتركن فيه على السواء إن كن عدداً، وتنفرد به الواحدة إن لم يكن غيرها، ثم بين شرطه بقوله: {إن لم يكن لكم ولد} ثم بين حكم القسم الآخر بقوله: {فإن كان لكم ولد} أي

وارث {فلهن الثمن مما تركتم} كما تقدم في الربع، ثم كرر الخروج عن حق الموروث فقال: {من بعد وصية توصون بها أو دين} . ولما فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل بواسطة، ولما كان قسمين، لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف، أمهم واحدة وآباؤهم شتى، وتارة من جهة الأب فقط وهم العلات، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان، وكانت قرابة الأخوة أضعف من قرابة البنوة؛ أكدها بما يقتضيه حالها، فجعلها في قصتين، ذكر إحداهما هنا إدخالاً لها في حكم الوصية المفروضة، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات الاهتمام. ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام بشأنها، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل، فقال تعالى: {وإن كان} أي وجد {رجل يورث} ي من ورث حال كونه {كلالة} أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد، أو يكون يورث من: أورث - بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك: لا هو ولد للميت ولا والد،

ووارثه أيضاً كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد، فالمورث كلالة وارثه، والوارث كلالة مورثة؛ قال الأصبهاني: رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، وهو بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة {أو} وجدت {امرأة} أي تورث كذلك، ويجوز أن يكون (يورث) صفة، و (كلالة) خبر كان {وله} خبر كان {وله} أي للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان. ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال {أخ أو أخت} أي من الأم - بإجماع المفسرين، وهي قراءة أبيّ وسعد بن مالك رضي الله عنهما {فلكل واحد منهما السدس} أي من تركته، من غير فضل للذكر على الأنثى. ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال: فله السدس - أنهما إن كانا معاً كان لهما الثلث، وكان ذلك قد يفهم أنه

إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله: {فإن كانوا} أي ما أفهمه (أخ أو أخت) من الوراث منهم {أكثر من ذلك} أي واحد، كيف كانوا {فهم شركاء} أي بالسوية {في الثلث} أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما، لا يزادون على ذلك شيئاً، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بياناً للاهتمام بها فقال: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} . ولما كان الميت قد يضار ورثته، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهراً أو باطناً كأن يقر بماله لأجنبي، أو بدين لا حقيقة له، أو بدين كان له بأنه استوفاه؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله: {غير مضار} مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} [النساء: 11] ؛ قال الأصبهاني: والإضرار في الوصية من الكبائر، ثم أكد ذلك بقوله مصدراً ليوصيكم: {وصية من الله} أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيماً للأمر باكتناف الوصية بأولها وأخرها، وهو دون الفريضة في حق الأولاد، لأن حقهم آكد. ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع، وكان ذلك خلاف مألوفهم

وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب والترهيب، فختم القصة بقوله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال، وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة، ثم قال: {عليم} أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل، نية أو غيرها {حليم *} فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بإمهاله، فإنه إذا أخذ بعد طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب للتوبة.

13

ولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال والنساء شديداً عليهم لمرونهم عليه بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه الترغيب والترهيب لئلا يغتر بوصف الحليم، فقال معظماً للأمر بأداة البعد ومشيراً إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره: {تلك} أي هذه الحدود الجليلة النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه السورة، بل من أول القرآن {حدود الله} أي الملك الأعظم، فمن راعاها - ولو لم يقصد

طاعته، بل رفعاً لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة الاستئثار على الضعيف المنبىء عن البخل وسفول الهمة - نال خيراً كبيراً، فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله {ومن يطع الله} الحائز لصفتي الجلال والإكرام {ورسوله} أي في جميع طاعاته هذه وغيرها، بالإقبال عليها وترك ما سواها لأجله سبحانه؛ قال الأصبهاني: «من» عام ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه. ولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر التفت إليه تعظيماً للأمر - على قراءة نافع وابن عامر بالنون - فقال: {ندخله جنات} أي بساتين، وقراءة الجماعة بالياء عظيمة أيضاً لبنائها على الاسم الأعظم وإن كانت هذه أشد تنشيطاً بلذة الالتفات {تجري من تحتها الأنهار} أي لأن أرضها معدن المياه، ففي أي موضع أردت جرى نهر. فهي لا تزال يانعة غضة، وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله: {خالدين فيها} تبشيراً بكثرة الواقف عند هذه الحدود، ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان.

ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم، بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من الآمال قال تعالى معظماً بأداة البعد: {وذلك} أي الأمر العالي المرتبة من الطاعة المندوب إليها {الفوز العظيم *} أي لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به الله، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنها مطيعة راشدة. ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه الترهيب فطماً لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال: {ومن يعص الله} أي الذي له العظمة كلها {ورسوله} أي في ذلك وغيره {ويتعد حدوده} أي التي حدها في هذه الأحكام وغيرها، وأفرد العاصي في النيران في قوله: {يدخله ناراً خالداً فيها} لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان، ولما كان منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله: {وله عذاب مهين *} . ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب، وتارة يكون بالزجر والعتاب، لأن مدار الشرائع على العدل والإنصاف، والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط

والتفريط، وختم سبحانه بإهانة العاصي إحساناً إليه بكفه عن الفساد، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد، وكان من أفحش العصيان الزنى، وكان الفساد في النساء أكثر، والفتنة بهن أكبر، والضرر منهن أخطر، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم من غير أولادهم؛ قدمهن فيه اهتماماً بزجرهن فقال: {واللاتي} وهو جمع «التي» ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك {مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] وإلى كثرة الفساد منهن {يأتين} أي يفعلن - من إطلاق السبب على المسبب، والتعبير به أبلغ {الفاحشة} أي الفعلة الشديدة الشناعة، وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث وما تقدمها الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث الولد الآتي منها إلى أن الولد للفراش، وأنه لا ينفي بالمظنة، بل بعد التحقق على ما في سورة النور، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه، وكونه من الزنى، قال ابو حيان في النهر: والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني من أنها المساحقة، ومن الرجال اللواط، ثم بين الموصول بقوله:

{من نسائكم} أي الحرائر {فاستشهدوا} أي فاطلبوا أن تشهدوا {عليهن أربعة} من الرجال. ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطاً يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم عليهم قال: {منكم} أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها {فإن شهدوا} أي بذلك {فأمسكوهن} أي فاحبسوهن {في البيوت} أي وامنعوهن من الخروج، فإن ذلك أصون لهن، وليستمر هذا المنع {حتى يتوفاهن الموت} أي يأتيهن وهن وافيات الأعراض {أو يجعل الله} المحيط علمه وحكمته {لهن سبيلاً *} اي للخروج قبل الموت بتبين الحد أو بالنكاح، وإن لم يشهد الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق الفعل.

16

ولما ذكر أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضاً فقال: {والّذان} وهو تثنية «الذي» وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من الأسماء المتمكنة {يأتيانها منكم} أي من بكر أو ثيب، أو رجل أو امرأة، ويثبت ذلك بشهادة الأربعة - كما تقدم {فآذوهما} وقد بين مجمل الأذى الصادق باللسان وغيره آية الجلد وسنة الرجم {فإن تابا} أي بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود {وأصحا}

أي بالاستمرار على ما عزما عليه، ومضت مدة علم فيها الصدق في ذلك {فأعرضوا عنهما} أي عن أذاهما، وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر حتى يحصل الاستبراء، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {كان تواباً} أي رجاعاً بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من المنزلة {رحيماً *} أي يخص من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له، فتخلقوا بفعله سبحانه وارحموا المذنبين إذا تابوا، ولا يكن أذاكم لهم إلا لله ليرجعوا، وليكن أكثر كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه الإلهية، ويؤيده أن المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه «قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» فالحديث مبين لما أجمل في الآية من ذكر السبيل. ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب، وكان

ذلك إنما هو في الشباب؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفاً بوقت التوبة وشرطها مرغباً في تعجيلها مرهباً من تأخيرها: {إنما التوبة} وهي رجوع العبد عن المعصية اعتذاراً إلى الله تعالى، والمراد هنا قبولها، سماه باسمها لأنها بدون القبول لا نفع لها، فكأنه لا حقيقة لها. ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها، لأنه لا يبدل القول لديه؛ عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثاً عليها وترغيباً فيها فقال: {على الله} أي الجامع بصفات الكمال {للذين يعملون السوء} أيَّ سوء كان من فسق أو كفر، وقال: {بجهالة} إشارة إلى شدة قبح العصيان، لا سيما الزنى من المشايخ، لإشعار السياق ترهيباً بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان رضي الله عنه «ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو» وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل

وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره بالفعل، وذلك ينبغي أن يكون مذهباً لداعية الجهل، ماحقاً لعرامة الشباب، سواء قلنا: إن المراد بالجهالة ضد الحلم، أو ضد العلم؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: قال أبو عبد الله - يعني القزاز: والجاهلية الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذاً من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم قال وأصل الجهل من قولهم: استجهلت الريح الغصن - إذا حركته، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى. فالمعنى حينئذ: يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة أخرجتهم عن الحق والعلم فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية الذين لا يعلمون، وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله: {ثم يتوبون} أي يجددون التوبة. ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار فقال: {من} أي من بعض زمان {قريب} أي من زمن المعصية وهم في فسحة من الأجل، وذلك كناية عن

عدم الإصرار إلى الموت، ولعله عبر بثم إشارة إلى بُعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية، لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها لا يخلص إلا بعد عسر، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله - مسبباً عن توبتهم واعداً أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء: {فأولئك} أي العظيمو الرتبة الصادقو الإيمان {يتوب الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليهم} أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل مواقعة الذنب {وكان الله} أي المحيط علماً وقدرة {عليماً} أي بالصادقين في التوبة والكاذبين وبنياتهم، فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه حالهم {حكيماً} فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها، فمهما فعله لم يمكن نقضه. ولما بين سبحانه المقبول أتبعه المطرود فقال: {وليست التوبة} أي قبولها {للذين يعملون السيئات} أي واحدة بعد أخرى مصرين عليها فسقة كانوا أو كفرة، غير راجعين من قريب، بل يمهلون {حتى إذا حضر} ولما كان تقديم المفعول - على وجه يجوّز كل سامع وقوعه عليه - أهول، لكونه يصير مرتقباً حال فاعله، خائفاً من عاقبته قال: {أحدهم الموت} أي بأن وصل إلى حد الغرغرة، وهي

حالة المعاينة {قال} أي بلسانه كفرعون، أو قلبه {إني تبت الآن} فبين أن ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة جداً بالتعبير بقريب {ولا الذين} أي وليست التوبة للذين {يموتون وهم كفار} حقيقة أو مجازاً، من غير أن يتوبوا، ولا عند الغرغرة، فسوى بين الفسق والكفر تنفيراً من الفسق لصعوبة النزع عنه بعد مواقعته، ولذلك جمعهما في العذاب بقوله - جواباً لمن كأنه قال: فما جزاء هذين الصنفين: {أولئك} أي البعداء من الرحمة، الذين لم يتوبوا إلا حال الغرغرة، والذين ماتوا مصرين {أعتدنا} أي هيأنا وأحضرنا {لهم عذاباً} ولما كان تأخير التوبة لذة نفسانية ختم بقوله: {أليماً *} أي نعذب به الكافرين ومن شئنا من عصاة المؤمنين، لأن توبتهم في تلك الحالة عدم، والميت من غير توبة من المؤمنين في المشيئة.

19

ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث، وختمه بهذا التهديد الهائل لمن فعل ما لا يحل له؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله، فهو زان مصر على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته، أو كافر

إن اعتقد حله، فقال مشيراً بتخصيص المؤمنين عقب {ولا الذين يموتون وهم كفار} [النساء: 18] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم، وإلا لقال: يا أيها الناس - مثلاً، منفراً من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان: {يا أيها الذين آمنوا} أي فوقف بهم الإيمان عند زواجرنا {لا يحل لكم أن ترثوا النساء} أي مالهن {كرهاً} أي كارهين لهن، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثاً - كما سيأتي في تفسير {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127] أو يكون الفعل واقعاً على نفس النساء، ويكون (كرهاً) على هذا حالاً مؤكدة، أي كارهات، أو ذوات كره، وذلك لأن الرجل كان إذا مات وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فيلقي ثوبه عليها، فيصير أحق بها من نفسها ومن غيرها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج، يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي

أبو قيس بن الأسلت، ففعل ابنه حصن هذا مع زوجة له، فشكت ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله هذه الآية، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال؛ «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} » ولهذا أتبعه سبحانه قوله: {ولا تعضلوهنَّ} أي تمنعوهن من التزوج بعد طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن، أوتشددوا عليهن بالمضارة وهن في حبائلكم؛ قال البيضاوي: وأصل العضل: التضييق، يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى. والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد، من عضلة الساق، وهي اللحمة التي في باطنه، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع، قال: وقال الخليل: كل لحمة اشتملت على عصبة - انتهى. وتارة يكون الاشتداد ناظراً إلى المنع، وتارة إلى الغلبة والضيق، ثم علل ذلك بقوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي أنتم إن كن أزواجاً لكم، أو مورثوكم إن كن أزواجاً لهم وعضلتموهن بعدهم، ليذهب ذلك بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل،

أو بسبب افتدائهن لأنفسهن به منكم، ثم استثنى من تحريم العضل في جميع الحالات فقال: {إلا أن} أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن {يأتين بفاحشة} أي فعلة زائدة القبح {مبينة} أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى فاعضلوهن بالإمساك في البيوت - كما مضى - لأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزاً وسوء عشرة، فلكم العضل حينئذ إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس، والأنسب لسياق الأمر في {وعاشروهن} أن يكون {تعضلوهن} منهياً، لا معطوفاً على «أن ترثوا» {بالمعروف} أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل الإتيان بالفاحشة {فإن} أي إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح، وإن {كرهتموهن} فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة، واصبروا عليهن نظراً لما هو الأصلح، لا لمجرد الميل النفسي، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله: {فعسى} ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جواباً للشرط {أن تكرهوا شيئاً} أي من الأزواج أو غيرها، لم يقيده سبحانه تعميماً تتميماً للفائدة {ويجعل الله} أي المحيط علماً وقدرة، وغيَّب بحكمته علمكم العواقب

لئلا تسكنوا إلى مألوف، أو تنفروا من مكروه {فيه خيراً كثيراً *} . ولما نهى عن العضل تسبباً إلى إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح بالنهي عن أخذ شيء منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال: {وإن} أي إن لم تعضلوا المرأة، بل {أردتم استبدال زوج} أي تنكحونها {مكان زوج} أي فارقتموها أو لا، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار. ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في قوله: {وآتيتم إحداهن} أي إحدى النساء اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلاً أو مستبدلاً بها {قنطاراً} أي مالاً جماً {فلا تأخذوا منه شيئاً} أي بالمضارة عن غير طيب نفس منها، ولا سبب مباح، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار وتوبيخ فقال: {أتأخذونه} أي على ذلك الوجه، ولما تقدم أن من صور الغصب على الافتداء حال الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه الحالة التي لا سبب لها بالأخذ في تلك الحالة، فجعل الأخذ على هذه الصورة قائماً

مقام القذف بما لا حقيقة له فلذلك قال: {بهتاناً وإثماً مبيناً *} أي كذوي بهتان في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة فيه، ثم غلظ ذلك باستفهام آخر كذلك فقال: {وكيف تأخذونه وقد} أي والحال أنه قد {أفضى} أي بالملامسة {بعضكم إلى بعض} أي فكدتم أن تصيروا جسداً واحداً {وأخذن} أي النساء {منكم} أي بالإفضاء والاتحاد {ميثاقاً غليظاً *} قوياً عظيماً، أي بتقوى الله في المعاشرة بالإحسان وعدم الإساءة، لأن مبنى النكاح على ذلك وإن لم يصرح به فيه.

22

ولما كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقاً مفهوماً، وكان قد تقدم الإذن في نكاح ما طاب من النساء، وكان الطيب شرعاً قد يحمل على الحل؛ مست الحاجة إلى ما يحل منهن لذلك وما يحرم فقال: {ولا تنكحوا} أي تتزوجوا وتجامعوا {ما نكح} أي بمجرد العقد في الحرة، وبالوطء في ملك اليمين {آبآؤكم} وبين {ما} بقوله: {من النساء} أي سواء كانت إماء أو لا، بنكاح أو ملك يمين، وعبر بما دون «من» لما في النساء غالباً من السفه المدني لما لا يعقل. ولما نهى عن ذلك فنزعت النفوس عما كان قد ألف بهاؤه

فلاح أنه في غاية القباحة وأن الميل إليه إنما هو شهوة بهيمية لا شيء فيها من عقل ولا مروة، وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه السؤال عما مضى منه - كما وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر؛ أتبعه الاستثناء من لازم الحكم وهو: فإنه موجب لمقت من ارتكبه وعقابه فقال: {إلا ما قد سلف} أي لكم من فعل ذلك في أيام الجاهلية كما قال الشافعي رحمه الله في الأم، قال السهيلي في روضه: وكان ذلك مباحاً في الجاهلية لشرع متقدم، ولم يكن من الحرمات التي انتهكوها. ثم علل النهي بقوله: {إنه} اي هذا النكاح {كان} أي الآن وما بعده كوناً راسخاً {فاحشة} أي والفاحشة لا يقدم عليها تام العقل {ومقتاً} أي أشر ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم من حرمة آبائكم {وساء سبيلاً *} أي قبح طريقاً طريقه. ولما ابتدأ بتعظيم الآباء واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم على العموم ثنى بخصوص الأم بقوله: {حرمت عليكم} ولما كان أعظم مقصود من النساء النكاح، فكان إضافة التحريم إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح في فهمه، وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل

على أن المراد النكاح؛ أسند التحريم إلى الذات تأكيداً للتحريم فقال: {أمهاتكم} أي التمتع بهن بنكاح أو ملك يمين، فكان تحريمها مذكوراً مرتين تأكيداً له وتغليظاً لأمره في نفسه واحتراماً للأب وتعظيماً لقدره {وبناتكم} أي وإن سفلن لما في ذلك من ضرار أمهاتهن، وهذان الصنفان لم يحللن في دين من الأديان {وأخواتكم} أي أشقاء أو لا {وعمّاتكم} كذلك {وخالاتكم} أيضاً، والضابط لهما أن كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك، وقد تكون من جهة الأم وهي أخت أبي أمك؛ وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك {وبنات الأخ} شقيقاً كان أو لا {وبنات الأخت} أي كذلك، وفروعهن وإن سفلن. ولما انقضى أمر النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية: أوله أزواج الآباء، أفردها وقدمها تعظيماً لحرمتها، لما كانوا استهانوا من ذلك، وآخره المحصنات، وبدأ من هذا القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب بالأم فقال: {وأمهاتكم اللاَّتي أرضعنكم} تنزيلاً له منزلة النسب، ولذلك سماها أمّاً، فكل أنثى انتسب باللبن

إليها فهي أمك، وهي من أرضعتك، أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلاً أرضعك بلبانه من زوجته أو أم ولده، وكل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلاً أرضعك فهي أمك من الرضاعة والمراضعة أختك، وزوج المرضعة الذي أرضعت هي بلبانه أبوك وأبواه جداك، وأخته عمتك، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده إخوة الأب، وأم المرضعة جدتك، وأختها خالتك، وكل من ولد لها من هذا الزوج إخوة لأب وأم، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، فعلى ذلك ينزل قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} كما في النسب بشرط أن يكون خمس رضعات وفي الحولين، وبتسمية المرضعة أمّاً والمشاركة في الرضاع أختاً عُلِم أن الرضاع كالنسب. كما بينه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فالصورتان منبهتان على بقية السبع؛ الأم منبهة على البنت بجامع الولادة، والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت بجامع الأخوة. ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال:

{وأمهات نسائكم} أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ذات البين غالباً {وربائبكم} وذكر سبب الحرمة فقال: {اللاَّتي في حجوركم} أي بالفعل أو بالقوة - لما فيهن من شبه الأولاد {من نسائكم} ولما كانت الإضافة تسوغ في اللغة بأدنى ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه بالدخول لأنه ممكن لحكم الأزواج الذي يصير به أولادها كأولاده فقال: {اللاَّتي دخلتم بهن} قيد بالدخول لأن غيرة الأم من ابنتها دون غيرة البنت من أمها. ولما أشعر هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيهاً على عظيم حرمة الإرضاع فقال: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن} أي الأمهات {فلا جناح عليكم} أي في نكاحهن؛ ولما افتتح المحرمات على التأبيد بزوجة الأب ختمها بزوجة الولد فقال: {وحلائل أبنائكم} أي زوجة كانت أو موطوءة بملك يمين؛ ولما لم يكن المتبنى مراداً قيد بقوله: {الذين من أصلابكم} أي وإن سفلوا، ودخل ما بالرضاع لأنه كلحمة النسب فلم يخرجه القيد. ولما انقضى التحريم المؤبد أتبعه الموقت فقال: {وأن} أي وحرم عليكم أن {تجمعوا} بعقد نكاح لأن مقصوده الوطء،

أو بوطء في ملك يمين {بين الأختين} فإن كانت إحداهما منكوحة والأخرى مملوكة حلت المنكوحة وحرمت المملوكة ما دام الحل، لأن النكاح أقوى، فإذا زال الحل حلت الأخرة ولو في عدة التي كانت حلالاً. ولما كان الجمع بين الأختين شرعاً قديماً قال: {إلا ما قد سلف} أي فإنه لا إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم، ثم علل رفع حرجه فقال: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {كان غفوراً} أي ساتراً لما يريد من أعيان الزلل وآثاره {رحيماً *} أي معاملاً بغاية الإكرام الذي ترضاه الإلهية.

24

ولما ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة الإغارة على الحق والأول جمع بين المنكوحين وهذا جمع بين الناكحين فقال - عاطفاً على النائب عن فاعل {حرمت} :

{والمحصنات} أي الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن غير الأزواج {من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي من أزواج أهل الحرب، فإن الملك بالأسر يقطع النكاح. ولما أتم ذلك قال مؤكداً له ومبيناً عظمته: {كتاب الله} أي خذوا فرض الملك الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه منه، والزموه غير ملتفتين إلى غيره، وزاد في تأكيده بأداة الوجوب فقال: {عليكم} ولما أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطاً للإيضاح وتعظيماً لحرمتها في قوله: {وأحل لكم} وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: {ما وراء ذلكم} أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة. ولما كان الكلام في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال؛ «حرمت» - ترفقاً في الخطاب حثاً على الآداب، فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييباً للقلوب وتأنيساً للنفوس في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بفتح الهمزة والحاء، وأبهمه في قراءة الباقين على نسق {حرمت} لأن فاعل الحل والحرمة عند أهل هذا الكتاب معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه أصلاً، ثم أتبع التحليل علته فقال: {أن} أي إرادة أن {تبتغوا} أي تطلبوا متبعين من شئتم مما أحل لكم {بأموالكم} اللاتي تدفعونها مهوراً

حال كونكم {محصنين} أي قاصدين بذلك العفة لأنفسكم ولهن {غير مسافحين} أي قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء الدافق لذلك فقط، وهو على هذا الوجه لا يكون إلا زنًى سراً وجهراً، فيكون فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك الدين، ولا مفسدة أعظم مما يجمع هذين الخسرانين. ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن أخذ شيء مما دفع إلى المرأة، وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله، مسمى أو لا قال هنا مسبباً عن الابتغاء المذكور: {فما استمتعتم} أي أوجدتم المتاع وهو الانتفاع {به منهن} بالبناء بها، متطلبين لذلك من وجوهه الصحيحة راغبين فيه {فآتوهن أجورهن} أي عليه كاملة، وهي المهور {فريضة} أي حال كونها واجبة من الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم، ويجوز كونه تأكيداً لآتوا بمصدر من معناه {ولا جناح} أي حرج وميل {عليكم فيما تراضيتم به} أي أنتم والأزواج {من بعد الفريضة} أي من طلاق أو فراق أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة مقدرة، أو من مهر المثل من بعد تقديره إن لم تكن مسماة فيمن عقد عليها من غير تسمية صداق. ولما ذكر في هذه الآيات أنواعاً من التكاليف هي في غاية الحكمة، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى وكان الرضى أمراً باطناً لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى،

حث على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغباً في امتثال أوامره ونواهيه: {إن الله} أي الذي له الإحاطة التامة علماً وقدرة {كان عليماً} أي بمن يقدم متحرياً لرضى صاحبه أو غير متحرٍّ لذلك {حكيماَ *} أي يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره.

25

ولما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه الأحكم في النكاح، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء؛ فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا حكم من استطاع نكاح حرة: {ومن لم يستطع منكم} أي أيها المؤمنون {طولاً} أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهويناً لبذله بأنه ميال، لا ثبات له، وهنا بالطول الذي معناه: التي قل من يجدها {أن} أي لأن {ينكح المحصنات} أي الحرائر، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن على مريد الفساد، لأن العرب كانوا يصونونهنَّ وهنَّ أنفسهن عن أن يكن كالإماء {المؤمنات} بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر {فمن} أي فلينكح إن أراد من {ما ملكت أيمانكم} أي مما ملك غيركم من المؤمنين {من فتياتكم} أي إمائكم، وأطلقت الفتوة -

وهي الشباب - على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخاً، ثم وضح المراد بالإضافة فقال: {المؤمنات} أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك الكفار حذراً من مخالطة كافرة خوفاً من الفتنة - كما مضى في البقرة، ولئلا يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكاً لكافر، هذا ما تفهمه العبارة ولكنهم قالوا: إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له، وإلا لصار نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطاً بعقد مسلمة، حرة كانت أو أمة، ولم يشترط ذلك؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على حرة كتابية، والظاهر أن فائدة التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح منهن إلا لضرورة، فكأن هذه سورة المواصلة، أسقط فيها أهل المباعدة، والمائدة سورة تمام الدين، فذكر فيها ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد، لأن المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ما فيه من فائدة الندب إلى الترك، وهذا كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى عدم نكاح الزواني مع جوازه بآية النور {وانكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.

ولما شرط في هذا النكاح الإيمان، وعبر فيه بالوصف، وكان أمراً قلبياً، لا يطلع على حقيقته إلا الله؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات {أعلم بإيمانكم} فربما ظهر ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه، لكن في التعبير به وبالوصف لا بالفعل إرشاد إلى مزيد التحري من جهة الدين «فاظفر بذات الدين، تربت يداك!» . ولما اشترط الدين كان كأنه قيل: فالنسب؟ فأشير إلى عدم اشتراطه بقوله: {بعضكم من بعض} أي كلكم من آدم وإن تشعبتم بعده {فانكحوهن} أي بشرط العجز {بإذن أهلهن} أي من مواليهن، ولا يجوز نكاحهن من غير إذنهم. ولما كان مما لا يخفى أن السيد المالك للرقبة مالك للمنفعة من باب الأولى كان الأمر بدفع المهور إليهن مفيداً لندب السيد إلى جبرها به من غير أن يوهم أنها تملكه وهي لا تملك نفسها، فلذلك قال تعالى: {وآتوهن أجورهن} وهي المهور {بالمعروف} أي من غير ضرار، لا عليكم ولا عليهن ولا على أهلهن، حال كونهن {محصنات} أي عفائف بانفسهن أو بصون الموالي لهن {غير مسافحات}

أي مجاهرات بالزنى لمن أراد، لا لشخص معين {ولا متخذات أخدان} أي أخلاء في السر للزنى معينين، لا تعدو ذات الخدن خدنها إلى غيره؛ قال الأصبهاني: وهو - أي الخدن - الذي يكون معك في كل ظاهر وباطن. ولما لم يتقدم بيان حد الإماء قال مبنياً له: {فإذا أحصن} مبنياً للفاعل في قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، والمفعول في قراءة الباقين، أي انتقلن من حيز التعريض للزنى بالإكراه إلى حيز الحرائر بأن حفظن فروجهن بكراهتهن للزنى، أو حفظهن الموالي بالرضى لهن بالعفة؛ وقال الشافعي في أوائل الرسالة في آخر الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه: إن معنى (أحصن) هنا: أسلمن، لا نكحن فاصبن بالنكاح، ولا أعتقن وإن لم يصبن، وقال: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان على معان مختلفة؟ قيل: نعم، جماع الإحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم، فالإسلام مانع، وكذلك الحرية مانعة، وكذلك التزوج والإصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت

مانع، وكل ما منع أحصن، وقد قال الله عز وجل {وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم} [الأنبياء: 80] وقال: {لا يقاتلونكم جميعاً إلى في قرى محصنة} [الحشر: 41] يعني ممنوعة، قال: وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى الإحصان المذكور عام في موضع دون غيره، إذ الإحصان ها هنا الإسلام دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف، وهذه الأسماء التي يجمعها اسم الإحصان - انتهى. {فإن أتين بفاحشة} ولا تكون حينئذ إلا عن رضى من غير إكراه. ولما كان من شأن النكاح تغليظ الحد، فغلظ في الحرائر بالرجم؛ بين تعالى أنه لا تغليظ على الإماء، بل حدهن بعده هو حدهن قبله، فقال {فعليهن نصف ما على المحصنات} أي الحرائر لأنهن في مظنة العفة وإن كن بغير أزواج {من العذاب} أي الحد - كما كان ذلك عذابهن قبل الإحصان، وهذا يفهمه بطريق الأولى، والمراد هنا الجلد، لأن الرجم لا ينتصف. ولما كان كأنه قيل: هل هذا لكل عاجز عن الحرة؟ استؤنف جواب هذا السؤال بقوله تعالى مشيراً بأداة البعد إلى أنه مما لا يحسن قربه: {ذلك} أي حل نكاح الإماء الذي ينبغي البعد منه {لمن خشي العنت} أي الوقوع في الزنا الموجب للإثم المقتضي للهلاك

بالعذاب في الدنيا والآخرة بما عنده من عظيم الداعية إلى النكاح ومشقة الصبر عنه؛ قالوا: وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر؛ قال الأصبهاني: وقيل: إن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشدية، أما في حق النساء فقد يؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر. ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصاً بالمؤمنين منا قيد بقوله: {منكم} . ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح بالندب إلى حبس النفس عنه فقال: {وإن تصبروا} أي عن نكاحهن متعففين {خير لكم} أي لئلا تعيروا بهن، أو تسترق أولادكم منهن، ثم أتبع ذلك بتأكيده لذوي البصائر والهمم في سياق دال على رفع الحرج فقال: {والله} أي الذي له الجلال والإكرام {غفور} أي لمن لم يصبر، والمغفرة تشير إلى نوع تقصير {رحيم *} أي فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره واللطف فيما يتبع ذلك من المحذور.

26

ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام،

وختمها بصفة الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيراً بالنعمة لتشكر، وتحذيراً من أن تنسى فتكفر فقال تعالى: {يريد الله} أي الملك الأعظم إنزال هذه الأحكام على هذا النظام {ليبين لكم} أي ليوقع لكم البيان الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين {ويهديكم} أي يعرفكم {سنن} أي طرق {الذين} ولما كان المراد بعض الماضين قال: {من قبلكم} أي من أهل الكتاب: الأنبياء وأتباعهم {ويتوب عليكم} أي يرجع بكم عن كل ما لا يرضيه، لا سيما ما يجر إلى المقاطعة - مثل منع النساء والأطفال الإرث، ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه التكاليف، بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول وأعون على الامتثال، وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ هدوا لسننهم، وما أحسن ختم ذلك بقوله: {والله} أي المحيط بأوصاف الكمال {عليم حكيم *} فلا يشرع لكم شيئاً إلا وهو في غاية الإحكام. فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام. بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى والحث عليها،

وبيان الفرائض وأمر الزناة، وما يحل ويحرم من النساء، والتحري في الأموال، والإحسان إلى الناس، لا سيما الأيتام والوالدين، والإذعان للأحكام، وتحريم القتل، والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها، وكل ذلك مبين أصوله في التوراة كما هو مبثوث في هذا الديوان عن نصوصها في المواضع اللائقة به، لكن القرآن أحسن بياناً وأبلغ تبياناً وأبدع شأناً وألطف عبارة وأدق إشارة، وأعجب ذلك أن سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا النساء، ففي الصحيحين وغيرهما عن جابر رضي الله عنه قال: «مرضت فعادني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتاني وقد أغمي عليّ» وفي رواية البخاري في التفسير: «عادني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ فصب عليّ وضوءه فأفقت، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟» وفي رواية لمسلم: «إنما يرثني كلالة فلم يجبني بشيء» وفي رواية الترمذي: «وكانت لي تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث» وفي رواية للبخاري: «فنزلت» وفي رواية للترمذي: «حتى نزلت (يوصيكم الله في أولادكم) » وفي رواية للترمذي: حتى نزلت آية الميراث {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية، وقال: حديث صحيح. ولأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «جاءت

امرأة سعد بن ربيع بابنتيها من سعد رضي الله عنهم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: يقضي الله عز وجل في ذلك، فنزلت آية الميراث» وفي رواية أبي داود: ونزلت الآية في سورة النساء، {يوصيكم الله في أولادكم} وفي رواية الدارقطني: «فنزلت سورة النساء، وفيها {يوصيكم الله في أولادكم} إلى آخر الآية - فبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» وفي رواية للدارقطني: «إن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله! إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مجلسه ذلك، ثم جاءته فقالت: يا رسول الله! ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادعي لي أخاه! فجاء فقال: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن،

ولك ما بقي» وقال شيخنا حافظ عصره أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر في الإصابة في أسماء الصحابة: روى أبو الشيخ في تفسيره من طريق عبد الله بن الأجلح الكندي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الأولاد الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت، وترك بنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه، فقالت امرأته للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، فأنزل الله تعالى {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال: لا تحركا من الميراث شيئاً» ورواه أبو الشيخ من وجه آخر فقال: قتادة وعرفطة ورواه الثعلبي في تفسيره فقال: سويد وعرفطة، ووقع عنده أنهما أخوا أوس: ورواه مقاتل في تفسيره لفقال: إن أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كجة وبنتين

فذكر القصة «وذكر شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف أن الثعلبي والبغوي ساقا بلا سند أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطه أو قتادة وعرفجة ميراثة عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسجد الفضيخ، فشكت إليه، فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] فبعث إليهما: لا تفرقا من مال أوس شيئاً، فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى نزلت {يوصيكم الله في أولادكم} الآية، فأعطى أم كجة الثمن والبنات الثلثين والباقي لابني العم «ورواه الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة على غير هذا السياق، ولفظه:» نزلت في أم كجة وابنة أم كجة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله! توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث، فقال عم ولدها: إن ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاًّ

ولا ينكأ عدواً، فنزلت {للرجال نصيب} [النساء: 7] ، وروي من طريق السدي، قال في قوله: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] «كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، ولا يورثون إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجة ذلك إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11] ثم قال في أم كجة {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد} [النساء: 12] » . فجميع هذه الروايات - كما ترى - ناطقة بأن سبب نزول آيات الميراث النساء، ويمكن أن يكون المجموع سبباً - والله أعلم؛ وذلك كما أن سبب إنزال الفرائض في التوراة كان النساء أيضاً، وذلك أنه جل أمره وعز اسمه وتعالى جده لما أمات من نكص عن أمره من بني إسرائيل ومن آلافهم في التيه وأخرج أبناءهم منه؛ أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقسمة أرض الكنعانيين بين بنيهم بعد معرفة عددهم على منهاج ذكره، ولم يذكر البنات، وكان فيهم بنات لا أب

لهن فسألن ميراث أبيهن، فأنزل الله حكمهن؛ قال في السفر الرابع من التوراة ما نصه: ولما كان بعد الموت الفاشي قال الرب لموسى ولليعازر بن هارون الحبر: احفظا عدد جماعة بني إسرائيل من ابن عشرين سنة إلى فوق، كل من خرج للمحاربة من بين بني إسرائيل فكلما الجماعة في عربات مؤاب التي عند أردن أريحا، وأخبراهم بقول الرب، ثم أحصياهم، فكان عددهم ستمائة ألف وسبعمائة وثلاثين رجلاً غير اللاويين سبط موسى فإنهم كانوا لحفظ قبة الزمان وخدمتها، وكانوا ثلاث قبائل: أحدهم فغث فولد له عمران، وكان اسم امرأة عمران حنة ابنة لوى، ولدت له بأرض مصر هارون

وموسى ومريم، وكان عددهم في هذا الوقت ثلاثة وعشرين ألفاً، كل ذكر منهم ابن شهر فما فوق، ولم يكن في هؤلاء ممن أحصاه موسى وهارون حيث عدا بني إسرائيل في برية سيناء، لأن الرب قال لهم: يقتلون في هذه المفازة، ولا يبقى منهم رجل ما خلا كلاب بن يوفنا ويوشع بن نون، ودنا بنات صلفحد من قبيلة منشى بن يوسف وقلن: أبونا توفي في البرية ولم يخلف ابناً، أعطنا ميراثنا، فرفع موسى أمرهن إلى الرب فقال الرب لموسى: الحق قلن أعطهن ميراثاً مع أعمامهن ليتبين ميراث أبيهن وقلن لبني إسرائيل: أي رجل مات ولم يخلف ابناً يعطى ميراثه ابنته وإن لم يكن له ابنة يعطى ميراثه إخوته ومن لم يكن له إخوة يعطى ميراثه أعمامه ومن لم يكن له أعمام يعطى ميراثه لمن كان قرابته من أهل عشيرته، وتكون هذه سنة لبني إسرائيل في أحكامهم كما أمر الرب موسى؛ وقال في السفر الثالث منها ما نصه سنة الخطايا التي إذا ارتكبها إنسان

عوقب بالموت: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل، وقل لهم: أنا الله ربكم! لا تعملوا مثل أعمالكم أهل مصر التي سكنتموها، ولا تعملوا مثل أعمال أهل كنعان التي أدخلكم إليها ولا تسيروا سنتهم ولكن اعملوا بأحكامي، واحفظوا وصاياي، وسيروا بها، أنا الله ربكم! احفظوا شرائعي وأحكامي. لأن الذي يعمل بها يعيش، أنا الرب وليس إله غيري! ولا يجسرن الرجل منكم أنيكشف عورة قرابته، أنا الرب وليس إله غيري! ولا تكشفن عورة أبيك ولا عورة أمك، لأنها أمك، ولا تفضح امرأة ابنك ولا تكشف عورتها، لان عورتها عورة ابنك، ولا تفضح أختك من أبيك ومن أمك التي ولدت من أبيك، أو أختك من أمك لا من أبيك، لا تكشف عورتها، لأن فضيحتها فضيحتك، ولا تكشف عورة بنت امرأة أبيك التي ولدت من أبيك، لأنها أختك، ولا تكشف عورة عمتك لإنها أخت أبيك ولا تكشف عورة خالتك لأنها أخت أمك ولا تكشف عورة امرأة عمك ولا تدن من امرأته، لأنها امرأة عمك، ولا تكشف عورة كنتك، لأنها امرأة ابنك، ولا تكشف

عورة امرأة أخيك، لأن فضيحتها فضيحة أخيك، ولا تكشف عورة امرأة وبنتها، أي لا تتزوج بهما، ولا تكشف عورة بنت الابن ولا بنت البنت، لأن فضيحتهما فضيحتك، ولا تكشف عورتهما، هن قرابتك وارتكابهن إثم، ولا تتزوج أخت امرأتك في حياتها فتحزنها، ولا تكشف عورتهما جميعاً في حياة امرأتك، والمرأة إذا حاضت وطمثت لا تدن لتكشف عورتها، ولا تسفح بامرأة صاحبك ولا تنجس، ولا تنجس اسم إلهك، أنا الله ربكم! لا تضاجعن الذكر، ولا ترتكب من الذكر ما ترتكب من المرأة، لأنه فعل نجس، ولا بهيمة، ولا تلق زرعك فيها فتنجس بها، والمرأة أيضاً لا تقوم بين يدي بهيمة تطأها، لأنه فعل نجس، لا تنجسوا منها بشيء، فبهذه كلها تنجست الشعوب التي أهلكتها من بين أيديكم وتنجست أرضهم بفعلهم وعاقبتها بإثمها وتعطلت الأرض من سكانها لحال خطاياهم؛ احفظوا عهودي وأحكامي ولا ترتكبوا شيئاً من هذه الخطايا لأن أهل البلاد التي ترثونها فعلوا هذه الأفاعيل كلها

وتنجست الأرض بهم، ولا تنجسوا الأرض لئلا تعطل منكم كما تعطلت من الشعوب التي كانوا يها قبلكم، لأن كل من يفعل هذه الخطايا يهلك؛ احفظوا شرائعي ولا ترتكبوا شيئاً من سير الخطايا التي فعلها من كان قبلكم، ولا تنجسوا بها، أنا الله ربكم! . ثم كلم الرب موسى وقال له: كلم جميع بني إسرائيل وقل لهم: تقدسوا، لأني قدوس، أنا الله ربكم! يهاب كل امرىء منكم والديه ويكرمهما، واحفظوا وصاياي، لأني أنا الله ربكم! لا تقبلوا إلى الشيطان ولا تتخذوا آلهة مسبوكة، أنا الله ربكم وقال في السفر الثاني: ولا تصدقن الخبر الكاذب، لا توالِ الخبيث لتكون له شاهد زور، ولا تتبعن هوى الكبير فتنسى، ولا تشايعن الكبراء الذين يحيفون في القضاء فتحيف معهم، ولا تعن المسكين على الظلم، لا تحيفن في فضاء المسكين وتباعد عن القول الكاذب. وقال في السفر الخامس: ودعا موسى بجميع بني إسرائيل وقال لهم: اسمعوا يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أتلوا عليكم لتعلموها وتحفظوها وتعملوا بها، وتعلمون

أن الله ربنا عاهدنا عهداً بأرض حوريب، ولم يعاهد الله آباءنا بهذا العهد، بل إنما عاهدنا، نحن الذين ها هنا أحياناً سالمين، وجهاً قبل وجه كلمنا الرب في النار عن الجبل، فأنا كنت قائماً بين يدي الرب وبينكم لأظهر لكم ذلك الزمان أقول الله ربكم، حيث فرقتم من النار ولم تصعدوا إلى الجبل، وقال الرب: أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر وخلصتكم من العبودية! لا يكون لكم إله غيري، ولا تتخذوا أصناماً ولا أشباهاً، ولا تقسم باسم ربك كذباً، لأن الربّ لا يزكي من يحلف باسمه كذباً، احفظوا يوم السبت وطهروه - إلى أن قال؛ لا تعملوا فيه عملاً ليستريح عبيدكم وإماؤكم معكم، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر فأخرجكم الله ربكم من هناك بيد منيعة وذراع عظيمة، لذلك أمركم ربكم أن تحفظوا يوم السبت، فيكرم كل امرىء منكم والديه كما أمركم الله ربكم لتطول أعماركم، وينعم عليكم في الأرض التي يعطيكم، لا تقتلوا، لا تزنوا، لا تسرقوا، لا يشتهين الرجل منكم امرأة صاحبه - إلى أن قال: ولا شيئاً مما لصاحبك - هذه الآيات

التي أمر بها الرب بني إسرائيل، وكلمهم بها في الجبل من النار بالسحاب والضباب بصوت عظيم لا يوصف ولا يحد، وهي التي كتبها على لوحي الحجارة ودفعها إلى موسى النبي - فما سمعتم صوتاً من الظلمة ورأيتم ناراً تشتعل في الجبل تقدم إليّ رؤساؤكم، وقالوا: قد أرانا الله ربنا مجده وكرامته وعظمته، اليوم رأينا أن كلم الله الناس وعاشوا، إن عدنا نسمع صوت الله ربنا متنا، تقدم أنت واسمع ما يقول الله ربنا وقص علينا فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني وقال لي الرب: قد سمعت صوت الشعب وما قالوا لك، نعم ما تكلموا به ويا ليت تكون لهم قلوب هكذا، فتكون تسمع وتطيع وتتقوى، ويفزعون من قولي، ويحفظون جميع وصاياي، كلها احفظوا، واعملوا بما أمركم الله ربكم ولا تحيدوا يمنة ولا يسرة، بل سيروا في كل الطريق الذي أمركم ربكم لتعيشوا، وينعم عليكم، وتطول

مدتكم في الأرض التي ترثون - هذه السنن والوصايا والأحكام التي أمرني الله ربكم أن أعلمكم لتعلموا وتتقوا الله ربكم أنتم وبنوكم كل أيام حياتكم فتطول أعماركم، اسمعوا يا بني إسرائيل! الله ربنا واحد، أحبوا الله ربكم في كل قلوبكم، ولتكن هذه الآيات التي أمركم في قلوبكم أبداً، وعلموها بنيكم، وتكلموا بها إذا حضرتم في منازلكم، وإذا سافرتم، وإذا رقدتم، وإذا قمتم، وشدوها علامة على أيديكم، ويكون ميسماً بين أعينكم، واكتبوها على قوائم بيوتكم وعلى أبوابكم، ولا تنسوا الله ربكم، وإياه فاعبدوا وباسمه فأقسموا، ولا تتبعوا الآلهة الأخرى التي تعبدها الشعوب التي حولكم، لأن الله ربكم الحالّ فيكم هو إله غيور فاتقوه، لا يشتد غضبه عليكم، ويهلككم عن حديد الأرض، ولا تجربوا الله ربكم كما جربتموه بالبلايا، ولكن احفظوا وصية الله ربكم وشهادته وسنته التي أمركم بها، فاعملوا الحسنات، وأنصفوا واعدلوا لينعم عليكم، وتدخلوا وترثوا الأرض المخصبة

التي أقسم الله لآبائكم، ويكسر جميع أعدائكم ويهزمهم قدامكم كما قال الرب، فإذا سألكم بنوكم غداً وقالوا: ما الشهادة والسنة والحكومة التي أمركم الله بها؟ قولوا لبنيكم: إنا كنا عبيداً لفرعون بأرض مصر، وأخرجنا الرب من أرض مصر بيد منيعة، وأنزل بأهل مصر بلاء شديداً، وفعل ذلك بفرعون وجميع أهل بيته تجاهنا، وأخرجنا الرب من هناك ليدخلنا ويعطينا الأرض التي أقسم لآبائنا، وأمرنا الرب أن نعمل هذه السنن كلها، وأن نتقي الله ربنا لينعم كل أيامنا، ويحيينا بالخير والنعم، ويكون ربنا بنا براً إذا حفظنا هذه الوصية كلها، وعلمناها أمام الله ربنا كما أمرنا. وقال في السفر الخامس: ولا تكف يدك عن العطاء والصدقة على أخيك المسكين، ولكن يصدق بعضكم على بعض، ويعطي بعضكم بعضاً، ولا يضيق قلبك، ولا تحزن إذا صدقت على أخيك، لأنك إذا فعلت هذا القول وأوسعت على أخيك يبارك الله لك في جميع أعمالك، وفي كل ما تمد يدك إليه، من أجل أن الأرض لا تعدم المساكين، فلذلك

آمرك - والعزم إليك - أن تمد يدك إلى أخيك المسكين، وتصدق على الفقير في الأرض. وقال فيه: أنصفوا بين إخوتكم وأحكموا بالحق ولا تحيفوا في القضاء، واسمعوا من الصغير كما تسمعون من الكبير، ولا تهابوا الرجل ولو عظم شأنه وكثرت أمواله، لأن القضاء لله. وقال فيه: صيروا لكم قضاة وكتاباً في جميع قراكم، وتقضون للشعب قضاء العدل والبر، ولا تحيفن في القضاء، ولا تحابوا ولا ترتشوا، لأن الرشوة تعمي أعين الحكام في القضاء، ولكن أقضي بالحق لتعيشوا وتبقوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله ربكم - فقد علم من هذا أصول غالب ما ذكره تعالى في هذه السورة مع ما تقدم من أشكاله في البقرة عند قوله تعالى: {وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] وغيرها من الآيات، وفي آل عمران أيضاً، وأما حد الزاني وأمر القتل والجراح فسيذكر إن شاء الله تعالى في المائدة.

27

ولما قرر سبحانه وتعالى إرادته لصلاحهم ورغب في اتباع الهدى بعلمه وحكمته عطف على ذلك قوله: {والله} بلطف منه وعظم سلطانه {يريد} إي بإنزاله هذا الكتاب العظيم وإرساله هذا الرسول

الكريم {أن يتوب عليكم} أي يرجع لكم بالبيان الشافي عما كنتم عليه من طرق الضلال لما كنتم فيه من العمى بالجهل، وزادهم في ذلك رغبة بقوله: {ويريد الذين يتبعون} أي على سبيل المبالغة والاستمرار {الشهوات} أي من أهل الكتابين وغيرهم كشاش بن قيس وغيره من الأعداء {أن تميلوا} أي عن سبيل الرشاد {ميلاً عظيماً *} أي إلى أن تصيروا إلى ما كنتم فيه من الشرك والضلال، فقد أبلغ سبحانه في الحمل على الهدى بموافقة الولي المنعم الجليل الذي لا تلحقه شائبة نقص، ومخالفة العدو الحسود الجاهل النازل من أوج العقل إلى حضيض طباع البهائم. ولما كان الميل متعباً لمرتكبه أخبرهم أن علة بيانه للهداية وإرادته التوبة الرفق بهم فقال: {يريد الله} أي وهو الذي له الجلال والجمال وجميع العظمة والكمال {أن يخفف عنكم} أي يفعل في هذا البيان وهذه الأحكام فعل من يريد ذلك، فيضع عنكم الآصار التي كانت على من كان قبلكم الحاملة على الميل، ويرخص لكم في

بعض الأشياء كنكاح الأمة - على ما تقدم، ودل على علة ذلك بالواو العاطفة؛ لأنكم خلقتم ضعفاء يشق عليكم الثقل {وخلق الإنسان} أي الذي أنتم بعضه {ضعيفاً *} مبناه الحاجة، فهو لا يصبر عن النكاح ولا غيره من الشهوات، ولا يقوى على فعل شيء إلا بتأييد منه سبحانه. ولما كان غالب ما مضى مبنياً على الأموال تارة بالإرث، وتارة بالجعل في النكاح، حلالاً أو حراماً؛ قال تعالى - إنتاجاً مما مضى بعد أن بين الحق من الباطل وبين ضعف هذا النوع كله، فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من الإرث بالضعف، وبعد أن بين كيفية الترصف في أمر النكاح بالأموال وغيرها حفظاً للأنساب، ذاكراً كيفية التصرف في الأموال، تطهيراً للإنسان، مخاطباً لأدنى الأسنان في الإيمان، ترفيعاً لغيرهم عن مثل هذا الشأن: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان والتزام الأحكام. ولما كان الأكل أعظم المقاصد بالمال، وكان العرب يرون التهافت على الأكل أعظم العار وإن كان حلالاً؛ كنى به التناول

فقال: {لا تأكلوا} أي تتناولو {أموالكم} أي الأموال التي جعلها الله قياماً للناس {بينكم بالباطل} أي من التسبب فيها بأخذ نصيب النساء والصغار من الإرث، وبعضل بعض النساء وغير ذلك مما تقدم النهي عنه وغيره. ولما نهى عن الأكل بالباطل، استدرك ما ليس كذلك فقال: {إلا أن تكون} أي المعاملة المدارة المتداولة بينكم {تجارة} هذا في قراءة الكوفيين بالنصب، وعلى قراءة غيرهم: إلا أن توجد تجارة كائنة {عن تراض منكم} أي غير منهي عنه من الشارع، ولعل الإتيان بأداة الاستثناء المتصل - والمعنى على المنقطع - للإشارة إلى أن تصرفات الدنيا كلها جديرة بأن يجري عليها اسم الباطل ولو لم يكن إلا معنياً بها تزهيداً فيها وصدّاً عن الاستكثار منها، وترغيباً فيما يدوم نفعه ببقائه، وهكذا كل استثناء منقطع في القرآن، من تأمله حق التأمل وجد للعدول عن الحرف الموضوع له - «وهو لكن» - إلى صورة الاستثناء حكمة بالغة - والله الموفق. ولما كان المال عديل الروح ونهى عن إتلافه بالباطل، نهى عن

إتلاف النفس، لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان بسببها وتسبيبها على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل، فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف والتواصل فقال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي حقيقة بأن يباشر الإنسان قتل نفسه، أو مجازاً بأن يقتل بعضكم بعضاً، فإن الأنفس واحدة، وذلك أيضاً يؤدي إلى قتل نفس القاتل، فلا تغفلوا عن حظ أنفسكم من الشكر فمن غفل عن حظها فكأنما مثلها، ثم علله بما يلين أقسى الناس فقال: {إن الله} أي مع ما له من صفات العظمة التي لا تدانيها عظمة {كان بكم} أي خاصة حيث خفف عليكم ما شدده على من كان قبلكم {رحيماً *} أي بليغ الرحمة حيث يسر لكم الطاعة ووفقكم لها فأبلغ سبحانه الترغيب في الامتثال؛ ثم قال ترهيباً من مواقعة الضلال: {ومن يفعل ذلك} أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم الإبعاد عن حضرات الإله {عدواناً وظلماً} أي بغير حق، وعطفه للوصف بالواو يدل على تناهي كل منهما، هذا مع ما أفهمه صفة الفعلان من المبالغة، فكان المراد العدو الشديد المفرط المتجاوز

للحدود الناشيء عن العهد وتناهي الظلم الذي لا شائبة فيه للحق {فسوف نصليه ناراً} أي ندخله إياها بوعيد لا خلف فيه وإن طال إمهاله {وكان ذلك} أي الأمر العظيم الذي توعد به {على الله} أي الذي له الجلال والجمال {يسيراً *} أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئاً، ولا يمنع منه مانع. ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيراً، وكان قد تقدم جملة من الكبائر، أتبعه ما للمنتهي تبشيراً جواباً لمن كأنه قال: هذا للفاعل فما للمجتنب؟ فقال على وجه عام: {إن تجتنبوا} أي تجهدوا أنفسكم بالقصد الصالح في أن تتركوا تركاً عظيماً وتباعدوا {كبائر ما تنهون عنه} أي من أكل المال والقتل بالباطل والزنى وغير ذلك مما تقدم روى البزار - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أنه سئل عن الكبائر فقال: ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين قال الأصبهاني: وكل ذنب عظم الشرع الوعيد عليه بالعذاب وشدده، أو عظم ضرره في الخمس الضرورية: حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال، فهو كبيرة، وما عداه صغيرة {نكفر عنكم سيئاتكم} أي التي هي دون الكبائر كلها، فإن ارتكبتم

شيئاً من الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج، أو فرطتم في شيء منها فمنَّ الله عليكم بأن أتاكم بالمرض؛ كفر ذلك المأتي به الصغائر، ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات، لعدم إتيانه على تلك الكبيرة {وندخلكم مدخلاً كريماً *} أي يجمع الشرف والعمل والجود وكل معنى حسن، ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته، ولم يدخله هذا المدخل، ويكفي في انتفائه حصول القصاص في وقت ما؛ وقال الإمام أحمد: المسلمون كلهم في الجنة - لهذه الآية وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشفع في الكبائر، فأي ذنب على المسلمين! ذكره عنه الأصبهاني، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه. ولما نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال الجوارح، ليصير الظاهر طاهراً عن المعاصي الوخيمة؛ نهى عن التمني الذي هو مقدمة الأكل، ليكون نهياً عن الأكل بطريق الأولى، فإن التمني قد يكون حسداً، وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية: وهو حرام والرضى بالحرام، والتمني على هذا

الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال: {ولا تتمنوا} أي تتابعوا أنفسكم في ذلك {ما فضل الله} أي الذي له العظمة كلها، فلا ينقصه شيء {به} اي من المال وغيره {بعضكم عن بعض} أي في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية، أو بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، والسخاء الذي هو وسط بين الإسراف والبخل، وكاستعمال هذه القوى على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة، أو الفضائل البدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل مع اللذة والبهجة، أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان، والرئاسة التامة ونفاذ القول، وكونه محبوباً للناس حسن الذكر فيهم؛ فهذه مجامع السعادات وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها، وبعضها كسبية، ومتى تأمل العاقل في ذلك وجده محض عطاء من الله، فمن

شاهد غيره أرفع منه في شيء من هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له حالتان: إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له، والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبها وهذا هو الحسد المذموم، لأنه كالاعتراض على الله الذي قسم هذه القسمة، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح على نفسه باب الكفر، واستجلب ظلمات البدعة، ومحا نور الإيمان، فإن الله فعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه، وكما أن الحسد سبب الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا؛ فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ذلك مصلحة، ولو كان غير ذلك فسد، فإن ذلك كله قسمة من الله صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم. وأما تمني المثل فإن كان دينياً كان حسناً، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا حسد إلا في اثنتين» وإن كان دنيوياً فمن الناس من جوز ذلك، ومنهم من قال - وهم المحققون: لا يجوز ذلك، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة في الدنيا كقصة قارون - قال معنى ذلك الإمام الرازي.

ولما نهى سبحانه عن ذلك علله بما ينبه على السعي في الاسترزاق والإجمال في الطلب، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» فقال مشيراً إلى أنه لا ينال أحد جميع ما يؤمل: {للرجال نصيب} أي قد فرغ من تقديره فهو بحيث لا يزيد ولا ينقص، وبين سبحانه أنه ينبغي الطلب والعمل، كما أشار إليه الحديث فقال: {مما اكتسبوا} أي كلفوا أنفسهم وأتعبوها في كسبه من أمور الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن الميراث والسعي في المكاسب والأرباح «جعل رزقي تحت

ظل رمحي» «لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً» {وللنساء نصيب مما اكتسبن} أي وكذلك فالتمني حينئذ غير نافع، فالاشتغال به مجرد عناء. ولما أشار بالتبعيض إلى أن الحصول بتقديره، لا بالكسب الذي جعله سبباً، فإنه تارة ينجحه وتارة يخيبه، فكان التقدير: فاكتسبوا ولا تعجزوا فتطلبوا بالتمني؛ أمر بالإقبال - في الغنى وكل شيء - عليه إشارة إلى تحريك السبب مع الإجمال في الطلب فقال: {وسئلوا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما كان سبحانه تعالى عظمته لا ينقصه شيء وإن جل قال: {من فضله} أي من خزائنه التي لا تنفد ولا يقضيها شيء، وفي ذلك تنبيه على عدم التعيين، لأنه ربما كان سبب الفساد، بل يكون الطلب لما هو له صلاح، وأحسن الدعاء المأثور، وأحسنه {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] ثم علل ذلك

بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي بيده مقاليد كل شيء {كان بكل شيء عليماً *} أي فكان على كل شيء قديراً، فإن كمال العلم يستلزم شمول القدرة - كما سيبين إن شاء الله تعالى في سورة طه، والمعنى أنه قد فعل بعلمه ما يصلحكم فاسألوه بعلمه وقدرته ما ينفعكم، فإنه يعلم ما يصلح كل عبد وما يفسده. وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة فقال: {ولكل} أي من القبيلتين صغاراً كانوا أو كباراً {جعلنا} بعظمتنا التي لا تضاهى {موالي} أي حكمنا بأنهم هم الأولياء، أي الأنصار، والأقرباء لأجل الإرث، هم الذين يلون المال ويرثونه، سواء كانوا عصبة خاصة وهم الوراث، أو عصبة عامة وهم المسلمون. ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال: {مما} أي من أجل ما {ترك} أي خلفه {الوالدان} أي لكم، ثم أتبع ذلك ما يشمل حقي الأصل والفرع فقال: {والأقربون} أي إليكم، ثم عطف على ذلك قوله: {والذين} أي وما ترك الذين {عقدت أيمانكم} أي مما تركه من تدلون إليه بنسب أو سبب بالحلف أو الولاء أو الصهر، وذكر اليمين لأن العهد يكون مع

المصافحة بها، ثم سبب عن ذلك قوله: {فآتوهم} أي الموالي وإن كانوا صغاراً أو إناثاً على ما بينت لكم في آية المواريث السابقة، واتركوا كل ما خالف ذلك فقد نسخ بها {نصيبهم} أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافراً غير منقوص، ولا تظنوا أن غيرهم أولى منهم أو مساوٍ لهم، ثم رهب من المخالفة، وأكد الأمر وعداً ووعيداً بقوله: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {كان على كل شيء شهيداً *} أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في الإخفاء، لأنه لا يخفى عليه شيء، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء، فالمعنى: إنا لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب عن الحوزة، وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم عن حقائق الأمور وغيبتها عنكم، فإنا لم نخرج شيئاً منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة، فالحاصل أنه لمن يحمي بالفعل، أو بالقوة القريبة منه، أو البعيدة الآئلة إلى القرب، وأما التفضيل في الأنصباء فأمر استأثرنا بعلم مستحقيه، وفي البخاري في التفسير عن ابن عباس: «موالي: ورثة والذين عاقدت أيمانكم

كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم، فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} نسخت، ثم قال: {والذي عاقدت أيمانكم} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له» .

34

ثم بين سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين، فقال - جوباً لسؤال من كأنه قال: ما للرجال فضلوا؟ - {الرجال قوامون} أي قيام الولاة {على النساء} في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي، وبين سببي ذلك بقوله: {بما فضل الله} أي الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى، هبة منه وفضلاً نم غير تكسب {بعضهم} وهم الرجال، في العقل والقوة والشجاعة، ولهذا كان فيهم الأنيباء والولاة والإمامة الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين {على بعض} يعني النساء، فقال للرجال {انفروا خفافاً وثقالاً} [التوبة: 41] وقال للنساء: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] .

ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال: {وبما أنفقوا} أي من المهور والكسى وغيرها {من أموالهم} أي عليهن، فصارت الزيادة في أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر. ولما بان بذلك فضلهم، فأذعنت النفس لما فضلوا به في الإرث وغيره، وكان قد تقدم ذكر نكاحهم للنساء والحث على العدل فيهن؛ حسن بيان ما يلزم الزوجات من حقوقهم وتأديب من جحدت الحق، فقال مسبباً لما يلزمهن من حقوقهم عما ذكر من فضلهم {فالصالحات قانتات} أي مخلصات في طاعة الأزواج، ولذلك ترتب عليه {حافظات للغيب} أي لحقوق الأزواج من الأنفس والبيوت والأموال في غيبتهم عنهن {بما} أي بالأمر الذي {حفظ الله} أي المحيط علماً وقدرة به غيبتهم بفعله فيه فعل من يحفظ من الترغيب في طاعتهم فيما يرضي الله والترهيب من عصيانهم بما يسخطه، ورعي الحدود التي أشار إليها سبحانه من البقرة، وشرحتها سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولما عرف بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال: {واللاّتي تخافون نشوزهن} أي ترفعهن عليكم عن

الرتبة التي أقامهن الله بها، وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق، وأصل النشوز: الانزعاج في ارتفاع، قال الشافعي: دلالات النشوز قد تكون قولاً، وقد تكون فعلاً، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها، ثم تغيرت؛ والفعل مثل أن كانت تقوم له إذا دخل إليها، أو كانت تسارع إلى أمره، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إذا تغيرت فحينئذ ظن نشوزها؛ ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز {فعظوهن} أي ذكروهن من أمر الله بما يصدع قلوبهن ويرققها ويخيفهن من جلال الله. ولما كان الوعظ موجباً لتحقق الطاعة أو المعصية قال: {واهجروهن} أي إن لم يرجعن بالوعظ {في المضاجع} أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت، وفي ضمن الهجر امتناعه من كلامها؛ قال الشافعي: ولا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث {واضربوهن} أي إن أصررن ضرب تأديب غير مبرح، وهو ما لا يكسر عظماً ولا يشين عضواً، ويكون مفرقاً على بدناه ولا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، ويكون دون الأربعين؛ قال الشافعي: الضرب مباح وتركه أفضل {فإن أطعنكم} أي بشيء من الوعظ،

والهجر في موضع المبيت من البيت، أو الضرب {فلا تبغوا} أي تطلبوا {عليهن سبيلاً} أي طريقاً إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه، بما لكم عليهن من العلو، بل اغفروا لهن ما سلف، ولا يحملنكم ما منحكم الله من العلو على المناقشة، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي وقد علمتم ما له من الكمال {كان} ولم يزل {علياً كبيراً *} أي له العلو والكبر على الاطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة فهو لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه، بل يبدل سيئاته حسنات، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل هباته، وخافوا سطواته، واحذروا عقوبته، بما له من العلو والكبر. ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال: {وإن خفتم} أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم {شقاق بينهما} أي الزوجين المفهومين من السياق، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر،

ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص، وهو أن يكون البين المضاف إليهما - وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر - لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئاً واحداً كما كانا لا بين لهما، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما {فابعثوا} أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم {حكماً من أهله} أي الزوج {وحكماً من أهلها} أي الزوجة، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبة ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح. ثم أجاب من كأنه قال: وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله: {إن يريدا} أي الحكمان {إصلاحاً} أي بينهما، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل {يوفق الله} الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة {بينهما} أي الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين

على بلوغ المقاصد، وهذا دالعلى أنه لا يكون شيء إلا بالله، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على الله دونها، ويشقى بها من يجعلها محط قصده، فيعتمد عليها. ولما كان المصلح قد يظن مفسداً لصدعه بمر الحق من غير مداراة، والمفسد قد يعد مصلحاً لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر، فيظن من يخلق الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر؛ قال تعالى مزيلاً لهذا الوهم مرغباً ومرهباً: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {كان عليماً} أي مطلقاً على ما يمكن الاطلاع عليه وإن غاب عن غيره {خبيراً *} أي لا يخفى عليه من ذلك خفي، ولا يغيب عنه خبيء، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب أحوال النكاح، ولم يذكر سبحانه وتعالى الطلاق عندما ذكر الشقاق لتقدمه في البقرة، ولأن مبنى هذه السورة على التواصل والتوادّ دون التفاصل والترادّ كما قال ابن الزبير، ولهذا - أي لبناء السورة على التواصل والائتلاف دون التفاصل والاختلاف - خصت من حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدالة إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق

ليناسب هذا، فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء إلا قوله: {وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته} [النساء: 130]- انتهى.

36

ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى: العدل والفضل، والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها، فكان التقدير حتماً: فاتقوه؛ عطف عليه، أو على نحو {وسئلوا الله من فضله} [النساء: 32] أو على {اتقوا ربكم} الخُلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال: {واعبدوا الله} أي أطيعوا - الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل والانكسار، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر. ولما كان سبحانه غنياً لم يقبل إلا الخالص، فقال مؤكداً لما أفهمه

ما قبله: {ولا تشركوا به شيئاً} . ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له، وكان لذلك درجتان: أولاهما الإيمان، وأعلاهما الإحسان، فصار المأمور بذلك مخلصاً في عبادته؛ أمره بالإحسان في خلافته، وبدأ بأولى الناس بذلك، وهو من جعله سبباً لإيجاده فقال - مشيراً إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه، فلا يزال منعماً على من عداه -: {وبالوالدين} أي وأحسنوا بهما {إحساناً} وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه. ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي الرحم، قال مفصلاً لما ذكر أول السورة تأكيداً له: {وبذي القربى} لتأكد حقهم بمزيد قربهم، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين، وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه غيره فقال: {واليتامى والمساكين} أي وإن لم تكن رحمهم معروفة، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره {والجار ذي القربى} أي لأن له حقين {والجار الجنب}

أي الذي لا قرابة له، للبلوى بعشرته خوفاً من بالغ مضرته «اللهم! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول» {والصاحب الجنب} أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة {وابن السبيل} أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته {وما ملكت أيمانكم} أي من العبيد والإماء كذلك، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة «آخر ما تكلم به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة وما ملكت أيمانكم» . ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم، ختم الآية ترغيباً فيه وتحذيراً من منعه معللاً للأمر به بقوله: {إن الله} أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى {لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب مع {من كان مختالاً} أي متكبراً معجباً بنفسه متزيناً بحليته مرائياً بما آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء، ويقذر جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن إليهم لئلا يلمّوا به فيعيَّر بهم. ولما كان المختال ربما أحسن رياء، قال معلماً أنه لا يقبل إلا الخالص: {فخوراً *} مبالغاً في التمدح بالخصال، يأنف من عشرة الفقراء

وفي ذلك أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان، وهو الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم، فإنه لا مقتضى لذلك لأن الكل من نفس واحدة، والفضل نعمة منه سبحانه، يجب شكرها بالتواضع لتدوم، ويحذر كفرها بالفخار خوفاً من أن تزول. ولما كان الاختيال والفخر على الفرح بالأعراض الفانية والركون إليها والاعتماد عليها، فكانا حاملين على البخل خوفاً من زوالها؛ قال واصفاً لهم بجملة من الأخلاق الرديئة الجلية، ذلك منشأها: {الذين يبخلون} أي يوقعون البخل بما حملهم من المتاع الفاني على الفخار، وقصره ليعم كتم العلم ونحوه؛ ثم تلا ذلك بأسوأ منه فقال {ويأمرون الناس بالبخل} مقتاً للسخاء، وفي التعبير بما هو من النوس إشارة إلى أنهم لا يعلقون أطماعهم بذلك إلا بذوي الهمم السافلة والرتب القاصرة، ويحتمل أن يكون الأمر كناية عن حملهم غيرهم على البخل بما يرى من اختيالهم وافتخارهم عليهم؛ ثم أتبع ذلك أخبث منه، وهو الشح بالكلام الذي لا يخشى نقصه وجحد النعمة وإظهار الافتقار فقال: {ويكتمون ما أتاهم الله} أي الذي له الجلال

والإكرام {من فضله} أي من العلم جاحدين أن يكون لهم شيء يجودون به. قال الأصبهاني: ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية لله سبحانه وتعالى ولا يرضى بالقضاء. ثم عطف على {إن الله لا يحب} ملتفتاً إلى مقام التكلم، دلالة على تناهي الغضب وتعييناً للمتوعد، مصرحاً بمظهر العظمة الذي دل عليه هناك بالاسم الأعظم قوله: {وأعتدنا} أي أحضرنا وهيأنا، وكان الأصل: لهم، ولكنه قال - تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، وإعلاماً بأن ذلك حامل على الكفر -: {للكافرين} أي بفعل هذه الخصال كفراً حقيقياً بما أوصلهم إليه لزوم الأخلاق الدنية، أو مجازياً بكتمان النعمة {عذاباً مهيناً *} أي بما اغتروا بالمال الحامل على الفخر والكبر والاختيال «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» . ولما ذم المقترين، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفاً على {الكافرين} أو {الذين يبخلون} معرفاً أن الذين لا يحسنون على الوجه المأمور به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان: فرقة يمنعون النفقة أصلاً، وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها رياء، فيعدمون بذلك روحها -: {والذين ينفقون} وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم

بقوله: {أموالهم} ودل على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله: {رئاء الناس} أي لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات المشاهدات. ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل، ذكر الحامل عليه مشيراً إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد، وتكبروا على خالقهم العزيز المجيد فقال: {ولا يؤمنون بالله} وهو الملك الأعظم. ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن أشير إليهم في البقرة، أكد بزيادة النافي فقال: {ولا باليوم الآخر} الحامل على كل خير، والنازع عن كل شر. ولما كان التقدير: فكان الشيطان قرينهم، لكفره بإعجابه وكبره؛ عطف عليه قوله: {ومن يكن الشيطان} أي وهو عدوه البعيد من كل خير، المحترق بكل ضير {له قريناً} فإنه يحمله على كل شر، ويبعده عن كل خير؛ وإلى ذلك أشار بقوله: {فساء قريناً *} ولما كان التقدير: فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر

ولا نفع بيده؟ عطف عليه قوله تعنيفاً لهم وإنكاراً عليهم: {وماذا عليهم} أي من حقير الأشياء وجليلها {لو آمنوا بالله} أي الذي له كل كمال، وبيده كل شيء {واليوم الآخر} الحامل على كل صلاح {وأنفقوا} . ولما وصفهم بإنفاق جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو لله العلي الكبير بشيء يسير يحصل لهم به خير كثير، فقال: {مما رزقهم الله} الذي له الغنى المطلق والجود الباهر، ولما كان التقدير: فقد كان الله عليهم لما بذروا أموالهم قديراً، عطف عليه قوله: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال {بهم} أي في كلتا الحالتين {عليماً *} أي بليغ العلم، وللإعلام بعظمة العلم بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع.

40

ولما فرغ من توبيخهم قال معللاً: {إن الله} أي الذي له كل كمال، فهو الغني المطلق {لا يظلم} أي لا يتصور أن يقع منه ظلم ما {مثقال ذرة} أي فما دونها، وإنما ذكرها لأنها كناية عن العدم، لأنها مثل في الصغر، أي فلا ينقص أحداً شيئاً مما عمله، ولا يثيب عليه شيئاً لم يعمله، فماذا على من آمن به وهو

بهذه الصفة العظمى. ولما ذكر التخلي من الظلم، أتبعه التحلي بالفضل فقال عاطفاً على ما تقديره: فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها، ولا يجزي بها إلا مثلها: {وإن} ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيماً، حذف منه النون بعد حذف المعطوف عليه تقريباً لمرامه فقال: {تك} أي مثقال الذرة، وأنثه لإضافته إلى مؤنث، وتحقيراً له، ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى، وهذا يطرد في قراءة الحرميين برفع {حسنة} أي وإن صغرت {يضاعفها} أي من جنسها بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما يعلم من حسن العمل بحسن النية {ويؤت من لدنه} أي من غريب ما عنده فضلاً من غير عمل لمن يريد. قال الإمام: وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إلى السعادات الروحانية {أجراً عظيماً *} وسماه أجراً - وهو من غير جنس تلك الحسنة - لابتنائه على الإيمان، أي فمن كان هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة إلا إليه، ولا الاعتماد أصلاً بإنفاق وغيره إلا عليه. ولما تم تحذيره من اليوم الآخر وما ذكره من إظهار العدل

واستقصائه فيه كان سبباً للسؤال عن حال المبكتين في هذه الآيات إذ ذاك، فقال: {فكيف} أي يكون حالهم وقد حملوا أمثال الجبال من مساوي الأعمال! {إذا جئنا} على عظمتنا {من كل أمة بشهيد} أي يشهد عليهم {وجئنا بك} وأنت أشرف خلقنا {على هؤلاء} أي الذين أرسلناك إليهم وجعلناك شهيداً عليهم {شهيداً *} وفي التفسير من البخاري عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» اقرأ عليّ «قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال» إني أحب أن أسمعه من غيري «فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} قال» أمسك «فإذا عيناه تذرفان» ثم استأنف الجواب عن ذلك بقوله: {يومئذ} أي تقوم الإشهاد {يود الذين كفروا} أي ستروا ما تهدي إليه العقول من آياته وبين أنهم مخاطبون بالفروع في قوله: {وعصوا الرسول} بعد ستر ما أظهر من بيناته {لو تسوى بهم الأرض} أي تكون مستوية معتدلة بهم، ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم،

ولم يبق فيها شيء من عوج ولا نتوّ بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم؛ وإنما ودوا ذلك خوفاً مما يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم. ولما كان التقدير: فلا تسوى بهم، عطف عليه قوله: {ولا يكتمون الله} أي الملك الأعظم {حديثاً *} أي شيئاً أحدثوه بل يفتضحون بسيىء أخبارهم، ويحملون جميع أوزارهم، جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من بيناته. ولما وصف الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال إلى تمني العدم، ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم حديثاً، وتضمن وصفه أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، والذي خطرت معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره، وأمر بالطهارة في حال التزين به عن الخبائث فقال: {يا أيها الذين أمنوا} أي أقروا بالتصديق بالرسل وما أتوا به عن الله، وأوله وأولاه

أن لا تشركوا به شيئاً من الإشراك {لا تقربوا الصلاة} أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلاً عن أن تفعلوها {وأنتم} أي والحال أنكم {سكارى} أي غائبو العقل من الخمر أو نحوها، فإنه يوشك أن يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل - إلى شيء من الإشراك، فيكون شركاً لسانياً وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان، فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف الأكبر، فإن من أنتم بين يديه لا يكتم حديثاً، فيود من نطق سانه بذلك - لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم! وأصل السكر في اللغة: سد الطريق؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري: رجاله ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه «أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] فنزلت» هكذا رواه، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري، فبينوا المراد، وهو أن الذي صلى بهم قرأ: أعبد ما تعبدون، وفي رواية الترمذي: ونحن نعبد ما تعبدون.

ولما أفهم النهي عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه، صرح به في قوله: {حتى} أي ولا يزال هذا النهي قائماً حتى {تعلموا} بزوال السكر {ما تقولون} فلا يقع منكم حينئذ تبديل؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في حقيقته ومجازه؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم، أي يصحو، ونهى كل واحد أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفاً على محل {وأنتم سكارى} : {ولا} أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلاً عنها {جنباً} أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين، لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة {إلا عابري سبيل} أي مارين مروراً من غير مكث ولا صلاة؛ ولما غيَّى منع الجنابة بقوله: {حتى تغتسلوا} أي تغسلوا البدن عمداً، ولما كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال الماء؛ ذكرها فقال مرتباً لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج: {وإن كنتم مرضى} أي بجراحة أو غيرها مرضاً يمنع من طلب الماء أو استعماله {أو على سفر} كذلك سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً {أو جاء أحد منكم} أي

أيها المؤمنون! ولو كان حاضراً صحيحاً {من الغائط} أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي، أي: أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا بد له منها، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده. ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون بجماع أو غيره، ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال: {أو لامستم النساء} أي بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا، وأخر هذا لأنه مما منه بد، ولا يتكرر تكرر قضاء الحاجة {فلم تجدوا ماء} أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله {فتيمموا} أي اقصدوا قصداً صادقاً بأن تلابسوا ناوين {صعيداً} أي تراباً {طيباً} أي طهوراً خالصاً فهو بحيث ينبت {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} [الأعراف: 58] {فامسحوا} وهذه عبادة خاصة بنا. ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصراً للفعل في قوله: {بوجوهكم} أي أوقعوا المسح بها سواء عم التراب منبت الشعر أم لا {وأيديكم} أي منه

كما صرح به في المائدة، لا فيه ولا عليه مثلاً، ليفهم التمعك أو أن الحجر مثلاً يكفي، والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب عن المس، أو هو مماسة خاصة، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ. ولما نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به سبحانه وتعالى، وخفف ما كان شديداً بالتيمم؛ ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الذي اختص بالكمال {كان عفوّاً} أي بترك العقاب على الذنب، وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر {غفوراً *} أي بترك العقاب وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلاً، وكأن هذا راجع إلى التيمم، فإن الصلاة معه حسنة، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقباً عليها، إما على تركها لمشقة استعمال الماء عند التساهل، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه التنطع، وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسراً غير معسر.

44

ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سبباً للإجرام، فيكون سبباً في الانتقام؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت

لهم الآصار عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغباً في تقبل ما مر من التكاليف ليسره ولرجاء الثواب، مرهباً من تركها خوفاً من العقاب، وليصير الكلام حلواً رائقاً بهجاً بتفصيل نظمه تارة بأحكام، وتارة بأقاصيص عظام، فينشط الخاطر وتقوى القريحة -: {ألم تر} أو يقال: إنه لما حذر سبحانه وتعالى فيما مضى من أهل الكتاب بقوله سبحانه وتعالى {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} [النساء: 27] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في الصلاة لسانه فقط لا عن عمد الكلم عن واضعه؛ أتبعها التصريح بالتعجيب من حال المحرفين بالقلب واللسان عمداً وعدواناً اجتراء على الله سبحانه وتعالى، الملوح إليهم بالآية السابقة أنهم يريدون لنا الضلال عما هدينا إليه من سننهم فقال: {ألم تر} . ولما كانوا بمحل البعد - بما لهم من اللعن - عن حضرته الشريفة، عبر بأداة الانتهاء، بصرية كانت الرؤية أو قلبية، فقال: {إلى الذين أوتوا} وحقر أمرهم بالبناء للمفعول وبقوله: {نصيباً من الكتاب} أي كشاس بن قيس الذي أراد الخلف بين الأنصار، وفي ذلك أن أقل شيء من الكتاب يكفي في ذم الضلال، لأنه كاف في الهداية

{يشترون} أي يتكلفون ويلحون - بما هم فيه من رئاسة الدنيا من المال والجاه - أن يأخذوا {الضلالة} معرضين عن الهدى غير ذاكريه بوجه، وسبب كثير من ذلك ما في دينهم من الآصال والأثقال، كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} [مريم: 59] أي بسبب ما شدد عليهم فيها بأنها لا تفعل إلا في الموضع المبني لها، وبغير ذلك من أنواع الشدة، وكذا غيرها المشار إليه بقوله سبحانه وتعالى {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] وغير ذلك، ومن أعظمه ما يخفون من صفة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليتقربوا بذلك إلى أهل دينهم، ويأخذوا منهم الرشى على ذلك، ويجعلوهم عليهم رؤساء. ولما ذكر ضلالهم المتضمن لإضلالهم، أتبعه ما يدل على إعراقهم فيه، فقال مخاطباً لمن يمكن توجيه هممهم بإضلال إليه: {ويريدون أن تضلوا} أي يا أيها الذين آمنوا {السبيل *} حتى تساووهم، فلذلك يذكرونكم بالأحقاد والأضغان والأنكاد - كما فعل شاس - لا محبة فيكم، ويلقون إليكم الشبهة، فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم حيث

حذركم منه بقوله {لا يألونكم خبالاً} [آل عمران: 118] وما بعده إلى هنا {والله} أي المحيط علمه وقدرته {أعلم} أي من كل أحد {بأعدائكم} أي كلهم هؤلاء وغيرهم، بما يعلم من البواطن، فمن حذركم منه كائناً من كان فاحذره. ولما كان كل من قبيلتي الأنصار قد والوا ناساً من اليهود ليعتزوا بهم وليستنصروهم، قال تعالى فاطماً لهم عن موالاتهم: {وكفى} أي والحال أنه كفى به هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الاسم الأعظم لتستحضر عظمته، فيستهان أمر الأعداء فقال: {بالله ولياً} أي قريباً بعمل جميع ما يفعله القريب الشفيق. ولما كان الولي قد تكون فيه قوة النصرة، والنصير قد لا يكون له شفقة الولي، وكانت النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه؛ أفردها بالذكر إعلاماً باجتماع الوصفين مكرراً الفعل والاسم الأعظم اهتماماً بأمرها فقال: {وكفى بالله} أي الذي له العظمة كلها {نصيراً *} أي لمن والاه فلا يضره عداوة أحد، فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بأحد منهم ولا من غيرهم، فهو يكفيكم الجميع.

ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين هؤلاء الذين يريدون الإضلال، قال بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من الجمل لمزيد الاهتمام به: {من الذين هادوا} ثم بين ما يضلون به ويضلون بقوله - ويجوز أن يكون استئنافاً بمعنى: بعضهم، أو منهم من -: {يحرفون الكلم} أي الذي أتى به شرعهم من صفة النبي الأمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفه دينه وأمته وغير ذلك مما يريدون تحريفه لغرض، فيتألفون في إمالته وتغييره عن حده وطرفه إلى حد آخر مجاوزين به {عن} ولما كانت الكلمة إذا غيرت تبعها الكلام وهو المقصود بالذات، نبه على ذلك بتذكير الضمير فقال: {مواضعه} أي التي هي به أليق، فيتم ضلالهم وإضلالهم، وهو يشمل ما إذا كان المعنى المغير إليه بعيداً عن المغير أو قريباً، فالذي في المائدة أخص. ولما كان سبحانه وتعالى عالماً بجميع تحريفهم، أشار إليه بالعطف على ما تقديره: فيقولون كذا ويقولون كذا: {ويقولون سمعنا} أي ما تقول {وعصينا} موهمين أنهم يريدون أن ذلك حكاية ما وقع لأسلافهم قديماً، وإنما يريدون أنهم هم سمعوا ما تقول وخالفوه عمداً ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في المخالفة بسبب ما عندهم

من العلم الرباني ليورثه ذلك شكاً في أمره وحيرة في شأنه {واسمع} حال كونك {غير مسمع} موهمين عدم إسماعه ما يكره من قولهم: فلان أسمع فلاناً الكلام، وإنما يريدون الدعاء، كما يقال: اسمع لا سمعت! {وراعنا} موهمين إرادة المراعاة والإقبال عليهم، وإنما يريدون الشتم بالرعونة؛ وقال الأصفهاني: ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها وهي: راعينا، فكانوا - سخرية بالدين وهزءاً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والإكرام، ولذلك قال: {ليّاً بألسنتهم} أي صرفاً لها عن مخارج الحروف التي تحق لها في العربية إلى ما يفعله العبرانيون من تغليظ بعض الحروف وشوب بعضها بغيره، لإرادة معانٍ عندهم قبيحة مع احتمالها لإرادة معانٍ غير تلك يقصدها العرب مليحة {وطعناً في الدين} أي بما يفسرونه به لمن يطمعون فيه من تلك المعاني الخبيثة. ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة، بين ما كان عليهم لو وقفوا

فقال قاطعاً جدالهم: {ولو أنهم قالوا} أي في الجواب له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سمعنا وأطعنا} أي بدل الكلمة الأولى {واسمع وانظرنا} بدل ما بعدها {لكان} أي هذا القول {خيراً لهم} أي من ذلك، لعدم استيجابهم الإثم {وأقوم} أي لعدم الاحتمال الذم {ولكن لعنهم الله} أي طردهم الذي له جميع صفات العظمة والكمال، وأبعدهم عن الخير {بكفرهم} أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ودلائل الخير، فلم يقولوا ذلك. ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال: {فلا يؤمنون} أي يتجدد لهم إيمان {إلا قليلاً *} أي منهم؛ استثناء من الواو، فإنهم يؤمنون، أو هو استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها لكفرهم بغيره.

47

ولما بكتهم على فعلهم وقولهم وصرح بلعنهم، خوَّفهم إظهار ذلك في الصور المحسوسة فقال مقبلاً عليهم إقبال الغضب: {يا أيها الذين} منادياً لهم من محل البعد {أوتوا الكتاب} ولم يسند الإيتاء إليه تحقيراً لهم، ولم يكتف بنصيب منه لأنه لا يكفي في العلم

بالمصادقة إلا الجميع {آمنوا بما نزلنا} أي تدريجاً كما نزلنا التوراة كذلك، على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله: {مصدقاً لما معكم} من حيث أنهم له مستحضرون، وبه في حد ذاته مُقِرّون. ولما أمرهم وقطع حجتهم، حذرهم فقال - مخففاً عنهم بالإشارة بحرف الجر إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم -: {من قبل أن نطمس} أي نمحو {وجوهاً} فإن الطمس في اللغة: المحو؛ وهو يصدق بتغيير بعض الكيفيات، ثم سبب عن ذلك قوله: {فنردها} فالتقدير: من قبل أن نمحو أثر وجوه بأن نردها {على أدبارها} أي بأن نجعل ما إلى جهة القبل من الرأس إلى جهة الدبر، وما إلى الدبر النقل من حال إلى ما دونها من ضدها بجعلها على حال القفا، ليس فيها معلم من فم ولا غيره، ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني؛ قال ابن هشام: نطمس: نمسحها فنسويها، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه، وكذلك {فطمسنا أعينهم} [القمر: 37] المطموس العين: الذي

ليس بين جفنيه شق، ويقال: طمست الكتاب والأثر فلا يرى منه شيء. ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته؛ ثم خوفهم نوعاً آخر من الطمس فقال عاطفاً على (نردها) : {أو نلعنهم} أي نبعدهم جداً عن صورة البشر أن نقلب وجوههم أو جميع ذواتهم على صورة القردة {كما لعنا أصحاب السبت} إذ قلنا لهم {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن الجملة، فهو إذن مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويجوز أن يكون واحد الوجهاء، فيكون عود الضمير إليه استخداماً، ويكون المراد بالرد على الأدبار جعلهم أدنياء صغرة من الأسافل - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما كان ذلك أمراً غريباً ومقدوراً عجيباً، وكان التقدير: فقد كان أمر الله فيهم بذلك - كما علمتم - نافذاً؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة، وأن وجوه مقدوراته لا تنحصر فقال عاطفاً على ما قدرته: {وكان أمر الله} أي حكمه وقضاؤه ومراده في كل شيء شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره، لأن له العظمة التي لا حد لها والكبرياء التي تعيي الأوصاف دونها {مفعولاً *} أي كائناً حتماً، لا تخلف

له أصلاً، فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا، وقد آمن بعضهم فلم يصح أنهم لم يؤمنوا، لأنه قد وقع منهم إيمان. ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم يقولون: سيغفر لنا، وكان امتثالهم لتحريف أحبارهم ورهبانهم شركاً بالله - كما قال سبحانه وتعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31] قال - معللاً لتحقيق وعيدهم، معلماً أن ما أشير إليه من تحريفهم أداهم إلى الشرك -: {إن الله} أي الجامع لصفات العظمة {لا يغفر أن يشرك به} أي على سبيل التجديد المستمر إلى الموت سواء كان المشرك من أهل الكتاب أم لا، وزاد ذلك حسناً انه في سياق {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} [النساء: 36] . ولما أخبر بعدله أخبر بفضله فقال: {ويغفر ما دون ذلك} الأمر الكبير العظيم من كل معصيته سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سواء تاب فاعلها أو لا، ورهب بقوله - إعلاماً بأنه مختار، لا يجب عليه شيء -: {لمن يشاء} . ولما كان التقدير: فإن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً، عطف عليه قوله: {ومن يشرك} أي يوجد منه شرك في الحال أو المآل، وأما الماضي فجبته التوبة {بالله} أي الذي كل شيء

دونه {فقد افترى} أي تعمد كذباً {إثماً عظيماً *} أي ظاهراً في نفسه من جهة عظمه أنه قد ملأ أقطار نفسه وقلبه وروحه وبدنه مظهراً للغير أنه إثم، فهو في نفسه منادٍ بأنه باطل مصر، فلم يدع للصلح موضعاً، فلم تقتض الحكمة العفو عنه، لأنه قادح في الملك، وإنما طوى مقدمة الضلال وذكر مقدمة الافتراء - لكون السياق لأهل الكتاب الذين ضلالهم على علم منهم وتعمد وعناد، بخلاف ما يأتي عن العرب، وفي التعبير بالمضارع استكفاف مع استعطاف واستجلاب في استرهاب.

49

ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين بهذه الآيات من أهل الكتاب أضل الناس، وكانوا يقولون: إنهم أهدى الناس؛ عجب منهم منكراً عليهم بعد افترائهم تزكية أنفسهم فقال: {ألم تر} وأبعدهم بقوله: {إلى الذين يزكون أنفسهم} أي بما ليس لهم من قولهم {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} [البقرة: 80] وقولهم {لن يدخل الجنة لا من كان هوداً أو نصارى} [البقرة: 111] وقوله: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} [النساء: 27] فإن إبعاد غيرهم

في الميل مصحح لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ونحو ذلك مما تقدم وغيره. ولما كان معنى الإنكار: ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا، أشار إليه بقوله: {بل الله} أي الذي له صفات الكمال {يزكي من يشاء} أي بما له من العلم التام والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء عليه وبخلق معاني الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها الأعمال الصالحة، فإذا زكي أحداً من أصفيائه بشيء كالنبوة، كان له أن يزكي نفسه بذلك حملاً على ما ينفع الناس به عن الله {ولا} أي والحال أن الذين يزكيهم أو يدسيهم لا {يظلمون فتيلاً *} أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول، أي قليلاً ولا كثيراً، لأنه عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن الظلم، لأن له صفات الكمال. ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة والعلم الشامل، وكان ذلك أمراً لا نزاع فيه، وشهد عليهم بالضلال، وثبت أن ذلك كلامه بما له من الإعجاز في حالتي الإطناب والإيجاز؛ ثبت كذبهم فزاد في توبيخهم فقال - معجباً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

من وقاحتهم واجترائهم على من يعلم كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب، مبيناً أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحضرة بعد بيان بعدهم -: {انظر كيف يفترون} أي يتعمدون {على الله} أي الذي لا يخفي عليه شيء ولا يعجزه شيء {الكذب} أي من غير خوف منهم لذلك عاقبة {وكفى} أي والحال أنه كفي {به} أي بهذا الكذب {إثماً مبيناً *} أي واضحاً في نفسه ومنادياً عليها بالبطلان. ولما عجب من كذبهم دلَّ عليه بقوله: {ألم تر} وكان الأصل: إليهم، ولكنه قال - لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن علم -: {إلى الذين} وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة {أوتوا نصيباً من الكتاب} أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من الله {يؤمنون بالجبت} وهو الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله {والطاغوت} وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا، وهي مما نهي عنه في كتابهم - وأصله ومداره مجاوزة الحد عدواناً، وهو واحد وقد يكون جمعاً، قال سبحانه وتعالى {أوليائهم الطاغوت يخرجونهم} [البقرة: 257] والحال أن أقل نصيب من الكتاب كافٍ في النهي عن ذلك وتكفير فاعله.

ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبراً بصيغة المضارع دلالة على عدم توبتهم -: {ويقولون للذين كفروا} ودل بالتعبير بالإشارة دون الخطاب على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم، حيث لا حامل لهم على القول إلا محض الكفر فقال: {هؤلاء} أي الكفرة العابدون للأصنام {أهدى} أي أقوم في الهداية {من الذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة، فيفهم ذمهم بالتفضيل على الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى {سبيلاً *} مع أن في كتابهم من إبطال الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيداً أكيداً وأمراً عظيماً شديداً. ولما أنتج ذلك خزيهم قال: {أولئك} أي البعداء عن الحضرات الربانية {الذين لعنهم الله} أي طردهم بجميع ما له من صفات الكمال طرداً هم جديرون بأن يختصوا به. ولما كان قصدهم بهذا القول مناصرة المشركين لهم وكان التقدير: فنالوا بذلك اللعن الذل والصغار، عطف عليه قوله: {ومن يلعن الله} أي الملك الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم {فلن تجد له نصيراً *} أي في وقت من الأوقات أصلاً، وكرر التعبير بالاسم الأعظم لأن المقام يقتضيه إشعاراً لتناهي الكفر

الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب. ولما كان التقدير: كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار، عطف عليه قوله: {أم} أي ليس {لهم نصيب} أي واحد من الأنصباء {من الملك فإذاً} أي فيتسبب عن ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه {لا يؤتون الناس} أي الذين آمنوا {نقيراً *} أي شيئاً من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من غيره، والنقير: النقرة في ظهر النواة، قيل: غاية في القلة؛ فهو كناية عن العدم، فهو بيان لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل فكيف بدرجة الملك لأن الملك والبخل لا يجتمعان {أم} أي ليس لهم نصيب ما من الملك، بل ذلهم لازم وصغارهم أبداً كائن دائم، فهم {يحسدون الناس} أي محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين والآخرين وزاد عليهم ما شاء الله، أو العرب الذي لا ناس

الآن غيرهم، لأنَّا فضلناهم على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم، ودل على نهاية حسدهم بأداة الاستعلاء في قوله: {على ما آتاهم الله} أي بما له من صفات الكمال {من فضله} حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور سعدهم وأنهم سادة الناس وقادة أهل الندى والبأس: إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حساداً وقد آتاهم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الملك، فإنه على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر والبواطن معاً، وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي كل منها سبب للانقياد، وذلك مع ما لهم بالله سبحانه وتعالى من تمام الوصلة؛ وملك على الظواهر فقط، وهو ملك الملوك؛ وملك على البواطن فقط، وهو ملك العلماء. ولما ذمهم سبحانه وتعالى أولاً بالجهل ومدح النفس تشبعاً بما لم يعطوا، وذلك سبب لجميع النقائص، وثانياً بأعظم منه: منع الحق من أهله بخلاً، وثالثاً بأعظم منهما: تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كانت لا تنقصهم، فحازوا بذلك أعلى خلال الذم، وكانت

المساوي تضع والمحاسن ترفع، تسبب عن هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال: {فقد} أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنَّا آتيناهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم به في استحقاق الفضائل فقال: {آتينا} أي بما لنا من العظمة {آل إبراهيم} أي الذي أعلمناكم في كتابكم أنا أقسمنا له أنَّا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالاً على جميع حدود إخوته، ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد كل به {الكتاب} أي الذي لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل {والحكمة} أي النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم {وآتيناهم} مع ذلك {ملكاً عظيماً *} أي ضخماً واسعاً باقياً إلى أن تقوم الساعة {فمنهم} أي من آل إبراهيم {من آمن به} وهم أغلب العرب {ومنهم من صد عنه} أي أعرض بنفسه، وصد غيره كبني إسرائيل وبعض العرب. ولما كان قد علم من السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر دنيوي، وكان التقدير لبيان أمرهم في الآخرة: فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد الذل في هذه الدار والهوان والصغار، عطف

عليه قوله: {وكفى بجهنم سعيراً *} أي توقداً والتهاباً في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى الأذى، وفي آية الطاغوت أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة بالهداية، وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس الفاني، وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك بالحسد لمن آتاه الله ما لا ينقصهم.

56

ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله: {إن الذين كفروا بآياتنا} أي ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها {سوف نصليهم} أي بوعيد ثابت وإن طال معه الإمهال {ناراً} ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة، استأنف قوله رداً لذلك: {كلما نضجت جلودهم} أي صارت بحرّها إلى حالة اللحم النضيج الذي أدرك أن يؤكل، فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح، فلا يحس بالألم {بدَّلناهم} أي جعلنا لهم {جلوداً غيرها} أي غير النضيجة بدلاً منها بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها،

كما إذا صُغتَ من خاتم خاتماً على غير هيئته، فإنه هو الأول لأن الفضة واحدة، وهو غيره لأن الهيئة متغايرة، وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في الهيئة {ليذوقوا} أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب {العذاب} أي ليدوم لهم تجدد ذوقه، فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت، كما كانوا يجددون التكذيب بذلك كل وقت، ليكون الجزاء من جنس العمل، فإنه لو لم يُعِدْ منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم. ولما كان هذا أمراً لم يعهد مثله، دل على قدرته عليه بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {كان} ولم يزل {عزيزاً} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {حكيماً *} ي يتقن صنعه، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم، لأن عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا. ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال: {والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {وعملوا} بياناً لصدقهم فيه {الصالحات سندخلهم} أي بوعد لا خلف فيه، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم

مدة، أو أنهم أقصرهم أعماراً إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف {جنات} أي بساتين، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال: {تجري من تحتها الأنهار} أي إن أرضها في غاية الريّ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر. ولما ذكر قيامها وما به دوامها، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال: {خالدين فيها أبداً} ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال: {لهم فيها أزواج} والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل: {مطهرة} أي متكرر طهرها، لا توجد وقتاً ما على غير ذلك. ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر، وربما آذى حرها، أمّن من ذلك فيها بقوله: {وندخلهم} أي فيها {ظلاً} أي عظيماً، وأكده بقوله {ظليلاً *}

أي متصلاً لا فرج فيه، منبسطاً لا ضيق معه دائماً لا تصيبه الشمس يوماً ما، ولا حر فيه ولا برد، بل هو في غاية الاعتدال. ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في الإرث وغيره، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال، وذكر خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث «سبعة يظلمهم الله في ظله» فقال: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يأمركم} أي أيتها الأمة {أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} أي من غير خيانة ما، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره، والأمانة: كل ما وجب لغيرك عليك. ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه، أمر بما يحق له في معاملة غيره،

وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفاً شيئين على شيئين: {إذا حكمتم} وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله: {بين الناس} وبين المأمور به بقوله: {أن تحكموا بالعدل} أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل» الحديث. ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله: {إن الله} معبراً أيضاً بالاسم الأعظم {نعمَّا} أي نعم شيئاً عظيماً {يعظكم به} وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله: {إن الله} مكرراً لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم. ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال: {كان} أي ولم يزل ولا يزال

{سميعاً} أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جواباً لأمره وغيره ذلك {بصيراً *} أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره. ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه، ورهب من تركه؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال: {أطيعوا} أي بموافقة الأمر تصديقاً لدعواكم الإيمان {الله} أي فيما أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى، وعظم رتبة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعادة العامل فقال: {وأطيعوا الرسول} فيما حده لكم في سنته عن الله وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة مقتضٍ لذلك، ولهذا عبر به دون النبي {وأولي الأمر منكم} أي الحكام، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية - كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل - من طاعة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وطاعته من طاعة الله عز وجل؛ والعلماء من أولي الأمر أيضاً، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس، فسبب عما تقديره: هذا في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها، قوله: {فإن تنازعتم في شيء} أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم {فردوه إلى الله} أي المحيط علماً وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه {والرسول} أي الكامل الرسالة بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس، ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ذكره، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله: {إن كنتم تؤمنون} أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان {بالله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {واليوم الآخر} الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية، ثم دل على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصاً رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {خير} أي وغيره شر {وأحسن تأويلاً *} أي عاقبة أو

ترجيعاً ورداً من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة من الكتاب والسنة، فإن في الأحكام ما لا يستقل عنهما قال: «نزلت هذه الآية {أطيعوا الله} في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرية» يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار.

60

ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد أن جمع الخلق على طاعته بالطريق الذي ذكره: فمن أبى ذلك فليس بمؤمن، دل عليه بقوله معجباً مخاطباً لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول: {ألم تر} وأشار إلى بعدهم عن على حضرته بقوله: {إلى الذين} وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله: {يزعمون أنهم آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم {بما أنزل إليك} ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله: {وما} أي ويزعمون أنهم آمنوا بما {أنزل من قبلك} أي من التوراة والإنجيل، قال الأصبهاني: ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر

إلا في القول الذي لا يتحقق، يقال: زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه، والمراد أن هؤلاء قالوا قولاً هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم {يريدون أن يتحاكموا} أي هم وغرماؤكم {إلى الطاغوت} أي إلى الباطل المعرق في البطلان {وقد} أي والحال أنهم قد {أمروا} ممن له الأمر {أن يكفروا به} في كل ما أنزل من كتابك وما قبله، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به كافرين بالله وهو معنى قوله: {ويريد الشيطان} بإرادتهم ذلك التحاكم {أن يضلهم} أي بالتحاكم إليه {ضلالاً بعيداً *} بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى. وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت، ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {وإذا قيل لهم} أي من أي قائل كان {تعالوا} أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم {إلى ما أنزل الله}

أي الذي عنده كل شيء {وإلى الرسول} أي الذي تجب طاعته لأجل مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة، رأيتهم - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال: {رأيت المنافقين يصدون} أي يعرضون {عنك} وأكد ذلك بقوله: {صدوداً} أي هو في أعلى طبقات الصدود. ولما تسبب عن هذا تهديدهم، قال - مهولاً لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه بالاستفهام، معلماً بأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار -: {فكيف} أي يكون حالهم {إذا أصابتهم مصيبة} أي عقوبة هائلة {بما قدمت أيديهم} مما ذكرنا ومن غيره. ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيداً لأن الكذب عند العرب كان شديداً؛ قال: {ثم جاءوك} أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال كونهم {يحلفون بالله} أي الحاوي لصفات الكمال من الجلال والجمال غير مستحضرين لصفة من صفاته {إن} أي ما {أردنا} أي في جميع أحوالنا وبسائر أفعالنا {إلا إحساناً وتوفيقاً *} أي أن تكون الأمور على الوجه الأحسن والأوفق لما رأينا في ذلك مما خفي على غيرنا - وقد كذبوا في جميع ذلك.

ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما يصدر منهم من التناقضات وهم غير محتشمين ولا هائبين، قال معلماً بشأنهم معلماً لما يصنع بهم: {أولئك} أي البعداء عن الخير {الذين يعلم الله} أي الحاوي لنعوت العظمة {ما في قلوبهم} أي من شدة البغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه عنه، ثم سبب تعليماً لما يصنع بهم وإعلاماً بأنهم لا يضرون إلا أنفسهم قوله: {فأعرض عنهم} أي عن عقابهم وعن الخشية منهم وعن عتابهم، لأنهم أقل من أن يحسب لهم حساب {وعظهم} أي وإن ظننت أن ذلك لا يؤثر، لأن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى يصطنعها لما أراد متى أراد {وقل لهم في أنفسهم} أي بسببها وما يشرح أحوالها ويبين نقائصها من نفائسها، أو خالياً معهم، فإن ذلك أقرب إلى ترقيقهم {قولاً بليغاً *} أي يكون في غاية البلاغة في حد ذاته.

64

ولما أمر بطاعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذم من حاكم إلى غيره وهدده، وختم تهديده بأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإعراض عنه والوعظ له، فكان التقدير: فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا الرفق بالأمة والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة، عطف عليه قوله: {وما أرسلنا} أي بما لنا من العظمة، ودل على الإعراق في الاستغراق بقوله: {من رسول} ولما كان ما يؤتيهم

سبحانه وتعالى من الآيات ويمنحهم به من المعجزات حاملاً في ذاته على الطاعة شبهه بالحامل على إرساله فقال: {إلا ليطاع} أي لأن منصبه الشريف مقتض لذلك آمر به داعٍ إليه {بإذن الله} أي بعلم الملك الأعظم الذي له الإحاطة بكل شيء في تمكينه من أن يطاع، لما جعلنا له من المزية بالصفات العظيمة والمناصب الجليلة والأخلاق الشريفة كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولما كان التقدير: فلو أطاعوك لكان خيراً لهم، عطف عليه قوله: {ولو أنهم إذ} أي حين {ظلموا أنفسهم} أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره {جاءوك} أي مبادرين {فاستغفروا الله} أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من الملك الأكرم لما استحضروه له من الجلال {واستغفر لهم الرسول} أي ما فرطوا بعصيانه فيما استحقه عليهم من الطاعة {لوجدوا الله} أي الملك الأعظم {تواباً رحيماً *} أي بليغ التوبة على عبيده والرحمة، لإحاطته بجميع صفات الكمال، فقبل توتبهم ومحا ذنوبهم وأكرمهم.

ولما أفهم ذلك أن إباءهم لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم من الإيمان، قال - مؤكداً للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات مضمونه و «لا» النافية لنقيضه: {فلا وربك} أي المحسن إليك {لا يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف ويجددونه {حتى يحكموك} أي يجعلوك حكماً {فيما شجر} أي اختلط واختلف {بينهم} من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجر في التداخل والتضايق. ولما كان الإذعان للحكم بما يخالف الهوى في غاية الشدة على النفس أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لا يجدوا في نفسهم حرجاً} أي نوعاً من الضيق {مما قضيت} أي عليهم به، وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل فقال: {ويسلموا} أي يوقعوا التسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم وغيرها لله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالصاً عن شوب كره؛ ثم زاده تأكيداً بقوله: {تسليماً *} وفي الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار، فلا التفات إلى من قال: إنه حاطب رضي الله عنه. ولما كان التقدير: فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها، عطف عليه قوله: {ولو أنا كتبنا عليهم} أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه

وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة {إن اقتلوا أنفسكم} أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة، هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها {أو اخرجوا} كما فعل المهاجرون - رضي الله تعالى عنهم - الذين الزبير من رؤوسهم {من دياركم} أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم - توبة لربكم {ما فعلوه} أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا، فاستحقوا القتل. ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه، قال: {إلا قليل منهم} أي وهم العالمون بأن الله سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم، وأن حياتهم إنما هي في طاعته؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه، قال: أما والله! إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك. ولا ريب في أن التقدير: ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا

بهذه الحنيفية السمحة. ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف، قال مرغباً: {ولو أنهم} أي هؤلاء المنافقين {فعلوا ما يوعظون} أي يجدد لهم الوعظ في كل حين {به لكان} أي فعلهم ذلك {خيراً لهم} أي مما اختاروه لأنفسهم {وأشد تثبيتاً *} أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة {وإذاً لآتيناهم} أي وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم بما لنا من العظمة إيتاء مؤكداً لا مرية فيه. وأشار بقوله: {من لدنا} إلى أنه من غرائب ما عنده من خوارق خوارق العادات ونواقض نواقض المطردات {أجراً عظيماً * ولهديناهم} أي بما لنا من العظمة {صراطاً مستقيماً *} أي يوصلهم إلى مرادهم، وقد عظم سبحانه وتعالى هذا الأجر ترغيباً في الطاعة أنواعاً من العظمة منها التنبيه ب «إذا» ، والإتيان بصيغة العظمة و «لدن» مع العظمة والوصف بالعظيم.

69

ولما رغب في العمل بمواعظه، وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ، وكان ما قدمه في وعظه أمراً مجملاً؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ في مطلق الطاعة التي المقام كله لها، مفصلاً إجمال ما وعد

عليها فقال: {ومن يطع الله} أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره مستحضراً عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد والاستمرار {والرسول} أي في كل ما أراده، فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك، لا سيما من بلغ نهايتها {فأولئك} أي العالو الرتبة العظيمو الشرف {مع الذين أنعم} أي بما له من صفات الجلال والجمال {عليهم} أي معدود من حزبهم، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة، لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة. ثم بينهم بقوله: {من النبيين} أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم، وأنبؤوا الناس بحلائل الكلم، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم {والصديقين} أي الذين صدقوا أول الناس ما أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم، فكانوا قدوة لمن بعدهم {والشهداء} أي الذين لم يغيبوا أصلاً عن حضرات القدس ومواطن الأنس طرفة عين، بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه وتعالى بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين الله بالحق، ولسواه بالبطلان بالحجة أو بالسيف، ثم قتلوا في سبيل الله {والصالحين} أي الذين لا يعتريهم في ظاهر ولا باطن بحول الله فساد أصلاً، وإلى

هذا يشير كلام العارف الشيخ رسلان حيث قال: ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه، وقد تجتمع الصفات الأربع في شخص وقد لا تجتمع، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية وإن قلنا: إن علياً وزيداً رضي الله تعالى عنهما أسلما قبله، لأنه - لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعاً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان قدوة لغيره، ولذلك كان سبباً لإسلام ناس كثير وأولئك كانوا سبباً لإسلام غيرهم، فكان له مثل أجر الكل، وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في الله سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وغير ذلك من الأفعال الدالة على صدقه، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة النبوة، ولرفع الواسطة بينهما وفق الله سبحانه وتعالى هذه الأمة التي اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودفنه إلى جانبه، ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر عمره بهم فقال: «مع الرفيق الأعلى» روى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنهما قالت: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول «ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا

والآخرة» ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة، فسمعته يقول: {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خيّر. ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء، لم يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال من معهم، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله: {وحسن} أي وما أحسن {أولئك} أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق {رفيقاً *} من الرفق، وهو لغة: لين الجانب ولطافة الفعل وهو مما يستوي واحده وجمعه. ثم أشار إلى تعظيم ما منحهم به مرغباً في العمل بما يؤدي إليه بأداة البعد فقال: {ذلك الفضل} وزاد في الترغيب فيه بالإخبار عن هذا الابتداء بالاسم الأعظم فقال: {من الله} . ولما كان مدار التفضيل على العلم، قال - بانياً على تقديره: لما يعلم من صحة بواطنهم اللازم منها شرف ظواهرهم -: {وكفى بالله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليماً *} يعلم من الظواهر والضمائر ما يستحق به التفضيل من فضله على غيره. ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب من قبل موعظته

ولو في قتل نفسه، وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين المخادعين، فتوفرت دواعي الراغبين في المكارم على ارتقابها؛ التفت إلى المؤمنين ملذذاً لهم بحسن خطابه نادباً إلى الجهاد مع الإرشاد إلى الاستعداد له مما يروع الأضداد، فقال سبحانه وتعالى - منبهاً بأداة البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى تنبيه على مثل هذا -: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان. ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلاً يحمله على التيقظ والتحرز من الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - مهملاً له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه؛ قال سبحانه وتعالى: {خذوا حذركم} أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم: المشاققين منهم والمنافقين {فانفروا} أي اخرجوا تصديقاً لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين {ثبات} أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية. لا تملوا ذلك أصلاً {أو انفروا جميعاً *} أي عسكراً واحداً، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه قال: خففت

عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم آمركم إلا بما تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد القتال الذي هو مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدرجة التي ما بعدها إلا درجة النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت. ولما كان التقدير: فإن منكم الخارج إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر، عطف عليه قوله - مبيناً لما هو من أجلّ مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقين للتحذير منهم، ووصفهم ببعض ما يخفون، مؤكداً لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر أن يكون كذلك -: {وإن منكم} أي يا أيها الذين آمنوا وعزتنا {لمن ليبطئن} أي يتثاقل في نفسه عن الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه، ويأمر غيره بذلك أمراً مؤكداً إظهاراً للشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر الضعف المؤدي إلى جرأة العدو المفضي إلى التلاشي. ولما كان لمن يتثاقل عنهم حالتا نصر وكسر، وسبب عن تثاقله

مقسماً لقوله فيهما: {فإن أصابتكم مصيبة} أي في وجهكم الذي قعدوا عنه {قال} ذلك القاعد جهلاً منه وغلظة {قد أنعم الله} أي الملك الأعظم، ذاكراً لهذا الاسم غير عارف بمعناه {عليّ إذ} أي حين، أو لأني {لم أكن معهم شهيداً *} أي حاضراً، ويجوز أن يريد الشهيد الشرعي، ويكون إطلاقه من باب التنزل، فكأنه يقول: هذا الذي هو أعلى ما عندهم أعدُّ فواته مني نعمة عظيمة {ولئن أصابكم فضل} أي فتح وظفر وغنيمة {من الله} أي الملك الأعلى الذي كل شيء بيده. ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد قوله: {ليقولن} أي في غيبتكم، واعترض بين القول ومقوله تأكيداً لذمهم بقوله: {كأن} أي كأنه {لم} أي مشبهاً حاله حال من لم {يكن بينكم وبينه مودة} أي بسبب قوله: {يا ليتني كنت معهم فأفوز} أي بمشاركتهم في ذلك {فوزاً عظيماً *} وذلك لأنه لو كان ذا مودة لقال حال المصيبة: يا ليتها لم تصبهم! ولو كنت معهم لدافعت عنهم! وحال الظفر: لقد سرني عزهم، ولكنه لم يجعل

محط همه في كلتا الحالتين غير المطلوب الدنيوي، ولعله خص الحالة الثانية بالتشبيه لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب، وأما الحالة الأولى فربما اقتصر المحب فيها على ذلك قصداً للبقاء لأخذ الثأر ونكال الكفار، وذكر المودة لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة والنصيحة للمؤمنين.

74

ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا، علم أن قصد المجاهد الآخرة، فسبب عن ذلك قوله: {فليقاتل في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه {الذين يشرون} أي يبيعون برغبة ولجاجة وهم المؤمنون، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالاً للمشترك في مدلوليه {الحياة الدنيا} فيتركونها {بالآخرة} ولما كان التقدير: فإنه من قعد عن الجهاد فقد رضي في الآخرة بالدنيا، عطف عليه قوله: {ومن يقاتل في سبيل الله} أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال {فيقتل} أي في ذلك الوجه وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه {أو يغلب} أي الكفار فيسلم {فسوف نؤتيه} أي بوعد لا خلف فيه بما لنا من العظمة المحيطة بالخير والشر، والآية من الاحتباك:

ذكرُ القتل أولاً دليل على السلامة ثانياً، وذكر الغالبية ثانياً دليل على المغلوبية أولاً؛ وربما دل التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالباً خلافاً لما يتوهمه كثير من الناس - إعلاماً بأن المدار على فعل الفاعل المختار، لا على الأسباب {أجراً عظيماً *} أي في الدارين على اجتهاده في إعزاز دين الله سبحانه وتعالى، واقتصاره على هذين القسمين حث على الثبات ولو كان العدو أكثر من الضعف {فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة} [البقرة: 249] {والله يؤيد بنصره من يشاء} [آل عمران: 13] والله مع الصابرين. ولما كان التقدير: فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ممن لا يخلف الميعاد، وكانوا يقولون: إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي الذمار، ويذب عن الجار، ويمنع الحوزة؛ قال عاطفاً على هذا المقدر ملهباً لهم ومهيجاً، ومبكتاً للقاعدين وموبخاً: {وما} أي وأي شيء {لكم} من دنيا آو آخره حال كونكم {لا تقاتلون} أي تجددون القتال في كل وقت، لا تملونه {في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة الكاملة والغنى المطلق وبسبب خلاص {والمستضعفين} أي المطلوب من الكفار ضعفهم حتى صار موجوداً، ويجوز - وهو أقعد - أي يكون منصوباً

على الاختصاص تنبيهاً على أنه من أجل ما في سبيل الله. ولما كان الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم، ثم ما لمن يكون العار به أقوى وأحكم؛ رتبهم هذا الترتيب فقال: {من الرجال والنساء والولدان} أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وكانوا يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، وكل منهما كافٍ في بعث ذوي الهمم العالية والمكارم على القتال، ثم وصفهم بما يهيج إلى نصرهم ويحث على غياثهم فقال: {الذين يقولون} أي لا يفترون {ربنا} أي أيها المحسن إلينا بإخراجنا من الظلمات إلى النور {أخرجنا من هذه القرية} ثم وصفوها بالحامل على هذا الدعاء فقالوا: {الظالم أهلها} أي بما تيسره لنا من الأسباب {واجعل لنا من لدنك} أي من أمورك العجيبة في الأمور الخارقة للعادات {ولياً} يتولى مصالحنا. ولما كان الولي قد لا يكون فيه قوة النصر قالوا: {واجعل لنا} ولما كانوا يريدون أن يأتيهم خوارق كرروا قولهم: {من لدنك نصيراً *} أي بليغ النصر إلى حد تعجب منه المعتادون للخوارق، فكان بهذا الكلام كأنه سبحانه وتعالى قال: قد جعلت لكم

الحظ الأوفر من الميراث، فما لكم لا تقاتلون في سبيلي شكراً لنعمتي وأين ما تدّعون من الحمية والحماية! ما لكم لا تقاتلون في نصر هؤلاء الضعفاء لتحقق حمايتكم للذمار ومنعكم للحوزة وذبكم عن الجار! . ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار، استأنف الإخبار عن الفريقين فقال مؤكداً للترغيب في الجهاد: {الذين آمنوا} أي صدقوا في دعواهم الإيمان {يقاتلون} أي تصديقاً لدعواهم من غير فترة أصلاً {في سبيل الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال قاصدين وجهه بحماية الذمار وغيره، وأما من لم يصدق دعواه بهذا فما آمن {والذين كفروا يقاتلون} أي كذلك {في سبيل الطاغوت} فلا ولي لهم ولا ناصر. ولما كان الطاغوت الشيطان أو من زينه الشيطان، وكان كل من عصى الله منه وممن أغواه حقيراً؛ سبب عن ذلك قوله: {فقاتلوا أولياء الشيطان} ثم علل الجرأة عليهم بقوله: {إن كيد الشيطان} أي الذي هو رأس العصاة {كان} جبلة وطبعاً {ضعيفاً *} . ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية، وختم بما

ينهض الجبان، ويقوي الجنان، ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان؛ عجب من حال من توانى بعد ذلك واستكان، فقال تعالى مقبلاً بالخطاب على أعبد خلقه وأطوعهم لأمره: {ألم تر} وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضاً لهم بقوله: {إلى الذين قيل لهم} أي جواباً لقولهم: إنا نريد أن نبسط ايدينا إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال {كفوا أيديكم} أي ولا تبسطوها إليهم فإنا لم نأمر بهذا {وأقيموا الصلاة} أي صلة بالخالق واستنصاراً على المشاقق {وأتوا الزكاة} منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة للخلائق {فلما كتب عليهم القتال} أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح، كتابة لا تنفك إلى آخر الدهر {إذا فريق منهم} أي ناس تلزم عن فعلهم الفرقة، فأحبوا هذه الكتب بأنهم {يخشون الناس} أي الذين هم مثلهم، أن يضروهم، والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجراً منهم وهم ناس مثلهم {كخشية الله} أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره.

ولما كان كفهم عن القتال شديداً يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ما يتردد به في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله، عبر بأداة الشك فقال: {أو أشد خشية} أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من خشيتهم من الله، فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله جزماً بل إما مثله أو أشد منه؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى وقتين، فيكون خوفهم منه في وقت متساوياً، وفي آخر أزيد، فهو متردد بين هذين الحالين؛ ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم لتأخيره إلى وقت ما. وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة: {وقالوا} جزعاً من الموت أو المتاعب - إن كانوا مؤمنين، أو اعتراضاً - إن كانوا منافقين، على تقدير صحة ما يقول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ربنا} أي أيها المحسن إلينا القريب منا {لم كتبت علينا القتال} أي ونحن الضعفاء {لولا} أي هلا {أخرتنا} أي عن الأمر بالقتال {إلى أجل قريب} أي لنأخذ راحة مما كنا فيه من الجهد من الكفار بمكة، «وسبب نزولها أن عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون وسعد بن

أبي وقاص وجماعة رضي الله عنهم كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيراً قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله سبحانه وتعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم» حكاه البغوي عن الكلبي، وحكاه الواحدي عنه بنحوه، وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة فقالوا: يا رسول الله! كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال:» إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم «فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله عز وجل {ألم إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} » الآية. وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك، فالمراد من الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم، ليس غير. ولما عجب عليه الصلاة والسلام منهم إنكاراً عليهم كان كأنه قال: فما أقول لهم؟ أمره بوعظهم وتضليل عقولهم وتقييل أرائهم

بقوله: {قل متاع الدنيا قليل} أي ولو فرض أنه مدّ في آجالكم إلى أن تملوا الحياة، فإن كل منقطع قليل، مع أن نعيمها غير محقق الحصول، وإن حصل كان منغصاً بالكدورات {والآخرة خير لمن اتقى} أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر فيه، وهي شر من الدنيا لمن لم يتق، لأن عذابها طويل لا يزول {ولا تظلمون فتيلاً *} أي لا في دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم، ولا أرزاقكم باشتغالكم، ولا في آخرتكم بأن يضيع شيء من ثوابكم على ما تنالونه من المشقة، لأنه سبحانه وتعالى حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه، ولا يفعل شيئاً إلا على قانون الحكمة، فما لكم تقولون قول المتهم: لم فعلت؟ أتخشون الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم وفي نقص الرزق والعمر؟ أتخشون الظلم في إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء، {لا يسئل عما يفعل} [الأنبياء: 23] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه أتم الفضل.

78

ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء،

وكانوا كأنهم يرجون بترك القتال الخلود، أو تأخير موت يسببه القتال؛ نبههم على ما يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له وإن امتنع الإنسان منه في الحصون، أو رمى نفسه في المتألف فقال تعالى - مبكتاً من قال ذلك، مؤكداً بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال من ينكر الموت بغير القتال، مجيباً بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب الأول على سبيل التنزل -: {أينما تكونوا} أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم {يدرككم الموت} أي فإنه طالب، لا يفوته هارب {ولو كنتم في بروج} أي حصون برج داخل برج، أو كل واحد منكم في برج. ولما كان ذلك جمعاً ناسب التشديد المراد به الكثرة في {مشيّدة} أي مطولة، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص، فلا خلل فيه أصلاً، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضاً يقتضيه، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره.

ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله: {ربنا لم كتبت} [النساء: 77] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين، ويجوز أن يقال: إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم مبكتاً به لمن توانى في أمره، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال: {وإن} أي قالوا ذلك والحال أنه إن {تصبهم} أي بعض المدعوّين من الأمة، وهم من كان في قلبه مرض {حسنة} أي شيء يعجبهم، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان {يقولوا هذه من عند الله} أي الذي له الأمر كله، لا دخل لك فيها {وإن تصبهم سيئة} أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت {يقولوا هذه من عندك} أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك. ولما كان هذا أمراً فادحاً، وللفؤاد محرقاً وقادحاً، سهل عليه بقوله: {قل كل} أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية {من عند الله} أي الذي له كل شيء، ولا شيء لغيره، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في السيرة -: «بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً» . ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك، فاستحقوا الإنكار قال منكراً عليهم: {فما} وحقرهم بقوله: {لهؤلاء} وكأنه قال: {القوم} الذي هو دال على القيام والكفاية، إما تهكماً بهم، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان {لا يكادون يفقهون} لا يقربون من أن يفهموا {حديثاً *} أي يلقي إليهم أصلاً فهما جيداً. ولما أجابهم بما هو الحق إيجاداً علمهم ما هو الأدب لماحظة السبب فقال مستأنفاً: {ما أصابك من حسنة} اي نعمة دنيوية أو أخروية {فمن الله} أي إيجاداً وفضلاً، والإيمان أحسن الحسنات، قال الإمام: إنهم يقولون: إنهم اتفقوا على أن قوله {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} [فصلت: 33] المراد به كلمة الشهادة {وما أصابك} وأنت خير الخلق {من سيئة} أي بلاء {فمن نفسك} أي بسببها فغيرك بطريق الأولى.

ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أن فعل كل خارق، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى مخبراً بما اختصه به عنهم: {وأرسلناك} أي مختصين لك بعظمتنا {للناس} أي كافة {رسولاً} أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه، وقد اجتهدت في البلاغ والنصيحة، ولم نجعلك إلهاً تأتي بما يطلب منك من خير وشر، فإن أنكروا رسالتك فالله يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات {وكفى بالله} المحيط علماً وقدرة {شهيداً *} لك بالرسالة والبلاغ. ولما نفى عللهم في التخلف عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته؛ قال مرغباً مرهباً على وجه عام يسكن قلبه، ويخفف من دوام عصيانهم له، دالاً على عصمته في جميع حركاته وسكناته: {من يطع الرسول} أي كما هو مقتضى حاله {فقد أطاع الله} الملك الأعظم الذي لا كفوء له، لأنه داع إليه، وهو لا ينطق عن الهوى، إنما يخبر بما يوحيه إليه {ومن تولى} أي عن طاعته. ولما كان التقدير: فإنما عصى الله. والله سبحانه وتعالى عالم به وقادر عليه، فلو راد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه، فاتركه وذاك!

عبر عن ذلك كله بقوله: {فما أرسلناك} أي بعظمتنا {عليهم حفيظاً} إنما أرسلناك داعياً. ولما كان من شأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك، لكونه لا يحيط بذلك علماً وإن اجتهد؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكياً لبعض أقوالهم مبيناً لنفاقهم فيه وخداعهم {ويقولون} أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك {طاعة} أي كل طاعة منا لك دائماً، نحن ثابتون على ذلك، والتنكير للتعظيم بالتعميم {فإذا برزوا} أي خرجوا {من عندك بيَّت طائفة} هم في غاية التمرد {منهم} أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير مع الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلاً {غير الذي تقول} أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي بلغته لهم، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء بعد تسكينها استثقالاً لتوالي الحركات في الطاء لقرب المخرجين، والطاء تزيد بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد؛ وأظهر الباقون، والإدغام أوفق لحالهم، والإظهار أوفق لما

فصح من محالهم. ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد تخليدها بالكتابة أجرى الأمر على ذلك فقال: {والله} أي والحال أن الملك المستجمع لصفات الكمال {يكتب ما يبيتون} أي يجددون تبييته كلما فعلوه، وهو غني عنه ولكن ذلك ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد، ويقيم به الحجة عليهم على ما جرت به عاداتهم، أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى الدهر، فلا يظنوا أن تبييتهم يغنيهم شيئاً. ولما تسبب عن ذلك كفايته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا المهم قال: {فأعرض عنهم} أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا أنفسهم {وتوكل} أي في شأنهم وغيره {على الله} أي الذي لا يخرج شيء عن مراده {وكفى بالله} أي المحيط علماً وقدرة {وكيلاً *} فستنظر كيف تكون العاقبة في أمرك وأمرهم.

82

ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رئيس، لا يعلم إلا ما أظهروه، لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى؛ سبب عن ذلك على وجه الإنكار إرشادهم

إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح الشك ويوضح الأمر، وهو تدبر هذا القرآن المتناسب المعاني المعجز المباني، الفائت لقوى المخاليق، المظهر لخفاياهم على اجتهادهم في إخفائها، فقال سبحانه وتعالى دالاً على وجوب النظر في القرآن والاستخراج للمعاني منه: {أفلا يتدبرون} أي يتأملون، يقال: تدبرت الشيء - إذا تفكرت في عاقبته وآخر أمره {القرآن} أي الجامع لكل ما يراد علمه من تمييز الحق من الباطل على نظام لا يختل ونهج لا يمل؛ قال المهدوي: وهذا دليل على وجوب تعلم معاني القرآن وفساد قول من قال: لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على النظر والاستدلال. ولما كان التقدير: فلو كان من عند غير الله لم يخبر بأسرارهم، عطف عليه قوله: {ولو كان من عند غير الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار {لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً *} أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز؛ فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم، لأن الأمر بالطاعة مستوٍ عند السر والعلن؛ والتقيد بالكثير يفيد أن المخلوق عاجز عن

التحرز من النقص العظيم بنفسه، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح. ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر، وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحاً بالثاني وتلويحاً إلى الأول، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين، وبأن القرآن قيم لا عوج فيه؛ ذكر أيضاً المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبيناً ما ان عليهم فقال: {وإذا جاءهم} أي هؤلاء المزلزلين {أمر من الأمن} من غير ثبت {أو الخوف} كذلك {أذاعوا} أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد {به} أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه، وحقه من باطله، ومتفقه من مختلفه، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام، أقله قلب الحقائق؛ قال في القاموس: أذاعه وبه: أفشاه ونادى به في الناس. وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد، فتركوا المركز الذي وضعهم به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخالفوا أمره وأمر أميرهم، فكان سبب كرة المشركين وهزيمة المؤمنين، وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان: إن محمداً قد قتل، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض، وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار من أبي سفيان

وأبي عامر، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة، وأنهم إن لقوة لم يبق منهم أحد - إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل، حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد» فاستجابوا حينئذ، وأكسبهم هذا القول شجاعة وأنالهم طمأنينة، فرجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء كما وعدهم الله سبحانه وتعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن صبروا واتقوا، فكذب ظنهم وصدق الله ورسوله، وفي هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون القرآن من عنده سبحانه وتعالى بما يكذب من أخبارهم هذه التي يشيعونها ويختلف، وأن ما كان من غيره تعالى فمختلف - وإن تحرى فيه متشبه - وإن دل عقله وتناهي نبله إلا أن استند عقله إلى ما ورد عن العالم بالعواقب، المحيط بالكوائن على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وإلى أن القياس حجة. وأن تقليد القاصر للعالم واجب، وأن الاستنباط واجب على العلماء، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

رأس العلماء، وإلى ذلك يومي قوله تعالى: {ولو ردوه} أي ذلك الأمر الذي لا نص فيه من قبل أن يتكلموا به {إلى الرسول} أي نفسه إن كان موجوداً، وأخباره إن كان مفقوداً {وإلى أولي الأمر منهم} أي المتأهلين لأن يأمروا وينهوا من الأمراء بالفعل أو بالقوة من العلماء وغيرهم {لعلمه} أي ذلك الأمر على حقيقته وهل هو مما يذاع أو لا {الذين يستنبطونه} أي يستخرجونه بفطنتهم وتجربتهم كما يستخرج الإنباط المياه ومنافع الأرض {منهم} أي من الرسول وأولي الأمر. ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بالرسول وورّاث علمه لاستبيحت بإشاعاتهم هذه بيضة الدين واضمحلت أمور المسلمين؛ عطف عليه قوله: {ولولا فضل الله عليكم} أي أيها المتسمون بالإسلام بإنزال الكتاب وتقويم العقول {ورحمته} بإرسال الرسول {لاتبعتم الشيطان} أي المطرود المحترق {إلا قليلاً *} أي منكم فإنهم لا يتبعونه حفظاً من الله سبحانه وتعالى بما وهبهم من صحيح العقل من غير واسطة رسول؛ وهذه الآية من المواضع المستصعبة على الأفهام بدون توقيف على المراد بالفضل إلا عند من آتاه الله سبحانه وتعالى علماً بالمناسبات، وفهماً ثاقباً بالمراد بالسياقات، وفطنة بالأحوال والمقامات

تقرب من الكشف، وذلك أن من المقرر أنه لا بد من مخالفة حكم المستثنى لحكم المستثنى منه وهو هنا من وجد عليهم الفضل والرحمة فاهتدوا ومخالفة المستثنى لهم تكون بأحد أمور ثلاثة كل منها فاسد، إما بأن يعدموا الفضل فيتبعوه، ويلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي، وهو خلاف المشاهد؛ أو بأن يعدموه فلا يتبعوه، فيكونوا مهتدين من غير فضل؛ أو بأن يوجد عليهم الفضل فيتبعوه، فيكونوا ضالين مع الفضل والرحمة اللذين كانا سبباً في امتناع الضلال عن المخاطبين. فيكونان تارة مانعين، وتارة غير مانعين، فلم يفيدا إذن مع أن أيضاً يلزم عليه أن يكون الضال أقل من المهتدي؛ فإذا حمل الكلام على أن المراد بالفضل الإرسال وضح المعنى ويكون التقدير: ولولا إرسال الرسول لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم، فإنهم لا يتبعونه من غير إرشاد الرسول، بل بهداية من الله سبحانه وتعالى وفضل بلا واسطة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل؛ والدليل على هذا المقدر أن السياق لرد الأشياء كلها إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمنع من الاستقلال بشيء دونه. ولما بين سبحانه وتعالى نفاقهم المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم

وتنشيطهم لغيرهم، كان ذلك سبباً لأن يمضي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمره سبحانه وتعالى من غير التفات إليهم وافقوا أو نافقوا، فقال سبحانه وتعالى بعد الأمر بالنفر ثبات وجميعاً، وبيان أن منهم المبطىء، مشيراً إلى أن الأمر باق وإن بطّأ الكل: {فقاتل في سبيل الله} أي الذي له الأمر كله ولو كنت وحدك. ولما كان كأنه قيل: فما أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا؟ قال - معلماً بأنه قد جعله أشجع الناس وأعلمهم بالحروب وتدبيرها، وهو مع تأييده بذلك قد تكفل بنصرته ولم يكله إلى أحد -: {لا تكلف إلا نفسك} أي ليس عليك إثم أتباعك لو تخلفوا عنك، وقد أعاذهم الله سبحانه وتعالى من ذلك، ولا ضرر عليك في الدنيا أيضاً من تخليهم، فإن الله سبحانه وتعالى ناصرك وحده، وليس النصر إلا بيده سبحانه وتعالى، وما كان سبحانه وتعالى ليأمره بشيء إلا وهو كفوء له، فهو ملىء بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل الأرض كلهم، ولقد عزم في غزوة بدر الموعد - التي قيل: إنها سبب نزول هذه الآية - على الخروج إلى الكفار ولو لم يخرج معه أحد؛ وقد اقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم: والله لو لم أجد إلا هاتين - يعني ابنتيه:

عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما. ولما كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال: {وحرض المؤمنين} أي مرهم بالجهاد وانههم عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى يكونوا مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف دائماً. ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال: {عسى الله} أي الذي استجمع صفات الكمال {أن يكف} بما له من العظمة {بأس الذين كفروا} أي عن أن يمنعوك من إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه، ولقد فعل سبحانه وتعالى ذلك، فصدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، حتى ظهر الدين، ولا يزال ظاهراً حتى يكون آخر ذلك على يد عيسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان السامع ربما فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك، قال ترغيباً وترهيباً واحتراساً: {والله} أي الذي لا مثل له {أشد بأساً} أي عذاباً وشدة من المقاتِلين والمقاتَلين {وأشد تنكيلاً *} أي تعذيباً بأعظم العذاب، ليكون ذلك مهلكاً للمعذب ومانعاً لغيره عن مثل فعله؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز: يقال: نكلته تنكيلاً - إذا عملت به عملاً يكون نكالاً لغيره، أي عبرة فيرجع عن المراد من

أجله، وهو أن الناظر إليه والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به مثله، أي فيكون له ذلك قيداً عن الإقدام؛ والنكل - بالكسر: القيد.

85

ولما كان ذلك موجباً للرغبة في طاعة النبي صلى الله عليه وسم لا سيما في الجهاد، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة، والإعراض عن كل من كان بصفة المنافقين، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم، وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم، الحاملة للشفاعة فيهم، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول من الأعذار الكاذبة، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم، أو في إعانتهم أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه العجز - وفي غير ذلك، وكانت التوبة معروضة لهم ولغيرهم، وكان البر ما سكن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر، والإنسان على نفسه بصيرة، وكانت البواطن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وكان الإنسان ربما أظهر شراً في صورة خير؛ رغب سبحانه وتعالى في البر، وحذر من الإثم بقوله - معمماً مستأنفاً في جواب من كأنه قال:

أما تقبل فيهم شفاعة -: {من يشفع} أي يوجد ويجدد، كائناً من كان، في أي وقت كان {شفاعة حسنة} أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ليوصل إليه خيراً، أو يدفع عنه ضيراً {يكن له نصيب منها} بأجر تسببه في الخير {ومن يشفع} كائناً من كان، في أي زمان كان {شفاعة سيئة} أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز، والتسبب في إعلائه وجبر دائه؛ وعظّم الشفاعة السيئة لأن درء المفاسد أولى من جلب المصلح، فقال - معبراً بما يفهم النصيب ويفهم أكثر مه تغليظاً في الزجر -: {يكن له كفل منها} وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم. ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي «من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» حَسُنَ اقترانهما جداً، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف، فكأنه نصيب متكفل بما هو له

من إسعاد وإبعاد؛ قال أهل اللغة: النصيب: الحظ، والكفر - بالكسر: الضعف والنصيب والحظ، ومادة «نصب» يدور على العلم المنصوب، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل والمرجع والتعب، فيلزمه الوجع، ومن لوازمه أيضاً الحد والغاية والجد الوقوف؛ ومادة «كفل» تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر؛ وقال الإمام: الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21 والتوبة: 34 والانشقاق: 24] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله سبحانه وتعالى - انتهى. وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل. ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية، ليكون ذلك زاجراً عن مقارفة شيء منها وإن صغر؛ عبر في الحسنة بالنصيب، وفي السيئة بالكفل؛ ويؤيد إرادة هذا أنه

تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول من عند الله، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب؛ عبر بالكفل فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] إلى آخرها. ولما كان النصيب مبهماً بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة إلى قصور الشافعين، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علماً وقدرة؛ قال تعالى مرغباً ومرهباً: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام {على كل شيء} من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة {مقيتاً *} أي حفيظاً وشهيداً وقديراً على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر. ولما كان ذلك موجباً للإعراض عنهم رأساً ومنابذتهم قولاً وفعلاً، وبين سبحانه وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة، وأن الشفاعة تابعة للعمل، والتحية تابعة للظاهر، فقال سبحانه وتعالى عاطفاً

على ما تقديره: فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم، فقال معبراً بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصيرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ملوكاً، وفي حكم الملوك، يحبون ويشفع عندهم، وحثاً على التواضع: {وإذا حييتم بتحية} أي أي تحية كانت إذا كانت مشروعة، وأصل التحية الملك، واشتقاقها من الحياة، فكأن حياة الملك هي الحياة وما عداها عدم ثم أطلقت على كل دعاء يبدأ به عند اللقاء؛ وقال الأصبهاني: لفظ التحية صار كناية عن الإكرام، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية {فحيوا بأحسن منها} كأن تزيدوا عليها {أو ردوها} أي من غير زيادة ولا نقص، وذلك دال على وجوب رد السلام - من الأمر، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك، وترك الجواب إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام؛ قال الأصبهاني: والمبتدىء يقول: السلام عليكم، والمجيب يقول: وعليكم السلام، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله سبحانه وتعالى. وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف

والتواصل، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى {وإذا حضر القسمة} [النساء: 8] ، وإما غيره ومن أعظمه القول، لأنه ترجمان القلب الذي به العطف، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية، قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه «والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل. ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض، ومقصد السورة التواصل، فشأنها أهم والنظر إليها آكد، ثم رغب في الإحسان في الرد، ورهب من تركه بقوله معللاً: {إن الله} أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة {كان} أي أزلاً وأبداً {على كل شيء حسيباً *} أي محصياً لجميع المتعددات دقيقها وجليلها، كافياً لها في أقواتها ومثوباتها، محاسباً بها، مجازياً عليها، وذلك كله شأن المقيت؛ ثم علل ذلك بقوله دالاً على تلازم التوحيد والعدل: {الله} أي الذي لا مثل له {لا إله إلا هو} أي وقد أمركم بالعدل في الشفاعة والسلام، فإن لم تفعلوه - لما لكم من النقائص

التي منها عدم الوحدانية - فهو فاعله ولا بد فاحذروه لأنه واحد فلا معارض له في شيء من الحساب ولا غيره، ولا يخفى عليه شيء فالحكم على البواطن إنما هو له تعالى، وأما أنتم فلم تكلفوا إلا بالظاهر. ولما تبين أنه لا معارض له أنتج قوله مبيناَ لوقت الحساب الأعظم: {ليجمعنكم} وأكده باللام والنون دلالة على تقدير القسم لإنكار المنكرين له، ولما كان التدريج بالإماتة شيئاً فشيئاً، عبر بحرف الغاية فقال: {إلى يوم القيامة} والهاء للمبالغة، ثم آكده بقوله: {لا ريب فيه} أي فيفصل بينكم وبين من أخبركم بهم من المنافقين ونقد أحوالهم وبين محالهم، فيجازي كلاً بما يستحق. ولما كان التقدير: فمن أعظم من الله قدرة! عطف عليه قوله: {ومن أصدق من الله} أي الذي له الكمال كله فلا شوب نقص يلحقه {حديثاً} وهو قد وعد بذلك لأنه عين الحكمة، وأقسم عليه، فلا بد من وقوعه، وإذ قد تحرر بما مضى أن المنافقين كفرة، لا لبس في أمرهم، وكشف سبحانه وتعالى الحكم في باطن أمرهم بالشفاعة وظاهره بالتحية، وحذر من خالف ذلك بما أوجبته على نفسه حكمته من الجمع ليوم الفصل للحكم بالعدل، وختم بأن الخبر عنهم وعن جميع ذلك صدق؛ كان ذلك سبباً لجزم القول بشقاوتهم والإعراض

عنهم والبعد عن الشفاعة فيهم، والإجماع على ذلك من كل مؤمن وإن كان مبنى السورة على التواصل، لأن ذلك إنما هو حيث لا يؤدي إلى مقاطعة أمر الله، فقال تعالى مبكتاً لمن توقف عن الجزم بإبعادهم: {فما لكم} أيها المؤمنون {في المنافقين} أي أيّ شيء لكم من أمور الدنيا أو الآخرة في افتراقكم فيهم {فئتين} بعضكم يشتد عليهم وبعضكم يرفق بهم. ولما كان هذا ظاهراً في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله؛ {والله} أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه {أركسهم} أي ردهم منكوسين مقلوبين {بما كسبوا} أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم، فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان؛ وفي عزوة أحد والتفسير من البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «لما خرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنزلت: {فما لكم في المنافقين} - الآية، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب وفي رواية: - كما تنفي النار خبث الفضة» انتهى. فالمعنى حينئذ: اتفقوا على أن تسيروا فيها بما ينزل عليكم في هذه الآيات.

ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر سبحانه وتعالى ذلك عليهم صريحاً لبت الأمر في كفرهم فقال {أتريدون} أي أيها المؤمنون {أن تهدوا} أي توجدوا الهداية في قلب {من أضل الله} أي وهو الملك الأعظم الذي لا يرد له أمر، وهو معنى قوله: {ومن} أي والحال أنه من {يضلل الله} أي بمجامع أسمائه وصفاته {فلن تجد} أي أصلاً أيها المخاطب كائناً من كان {له سبيلاً *} أي إلى ما أضله عنه أصلاً، والمعنى: إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم الدعاء، فمن أجاب صار أهلاً للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته ديناً، وقتله قربة، والإغلاظ واجباً.

89

ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه، أعلم بأعراقهم فيه فقال: {ودّوا} أي أحبوا وتمنوا تمنياً واسعاً {لو تكفرون} أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً {كما كفروا} ولما لم يكن بين ودهم لكفرهم وكونهم مساوين لهم تلازم، عطف على الفعل المودود - ولم يسبب - قوله: {فتكونون} أي وودوا

أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم {سواء} أي في الضلال، أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً، فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم، فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد. ولما أخبر بهذه الودادة، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا، بياناً لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال: {فلا تتخذوا} أي أيها المؤمنون {منهم أولياء} أي أقرباء منكم {حتى يهاجروا} أي يوقعوا المهاجرة {في سبيل الله} أي يهجروا من خالفهم في ذات من لا شبه له، ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها، وإن كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب أقربائهم، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم، والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه.

ولما نهى عن موالاتهم وغيّي النهي بالهجرة، سبب عنه قوله: {فإن تولوا} أي عن الهجرة المذكورة {فخذوهم} أي اقهروهم بالأسر وغيره {واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي في حل أو حرم. ولما كانوا في هذه الحالة لا يوالون المؤمنين إلا تكلفاً قال: {ولا تتخذوا} أي تتكلفوا أن تأخذوا {منهم ولياً} أي من تفعلون معه فعل المقارب المصافي {ولا نصيراً} على أحد من أعدائكم، بل جانبوهم مجانبة كلية. ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر، استثنى منه فقال: {إلا الذين يصلون} فراراً منكم، وهم من الكفار عند الجمهور {إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا من لجأ إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم {أو} الذين {جاءوكم} حال كونهم {حصرت} أي ضاقت وهابت وأحجمت {صدورهم أن} أي عن أن {يقاتلوكم} أي لأجل دينهم وقومهم {أو يقاتلوا قومهم} أي لأجلكم فراراً أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم، لأنهم كالمسالمين بترك القتال، ولعله عبر بالماضي في «جاء»

إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر، فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم. ولما كان التقدير: فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلباً واحداً عليكم، عطف عليه قوله: {ولو} أي يكون المعنى: والحال أنه لو {شاء الله} أي وهو المتصف بكل كمال {لسلطهم} أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار {عليكم} ينوع من أنواع التسليط، تسليطاًَ جارياً على الأسباب ومقتضى العوائد، لأن بهم قوة على قتالكم {فلقاتلوكم} أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم، واللام فيه جواب «لو» على التكرير، أو البدل من سلط. ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم حينئذ، صرح به في قوله: {فإن اعتزلوكم} أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين، فكفوا عنكم {فلم يقاتلوكم} منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم {وألقوا إليكم السلم} أي الانقياد {فما جعل الله} أي الذي

لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات {لكم عليهم سبيلاً *} أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم. ولما كان كأنه قيل: هل بقي من أقسام المنافقين شيء؟ قيل: نعم! {ستجدون} أي عن قرب بوعد لا شك فيه {آخرين} أي من المنافقين {يريدون أن يأمنوكم} أي فلا يحصل لكم منهم ضرر {ويأمنوا قومهم} كذلك، لضعفهم عن كل منكم. فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم، ولهم الكفر إذا لقوهم، وهو معنى {كلما ردوا إلى الفتنة} أي الابتلاء بالخوف عند المخالطة {أركسوا} أي قلبوا منكوسين {فيها} . ولما كان هؤلاء أعرق في النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى، صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك، لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ، وطوى ما صرح به، ثم قال: {فإن لم يعتزلوكم} ولما كان الاعتزال خضوعاً لا كبراً، صرح به في قوله: {ويلقوا إليكم السلم} أي الانقياد. ولما كان الإلقاء لا بد له من قرائن يعرف بها قال: {ويكفوا أيديهم} أي عن قتالكم وأذاكم {فخذوهم} أي اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه {واقتلوهم} .

ولما كان نفاقهم - كما تقدم - في غاية الرداءة، وأخلاقهم في نهاية الدناءة، أشار إلى الوعد بتيسير التمكين منهم فقال: {حيث ثقفتموهم} فإن معناه: صادفتموهم وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم، حاذقون في قتالهم، فطنون به، خفيفون فيه، فإن الثقف: الحاذق الخفيف الفطن، ولذلك أشار إليهم بأداة البعد فقال: {وأولئكم} أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير {جعلنا} أي بعظمتنا {لكم عليهم سلطاناً} أي تسلطاً {مبيناًَ *} أي ظاهراً قوته وتسلطه. وهذه الآيات منسوخة بآية براءة، فإنها متأخرة النزول فإنها بعد تبوك. ولما بين أقسامهم بياناً ظهر منه أن أحوالهم ملبسة، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف أحوالهم، وختم بالتسلط عليهم، وكان ربما قتل من لا يستحق القتل بسبب الإلباس؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم، مخرجاً له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل: {وما كان لمؤمن} أي يحرم عليه {أن يقتل مؤمناً} أي في حال من الحالات {إلا خطأ} أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد القتل، أو لا يقصد الشخص، أو يقصده

بما لا يقصد به زهوق الروح، أو لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم، أو بأن يكون غير مكلف، فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمناً احتمالاً لا تقضي العادة بقربه، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه «فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب» وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له! فقال تعالى: {ومن قتل مؤمناً} صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، ولعله عبَّر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيهاً على أنه إن لم يكن كذلك في نفس الأمر لم يكن عليه شيء في نفس الأمر وإن ألزم به في الظاهر {خطأ} . ولما كان الخطأ مرفوعاً عن هذه الأمة، فكان لذلك يظن أنه لا شيء على المخطىء؛ بين أن الأمر في القتل ليس كذلك حفظاً للنفوس، لأن الأمر فيها خطر جداً، فقال - مغلظاً عليه حثاً على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل -: {فتحرير} أي فالواجب عليه تحرير {رقبة} أي نفس، عبر بها عنها لأنها لا تعيش بدونها

كاملة الرق {مؤمنة} ولو ببيع الدار أو البساتين، سليمة عما يخل بالعمل، وقدم التحرير هنا حثاً على رتق ما خرق من حجاب العبد، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ {ودية مسلّمة} أي مؤداة بيسر وسهولة {إلى أهله} أي ورثته يقتسمونها كما يقسم الميراث {إلا أن يصدّقوا} أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية، فلا شيء عليه حينئذ، وعبر بالصدقة ترغيباً {فإن كان} أي المقتول {من قوم} أي فيهم منعة {عدو لكم} أي محاربين {وهو} أي والحال أنه {مؤمن فتحرير} أي فالواجب على القاتل تحرير {رقبة مؤمنة} وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم، ولعده في عدادهم قال: {من} ومعناه - كما قال الشافعي وغيره تبعاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما -: في {وإن كان} أي المقتول {من قوم} أي كفرة أيضاً عدو لكم {بينكم وبينهم ميثاق} وهو كافر مثلهم {فدية} أي فالواجب فيه كالواجب

في المؤمن المذكور قبله دية {مسلّمة إلى أهله} على حسب دينه، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها {وتحرير رقبة مؤمنة} وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظاً للعهد، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً على الوفاء به، لأنه أمانة لا طالب له إلا الله؛ وقال الأصبهاني: إن سر ذلك أن إيجابه في المؤمن أولى من الدية، وبالعكس ها هنا - انتهى. وكان سره النظر إلى خير الدين في المؤمن، وإلى حفظ العهد في الكافر {فمن لم يجد} أي الرقبة ولا ما يتوصل به إليها {فصيام} أي فالواجب عليه صيام {شهرين متتابعين} حتى لو أفطر يوماً واحداً بغير حيض أو نفاس وجب الاستئناف، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام المقتضية أنه مباح - ذنباً تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط: {توبة} أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة {من الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته. ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان، رغب فيها سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال

{عليماً} أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر {حكيماً *} في نصبه الزواجر بالكفارات وغيرها، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة.

93

ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفراً عنه هذا التنفير، ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها شديداً، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه فيه شدة شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى والقدرة فقال: {ومن يقتل مؤمناً} ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفراً، وترك الكلام محتملاً زيادة تنفير من قتل المسلم {متعمّداً} أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره {فجزاؤه} أي على ذلك {جهنم} أي تتلقاه بحالة كريهة جداً كما تجهم المقتول

{خالداَ فيها} أي ماكثاً إلى ما لا آخر له {وغضب الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك {عليه ولعنه} أي وأبعده من رحمته {وأعد له عذاباً عظيماً *} أي لا تبلغ معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48 و116] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية. ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكداً بأنواع التأكيد، وكان ربما التبس الحال؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جواباً لمن كأنه قال: ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ فقال: {يا أيها الذين أمنوا} مشيراً بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى {وحرض المؤمنين} [النساء: 84] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وينقادون لأمره، بما دلت عليه كلمة «إذا» في قوله تعالى: {إذا ضربتم} أي سافرتم وسرتم في الأرض {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله، لأجل وجهه خالصاً {فتبينوا} أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم {ولا تقولوا} قولاً فضلاً عما هو أعلى منه {لمن ألقى} أي كائناً من كان {إليكم السلام} أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ملقياً قياده {لست مؤمناً} أي بل متعوذ - لتقتلوه. ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخاً منفراً عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل «تقولوا» {تبتغون} أي حال كونكم تطلبون طلباً حثيثاً بقتله {عرض الحياة الدنيا} أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: « {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} قال:

كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم: فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك إلى قوله {عرض الحياة الدنيا} » ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد {كذلك كنتم من قبل} تخفون إيمانكم وأنتم مع المشركين، {فمنَّ الله عليكم} وأظهر الإسلام {فتبينوا} ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله: {فعند الله} أي الذي له الجلال والإكرام {مغانم كثيرة} أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع طيبها؛ ثم علل النهي من أصله بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الذي قتلتموه بجعلكم إياه بعيداً عن الإسلام {كنتم} وبعّض زمان القتل - كما هو الواقع - بقوله: {من قبل} أي قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام {فمنّ الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليكم} أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ما أظهرتم امتثالاً لأمره سبحانه وتعالى بذلك، فقوى أمر الإيمان في قلوبكم قليلاً قليلاً

حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به والعز، ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم. فإذا كان الأمر كذلك فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم، وهو معنى ما سبب عن الوعظ من قوله تأكيداً لما مضى إعلاماً بفظاعة أمر القتل: {فتبينوا} أي الأمور وتثبتوا فيها حتى تنجلي؛ ثم علل هذا الأمر بقوله مرغباً مرهباً: {إن الله} أي المختص بأنه عالم الغيب والشهادة {كان بما تعملون خبيراً *} أي يعلم ما أقدمتم عليه عن تبيين وغيره فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم. ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد، والتفتت إلى {وحرض المؤمنين} [النساء: 84] وإلى آية التحية، فاشتد اعتناقها لهما، وعلم بها أن في الضرب في سبيل الله هذا الخطر، فكان ربما فتر عنه؛ بين فضله لمن كأنه قال: فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم، بقوله: {لا يستوي القاعدون} أي عن الجهاد حال كونهم {من المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، ليفيد التصريح بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد. ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم،

فقال واصفاً للقاعدين أو مستثنياً منهم: {غير أولي الضرر} أي المانع أو العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه، وبهذا بان أن الكلام في المهاجرين؛ وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أملى عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها عليّ فقال: يا رسول الله! والله لو استطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى؛ فأنزل الله ع وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سرى عنه فأنزل الله {غير أولي الضرر} » وأخرجه في فضائل القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: «لما نزلت {لا يستوي القاعدون} - الآية، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادع لي زيداً وليجىء باللوح والدواة والكتف؛ ثم قال: اكتب - فذكره» وحديث زيد أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي، وفي رواية أبي داود: قال: «كنت إلى جنب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فخذي، فما وجدت شيئاً أثقل من فخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم سرى عنه فقال لي: اكتب،

فكتبت في كتف {لا يستوي القاعدون} إلى آخرها؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، فسرى عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: اقرأ يا زيد! فقرأت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {غير أولي الضرر} - الآية كلها، قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف» ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه: «إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا نزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل» . ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله: {والمجاهدون في سبيل الله} أي دين الملك الأعظم الذي من سلكه وصل إلى رحمته {بأموالهم وأنفسهم} ولما كان نفي المساواة سبباً لترقب كل من الحزبين الأفضليبة، لأن القاعد وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله، إذ يحيي الدين بالاشتغال بالعلم ونحوه؛ قال

متسأنفاً: {فضل الله} أي الذي له صفات الكمال {المجاهدين} ولما كان المال في أول الأمر ضيقاً قال مقدماً للمال: {بأموالهم وأنفسهم} أي جهاداً كائناً بالفعل {على القاعدين} أي عن ذلك وهم متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة {درجة} أي واحدة كاملة لأنهم لم يفوقوهم بغيرها، وفي البخاري في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر» . ولما شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله: {وكلاً} أي من الصنفين {وعد الله} أي المحيط بالجلال والإكرام أجراً على إيمانهم {الحسنى} بين أن القاعد المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل، وهو التمكن من تنفيذ الأمر بسبب هجرته لأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان، وأما القاعد عن الهجرة مع التمكن فليس بمشارك في ذلك، بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس متمكناً من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه، فقال: {وفضل الله} أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه {المجاهدين} أي بالفعل مطلقاً بالنفس أو المال {على القاعدين} أي عن الأسباب الممكنة من الجهاد ومن الهجرة {أجراً عظيماً *} ثم بينه بقوله: {درجات}

وعظمها بقوله: {منه} وهي درجة الهجرة، ودرجة التمكن من الجهاد بعد الهجرة ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل. ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد في العمل قال: {ومغفرة} أي محواً لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى عليها {ورحمة} أي كرامة ورفعة {وكان الله} أي المحيط بالأسماء الحسنى والصفات العلى {غفوراً رحيماً *} أزلاً وأبداً، لم يتجدد له ما لم يكن؛ ثم علل ذلك بأبلغ حث على الهجرة فقال: {إن الذين توفاهم الملائكة} أي تقبض أرواحهم كاملة على ما عندهم من نقص بعض المعاني بما تركوا من ركن الهجرة بما أشارة إليه حذف التاء، وفي الحذف إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في جبره بصدقة أو حج ونحوه من أفعال البر جُبر، لأن الأساس الذي تبنى عليه الأعمال الصالحة موجود وهو الإيمان {ظالمي أنفسهم} أي بالقعود عن الجهاد بترك الهجرة والإقامة في بلاد الحرب حيث لا يتمكنون من إقامة شعائر الدين كلها {قالوا} أي الملائكة موبخين لهم {فيم كنتم} أي في أي شيء من الأعمال والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب. ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة

{قالوا} معتذرين {كنا مستضعفين في الأرض} أي أرض الكفار، لا نتمكن من إقامة الدين، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لا تساعها لكثرة الكفار هي الأرض كلها، فكأنه قيل: هل قنع منهم بذك؟ فقيل: لا، لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة، فكأنه قال: فما قيل لهم؟ فقيل: {قالوا} أي الملائكة بياناً لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم {ألم تكن أرض الله} أي المحيط بكل شيء، الذي له كل شيء {واسعة فتهاجروا} أي بسبب اتساعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين {فيها} أي إلى حيث يزول عنكم المانع، فالآية من الاحتباك: ذكر الجهاد أولاً في {وفضل الله المجاهدين} [النساء: 95] دليل عى حذفه ثانياً بعد {ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] ، وذكر الهجرة ثانياً دليل على حذفها أولاً بالقعود عنها، ولذلك خص الطائفة الأولى بوعد الحسنى. ولما وبخوا على تركهم الهجرة، سبب عنه جزاؤهم فقيل: {فأولئك} أي البعداء من اجتهادهم لأنفسهم {مأواهم جهنم} أي لتركهم الواجب وتكثيرهم سواد الكفار وانبساطهم في

وجوه أهل الناس {وساءت مصيراً *} روى البخاري في التفسير والفتن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى {إن الذين توافاهم} [النساء: 97] .

98

ولما توعد على ترك الهجرة، أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفاً بذكر من لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيهاً على أنهم جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل الله عليهم، فقال بياناً لأن المستثنى منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف: {إلا المستضعفين} أي الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعُدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم {من الرجال والنساء والولدان} ثم بين ضعفهم بقوله: {لا يستطيعون حيلة} أي في إيقاع الهجرة {ولا يهتدون سبيلاً *} أي إلى ذلك. ولما كانت الهجرة شديدة، وكان ربما تركها بعض الأقوياء واعتل بالضعف، وربما ظن القادر مع المشقة أنه ليس بقادر؛ نفر من ذلك بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: {فأولئك} ولما كان الله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء، لا يجب عليه شيء

ولا يقبح منه شيء، بل له أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ويفعل ويقول ما يشاء {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء: 23] أحل هؤلاء المعذورين محل الرجاء إيذاناً بأن ترك الهجرة في غاية الخطر فقال: {عسى الله} أي المرجو والخليق والجدير من الملك المحيط بأوصاف الكمال {أن يعفو عنهم} أي ولو آخذهم لكان له ذلك، وكل ما جاء في القرآن من نحو هذا فهو للإشارة إلى هذا المعنى، وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن عسى من الله واجبة، معناه أنه مع أن له أن يفعل ما يشاء لا يفعل إلا ما يقتضيه الحكمة على ما يستصوبه منهاج العقل السليم {وكان الله} أي الملك الذي له كل شيء فلا اعتراض عليه أزلاً وأبداً {عفواً} أي يمحو الذنب إذا أراد فلا يعاقب عليه وقد يعاتب عليه {غفوراً *} أي يزيل أثره أصلاً ورأساً بحيث لا يعاقب عليه ولا يعاتب ولا يكون بحيث يذكر أصلاً، ولعل العفو راجع إلى الرجال، والغفران إلى النساء والولدان. ولما رهب من ترك الهجرة، رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به الشيطان من أنه لو فارق رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة، وأنه ربما تجشم المشقة فاخترم قبل بلوغ القصد، فقال تعالى: {ومن يهاجر} أي يوقع الهجرة لكل ما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهجرته {في سبيل الله} أي الذي لا أعظم من

ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع {يجد في الأرض} أي في ذات الطول والعرض {مراغماً} أي مهرباً ومذهباً ومضطرباً يكون موضعاً للمراغمة، يغضب الأعداء به ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق وحسن الحال، فيخجل مما جروه من سوء معاملتهم له؛ من الرغم وهو الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، تقول: راغمت فلاناً، أي هجرته وهو يكره مفارقتك لذلة تلحقه بذلك. ولما كان ذلك الموضع وإن كان واحداً فإنه لكبره ذو أجزاء عديدة، وصف بما يقتضي العدد فقال {كثيراً} . ولما كانت المراغمة لذة الروح، فكانت أعز من لذة البدن فقدمها؛ أتبعها قوله: {وسعة} أي في الرزق، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صوموا تصحوا وسافروا تغنموا» أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه «واغزوا، وهاجروا تفلحوا» . ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فظن أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق بلده قال: {ومن يخرج من بيته} أي فضلاً عن بلده {مهاجراً إلى الله} أي رضى الملك

الذي له الكمال كله {ورسوله} أي ليكون عنده {ثم يدركه الموت} أي بعد خروجه من بيته ولو قبل الفصول من بلده {فقد وقع أجره} أي في هجرته بحسب الوعد فضلاً، لا بحسب الاستحقاق عدلاً {على الله} أي الذي له تمام الإحاطة فلا ينقصه شيء، وكذا كل من نوى خيراً ولم يدركه «لا حسد إلا في اثنتين» فهو موفيه إياه توفية ما يلتزمه الكريم منكم. ولما كان بعضهم ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من بلده فظن أن هجرته هذه لم تجبُر تقصيره قال: {وكان الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {غفوراً} أي لتقصير إن كان {رحيماً *} يكرم بعد المغفرة بأنواع الكرامات. ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة، وكان مطلق السفر مظنة المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء؛ ذكر تخفيف الصلاة بالقصر بقوله سبحانه وتعالى: {وإذا ضربتم} أي بالسفر {في الأرض} أيّ سفر كان لغير معصية. ولما كان القصر رخصة غير عزيمة، بينه بقوله: {فليس عليكم جناح} أي إثم وميل في {أن تقصروا} ولما كان القصر خاصاً ببعض الصلوات، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال: {من

الصلاة} أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات، وكم يقصر منها من ركعة، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية بالإيماء مثلاً في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له: كيف تقصر وقد أمنا -: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك -، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه «من» ، وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر، والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما، فهذا سر قوله: {وإن خفتم أن يفتنكم} أي يخالطم مخالطة مزعجة {الذين كفروا} لا أنه شرط في القصر، كما بينت نفي شرطيته السنة، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين، فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة؛

روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» . ولما ذكر الخوف منهم، علله مشيراً بالإظهار موضع الإضمار، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما، أعرق فيه، أو إلى أن المجبول على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال: {إن الكافرين} أي الراسخين منهم في الكفر {كانوا} أي جبلة وطبعاً. ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله: {لكم} دون عليكم {عدواً} ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال: {مبيناً} أي ظاهر العداوة، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلاً، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها، ولولا أنها لا رخصة فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة، أو جعلت التخفيف في الوقت فأمرت بالتأخير، ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت من الوقت وغيره.

102

ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقروناً بالخوف لما ذكر، وكان حضور النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد العصمة من الناس، وما شهر به من الشجاعة ونصر به من الرعب وغير ذلك من الأمور القاضية بأن له العاقبة؛ بيَّن سبحانه وتعالى حال الصلاة في الكيفية عند الخوف، وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش بغيبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجوازها لقوم ليس هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم مفهوم موافقة، فقال سبحانه وتعالى: {وإذا كنت} حال الخوف الذي تقدم فرضه {فيهم} أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر {فأقمت} أي ابتدأت وأوجدت {لهم الصلاة} أي الكاملة وهي المفروضة {فلتقم طائفة منهم معك} أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدو ويطوفون في كل موضع يمكن أن يأتي منه العدو {وليأخذوا} أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر {أسلحتهم} كما يأخذها من هو خارج الصلاة، وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه «أنهم غزوا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقاتلوا قوماً من جهينة فقاتلوا قتالاً شديداً، قال جابر رضي الله تعالى عنه: فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم،

فأخبر جبرئيل عليه الصلاة والسلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد فلما حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة» الحديث {فإذا سجدوا} يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره، فيكون الضمير في {فليكونوا} للجمع الذين منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق الإضمار في قوله {وإذا كنت فيهم} وفي {فلتقم طائفة منهم} أي فإذا سجد الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه الطائفة منهم {من ورائكم} فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة {ولتأت طائفة أخرى} أي من الجماعة {لم يصلوا فليصلوا معك} كما صلت الطائفة الأولى، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم صلاتها، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى تتم الصلاة؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة - من إطلاق اسم الجزء على الكل، فكأنه قال: فإذا صلوا، أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة إليه، والضمير حينئذ

في «فليكونوا» للطائفة الساجدة، وقوله: {وليأخذوا} يمكن أن يكون ضميره للكل، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي، لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء، أو ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون {حذرهم وأسلحتهم} في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها فجعل الحذر الذي هو التيقظ والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة، وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو وخص آخر الصلاة بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر، فلهذا خص بمزيد الحذر، وهذا الكلام على وجازته محتمل - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في وجه القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل الواء على ما واراه السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال {ولم يصلوا} اي بقيد المتابعة له فيها - والله سبحانه وتعالى الهادي. وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} [النساء: 71] فهو من رد المقطع على المطلع، ثم علل أمره بهذه الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقوياً لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب

عليهم: {ودَّ} أي تمنى تمنياً عظيماً {الذين كفروا} أي باشروا الكفر وقتاً ما، فكيف بمن هو غريق فيه {لو تغفلون} أي تقع لكم غفلة في وقت ما {عن أسلحتكم} . ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال: {وأمتعتكم} ولما كانت الغفلة ضعفاً ظاهراً، تسبب عنها قوله: {فيميلون} وأشار إلى العلو والغلبة بقوله: {عليكم} وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله: {ميلة} وأكده بقوله: {واحدة} . ولما كان الله - وله المنّ - قد رفع عن هذه الأمة الحرج، وكان المطر والمرض شاقين قال: {ولا جناح} أي حرج {عليكم إن كان بكم أذى} أي وإن كان يسيراً {من مطر} أي لأن حمل السلاح حينئذ يكون سبباً لبلّه {أو كنتم مرضى} أي متصفين بالمرض وكأن التعبير بالوصف إشارة إلى أن أدنى شيء منه لا يرخص {أن تضعوا أسلحتكم} أي لأن حملها يزيد المريض وهنا. ولما خفف ما أوجبه أولاً من أخذ السلاح برفع الجناح في حال العذر، فكان التقدير: فضعوه إن شئتم؛ عطف عليه بصيغة الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم في كل حال قوله: {وخذوا حذركم} أي في كل حالة، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعاً للمؤمنين، وإعلاماً بأن الأمر بالحزم إنما هو

للجري على ما رسمه من الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب، فهو من باب «اعقلها وتوكل» فقال: {إن الله} المحيط علماً وقدرة {أعدَّ} أي في الأزل {للكافرين} أي الدائمين على الكفر، لا من اتصف به وقتاً ما وتاب منه {عذاباً مهيناً *} أي يهينهم به، من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدماً، ولا تمكنهم معه منكم فرصة.

103

ولما علمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر، فقال مشيراً إلى تعقيبه به: {فإذا قضيتم الصلاة} أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها {فاذكروا الله} أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ينسى {قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} أي في كل حالة، فإن ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن. ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد، وحارس من شياطين الإنس والجن، ومسكن للقلوب {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ؛ أشار

إلى ذلك بالأمر بالصلاة حال الطمأنينة، تنبيهاً على عظم قدرها، وبياناً لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس، لأنها مشتملة على مجامع الذكر {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 48] فقال: {فإذا اطمأننتم} أي عما كنتم فيه من الخوف {فأقيموا الصلاة} أي فافعلوها قائمة المعالم كلها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف والسعة والضيق سفراً أو حضراً بقوله: {إن الصلاة} مظهراً لما كان الأصل فيه الإضمار تنيبهاً على عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده {كانت على المؤمنين كتاباً} أي هي - مع كونها فرضاً - جامعة على الله جمعاً لا يقارنها فيه غيره {موقوتاً *} أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة، فلا يجوز إخراجها عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان بما تسبب من الأرزاق. وللقلوب بما تجلب من المعارف والأنوار. ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة للحذر خوف الضرر، مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر،

وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبهاً على الجد في أمره، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه، عاطفاً على نحو: فافعلوا ما أمرتكم به، أو على {فأقيموا الصلاة} : {ولا تهنوا} أي تضعفوا وتتوانوا بالاشتغال بذكر ولا صلا، فقد يسرت ذلك لكم تيسيراً لا يعوق عن شيء من أمر الجهاد {في ابتغاء القوم} أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن تكونوا تألمون} أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل وما دونه {فإنهم يألمون كما تألمون} أي لأنهم يحصل لهم من ذلك ما يحصل لكم، فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم. ولما بين ما يكون مانعاً لهم من الوهن دونهم، لأنه مشترك بينهم؛ بيّن ما يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال: {وترجون} أي أنتم {من الله} أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى {ما لا يرجون} أي من النصر والعزم والكرم واللطف، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان، وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك في جهاد الكفار أو لا.

ولما كان العلم مبنى كل خير، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية القدرة مجمع الصفات العلى قال تعالى؛ {وكان الله} أي الآمر لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء {عليماً} أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحاً للدين والدنيا {حكيماً} فهو يتقن لمن يأمره الأحوال، ويسدده في المقال والفعال، فمن علم منه خيراً أراده ورقاه في درج السعادة، ومن علم منه شراً كاده فنكس مبدأه ومعاده. ولما كان أول هذه القصص والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيباً من الكتاب في ضلالهم وإضلالهم، ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت، ثم التعجيب من حال من ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة، ثم رضي بحكم غيره، وساق سبحانه وتعالى أصول ذلك وفروعه، ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين، وانتشر ضياؤها على جميع الخافقين، وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة والسيف، وسوّر ذلك بصفتي العلم والحكمة؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه أنزل هذا الكتاب بالحق وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون في استحكام غيره فقال: {إنا أنزلنا} أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل عظمة {إليك} أي خاصة وأنت أكمل الخلق {الكتاب} أي الكامل الجامع لكل خير {بالحق} أي ملتبساً بما يطابقه الواقع

{لتحكم بين الناس} أي عامة، لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن حكمك وابتغى خيراً من غير كتابك، وأشار إلى أنه لا ينطق عن الهوى بقوله: {بما أراك الله} أي عرفكه الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل، فإن كان قد بين لك شيئاً غاية البيان فافعله، وإلا فانتظر منه البيان؛ ثم شرع سبحانه وتعالى في إتمام ما بقي من أخبارهم، وكشف ما بطن من أسرارهم، وبيان علاماتهم ليعرفوا، ويجتنبها المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم. ولما كان سبحانه وتعالى قد خفف عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن شرع له القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب عن سرائرهم بالدفع عن طعمة بن أبيرق، لأن أمره كان مشكلاً، فإنه سرق درعاً وأودعها عند يهودي، فوجدت عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده، ولم يثبت ذلك على طعمة حتى أنزل الله سبحانه وتعالى الآية، فأراد تعالى إنزاله في هذه النازلة وغيرها مما يريده سبحانه وتعالى في المقام الخضري من الحكم بما في نفس الأمر مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى إذ كان الصحيح الذي عليه الجمهور - كما نقله شيخنا قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر رحمه الله تعالى

في الإصابة في أسماء الصحابة - أن الخضر عليه الصلاة والسلام نبي، وكان نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أعطى مثل جميع معجزات الأنيباء صلوات الله عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة وأتم التسليم والبركات، فقال تعالى عاطفاً على ما علم تقديره من نحو: فاحكم بما نريك من بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب: {ولا تكن للخائنين} أي لأجلهم، من طعمة وغيره {خصيماً *} أي مخاصماً لمن يخاصمهم، وأتبع ذلك قوله: {واستغفر الله} أي الذي له الإحاطة التامة والغنى المطلق {كان} أي أزلاً وأبداً {غفوراً رحيماً *} وهذا الاستغفار لا عن ذنب إذ هو منزه عن ذلك، معصوم منه، ولكن عن مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى قوله تعالى {فقل ضل ضلالاً بعيداً} من وجه مستقص مبين بياناً شافياً وسمى بني أبيرق بشراً وبشيراً ومبشراً، ولم يذكر طعمة - والله

سبحانه وتعالى أعلم، قال: عن قتادة بن النعمان قال: «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، فكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث! قال: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح درع وسيف، فعدى عليه من تحت البيت فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق

استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -؛ والله ما نرى صابحكم إلا لبيد بن سهل - رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق! فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقةَ! قالوا: إليك عنا أيها الرجل! فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له! قال قتادة: فأتيته، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سآمر في ذلك، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال

قتادة: فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح! ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة! قال: فقال لي عمي: يا ابن أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بام قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: الله المستعان! فلم يلبث أن نزل القرآن {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} إلى {خصيماً} بني أبيرق، {واستغفر الله} مما قلت لقتادة، {إن الله كان غفوراً رحيماًْ} إلى قوله: {فسوق نؤتيه أجراً عظيماً} ؛ فلا نزل القرآن أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله سبحانه وتعالى {ومن يشاقق الرسول} إلى قوله: {ضلالاً بعيداً} » وروى الحديث ابن إسحاق في السيرة وزاد: إن حساناً قال في نزوله عندها أبياتاً فطردته، فلحق بالطائف فدخل بيتاً ليسرق منه، فوقع عليه فمات، فقالت قريش: والله ما يفارق محمداً من أصحابه أحد فيه خير.

107

ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن، وهو من وقعت منه خيانة ما؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى: {ولا تجادل} أي في وقت ما {عن الذين يختانون} أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا {أنفسهم} بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة، فإنه يعزم عليها أولاً ثم يفعلها، فأدنى لذلك أن يكون قد خان من نفسه مرتين، قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جداً، وذلك أنه سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق في الظاهر، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل؟ فكيف إن كان بغيرهم؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن من خان غيره كان مبالغاً في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله: {إن الله} أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام {لا يحب} أي لا يكرم {من كان

خواناً أثيماً} بصيغتي المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه وتعالى ذلك، لأن فيه دفعاً للضر عن البريء وجلباً للنفع إليه؛ ثم أتبعه بعيب هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة الجدوى، فقال سبحانه وتعالى معجباً منهم بما هو كالتعليل لما قبله: {يستخفون} أي هؤلاء الخونة: طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره {من الناس} حياء منهم وخوفاً من أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفاً مع الوهم كالبهائم {ولا يستخفون} أي يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة {من الله} أي الذي لا شيء أظهر منه لما له من صفات الكمال {وهو} أي والحال أنه {معهم} لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، ولا يعجزه شيء من نكالهم، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك الخيانة ومحض الإخلاص، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال! {إذ} أي حين {يبيتون} أي يرتبون ليلاً على طريق الإمعان في الفكر والإتقان للرأي {ما لا يرضى من القول} أي من البهت والحلف عليه، فلا يستحيون منه ولا يخافون، لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم بالغيب.

ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عمم فقال: {وكان الله} أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له {بما يعملون} أي من هذا وغيره {محيطاً *} أي علماً وقدرة. ولما وبخهم سبحانه وتعالى على جهلهم، حذر من مناصرتهم فقال مبنياً أنها لا تجديهم شيئاً، مخوفاً لهم جداً بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة بعد: {هاأنتم هؤلاء} وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة، فقال مبيناً لأن المراد من الجملة السابقة التهديد: {جادلتم عنهم} في هذه الواقعة أو غيرها {في الحياة الدنيا} أي بما جعل لكم من الأسباب. ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال: {فمن يجادل الله} أي الذي له الجلال كله {عنهم} أي حين تنقطع الأسباب {يوم القيامة} ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون «ها» من {هأنتم} للتنبيه أو بدلاً عن همزة استفهام - على ما تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين.

ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبهاً على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله: {أم من يكون} أي فيما يأتي من الزمان {عليهم وكيلاً *} أي يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر. ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليماً حكيماً -: {من يعمل سوءاً} أي قبيحاً متعدياً يسوء غيره شرعاً، عمداً - كما فعل طعمة - أو غير عمد {أو يظلم نفسه} بما لا يتعداه إلى غيره شركاً كان أو غيره، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر {ثم يستغفر الله} أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها {يجد الله} أي الجامع لكل كمال {غفوراً} أي ممحيّاً للزلات

{رحيماً *} أي مبالغاً في إكرام من يقبل إليه «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت {من يعمل سوءاً يجز به} [النساء: 123] وأنها نزلت بعدها. ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثاً على التوبة وتهييجاً إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها فقال: {ومن يكسب إثماً} أي إثم كان {فإنما يكسبه على نفسه} لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، والكسب: فعل ما يجر نفعاً أو يدفع ضراً. ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى: {وكان الله} أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً {عليماً} أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه {حكيماً *} فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.

112

ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال: {ومن يكسب خطيئة} أي ذنباً غير متعمد له {أو إثماً} أي ذنباً تعمده. ولما كان البهتان شديداً جداً قلَّ من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم يرم به بريئاً} أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي، وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها. وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة الافتعال في قوله: {فقد احتمل} وبقوله: {بهتاناً} أي خطر كذب يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه إشارة إلى ما يلحق الرامي في الدنيا من الذم {وإثماًَ} أي ذنباً كبيراً {مبيناً} يعاقب به في الآخرة، وإنما كان مبيناً لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به، ولأن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوماً ما بطريق من الطرق ولو لبعض الناس. ولما وعظ سبحانه وتعالى في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر، بين نعمته على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله تعالى: {ولولا فضل الله} أي الملك الأعلى

{عليك} أي بإنزال الكتاب {ورحمته} أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم قصد العناد {لهمت طائفة منهم} أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق، لا تزال تتخلق فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ما تريد {أن يضلوك} أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة، ولكن الله حفظك في أصحابك فما هموا بذلك، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه، ولو هموا لما أضلوك {وما يضلون} أي على حالة من حالات هذا الهم {إلا أنفسهم} إذ وبال ذلك عليهم {وما يضرونك} أي يجددون في ضرك حالاً ولا مالاً بإضلال ولا غيره {من شيء} وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية المائدة أيضاً وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر {وأنزل الله} أي الذي له جميع العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك {الكتاب} أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري الدارين {والحكمة}

أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل، وعمم بقوله: {وعلمك ما لم تكن تعلم} أي من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا {وكان فضل الله} أي المتوحد بكل كمال {عليك عظيماَ *} أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر، وهذا من أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل. ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدفع عنه، نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن يقع به التناجي، ويحسن فيه التفاؤل والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله سبحانه وتعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} أي نجوى جميع المناجين {إلا من} أي نحوى من {أمر بصدقة} ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك الحال، عمم بقوله: {أو معروف} أيّ معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها. ولما كان إصلاح ذات البين أمراً جليلاً، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: {أو إصلاح بين الناس} أي عامة، فقد بين سحانه وتعالى أن غير المستثنى من التناجي لا خير فيه، وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنباً - كما روى أحمد والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيّه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه» . ولما كان التقدير: فمن أمر بشي من ذلك فنجواه خير، وله عليها أجر؛ عطف عليه قوله: {من يفعل ذلك} أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء {ابتغاء مرضاة الله} الذي له صفات الكمال، لأن العمل لا يكون له روح إلا بالنية {فسوف نؤتيه} أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه {أجراًَ عظيماً *} وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد. ولما رتب سبحانه وتعالى الثواب العظيم على الموافقة، رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} أي الكامل في الرسلية، فيكون بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير جهته على وجه المقاهرة، وعبر بالمضارع رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد بالاستمرار، وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه بالمجاهرة، ولأن السياق لأهل الأوثان وهم مجاهرون، وقد جاهر سارق الدرعين الذي كان سبباً لنزول الآية في آخر قصته - كما مضى.

ولما كان في سياق تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها، لا في سياق الملة المعلومة بالعقل، أتى ب «من» تقييداً للتهديد بما بعد الإعلام بذلك فقال: {من بعد ما} ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن استغرق زمان البعد بالمشاققة. ولما كان ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غاية الظهور قال: {تبين له الهدى} أي الدليل الذي هو سببه. ولما كان المخالف للإجماع لا يكفر إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة، عبر بعد التبين بالاتباع فقالك {ويتبع غير سبيل} أي طريق {المؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة، والمراد الطريق المعنوي، وجه الشبه الحركة البدنية الموصلة إلى المطلوب في الحسي، والنفسانية في مقدمات الدليل الموصل إلى المطلوب في المعنوي {نوله} أي بعظمتنا في الدنيا والآخرة {ما تولى} أي نكله إلى ما اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى خذلاناً منا له {ونصله} أي في الآخرة {جهنم} أي تلقاه بالكراهة والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا وشاققهم. ولما كان التقدير: فهو صائر إليها لا محالة، بين حالها في ذلك فقال: {وساءت مصيراً *} وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لا يتوعد إلا على مخالفة الحق، وكذا حديث «لا تزال طائفة من أمتي

قائمة بأمر الله - وفي رواية: ظاهرين على الحق - حتى يأتي أمر الله» رواه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان والمغيرة وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة، بعض أحاديثهم في الصحيحين، وبعضها في السنن، وبعضها في المسانيد، وبعضها في المعاجيم وغير ذلك؛ ووجه الدلالة أن الطائفة التي شهد لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق في جملة أهل الإجماع والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كان فاعل ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين بما ألقوه إليهم من الشبه، فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت أبصارهم أشعة التوحيد؛ حسن إيلاؤه قوله سبحانه وتعالى - معللاً تعظيماً لأهل الإسلام، وحثاً على لزوم هديهم، وذما لمن نابذهم وتوعداً له، إشارة إلى أن من خرق إجماع المسلمين صار حكمه حكم المشركين، فكيف بمن نابذ المرسلين: {إن الله} أي الأحد المطلق فلا كفوء له {لا يغفر أن يشرك به} أي وقوع الشرك به، من أي شخص كان، وبأي شيء كان، لأن من قدح في الملك استحق البوار والهلك، وسارق الدرع أحق الناس بذلك {ويغفر ما} أي كل شيء هو {دون ذلك} أي الأمر الذي لم يدع للشناعة

موضعاً - كما هو شأن من ألقى السلم ودخل في ربقة العبودية، ثم غلبته الشهوة فقصر في بعض أنواع الخدمة. ثم دل على نفوذ أمره بقوله: {لمن يشاء} . ولما كان التقدير: فإن من أشرك به فقد افترى إثماً مبيناً، عطف عليه قوله: {ومن يشرك} أي يوقع هذا الفعل القذر جداً في أي وقت كان من ماض أو حال أو استقبال مداوماً على تجديده {بالله} أي الملك الذي لا نزاع في تفرده بالعظمه لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد {فقد ضل} أي ذهب عن السنن الموصل {ضلالاً بعيداً *} لا تمكن سلامة مرتكبه، وطوزى مقدمة الافتراء الذي هو تعمد الكذب، وذكر مقدمة الضلال، لأن معظم السياق للعرب أهل الأوثان والجهل فيهم فاش، بخلاف ما مضى لأهل الكتاب فإن كفرهم عن علم فهو تعمد للكذب.

117

ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات، وكان أكثرهم أهل أوثان؛ ناسب كل المناسبة قوله معللاً لأن الشرك ضلال: {إن} أي ما {يدعون} وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء إشارة إلى أن كل معبود لا يدعي في الضرورات فيسمع، فعابده أجهل الجهلة. ولما كان كل شيء دونه سبحانه

وتعالى، لأنه تحت قهره؛ قال محتقراً لما عبدوه: {من دونه} أي وهو الرحمن. ولما كانت معبوداتهم أوثاناً متكثرة، وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء الإناث من اللات والعزى، ويقولون في الكل: إنها بنات الله، ويقولون عن كل صنم: أنثى بني فلان؛ قال: {إلا إناثاً} أي فجعلوا أنفسهم للإناث عباداً وهم يأنفون من أن يكون لهم لهم أولاداً، وفي التفسير من البخاري: إناثاً يعني الموات حجراً أو مدراً - أو ما أشبه ذلك؛ هذا مع أن مادة «أنث» و «وثن» يلزمها في نفسها الكثرة والرخاوة والفرقة، وكل ذلك في غاية البعد عن رتبة الإلهية، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في سورة العنكبوت وأن هذا القصر قلب قصر لاعتقادهم أنها آلهة، ومعنى الحصر: ما هي إلا غير آلهة لما لها من النقص {وإن يدعون} أي يعبدون في الحقيقة {إلا شيطاناً} أي لأنه هو الآمر لهم بذلك، المزين لهم {مريداً} أي عاتياً صلباً عاصياً ملازماً للعصيان، مجرداً من كل خير، محترقاً بأفعال الشر، بعيداً من كل أمن، من: شاط وشطن؛ ومرد - بفتح عينه وضمها، وعبر بصيغة فعيل التي هي للمبالغة في سياق ذمهم تنبيهاً على أنهم تعبدوا لما لا إلباس في شرارته، لأنه شر كله، بخلاف ما في سورة الصافات، فإن سياقه يقتضي

عدم المبالغة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ ثم بين ذلك بقوله: {لعنه الله} أي أبعده الملك الأعلى منكل خير فبعد فاحترق. ولما كان التقدير: فقال إصراراً على العداوة بالحسد: وعزتك لأجتهدن في إبعاد غيري كما أبعدتني! عطف عليه قوله: {وقال لأتخذنَّ} أي والله لأجتهدن في أن آخذ {من عبادك} الذين هم تحت قهرك، ولا يخرجون عن مرادك {نصيباً مفروضاً *} أي جزءاً أنت قدرته لي {ولأضلنهم} أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوساوس وتزيين الأباطيل {ولأمنينّهم} أي كل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والعفو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم} . ولما كان قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته، وكانت طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد؛ أكد قوله: {فليبتكن} أي يقطعن تقطيعاً كثيراً {آذان الأنعام} ويشققونها علامة على ما حرموه على أنفسهم {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أي الذي له الحكمة الكاملة فلا كفوء له، بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ما دون ذلك من فقء عين الحامي

ونحو ذلك، وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها، المشار إلى إبطاله في أول المائدة بقوله {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] المصرح به في آخرها بقوله: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103] ويكون التغيير بالوشم والوشر، ويدخل فيه كل ما خالف الدين، فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك حتى أدخلوا فيه تشبيه الرجال بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه النساء بالرجال في السحق ومانحاً فيه نحوه. ولما كان التقدير: فقد خسر من تابعه في ذلك، لأنه صار للشيطان ولياً؛ عطف عليه معمماً قوله: {ومن يتخذ} أي يتكلف منهم ومن غيرهم تغيير الفطرة الأولى فيأخذ {الشيطان ولياً} ولما كان ذلك ملزوماً لمحادة الله سبحانه وتعالى، وكان ما هو أدنى من رتبته في غاية الكثرة؛ بعّض ليفهم الاستغراق من باب الأولى فقال: {من دون الله} أي المستجمع لكل وصف جميل {فقد خسر} باتخاذه ذلك ولو على أدنى وجوه الشرك {خسراناً مبيناً *} أي في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان، لأنه تولى من لا خير عنده؛ ثم علل ذلك بقوله: {يعدهم} أي بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل أنه قريب الحصول، وأنه

لا درك في تحصيله، وأنه إن لم يحصل كان في فواته ضرر، فيسعون في تحصيله، فيضيع عليهم في ذلك الزمانُ، ويرتكبون فيه ما لا يحل من الأهوال والهوان {ويمنيهم} أي يزين لهم تعليق الآمال بما لا يتأتى حصوله، ثم بين ذلك بقوله: {وما} أي والحالة أنه ما {يعدهم} وأظهر في موضع الإضمار تنبيهاً على مزيد النفرة فقال: {الشيطان} أي المحترق البعيد عن الخير {إلا غروراًَ *} أي تزييناً بالباطل خداعاً ومكراً وتلبيساً، إظهاراً - لما لا حقيقة له أو له حقيقة سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس وأشهاها إلى الطبع، فإن مادة «غر» و «رغ» تدول على الشرف والحسن ورفاهة العيش، فالغرور إزالة ذلك.

121

ولما أثبت لهم ذلك أنتج بلا شك قوله: {أولئك} أي البعداء من كل خير {مأواهم جهنم} أي تتجهمهم وتتقد عليهم بما اتخذوا من خلق منها ولياً {ولا يجدون عنها محيصاً *} أي موضعاً ما يميلون إليه شيئاً من الميل. ولما ذكر ما للكافرين ترهيباً أتبعه ما لغيرهم ترغيباً فقال: {والذين آمنوا} أي بوعد لا خلف فيه {جنات تجري}

وقرب وبعض بقوله: {من تحتها الأنهار} أي لرّي أرضها، فحيث ما أجرى منها نهر جرى. ولما كان الانزعاج عن مطلق الوطن - ولو لحاجة تعرض - شديداً، فكيف بهذا! قال: {خالدين فيها} ولما كان الخلود يطلق على مجرد المكث الطويل، دل على أنه لا بإلى آخر بقوله: {أبداً} ثم أكد ذلك بأن الواقع يطابقه، وهويطابق الواقع فقال: {وعد الله حقاً} أي يطابقه الواقع، لأنه الملك الأعظم وقد برز وعده بذلك، ومن أحق من الله وعداً، وأخبر به خبراً صاداقً يطابق الواقع {ومن أصدق من الله} أي المختص بصفات الكمال {قيلاً *} وأكثر من التأكيد هنا لأنه في مقابلة وعد الشيطان، ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس فلا تنصرف عنه إلا بعسر شديد. ولما أخبر تعالى عما أعد لهم ولمن أضلهم من العقاب وعما أعد للمؤمنين من الثواب، وكانوا يمنون أنفسهم الأماني الفارغة من أنه لا تبعة عليهم في التلاعب بالدين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويشجعهم على ذلك أهل الكتاب ويدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه، لا يؤاخذهم بشيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى أو من شفعوا فيه، ونحو هذه التكاذيب مما يطمعون به من والاهم بأنهم ينجونه، وكان

المشركون يقولون: {نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} [سبأ: 35] ، ونحو ذلك - كنا قال العاصي بن وائل لخباب بن الأرت وقد تقاضاه ديناً كان له عليه: دعني إلى تلك الدار فأقضيك مما لي فيها، فوالله لا تكون أنت وصاحبك فيها آثر عند الله مني ولا أعظم حظاً، فأنزل الله في ذلك: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} [مريم: 77] الآيات من آخر مريم، ويقول لهم أهل الكتاب: أنتم أهدى سبيلاً، لما كان ذلك قال تعالى راداً على الفريقين: {ليس} أي ما وعده الله وأوعده {بأمانيكم} أي أيها العرب {ولا أماني أهل الكتاب} أي التي يمنيكم جميعاً بها الشيطان. ولما اكنت أمانيهم أنهم لا يجازون بأعمالهم الخبيثة، أنتج ذلك لا محالة قوله: {ومن يعمل سوءاً يجز به} أي بالمصائب من الأمراض وغيرها، عاجلاً إن أريد به الخير، وآجلاًَ إن أريد به الشر، وما أحسن إيلاؤها لتمنيه الشيطان المذكورة في قوله {يعدهم ويمنيهم} [النساء: 120] فيكون الكلام وافياً بكشف عوار شياطين الجن ثم الإنس في غرورهم لمن خف معهم مؤيساً لمن قبل منهم، وما أبدع ختامها بقوله: {ولا

يجد له} ولما كان كل أحد قاصراً عن مولاه، عبر بقوله: {من دون الله} أي الذي حاز جميع العظمة {ولياً} أي قريباً يفعل معه ما يفعل القريب {ولا نصيراً *} أي ينصره في وقت ما! وما أشد التئامها بختام أول الآيات المحذرة منهم {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة} [النساء: 44] إلى قوله {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} [النساء: 45] إشارة إلى أن مقصود المنافقين من مشايعة أهل الكتاب ومتابعتهم إنما هو الولاية والنصرة، وأنهم قد ضيعوا منيتهم فاستنصروا بمن لا نصرة له، وتركوا من ليست النصرة إلا له.

124

ولما أبدى جزاء المسيء تحذيراً، أولاه أجر المحسن تبشيراً فقال: {ومن يعمل} وخفف تعالى عن عباده بقوله: {من الصالحات} ولما عمم بذكر (من) صرح بما اقتضته في قوله: {من ذكر وأنثى} وقيد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه {مؤمن} ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان {فأولئك} أي العالو الرتبة، وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب، وللفاعل في قراءة غيرهم، لأن المقصود نفس الفعل، لا كونه من فاعل معين؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة {يدخلون} أي يدخلهم الله {الجنة} أي الموصوفة {ولا يظلمون} وبنى الفعل للمجهول، لأن المقصود الخلاص

منه لا بقيد فاعل معين {نقيراً *} أي لا يظلم الله المطيع منهم بنقص شيء ما، ولا العاصي بزيادة شيء ما، والنقير: ما في ظهر النواة من تلك الوقبة الصغيرة جداً، كني بها عن العدم، وهذا على ما يتعارفه الناس وإلا فالله تعالى له أن يفعل ما يشاء، فإن مِلكه ومُلكه عام، لا يتصور منه ظلم كيف ما فعل. ولما كشف سبحانه زورهم وبيَّن فجورهم، أنكر أن يكون أحد أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم زعماًَ تقدم كشف عواره وهتك أستاره في آل عمران، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن أحسن دائناً ومجازياً وحاكماً منه سبحانه وتعالى: {ومن أحسن ديناً} أو يكون التقدير: لأنهم أحسنوا في دينهم ومن أحسن ديناً منهم! لكنه أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به وتعليماً لما يفعل يفعل المؤمن وحثاً عليه فقال: {ممن أسلم} أي أعطى. ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال: {وجهه} أي قياده، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها {لله} فلا حركة له سكنة إلا فيما يرضاه، لكونه الواحد الذي لا مثل له، فهو حصر بغير صيغة الحصر، فأفاد فساد طريق من

لفت وجهه نحو سواه باستعانة أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون الطاعة من أنفسهم، ويرون أنها موجبة لثوابهم، والمعصية كذلك وأنها موجبة لعقابهم، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم، ولا يخافون غيرها؛ وأهل السنة فوّضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق، فهم المسلمون. ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي، شرط فيه الدوام والأعمال الظاهرة بقوله: {وهو} أي والحال أنه {محسن} أي مؤمن مراقب، لا غفلة عنده أصلاً، بل الإحسان صفة له راسخة، لأنه يعبد الله كأنه يراه، فقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلاً وفرعاً مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره. ولما كان هذا ينتظم مَنَ كان على دين أي نبي كان قبل نسخه، قيده بقوله: {واتبع} أي بجهد منه {ملة إبراهيم} الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع {حنيفاً} أي ليناً سهلاً ميّالاً مع الدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد.

ولما كان التقدير ترغيباً في هذا الاتباع: فقد جعل الله سبحانه وتعالى ملة إبراهيم أحسن الملل، وخلقه يوم خلقه حنيفاً، عطف عليه قوله: {واتخذ الله} أي الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه {إبراهيم خليلاً *} لكونه كان حنيفاً، وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله من ترديد الرسل بالوحي بينه وبينه، وإجابة الدعوة، وإظهار الخوارق عليه وعلى آله، والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف، وأظهر اسمه في موضع الإضمار تصريحاً بالمقصود احتراساً من الإبهام وإعلاءً لقدره تنويهاً بذكره.

126

ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه، وكان ربما توهم عدم القدرة على أخذه لغير ما أخذ، وجعله لغير ما جعل، أو تعنت بذلك متعنت فظن أن في الكلام دخلاً بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال: {ولله} أي والحال أن للمختص بالوحدانية - فلا كفوء له {ما في السماوات} . ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال: {وما في الأرض} من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن غيره إشارة إلى أنه التام المُلك العظيم المِلك، فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه، ولا يختار إلا من علمه خياراً

وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل، ولذلك قال: {وكان الله} أي الملك الذي له الكمال كله {بكل شيء} أي منهما ومن غيرهما {محيطاً *} علماً وقدرة، فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع والعاصي، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعجزه شيء. ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاماً من الأصول والفروع، ثم يفصلها بوعد ووعيد وترغيب وترهيب، وينظمها بدلائل كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله، ثم يعود إلى بيان الأحكام على أبدع نظام لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى القبول، والنظم كذلك أجدر بالتأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان مقروناً ببشارة ونذارة، وذلك لا يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر عنه ذلك المقال، ولا ينتقل مع ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع وأول ما بعده بكمال التعلق لفظاً ومعنى، وفعل سبحانه وتعالى في هذه السورة في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث وغير ذلك مما اتصل به - كما بين - إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ذلك

كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام، وقامت البراهين وسطعت الحجج، وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في الميراث وغيره، وكان توريث النساء والأطفال - ذكوراً كانوا أو إناثاً - مما أبته نفوسهم، وأشربت بغضه قلوبهم، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع، وإلقاؤه شيئاً فشيئاً في قوالب البلاغة أنفع؛ وصل بذلك قوله تعالى: {ويستفتونك} في جملة حالية من اسم الجلالة التي قبلها، أي له ما ذكر فلا مساغ للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلباً لأن تتفتى عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ملكه لبعض مخلوقاته {في النساء} طمعاً في الاستئثار عليهم بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار والحال أنهم قد عبدوا من دونه إناثاً، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق الذي ملكهم له بضعف من الحرث والأنعام نصيباً، فلا تعجب من حال من كرر الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالباً إلا فيما فيه اعتراض - في إناث أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم المِلك التام المُلك العظيم المِلك بعض ما يريد، ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثاً

لا حياة لها ولا منفعة مما في يده، وملكه في الحقيقة لغيره، ولم يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي. ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجاً إلى زيادة الاعتناء قال: {قل الله} آمراً معبراً بالاسم الأعظم منبهاً على استحضار ما ذكر أول السورة {يفتيكم} أي يبين لكم حكمه {فيهن} أي الآن لأن تقوموا لهن بالقسط {وما} أي مع ما {يتلى عليكم} أي تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفاً قاطعاً وحكماً ماضياً جامعاً {في الكتاب} أي فيما سبق أول السورة في قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ، وغير ذلك {في يتامى النساء} أي في شأن التيامى من هذا الصنف {اللاّتي لا تؤتونهن} أي بسبب التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه {ما كتب لهن} أي ما فرض من الميراث وسائر الحقوق فرضاً وهو في غاية اللزوم {وترغبون أن} أي في أن أو عن أن {تنكحوهن} لجمالهن أو لدمامتهن {و} يفتيكم في {المستضعفين} أي الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم، يمنعهم حقوقهم {من الولدان} . ولما كان التقدير؛ في أن تقوموا لهم بالقسط، أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ولا تحقروهم لصغرهم؛ عطف عليه قوله: {وأن تقوموا} أي تفعلوا فيه من القوة والمبادرة فعل القائم المنشط {لليتامى}

من الذكور والإناث {بالقسط} أي بالعدل من الميراث وغيره. ولما كان التقدير: فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليماً وعليكم قديراً؛ عطف عليه قوله ترغيباً: {وما تفعلوا من خير} أي في ذلك أو في غيره {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {كان به عليماً *} أي فهو جدير - وهو أكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب كرمه وعلو قدره، فطيبوا نفساً وتقروا عيناً؛ روى البخاري في الشركة والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود والنسائي في النكاح «عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن قول الله عز وجل: {فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} إلى {رباع} قالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن؛ قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل (ويستفتونك - إلى - وترغبون أن تنكحوهن) » والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي قال فيها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت عائشة رضي الله عنها: وقول الله تعالى في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} هي رغبة أحدكم يتيمته - وقال مسلم: عن يتيمته - التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، زاد مسلم: إذا كن قليلات المال والجمال، وقال البخاري في النكاح: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق؛ وفي البخاري

ومسلم في التفسير عن عروة أيضاً {يستفتونك في النساء} الآية قالت: «هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته - وقال مسلم: لعلها أن تكون قد شركته، في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية؛ وفي رواية مسلم: نزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينحكها لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها فقال: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} يقول: ما حللت لكم، ودع هذه التي تضر بها» وفي رواية له وللبخاري في النكاح «فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيشركه في ماله - وقال البخاري: فيدخل عليه في ماله - فيعضلها ولا يتزوجها ولا يزوجها، زاد البخاري: فنهاهم الله سبحانه وتعالى» عن ذلك، وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية

تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت، فإذا ماتت ورثها. وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف والعطف لا سيما للضعيف، وذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله تعالى به من الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ولا تلعثم، وأنه كان حنيفاً ميالاً مع الدليل، تعنيفاً لمن قام عليه دليل العقل وأتاه صريح النقل وهو يراجع! وإذا تأملت قوله تعالى: {من يعمل سوءاً يجز به} [النساء: 123] مع قوله فيما قبل {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم} [النساء: 9] لاحت لك أيضاً مناسبة بديعة.

128

ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ويضاجرون بعضهن؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج فقال: {وإن امرأة} أي واحدة أو على ضرائر. ولما كان ظن المكروه مخوفاً قال: {خافت} أي توقعت

وظنت بما يظهر لها من القرائن {من بعلها نشوزاً} أي ترفعاً بما ترى من استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها {أو إعراضاً} عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفاً لملاطفتها بقوله وفعله {فلا جناح} أي حرج وميل {عليهما أن يصلحا} أي يوقع الزوجان {بينهما} تصالحاً ومصالحة، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام التقدير: إصلاحاً، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجرداً له: {صلحاً} بأن تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك، وأن يلين لها هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك. ولما كان التقدير: ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل، عطف عليه قوله: {والصلح} أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه {خير} أي المفارقة التي أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من الجانبين، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن كانت مشاركة للصلح في الخير، لكنها مفضولة، وتخصيصُ المفارقة بالطي لأن مبنى السورة على المواصلة.

ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة في الطباع، صوَّر سبحانه وتعالى ذلك تنفيراً عنه، فقال اعتراضاً بين هذه الجمل للحث على الجود بانياً الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المُحِضر لا يرضى أحد نسبته إليه: {وأحضرت الأنفس} أي الناظرة إلى نفاستها عجباً {الشح} أي الحرص وسوء الخلق وقلة الخير والنكد والبخل بالموجود، وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير. ولما كان هذا خلقاً رديئاً لم يذكر فاعله، والمعنى: أحضرها إياه مُحضر. فصار ملازماً لها، لا تنفك عنه إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في قهرها عليه بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء، ولما كان التقدير: فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم، عطف عليه قوله: {وإن تحسنوا} أي توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين {وتتقوا} أي توقعوا التقوى بمجانبة كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن الشحيح لا محسن ولا متق {فإن الله} أي وهو الجامع لصفات الكمال

{كان} أزلاً وأبداً {بما تعملون} أي في كل شح وإحسان {خبيراً *} أي بالغ العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم الأكرمين، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء. ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الوقوف على الحق فضلاً عن الإحسان - وإن كانت المرأة واحدة - متعسر، أتبعه أن ذلك عند الجمع أعسر، فقال تعالى معبراً بأداة التأكيد: {ولن تستطيعوا} أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة {أن تعدلوا} أي من غير حيف أصلاً {بين النساء} في جميع ما يجب لكل واحدة منهن عليكم من الحقوق {ولو حرصتم} أي على فعل ذلك، وهذا مع قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] كالمختم للاختصار على واحدة. ولما أخبر سبحانه وتعالى بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل، سبب عنه قوله: {فلا} أي فإن كان لا بد لكم من العدد، أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة فلا {تميلوا} ولما كان مطلق الميل غير مقدور على تركه فلم يكلف به، بين المراد بقوله: {كل الميل} ثم سبب عنه قوله: {فتذروها} أي المرأة {كالمعلقة} أي بين النكاح والعزوبة والزواج والانفراد. ولما كان الميل الكثير مقدوراً على تركه، فكان التقدير: فإن

ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقماً حسيباً، عطف عليه قوله: {وإن تصلحوا وتتقوا} أي بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى في ترك الجور على تجدد الأوقات {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {كان غفوراً رحيماً *} أي محّاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق الميل، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام. ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف، ذكر قسيمه فقال: {وإن يتفرقا} أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه {يغن الله} أي الذي له صفات الكمال {كلاًّ} أي منهما، أي يجعله غنياً هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه، وبين منشأ هذا الغني فقال: {من سعته} أي من شمول قدرته وغير ذلك من كل صفة كمال، ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها الشح، كرر اسمه الأعظم الجامع فقال: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً {واسعاً} أي محيطاً بكل شيء {حكيماً *} أي يضع الأشياء في أقوم محالها.

131

ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل،

لم يذكر فيها الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان لرأفته وسعة رحمته وعموم تربيته، وفي ذلك معنى الوصلة والعطف، قال ابن الزبير: ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - لذلك ما تكرر كثيراً في هذه السورة الأمرُ بالاتقاء، وبه افتتحت {اتقوا ربكم} [النساء: 1] ، {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] ، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [النساء: 131] . ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيباً في سؤاله: {ولله} أي الذي له العظمة كلها {ما في السماوات} ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص، فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال: {وما في الأرض} وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله: {وإن تحسنوا وتتقوا} [النساء: 128] {وإن تصلحو وتتقوا} [النساء: 129] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة، لم تزل قديماً وحديثاً، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول، وأهون على النفس، فقال تعالى: {ولقد وصينا} أي على ما لنا من العظمة.

ولما كان الاشتراك في الأحكام موجباً للرغبة فيها والتخفيف لثقلها، وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال: {الذين أوتوا الكتاب} أي التوراة والإنجيل وغيرهما وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا به، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول، ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب، أو على لسان الرسول من غير كتاب، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال: {من قبلكم} أي من بني إسرائيل وغيرهم {وإياكم} أي ووصيانكم مثل ما وصيناهم؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله: {أن اتقوا الله} أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له. ولما كان التقدير: فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين، عطف عليه قوله: {وإن تكفروا} أي بترك التقوى {فإن الله} أي الذي له الكمال المطلق {ما في السماوات} ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله: {وما في الأرض} منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجساداً وأروحاً وأحوالاً. ولما كان المعنى: لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته، ولا يلحقه ضرر بكفركم، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم، لأنه غني عنكم،

لا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات؛ أكده بقوله دالاً على غناه واستحقاقه للمحامد: {وكان الله} أي الذي له الإحاطة كلها {غنياً} أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته {حميداً *} أي محموداً بكل لسان قالي وحالي، كفرتم أو شكرتم، فكان ذلك غاية في بيان حكمته. ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام: {ولله} أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة {ما في السماوات} وأكد لمثل ما مضى فقال: {وما في الأرض} أي هو قائم بمصالح ذلك كله، يستقل بجميع أمره، لا معترض عليه، بل هما وكل من فيهما مظهر العجز عن أمره، معلق مقاليد نفسه وأحواله إليه طوعاً أو كرهاً، فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض والبسط، ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال: {وكفى بالله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {وكيلاً *} أي قائماً بالمصالح قاهراً متفرداً بجميع الأمور، قادراً على جميع المقدور، وقد بان - كما ترى - أن جملة «لله» المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلاً على شيء غير الذي قبله وكررت، لأن الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات كثيرة يحسن

أن يستدل به على كل واحد منها. وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرة واحدة، لأن عند إعادته يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل؛ وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال عل صفات الكمال لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، فكان في غاية الحسن والكمال. ولما تقرر بهذا شمول علم من هذا من شأنه وتمام قدرته أنتج قوله مهدداً مخوفاً مرهباً: {إن يشأ يذهبكم} وصرح بالعموم إشارة إلى عموم الإرسال بقوله: {أيها الناس} أي المتفرعون من تلك النفس الواحدة كافة لغناه عنكم وقدرته على ما يريد منكم {ويأت بآخرين} أي من غيركم يوالونه {وكان الله} أي الواحد الذي لا شريك له أزلاً وأبداً {على ذلك} أي الأمر العظيم من الإيجاد والإعدام {قديراً *} أي بالغ القدرة، وهذا غاية البيان لغناه وكونه حميداً وقاهراً وشديداً، وإذا تأملت ختام قوله تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام

في آخر هذه السورة {سبحانه أن يكون له ولد} [النساء: 171] زاد ذلك هذا السر - وهو كونه لا اعتراض عليه - وضوحاً. ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف، وكان مدار أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمرَ الدنيوي، وكان سبحانه وتعالى قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض الفاني خصوصاً قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه؛ قال تعالى تفييلاً لآرائهم وتخسيساً لهممهم حيث نزلوا إلى الأدنى مع القوة على طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضاً منه تعالى، فلا يفوتهم شيء من معوّلهم مع إحراز الأنفس: {ما كان يريد ثواب الدنيا} لقصور نظره على المحسوس الحاضر مع خسته كالبهائم {فعند} أي فليقبل إلى الله فإنه عند {الله} أي الذي له الكمال المطلق {ثواب الدنيا} الخسيسة الفانية {والآخرة} أي النفسية الباقية فليطلبها منه، فإنه يعطي من أراد ما شاء، ومن علت همته عن ذلك فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي جمع سبحانه وتعالى له بينهما، كمن يجاهد الله خالصاً، فإنه يجمع له بين الأجر والمغنم، وما أشد التئامها مع ذلك بما قبلها، لأن من كان تام القدرة واسع الملك كان كذلك.

ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولاً أو فعلاً، وكان الفعل قد يكون قلبياً قال: {وكان الله} أي المختص بجميع صفات الكمال {سميعاً} أي بالغ السمع لكل قول وإن خفي، نفسياً كان أو لسانياً {بصيراً *} أي بالغ البصر لكل ما يمكن أن يبصر من الأفعال، والعلم بكل ما يبصر وما لا يبصر منها ومن غيرها فيكون من البصر ومن البصيرة، فليراقبه العبد قولاً وفعلاً.

135

ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم طعمة الذين اعتصبوا له، التفت إليهم مستعطفاً بصيغة الإيمان، جائياً بصيغة الأمر على وجه يعم غيرهم، قائلاً ما هو كالنتيجة لما مضى من الأمر بالقسط من أول السورة إلى هنا على وجه أكده وحث عليه: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {كونوا قوَّامين} أي قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه. ولما كان أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال: {بالقسط} بخلاف ما يأتي في المائدة فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما يكون بالنظر إلى الموفى له {شهداء} أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل شيء أردتم الدخول فيه {لله} أي لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره {ولو} كان ذلك القسط {على أنفسكم} أي فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء، وإلا تفعلوا ذلك قهرتكم على الشهادة على أنفسكم على

رؤوس الأشهاد، ففضحتم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون من جميع العباد. ولما كان ذكر أعز ما عند الإنسان أتبعه ما يليه وبدأ منه بمن جمع إلى ذلك الهيبة فقال: {أو} أي أو كان ذلك القسط على {الوالدين} وأتبعه ما يعمهما وغيرها فقال: {والأقربين} أي من الأولاد وغيرهم، ثم علل ذلك بقوله: {إن يكن} أي المشهود له أو عليه {غنياً} أي ترون الشهادة له بشيء باطل دافعة ضراً منه للغير من المشهود عليه أو غيره، أو مانعة فساداً أكبر منها، أو عليه بما لم يكن صلاحاً طمعاً في نفع الفقير بما لا يضره ونحو ذلك {أو فقيراً} فيخيل إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى منه تسكن فتنة {فالله} أي ذو الجلال والإكرام {أولى بهما} أي بنوعي الغني والفقير المندرج فيهما هذان المشهود بسببهما منكم، فهو المرجو لجلب النفع ودفع الضر بغير ما ظننتموه، فالضمير من الاستخدام، ولو عاد للمذكور لوحد الضمير لأن المحدث عنه واحد مبهم.

ولما كان هذا، تسبب عنه قوله: {فلا تتبعوا} أي تتكلفوا تبع {الهوى} وتنهمكوا فيه انهماك المجتهد في المحب له {أن} أي إرادة أن {تعدلوا} فقد بان لكم أنه لا عدل في ذلك. ولما كان التقدير: فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن الله كان عليكم قديراً، عطف عليه قوله: {وإن تلوا} أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعاً من التحريف أو تديروا ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلاً، وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام - من الولاية أي تؤدوا الشهادة على وجه من العدل، أو الليّ {أو تعرضوا} أي عنها وهي حق فلا تؤدوها لأمر ما {فإن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان} أي لم يزل ولا يزال {بما تعملون خبيراً *} أي بالغ العلم باطناً وظاهراً، فهو يجازيكم على ذلك بما تستحقونه، فاحذروه إن خنتم، وارجوه إن وفيتم، وذلك بعد ما مضى من تأديبهم على وجه الإشارة والإيماء من غير أمر، وما أنسبها لختام التي قبلها وأشد التئام الختامين: ختام هذه بصفة الخبر وتلك بصفتي السمع والبصر.

ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك، وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي افتتح القصة بحقيته وبيان فائدته فقال: {يا أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال مفصلاً له: {ءامنوا بالله} أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع صفات الكمال كلها. ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط، وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال: {ورسوله} أي لأنه المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر {والكتاب الذي نزل} أي مفرقاً بحسب المصالح تدريجاً تثبيتاً وتفهيماً {على رسوله} أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق {والكتاب الذي أنزل} أي أوجد إنزاله ومضى؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقاً للزمان الماضي بين المراد بقوله: {من قبل} من الإنجيل والزبور

والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله. ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالماً بأن التنزيل والإنزال لا يكون إلا من الله بنياً للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم بالفاعل، وصرحت قراءة الباقين به. ولما كان التقدير: فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن قطعاً بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول، عطف عليه قوله: {ومن يكفر} أي يوجد الكفر ويجدده وقتاً من الأوقات {بالله وملائكته وكتبه} أي التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة {ورسله} أي من الملائكة والبشر، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه، وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه. ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل به العقول فلا تصل إليه إلا بالرسل، ذكره بعدهم فقال: {واليوم الآخر} أي الذي أخبرت به رسله، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها عليه، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده، فيه تكشف الحقائق وتجمع الخلائق،

ويظهر شمول العلم وتمام القدرة ويبسط ظل العدل وتجتني ثمرات الفضل {فقد ضل} وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال: {ضلالاً بعيداً *} أي لا حيلة في رجوعه معه.

137

ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجداً للكفر مجدداً له، نبه على إغراقه في البعد بغضبه سبحانه وتعالى لتماديه معلماً أن الثبات على الكفر عظيم جداً، وصوّره بأقبح صورة، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف فقال: {إن الذين ءامنوا} أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى {ثم كفروا} أي أوقعوا الكفر فعوَّجوا ما أقامه الله من فطرهم {ثم ءامنوا} أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج {ثم كفروا} أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه {ثم ازدادوا} أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت {كفراً لم يكن الله} أي الذي له صفات الكمال {ليغفر لهم} أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك به {ولا ليهديهم سبيلاً *} أي من السبل الموصلة إلى المقصود. ولما كانت جميع صور الآية منطبقة على النفاق، بعضها حقيقة

وبعضها مجازاً، قال جواباً لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكماً بهم: {بشر المنافقين} فأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف {بأن لهم عذاباً أليماً *} ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى: {الذين يتخذون الكافرين} أي المجاهرين بالكفر {أولياء} أي يتعززون بهم تنفيراً من مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق، وبياناً لأن مرادهم بولايتهم إنما هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي، ونبه على دناءة أمرهم على أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله: {من دون المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله: {أيبتغون} أي المنافقون يتطلبون، تطلباً عظيماً {عندهم} أي الكافرين {العزة} فكأنه قال: طلبهم العزة بهم سفه من الرأي وبُعد من الصواب، لأنه لا شيء من العزة عندهم. ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله: {فإن العزة لله} أي الذي لا كفوء له {جميعاً *} أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة، وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} [النساء: 44] المختتمة بقوله: {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} [النساء: 45] {وقد}

أي يتخذونهم والحال أنه قد {نزل عليكم} أي أيتها الأمة، الصادقين منكم والمنافقين {في الكتاب} أي في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلاً عن ولايتهم، أفلا تخافون عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبداً، لأنهم لا ينفكون عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم في حال من الأحوال إلا عند الإعراض عن الكفر، وذلك هو المراد من قوله: {أنْ} أي إنه {إذا سمعتم آيات الله} أي ذي الجلال والإكرام. ولما كان السماع مجملاً بين المراد بقول: {يكفر بها} أي يستر ما أظهرت من الأدلة من أي كافر كان من اليهود وغيرهم {ويستهزأ بها} أي يطلب طلباً شديداً أن تكون مما يهزأ به {فلا تقعدوا معهم} أي الذين يفعلون ذلك بها {حتى يخوضوا} وعبر عن الشروع بالخوض إيماء إلى أن كلامهم لا يخلو عن شيء في غير موضعه، رمزاً إلى عدم مجالستهم على كل حال {في حديث غيره} فهذا نهي من مجرد مجالستهم فكيف بولايتهم. ولما كانت آية الأنعام مكية اقتصر فيها على مجرد الإعراض وقطع المجالسة لعدم التمكن من الإنكار بغير القلب، وأما هذه الآية فمدنية فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم، فالمجالس من

غير نكير راض، فلهذا علل بقوله: {إنكم إذاً} أي إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ذلك {مثلهم} أي في الكفر لأن مجالسة المظهر للإيماء المصرح بالكفران دالة على أن إظهاره لما أظهر نفاق، وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر والرضى بالكفر كفر، فاشتد حسن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستأنفاً لجواب السؤال عما تكون به المماثلة: {إن الله} أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته {جامع} . ولما كان حال الأخفى أهم قدم قوله: {المنافقين} أي الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر فيقعدون مع من يسمعونه بكفر {والكافرين} أي الذين يجاهرون بكفرهم لرسوخهم فيه {في جهنم} التي هي سجن الملك {جميعاً} كما جمعهم معهم مجلس الكفر الذي هو طعن في ملك الملك، والتسوية بينهم في الكفر بالقعود معهم دالة على التسوية بين العاصي ومجالسه بالخلطة من غير إنكار؛ ثم وصفهم سبحانه وتعالى بما يعرف بهم فقال: {الذين يتربصون بكم} أي يثبتون على حالهم انتظاراً لوقوع ما يغيظكم {فإن كان لكم فتح} أي ظهور وعز وظفر، وقال: {من الله} أي الذي له العظمة كلها - تذكيراً للمؤمنين بما يديم اعتمادهم عليه وافتقارهم إليه {قالوا} أي الذين آمنوا نفاقاً لكم أيها المؤمنون {ألم نكن معكم} أي ظاهراً بأبداننا بما تسمعون من

أقوالنا فأشركونا في فتحكم {وإن كان للكافرين} أي المجاهرين، وقال: {نصيب} تحقيراً لظفرهم وأنه لا يضر بما حصل للمؤمنين من الفتح {قالوا} للكافرين ليشركوهم في نصيبهم {ألم نستحوذ عليكم} أي نطلب حياطتكم والمحافظة على مودتكم حتى غلبنا على جميع أسراركم واستولينا عليها، وخالطناكم مخالطة الدم للبدن، من قولهم: حاذه، أي حاطه وحافظ عليه {ونمنعكم من المؤمنين} أي من تسلطهم عليكم بما كنا نخادعهم به، ونشيع فيهم من الإرجافات والأمور المرغبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد، لتصديقهم لنا لأظهارنا الإيمان، ورضانا من مداهنة من نكره بما لا يرضاه إنسان. ولما كان هذا لأهل الله سبحانه وتعالى أمراً غائظاً مقلقاً موجعاً؛ سبب عنه قوله: {فالله} أي بما له من جميع صفات العظمة {يحكم بينكم} أي أيها المؤمنون والكافرون المساترون والمجاهرون. ولما كان الحكم في الدارين بين أنه في الدار التي لا يظهر فيها لأحد غيره أمر ظاهراً ولا باطناً، وتظهر فيها جميع المخبئات فقال: {يوم القيامة} ولما كان هذا ربما أيأسهم من الدنيا قال: {ولن يجعل الله} عبر بأداة التأكيد وبالاسم الأعظم لاستبعاد الغلبة

على الكفرة لما لهم في ذلك الزمان من القوة والكثرة {للكافرين} أي سواء كانوا مساترين أو مجاهرين {على المؤمنين} أي كلهم {سبيلاً *} أي بوجه في دنيا ولا آخرة، وهذا تسفيه لآرائهم واستخفاف بعقولهم فكأنه يقول: يا أيها المتربصون بأحباب الله الدوائر، المتمنون لأعدائه النصر - وقد قامت الأدلة على أن العزة جميعاً لله -! ما أضلكم في ظنكم أنه يخذل أولياءه! وما أغلظ أكبادكم! ويدخل في عمومها أنه لا يقتل مسلم بذمي، ولا يملك كافر مال مسلم قهراً؛ ثم بين أن صورتهم في ضربهم الشقة بالوجهين صورة المخادع، وما أضلهم حيث خادعوا من لا يجوز عليه الخداع لعلمه بالخافيا، فقال معاللاً لمنعهم السبيل.

142

{إن المنافقين} لإظهارهم لكل من غلب أنهم منه {يخادعون الله} أي يفعلون بإظهار ما يسر وإبطان ما يضر فعل المخادع مع من له الإحاطة الكاملة بكل شيء لأنه سبحانه وتعالى يستدرجهم من حيث لا يشعرون، وهم يخدعون المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر {وهو} الذي أمر المؤمنين بما أمرهم فكأنهم يفعلون ذلك معه وهو {خادعهم} باستدراجهم من حيث لا يعلمون، لأنه قادر على أخذهم من مأمنهم وهم ليسوا قادرين على خدعه بوجه {وإذا} أي يخادعونه والحال أنهم قد فضحوا أنفسهم بما أظهر مكرهم للمستبصرين وهو أنهم إذا {قاموا إلى الصلاة} أي المكتوبة {قاموا كسالى}

متقاعسين متثاقلين عادة، لا ينفكون عنها، بحيث يعرف ذلك منهم كل من تأملهم، لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب، فالداعي إلى تركها - وهو الراحة - أقوى من الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس؛ ثم استأن في جواب من كأنه قال: ما لهم يفعلون ذلك؟ فقال: {يرآءون الناس} أي يفعلون ذلك ليراهم الناس، ليس إلا ليظنوهم مؤمنين، ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم من عدهم في عداد المؤمنين لما يرون هم المؤمنين حين يصلون {ولا يذكرون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال في الصلاة وغيرها {إلا قليلاً *} أي حيث يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم، يفعلون ذلك حال كونهم {مذبذبين} أي مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق في الهواء، وحقيقة: الذي يذب عن كلا الجانبين ذباً عظيماً. ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم أخرى قال: {بين ذلك} أي الإيمان والكفر؛ ولما كان الإيمان يدل على أهله والكفر كذلك قال: {لا إلى} أي لا يجدون سبيلاً مفر إلى {هؤلاء} أي المؤمنين {ولا إلى هؤلاء} أي الكافرين؛ ولما كان التقدير! لأن الله أضلهم، بنى عليه قوله: {ومن يضلل الله} أي

الشامل القدرة الكامل العلم {فلن تجد} أي أصلاً {له سبيلاً *} أي طريقاً إلى شيء يريده. ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين أولياء، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ، صرح به مخاطباً للمؤمنين فقال: {يا أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً {لا تتخذوا} أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا {الكافرين} أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه {أولياء} أي أقرباء، تفعلون معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه. ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس، وكان تحت رتبته رتب متكاثره، نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال: {من دون المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان، ولذلك قال منكراً: {أتريدون} أي بموالاتهم {أن تجعلوا لله} أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله {عليكم} أي في النسبة إلى النفاق {سلطاناً} أي دليلاً اضحاً على كفركم باتباعكم غير سبيل المؤمنين {مبيناً *} واضحاً مسوِّغاً لعقابكم وخزيكم

وجعلكم في زمرة المنافقين.

145

ولما نهاهم عن فعل المنافقين استأنف بيان جزائهم عنده فقال: {إن المنافقين في الدرك} أي البطن والمنزل {الأسفل من النار} لأن ذلك أخفى ما في النار وأستره وأدناه وأوضعه كما أن كفرهم أخفى الكفر وأدناه، وهو أيضاً أخبث طبقات النار كما أن كفرهم أخبث أنواع الكفر، وفيه أن من السلطان وضع فاعل ذلك في دار المنافقين لفعله مثل فعلهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وسميت طبقات النار أدراكاً لأناه متداركة متتابعة إلى أسفل كما أن الدرج متراقية إلى فوق. ولما أخبر أنهم من هذا المحل الضنك، أخبر بدوامه لهم على وجه مؤلم جداً فقال: {ولن تجد} أي أبداً {لهم نصيراً *} وأشار بالنهي عن موالاتهم وعدم نصرهم إلى ختام أول الآيات المحذرة من الكافرين {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} [النساء: 45] . ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون منافقاً أولاً - متعذر، وأتبعه ما لاءمه إلى أن ختم بما دل على أن النفاق أغلظ أنواع الكفر استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء أولى، تنبيهاً على أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن

مات على ذلك، ولكنه سيق على ذلك الوجه تهويلاً لما ذكره في حيزه وتنفيراً منه فقال تعالى: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق بالندم والإقلاع {وأصلحوا} أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا يراؤون فيها وغيرها بالإقلاع عن النفاق {واعتصموا بالله} أي اجتهدوا في أن تكون عصمتهم - أي ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه. ولما كان الإقلاع عن النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلاً ورأساً في غاية العسر قال حثاً على مجاهدة النفس فيه: {وأخلصوا دينهم} أي كله {لله} أي الذي له الكمال كله، فلم يريدوا بشيء من عبادتهم غير وجهه لا رياء ولا غيره {فأولئك} أي العالو الرتبة {مع المؤمنين} أي الذي صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً في الجنة، وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة العليا من النار {وسوف يؤت الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {المؤمنين} أي بوعد لا خلف فيه وإن أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن طال عذابهم، تهذيباً لهم من المعاصي بما أشار إليه لفظ «سوف» {أجراً عظيماً *} أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي نعيمها، ولا يتكدر يوماً نزيلها، فيشاركهم من كان معهم، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم، وأنهم يجدون الشفيع بإذنه؛ قال مؤكداً لذلك على وجه الاستنتاج منكراً على من ظن أنه لا يقبلهم بعد الإغراق في المهالك: {ما يفعل الله} أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق {بعذابكم} أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً. ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال: {إن شكرتم} أي نعمه التي من أعظمها إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد، المنقذ من كل ضلال، المبين لجميع ما يحتاج إليه العباد، فأداكم التفكر في حالها إلى معرفة مسديها، فأذعنتم له وهرعتم إلى طاعته بالإخلاص في عبادته وأبعدتم عن معصيته. ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه، ولما كان لا يقبل إلا به قال: {وآمنتم} أي به إيماناً خالصاً موافقاً فيه القلب ما أظهره اللسان؛ ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم، بل يشكر ذلك قال عاطفاً عليه: {وكان الله} أي ذو الجلال والإكرام أزلاً وأبداً {شاكراً} لمن شكره بإثابته على طاعته فوق ما يستحقه {عليماً *} بمن عمل له شيئاً وإن دق، لا يجوز عليه سهو ولا غلط ولا اشتباه.

148

ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في آياته بما هي منزهة عنه، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم

بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد عذاب المنافقين، وحث على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم؛ أخبر أنه يبغض خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس به، وكذا كل جهر بسوء إلا ما استثناه، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته، فقال معللاً ما مضى قبل افتتاح أمر المنافقين من الأمر بإحسانه التحية: {لا يحب الله} أي المختص بصفات الكمال {الجهر} أي ما يظهر فيصير في عداد الجهر {بالسوء} أي الذي يسوء ويؤذي {من القول} أي لأحد كائناً من كان، فإن ذلك ليس من شكر الله تعالى في الإحسان إلى عباده وعياله ولا من شكر الناس في شيء ولا يشكر الله من لا يشكر الناس {إلا من} أي جهر من {ظلم} أي كان من أحد من الناس ظلم إليه كائناً من كان فإنه يجوز له الجهر بشكواه والتظلم منه والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي. ولما كان القول مما يسمع، وكان من الظلم ما قد يخفي، قال مرغباً مرهباً: {وكان الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {سمعياً} أي لكل ما يمكن سماعه من جهر وغيره {عليماً *} أي بكل ما يمكن أن يعلم

فاحذروه لئلا يفعل بكم فعل الساخط، وجهر ومن ظلم - وإن كان داخلاً فيما يحبه الله تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلاً - لكن جعله من جملة السوء وإن كان من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة، وهي نهي الفطن عن تعاطيه وحثه على العفو، لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على أي وجه كان إطلاقه - كف عنه إن كان موفقاً. ولما كانت معاقد الخيرات على كثرتها منحصرة في قسمين: إيصال النفع إبداء وإخفاء، ودفع الضرر، فكان قد أشار سبحانه وتعالى إلى العفو، وختم بصفتي السمع والعلم؛ قال مصرحاً بالندب إلى العفو والإحسان، فكان نادباً إليه مرتين: الأولى بطريق الإشارة لأولى البصارة، والثانية بطريق العبارة للراغبين في التجارة، حثاً على الأحب إليه سبحانه والأفضل عنده والأدخل في باب الكرم: {إن تبدوا خيراً} أي من قول أو غيره {أو تخفوه} أي تفعلوه خفية ابتداء أو في مقابلة سوء فعل إليكم؛ ولما ذكر فعل الخير أتبعه نوعاً منه هو أفضله فقال: {أو تعفوا عن سوء} أي فعل بكم. ولما كان التقدير: يعلمه بما له من صفتي السمع والعلم فيجازي عليه بخير أفضل منه وعفو أعظم من عفوكم؛ سبب عنه قوله: {فإن}

أي فأنتم جديرون بالعفو بسبب علمكم بأن {الله كان} أي دائماً أزلاً وأبداً {عفواً} ولما كان ترك العقاب لا يسمى عفواً إلا إذا كان من قادر وكان الكف - عند القدرة عن الانتقام، ممن أثر في القلوب الآثار العظام - بعيداً، شاقاً على النفس شديداً؛ قال تعالى مذكراً للعباد بذنوبهم إليه وقدرته عليهم: {قديراً *} أي بالغ العفو عن كل ما يريد العفو عنه من أفعال الجانين والقدرة على كل ما يريد ومن يريد، فالذي لا ينفك عن ذنب وعجز أولى بالعفو طمعاً في عفو القادر عنه وخوفاً من انتقامه منه وتخلقاً بخلقه العظيم والاقتداء بسنته. ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو، وختم بصفتي العفو والقدرة؛ شرع في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل الكتاب، وبيان أنهم هم الذين أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم من الشبه التي وسَّعَ عقولهم لها ما أنعم به عليهم سبحانه وتعالى من العلم، فأبدوا الشر وكتموا الخير، فوضعوا نعمته حيث يكره، ثم كشف سبحانه وتعالى بعض شبههم، فقال مبيناً لما افتتح به قصصهم من أنهم اشتروا الضلالة بالهدى، ويريدون ضلال غيرهم، بعد أن كان ختم هناك

ما قبل قصصهم بقوله عفواً قديراً: {إن الذين يكفرون} أي يسترون ما عندهم من العلم {بالله} أي الذي له الاختصاص بالجلال والجمال {ورسله} . ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب الموقع فيه فقال: {ويريدون أن يفرقوا بين الله} أي الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه {ورسله} أي فيصدقون بالله ويكذبون ببعض الرسل فينفون رسالاتهم، المستلزم لنسبتهم إلى الكذب على الله المقتضي لكون الله سبحانه وتعالى بريئاً منهم. ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال: {ويقولون نؤمن ببعض} أي من الله ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وغيره إلا عيسى ومحمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكفروا بهما {ونكفر ببعض} أي من ذلك وهم الرسل كمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ويريدون أن يتخذوا} أي يتكلفوا أن يأخذوا {بين ذلك} أي الإيمان والكفر {سبيلاً *} أي طريقاً يكفرون به، وعطف الجمل بالواو - وإن كان بعضها سبباً لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون بالوصف بكل منها على انفراده، وأن كل خصلة كافية في نسبة الكفر إليهم، وقدم نتيجتها،

وختم بالحكم بها على وجه أضخم، تفظيعاً لحالهم، وأصل الكلام: أرادوا سبيلاً بين سبيلين، فقالوا: نكفر ببعض، فأرادوا التفرقة، فكفروا كفراً هو في غاية الشناعة على علم منهم، فأنتج ذلك: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم الكافرون} أي الغريقون في الكفر {حقاً} ولزمهم الكفر بالجميع لأن الدليل على نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل منه مثل ذلك الدليل، وحيث جوز حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال به على شيء كالمعجزة، فلزم حينئذ الكفر بالجميع، فثبت أن من كذب بنبوة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزمه الكفر بجميع الأنبياء، ومن لزمه الكفر بهم لزمه الكفر بالله وكل ما جاء به. ولما كان التقدير: فلا جرم أنا أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذاباً مهيناً، عطف عليه تعميماً: {وأعتدنا للكافرين} أي جميعاً {عذاباً مهيناً *} أي كما استهانوا ببعض الرسل وهم الجديرون بالحب والكرامة، والآية شاملة لهم ولغيرهم ممن كان حاله كحالهم، وإيلاء ذلك بيان أحوال المنافقين أنسب شيء وأحسنه للتعريف بأنهم منافقون، من حيث أنهم يظهرون شيئاً من أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويبطنون غيره وإن كان ما يظهرونه على الضد مما يظهره المنافقون، وبأنهم هم الذين أضلوا

المنافقين، وللتحذير من أقوالهم وتزييف ما حرفوا من محالهم، وفي ذلك التفات إلى أول هذه القصة {يا أيها الذين ءامنوا ءامِنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] .

152

ولما بين سبحانه وتعالى ما أعد لهم بيّن ما أعد لأضدادهم من أهل طاعته بقوله: {والذين ءامنوا بالله} أي الذي له الكمال والجمال {ورسله} ولما جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران، صرح بما أفهمه فقال: {ولم يفرقوا} أي في اعتقادهم {بين أحد منهم} أي لم يجعلوا أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض وآمنوا ببعض - كما فعل الأشقياء، والتفرقة تقتضي شيئين فصاعداً، و «أحد» عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، فلذلك صح التعبير به بمعنى: بين اثنين أو جماعة، وكأنه اختير للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن فيه التفرقة فكان الإيمان بالبعض دون البعض كفراً {أولئك} أي العالو الرتبة في رتب السعادة. ولما كان المراد تأكيد وعدهم، وكان المشاهد فيه غالباً التأخر قال: {سوف نؤتيهم} أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه وإن تأخر، فالمراد تحقيقه، لا تحقيق تأخره، ولكنه أتى بالأداة التي هي أكثر حروفاً وأشد تنفيساً، لأن هذا السياق لأهل الإيمان المجرد، الشامل

لمن لم يكن له عمل، ولذا أضاف الأجور إليهم، وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس وإن طال المدى {أجورهم} أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم. ولما كان الإنسان محل النقصان قال: {وكان الله} أي الذي لا يبلغ الواصفون كنه ما له من صفات الكمال {غفوراً} لما يريد من الزلات {رحيماً *} أي بمن يريد إسعادة بالجنات. ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا من اليهود قالا كذباً: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك، فأنزل الله تعالى موبخاً لهم على هذا الكذب مشيراً إلى كذبهم فيه موهياً لسؤالهم محذراً من غوائله مبيناً لكفرهم بالله ورسله: {يسألك} . ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه على وجه يمكن قبوله، فوجهوا مكايدهم نحوه

بهذه الشبهة ونحوها، زيفها سبحانه وتعالى أتم تزييف، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله: {أهل الكتاب} إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح {أن تنزل عليهم} أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم {كتاباً من السماء} ؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد الله تعالى من أهل الإسلام، ظناً منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله: {إنا أوحينا إليك} - الآية كما سيأتي بيانه، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل جملة، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة. ولما كان هذا مما يستعظمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عادتهم التعنت، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن، وأنهم على شريعته، وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه من القوارع والعفو

فقال: {فقد} أي إن تستعظم ذلك فقد {سألوا} أي آباؤهم، أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم {موسى} لغير داع سوى التعنت {أكبر} أي أعظم {من ذلك} أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك والتأديب معك، ثم بينه بقوله: {فقالوا أرنا الله} أي الملك الأعلى الذي لا شبيه له وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته {جهرة} أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب وبنائها عليها، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها، وأعظم تثبيتاً للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله: {فأخذتهم} أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة {الصاعقة} أي نار نزلت من

السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب إليه - صاعقة، فأهلكتهم {بظلمهم} أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره، لكونه تعنتاً من غير مقتض له أصلاً، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة {ثم} بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة {اتخذوا العجل} أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه. ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال: {من بعد} وأدخل الجار إعلاماً بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد، بل تابوا عنه {ما جاءتهم البينات} أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات {فعفونا} أي على ما لنا من العظمة {عن ذلك} أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم {وآتينا} أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة {موسى سلطاناً} أي تسلطاًَ واستيلاء قاهراً {مبيناً *} أي ظاهراً فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال، وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط.

154

ولما بيَّن هذا من عظمته أتبعه أمراً آخر أعظم منه فقال: {ورفعنا} أي بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: {فوقهم الطور} أي الجبل العظيم، ثم ذكر سبب رفعه فقال: {بميثاقهم}

أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه. ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته دليلاً على سوء طباعهم فقال: {وقلنا لهم} أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا {ادخلوا الباب} أي الذي لبيت المقدس {سجداً} أي فنقضوا ذلك العهد الوثيق وبدلوا {وقلنا لهم} أي على لسان موسى عليه الصلاة والسلام في كثير من التوراة {لا تعدوا} أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم {في السبت} أي لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال - تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً لأن العالم للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو {وأخذنا منهم} أي في جميع ذلك {ميثاقاً غليظاً *} وإنما جزمت بأن المراد بهذا - والله تعالى أعلم - على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى كرر التأكيد عليهم في التوراة في حفظ السبت، وأوصاهم به، وعهد إليهم فيه ما قل أن عهده في شيء من الفروع غيره، قال بعض المترجمين للتوراة في السفر الثاني في العشر الآيات التي أولها «أنا إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا يكون لك إله غيري» ما

نصه: اذكر حفظ يوم السبت وطهره ستة أيام، كد فيها واصنع جميع ما ينبغي لك أن تصنعه، واليوم السابع سبت الله ربك، لا تعملن فيه شيئاً من الأعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ودوابك والساكن في قراك، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وجميع ما فيها، واستراح في اليوم السابع، ولذلك بارك الله اليوم السابع وقدسه، أكرم أباك - إلى آخر ما مر في سورة البقرة؛ ثم عاد العشر الآيات في أوائل السفر الخامس وقال في السبت: احفظوا يوم السبت وظهوره كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام كما أمركم الله ربكم، واعملوا الأعمال في ستة أيام، فاصنعوا ما أردتم أن تصنعوا فيها، فأما يوم السبت فأسبوع ربكم، لا تعملوا فيه عملاً أنتم وبنوكم وعبيدكم وإماؤكم وثيرانكم وحميركم وكل بهائمكم والساكن الذي في قراكم ليستريح عبيدكم - إلى آخر ما في أوائل هذه السورة عند {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} وقال في الثاني بعد ذلك: وقال الرب لموسى: وأنت فأمر بني إسرائيل أن تحفظوا السبوت، لأنها أمارة العهد وعلامة فيما بيني وبينكم لأحقابكم، فتعلموا أني أنا الرب إلهكم مقدسكم، احفظوا يوم السبت

فإنه مطهر مخصوص لكم، ومن نقصه وأخذ العمل فيه فليقتل، ومن عمل عملاً فليهلك ذلك الإنسان من شعبه، اعملوا أعمالكم ستة أيام، واليوم السابع فهو يوم سبت قدس للرب، لأن الرب خلق السماوات والأرض في ستة أيام والبحور وما فيها، وهذا في اليوم السابع ودفع إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ كلامه له في طور سيناء لوحي الشهادة، وأبلغ في تأكيد حفظه عليهم في غير ذلك من المواضع، حتى أنه شرع لهم أسباب الأرض ونحوها، فقال في السفر الثاني أيضاً: ازرع أرضك ست سنين واحمل أثقالها وفي السنة السابعة ابذرها ودعها فيأكل مسكين شعبك، وما يبقى بعد ذلك يأكله حيوان البر وكذلك فافعل بكرومك وزيتونك، اعمل عملك في ستة أيام وفي اليوم السابع تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك، وتستريح أمتك وابن أمتك والساكن في قراك، ثم ذكر الأعياد في السفر الثالث، وحرم العمل فيها؛ وقال في بعضها: وكل نفس يعمل عملاً في هذا اليوم تهلك تلك النفس من شعبها، فلا تعملوا فيه عملاً، لأنه سنة جارية لكم إلى الأبد في جميع مساكنكم، فليكن هذا اليوم سبت السبوت؛ ثم أمرهم بعيد المظال سبعة أيام وقال: ليعلم أحقابكم أنني

أجلست بني إسرائيل في المظال حيث أخرجتهم من أرض مصر، ثم ذكر بعض القرابين وقال: ويصف هارون الخبز صفين في اليوم السادس وهو يوم الجمعة، ويكون ذلك من عيد بني إسرائيل؛ وكلم الرب موسى وقال له في طور سيناء كلم بني إسرائيل وقل لهم: إذا دخلتم الأرض التي أعطيكم ميراثاً تسبت الأرض سبتاً للرب، ازرعوا مزارعكم ست سنين واكسحوا كرومكم ست سنين، واستغلوا غلاتكم ست سنين، فأما السنة السابعة فلتكن سبت الراحة للأرض، لا تزرعوا مزارعكم، ولا تكسحوا كرومكم، ول تحصدوا ما ينبت في أرضكم في تلك السنة من غير أن يزرع، ولا تقطعوا عنب كرومكم، بل يكون سبت الراحة للأرض لكم ولبنيكم ولإمائكم ولإخوانكم وللسكان الذين يسكنون معكم، وأحصوا سبع مرات سبعاً سبعاً: تسعاً وأربعين سنة، وقدسوا سنة خمسين، وليكن رد الأشياء إلى أربابها، ولا تزرعوا أرضكم في تلك السنة، ولا تحصدوا ما نبت فيها، ولا تقطعوا عشبها لأنها سنة الرد، واتقوا الله لأني أنا الله ربكم، احفظوا وصاياي واعملوا بها، واحفظوا أحكامي واعملوا بها، واسكنوا أرضكم بالسكون والطمأنينة لتغل لكم الأرض غلاتها، وتأكلوا وتشبعوا وتسكنوها مطمئنين، وإن قلتم: من أين نأكل في السنة السابعة التي لا نزرع فيها

فلا تهتموا! أنا منزل لكم بركاتي في السادسة، وتغل لكم أرضكم في تلك السنة غلة ثلاث سنين، حتى إذا زرعتم في السنة الثامنة لم تحتاجوا إلى غلتها، لأنكم تأكلون من السنة السادسة إلى التاسعة، وأما الأرض فلا تباع بيعاً صحيحاً أبداً، لن الأرض لي، وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا نسبة الاستراحة إليه سبحانه هذا مع أنه أكد سبحانه العهود عليهم في التوحيد وحفظ الأحكام في جميع التوراة على نحو ما تراه فيما أنقله منها في هذا الكتاب. فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم الميثاق، وأكثر من التقدم في حفظ العهد؛ بين أنهم نقضوا، فأقبهم بسبب ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة فقال: {فبما} مؤكداً بإدخال «ما» {نقضهم ميثاقهم} أي فعلنا بهم بسبب ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي، وقد تقدم كثير منه في القرآن، ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي «حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا» ويكون من الطيبات العز ورغد العيش، وذلك جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر العام ما اشتدت به العناية من إفراده عطف الخاص على العام فقال: {وكفرهم بآيات الله} مما جاءهم على لسان محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واقتضت حكمته سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه

الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء، فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض {وقتلهم الأنبياء} وهو أعظم من مطلق كفرهم، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب. ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة، ومبرئين من كل دنية، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه؛ قال: {بغير حق} أي كبير ولا صغير أصلاً. وهذا الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه، لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقاً وصفة راسخة، بخلاف ما مضى، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال: {وقولهم قلوبنا غلف} أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدةً عن فهم مثل ما يقول الأنبياء، لكونها في أغشية، فهي شديدة الصلابة، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفون

بأشهر صفاته، ويترقبون إتبانه، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفاً على ما تقديره: وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان، فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفاً: {بل طبع الله} أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة {عليها} طبعاً عارضاً {بكفرهم} بل إنه خلقها أولاً على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وترك ما تدعو إليه عقولهم، طبع سبحانه وتعالى عليها. فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته، ولذا سبب عنه قوله: {فلا يؤمنون} أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم: طبع الله عليها فهي لا تعي، وتكون «بل» استدراكاً للطبع بالكفر وحده، لأنه ربما انضم إليه، وأن يكون أضرب عن قولهم: إنها في غلف، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام {إلا قليلاً *} من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام

من الآيات، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران.

156

ولما بين كفرانهم بقتل الأنبياء بين كفرهم بالبهتان الذي هو سبب القتل، والفتنة أكبر من القتل، فقال معظماً له باعادة العامل: {وبكفرهم} أي المطلق الذي هو سبب اجترائهم على الكفر بنبي معين كموسى عليه الصلاة والسلام، وعلى القذف، ليكون بعض كفرهم معطوفاً على بعض آخر، ولذلك قال: {وقولهم على مريم} أي بعد علمهم بما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وأنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات {بهتاناً عظيماً *} ثم علمهم بما لم ينالوا من قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام، ثم بادعائهم لقتله وصلبه افتخاراً به مع شكهم فيه فقال: {وقولهم إنا قتلنا المسيح} ثم بينه بقوله: {عيسى ابن مريم} ثم تهكموا به بقولهم {رسول الله}

أي الذي له أنهى العظمة، فجمعوا بين أنواع من القبائح، منها التشيع بما لم يعطوا، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقاً، وهو الكفر بقتل النبي لكونه نبياً، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل، ولم يكفهم ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن أرسله عزَّ اسمه وجلت عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره لكونه لم يمنعه منهم على زعمهم {وما} أي والحالة أنهم ما {قتلوه وما صلبوه} وإن كثر قائلو ذلك منهم، وسلمه لهم النصارى {ولكن} لما كان المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم، لا لكونه من معين قال: {شبه لهم} أي فكانوا في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا. ولما أفهم التشبيه الاختلاف، فكان التقدير: فاختلفوا بسبب التشبيه في قتله، فمنهم من قال: قتلناه جازماً، ومنهم من قال: ليس هو المقتول، ومنهم من قال: الظاهر أنه هو، عطف عليه قوله دالاً على شكهم باختلافهم: {وإن الذين اختلفوا فيه} أي في قتله {لفي شك منه} أي تردد مستوى الطرفين، كلهم وإن جزم بعضهم، ثم أكد هذا المعنى بقوله: {ما لهم به} وأغرق في النفي بقوله: {من علم} .

ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته، فربما قويت عندهم شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم - لشغفهم بآمالها - ظناً ثم اضمحلت في الحال لكونها لا حقيقة لها، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير؛ قال: {إلا} أي لكن {اتباع الظن} أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك الشك إلى رتبة الظن، وعبر بأداة الاستثناء دون «لكن» الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه من قتله مع كونه في الحقيقة شكاً يكلفون أنفسهم جعله ظناً، ثم يجزمون به، ثم صار عندهم متواتراً قطعياً، فلا أجهل منهم. ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال: {وما قتلوه} أي انتفى قتلهم له انتفاء {يقيناً *} أي انتفاؤه على سبيل القطع، ويجوز أن يكون حالاً من «قتلوه» أي ما فعلوا القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه، والوجه الأول أولى لقوله: {بل رفعه الله} بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة، رفع عيسى عليه الصلاة والسلام {إليه} أي

إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي، وعن وهب أنه أوحى إليه ابن ثلاثين، ورفع ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثاً وثلاثين سنة {وكان الله} أي الذي له جميع صفات الكمال في كل حال عند قصدهم له وقبله وبعده {عزيزاً} أي يغلب ولا يغلب {حكيماً *} أي إذا فعل شيئاً أتقنه بحيث لا يطمع أحد في نقض شيء منه، وختمُ الآية بما بين الصفتين يدل على أن المراد ما قررته من استهزائهم، وأنه قصد الرد عليهم، أي إنه قد فعل ما يمنع من استهزائكم، فرفعه إليه بعزته وحفظه بحكمته، وسوف ينزله ببالغ قدرته، فيردكم عن أهوائكم، ويسفك دماءكم، ويبيد خضراءكم، وله في رفعه وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار أمثالكم. قصة رفعه عليه الصلاة والسلام من الإنجيل الموجود اليوم بين أظهر النصارى، وهي تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد، والبشارة بنبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون، وأن إخبارهم بقتله وصلبه ليس مستنداً إلا إلى شك - كما قال الله تعالى، وأحسن ما رد على الإنسان بما يعتقده، قال مترجمهم في إنجيل متى: إنه عليه الصلاة والسلام دخل إلى الهيكل في يروشليم -

وهي القدس - وجرت بينه وبين الأحبار محاورات كان آخرها أن قال لهم: إني أقول لكم: إنكم لا تروني الآن حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب، ثم خرج من الهيكل، فجاء إليه تلاميذه كي يُروه بناء الهيكل، فأجاب وقال لهم: انظروا هذا كله، الحق أقول لكم: إنه لا يترك هنا حجر على حجر إلا نقض، ثم جلس على جبل الزيتون - قال مرقس: قدام الهيكل - فجاء إليه تلاميذه قائلين: قل لنا: متى هذا وما علامة مجيئك وانقضاء الزمان؟ فقال لهم: انظروا لا يضلنكم أحد - قال مرقس ولوقا: فإن كثيراً يأتون باسمي قائلين: إنما هو المسيح، ويضلون كثيراً - فإذا سمعتم بالحروب وأخبار الحروب انظروا لا تقلقوا، فلا بد أن يكون هذا كله، تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويكون خوف عظيم واضطراب وجوع ووباء - قال لوقا: وعلامات عظيمة من السماء - وزلازل في أماكن، وكل هذا أول المخاض - وقال مرقس: وهذه بداية الطلق، انظروا أنتم! إنهم يسلمونكم إلى المجامع والمحافل وتضربون - وقال لوقا: وقبل هذا كله يضعون أيديهم عليكم، ويطردونكم إلى المجامع والسجون وتقامون أمام الملوك والقواد

شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولاً أن يكرز بالإنجيل، فإذا قدّموكم وأسلموكم فلا تهتموا بما تقولون ولا ماذا تجيبون، فإنكم تعطون في تلك الساعة الذي تتكلمون به ولستم المتكلمين، لكن روح القدس؛ قال لوقا: فإني معطيكم فماً وحكمة لا يقدر الذين يناصبونكم يقاومونها ولا الجواب عنها، ويسلم الأخ أخاه للموت، والأب ابنه، ويثب الأبناء على آبائهم؛ قال متى: حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم، وتكونون مبغوضين من كل الأمم، وحينئذ يشك كثير، ويسلم بعضكم بعضاً، ويبغض بعضكم بعضاً، ويقوم كثير من المنتهى يخلص، ويكرز بهذه البشارة في الملكوت في جميع المسكونة بشهادة لكل الأمم؛ قال مرقس: فإذا رأيتم فساد الحراب المذكور في دانيال النبي قائماً حيث لا ينبغي - فليفهم القارىء - حينئذ الذين تهودوا يهربون إلى

الجليل، والذي فوق السطح لا يقدر أن ينزل إلى بيته ليأخذ شيئاً، والويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام؛ وقال لوقا: وحينئذ الذين في اليهودية يهربون إلى الجبال، والذين في وسطها يفرون خارجاً، والذين في الكورة لا يدخلونها، لأن هذه في أيام الانتقام لكي يتم كل ما هو مكتوب، يكون على الأرض ضر وشدة عظيمة، وسخط على هذا الشعب، ويقعون في فم السيف، ويسبون في كل الأمم. ويكون يروشليم موطىء الأمم حتى يكمل الزمان، وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وتخرج نفوس أناس من الخوف؛ وقال متى: وحينئذ يأتي الانفصال، ثم قال: سيكون ضيق عظيم - قال مرقس: تلك الأيام - لم يكن مثله في أول العالم حتى الآن ولا يكون، ولولا أن تلك الأيام قصرت لم يخلص ذو جسد - وقال مرقس: فلولا أن الرب أقصر تلك الأيام لم يحيى ذو جسد - لكن لأجل المتحببين قصرت تلك الأيام، فإن قال لكم أحد: إن المسيح ها هنا فلا تصدقوا، فسيقوم مسيحو كذب وأنبياء كذبة، ويعطون علامات عظاماً وآيات، ويضلون المختارين إن قدروا، هو ذا قد تقدمت وأخبرتكم، فإن قالوا لكم: إنه في البرية، فلا تخرجوا، أو فيّ المخادع، فلا تصدقوا، وكما أن البرق يخرج من المشرق فيظهر في المغرب، كذلك يكون حضور ابن البشر، لأنه حيث تكون الجثة

تجتمع النسور وتلوف بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والكواكب تتساقط من السماء، وقوات ترتج، وحينئذ تظهر علامات ابن الإنسان في السماء، وتنوح كل قبائل الأرض، وترون ابن الإنسان آتياً في سحاب السماء مع قوات ومجد كثير، ويرسل الملائكة مع صوت الناقور العظيم، ويجمع مختاريه من الأربعة الأزياج من أقصى السماوات - وقال مرقس: من أطراف الأرض إلى أطراف السماء - فمن شجرة التينة - وقال لوقا: ومن كل الأشجار - تعلمون المثل، إذا لانت أغصانها وفرعت أوراقها علمتم أن الصيف قد دنا. كذلك أنتم إذا رأيتم هذا كله علمتم أنه قد قرب على الأبواب، الحق أقول لكم! إن هذا الجيل لا يزول حتى يتم هذا كله، والأرض والسماء تزولان وكلامي لا يزول، لأجل ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد ولا ملائكة السماوات - وقال مرقس: ولا الابن - إلا الأب وحده، وقال لوقا: سأله الفريسيون: متى يأتي ملكوت الله؟ فقال: ليس يأتي ملكوت الله برصد ولا يقولون: هوذا هاهنا

أو هناك! ها هو ذا ملكوت الله؛ ثم قال لتلاميذه: ستأتي أيام تشتهون أن تروا يوماً واحداً من أيام ابن الإنسان ولا ترون، فإن قالوا لكم: هوذا هاهنا أو هناك، فلا تذهبوا ولا تسرعوا، لأنه كمثل البرق الذي يضيء في السماء فيضيء تحت السماء، كذلك تكون أيام ابن البشر - انتهى. وكما كان في أيام نوح عليه الصلاة والسلام كذلك يكون استعلاء ابن الإنسان، لأنه كما كنوا قبل أيام الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح إلى السفينة، ولم يعلموا حتى جاء الطوفان فأدرك جميعهم، كذلك يكون حضور ابن الإنسان؛ وقال لوقا: ومثل ما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون ويغرسون ويبنون إلى اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم، وأمطر من السماء ناراً وكبريتاً، وأهلك جميعهم، كذلك في اليوم الذي يظهر فيه ابن الإنسان، وفي ذلك اليوم من كان في السطح وآلته في البيت لا ينزل كي يأخذها، ومن كان في الحقل أيضاً لا يرجع هكذا إلى ورائه. انظروا إلى امرأة لوط، من أراد أن يحيي نفسها فليهلكها، ومن أهلكها أحياها، أقول لكم: إن في هذه الليلة - وقال متى: حينئذ - يكون اثنان في الحقل، يؤخذ واحد، ويترك الآخر، واثنتان تطحنان على رحى واحدة، تؤخذ الواحدة، وتترك

الأخرى، وقال مرقس: فانظروا واسهروا وصلّوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الزمان! اسهروا فإنكم لا تعملون متى يأتي رب البيت ليلاً! يأتي بغتة فيجدكم نياماً، والذي أقول لكم أقوله للجميع، اسهروا! قال لوقا: في كل حين وتضرعوا لكي تقووا على الهرب في هذه الأمور الكائنة كلها، وتقفوا قدام ابن الإنسان، وقال متى: فاسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم، واعلموا أنه لو علم رب البيت في أي هجعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب، كذلك كونوا مستعدين لأن ابن الإنسان يأتي ساعة لا تظنونها، من ترى هو العبد الأمين الحليم الذي يقيمه سيده على بيته ليعطيهم الطعام في حينه! طوبى لذلك العبد، يأتي سيده فيجده يعمل هكذا، الحق أقول لكم! إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الرديء في قلبه: إن سيدي يبطىء، فيبدأ يأكل ويشرب مع المسكرين فيأتي سيده في يوم لا يظنه وساعة لا يعرفها، فيجعل نصيبه مع المرائين، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. يشبه ملكوت السماوات عشرة عذاراى أخذن

مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس منهن جاهلات، وخمس حليمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن زيتاً، وأما الحليمات فأخذن زيتاً في إناء مع مصابيحهن، فلما أبطأ العريس نعسن كلهن ونمن، وانتصف الليل فُصرِخ: هذا العريس قد أقبل، اخرجن للقائه! حينئذ قام جميع العذارى وزين مصابيحهن، فقال الجاهلات للحليمات: أعطيننا من زيتكن، فإن مصابيحنا قد طفئت! فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن، فاذهبن إلى الباعة وابتعن لكنّ، فلما ذهبن ليبتعن جاء العريس، فالمستعدات ذهبن معه وأُغلِقَ، فجاء بقية العذارا قائلات: يا رب! افتح لنا، فأجاب وقال: الحق أقول لكنّ! إني لا أعرفكن؛ اسهروا الآن فإنكم لا تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة، كمثل إنسان أراد السفر، فدعا عبيداً له فأعطاهم ماله، فأعطى خمس وزنات لواحد، ووزنتين للآخر، وواحداً وزنة، كل منهم على قدر قوته، وسافر للوقت، فمضى الذي أخذ الخمس فاتجر فيها، فربح خمس وزنات أخرى وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح فيهما وزنتين أخريين، وأما الذي أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض ودفن حصة سيده، وبعد زمان كثير جاء سيد هؤلاء فحاسبهم، فجاء الذي أخذ الخمس وزنات فأعطى خمس وزنات أخرى قائلاً: يا رب! خمس وزنات أعطيتني، وهذه خمس وزنات أخرى ربحتها، قال له سيده - قال لوقا-:

حبذا أيها العبد الصالح! ألفيت أميناً على القليل، وقال متى: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير أميناً، ادخل إلى فرح سيدك، وجاء الذي أخذ الوزنتين فقال: يا سيد! وزنتين دفعت إليّ وهذان وزنتان أخريان ربحتهما فقال له سيده: نعم يا عبد صالح أمين! وجدت في القليل أميناً، أنا أقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك، فجاء الغير مصيب الذي أخذ الوزنة فقال: يا سيد! عرفت أنك إنسان شديد، تحصد ما لم تزرع، وتجمع من حيث لا تبذر، فخفت ومضيت فدفنت مالك في الأرض، هذا مالك، فأجاب سيده وقال: أيها العبد الشرير الكسلان! علمت أنني أحصد من حيث لا أزرع، وأجمع من حيث لا أبذر، كان ينبغي لك أن تجعل حصتي على مائدة، فأنا آتي وآخذه إليّ مع أرباحه، خذوا منه الوزنة، وأعطوها للذي له عشر وزنات، لأن من له يعطي ويزاد، والذي ليس له يؤخذ منه ما معه، والعبد الشرير الغير نافع ألقوه في الظلمة القصياء، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان؛ إذا جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة المقدسين معه، حينئذ يجلس على

كرسي مجده،، ويجمع إليه كل الأمم، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله، حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رِثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم، جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وغريباً كنت فآويتموني، وعرياناً فكسوتموني، ومريضاً فعدتموني، ومحبوساً فأتيتم إليّ، حينئذ يجيب الصديقون ويقولون: يا رب! متى رأيناك جائعاً فأطعمناك؟ أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك؟ أو عرياناً فكسوناك؟ أو مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك؟ فيجيب الملك ويقول: الحق أقول لكم! الذي فعلتموه بأحد هؤلاء الحقيرين فبي فعلتم، حينئذ يقول للذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة المعدّة لإبليس وجنوده، جعت فلم تطعموني - إلى آخره، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم، والصديقون إلى الحياة الأبدية. ولما أكمل يسوع هذا الكلام كله قال لتلاميذه: علمتم أن بعد يومين يكون الفسح - وقال مرقس: وكان الفسح والفطير بعد يومين - واجتمع رؤساء الكيسر والكهنة ومشايخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يقال له قيافاً، فتشاوروا على يسوع ليمسكوه - قال

مرقس: بمكر - ويقتلوه، وقالوا: ليس في العيد لئلا يكون شجن؛ وقال مرقس: شغب في الشعب؛ وقال يوحنا: فجمع عظماء الكهنة والفريسيين محفلاً وقالوا: ماذا نصنع إذا كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة، وإن تركناه هكذا فسيؤمن به جميع الناس، وتأتي الروم فتتغلب على أمتنا، وإن واحداً منهم اسمه قيافا كان رئيس الكهنة فقال: إنه خير لنا أن يموت رجل واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة كلها، لأن يسوع كان مزمعاً أن يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد؛ وفي تلك الساعة تشاوروا على قتله، فأما يسوع فلم يكن يمشي بين اليهود علانية، ولكنه انطلق من هناك إلى البرية إلى كورة تسمى مدينة أفريم، وكان يتردد هناك مع تلاميذه، وكان عيد فسح اليهود قد قرب فصعد كثير من القرى إلى يروشليم قبل الفسح ليطهروا أنفسهم، فطلب اليهود يسوع، وكانوا أمروا إن علم إنسان مكانه أن يدلهم عليه، وإن يسوع قبل ستة أيام من الفسح قصد إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه يسوع، فصنعوا له هناك وليمة، وجعلت

مرتا تخدم، وعلم جمع كثير من اليهود فجاؤوا إليه، ولينظروا إلى لعازر الذي أقامه من بين الأموات، وتشاور عظماء الكهنة أن يقتلوا لعازر، لأن كثيراً من اليهود من أجله كانوا يؤمنون بيسوع، وكان الجمع الذي معه يشهد له أنه دعا لعازر من القبر وأقامه، ومن الغد سمعوا أن يسوع يأتي إلى يروشليم، فخرجوا للقائه يصرخون: مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل! ووجد يسوع حماراً فركبه - كما هو مكتوب: لا تخافي يا بنت صيون! هوذا ملكك يأتيك راكباً على جحش - ابن أتان - ثم قال: وقال يسوع: قد قربت الساعة التي يمجد فيها ابن البشر، الحق الحق أقول لكم! إنه حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتَمُتْ بقيت وحدها، وإن هي ماتت أتت بثمار كثيرة، من أحب نفسه فليهلكها، ومن أبغض نفسه في هذا العالم فإنه يحفظها لحياة الأبد، وقال: يا رباه! مجد اسمك، فجاء صوت من السماء: قد مجدتُ وأيضاً أمجد، فسمع الجمع الذي كان واقفاً فقال بعضهم: إنما كان رعداً، وقال آخرون: إن ملاكاً كلمه، قال يسوع: ليس من أجلي كان هذا الصوت، ولكن من أجلكم،

وقد حضر الآن دينونة هذا العالم، الآن يلقى رئيس هذا العالم إلى خارج، وأنا إذا ارتفعت من الأرض جبيت إليّ كل واحد، فأجاب الجمع: نحن سمعنا في الناموس أن المسيح يدوم إلى الأبد، فكيف تقول أنت: يرتفع ابن البشر، فقال لهم يسوع: إن النور معكم زماناً يسيراً، فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام، إن الذي يمشي في الظلام ليس يدري أين يتوجه، فما دام لكم النور آمنوا بالنور لتكونوا أبناء النور؛ تكلم يسوع بهذا ثم مضى وتوارى عنهم، وقال: يا بني! أنا معكم زماناً قليلاً، وتطلبوني فلا تجدوني، وكما قلت لليهود: إن الموضع الذي امضي إليه أنا، لستم تقدرون على المضي إليه، قال يوحنا في محاورته ليهود في الهيكل: قال يسوع: أنا أمضى وتطلبوني وتموتون بخطاياكم، وحيث أنا أذهب لستم تقدرون على إتيانه، فقال اليهود: لعله يريد أن يقتل نفسه، فقال لهم: أنتم من أسفل، وأنا من فوق، أنتم من هذا العالم، وأما أنا فلست من هذا العالم، قد أخبرتكم أنكم تموتون بخطاياكم، فقالوا له: أنت من أنت؟ ثم قال: وقالوا له: إن أبانا هو إبراهيم، قال: لو كنتم بني إبراهيم كنتم تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم تريدون قتل إنسان كلمكم بالحق الذي سمعه من الله تعالى، ولم يفعل إبراهيم هذا، أنتم تعملون أعمال أبيكم؟ فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى،

فقال لهم: أنتم من أبيكم إبليس، وشهوة أبيكم تهوون إن لم تعملوا ذلك، الذي هو من البدء قتّال الناس ولم يلبث على الحق لأنه ليس فيه حق، وإذا ما تكلم بالكذب فإنما يتكلم بما هو له، وأما أنا فأتكلم بالحق ولستم تؤمنون بي، من منكم يوبخني على خطيئة - انتهى، وأقول لكم الآن أن يحب بعضكم بعضاً كما أحببتكم، فبهذا يعرف كل أحد أنكم تلاميذي، وقال يسوع: من يؤمن بي ليس من يؤمن بي فقط، بل وبالذي أرسلني، ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني، أنا جئت نور العالم لكي ينجو كل من يؤمن بي من الظلام، ومن يسمع كلامي ولا يؤمن بي أنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم، بل لأحيي العالم، من جحدني ولم يقبل كلامي فإن له من يدينه، الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم الآخر، لأني لم أتكلم من نفسي، لأن الرب الذي أرسلني هو أعطاني الوصية، ثم قال: الحق الحق أقول لكم! من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أعملها، وأفضل منها يصنع، إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد - روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه، لأنهم لم يروه ولم يعرفوه، وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم وهو فيكم، لست أدعكم يتامى لأني سوف أجيئكم عن قليل، من يحبّني يحفظ كلمتي، ومن لا يحبني ليس يحفظ كلامي، الكلمة التي تسمعونها

ليست لي، بل للرب الذي أرسلني، كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلت لكم، السلام استودعتكم، سلامي خاصة أعطيكم، لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، قد سمعتم أني قلت لكم: إني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني لكنتم تفرحون بمضيّي إلى الرب، لأن الرب أعظم مني، وها قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون، ولست أكلمكم كثيراً لأن أركون العالم يأتي وليس له فيّ شيء، ولكن ليعلم العالم أني أحب الرب، وكما أوصاني الرب كذلك أفعل، أنا هو الكرمة الحقيقية وربي الغارس، كل غصن لا يأتي بثمار ينزعه، والذي يأتي بثمار ينقيه ليأتي بثمار كثيرة، أنتم لتيامن هذا الكلام الذي كلمتكم به اثبتوا فيّ وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يطيق أن يأتي بالثمار من عنده إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم إن لم تثبتوا فيّ، أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان، من ثبت فيّ وأنا فيه يأتي بثمار كثيرة، وبغيري لستم تقدرون تعملون شيئاً، فإن لم يثبت أحد فيّ طرح خارجاً مثل الغصن الذي يجني فيأخذونه ويطرحونه في النار فيحترق، وإن أنتم ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم كان لكم كل ما تريدونه، وبهذا يمجد ربي بأن تأتوا

بثمار كثيرة، وأنتم أحبابي إن علمتم كل ما وصيتكم به، إنما وصيتكم بهذا لكي يحب بعضكم بعضاً، فإن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم، لو كنتم من العالم كان العالم يحب من هو منه، لكنكم لستم من العالم، بل اخترتكم من العالم، من أجل هذا يبغضكم العالم، لو لم آت وأكلمهم لم يكن لهم خطيئة، والآن ليس لهم حجة في خطيئتهم، لو لم أعمل أعمالاً لم يعملها أحد لم يكن لهم خطيئة، لتتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم أنهم أبغضوني باطلاً، إذا جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم - روح الحق الذي من الرب بسق - هو يشهد وأنتم تشهدون، لأنكم معي صفوة، كلمتكم بهذا لكيلا تشكون، فإنهم سوف يخرجونكم من مجامعهم، ولم أخبركم بهذا من قبل لأني كنت معكم، والآن فإني منطلق إلى من أرسلني، أقول لكم الحق! إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو موبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاماً كثيراً أريد أن أقول لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن، وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي، وهو

مجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم، قليلاً ولا ترونني، وقليلاً وترونني، قالوا: ما هذا القليل الذي يقول؟ فقال لهم: أفي هذا يراطن بعضكم بعضاً، الحق أقول لكم! إنكم تبكون وتنوحون والعالم يفرح، وأنتم تحزنون لكن حزنكم يؤول إلى فرح، كالمرأة إذا حضر ولادها تحزن لأن قد جاءت ساعتها، فإذا ولدت ابناً لم تذكر الشدة من أجل الفرح، لأنها ولدت إنساناً في العلم؛ تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه إلى السماء وقال: يا رب! قد حضرت الساعة فمجد عبدك ليمجدك عبدك، كما أعطيته السلطان على كل ذي جسد، ليعطي كل من أعطيته حياة الأبد، وهذه هي حياة الأبد أن يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع المسيح، أنا قد مجدتك على الأرض، ذلك العمل الذي أعطيتني لأصنعه قد أكمت، والآن مجدني أنت يا رباه بالمجد الذي عندك، قد أظهرت اسمك للناس، الآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك، وعلموا حقاً أني من عندك أتيت، وآمنوا أنك أرسلتني، وأنا أجيء إليك أيها الرب القدوس! احفظهم باسمك الذي أعطيتني كي يكونوا واحداً كما نحن، إذ كنت معهم في العالم أنا كنت أحفظهم باسمك، ليس أسأل أن تنزعهم من العالم، بل أن نحفظهم من الشرير، لأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من العالم، قدسهم بحقك فإذا كلمتك خاصة هي الحق، كما أرسلتني إلى العالم

أرسلتهم أنا أيضاً إلى العالم، ولست أسأل في هؤلاء فقط، بل وفي الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحداً، كما أنك يا رباه فيّ وأنا فيك ليكونوا أيضاً فيناً واحداً، ليؤمن العالم أنك أرسلتني؛ قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عين عمرة وادي الأرز، وكان هناك بستان، دخله هو وتلاميذه، وكان يهودا الذي أسلمه يعرف ذلك المكان، لأن يسوع كان يجتمع هناك مع تلاميذه كثيراً، وقبل عيد الفسح كان يسوع يعلم أن قد حضرت الساعة التي ينتقل فيها من هذا العالم، فلما حضر العشاء خامر الشيطانُ قلبَ يهودا شمعون الإسخريطي لكي يسلمه، فقام يسوع عن العشاء وترك ثيابه وائتزر وسطه بمنديل، وبدأ يغسل أقدام التلامذة وينشفها بمنديل كان مؤتزراً به، فلما انتهى إلى شمعون الصفا قال له: أنت يا سيدي تغسل لي قدمي؟ فقال يسوع: إن الذي أصنعه لست تعرفه الآن، ولكنك ستعرفه فيما بعده، قال له شمعون الصفا: إنك لست غاسلاً لي قدمي الآن، قال له يسوع: إن أنا لم أغسلهما فليس لك معي نصيب، قال شمعون: يا سيدي! ليس تغسل لي قدمي فقط، بل ويدي ورأسي، قال له يسوع:

إن الذي يطهر لا يحتاج إلا إلى غسل قدمي؛ فلما غسل أرجلهم تناول ثيابه واتكأ وقال لهم: تعلمون ما صنعت بكم؟ أنتم تدعونني معلماً ورباً، وما أحسن ما تقولون! فإذا كنت أنا معلمكم وربكم قد غسلت أقدامكم فأنتم أحرى أن يغسل بعضكم أرجل بعض، والحق الحق أقول لكم! ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم ممن أرسله وقال: اتلحق والحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني؛ وقال متى: ولما كان يسوع في بيت عنيا في بيت شمعون الأبرص جاءت امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن فأفاضته على رأسه وهو متكىء، حينئذ مضى أحد الاثني عشر - أي الحواريين الذي سيذكرون في المائدة والأنعام بأسمائهم - وهو الذي يقال له يهودا الإسخريطي إلى رؤساء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني حتى أسلمه إليكم؟ فأقاموا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت جعل يطلب فرصة ليسلمه، وفي أول يوم الفطير - قال مرقس: لما ذبحوا الفسح - قال له تلاميذه: أين تريد حتى نستعد لتأكل الفسح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: المعلم يقول: زماني قد اقترب، وعندك أصنع الفسح مع تلاميذي، ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفسح، وقال لوقا: وكان في النهار يعلم في الهيكل، ويخرج في الليل ليستريح في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، وكان جميع الشعب يدلجون إليه ليسمعوا منه وكان لما قرب عيد الفطير المسمى بالفسح

تطلّب الكهنة كيف يهلكونه، وكانوا يخافون من الشعب، فدخل الشيطان في يهودا الذي يدعى الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة، فمضى وكلم رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم، ففرحوا ووعدوه، وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم مفرداً عن الجمع، فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح، فأرسل بطرس ويوحنا وقال: امضيا وأعدا لنا الفسح، ثم قال: فانطلقا وأعدا الفسح، ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر تليمذاً، قال: فقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل معكم الفسح، فإني أقول لكم: إني أيضاً لا آكل منه حتى يتم في ملكوت الله؛ وقال متى: وفيما هم يأكلوا قال: الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فحزنوا جداً وشرع كل واحد منهم يقول: لعلي أنا هو؛ وقال يوحنا: وقال: الحق الحق أقول لكم! إن واحداً منكم يسلمني، فنظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، وكان واحداً من تلاميذه متكئاً في حضن يسوع، وهو الذي كان يسوع يحبه، فأومأ شمعون الصفا إليه أن يعلمه مَن الذي قال لأجله؛ فوقع ذلك التلميذ على صدر يسوع وقال له: يا سيدي! من هذا؟ فقال يسوع: هو الذي أبلّ خبزاً وأناوله، فبلّ خبزاً ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي، وقال متى: فقال: الذي يجعل يده معي في الصحفة هو يسلمني؛ وابن الإنسان ماضٍ كما كتب

من أجله، الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان، حبذا له لو لم يولد، أجابه يهودا مسلمه وقال: لعلي أنا هو يا معلم! قال: أنت، قال: فسبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون؛ وقال لوقا: فقال لهم: إن ملوك الأمم هم ساداتهم، والمسلطون عليهم يدعون المحسنين إليهم، فأما أنتم فليس كذلك، لكن الكبير منكم يكون كالصغير والمقدم كالخادم، من أكبر؟ المتكىء أم الذي يخدم؟ أليس المتكىء فأما أنا في وسطكم فمثل الخادم، وأنتم الذي صبرتم معي في تجاربي، وأنا أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت، لتأكلوا وتشروبوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كرسيّ، وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى أن قال: ثم خرج كالعادة ومضى إلى جب الزيتون، ومعه أيضاً تلاميذه، فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا التجربة، وانفرد عنهم كرمية حجر وخرَّ على ركبتيه فصلى؛ وقال متى: حينئذ قال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أضرب الراعي، تفرق خراف الرعية، فأجاب بطرس وقال له: لو شك جميعهم لم أشك أنا، قال له يسوع: الحق أقول لك! في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات؛ وقال يوحنا: الحق الحق أقول لكم! لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاثاً، لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله وآمنوا بي؛

وقال متى: قال له بطرس: لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت؛ وقال مرقس: فتمادى بطرس وقال: يا أبت! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس أنكرك، وهكذا قال جميع التلاميذ، حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية، فقال للتلاميذ: اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك، امكثوا واسهروا معي، وبعد ذلك خرَّ على وجهه يصلي، وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً، قال مرقس: فقال البطرس: يا شمعون! أنت نائم؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا التجارب، أما الروح فمستبشرة، وقال مرقس: فمستعدة، وأما الجسد فضعيف، ومضى أيضاً وصلى، وجاء أيضاً فوجدهم نياماً، لأن عيونهم كانت ثقيلة، فتركهم؛ ومضى أيضاً يصلي، قال لوقا: وظهر له ملاك من السماء ليقويه، وكان يصلي تواتراً، وكان عرفه كعبيط الدم نازلاً على الأرض! وقال متى: حينئذ جاء إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا! قد اقتربت الساعة، وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا الإسخريوطي أحد الاثني عشر، معه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة وقال: الذي أقبّله هو هو فأمسكوه، وجاء إلى يسوع وقال له: السلام يا معلم!

وقبّله فقال له يسوع: يا هذا! ألهذا جئت؟ حينئذ جاؤوا فوضعوا أيديهم على يسوع وقبضوا عليه، ثم قال: في تلك الساعة قال يسوع للجموع: كأنكم قد خرجتم إلى لص بالسيوف والعصيّ لتأخذوني، في كل يوم كنت أجلس عندكم أعلِّم في الهيكل فما قبضتم عليّ، وهذا كله كان لتكميل كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقال يوحنا: إن يهودا أخذ جنداً من عند عظماء الكهنة والفريسيين وشرطاً، وجاء إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح، ويسوع كان عارفاً بكل شيء يأتي عليه، فخرج وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري، قال: أنا هون وكان يهودا واقفاً معهم، فلما قال: أنا هو، رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض، فقال يسوع: إن كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبوا، لتتم الكلمة التي قالها: إن الذي أعطيتني لن يهلك منهم أحد؛ وقال متى: حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، والذين أخذوا يسوع اقتادوه إلى دار قيافا رئيس الكهنة، وأما بطرس فأتبعه على بُعُد منه إلى دار رئيس الكهنة، ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام، وقال مرقس: وجلس مع الخدام عند النار

يصطلي؛ وقال يوحنا: وإن شمعون الصفا والتلميذ الآخر - يعني الذي تقدم أن عيسى كان يحبه - تبعا يسوع، وكان عظيم الكهنة يعرف ذلك التلميذ، فدخل يسوع إلى دار عظيم الكهنة، فأما شمعون فكان واقفاً خارج الباب، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معارف رئيس الكهنة، فقال للبوابة وأدخل شمعون بطرس، فقالت الجارية البوابة لشمعون: أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال لها: لا! وكان العبيد والشرط قياماً يوقدون ناراً ليصطلوا، لأنها كانت ليلة باردة، وقام شمعون معهم أيضاً يصطلي: قال متى: فقال رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن كنت أنت هو المسيح! قال له يسوع: أنت قلت؛ ثم ذكر أنهم أفتوا بقتله وقال: عند ذلك بصقوا في وجهه وستروا وجهه بثوب ولطموا وجهه فوقه قائلين: أيها المسيح! بين لنا مَنْ هو الذي ضربك؟ قال مرقس: وبينما بطرس في أسفل الدار جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له: وأنت أيضاً قد كنت مع يسوع الناصري؛ وقال متى: مع يسوع الجليلي، وقال لوقا: فلما رأته جارية جالساً عند الضوء ميزته فقالت: هذا أيضاً كان معه، فأنكر وقال: ما أعرفه؛ وقال متى: فجحد بين أيديهم أجمعين، وعند خروجه إلى الباب أبصرته جارية أخرى فقالت: وهذا أيضاً كان مع

يسوع الناصري، فجحد أيضاً بيمين: إني لست أعرف الرجل، وبعد قليل تقدم الوقوف فقالوا لبطرس: بالحقيقة إنك منهم أنت! لأن كلامك يدل عليك؛ وقال مرقس: وأنت جليلي وكلامك يشبه كلامهم، وقال: حينئذ أقبل بطرس يلعن ويحلف: إني لست أعرف الإنسان، وفي الحال صاح الديك، فذكر بطرس كلمة يسوع: قبل أن يصيح الديك، تجحدني ثلاثاً، فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مُرّا. ولما كان الصبح عملوا كلهم مؤامرة على يسوع حتى يميتوه فربطوه وساقوه إلى بيلاطيس النبطي، ولما أبصر يودس - يعني يهودا الإسخريوطي - أنه قد حكم عليه تندم ورد الثلاثين الفضة على رؤساء الكهنة قائلاً: قد أخطأت إذ أسلمت دماً زكياً، فقالوا: ما علينا! فطرح الفضة في الهيكل ومضى فخنق نفسه، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لن يجوز لنا أن نلقيها في داخل الزكاة، لأنها ثمن دم، فتشاوروا وابتاعوا حقل الفاخوري لدفن الغرباء، لذلك دعي ذلك الحقل حقل الدم إلى اليوم، حينئذ تم قول إرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الدم الذي ثمنه بنوا إسرائيل، وجعلوها في حقل الفاخوري على ما رسم لي؛ وأما يسوع فوقف أمام الوالي،

ثم ذكر أن الوالي كان كارهاً لقتله، وأن امرأته أرسلت إليه تقول: إياك ودم ذاك الصديق، فإني توجعت في هذا اليوم كثيراً من أجله في الحلم، وأنه اجتهد بهم ليطلقوه فأبوا إلا صلبه، وصاحوا عليه، وأنه قال لهم: أي شر عمل؟ فازدادوا صياحاً وقالوا: يصلب؛ فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع وقال: إنني بريء من دم هذا الصديق، فقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا، وقال لوقا: وإن بيلاطس قال لرؤساء الكهنة: أنا لم أجد على هذا الإنسان علة - حتى قال: فلما علم أنه من سلطان هيرودس - يعني من الجليل - أرسله إلى هيرودس، لأنه كان في تلك الأيام بيروشليم، وأن هيرودس لما رأى يسوع فرح جداً، لأنه كان يشتهي أن يراه من زمان طويل لما كان يسمع عنه من الأمور الكثيرة، وكان يرجو أن يعاين آية يعملها، وسأله عن كلام كثير ذكره، وذكر أنه لم يجبه، فاحتقره هيرودس وجنده واستهزؤوا به وألبسه ثياباً حمراء، وأرسله إلى بيلاطس وصار بيلاطس وهيرودس صديقين في ذلك اليوم، لأنه كان بينهما عداوة، ثم ذكر أن بيلاطس قال لهم: لم أجد عليه علة آخذة بها، ولا هيرودس أيضاً، وأنهم لم يقبلوا منه ذلك وصاروا يصيحون: اصلبه اصلبه، وقال يوحنا: ثم جلس -

يعني بيلاطس - على كرسي في موضع يعرف برصيف الحجارة، وبالعبرانية يسمى جاحلة؛ ثم ذكر جميع نقلة أناجيلهم أنهم صلبوه بين لصّين، وأنهم كانوا يستهزئون به حتى اللصان المصلوبان؛ قال مرقس: فلما كانت الساعة السادسة تفشّت الأرض كلها ظلمة إلى الساعة التاسعة، وأنه صاح بصوت عظيم منه: إلهي! إلهي! لِمَ تركتني! فانشق ستر حجاب الهيكل باثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، وتشققت الصخور، وتفتحت القبور، وكثير من أجساد القدسين النيام قاموا من قبورهم، ودخلوا المدينة فظهروا لكثير، وكان هناك نسوة كثير ينظرن من بعيد، ومن اللاتي تبعن عيسى من الجليل منهم مريم المجدلانية، ومريم أم يعقوب الصغير، وأم يوسا، وأم ابن يزبدي، وقال يوحنا: وكان واقفاً عند صلبه أمه وأخت أمه مريم ابنة إكلاوبا ومريم المجدلية، ثم ذكروا أنه دفن؛ وذكر مرقس أنه كان يوم جمعة؛ وقال يوحنا: وأما اليهود - فلأنه يوم الجمعة - قالوا: هذه الأجساد لا تثبت على صلبها، لأن السبت كان عظيماً، ثم ذكر أنهم أنزلوهم، وأن عيسى دفن؛ وقال متى: إن الملك جاء

بعد ثلاث وأقامه، وقال للنسوة: إنه قد قام فأسرعن فقلن لتلاميذه: هوذا سبقكم إلى الجليل، وإن رؤساء اليهود رشوا الجند الذين كانوا يحرسون قبره ليقولوا: إن تلاميذه سرقوه من القبر، فقالوا وشاع ذلك عند اليهود إلى اليوم، فأما الأحد عشر تلميذاً فمضوا إلى الجليل الذي أمروا به، فلما رأوه سجدوا له، وبعضهم شك؛ وقال لوقا: وفيما هم يتكلمون وقف عيسى إلى وسطهم، وقال لهم: السلام عليكم يا هؤلاء! لا تخافوا! فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم ينظرون روحاً، فقال لهم: ما بالكم تضطربون؟ وِلمَ يأتي الإنكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو، جسّوني وانظروا إليّ! الروح ليس له لحم ولا عظم، كما ترون أنه لي، ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين من الفرح والتعجب، وقال لهم: أعندكم هاهنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءاً من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، ثم قال: ثم أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم، وصعد إلى السماء؛ وقال يوحنا: إنه قال لمريم: امضي إلى إخوتي وقولي لهم: إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والهكم؛ وقال متى: فجاء

يسوع فكلمتهم فقال: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم. انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة، فقد بان لك أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد، وهو الإسخريوطي، وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه، وأنه إنما وضع يده عليه، ولم يقل بلسانه: إنه هو، وأن الوقت كان ليلاً، وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون في هذه الليلة، وأن تلاميذه كلهم هربوا، فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في أمره، وأن بطرس إنما تبعه من بعيد، وأن الذي دل عليه خنق نفسه، وأن الناقل لأن الملك قال: إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد، وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن بالجهد، وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها لا يضرنا التصديقُ بها، وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه: أعطيت كل سلطان، فأثبت أن المعطي غيره، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه، ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه، كما

قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه، فجزموه به - والله أعلم، وقوله: إنك يا رباه فيّ وأنا فيك، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا، ونحوه مما يوهم حلولاً المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحداً منهم لا يريد إلا ما يريد الآخر، ولا يرضى إلا ما يرضاه، فهو من وادي ما في الحديث القدسي «كنت سمعه الذي يسمع به» - إلى آخره، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة، فالمراد الغاية، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصاً لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق.

159

ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم، وأنهم قصدوا قتله عليه الصلاة والسلام، فخاب قصدهم، واصلد زندُهم،

وقال رأيهم، ورد عليهم بغيهم، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب؛ قال محققاً لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم، مثبتاً أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه التصديق بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومؤكداً له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له: {وإن} أي والحال أنه ما {من أهل الكتاب} أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان {إلا} وعزتي {ليؤمنن به} أي بعيسى عليه الصلاة والسلام {قبل موته} أي موت عيسى عليه الصلاة والسلام، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان، يؤيد الله دين الإسلام، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل، إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زماناً طويلاً، فالنبي الذي نسخ شريعة موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا النبي العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره والذب عن دينه، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع مستكثرة، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه، فأطيلوا أيها اليهود أو أقصروا! فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى عليه الصلاة والسلام على شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موته بعد نزوله

من السماء أنه ما قتل وما صلب، ويؤمن به عند زوال الشبهة - والله أعلم؛ روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً وإماماً عادلاً، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها» ؛ وفي رواية: وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين؛ وفي رواية: حتى يهلك الله الملل كلها غير الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} الآية: موت عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات - ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد؛ وفي رواية: ويفيض المال حتى لا يقبله أحد؛ ولمسلم عنه رضي الله عنه: كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؛ وفي رواية: فأمكم منكم، قال الوليد بن مسلم - أحد رواة الحديث: قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت تخبرني! قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛

ولمسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا! فيقول: لا! إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية رضي الله عنهم أن المعنى: ألا ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان، ليكون ذلك زيادة في حسرته، قال الأصبهاني: وتدل على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ: ليؤمنن قبل موتهم - بضم النون. ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال: {ويوم القيامة} أي الذي يقطع ذكره القلوب، ويحمل التفكر فيه على كل خير ويقطع عن كل شر {يكون} وأذن بشقائهم بقوله: {عليهم شهيداً} أي بما عملوا؛ ولما أذن حرف الاستعلاء في الشهادة بأنه لا خير لهم في واحد من الدارين، وبأن التقدير: فبظلمهم، سبب عنه قوله دلالة على أن التوراة نزلت منجمة: {فبظلم} أي عظيم جداً راسخ ثابت، وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق وما عطف

عليه مما استحلوه بعد أن حرمته التوارة، وقال مشيراً إلى زيادة تبكيتهم: {من الذين هادوا} أي تلبسوا باليهودية في الماضي ادعاء أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق، ولم يضمر تعييناً لهم زيادة في تقريعهم {حرمنا عليهم طيبات أحلت} أي كان وقع إحلالها في التوراة {لهم} كالشحوم التي ذكرها الله تعالى في الأنعام. ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته، وبدأها بإعراضهم عن الدين الحق، فقال معيداً للعامل تأكيداً له: {وبصدهم عن سبيل الله} أي الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا أعظم، لكون الذي نهجه له من العظمة والحكمة ما لا يدرك، و «صد» يجوز أن يكون قاصراً فيكون {كثيراً *} صفة مصدر محذوف، وأن يكون متعدياً فيكون مفعولاً به، أي وصدهم كثيراً من الناس بالإضلال عن الطريق، فمُنِعوا مستلذات تلك المآكل بما مَنَعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان. ولما ذكر امتناعهم ومنعهم من المحاسن التي لا أطيب منها ولا أشرف، أتبعه إقدامهم على قبائح دنية فيها ظلمهم للخلق فقال: {وأخذهم الربا} أي وهو قبيح في نفسه مُزرٍ بصاحبه {وقد} أي الحال أنهم قد {نهوا عنه} فضموا إلى مخالفة الطبع السليم الاجتراء على انتهاك حرمة الله العظيم.

ولما ذكر الربا أتبعه ما هو أعم منه فقال: {وأكلهم أموال الناس بالباطل} أي سواء كانت رباً أو رشوة أو غيرهما؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في الدنيا أتبعه جزاءهم في الآخرة، فقال عاطفاً على قوله «حرمنا» : {وأعتدنا للكافرين} أي الذين صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه؛ ولما علم أن منهم من يؤمن فيدخل الجنة فقال: {منهم} ولما كان الجزاء من جنس العمل قال: {عذاباً أليماً *} أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم على حقوقهم من الفضائل والفواضل. ذكرُ تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة، قال في السفر الثاني بعد ما قدمتهُ في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس والنهي عن أذاهم: وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا تأخذن منه رباً؛ وقال في الثالث: وإن افتقر أخوك واستعان بك فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك، بل وسع عليه، وإياك أن تأخذ منه رباً أو عينة، لا تقرضه بالعينة؛ وقال في الخامس: ولا تطعموا بيت الله ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب، ولا تأخذوا من إخوتكم رباً في فضة ولا في طعام ولا في شيء مما تعانونه،

وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم؛ فقد ثبت من توراتهم النهيُ عن الربا، وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب، بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [البقرة: 62] من النهي عن غدر العدو، وعند قوله تعالى: {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] من الإحسان إلى عامة الناس لا سيما الغريب - والله الموفق.

162

ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب، بين ما لنّيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال: {لكن الراسخون في العلم منهم} أي الذي هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم فأبعد عنها الطبع، وجلت الحكمة، ورسخت بالرحمة، فامتلأت من نور العلم، وتمكنت بأنس الإيمان. ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأ عنه فقال: {والمؤمنون} أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه، فصار لهم خلقاً لازماً، منهم ومن غيرهم {يؤمنون} أي يجددون الإيمان في كل لحظة {بما أنزل إليك} لأنهم أعرف الناس بأنه حق {وما أنزل من

قبلك} أي على موسى عليه الصلاة والسلام، وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام، ثم بما أنزل إليك. ولما كانت الصلاة أعظم دعائم الدين، ولذلك كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر، نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات إظهاراً لفضلها فقال تعالى: {والمقيمين الصلاة} أي بفعلها بجميع حدودها، ويجوز على بُعد أن يكون المقتضي لنصبها جعل «لكن» بالنسبة إليها بمعنى «إلا» وتضمينها لفظها، لما بينهما من التآخي، فيكون المعنى أنهم مستثنون ممن أعد لهم العذاب الأليم على معنى أن الله سبحانه وتعالى - وهو الفاعل المختار - سبق علمه بأن مقيم الصلاة بجميع حدودها لا يموت كما يموت كافر بل تناله بركتها فيسلم وهذا أعظم مدح لها والحاصل أن (لكن) استعيرت لمعنى (إلا) بجامع أن ما بعد كل منهما مخالف في الحكم لما قبله كما استعيرت «إلا» لمعنى «لكن» في الاستثناء المنقطع. ولما كان الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال: {والمؤتون الزكاة} ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق

الإحسان إلى الخلائق ذكر الإيمان بانياً على عظمته مفصلاً له بعض التفصيل ومشيراً غلأآ أن نفعه كما يشترط أن يكون فاتحاً يشترط أن يكون خاتماً فقال: {والمؤمنون بالله} أي مستحضرين ما له من صفات الكمال، وضم إليه الحامل على كل خير والمقعد عن كل شر ترغيباً وترهيباً فقال: {واليوم الآخر} فصار الإيمان مذكوراً خمس مرات، فإن هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو تفخيماً لها وإشارة إلى أن وصف الرسوخ في العلم مقتض لأنهم في الذروة من كل وصف منها والاتصافُ بكل منها يتضمن الإيمان بيوم الدين، فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء منها عرياً عن الإيمان به، لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة البعد فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة والهمم، ولكون السياق في الراسخين العاملين أنهى في التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل منه في الأولى، ولم يعرف الأجر، ووصفه بالعظم فقال: {سنؤتيهم} أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه {أجراً عظيماً} . ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان من أحوالهم الوحي، قال تعالى إبطالاً لشبهتهم القائلة:

لو كان نبياً أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بالتوارة كذلك، بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام مع كونهم ليس لهم تلك الصفة، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة أحد منهم ولا رسالته: {إنا} ويصح أن يكون هذا تعليلاً ليؤمنون، أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا {أوحينا إليك كما} أي مثل ما {أوحينا إلى نوح} وقد آمنوا بما به لما أتى به من المعجز الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره، لأن إثبات المدلول إنما يتوقف على ثبوت الدليل، فإذا تم الدليل كانت المطالبة بدليل آخر طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قِبَل الله تعالى قال: {والنبيِّين من بعده} أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف، ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة، مع أن هذا الكتاب أبلغ، والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع، فهم إليه أميل، وله أقبل، وأما المطبوع على قلوبهم، الممنوعون من رسوخ العلم فيها بكثافة الحجاب، حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء، فهم غير قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان، فأسرعوا إلى الكفر، وبادروا بالذل والصغار، وفي الآخرة بالسخط والنار.

ولما أجمل تعالى ذكر النبيين فصّل فقال منبهاً على شرف من ذكرهم وشهرتهم: {وأوحينا إلى إبراهيم} أي أبيكم وأبيهم كذلك {وإسماعيل} أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم {وإسحاق} وهو ابنه الثاني وأبوهم {ويعقوب} أي ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب. ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل مَنْ قبلهم فصّل من بعدهم فقال: {وعيسى} أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب {وأيوب} وهو من ذرية عيصو بن إسحاق على ما ذكروا {ويونس وهارون وسليمان} ولما كان المقام للتعظيم بالوحي، وكان داود عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال: {وآتينا داود زبوراً *} أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا مكتوباً من السماء. ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة، وكان فيهم رسل، وكان ربما قال متعنت: إن شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي، قال عاطفاً على ما تقديره من معنى «أوحينا» : أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم عليك هنا إلى من شئنا من الناس: {ورسلاً} أي غير هؤلاء {قد قصصناهم} أي تلونا ذكرهم {عليك} ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال: {من قبل} أي من قبل إنزال هذه الآية {ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي إلى الآن.

ولما كان المراد أنه لا فرق بين النبي والرسول في الوحي نبه على ذلك بقوله: {وكلم الله} أي الذي له الكمال كله فهو يفعل ما يريد لا أمر لأحد معه {موسى تكليماً *} أي على التدرج شيئاً فشيئاً بحسب المصالح من غير واسطة ملك، فلا فرق في الوحي بين ما كان بواسطة وبين ما كان بلا واسطة، والمعنى أنكم لو كنتم إنما تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتاً لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى عليه الصلاة والسلام من الكرامة، لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم، فإنه خص بالتكليم دونهم، فلِمَ جعلتم الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام شرطاً في الإيمان ببعض الأنبياء دون بعض؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره مما جعل له، كان ذلك - على تقدير التسليم تنزلاً - تحكماً وترجيحاً من غير مرجح، على أن التوراة أيضاً - كما تقدم بيانه - كهذا القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله (تكليماً) ولم يكتب منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض سور القرآن جملة كسورة الأنعام، وليس في نزول موسى عليه الصلاة والسلام بهما من جبل الطور مكتوبَين دليل

على نزولهما من السماء ويدل على ذلك كثير من نصوصها أصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر، بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة التيه: ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلاً يحتطب حطباً يوم السبت، فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها، وحبسوه في السجن، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به؟ فقال الرب لموسى: يقتل هذا الرجل، يرجم بالحجارة خارجاً من العسكر، ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ومات - كما أمر الرب موسى؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - بنصب قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها، ويسمع موسى الكلام منها، ثم بعد ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها؛ ومنها أنه كتب له الألواح في الطور: اللوحين اللذين كسرهما غضباً من اتخاذهم العجل، ثم لوحين عوضاً عنهما، ثم لما نصبت قبة الزمان صار سبحانه وتعالى يكلمه منها، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو في غاية الوضوح في التوراة؛ ومنها ما قال في أوخر السفر الخامس وهو آخرها: فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها، أمر موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم: خذوا سفر هذه السنن واجعلوه

في جوف تابوت عهد الله ربكم في جانب من جوانبه، ليكون هناك شاهداً، لأني قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه، وكيف لا يكون ذلك وقد أغضبتم الرب وأنا حي معكم؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك، فليجتمع إليّ أشياخ أسباطكم وكتّابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال، ولأشهد عليهم السماء والأرض، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي، تحيدون عن الطريق الذي آمركم به، شر شديد في آخر الأيام إذا عملتم السيئات بين يدي الرب، وأغضبتموه بأعمال أيديكم، وقال موسى بين يدي جماعة بني إسرائيل: انصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من فيّ - وقال كلاماً كثيراً في ذمهم أذكره إن شاء الله تعالى في المائدة عند {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60] ثم قال: يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم، وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين - ومضى يتكلم من كلام الله الذي هو من أحسن التوراة إلى أن قال: فلما أكمل موسى هذه الآيات كلها لبني إسرائيل قال لهم: أقبلوا بقلوبكم إلى هذه الأقوال؛ ثم قال: وكلم الرب موسى ذلك اليوم وقال:

اصعد إلى جبل العبرانيين، هذا جبل نابو الذي في أرض مواب حيال إيريحا، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثاً - وذكر بعد ذلك كلاماً طويلاً فيها كلها لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك، بل صريح، وفي قصة نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ما هو صريح في أن الإيحاء إليهما كان منجماً - كما مضى عنهما في قصة إبراهيم عليه السلام في البقرة، ويأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام في سورة هود - والله الموفق، وقد ابتدأ سبحانه في هذه الآية بنوح عليه الصلاة والسلام أول أولي العزم وأصحاب الشرائع وجوداً، وهو من أوائل الأنبياء، وزمانه في القدم بحيث لا يعلم مقداره على الحقيقة إلا الله تعالى، ثم ثنى بثانيهم في الوجود وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر أولاده على ترتيبهم، والأسباط يحتمل أن يراد بهم أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام أنفسهم وقبائلهم، ويكون المعنى حينئذ: وأنبياء الأسباط، ويكون مما استعمل في حقيقته ومجازه، ويكون شاملاً لجميع أنبياء بني إسرائيل، ثم صرح ببعض من دخل منهم في العموم فبدأهم بآخرهم بعثاً

وهو عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو أحد نبي أهل الكتابين، وختم الآية بأحد أصحاب الكتب منهم، وهو جده المشهور بالنسبة إليه، فإن اليهود يقولون لعيسى عليه الصلاة والسلام: يا ابن داود! لأن أمه في ذريته، وختم الآية بأول نبي أهل الكتابين موسى عليه الصلاة والسلام الذي آخر آجرّ تبنى على الإسلام، فانتقله المنتمون إلى أتباعه، ووسّط أخاه هارون عليه الصلاة والسلام بين اثنين من أهل البلاء: أيوب ويونس واثنين من أهل الملك - وأحدهم صاحب كتاب - وهما سليمان وداود، وكل ذلك إشارة إلى أنه لا فرق في كيفية الإيحاء بحوما إلى الأنبياء بين متقدمهم ومتأخرهم، سواء كان من بني إسرائيل أو من غيرهم، وسواء منهم من أوتي الملك ومن لم يؤته، ومن أتى بكتاب ومن لم يأت؛ ومن لطائف هذا الترتيب أن المخصوصين بالذكر في الآية الأولى بعد دخولهم في العموم أحد عشر أسماء، الأسباط أحدها، والمشهور بالكتب والصحف منهم ثلاثة: إبراهيم وعيسى وداود، وقد وقع كل منهم سادساً لصاحبه، وهو العد الذي كان فيه الخلق، فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة، فكما أنه لم يعجل في إنشاء الخلق فكذلك

لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة، بل أنزلها منجمة تبعاً لمصالحهم وتثبيتاً لدعائمهم، ومن لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين، وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلاً منهما أهلك من عانده كنفس واحدة بالإغراء، ترهيباً لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين أنهم أتباع، ووسّط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين، ولعله آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة الرسالة، بمعنى أنها أعم منها. ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود، إشارة إلى أنه سن به في الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم - والله أعلم.

165

ولما كان معظم رسالة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشارة ونذارة، قال مبيناً أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي، لأن المقصود من الإرسال لجميع الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة: {رسلاً} أي جعلناهم رسلاً، ويجوز أن يكون بدلاً من «رسلاً» الماضي، وأن يكون حالاً، حال كونهم {مبشرين ومنذرين} ثم علل ذلك بقوله: {لئلا يكون} أي لينتفي أن يوجد {للناس} أي نوع مَنْ فيه قوة النوس.

ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردوداً، عبّر بأداة الاستعلاء فقال: {على الله حجة} أي واجبة القبول على الملك الذي اختص بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم؛ ولما كان المراد استغراق النفي لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال: {بعد} أي انتفى ذلك انتفى مستغرقاً لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال {الرسل} وتبليغهم للناس، وذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع، وأما نفس المعرفة والنظر والتوحيد فطريقها العقل، فالمعرفة متلقاة من العقل، والوجوب متلقى من الشرع والنقل. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو غيرها، قال مزيلاً لذلك: {وكان الله} أي المستجمع لصفات العظمة {عزيزاً} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، فهو قادر على ما طلبوه، ولكنه لا يجب عليه شيء، لأنه على سبيل اللجاج وهم غير معجزين {حكيماً *} أي يضع الأشياء في أتقن مواضعها، فلذلك رتب أموراً لا يكون معها لأحد حجة ومن حكمته أنه لا يجيب المتعنت.

ولما لم يبق سبحانه لهم شبهة، واستمروا على عنادهم، أشار تعالى إلى ما تقديره: إنهم لا يشهدون لك عند اتضاح الأمر، فقال: {لكن} أي ومع ما قام من البراهين على صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك لكن {الله} أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له {يشهد} أي لك {بما أنزل إليك} أي من هذا الكتاب المعجز الذي قد أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء، وفيه هذه الأحكام الصادقة لما عندهم وهم يريدون الإضلال عنها، فشهادته ببلاغته وحكمته بصدق الآتي به هي شهادة الله لأنه قائله، ولذلك عللل بقوله: {أنزله بعلمه} أي عالماً بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم يقدر أحد ولا يقدر على إحداث شيء فيه من تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان ولا معارضة {والملائكة} أيضاً {يشهدون} بذلك لأنهم كانوا حضوراً لإنزاله وأمناء على من كان منهم على يده ليبلغه - كما قال تعالى: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} [الجن: 27-28] وهذا خطاب للعباد على حسب ما يعرفون.

ولما كان ربما أفهم نقصاً نفاه بقوله: {وكفى بالله} أي الذي له الكمال كله {شهيداً} أي وكفى بشهادته في ذلك شهادة عن شهادة غيره، وذلك لأنه أنزله سبحانه شاهداً بشهادته ناطقاً بها لإعجازه بنظمه وبما فيه من علمه من الحِكَم والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب، فشهادته بذلك هي شهادة الله، وهي لعمري لا تحتاج إلى شهادة أحد غيره.

167

ولما بين سبحانه أنه أقام الأدلة على صحته بالمعجزات، فصار كأنه شهد بحقيقته كان أنفع الأشياء اتباع ذلك بوصف من جحده في نفسه وصد عنه غيره زجراً عن مثل حاله وتقبيحاً لما أبدى من ضلاله فقال: {إن الذين كفروا} أي ستروا ما عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع النقل، من اليهود وغيرهم {وصدوا عن سبيل الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه وقولهم كذباً: إن في التوراة أن شريعة موسى عليه الصلاة والسلام لا تنسخ، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة والسلام {قد ضلوا} أي عن الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع

ما يراد من إعلائه {ضلالاً بعيداً *} أي لأن أشد الناس ضلالاً مبطل يعتقد أنه محق، ثم يحمل غيره على مثل باطله، فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع إلى الطريق النافع، لا سيما إن ضم إلى ذلك الحسد، لأن داء الحسد أدوأ داء؛ ثم علل إغراقهم في الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعوا إليه نقيصة النفس من الظلم بقوله وعيداً لهم: {إن الذين كفروا} أي ستروا ما عندهم من نور العقل {وظلموا} أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام بإعراضهم وإضلالهم غيرهم {لم يكن الله} أي بجلاله {ليغفر لهم} أي لظلمهم {ولا ليهديهم طريقاً *} أي لتضييعهم ما أتاهم من نور العقل ومنابذتهم؛ ثم تهكم بهم بقوله: {إلا طريق جهنم} أي بما تجهموا مَنْ ظلموه. ولما كان المعنى: فإنه يسكنهم إياها، قال: {خالدين فيها} أي لأن الله لا يغفر الشرك، وأكد ذلك بقوله: {أبداً} ولما كان ذلك مع ما لهم من العقول أمراً عجيباً قال تعالى: {وكان ذلك} أي الأمر العظيم من كفرهم وضلالهم وعذابهم {على الله يسيراً *} أي لأنه قادر على كل شيء.

170

ولما وضح بالحجاج معهم الحق، واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة الرشدُ، وأوضح فساد طرقهم، وأبلغ في وعيدهم؛ أنتج

ذلك صدق الرسول وحقيقة ما يقول: فأذعنت النفوس، فكان أنسب الأشياء أن عمم سبحانه في الخطاب لما وجب من اتباعه على وجه العموم عند بيان السبيل ونهوض الدليل، فقال مرغباً مرهباً {يا أيها الناس} أي كافة {قد جاءكم الرسول} أي الكامل في الرسلية الذي كان ينتظره أهل الكتاب لرفع الارتياب ملتبساً {بالحق} أي الذي يطابقه الواقع، وستنظرون الوقائع فتطبقونها على ما سبق من الأخبار، كائناً ذلك الحق {من ربكم} أي المحسن إليكم، فإن اتبعتم رسوله قبلتم إحسانه، فتمت نعمته عليكم، ولهذا سبب عن ذلك قوله: {فآمنوا} . ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق توعداً لهم: إن تؤمنوا يكن الإيمان {خيراً لكم} ، عطف عليه قوله: {وإن تكفروا} أي تستمروا على كفرانكم، أو تجددوا كفراً، يكن الكفران شراً لكم، أي خاصاً ذلك الشر بكم، ولا يضره من ذلك شيء، ولا ينقصه من ملكه شيئاً، كما أن الإيمان لم ينفعه شيئاً ولا زاد في ملكه شيئاً لأن له الغنى المطلق، وهذا معنى قوله: {فإن الله} أي الكامل العظمة {ما في السماوات والأرض} فإنه من إقامة العلة مقام المعلول، ولم يؤكد بتكرير «ما» وإن كان الخطاب مع المضطربين، لأن

قيام الأدلة أوصل إلى حد من الوضوح بشهادة الله ما لا مزيد عليه، فصار المدلول به كالمحسوس. ولما كان التقدير: فهو غني عنكم، وله عبيد غيركم لا يعصونه، وهو قادر على تعذيبكم بإسقاط ما أراد من السماء، وخسف ما أراد من الأرض وغير ذلك، وكان تنعيم المؤالف وتعذيب المخالف وتلقي النصيحة بالقبول دائراً على العلم وعلى الحكمة التي هي نتيجة العلم والقدرة قال: {وكان الله} أي الذي له الاختصاص التام بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً مع أن له جميع الملك {عليماً} أي فلا يسع ذا لب أن يعدل عما أخبر به من أن أمر هذا الرسول حق إذ هو لم يخبر به إلا عن تمام العلم، ولا يخفى عليه عاص ولا مطيع {حكيماً *} فلا ينبغي لعاقل أن يضيع شيئاً من أوامره لأنه لم يضعها إلا على كمال الأحكام، فهو جدير بأن يحل بمخالفه أي انتقام، ويثيب من أطاعه بكل إنعام. ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام

إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم، وكان ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره، وغلا في شأنه اليهود بخفضه، والنصارى برفعه؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه فقال: {يا أهل الكتاب} أي عامة {لا تغلوا في دينكم} أي لا تفرطوا في أمره، فتجاوزوا بسببه حدود الشرع وقوانين العقل {ولا تقولوا على الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول {إلا الحق} أي الذي يطابقه الواقع، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة، فقد أغرق في الباطل، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات، ولا تكلم هو في المهد، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة، ولا قدر على إحياء الموتى، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه، وذلك منافٍ للحكمة، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه، ومن قال: إن الله أو ابن الله، فهو أبطل وأبطل، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله، فلم يصلح للإلهية، وذلك أبطل الباطل. ولما ادعى اليهود أنه غير رسول، والنصارى أنه إله، حسن تعقيبه بقوله: {إنما المسيح} أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام

بدهن القدس، لما فيه من صلاحية الإمامة، وهو أهل أيضاً لأن يمسح الناس ويطهرهم. لما له من الكرامة، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر، وكان قد يوصف به غيره بيّنه بقوله: {عيسى} ثم أخبر عنه بقوله: {ابن مريم} أتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى {رسول الله} لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود. ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر، جعل نفس الكلمة فقال: {وكلمته} لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل، كوناً خارقاً للعوائد {ألقاها} أي تشريفاً بقوله: {وروح} أي عظيمة نفخها فيما تكّون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة، لا بمادة من ذكر، والروح هو النفخ في لسان العرب، وهو كالريح إلا أنه أقوى، بما له من الواو والحركة المجانسة لها، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد، وأكمل شرفه بقوله: {منه} أي وإن كان جبرئيل هو النافخ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل: روح، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن.

ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله: {فآمنوا بالله} أي الذي لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى شيء {ورسله} أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة، من غير إفراط ولا تفريط، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر. ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال: {ولا تقولوا} أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام {ثلاثة} أي استمروا أيها اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى، ولا تقولوا: إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله واحد، لأن ذلك بديهي البطلان، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم، فهما اثنان لا غير، وهو عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه. ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً في صيغة الأمر بقوله: {انتهوا} أي عن التثليث الذي نسبتموه إلى الله بسببه، وعن كل كفر، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير: إن تنتهوا يكن الانتهاء {خيراً لكم} . ولما نفى أن يكون هو الله، كما تضمن قولهم، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال:

{إنما الله} أي الذي له الكمال كله؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية، لا من حيث الذات قال: {إله واحد} أي لا تعدد فيه بوجه. ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره، فنزهه عما قالوه فقال: {سبحانه} أي تنزه وبعد بعداً عظيماً وعلا علواً كبيراً {أن} أي عن أن {يكون له ولد} أي كما قلتم أيها النصارى! فإن ذلك يقتضي الحاجة، ويقتضي التركيب والمجانسة، فلا يكون واحداً؛ ثم علل ذلك بقوله: {له} أي لأنه إله واحد لا شريك له له {ما في السماوات} وأكد لأن المقام له فقال: {وما في الأرض} أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما ولا إلى شيء متحيّز فيهما، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود. ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما وما فيهما، لأن الأرض في السماء، وكل سماء في التي فوقها، والسابعة في الكرسي، والكرسي في العرش، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك، وذلك هو وظيفة الوكيل

بالحقيقة ليكفي من وكله كل ما يهمه؛ كان كأنه قيل: وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في تدبير مصالحكم، فبنى عليه قوله: {وكفى بالله} أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة {وكيلاً *} أي يحتاج إليه كل شيء، ولا يحتاج هو إلى شيء، وإلا لما كان كافياً.

172

ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل، ويفعل ما يعجز عنه الموكل، وكان الله تعالى لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى شيء، وكان عيسى عليه الصلاة السلام لا يدّعي القدرة على شيء إلا بالله، وكان يحتاج إلى النوم وإلى الأكل والشرب وإلى ما يستلزمانه، صح أنه عبد الله فقال سبحانه دالاً على ذلك: {لن يستنكف} أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى ويستحي ويأنف ويستكبر {المسيح} أي الذي ادعوا فيه الإلهية، وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من غير ذكر، ولكونه أيضاً يخبر ببعض المغيبات، ويحيي بعض الأموات، ويأتي بخوارق العادات {أن} أي من أن {يكون عبداً لله} أي الملك الأعظم الذي عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة مخلوقاته، فإنه من جنس البشر في الجملة وإن كان خلقه خارقاً لعادة البشر {ولا الملائكة} أي الذين هم أعجب خلقاً منه في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى

ولا ما يجانس عنصر البشر، فكانوا لذلك أعجب خلقاً من آدم عليه الصلاة والسلام أيضاً، وهم لا يستنكفون بذلك عن أن يكونوا عباد الله. ولما كان التقريب مقتضياً في الأغلب للاستحقاق، وكان صفة عامة للملائكة قال: {المقربون} أي الذين هم في حضرة القدس، فهم أجدر بعلم المغيبات وإظهار الكرامات، وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سبباً في حياة عيسى عليه الصلاة والسلام، وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضاً، وبهذا طاح استدلال المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن العادة في مثل هذا السياق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم، لكن في الخلق لا في المخلوق. ولما أخبر تعالى عن خلّص عباده بالتشرف بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك، فقال مهدداً محذراً موعداً: {ومن يستنكف} أي من الموجودات كلهم {عن عبادته} ولما كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد الامتناع لا كبراً، قال مبيناً للمراد من معناه هنا: {ويستكبر} أي يطلب الكبر عن ذلك ويوجده، لأن مجرد الامتناع لا يستلزمه. ولما كان الحشر عاماً للمستكبر وغيره كان الضمير في {فسيحشرهم} عائداً على العباد المشار إليهم بعبداً وعبادته، ولا يستحسن عوده على «مَنْ» لأن التفصيل يأباه، والتقدير حينئذ: فسيذلهم لأنه سيحشر العباد

{إليه جميعاً *} أي المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون، ومن مات كان مخلوقاً محدثاً قطعاً، ومن كان مقدوراً على ابتدائه وإفنائه كانت القدرة على إعادته أولى، والحشر: الجمع بكره. ولما عم بالحشر المستكبرين وغيرهم جاء التفصيل إلى القسمين فقال: {فأما الذين آمنوا} أي أذعنوا الله تعالى وخضعوا له {وعملوا الصالحات} تصديقاً لإقرارهم بالإيمان {فيوفيهم أجورهم} أي التي جرت العادات بينكم أن يُعطَوها وإن كانوا في الحقيقة لا يستحقونها، لأن الله تعالى هو الذي وفقهم لها، فهي فضل منه عليهم {ويزيدهم} أي بعد ما قضيت به العادات {من فضله} أي شيئاً لا يدخل تحت الحصر لأنه ذو الفضل العظيم {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي طلبوا كلاً من الإباء والكبر {فيعذبهم عذاباً أليماً *} أي بما وجدوا من لذاذة الترفع والكبر، وآلموا بذلك أولياء الله {ولا يجدون لهم} أي حالاً ولا مآلاً {من دون الله} الذي لا أمر لأحد معه {ولياً} أي قريباً يصنع معهم ما يصنع القريب {ولا نصيراً *} أي وإن كان بعيداً، وفي هذا أتم زاجر عما قصده المنافقون من موالاة أهل الكتاب، وأعظم نافٍ لما منّوهم إياه مما لهم وزعموا من المنزلة عند الله، المقتضية أن يقربوا

من شاؤوا، ويبعدوا من شاؤوا، وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات المحذرة منهم {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} [النساء: 45] . ولما أزاح شبه جميع المخالفين من سائر الفرق: اليهود والنصارى والمنافقين، وأقام الحجة عليهم، وأقام الأدلة القاطعة على حشر جميع المخلوقات، فثبت أنهم كلهم عبيده؛ عمّ في الإرشاد لطفاً منه بهم فقال: {يا أيها الناس} أي كافة أهل الكتاب وغيرهم. ولما كان السامع جديراً بأن يكون قد شرح صدراً بقواطع الأدلة بكلام وجيز جامع قال: {قد جاءكم برهان} أي حجة نيّرة واضحة مفيدة لليقين التام، وهو رسول مؤيد بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها {من ربكم} أي المحسن إليكم بإرسال الذي لم تروا قط إحساناً إلا منه. ولما كان القرآن صفة الرحمن أتى بمظهر العظمة فقال: {وأنزلنا} أي بما لنا من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على الرسول الموصوف، منتهياً {إليكم نوراً مبيناً *} أي واضحاً في نفسه موضحاً لغيره، وهو هذا القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير العقل، فلم يبق لأحد من المدعوين به نوع عذر، والحاصل أنه سبحانه لما خلق للآدمي عقلاً وأسكنه نوراً لا يضل ولا يميل مهما جرد،

ولكنه سبحانه حفّه بالشهوات والحظوظ والملل والفتور، فكان في أغلب أحواله قاصراً إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ألحقه سبحانه بهم؛ أنزل كتبه بذلك العقل مجرداً عن كل عائق، وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له منقادة به، لأنها مشوبة، وهو مجرد لا شوب فيه بوجه.

175

ولما أشار في هذه الآية إلى الرسول الأصفى والنبي الأهدى، المجبول على هذا العقل الأقوم الأجلي، والكتاب الأتم الأوفى، الجاري على هذا القانون الأعلى، الوافي تعبيره الوجيز بأحكام الأولى والأخرى، الكفيل سياقه وترتيب آياته بوضوح الأدلة وظهور الحجج؛ أخذ يقسم المنذرين فقال تعالى: {فأما الذين آمنوا بالله} أي الذي اتضح أنه لا أمر لأحد معه في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه بما دل عليه قاطع البرهان {واعتصموا به} أي جعلوه عصاماً لهم في الفرائض التي هي من أعظم مقاصد هذه السورة، يربطهم ويضبطهم عن أن يضلوا بعد الهدى، ويرجعوا من الاسبتصار إلى العمى، لأن العصام هو الرابط للوعاء أن يخرج شيء مما فيه، وصيغة الافتعال تدل على الاجتهاد في ذلك، لأن النفس داعية إلى الإهمال المنتج للضلال {فسيدخلهم} أي بوعد لا خلف فيه، ولعل السين ذكرت لتفيد

مع تحقيق الوعد الحثَّ على المثابرة والمداومة على العمل إشارة إلى عزة ما عنده سبحانه {في رحمة منه} أي ثواب عظيم هو برحمته لهم، لا بشيء استوجبوه، وأشار إلى البر على ما تقتضيه أعمالهم لو كانت لهم بقوله: {وفضل} أي عظيم يعلمون أنه زيادة، لا سبب لهم فيها {ويهديهم} أي في الدنيا والآخرة {إليه صراطاً} أي عظيماً واضحاً جداً {مستقيماً *} أي هو مرشد قومه، كأنه طالب لتقويم نفسه، فهو يوصلهم لا محالة إلى وعده بما يحفظهم في سرهم وعلنهم، يستجلي أنوار عالم القدس في أرواحهم وتوفيقهم لاتباع ما هدت إليه من أمر الفرائض وغيرها، فقد أتى - كما ترى - بأما المقتضية للتقسيم لا محالة، وأتى بأحد القسمين المذكورين في الآية التي قبلها، ووصفهم بالاعتصام بالله في النصرة وقبول جميع أحكامه في الفرائض غيرها، وافقت أهويتهم أو خالفتها، تعريضاً للمنافقين الذين والوا غيرهم، وبالكافرين الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وترك القسم الآخر وهو قسم المستنكفين والمستكبرين، ووضع موضعه حكماً من أحكام الفرائض المفتتح بها السورة التي هي من أعظم مقاصدها من غير حرف عطف، بل بكمال الاتصال، فقال منكراً عليهم تكرير السؤال

عن النساء والأطفال بعد شافي المقال، مبيناً أنه قد هدى في ذلك كله أقوم طريق: {يستفتونك} أي يسألونك أن تفتيهم، أي أن تبين لهم بما عندك من الكرم والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة، وللاعتناء بامر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره: {قل الله} أي الملك الأعظم {يفتيكم في الكلالة} وهو من لا ولد له؛ ولا والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ، وقال الأصبهاني عن الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة، فقال أبو بكر: هو ما عدا الوالد، وقال عمر: ما عدا الوالد والولد، ثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه؛ ثم استأنف قوله: {إن امرؤ هلك} أي وهو موصوف بأنه، أو حال كونه {ليس له ولد} أي وإن سفل سواء كان ذكراً أو أنثى عند إرث النصف، وليس له أيضاً والد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة؛ قال الأصبهاني: وليسا بأول حكمين بُينَ أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر، والأب أولى من الأخ»

{و} الحال أنه {له أخت} أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا، لأنه سيأتي أن أخاها يعصبها، فلو كان ولد أم لم يعصب {فلها نصف ما ترك وهو} أي وهذا الأخ الميت {يرثها} أي إن ماتت هي وبقي هو، جميع مالها {إن لم يكن لها ولد} أي ذكراً كان أو أنثى - كما مر في عكسه، هذا إن أريد بالإرث جميع المال، وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضاً ترث مع الأنثى - كما يرشد إليه السياق أيضاً - دون النصف. ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع، وقدم أقله فقال: {فإن كانتا} أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما؛ ولما أضمر ما دل عليه السياق، وكان الخبر صالحاً لأن يكون: صالحتين، أو صغيرتين، أو غير ذلك؛ بين أن المراد - كما يرشد إليه السياق أيضاً - مطلق العدد على أي وصف اتفق فقال: {اثنتين} أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا {فلهما الثلثان مما ترك} فإن كانت شقيقتين كان لكل منهما ثلث، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين. ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال: {وإن كانوا} أي

الوارث {إخوة} أي مختلطين {رجالاً ونساء فللذكر} أي منهم {مثل حظ الأنثيين} وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الأخوة لأب، فتم بذلك جميع أحوال ما أراد من الإرث، وهو على وجازته كما ترى - يحتمل مجلدات - والله الهادي، ووضع هذه الآية هنا - كما تقدم - إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن بجميع ما عداه من الأحكام، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر حقاً، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام، الحاسدين لكم عليها، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال النكاح بقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} [النساء: 26] وقوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} [النساء: 27] ثم المصرح بهم في قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم} [النساء: 44] ولذلك - والله أعلم - ختم هذه الآية بقوله: {يبين الله} أي الذي

أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {لكم} أي ولم يكلكم في هذا البيان إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً: {أن} أي كراهة أن {تضلوا والله} أي الذي له الكمال كله {بكل شيء عليم *} أي فقد بين لكم بعلمه ما يصلحكم بيانه محياًَ ومماتاً دنيا وأخرى، حتى جعلكم على المحجة البيضاء في مثل ضوء النهار، لا يزيغ عنها منكم إلا هالك، والحاصل أن تأخير هذه الآية إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئاً فشيئاً باللطف والتدريج أدعى لقبوله، وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها، والتخويف من أن يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال أهل الكتاب لهم بإلقاء الشبهة وأخذهم من الموضع الذي تهواه نفوسهم ومضت عليه أوائلهم، وأشربته قلوهبم، والترهيب من أن يكونوا مثلهم في افيمان ببعض والكفر ببعض، فيؤديهم ذلك إلى إكمال الكفر، لأن الدين لا يتجزأ، بل من كفر بشيء منه كفر به جميعه، ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها، لأن أولها مشير إلى أن الناس كلهم كشيء واحد، وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما شرعه الله، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء

والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام وإن اختلفت الأنصباء، فكأنه قيل: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر - ولو عن حكم من أحكامه - فسيجازيه يوم الحشر، ولا يجد له من دون الله ناصراً؛ ولا يخفى عليه شيء من حاله، وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما دل عليه أولها من تمام القدرة، فكان آخرها دليلاً على أولها لأن تمام العلم مستلزم لشمول القدرة، قال الإمام: وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت الربوية والإلهية والجلال والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعاًَ للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف - انتهى. ولختام أول آية فيها بقوله: {إن الله كان عليكم رقيباً} [النساء: 1] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها عليم، فلا تظنوا أنه يخفى عليه شيء وإن دقَّ، فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له، وذلك أشد شيء مناسبة لأول المائدة - والله الموفق بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المائدة

مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب، ودل عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكراً لنعمه واستدفاعاً لنقمة، وقصة المائدة أدل ما فيها على ذلك، فإن مضمونها أن من زاغ عن

الطمأنينة بعد الكشف الشافي والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب، وتسميتها بالعقود أوضح دليل على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار. {بسم الله} أي الذي تمت كلماته فصدقت وعوده وعمت مكرماته {الرحمن} الذي عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه وحقوق مخلوقاته {الرحيم} الذي نظر إلى القلوب فثبت منها على الصدق ما جبّله على التخلق بصفاته. لما أخبر تعالى في آخر سورة النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] ، واستمر تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم، ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذي اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي جلُّ مبناه القلب الذي هو عيب، فقال مشيراً إلى أن الناس الذين خوطبوا أو تلك الأهلوا لأول أسنان الإيمان ووصفوا بما هم محتاجون إليه، وتخصيصهم مشير إلى أن من فوقهم من الأسنان عنده من الرسوخ ما يغنيه عن الحمل بالأمر، وذلك أبعث له على التدبر والأمتثال:

{يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {أوفوا} أي صدقوا ذلك بأن توفوا {بالعقود} أي العهود الموثقة المحكمة وهي تعم جميع أحكامه سبحانه فيما أحل أو حرم أو ندب على سبيل الفرض أو غيره، التي من جملتها الفرائض التي افتتحها بلفظ الإيصاء الذي هو من أعظم العهود، وتعم سائر ما بين الناس من ذلك، حتى ما كان في الجاهلية من عقد يدعو إلى بر، وأما غير ذلك فليس بعقد، بل حل بيد الشرع القوية، تذكيراً بما أشار إليه قوله تعالى في حق أولئك {اذكروا نعمتي وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} [البقرة: 40] وإخباراً لهم بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك، فقال على سبيل التعليل مشيراً إلى أن المقصود من النعمة كونها، لا بقيد فاعل مخصوص، وإلى أن المخاطبين يعلمون أنه لا منعم غيره سبحانه: {أحلت لكم} والإحلال من أجل العقود {بهيمة} وبينها بقوله: {الأنعام} أي أوفوا لأنه أحلّ لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفاً بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم من الإبل والبقر والغنم بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وغير ذلك من شأنها، فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا، فيحرم عليكم ما حرم عليهم، ويعد لكم من العقاب ما أعد لهم، ولا تعترضوا على نبيكم، ولا تتعنتوا كما اعترضوا وتعنتوا، فإن ربكم

لا يسأل عما يفعل، وسيأتي في قوله: {لا تسئلوا عن أشياء} [المائدة: 101] ما يؤيد هذا. ولما كانوا ربما فهموا من هذا الإحلال ما ألفوا من الميتات ونحوها قال مستثنياً من نفس البهيمة، وهي في الأصل كل حي لا يميز، مخبراً أن من أعظم العقود ما قدم تحريمه من ذلك في البقرة: {إلا ما يتلى عليكم} أي في بهيمة الأنعام أنه محرم، فإنه لم يحل لكم، ونصب {غير محلي الصيد} على الحال أدل دليل على أن هذا السياق. وإن كان صريحه مذكراً بالنعمة لتشكر - فهو مشار به إلى التهديد إن كُفِرَت، أي أحل لكم ذلك في هذه الحال، فإن تركتموها انتفى الإحلال، وهذه مشيرة إلى تكذيب من حرم من ذلك ما أشير إليه بقوله تعالى في التي قبلها حكاية عن الشيطان {ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} [النساء: 119] من السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه ديناً، وفصّلو فيه تفاصيل - كما سيأتي صريحاً في آخر هذه السورة بقوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] الآية، وكذا في آخر الأنعام، وفي الأمر بالوفاء بالعقود بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية التحذير من تعمد الإخلال بشيء من ذلك وإن دق، وفي افتتاح هذه المسماة بالمائدة بذكر الأطعمة عقب سورة النساء - التي من أعظم مقاصدها النكاح والإرث،

المتضمن للموت المشروع فيهما الولائم والمآتم. أتم مناسبة، وقال ابن الزبير: لما بين تعالى حال أهل الصراط المستقيم، ومن تنكب عن نهجهم، ومآل الفريقين من المغضوب عليهم والضالين، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه خلاصهم أخذاً وتركاً، وجعل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة رضي الله عنه في قوله: «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم والشهادة سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له» قلت: وهذا الحديث أخرجه البزار عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم» فذكره، وصحح الدارقطني وقفه، ورواه أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قالك «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» الإسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له: شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهي الملة، والثانية: الصلاة وهي الفطرة، والثالثة: الزكاة وهي الطهور، والرابعة: الصوم وهي الجنة، والخامسة: الحج وهي الشريعة، والسادسة: الجهاد وهي الغزوة، والسابعة: الأمر بالمعروف

وهو الوفاء والثامنة: النهي عن المنكر وهي الحجة، والتاسعة: الجماعة وهي الألفة، والعاشرة: الطاعة وهي العصمة « وفي سنده من ينظر في حاله؛ قال ابن الزبير: وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بني الإسلام على خمس» أي في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر وغيره واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» قال ابن الزبير: وقد تحصلت - أي الأسهم الثمانية والدعائم الخمس - فيما مضى، وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه، وأن ذلك ببغيهم وعداوتهم ونتقضهم العهود {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} [المائدة: 13] وكان النقض كل مخالفة، قال الله تعالى لعباده المؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود، فحذر المؤمنين - انتهى. والمراد بالأنعام الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام وما شابهها من حيوان البر، ولكون الصيد مراد الدخول في بهيمة الأنعام استثنى بعض أحواله فقال: {وأنتم حرم} أي أحلت البهيمة مطلقاً إلا ما يتلى عليكم

من ميتاتها وغيرها في غير حال الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو دخول الحرم، وأما في حال الإحرام فلا يحل الصيد أكلاً ولا فعلاً. ولما كان مدار هذه السنة على الزجر والإحجام عن أشياء اشتد ألفهم لها والتفاتهم إليها، وعظمت فيها رغباتهم من الميتات وما معها، والأزلام والذبح على النصب، وأخذ الإنسان بجريمة الغير، والفساد في الأرض، والسرقة والخمر والسوائب والبحائر - إلى غير ذلك؛ ذكّر في أولها بالعهود التي عقدوها على أنفسهم ليلة العقبة حين تواثقوا على الإسلام من السمع والطاعة في المنشط والمكر والعسر واليسر فيما أحبوا وكرهوا، وختم الآية بقوله معللاً: {إن الله} أي ملك الملوك {يحكم ما يريد *} أي من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق كالأنعام، وفي حال دون حال كما شابهها من الصيد، فلا يسأل عن تخصيص ولا عن تفضيل ولا غيره، فما فهمتم حكمته فذاك، وما لا فكلوه إليه، وارغبوا في أن يلهمكم حكمته؛ قال الإمام - وهذا هو الذي يقوله أصحابنا -: إن علة حسن التكليف هو الربوبية والعبودية، لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصلحة.

2

ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه، ولما كان منه ما نهى عن التعرض له لا مطلقاً، بل ما يبلغ محله، بدأ به

لكونه في ذلك كالصيد، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه بالإحرام، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان، فقال مكرراً لندائهم تنويهاً بشأنهم وتنبيهاً لعزائمهم وتذكيراً لهم بما ألزموه أنفسهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي دخلوا في هذا الدين طائعين {لا تحلو شعائر الله} أي معالم حج بيت الملك الأعظم الحرام، أو حدوده في جميع الدين، وشعائر الحج أدخل في ذلك، والاصطياد أولاها. ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقاً، أتبعه ما عممه في الزمان فقال: {ولا الشهر الحرام} أي فإن ذلك لم يزل معاقداً على احترامه في الجاهلية والإسلام، ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في الحرمة سواء. ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال: {ولا الهدي} وخص منه أشرفه فقال: {ولا القلائد} أي صاحب القلائد من الهدي، وعبر بها مبالغة في تحريمه؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقّى الخطاب إلى من قصده من العقلاء، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حامٍ له وزاجر عنه، مع ما زاد به من شرف العقل فقال: {ولا آمين} أي ولا تحلوا التعرض لناس قاصدين {البيت الحرام} لأن من قصد بيت الملك كان محترماً باحترام ما قصده.

ولما كان المراد القصد بالزيارة بقوله: {يبتغون} أي حال كونهم يطلبون على سبيل الاجتهاد {فضلاً من ربهم} أي المحسن إليهم شكراً لإحسانه، بأن يثيبهم على ذلك، لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلاً؛ ولما كان الثواب قد يكون مع السخط قال: {ورضواناً} وهذا ظاهر في المسلم، ويجوز أن يراد به أيضاً الكافر، لأن قصده البيت الحرام على هذا الوجه يرق قلبه فيهيئه للإسلام، وعلى هذا فهي منسوخة. ولما كان التقدير: فإن لم يكونوا كذلك. أي في أصل القصد ولا في وصفه - فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرماً، والصيد حلال لكم، عطف عليه التصريح بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال: {وإذا حللتم} أي من الإحرام بقضاء المناسك والإحصار {فاصطادوا} وترك الشهر الحرام إذ كان الحرام فيه حراماً في غيره، وإنما صرح به تنويهاً بقدره وتعظيماً لحرمته، ثم أكد تحريم قاصد المسجد الحرام وإن كان كافراً، وإن كان على سبيل المجازاة بقوله: {ولا يجرمنكم} أي يحملنكم {شنئان قوم} أي شدة بغضهم. ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال: {إن} على سبيل الاشتراط الذي يفهم تعبير الحكم به أنه سيقع، هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو،

والتقدير في قراءة الباقين بالفتح: لأجل أن {صدوكم} أي في عام الحديبية أو غيره {عن المسجد الحرام} أي على {أن تعتدوا} أي يشتد عدوكم عليهم بأن تصدوهم عنه أو بغير ذلك، فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه فيه حدود الشرع إلا وقوفاً عند حدوده، وهذا قبل نزول {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] سنة تسع. ولما نهاهم عن ذلك، وكان الانتهاء عن الحظوظ شديداً على النفوس، وكان لذلك لا بد في الغالب من منتهٍ وآبٍ، أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: {وتعاونوا على البر} وهو ما اتسع وطاب من حلال الخير {والتقوى} وهي كل ما يحمل على الخوف من الله، فإنه الحامل على البر، فإن كان منكم من اعتدى فتعاونوا على رده، وإلا فازدادوا بالمعاونة خيراً. ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيهاً على الملازمة في المعاونة على الخير، ناهياً أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب إلا إذا كان الغضب له داعياً إلى بر وتقوى: {ولا تعانوا على الإثم} أي الذنب الذي يستلزم الضيق {والعدوان} أي المبالغة في مجاوزة الحدود والانتقام والتشفي وغير ذلك وكرر الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة على كل خير فقال: {واتقوا} أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا شيئاً من حدوده؛ ولما كان

كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ وتبريد غلة الاحن في غاية العسر، ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم {شديد العقاب} .

3

ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما، فهذب النفوس بالنهي عن حظوظها، وأمر بعد تخليتها عن كل شر بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقاً إلا في حال الضرورة فقا: {حرمت} بانياً الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله، وإشعاراًَ بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها كأنها محرمة بنفسها {عليكم الميتة} وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر، والدين بما يعلمه أهل البصائر {والدم} أي المسفوح، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق {ولحم الخنزير} خصة بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارة أكله كالدين {وما أهل} ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر، قدم المفعول له فقال: {لغير الله} أي الملك الأعلى {به} أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء، والإهلاك: رفع الصوت. ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره، نص عليه

فقال: {والمنخنقة} أي بحبل ونحوه، سواء خنقها أو لا {والموقوذة} أي المضروبة بمثقل، من: وقذه - إذا ضربه {والمتردية} أي الساقطة من عال، المضطربة غالباً في سقوطها {والنطيحة} أي التي نطحها فماتت {وما أكل السبع} أي كالذئب والنسر ونحوهما. ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى، استثنى فقال: {إلا ما ذكيتم} أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها تديناً وإن لم يذكر اسم شيء عليها فقال: {ما ذبح على النصب} وهو واحد الأنصاب، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب، فيهل عليها ويذبح عندها تقرباً إليها وتعظيماً لها {وأن تستقسموا} أي تطلبوا على ما قسم لكم {بالأزلام} أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها بوزن قلم وعمر وكانت ثلاثة، على واحد: أمرني ربي، وعلى آخر: نهاني ربي، والآخر غفل، فإن خرج الآمر فعل، أو الناهي ترك، أو الغفل أجيلت ثانية، فهو دخول في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه، وإن أراد المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح وقال

صاحب كتاب الزينة: يقال: إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط، وكانت بيد السادن، مكتوب عليها «نعم» «لا» «منكم» «من غيركم» «ملصق» «العقل» «فضل العقل» فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم، ثم قالوا للصنم: يا إلهنا! قد تمارينا في نسب فلان، فأخرج علينا الحق فيه، فتجال القداح فإن خرج القدح الذي عليه «منكم» كان أوسطهم نسباً، وإن خرج الذي عليه «من غيركم» كان حليفاً وإن خرج «ملصق» كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، وإذا أرادوا سفراً أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! أردنا كذا، فإن خرج «نعم» فعلوا، وإن خرج «لا» لم يفعلوا، وإن جنى أحدهم جناية، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا: يا إلهنا! فلان جنى عليه، أخرج الحق، فإن خرج القدح الذي عليه «العقل» لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل، وكانوا إذا عقلوا العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله، فضربوا عليه؛ فإن خرج القدح الذي عليه «فضل العقل» للذي ضرب عليه لزمه، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون

ذلك منها، ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم، وأما إجالة السهام لا على هذا الوجه فهو جائز، هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو عبيدة: واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء، وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ريش له ولا نصل، فإذا كان مريَّشاً فهو السهم - والله أعلم؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة، فتكون على شعبة جاهلية، ثم إياك! . ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال: {ذلكم} أي الذي ذكرت لكم تحريمه {فسق} أي فعله خروج من الدين. ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] {الشهر الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] {واقتلوهم حيث

ثقفتموهم} [البقرة: 191] علم أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن من الفوت، وذلك لا يكون إلا من تمام القدرة، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه، وتمكنت فيه عزائمه وهممه، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه، ولا مطمع لمخالفه فيه، فعقب سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل: {اليوم} أي وقت نزول هذه الآية {يئس الذين كفروا} أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فهي أو لا {من دينكم} أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم أو التستر من أحد منهم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة، وأعزكم بعد الذلة، وأحيى بكم منار الشرع، وطمس معالم شرع الجهل، وهدّ منار الضلال، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت قواهم، وماتت هممهم، وذلت نخوتهم، وضعفت عزائمهم، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره، وعلت في المجامع منابره، وضرب محرابه، وبرّك بقواعده وأركانه، ولهذا سبب

عما مضى قوله: {فلا تخشوهم} أي أصلاً {واخشون} أي وامحضوا الخشية لي وحدي، فإن دينكم قد أكمل بدره، وجل عن المحلق محله وقدره، ورضي به الآمر، ومكنه على رغم أنف الأعداء. وهو قادر على ذلك، وذلك قوله تعالى مسوقاً مساق التعليل: {اليوم أكملت لكم دينكم} أي الذي أرسلت إليكم به أكمل خلقي لتدينوا به وتدانوا، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع، نصاً على البعض، وبياناً لطريق القياس في الباقي، وذلك بيان لجميع الأحكام، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملاً لكنه بغير هذا المعنى، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء، فيكون به كاملاً أيضاً وأكمل مما مضى، وهكذا إلى هذه النهاية، وكان هذا هو المراد من قوله: {وأتممت عليكم نعمتي} أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل، ليظهر بهم الدين، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود {ورضيت لكم الإسلام} أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن يتبع الإذعان لها الإذعان لكل طاعة {ديناً} تتجازون به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم؛

روى البخاري في المغازي وغيره، ومسلم في آخر الكتاب، والترمذي في التفسير، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم} فقال عمر رضي الله عنه: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة» وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب «قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أنزلت» وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده، قلت: ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى، فكانت تلك الساعة من ذلك اليوم تماماً ابتداء، وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: «لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا كمل

فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: صدقت!» فكانت هذه الآية نعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً وقد روي أنه كان هجيري النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو - الآية، وكأن ذلك كان جواباً منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذه الآية، لفهمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن إنزال آية سر الإسلام وأعظمه وأكمله، وهذه الآية من المعجزات، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع. ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات، فقال مسبباً عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين: {فمن اضطر} أي ألجىء إلجاء عظيماً - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه {في مخمصة} أي مجاعة عظيمة {غير متجانف} أي متعمد ميلاً {لإثم} أي بالأكل على غير سد الرمق، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه

بضرب قهر، وزاد بعد هذا التقييد تخويفاً بقوله: {فإن الله} أي الذي له الكمال كله {غفور رحيم *} أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه ويكرمه، بأن يوسع عليه من فضله، ولا يضطره مرة أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام.

4

ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة، وختم ذلك بهذه الرخصة، «وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر بقتل الكلاب» وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب، وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالاً مطلقاً لا بقيد الرخصة، إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتل الكلاب، فقال الناس: يا رسول الله! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى: {يسئلونك} » . ولما كان هذا إخباراً عن غائب قال: {ماذا أحل لهم} دون «لنا» قال الواحدي: أي من إمساك الكلاب وأكل الصيود وغيرها، أي من المطاعم، ثم قال الواحدي: رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، وذكر المفسرون شرح هذه القصة، قال: قال أبو رافع رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستأذن عليه، فأذن له فلم يدخلن فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: قد أذنا

لك! قال: أجل يا رسول الله! ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب، فنظر فإذا في بعض بيوتهم جرو، قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلا قتلته، حتى بلغت العوالي فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته، فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فلما أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمر الكلاب جاء أناس فقالوا: يا رسول الله! ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله هذه الآية فلما نزلت أذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه، وأمر بقتل الكلاب الكلب والعقور ما يضر ويؤذي، ورفع القتل عما سواها مما لا ضر فيه، وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين رضي الله عنهما، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد الخير، وذلك أنهما جاءا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالا: «يا رسول الله! إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل درع وآل أبي حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما يقتل فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله

الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يسئلونك} الآية {الطيبات} يعني الذبائح، و {الجوارح} الكواسب من الكلاب وسباع الطير» انتهى. فإذا أريد كون الكلام على وجه يعم قيل: {قل} لهم في جواب من سأل {أحل} وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين {لكم الطيبات} أي الكاملة الطيب، فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا تقذر، من ذوي الطباع السليمة مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة وما معها، وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم {وما} وهو على حذف مضاف للعلم به، فالمعنى: وصيد ما {علمتم من الجوارح} أي التي من شأنها أن تجرح، أو تكون سبباً للجرح وهو الذبح، أو من الجرح بمعنى الكسب {ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: 60] وهو كواسب الصيد من السباع والطير، فأحل إمساكها للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم، قال الشافعي: والكلب لا يصير معلماً إلا عند أمور: إذا أشلى استشلى، وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل، وإذا دعي أجاب، وإذا أراده لم يفر منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم، ولم يذكر حداً

لأن الاسم إذا لم يكن معلوماً من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف، وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم، لأن التأديب فيها أكثر فقال: {مكلبين} أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ذلك، قالوا: وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريراً في علمه موصوفاً به، وأكد ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال: {تعلمونهن} وحوشاً كنَّ أو طيوراً {مما علمكم الله} أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب، فأفاد ذلك أن على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النجارين إبهامه! ثم سبب عن ذلك قوله: {فكلوا} . ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال: {مما أمسكن} أي الجوارح مستقراً إمساكها {عليكم} أي على تعليمكم، لا على جبلتها وطبيتعها دون تعليمكم، وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل إدراك ذكاته، وأما ما أمسك الجارح على أي مستقراً على جبلته وطبعه، ناظراً فيه إلى نفاسه نفسه فلا يحل {واذكروا اسم الله} أي الذي له كل شيء ولا كفوء له {عليه} أي على ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ذكاته، لتخالفوا سنة الجاهلية

وتأخذوه من مالكه، وقد صارت نسبة هذه الجملة. كما ترى. إلى {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه، وإلى مفهوم غير محلي الصيد وانتم حرم نسبة الشرح. ولما كان تعليم الجوارح أمراً خارجاً عن العادة في نفسه وإن كان قد كثر، حتى صار مألوفاً، وكان الصيد بها أمراً تُعجب شرعته وتهز النفوس كيفيتُه، ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار الاستحقاق من الثواب والعقاب، فقال محذراً من إهمال شيء مما رسمه: {واتقوا} أي حاسبوا أنفسكم واتقوا {الله} أي عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء فيما أدركتم ذكاته وما لم تدركوها، وما أمسكه الجارح عليكم وما أمسكه على نفسه - إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من غلبت عليه مهابة الله واستشعر خوفه، فاتقاه فيما أحل وما حرم، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الجامع لمجامع العظمة {سريع الحساب *} أي عالم بكل شيء وقادر عليه في كل وقت، فهو قادر على كل جزاء يريده، لا يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن شأن.

5

ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح المشركات، والمنافرة لجميع أصناف الكفار، وبيان بغضهم وعداوتهم، والحث على طردهم ومنابذتهم {هآ أنتم أولاء تحبونهم} [آل عمران: 119] ونحوها لضعف الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى

إظهار الفظاظة والغلظة لهم لتعظيم دين الله، حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق. كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة، وكان الدين وصل عند نزولها من العظمة إلى حد لا يحتاج في إلى تعظيم معظم، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بهان وسبق في الأزل علمها، فكانت الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن وسّع الأمر بحل طعامهم ونسائهم، فقال تعالى مكرراً ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات، تنبيهاً على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة، وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة، فقال معيداً لصدر الآية التي قبلها إعلاماً بعظم النعمة فيه، ومفيداً بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به الثبات، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول: {اليوم} . ولما كان القصد إنما هو الحل، لا كونه من محل معين، مع أن المخاطبين بهذه الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله، بني الفعل للمجهول فقال: {أحل} أي ثبت الإحلال فلا ينسخ أبداً {لكم} أي أيها المؤمنون {الطيبات} أي التي تقدم في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع، فهي الكاملة في الطيب.

ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال: {وطعام الذين} ولما كان سبب الحل الكتاب، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض، بني الفعل للمجهول فقال: {أوتوا الكتاب} أي مما يصنعونه أو يذبحونه، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره وإن كان المقصود المذبوح، لا غيره، ولا يتخلف حاله من كتابي ولا غيره تصريحاً بالمقصود {حل لكم} أي تناوله لحاجتكم، أي مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية، ولما كان هذا مشعراً بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيداً بقوله: {وطعامكم حل لهم} أي فلا عليكم في بذله لهم ولا عليهم في تناوله. ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم وغيرها، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد الحاجة إلى المطاعم، وكانت المطاعم حلالاً من الجانبين والمناكح من جانب واحد قال: {والمحصنات} أي الحرائر {من المؤمنات} ثم أكد الإشارة إلى إقرار أهل الكتاب فقال: {والمحصنات} أي الحرائر {من الذين أوتوا الكتاب} وبني الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به غرض. ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق الزمن الماضي، أثبت الجار فقال: {من قبلكم} أي وهم اليهود والنصارى، وعبر عن العقد بالصداق

للملابسة فقال مخرجاً للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق، لأنها لا تملكه بل يعطاه سيدها: {إذا آتيتموهن أجورهن} أي عقدتم لهن، ودل مساق الشرط على تأكد وجوب الصداق، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء، كان في صورة الزاني، وورد فيه حديث، وتسميته بالأجر تدل على أنه لا حد لأقله. ولما كان المراد بالأجر المهر، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه الزانية أيضاً، بينه بقوله: {محصنين} أي قاصدين الإعفاف والعفاف {غير مسافحين} أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهاراً {ولا متخذي أخذان} أي صدائق لذلك في السر، جمع خدن، وهو يقع على الذكر والأنثى، فكانت هذه الآية مخصصة لقوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وصرح هنا بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في النساء {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] وقوله {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] ولعل

ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب الصفات البشرية، وأخلد إلى مجرد الحيوانية، فصار في عداد البهائم، بل أدنى، مع أن التعليق بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده، بل الحل من باب الأولى، لأن من حكم مشروعية النكاح الإعفاف، فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى، لأن زناها إما لشهوة أو حاجة، وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه. والله أعلم. ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة، وكانت الفتنة - وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين. لم تنزل عن درجة الإمكان، وكانت الصلاة تسمى إيماناً لأنها من أعظم شرائعه {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي صلاتكم، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» وله في الأوسط أيضاً بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر «وكانت مخالطة الأزواج مظنة للتكاسل عنها، ولهذا أنزلت آية {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238]

كما مضى بالمحل الذي هي به، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى منفرداً من نكاحهن بعد إحلاله، إشارة إلى أن الورع ابتعد عنه، امتثالاً للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو إلى المتابعة، أو يحصل ولد، فتستميله لدينها: {ومن} أي أحل لكم ذلك والحال أنه من {يكفر} أي يوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به والاستمرار عليه إلى الموت {بالإيمان} أي بسبب التصديق القلبي بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب، الذي منه حل الكتابيات، فيدعوه ذلك إلى نكاحهن، فتحمله الخلطة على اتباع دينهن، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر بالصلاة التي يلزم من الكفر بها الكفر به، فإطلاقه عليها تعظيم لها {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي صلاتكم {فقد حبط} أي فسد {عمله} أي إذا اتصل ذلك بالموت بدليل قوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} والآية من أدلة إمانا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز، ومما يؤيد ذلك أن في السفر الثاني من التوراة: لا تعاهدن سكان الأرض لكيلا تضلوا

بأوثانهم، وتذبحوا لآلهتهم، أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم، وتزوج بنيك من بناتهم وبناتك من بنيهم، فتضل بناتك خلف آلهتهم ويضل بنوك بآلهتهم، وقال في الخامس منها: وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي تدخلونها لترثوها، وأهلك شعوباً كثيرة من بين أيديكم: حتانيين وجرجسانيين وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين وحاوانيين ويابسانيين. سبعة شعوب أكثر وأقوى منكم، ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم وحرموهم ولا تعاهدوهم عهداً ولا ترحموهم، وتحاشوهم ولا تزوجوا بناتكم من بنيهم، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى، ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم سريعاً، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع: استأصلوا مذابحهم، وكسروا أنصابهم، وحطموا أصنامهم المصبوغة، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة، لأنكم شعب طاهر لله ربكم - انتهى. وإذا تأملت جميع ذلك، وأمعنت فيه النظر لاح لك سرُّ تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا تعصى فتؤمن ولا تكفر، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز

مع شرف التذكير بما أفاضه من شرف جليل الأيادي، فافتتح هذه السورة بالأمر بالوفاء بحق الربوبية، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه، وقدم المطعم لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح، فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد الربوبية فضلاً منه، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية، وقدم منه الصلاة لأنها أشرفه بعد الإيمان، وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا به! صدقوه بأنكم {إذا} عبر بأداة التحقيق بشارة بأن الأمة مطيعة {قمتم} أي بالقوة، وهي العزم الثابت على القيام الذي هو سبب القيام {إلى الصلاة} أي جنسها محدثين، لما بينه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجمعه بعده صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل، وخصت الصلاة ومس المصحف من بين الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفاً لهما ويزيد حمل الإيمان على الصلاة حسناً تقدم قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] الثابت أنها نزلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد عصر يوم عرفة والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ناقته يخطب، وكان من خطبته في ذلك الوقت أو في يوم النحر أو في كليهما: «ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» رواه أحمد ومسلم في صفة القيامة

والترمذي عن جابر رضي الله عنه، فقوله «المصلون» إشارة إلى أن الماحي للشرك هو الصلاة، فما دامت قائمة فهو زائل، ومتى زالت والعياذ بالله - رجع، وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن جابر رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:» بين العبد والكفر ترك الصلاة «وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة رضي الله عنه» أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» ولأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة «. ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالاً، صرح به هنا على سبيل الأمر وفصله، فقال مجيباً للشرط إعلاماً بأن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة، لأن المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند عدم الشرط: {فاغسلوا} أي لأجل إرادة الصلاة، ومن هنا يعلم وجوب النية، لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصوداً، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية {وجوهكم} وحدّ الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولاً وما بين الأذنين عرضاً، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذاً من المواجهة، لأنه من الحرج،

وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه بظاهر اللحية، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب {وأيديكم} . ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ورؤوس الأصابع، قال مبيناً إن ابتداء الغسل يكون من الكفين، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم: {إلى المرافق} أي آخرها، أخذاً من بيان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفعله، فإنه كان يدير الماء على مرفقيه، وإنما كان الاعتماد على البيان لأن الغاية تارة تدل كقوله تعالى {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] وتارة لا تدخل كقوله تعالى {ثم أتموا الصيام إلى اللّيل} [البقرة: 187] والمرفق ملتقى العظمين، وعفي عما فوق ذلك تخفيفاً {وامسحوا} ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس، فلم يفعل كما فعل في الغسل مع الوجه، بل أتى بالباء فقال: {برءوسكم} علم أن المراد إيجاد ما يسمى مسحاً في أي موضع كان من الرأس، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف: المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح. ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأموراً بالاقتصاد فيه، وكان المسح على الخف سائغاً كافياً، قرىء: {وأرجلكم} بالجر على المجاورة إشارة إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب،

قال في القاموس: المسح كالمنع: إمرار اليد على الشيء السائل. فيكون في ذلك إشارة أيضاً إلى استحباب الدلك، والقرينة الدالة على استعمال هذا المشترك في أحد المعنيين قراءة النصب وبيان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومر استعماله فيه وفيه الإشارة إلى الرفق بالنصب على الأصل. ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب من الأسفل إلى آخرها، خص بقوله دالاً بالغاية على أن المراد الغسل - كما مضى في المرافق، لأن المسح لم يرد فيه غاية في الشريعة وعلى أن ابتداء الغسل يكون من رؤوس الأصابع، لأن القدم بعظم نفعه أولى باسم الرجل: {إلى الكعبين} وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، وثنى إشارة إلى أن لكل رجل كعبين، ولو قيل: إلى الكعاب، لفهم أن الواجب كعب واحد من كل رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة الجمع بالجمع من حرف الميم من قواعده، والفصل بالمسح بين المغسولات معلم بوجوب الترتيب، لأن عادة العرب - كما نقله الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب عن الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك إلاّ للإعلام بالترتيب، وقال غيره معللاً لما ألزمته العرب: ترك التمييز بين النوعين بذكر كل منهما على حدته مستهجن في الكلام البليغ لغير فائدة، فوجب تنزيه كلام الله

عنه أيضاً، فدلالة الآية على وجوب البداءة بالوجه مما لا مدفع له لترتيبها له بالحراسة على الشرط بالفاء، وذلك مقتضٍ لوجوب الترتيب في الباقي إذ لا قائل بالوجوب بالبعض دون البعض، ولعل تكرير الأمر بالغسل والتيمم للاهتمام بهما، وللتذكير بالنعمة في التوسعة بالتيمم، وأن حكمه باقٍ عند أمنهم وسعتهم كراهة أن يظن أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم وضيق التبسط في الأرض، لظهور الكفار وغلبتهم، كما كان المتعة تباح تارة وتمنع أخرى نظراً إلى الحاجة وفقدها، وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة، والإعلام بأنه لم يُرد به ولا بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج، وإنما أراد طهارة الباطن والظاهر من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة، فقال تعالى معبراً بأداة الشك إشارة إلى أنه قد يقع وقد لا يقع وهو نادر على تقدير وقوعه، عاطفاً على ما تقديره: هذا إن كنتم محدثين حدثاً أصغر: {وإن كنتم} أي حال القصد للصلاة {جنباً} أي ممنين باحتلام أو غيره {فاطهروا} أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر لجميع البدن، لأنه أطلق ولم يخص ببعض الأعضاء كما في الوضوء. ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل والوضوء، وبدأ بالوضوء لعمومه، ذكر الطهارة رخصة بالتراب، فقال معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن الرخاء أكثر من الشدة: {وإن كنتم مرضى} أي

بجراح أو غيره، فلم تجدوا ماء حساً أو معنى بعدم القدرة على استعماله وأنتم جنب {أو على سفر} طويل أو قصير كذلك، ولما ذكر الأكبر أتبعه الأصغر فقال {أو جاء أحد منكم} وهو غير جنب {من الغائط} أي الموضع المطمئن من الأرض وهو أي مكان التخلي، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له منها، وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكِّرة له بشديد عجزه وعظيم ضرورته وفقره ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره. كما ورد أن بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما يعم الأكبر فقال: {أو لامستم النساء} أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا {فلم تجدوا ماء} أي حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره {فتيمموا} أي اقصدوا قصداً متعمداً {صعيداً} أي تراباً {طيباً} أي طهوراً خالصاً {فامسحوا} .

ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته، قصَّر الفعل وعدَّاه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة، وبينت السنة أن المراد جميع العضو، فقال: {بوجوهكم وأيديكم منه} أي حال النية التي هي القصد الذي هو التيمم، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه الرخصة فقال مستأنفاً: {ما يريد الله} أي الغنى الغنى المطلق {ليجعل عليكم} وأغرق في النفي بقوله: {من حرج} أي ضيق علماً منه بضعفكم، فسهل عليكم ما كان عسره على من كان قبلكم، وإكراماً لكم لأجل نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم {ولكن يريد ليطهركم} أي ظاهراً وباطناً بالماء والتراب وامتثال الأمر على ما شرعه سبحانه، عقلتم معناه أو لا، مع تسهيل الأوامر والنواهي لكيلا يوقعكم التشديد في المعصية التي هي رجس الباطن {وليتم نعمته} أي في التخفيف في العزائم ثم في الرخص، وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال {عليكم} لأجل تسهيلها، ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر مقطوعاً به، إلا لمن لج طبعه في العوج، وتمادى في الغواية والجهل والبطر {لعلكم تشكرون *} أي وفعل ذلك كله. هذا التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل

عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه في طاعته المسهلة له المحببة إليه، روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء. وفي رواية: سقط قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً. فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ فجاء أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قلادة، فبي الموت لمكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أوجعني، ثم إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] ، وفي رواية: فأنزل الله آية التيمم {فتيمموا} فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة لهم، وفي رواية: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي

كنت عليه فإذا العقد تحته» وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً! فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة «وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء، فكانت تلك نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكيم ومزيد الامتنان به، لما فيه من عظيم اليسر وليحصل في التيمم من الجناية نص خاص، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على الاهتمام به.

7

ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات، وكانت الصلاة أوثق عرى الدين، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الأعمال، عطف عليها قوله تذكيراً بما يوجب القبول والانقياد: {واذكروا} أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار. ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال: {نعمة الله} أي الملك الأعلى {عليكم} أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم، وإنما

لم تجمع لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظَّم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {وميثاقه} أي عقده الوثيق {الذي واثقكم به} أي بواسطة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره {إذ} أي حين {قلتم سمعنا وأطعنا} وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم شاس بن قيس، وتذكير بما أوجب له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبه للوفاء الموعود عليه الجنة، والتفات إلى قوله أول السورة {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبيّن لحسن هذه التناسب. ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعباً، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته وصلحت سريرته، وإنما يحمل عليه مخافة الله قال: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم. الذي يفعل ما يشاء. من نقض العهد وقاية من حسن القيام، لتكونوا في أعلى درجات وعيه، ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور *} أي أحوالها من سرائرها

وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها لم تبرز إلى الوجود، وعلانيتها وإن صاحبها قد نسيها. ولما تقدم القيام إلى الصلاة، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء وأثنائها، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات، ناسب تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان، فكان لذلك يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة، عبر بالكون فقال تعالى: {كونوا قوّامين} أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها. ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق، وكان الوفاء بذلك إنما يخف على النفوس، ويصح النشاط فيه، ويعظم العزم عليه بالتذكير بجلالة موثقة وعدم انتهاك حرمته، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ وحده ورسمه، قدم قوله: {لله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء. بخلاف ما مضى في النساء. ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة «ليلة تواثقوا على الإسلام» أن يقولوا الحق حيث ما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم،

قال: {شهداء} أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون الشهادة به {بالقسط} أي العدل، وقال الإمام أبو حيان في نهره: إن التي جاءت في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن، فبدىء فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين، ثم أردف بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط، والتي في معرض العدواة والشنآن، بدىء فيها بالقيام لله، فناسب كل معرض ما جيء به إليه، وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله {ولن تستطيعوا أن تعدلوا} [النساء: 129] وقوله {فلا جناح عليهما أن يصلحا} [النساء: 128] فناسب ذكر تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط - انتهى. ولما كان أمر بهذا الخبر، نهى مما يحجب عنه فقال: {ولا يجرمنكم}

أي يحملنكم {شنئان قوم} أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم {على ألا تعدلوا} أي أن تتركوا قصد العدل، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها، فأمروا بالعدل حتى بين هذه المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم؟ ثم استأنف قوله آمراً بعد النهي تأكيداً لأمر العدل: {اعدلوا} أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز وفيمن يجاوز فيكم الحدود، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم. ولما كان ترك قصد العدل قد يقع لصاحبه العدل اتفاقاً، فيكون قريباً من التقوى، قال مستأنفاً ومعللاً: {هو} أي قصد العدل {أقرب} أي من ترك قصده {للتقوى} والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها، وتعدية {أقرب} بالام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر في البقرة؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى، قال عاطفاً

على النهي أو على نحو: فاعدلوا: {واتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان فضلاً عن العدل، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله {إن الله كان عليماً خبيراً} [النساء: 35] ، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً بقوله {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} وختام هذه بقوله معللاً لما قبله: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {خبير بما تعملون*} لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير؛ وقالو أبو حيان: لما كان الشنآن محله القلب، وهو الحامل على ترك العدل، أمر بالتقوى وأتى بصفة {خبير} ومعناها عليم ولكنها مما تختص بما لطف إدراكه انتهى. {وشهداء} يمكن أن يكون من الشهادة التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله {أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37] وأن يكون من الشهادة المتعارفة، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله {إن الله عليم بذات الصدور} [آل عمران: 119] ومع قوله تعالى: {ومن يكتمها

فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله: {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} [النساء: 135] كما ختمت هذه بمثل ذلك.

9

ولما أمر سبحانه ونهى، بشر وحذر فقال: {وعد الله} أي الملك الذي له الكمال المطلق فله كل شيء {الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقاً لهذا الإقرار {الصالحات} وترك المفعول الثاني أقعد في باب البشارة، فإنه يحتمل كل خير، وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب. ولما كان الموعود شيئين: فضلاً وإسقاط حق قدم الإسقاط تأميناً للخوف فقال واضعاً له موضع الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص: {لهم مغفرة} أي لما فرط منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسياناً أو عمداً، بعمل الواجبات إن كان صغيرة، وبالتوبة إن كان كبيرة، وفيه إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه الجود بالعطاء فقال {وأجر} أي على قدر درجاتهم من حسن العمل {عظيم *} أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت الحصر. ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم، وهو أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضاً فقال: {والذين كفروا} أي غطوا ما اتضح لعقولهم من أدلة الوحدانية {وكذبوا} أي زيادة

على الستر بالعناد: {بآياتنا} على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها إلينا {أولئك} أي البغضاء البعداء من الرحمة خاصة {أصحاب الجحيم *} أي النار التي اشتد توقدها فاشتد احمرارها، فلا يراها شيء إلا أحجم عنها، فهم يلقون فيها بما أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي لأحد التكذيب به، ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب. ولما كان من الأجر ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا، قال تعالى ذاكراً لهم بعض ذلك مذكراً ببعض ما خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة ويقفوا عند حدوده كائنة ما كانت: {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بالله ورسوله وكتابه {اذكروا نعمت الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {عليكم} عظمها بإبهامها، ثم زادها تعظيماً بالتذكير بوقتها فقال: {إذ} أي حين {همّ قوم} أي لهم قوة ومنعه وقدرة على ما يقومون فيه {أن يبسطوا إليكم أيديهم} أي بالقتال والقتل، وهو شامل - مع ذكر من أسباب نزوله - لما اتفق صبيحة ليلة العقبة من أن قريشاً تنطست الحبر عن البيعة، فلما صح عندهم طلبوا أهل البيعة ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة، وكلاهما كان نقيباً، فأما المنذر فأعجزهم، وأما سعد فأخذوه فربطوه وأقبلوا يضربونه، حتى خلصه الله منهم بجبير بن مطعم

والحارث بن حرب بن أمية بما كان بينه وبينهما من الجوار، فكان في سوق الآية بعد آية الميثاق الذي أعظمه ما كان ليلة العقبة أعظم مذكر بذلك {فكف أيديهم عنكم} أي مع قلتكم وكثرتهم وضعفكم وقوتهم، ولم يكن لكم ناصر إلا الذي آمنتم به تلك الليلة وتوكلتم عليه وبايعتم رسوله، فكف ببعض الأعداء عنكم أيدي بعض، ولو شاء لسلطهم عليكم كما سلط ابن آدم على أخيه؛ وينبغي أن يعلم أن القصة التي عُزِيت في بعض التفاسير هنا إلى بني قريظة في الاستعانة في دية القتيلين إنما هي لبني النضير، وهي كانت سبب إجلائهم. ولما أمرهم بذكر النعمة، عطف على ذلك الأمر الأمر بالخوف من المنعم أن يبدل نعمته بنقمة فقال: {واتقوا الله} أي الملك الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له، حذراً من أن يسلط عليكم أعداءكم ومن غير ذلك من سطواته. ولما كان التقدير: على الله وحده في كل حالة فتوكلوا، فإنه جدير بنصر من انقطع إليه ولم يعتمد إلا عليه، عطف على ذلك قوله تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف: {وعلى الله} أي وحده لكونه لا مثل له {فليتوكل المؤمنون *} أي في كل وقت فإنه يمنعهم إذا شاء كهذا المنع وإن اشتد الخطب وتعاظم الأمر، فتوكلوا ولا تنكلوا عن أعدائكم الذين وعدكم الله أرضهم وديارهم وأبناءهم وتهابوا جموعهم كما هاب

بنو إسرائيل - كما سيقص عليكم، وقوله هنا {المؤمنون} وفي قصة بني إسرائيل {إن كنتم مؤمنين} شديد التآخي، معلم بمقامي الفريقين، وحينئذ حسن كل الحسن تعقيبها مع ما تقدم من أمر العقبة وأمر بني النضير في نقضهم عهدهم وغدرهم، بما هموا به من قتل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإلقاء الرحى عليه من سطح البيت الذي أجلسوه إلى جانبه، بقوله إشارة إلى أن اليهود ما زالوا على النقض قديماً، تحذيراً للمؤمنين من أن يكونوا مثلهم في النقض لئلا يحل بهم ما حل بهم من الصغار، وإعلاماً بأن عادته سبحانه في الإلزام بالتكاليف قديمة غير مخصوصة بهم، بل هي عامة لعباده وقد كلف أهل الكتاب، تشريفاً لهم بمثل ما كلفهم به، ورغبهم ورهبهم ليسابقوهم في الطاعة، فإن الأمر إذا عم هان، والإنسان إذا سابق اجتهد في أخذ الرهان، وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة انهماكهم في النفس أنه لم يسبق لهم عهد قبل ذلك فقال تعالى: {ولقد أخذ الله} أي بما له من جميع الجلال والعظمة والكمال {ميثاق بني إسرائيل} أي العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة {وبعثنا} أي بما لنا من العظمة {منهم اثني عشر نقيباً} أي شاهداً، على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم من الوفاء به - كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيباً وأخذنا منكم الميثاق على

ما أحاله الإسلام - كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه عن تبوك: «ولقد شهدت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام» وأما تفصيله فمذكور في السير، والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل: عريف، لأنه يتعرفها، ومن ذلك المناقب وهي الفضائل، لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها {وقال الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لبني إسرائيل، وأكد لتكرر جزعهم وتقلبهم فقال: {إني معكم} وهو كناية عن الكفاية لأن القادر إذا كان مع أحد كان كذلك إذا لم يغضبه. ولما أنهى الترغيب بالمعية استأنف بيان شرط ذلك بقوله مؤكداً لمثل ما مضى: {لئن اقمتم} أي أنشأتم {الصلاة} أي التي هي صلة ما بين العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها؛ ولما كان المقصود من الإنفاق المؤاساة بالإيتاء قال: {وآتيتم الزكاة} أي التي هي بين الحق والخلائق. ولما كان الخطاب مع من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام، وكانوا في كل قليل يتردعون عن اتباعه أو كمال اتباعه، وكان سبحانه عالماً بأن ميلهم بعده يكون أكثر، فرتب في الأزل أنه تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن الزيغ ويقومون منهم الميل قال: {وآمنتم برسلي} أي

أدمتم الإيمان بموسى عليه السلام، وجددتم الإيمان بمن يأتي بعده، فصدقتموهم في جميع ما يأمرونكم به {وعزرتموهم} أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع، والتعزير والتأزير من باب واحد. ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال: {وأقرضتم الله} أي الجامع لكل وصف جميل {قرضاً حسناً} أي بالإنفاق في جميع سبل الخير، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء. ولما كان الإنسان محل النقصان، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صالح العمل، قال سادّاً. بجواب القسم الذي وطّأت له اللام الداخلة على الشرط - مسدّ جواب الشرط: {لأكفرن} أي لأسترن {عنكم سيئاتكم} أي فعلكم لما من شأنه أن يسوء {ولأدخلنكم} أي فضلاً مني {جنات تجري} ولما كان الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال: {من تحتها الأنهار} أي من شدة الريّ {فمن كفر} ولما كان الله سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولاً. وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله، نزع الجار فقال: {بعد ذلك} أي الشرط المؤكد بالأمر العظيم الشأن {منكم} أي بعد ما رأى من الآيات واقرّ به من المواثيق {فقد ضل} أي ترك وضيّع، يُستعمل قاصراً بمعنى: حار، ومتعدياً كما هنا {سواء} أي وسط وعدل {السبيل *}

أي لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره، وفي هذا تحذير شديد لهذه الأمة، لأن المعنى: فإن نقضتم الميثاق - كما نقضوا - بمثل استدراج شاس بن قيس وغيره، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا، من إلزامهم الذلة والمسكنة وغير ذلك من آثار الغضب، وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من فتح البلاد والظهور على سائر العباد؛ قال ابن الزبير: ولهذا الغرض والله أعلم - أي غرض التحذير من نقض العهد - ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى {أوفوا بعهدي} [البقرة: 40] فقال تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} إلى قوله {فقد ضل سواء السبيل} [المائدة: 12] ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 55 والمائدة: 13] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} [المائدة: 14] ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة، وإسرافهم في القتل وغيره، وتغييرهم أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا} [المائدة: 82] انتهى. وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم وما دعي إلى ذلك تحقيقاً

للأمر وزيادة تبصرة، أما اليهود فكان فيهم ذلك مرتين: الأولى: قال في السفر الرابع من التوراة: إن الرب تبارك اسمه كلم موسى النبي في جبل سينا وفي قبة الأمد في أول يوم من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر وقال الله: احص عدد جماعة بني إسرائيل كلها في قبائلهم. كل ذكر من أبناء عشرين سنة إلى فوق، كل من يخرج في الحرب، وأحصهم أنت وأخوك هارون، وليكن معكما من كل سبط رجل ويكون الرجل رئيساً في بيته، ثم بين بعد ذلك أن كل رجل منهم يكون قائد جماعته، ينزلون بنزوله حول قبة الزمان ويرحلون برحيله، ويطيعونه فيما يأمر به، ففعل موسى وهارون ما أمرهما الله به وانتدبوا اثني عشررجلاً كما أمر الله، فمن سبط روبيل: إليصور بن شداور، ومن سبط شمعون: سلوميل بن صور يشدي، ومن سبط يهودا: نحسون بن عمينا ذاب، ومن سبط إيشاخار: نتنائيل بن ضوغر، ومن سبط زابلون: أليب بن حيلون، ومن سبط يوسف من آل إفرائيم: إليسمع بن عميهوذ. ومن سبط منشا: جماليال بن فداهصور - قلت: ومنشا هو

ابن يوسف وهو أخو إفرائيم - ومن سبط بنيامين: أبيذان بن جدعوني، ومن سبط دان: أخيعزر بن عميشدي، ومن سبط آشير: فجعائيل بن عخرن، ومن سبط جاد: إليساف بن دعوائيل، ومن سبط نفتالي: أخيراع ابن عينان؛ وسبط لاوي هم سبط موسى وهارون عليهما السلام لم يذكروا لأنهم كانوا لحفظ قبة الزمان، فموسى وهارون عليهم كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قومه - كما سيأتي، والمرة الثانية كانت ليجسّوا أمر بيت المقدس، قال في أثناء هذا السفر: وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوماً يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، وليكون الذين ترسل رجلاً من كل سبط من رؤساء آبائهم، فأرسلهم موسى من برية فاران عن قول الرب، رجالاً من رؤساء بني إسرائيل، وهذه أسماءهم من سبط روبيل: ساموع بن ذكور، ومن سبط شمعون: سافاط بن حوري، ومن سبط يهودا: كالاب بن يوفنا، ومن سبط إيشاخار: إجال بن يوسف، ومن سبط إفرائيم: هو ساع بن نون،

ومن سبط بنيامين: فلطي بن رافو، ومن سبط زابلون: جدي إيل بن سودي، ومن سبط يوسف من سبط منشا: جدي بن سوسي، ومن سبط دان: عميال بن جملي، ومن سبط آشير: ساتور بن ميخائيل، ومن سبط نفتالي: نجني بن وفسي، ومن سبط جاد: جوائل بن ماخي؛ هؤلاء الذين أرسلهم وتقدم إليهم بالوصية. وأما النصارى ففي إنجيل متى ما نصه: ودعا يعني عيسى عليه السلام. تلاميذه الاثني عشر، وأعطاهم سلطاناً على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض؛ وفي إنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه، ولكي يرسلهم ليكروزا، وأعطاهم سلطاناً على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين؛ وفي إنجيل لوقا: ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وإشفاء المرضى، وأرسلهم يكرزون مملكوت الله ويشفون الأوجاع، وهذه أسماؤهم: شمعون المسمى بطرس، وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه - وقال في إنجيل مرقس: وسماهما

باسم بوانرجس اللذين هما ابنا الرعد - وفيلبس، وبرتولوماوي، وتوما، ومتى العَشّار، ويعقوب بن حلفا، وليا الذي يدعى بداوس وقد اختلفت الأناجيل في هذا، ففي إنجيل مرقس بدله: تدي، وفي إنجيل لوقا: يهودا بن يعقوب، ثم اتفقوا: وشمعون القاناني - وفي إنجيل لوقا: المدعو الغيور - ويهودا الإسخريوطي الذي أسلمه. وأما نقباء الإسلام فكانوا ليلة العقبة الأخيرة حين بايع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأنصار رضي الله عنهم على الحرب وأن يمنعوه إذا وصل إلى بلدهم، وقال لهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم كما اختار موسى من قومه، وأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، وهذه اسماؤهم من الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن عمرو؛ ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خثيمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وأبو الهيثم بن التيهان، قال

ابن هشام: وقال كعب بن مالك يذكرهم فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري وذكر أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة فقال: أبلغ أبيّاً أنه قال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع أبى الله ما منتك نفسك إنه ... بمرصاد أمر الناس راءٍ وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا ... بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده ... وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا ... أباه عليك الرهط حين تبايعوا أباه البراء وابن عمرو كلاهما ... وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ومنذر ... لأنفك إن حاولت ذلك جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده ... بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضاً فلا يعطيكه ابن رواحة ... وإخفاره من دونه السم ناقع وفاء به والقوقلي بن صامت ... بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضاً وفى بمثلها ... وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع ... فهل أنت عن أحموقة الغي نازع

وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ... ضروح لما حاولت ملأمر مانع اولاك نجوم لا يغبك منهم ... عليك بنحس في دجى الليل طالع فأما نقباء اليهود في جسّ الأرض فلم يوف منهم إلا اثنان - كما سيأتي قريباً عن بعض التوراة التي بين أيديهم، وأما نقباء النصارى فنقض منهم واحد - كما مضى عند قوله تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه} [النساء: 157] وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام عند قوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وأما نقباؤنا فكلهم وفي وبرّ بتوفيق الله وعونه فله أتم الحمد.

13

ولما ذكر سبحانه ما أخذ على اليهود من الميثاق ووعيده لهم إن كفروا بعد ذلك، ذكر أنهم نقضوا مرة بعد مرة - كما تقدم في سورة البقرة وغيرها كثير منه عن نص ما عندهم من التوراة - فاستحقوا ما هم فيه من الخزي، فقال تعالى مسبباً عما مضى مؤكداً بما النافية لضد ما أثبته الكلام: {فبما نقضهم ميثاقهم} أي بتكذيب الرسل الآتين من بعد موسى عليه السلام، وقتلهم الأنبياء، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغير ذلك

لا بغير ذلك كما نقض بنو النضير فسلطكم الله عليهم بما أشار إليهم في سورة الحشر {لعناهم} أي أبعدناهم بعد أنا وعدناهم القرب بالكون معهم إن وفوا. ولما كان البعيد قد يكون رقيق القلب، متأسفاً على بعده. ساعياً في أسباب قربه، باقياً على عافية ربه، فيرجى بذلك له الغفران لذنبه. أخبر أنهم على غير ذلك بقوله: {وجعلنا} أي بعظمتنا {قلوبهم قاسية} أي صلبة عاسية بالغش فهي غير قابلة للنصحية، لأن الذهب الخالص يكون ليناً، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة، وكل لين قابل للصلاح بسهولة، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله: {يحرّفون الكلم} أي يجددون كل وقت تحريفه {عن مواضعه} فإنهم كلما وجدوا شيئاً من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم، فهم يحرفون الكلم ومعانيها. ولما كانوا قد تركوا أصلاً ورأساً ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه، قال معبراً بالماضي إعلاماً بحرمهم بالبراءة من ذلك: {ونسوا حظاً} أي نصيباً نافعاً معلياً لهم {مما ذكروا به} أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم السلام، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته

به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية. ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته، أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم، تسلية له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {ولا تزال} أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق! {تطلع} أي تظهر ظهوراً بليغاً {على خائنة} أي خيانة عظيمة تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و {منهم} أي في حقك بقصد الأذى، وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم {إلا قليلاً منهم} فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر، ثم سبب عن هذا الذي في حقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: {فاعف عنهم} أي امح ذنبهم ذلك الذي اجترحوه، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه. ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال: {واصفح} أي وأعرض عن ذلك أصلاً ورأساً، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم، فإن ذلك إحسان منك، وإذا أحسنت أحبك الله {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {يحب المحسنين *} وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله سحره رجل من

اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري: إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقاً - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وذلك أشد السحر، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان، فقالت له عائشة رضي الله عنها: أفلا أخرجته؟ فقال: لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمر بها فدفنت، وهو في معجم الطبراني الكبير - وهذا لفظه - ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن النسائي الكبرى ومسند عبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «كان رجل يدخل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلاً لوجد الماء أصفر، فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلّها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يذكر له شيئاً منه ولم يعاتبه» وللشيخين عن أنس رضي الله عنه «أن

امرأة يهودية أتت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال: عليّ - قالوا: فلا تقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي رواية: إنها كانت سبب موت النبي صلى الله عيله وسلم بانقطاع أبهره الشريف منها بعد سنين» وفي سنن أبي داود من وجه مرسل أنه قتل اليهودية. والأول هو الصحيح، وسيأتي لهذا الحديث ذكر في هذه السورة عند {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] ، فهذا غاية العفو والإحسان امتثالاً لأمر الله سبحانه. ولما دخل النصارى فيما مضى لأنهم من بني إسرائيل، خصهم بالذكر لأن كفرهم أشد وأسمج فقال: {ومن الذين قالوا} أي مسمين أنفسهم ملزمين لها النصرة لله، مؤكدين قولهم رداً على من يرتاب فيه: {إنا نصارى} أي مبالغون في نصرة الحق، فالتعبير بذلك دون ومن النصارى تنبيه على أنهم تسموا بما لم يفوا به {أخذنا} أي بما لنا من العظمة {ميثاقهم} أي كما أخذ على الذين من قبلهم. ولما كان كفرهم في غاية الظهور والجلاء، لم ينسبهم إلى غير الترك فقال: {فنسوا} أي تركوا ترك الناسي {حظاً} أي

نصيباً عظيماً يتنافس في مثله {مما ذكروا به} أي في الإنجيل مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغير ذلك من الحق. ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقاً، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم، سبب عنه قوله: {فأغرينا} أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء لا ينفك بل يصير كجزء الشيء {بينهم} أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً متباينين بتفريق الدين، وكذا بينهم وبين اليهود {العداوة} ولما كان العداوة قد تكون عن بغي ونحوه إذا زال زالت أو خفت، قال معلماً أنها لأمر باطني نشأ من تزيين الهوى، فهو ثابت غير منفك: {والبغضاء} بالأهواء المختلفة {إلى يوم القيامة} . ولما أخبر بنكدهم في الدنيا، أعقبه ما لهم في الأخرى فقال: {وسوف ينبئهم} أي يخبرهم {الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً إخباراً بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد لا خلف فيه؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها وتدربوا عليها، حتى

صارت لهم أحوالاً لأنفسهم وأخلاقاً لقلوبهم، سماها صنائع فقال: {بما كانوا يصنعون *} أي دربوا أنفسهم عليه حتى صار كالصنعة، فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة.

15

ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين، أقبل عليهم واعظاً منادياً متلطفاً مستعطفاً مرغباً مرهباً فقال: {يا أهل الكتاب} أي عامة {قد جاءكم رسولنا} أي الذي أرسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ناواه {يبين لكم} أي يوضح إيضاحاً شافياً {كثيراً مما كنتم} أي بما لكم من جبلة الشر والخيانة {تخفون من الكتاب} أي العظيم المنزل عليكم، من صفة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحكم الزنا وغيرهما، لإحياء سنة وإماتة بدعة - كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة، وذلك دال بلا شبهة على صحة رسالته {ويعفوا عن كثيراً *} أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالاً لأمرنا له بذلك - كما تقدم أنه إحسان منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليكم، لأنه لا فائدة في إظهاره إلا فضيحتكم. ولما أخبر عن فصله للخفايا، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنور، اقتضى الحال توقع الإخبار بأنه نور، فقال مفتتحاً بحرف التوقيع والتحقيق:

{قد جاءكم} وعظمه بقوله معبراً بالاسم الأعظم: {من الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال {نور} أي واضح النورية، وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كشف ظلمات الشك والشرك، ودل على جمعه مع فرقه بقوله: {وكتاب} أي جامع {مبين} أي بين في نفسه، مبين لما كان خافياً على الناس من الحق. ولما كانت هدايته مشروطة بشرط صلاح الجبلة، بين ذلك بقوله واصفاً له: {يهدي به} أي الكتاب {الله} أي الملك الأعظم القادر على التصرف في البواطن والظواهر {من اتبع} أي كلف نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر الهوى بأن تبع {رضوانه} أي غاية ما يرضيه من الإيمان والعمل الصالح، ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه، ثم ذكر مفعول {يهدي} فقال: {سبل} أي طرق {السلام} أي الله، باتباع شرائع دينه والعافية والسلامة من كل مكروه {وخرجهم من الظلمات} أي كدورات النفوس والأهواء والوساس الشيطانية {إلى النور} أي الذي دعا إليه العقل فيصيروا عاملين بأحسن الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في النور {بإذنه} أي بتمكينه. ولما كان من في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره لغيبته عنه ببعده منه، وتكثر عليه الأسباب فلا يدري أيها الوصف أو يقرب إيصاله ويسهل أمره، قال كافلاً لهم بالنور مريحاً من تعب

السير: {ويهديهم} أي بما له من إحاطة العلم والقدرة {إلى صراط مستقيم *} أي طريق موصل إلى الغرض من غير عوج أصلاً، وهو الدين الحق، وذلك مقتض للتقرب المستلزم لسرعة الوصول.

17

ولما تم ذلك موضحاً لأن من لم يتبع الكتاب الموصوف كان كافراً وعن الطريق الأمم جائراً حائراً، وكان محصل حال اليهود كما رأيت فيما تقدم ويأتي من نصوص التوراة - أنهم لا يعتقدون على كثرة ما يرون من الآيات أن الله مع نبيهم دائماً، وكان أنسب الأشياء بعد الوعظ أن يذكر حال النصارى في نبيهم، فإنه مباين لحال اليهود من كل وجه، فأولئك على شك في أنه معه، وهؤلاء اعتقدوا أنه هو، فقال تعالى مبيناً أنهم في أظلم الظلام وأعمى العمى: {لقد} أو يقال: إن اليهود لما فرطوا فكفروا، أفهم ذلك أن النصارى لما أفرطوا كفروا، فصار حالهم كالنتيجة لما مضى فقال: لقد {كفر الذين قالوا} مؤكدين لبعد ما قالوه من العقل فهو في غاية الإنكار {إن الله} أي على ما له من جميع صفات الكمال التي لا يجهلها من له أدنى تأمل إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى {هو المسيح} أي عينه، وهو أقطع الكفر وأبينه بطلاناً، ووصفه بما هو في غاية الوضوح في بطلان قولهم لبعده عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة فقال: {ابن مريم} فهو محتاج إلى كفالتها بما لها من الأمومة. ولما بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره، وكان بما دق

على بعض الأفهام، أوضحه بقوله: {قل} دالاً على أن المسيح عليه السلام عبد مملوك لله، مسبباً عن كفرهم {فمن يملك من الله} أي الملك الذي له الأمر كله {شيئاً} أي من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد، بحيث يصير ذلك المملوك أحق به منه ولا ينفذ له فيه تصرف {إن أراد} أي الله سبحانه {أن يهلك المسيح} وكرر وصفه بالنوبة إيضاحاً للمراد فقال: {ابن مريم} وأزال الشبهة جداً بقوله: {وأمه} ولما خصهما دليلاً على ضعفهما المستلزم للمراد، عم دلالة على عموم القدرة المستلزم لتمام القهر لكل من يماثلهما المستلزم لعجز الكل المبعد من رتبة الإلهية، فقال موضحاً للدليل بتسويتهما ببقية المخلوقات: {ومن في الأرض جميعاً} أي فمن يملك منعه من ذلك. ولما كان التقدير: فإن ذلك كله لله، يهلكه كيف شاء متى شاء، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال معلماً بأنه - مع كونه مالكاً مَلِكاً - له تمام التصرف: {ولله} أي الملك الأعلى الذي لا شريك له {ملك السماوات} أي التي بها قيام الأرض {والأرض وما بينهما} أي ما بين النوعين وبين أفرادهما، بما به تمام أمرهما؛ ثم استأنف قوله دليلاً على ما قبله ونتيجة له: {يخلق ما يشاء} على أي كيفية أراد -

كما تقدم أن له أن يعدم ما يشاء كذلك، فلا عجب في خلقه بشراً من أنثى فقط، لا بواسطة ذكر، حتى يكون سبباً في ضلال من ضل به، ولما دل ذلك على تمام القدرة على المذكور عم فقال: {والله} أي ذو الجلال والإكرام {على كل شيء} أي من ذلك وغيره {قدير *} . ولما عم سبحانه في ذكر فضائح بني إسرائيل تارة، وخص أخرى، عم بذكر طامة من طوامهم، حملهم عليها العجب والبطر بما أنعم الله به عليهم، فقال: {وقالت اليهود والنصارى} أي كل طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفسها دون الخلق أجمعين {نحن أبناؤا الله} أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات الكمال {وأحباؤه} أي غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف بالواو، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضاً بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها، والذي أورثهم هذه الشبهة - إن لم يكونوا قالوا ذلك عناداً - أن في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: شعبي بكري، وقال في أول نبوة موسى عليه السلام - كما ذكرته في الأعراف: وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك - ونحو هذا؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام:

افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء - ونحو ذلك، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف: إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر، وقال في البقرة في تفسير {بديع السماوات} [البقرة: 117] : أنهم كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب الأصلي، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فلذاك كفر قائله ومنع منه منعاً مطلقاً انتهى. فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان أنه يعذبهم فقال: {قل فلم يعذبكم} أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة {بذنوبكم} وعذابهم مذكور في نص توراتهم في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلاً عن أن يعذب به، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب - تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة والولد علواً كبيراً! وإن كان المراد المجاز، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب، كان ذلك مانعاً من التعذيب. ولما كان معنى ذلك أن يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أحباء،

عطف عليه نقضاً آخر أوضح من الأول فقال: {بل أنتم بشر ممن خلق} وذلك أمر مشاهد، والمشاهدات من أوضح الدلائل، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية، وهما يمنعان البنوة، فإن القديم لا يلد بشراً، والأب لا يخلق ابنه، فامتنع بهذين الوصفين البنوة، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما. ولما كان التقدير: يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه، وصل به قوله جواباً لمن يقول: وما هو فاعل بمن خلق؟ : {يغفر لمن يشاء} أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلاً منه تعالى {ويعذب من يشاء} عدلاً كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين. ولما كان التقدير: لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره، عطف عليه قوله نقضاً ثالثاً بما هو أعم مما قبله فقال: {ولله} أي الذي له الأمر كله، فلا كفوء له {ملك السماوات} وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى، وصرح بقوله: {والأرض وما بينهما} أي وأنتم مما بينهما، وقد اجتمع بذلك مع المُلكِ والإبداعِ المِلكُ والتصريف والتصرف التام، وذلك هو الغنى المطلق، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء من ولد ولا غيره، ولا يكون لأحد عليه حق، ولا يسوغ عليه اعتراض. ولما كان التقدير: فمنه وحده الابتداء، عطف عليه قوله:

{وإليه} أي وحده {المصير *} أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده، وحساً في الآخرة، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض عبيده من بعض، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين! فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل.

19

ولما دحضت حجتهم، ووضحت أكذوبتهم، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة، فقال تعالى: {يا أهل الكتاب} أي من الفريقين؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال، قال معبراً بحرف التوقع: {قد جاءكم رسولنا} أي الذي عظمته من عظمتنا، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك، ثم بين حاله مقدماً له على متعلق جاء بياناً لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشاداً إلى قبول كل ما جاء به بقوله: {يبين لكم} أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بياناً شافياً لما تقدم وغيره.

ولما كان مجيئه ملتبساً ببيانه وظرفاً له غير منفك عنه، وكان بياناً مستعلياً على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه، محفوظاً لعموم دعوته وختامه وتفرده، فلا نبي بعده، قال معلقاً بجاء: {على فترة} أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيِّين من بني إسرائيل، مبتدئة تلك الفترة {من الرسل} أي انقطاع من مجيئهم، شُبِّه فقدهم وبُعْد العهد بهم ونسيان أخبارهم، وبلاء رسومهم وآثارهم، وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يفنى ففتر، لم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس، يقال: فتر الشيء - إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه وذلك لأنه كان بين عيسى وبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستمائة سنة فسد فيها أمر الناس، ولعله عبر بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ كتابه، فكلما درست سنة منح الله بعالم يرد الناس إليها بالكتاب المعجز القائم أبداً، فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا عند الفتنة التي لا يطيقها العلماء، وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج، ثم علل ذلك بقوله: {أن} أي كراهة أن {تقولوا} أي إذا حشرتم وسئلتم عن

أعمالكم {ما جاءنا} ولتأكيد النفي قيل: {من بشير} أي يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز {ولا نذير} أي يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم، لأن الإنسان موزَّع النقصان بين الرغبة والرهبة، وقد كان اختلط في تلك الفترة الحق بالباطل فالتبس الأمر وجهل الحال، لكنه لم يجهل جهلاً يحصل به عذر في الشرك، وسأبينه في أول ص. ولما كان المعنى: فلا تقولوا ذلك، سبب عنه قوله: {فقد جاءكم} أي من هو متصف بالوصفين معاً فهو {بشير ونذير} أي كامل في كل من الوصفين وإن تباينا؛ ولما كان ربما كان توهم أحد من ترك الإرسال زمن الفترة، ومن ترك التعذيب بغير حجة الإرسال، وبالعدول عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل شيئاً في القدرة، قال كاشفاً لتلك الغمة: {والله} أي جاءكم والحال أن الملك الذي له الكمال كله {على كل شيء} أي من أن يرسل في كل وقت وأن يترك ذلك، وأن يهدي بالبيان وأن يضل، ومن أن يعذب ولا يقبل عذراً وأن يغفر كل شيء وغير ذلك {قدير *} وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من العز بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل إشارة إلى أن إنكارهم

لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي يلزم منه إنكارهم للقدرة.

20

ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة بني إسرائيل في استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض الجبارين بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة، إظهاراً - بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه من بنوتهم ومحبتهم، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد، فقال عاطفاً على نعمة في {واذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 7] تذكيراً لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة: {وإذ} أي واذكروا حين {قال موسى لقومه} أي من اليهود {يا قوم اذكروا} أي بالقلب واللسان، أي ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر {نعمة الله} أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام، وعبر عن

الإنعام بالغاية لأنها المقصود {عليكم} وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال: {إذ} أي حين {جعل فيكم} وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله: {أنبياء} أي يحفظونكم من المهالك الدائمة، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم، وغضب عليكم إذ أبيتم، فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة والمعصية. ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون، لا يصلحون معها لملك، ولا تحدثهم أنفسهم به، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكاً بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم، قال: {وجعلكم ملوكاً} أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم، فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة

والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة. ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال: {وآتاكم ما لم يؤت} أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم {أحداً من العالمين *} من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة أخرى يجب شكرها، فلذلك وصله بما قبله وصل المعلول بالعلة فقال: {يا قوم ادخلوا} عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره {الأرض المقدسة} أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر المعاصي والإفك، ويبارك فيها، ثم وصفها بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه النصر فقال: {التي كتب الله} أي الذي له الأمر كله فلا مانع لما أعطى {لكم} أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها، فتحوزوا سعادة الدارين، وهي بيت المقدس والتي وعد

أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون ميراثاً لولده بعد أن جعلها مهاجرة. ولما أمرهم بذلك نهاهم عن التقاعد عنه، فقال مشيراً إلى أن مخالفة أمر الله لا تكون إلا بمعالجة للفطرة الأولى: {ولا ترتدوا} أي تكلفوا أنفسكم الرجوع عن أخذها، وصوَّر لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره فقال: {على أدباركم} ولما جمع بين الأمر والنهي، خوفهم عواقب العصيان معلماً بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك، فقال معبراً بصيغة الانفعال: {فتنقلبوا} أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم {خاسرين *} أي بخزي المعصية عند الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين.

22

ولما كان هذا السياق محركاً للنفس إلى معرفة جوابهم عنه، أورده على تقدير سؤال من كأنه قال: إن هذا لترغيب مشوق وترهيب مقلق، فما قالوا في جوابه؟ فقال: {قالوا} معرضين عن ذلك كله بهمم سافلة وأحوال نازلة، مخاطبين له باسمه جفاء وجلافة وقلة أدب {يا موسى} وأكدوا قولهم تأكيد من هو محيط العلم، فقالوا مخاطبين بجرأة وقلة حياء لأعلم أهل زمانه: {إن فيها} أي دون غيرها {قوماً جبارين} أي عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين له على ما يريدون {وإنا لن ندخلها} خوفاً منهم {حتى يخرجوا منها} ثم صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية المؤكدة

بتهالكهم على الدخول وأنه لا مانع لهم إلا الجبن فقالوا: {فإن يخرجوا منها} أي بأي وجه كان، وعبروا بأداة الشك مع إعلام الله لهم بإهلاكهم على أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع في التكذيب {فإنا داخلون *} فكأنه قيل: إن هذه لسقطة ما مثلها، فما اتفق لهم بعدها؟ فقيل: {قال رجلان} وأشار إلى كونهما من بني إسرائيل بقوله ذماً لمن تقاعس عن الأمر منهم: {من الذين يخافون} أي يوجد منهم الخوف من الجبارين، ومع ذلك فلم يخافا وثوقاً منهما بوعد الله، ولما كان بنو إسرائيل أهلاً لأن يخافهم من يقصدونهم بالحرب لأن الله معهم بعونه ونصره، قرىء: يخافون - مبيناً للمفعول {أنعم الله} أي بما له من صفات الكمال {عليهما} أي بالثبيت على العمل بحق النقابة، وهما يوشع بن نون وكالاب بن يوفنا - كما أنعم عليكم أيها العرب وخصوصاً النقباء بالثبات في كل موطن {ادخلوا عليهم الباب} أي باب قريتهم امتثالاً لأمر الله وإيقاناً بوعده. ولما كانا يعلمان أنه لا بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى، لأن الله وعد بنصرهم عليهم ووعده حق عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى لجماهيرهم فقالا: {فإذا دخلتموه} ثم أكد خبرهما إيقاناً بوعد الله فقالا: {فإنكم غالبون} أي لأن الملك معكم دونهم {وعلى الله} أي الملك الأعظم الذي وعدكم بإرثها وحده {فتوكلوا} أي لا على عُدة منكم ولا عِدة ولا حول ولا قوة.

ولما كان الإخلاص يلزمه التوكل وعدم الخوف من غير الله، ألهمهم بقوله؛ {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {مؤمنين *} أي عريقين في الإيمان بنبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتصديق بجميع ما أتى به، فكأنه قيل: لقد نصحا لهم وبرّا، واجتهدا في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرّا، فما قالوا؟ فقيل: لم يزدهم ذلك إلا نفاراً واستضعافاً لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغاراً لأنهم {قالوا} معرضين عمن خاطباهم غيرعادين لهما {يا موسى} وأكدوا نفيهم للإقدام عليهم بقولهم: {إنا} وعظموا تأكيدهم بقولهم: {لن ندخلها} وزادوه تأكيداً بقولهم: {أبداً} وقيدوا ذلك بقولهم: {ما داموا} أي الجبابرة {فيها} أي لهم اليد عليها، ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل بالله الفعال لما يريد. الغني عن جميع العبيد، فقالوا مسببين عن نفيهم ذلك قولهم: {فاذهب أنت وربك} أي المحسن إليك، فلم يذكروا أنه أحسن إليهم كثافة طباع وغلظ أكباد، بل خصوه بالإحسان، وهذا القول إن لم يكن قائلوه يعتقدون التجسيم فهم مشارفون له، وكذلك أمثاله، وكان اليهود الآن عريقين في التجسيم، ثم سببوا عن الذهاب قولهم: {فقاتلا} ثم استأنفوا قولهم مؤكدين لأن من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن أحداً يتخلف عن

أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول: {إنا هاهنا} أي خاصة {قاعدون} أي لا نذهب معكما، فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء الإيمان من غير تصديق له بامتحان بفعل ما يدل على الإيقان؛ روى البخاري في المغازي والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قال المقداد بن عمرو يوم بدر: يا رسول الله! لا نقول كما قال قوم موسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن امض ونحن معك، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشرق وجهه وسرَّه» فكأنه قيل: فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لما أيس منهم معرضاً عنهم شاكياً إلى الله تعالى {رب} أي أيها المحسن إليّ. ولما كان من حق الرسول أن يقيه كل أحد بنفسه وولده فكيف بما دون ذلك، فكان لا يصدق أحد أن أتباعه لا يطيعونه، جرى على طبع البشر وإن كان يخاطب علام الغيوب قال مؤكداً: {إني} ولما فهم من أمر الرجلين لهم بالدخول أنهما قيّدا دخولهما بدخول الجماعة، خص في قوله: {لا أملك إلا نفسي وأخي} أي ونحن مطيعان لما تأمر به {فافرق بيننا} أي أنا وأخي {وبين القوم الفاسقين *} أي الخارجين

عن الطاعة قولاً وفعلاً، ولا تجمعنا معهم في بين واحد، في فعل ولا جزاء {قال فإنها} أي الأرض المقدسة {محرمة عليهم} أي بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم، لا يدخلها ممن قاله هذه المقالة أو رضهيا أحد، بل يمكثون {أربعين سنة} ثم استأنف جواباً لمن تشعب فكره في تعرف حالهم في هذه الأربعين ومحلهم من الأرض قوله: {يتيهون} أي يسيرون متحيرين {في الأرض} حتى يهلكوا كلهم، والتيه: المفازة التي يحير سالكها فيضل عن وجه مقصده، روي أنهم أقاموا هذه المدة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، ثم يمشون في الموضع الذي ساروا منه، ثم سبب عن إخباره بعقوبتهم قوله: {فلا تأس} أي تحزن حزناً مؤيساً {على القوم} أي الأقوياء الأبدان الضعفاء القلوب {الفاسقين *} أي الخارجين من قيد الطاعات، ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من اعوجاج طباعهم التي ألبستهم إياها بلاد الفراعنة، فإني كتبتها لبني إسرائيل، ولم أخبر بتعيينهم - وإن كانوا معينين في علمي - كما اقتضت ذلك حكمتي؛ وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} [المائدة: 12]

إلى أن قال: {وآمنتم برسلي وعزرتموهم} [المائدة: 12] وفي ذلك تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب لمن عصى، ومات في تلك الأربعين كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس، ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء هاهنا عليهم - وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديباً لهم لا غضباً فإنهم تابوا. شرحُ هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكرُ بعض ما عذبهم فيه بذنوبهم، قال في السفر الرابع منها: وكلم الرب موسى وقال له: أرسل قوماً يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل، فأرسلهم موسى من برية فاران رجالاً من رؤساء بني إسرائيل - اثني عشر رجلاً - فيهم كالاب بن يوفنا وهو ساع بن نون، ودعا موسى هوساع بن نون يوشع، وأرسلهم ليستخبروا أرض كنعان وقال لهم: اعرفوا خبر الشعب الذي بها، أقوي هو أم ضعيف؟ أكثير هو أم قليل؟ وما خبر الأرض التي هم فيها، أمخصبة أم لا؟ أفيها شجر أم لا؟ وفي نسخة: وما المدن التي يسكنونها؟ وإن كانت محوَّطاً عليها أم لا؟ وتقووا وخذوا من ثمار الأرض؛ فصعدوا فاستخبروا الأرض، وأخذوا من برية صين حتى

انتهوا إلى راحوب التي في مدخل حمات، وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران - وفي نسخة: حبرون - وكان بها بنو الجبابرة، ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا قضيباً من الكرم فيه عنقود عنب، فحمله رجلان بأسطار، ودعوا اسم ذلك الموضع وادي العنقود من أجل ذلك، وأخذوا من الرمان والتين أيضاً، ورجعوا إلى موسى بعد أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم، وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر الأرض وقالوا: انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها، ولكن الشعب الذي في الأرض عزيز قوي، وقراهم كبار مشيدة، ورأينا ثَمّ بني الجبابرة، ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن، قالوا: وكنا عندهم مثل الجراد، كذلك رأينا أنفسنا، فضجت الجماعة كلها ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وبكوا في تلك الليلة بكاء شديداً، وتذمر جميع بني إسرائيل على موسى وهارون في ذلك اليوم وضجوا عليهما، وقال لهما محافل بني إسرائيل كلها: يا ليتنا! متنا بأرض مصر على يدي الرب، وليتنا متنا في هذه البرية ولا يدخلنا الرب إلى الإرض التي نصرع فيها قتلاً! وتنتهب مواشينا وأهلونا! كان المنون بأرض مصر خيراً لنا، وقال كل امرىء منهم لأخيه: اجتمعوا حتى نصيّر علينا رئيساً، ونرجع إلى أرض مصر،

فخر موسى وهارون على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها، فأما يشوع ابن نون وكالاب بن يوفنا اللذان كانا من الجواسيس فقالا: الأرض مخصبة جداً، فإن شاء الرب دفعها إلينا، فهي أرض تغل السمن والعسل، فلا تعصوا الرب ولا تفتتنوا ولا تخافوا شعب هذه الأرض لأن أهلها مبذولون لنا مثل الطعام للأكل، واعلموا أن قويهم سيضعف وتزول عنهم شدتهم، ونحن الغالبون لأن الرب معنا، فلا تفرقوا منهم، وظهر مجد الرب بالسحابة في قبة الزمان تجاه بني إسرائيل، وقال الرب لموسى: إلى متى يسخطني هذا الشعب؟ وكم إلى كم لا يصدقونني؟ ألم يروا جميع الآيات التي أتيتهم بها؟ سأضربهم بالموت وأهلكهم، وأصيرك الشعب أعظم من هذا وأعزّ منهم، فقال موسى أمام الرب: يسمع أهل مصر الذين أخرجت هذا الشعب من بينهم بقوتك، ويقول لسكان هذه الأرض أيضاً الذين سمعوا أنك رب هذا الشعب، فإن أنت قتلت هذا الشعب جميعاً كرجل واحد تقول الشعوب التي بلغها خبرك: إن الرب لم يقدر أن يدخل هذا الشعب الأر ض التي كان وعد إياهم، فلذلك قتلهم في البرية، فلتعظم قوتك الآن يا رب كما وعدت وقلت! يا رب

أنت ذو المودة والنعمة، تغفر الإثم والخطايا، وتزكي من ليس بمزكي، اغفر يا رب كما غفرت لهم مذ خرجوا من أرض مصر إلى الآن! فقال الرب لموسى: قد غفرت لهم لقولك ولكني حي قيوم، أقسم بذلك وبمجدي الذي امتلأت الأرض كلها منه أن جميع الرجال الذين عاينوا مجدي والآيات التي أظهرت لهم بمصر والفضاء، وجربوني عشر مرات، ولم يطيعوني ولم يقبلوا قولي، لا يعاينون الأرض التي أقسمت لآبائهم أني أعطيهم، ولا يدخلها أحد من الذين أغضبوني، فأقبلوا غداً وارتحلوا إلى طريق بحر سوف؛ وقال الرب: إلى متى تغفرُ هذه الجماعة الرديئة بين يدي؟ فبي أقسم أنكم تصيرون إلى ما قلتم، وكما فكرتم ذلك يصيبكم في هذه البرية، فتسقط جثثكم فيها وتبلى أجسادكم ويهلك كل عددكم وحسابكم من ابن عشرين سنة إلى فوق، لأنكم تشوشتم وتذمرتم عليّ، لا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأنزلكم فيها، لوا يدخلها إلا كالاب بن يوفنا ويوشع بن نون، وأما مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر فهم يدخلون الأرض وأصيّرهم إليها وأورثهم الأرض، فأما جيفكم فتسقط وتبلى في هذه البرية. وتمكث بنوكم يترددون في هذه المفازة أربعين سنة، يعاقبون حتى تهلك جثثكم في هذه البرية على عدد الأيام التي اجتس الجواسيس الأرض فيها، لكل يوم سنة،

وتعاقبون بإثمكم، لكل يوم سنة، أربعين سنة لأربعين يوماً، فتعلمون أني إنما فعلت ذلك لتذمركم بين يدي، أنا الرب قلت: كذلك أصنع بهذه الجماعة الرديئة التي اجتمعت بين يدي، تهلك في هذه البرية، يموتون كلهم، والقوم الذين أرسلهم موسى أن يجتسوا الأرض له فانقلبوا وشغبوا عليه وأفسدوا الجماعة كلها، وذلك أنهم أخبروا الشعب في أمر الأرض خبراً رديئاً، ومات القوم الذين أخبروا الخبر السوء موت الفجاءة أمام الرب، فأما يشوع وكالاب فنجوا من الموت، ولم يهلكا مع الذين استخبروا الأرض، فأخبر موسى بني إسرائيل هذه الأقوال، وجلسوا في حزن شديد وقالوا: نحن صاعدون إلى الموضع الذي أمر الرب ونقر بخطايانا، قال لهم موسى: اعلموا أنكم لا تنجحون ولا يتم أمركم، لا تصعدوا لأن الرب ليس معكم لئلا يهزمكم أعداؤكم، فإن صعدتم هزمتم وقتلتم، لأنكم أغضبتم الرب ورجعتم عن قوله، فلذلك لا يكون الرب معكم، فصعد القوم إلى رأس الجبل، فأما تابوت عهد الرب وموسى النبي فلم يبرحا من العسكر، ونزل العملقانيون الذين يسكنون ذلك الجبل وحاربوهم وهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وطردوهم إلى حرما؛ وكان ذكر قبل ذلك في السفر الثاني وقبل معصيتهم في أمر الجواسيس قتالهم في رفيدين ورقيم لعماليق فقال ما نصه: وإن عماليق جاء ليقاتل بني إسرائيل برفيدين فقال موسى ليشوع:

اختر رجلاً من أهل الجلد والشدة واخراج بنا نقاتل عماليق غداً وأنا واقف على رأس الأكمة، وقضيب الله في يدي، فصنع يشوع كما قال له موسى فخرج إلى حرب عماليق، وصعد موسى وهارون وحور إلى رأس الجبل، وكان موسى إذا رفع يده قوى بنو إسرائيل، وإذا خفض يده قوى عماليق، فأعيت يدُ موسى فأخذ حجارة فوضعها تحته، ثم استوى عليها جالساً، وكان هارون وحور يدعمان يديه، أحدهما يميناً والآخر شمالاً حتى غربت الشمس، فهزم يشوع عماليق ومن معه وقتلوهم بحد السيف، فقال الرب لموسى: اكتب هذا الأمر في سفر الكتاب وضعه أما يشوع بن نون، لأني أمحق وأبيد ذكر عماليق من تحت السماء، فبنى للرب مذبحاً، ودعا اسمه الله علمي، ثم قال: وأرسل رسلاً من رقيم إلى ملك أدوم بأنهم نازلون في رقيم - القرية التي في حد بلاده - واستأذنه في الجواز في بلاده، فهددهم بالمقاتلة فقالوا: لا نشرب لك ماء إلا بثمن، فقال: لا تجوزوا في حدي، وخرج إليهم بجيش عظيم وسلاح شاك فصغا بنو إسرائيل عنه وظعنوا

من رقيم، وأتى جميع بني إسرائيل إلى هور الجبل حيث توفي هارون، ثم قال: ونزل موسى وإليعازر من الجبل، فرأت محافل بني إسرائيل كلها أن هارون قد توفي، وبكى على هارون جميع بني إسرائيل ثلاثين يوماً، وسمع الكنعاني ملك عراد الذي كان يسكن التيمن أن بني إسرائيل قد نزلوا في طريق الجواسيس فحاربهم وسبى منهم قوماً، فنذر بنو إسرائيل نذراًَ للرب وقالوا: إن أنت دفعت إلينا هذا الشعب يا رب وقويتنا عليه جعلنا قراهم حريمة للرب، فسمع الرب أصوات بني إسرائيل ودفع إليهم الكنعانيين وقوّاهم عليهم، وهزموهم وقتلوهم وجعلوا قراهم حريمة للرب ودعوا اسم تلك البلاد حريمة، فظعن الشعب من هور الجبل في طريق بحر سوف ليدوروا حول أرض أدوم، ففزعت أنفس الشعب من شدة الطريق وكلّت، وتذمر الشعب على الله وعلى موسى وقالوا: لِمَ أصعدتنا من مصر؟ لتميتنا في موضع ليس فيه خبز ولا ماء، قد ضاقت أنفسنا من قلة الطعام، فسلط الله عليهم حيات فنهشت قوماً من الشعب ومات منهم كثير، فاجتمعوا إلى موسى وقالوا: قد أخطأنا إذ تذمرنا على الله وعليك، صل أمام الرب لتنصرف عنا الحيات، فصلى موسى فقال الرب له: اتخذ حية من نحاس مثال الحية وارفعها على خشبة علامة، ومن نهشته حية ينظر إلى الحية المعلقة

فيبرأ، ففعل ذلك، فطعن بنو إسرائيل فنزلوا أبوت، ثم ارتحلوا من أبوت ونزلوا على عين العبرانيين التي في البرية أمام أرض موآب في الجانب الشرقي وحيث مشارق الشمس، ثم ظعنوا من هناك ونزلوا وادي زرود، وارتحلوا من هناك ونزلوا عبر أرنون في البرية أمام أرض موآب في الجانبين التي تخرج من حد الأمورانيين وهي في حد الموآبيين، ولذلك يقال في كتاب حروب الرب: واهب في سوفة ووادي أرنون ومصب الأودية المائلة إلى سكان عار التي تنتهي إلى حد الموآبيين؛ ثم أرسل بنو إسرائيل رسلاً إلى سيحون ملك الأمورانيين وقالوا له: نجوز في أرضك من غير أن نطأ لك حقلاً ولا كرماً، ولا نشرب من ماء جناتك، ولكن نلزم الطريق الأعظم حتى نجوز أرضك، فأبى سيحون وجمع جميع أجناده وخرج إلى البرية وحارب بني إسرائيل، فقتل بنو إسرائيل سيحون وأصحابه وورثوا أرضه، وصعدوا إلى أرض متنين، وخرج عوج ملك متنين

إليهم هو وأجناده ليحاربهم في أدرعى، وقال الرب لموسى: لا تخفه لأني دافعة في يدك وأصيّر جميع شعبه وأرضه في يدك، فاصنع به كما صنعت بسيحون ملك الأمورانيين، فلما حاربوه قتل هو وبنوه وجميع شعبه ولم يبق منهم أحد، فظعن بنو إسرائيل ونزلوا عربات موآب التي عند أردن إريحا؛ ثم ذكر قصة بلعام بن باعور وغيرها وقال: ثم قال الرب لموسى: اصعد إلى هذا الجبل جبل العبرانيين، وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل، فإذا نظرت إليها اجتمع معك شعبك، وصر إلى ما صار إليه آباؤك كما صار [إليه] هارون أخوك، فتكلم موسى أمام الرب وقال: يأمر الله رجلاً يريد الجماعة ويدخل ويخرج أمامهم، ويدخلهم ويخرجهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي ليس لها راعٍ، فقال الرب لموسى: اعمد إلى يشوع بن نون - رجل عليه من الروح نعمة - فضع يدك عليه، وأقمه بين يدي إليعازر الحبر أمام الجماعة كلها ومن تجاههم قبلاً، وأعطه من المجد الذي عليك، فتطيعه جماعة بني إسرائيل كلها، ويقوم بين يدي إليعازر الحبر ليكون يسأل الرب عن حوائجه وسننه، ويحفظ بنو إسرائيل قوله،

وعن قوله يخرجون وعن قوله يدخلون، وفعل موسى كالذي أمره الله في يوشع وغيره - ثم ذكره أشياء من القرابين والأعياد وفتح مدين وبقية قصة بلعام وغير ذلك ثم قال: وكثرت مواشي بني روبيل وبني جاد جداً، ونظروا إلى يعزير وأرض جلعاد أنه موضع يصلح للمواشي فقالوا لموسى: إن نحن ظفرنا منك برحمة ورأفة تعطي هذه الأرض لعبيدك ميراثاً ولا تجزنا نهر الأردن، فقال موسى: إخوتكم يخرجون إلى الحرب وأنتم تستقرون هاهنا؟ لِمَ تكسرون قلوب إخوتكم أن لا يجوزوا إلى الأرض التي يعطيهم الرب ميراثاً! هكذا صنع أيضاً آباؤكم فاشتد غضب الرب عليهم، وأقسم أنه لا يعاين أحد منهم الأرض التي وعدت بها آباءهم، لأنهم لم يتموا قولي ولم يتبعوا وصيتي ما خلا كالاب بن يوفنا القنزابي ويشوع بن نون، إنهما أتما قول الرب فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وتَوَّههُمْ في البرية أربعين سنة حتى هلك حقب الرجال الذين أسخطوا الرب، وأنتم اليوم أيضاً تريدون أن ينزل غضب الرب ببني إسرائيل، وإن أنتم انقلبتم عن أمر الرب أيضاً يعود أن يُتَوِّهَكم في التيه، فتفسدون على جميع هذا الشعب،

فدنا منه القوم وقالوا: نبني هاهنا قرى لعيالاتنا وحظائر لأنعامنا، ونحن نتسلح أمام بني إسرائيل حتى ندخلهم إلى مواضعهم ولا نرجع إلى بيوتنا حتى يرث بنو إسرائيل كل إنسان ميراثه، ولا نرث معهم من عبر الأردن وما خلف ذلك، لأنا قد قبضنا ميراثنا في مجاز الأردن في مشارق الشمس، فقال لهم موسى: إذا أنتم فعلتم هذا الفعل وتسلحتم أمام ربكم، حينئذ ترجعون وتستجلبون أرضكم ويرضى بنو إسرائيل عنكم، وتصير هذه الأرض لكم ميراثاً، وإن لم تفعلوا هذا تصيروا أمام الرب خطأة، واعلموا أن خطاياكم تدرككم، ثم قال: وهذه خطأ عن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر - فذكر ما تقدم في البقرة، ثم قال: وارتحلوا من مقبرة الشهوة ونزلوا حضروت، وظعنوا من حضروت ونزلوا رثما، وارتحلوا من رثما ونزلوا رمّون فرص، وظعنوا من رمّون فرص ونزلوا لبنا - وفي نسخة: لبونا -

وارتحلوا من لبنا ونزلوا أراسيا - وفي نسخة: رسا - وظعنوا من أراسيا أو رسا ونزلوا قهاث - وفي نسخة: بقهالاث - وارتحلوا من قهاث ونزلوا جبل شافار - وفي نسخة: شافر - وارتحلوا من جبل شافار ونزلوا حرادة - وفي نسخة: حرذا - وارتحلوا من حرادة - وفي نسخة: حارذا - ونزلوا مقهلوث - وفي نسخة: مهقلوث - وظعنوا من مقهلوث نزلوا تحاث - وارتحلوا من تحاث ونزلوا ترح، وارتحلوا من ترح ونزلوا مثقا، وارتحلوا من مثقا ونزلوا حشمونا، وظعنوا من حشمونا ونزلوا مسروت، وارتحلوا من مسروت ونزلوا بحيّ بني يعقان، وظعنوا من حيّ بني يعقان ونزلوا جبل جدجاد، وارتحلوا من جدجاد ونزلوا يطبث - وفي نسخة: يطباثا - وظعنوا من يطبث ونزلوا عجرونا - وفي نسخة: عبرونا - وارتحلوا من عجرونا ونزلوا عصيون جابر وهي قلزم، ورحلوا من عصيون جابر ونزلوا بَرَّصين - وفي نسخة: برية صين المعروفة بقداش - وهي رقيم، وظعنوا من قداش ونزلوا هور الجبل الذي في أقاصي

أرض أدوم - وفي نسخة: وظعنوا من برية صين فنزلوا في قفر فاران وهي القدس، وارتحلوا من القدس فنزلوا في جبل هور بحذاء أرض أدوم وهي الروم - وصعد هارون الحبر عن قول الله إلى هور الجبل، وتوفي هناك في سنة أربعين بخروج بني إسرائيل من أرض مصر في الشهر الأول أول يوم منه، وقد كان أتى على هارون يوم توفي مائة وثلاث وعشرون سنة، وبلغ الكنعاني ملك حديا الساكن بالتيمن في أرض كنعان - وفي نسخة: عراد الساكن في الداروم في بلد ماءب - أن بني إسرائيل أتوا حده، فينون من هور الجبل ونزلوا صلمونا، وارتحلوا من صلمونا ونزلوا فينون وظعنوا من فينون ونزلوا أبوث - وفي نسخة: أباث - وارتحلوا من أبوث ونزلوا العين المعروفة بالعبرانيين على حد موآب - وفي نسخة: ونزلوا عايا في العين على تخوم موآب - وارتحلوا من عايا فنزلوا جاد - وفي نسخة: ورحلوا من عين العبرانيين ونزلوا ديبون قرية جاد - وارتحلوا من قرية جاد ونزلوا علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - وظعنوا من

علمون التي دبلثيم - وفي نسخة: دبلاثيم - فنزلوا جبل العبرانيين الذي أمام نابو، وارتحلوا من جبل العبرانيين ونزلوا عربة موآب التي بأردن يريحا - وفي نسخة: ونزلوا مغارب موآب على الأردن قبالة يريحا - ونزلوا على شاطىء الأردن من عند أشيموت إلى آبل شاطيم التي عند عربة موآب - وفي نسخة: قبالة مغارب موآب. وكلم الرب موسى على مغارب موآب عند الأردن قبالة يريحا فقال: كلم بني إسرائيل وقل لهم: أنتم جائزون الأردن إلى أرض كنعان لتهلكوا جميع سكان الأرض، وتحرقوا بيوت أصنامهم المسبوكة، وتقلعوا مذابحهم كلها، وتصير الأرض إليكم وترثونها، فاقسموها لعشائركم سهاماً، وصيروا الكثير على قدر كثرتهم، والقليل على قدر قلتهم، وكل قبيلة على ما يرتفع السهم بها وتصيبها القرعة، وإن لم تهلكوا سكان الأرض من بين أيديكم فالذين يبقون منهم يكونون أسنة في أعينكم وسهاماً في أصداغكم، ويضيّقون عليكم في الأرض التي تسكنونها، وكما رأيت أن أصنع بهم كذلك أصنع بكم، فهكذا اقسموا الأرض في مواريثكم: أرض كنعان بحدودها،

فأما حد التيمن فيكون لكم من ساحل البحر الملح من ناحية المشرق، ويدور حدكم من التيمن إلى عقبة عقربيم ويجوز إلى صين، وتكون مخارجه من التيمن إلى رقيم الجائي، ويخرج من هناك إلى حصر إدار - وفي نسخة: إلى رفح - ويجوز إلى عصمون إلى وادي مصر، وتكون مخارجه إلى ناحية البحر ويكون حد البحر حدكم والبحر الأعظم بحدوده، هذا حدكم من ناحية البحر وأما حدكم مما يلي الجربيا - وفي نسخة: الشمال - فيكون من البحر الأعظم إلى هور الجبل، وحدود ذلك من الجبل إلى مدخل حماة، وتكون مخارج الجبل إلى صدد، ويخرج الحد إلى زفرون، وتكون مخارجه إلى حصر عينن، هذه حدودكم من ناحية الجربيا، وأما حدودكم من ناحية المشرق فحدوده من حصر عينن إلى شافم، وينزل الحد نم شافمم إلى ربلة إلى مشارق غاب، حتى ينتهي إلى بحر كنرت - وفي نسخة: البحيرة الميتة - من مشارقه، ويدور حتى ينزل إلى حد الأردن، وتكون مخارجه إلى بحر الملح، هذه حدود الأرض التي ترثونها كما تدور ثم ذكر القسمة وشيئاً من الأحكام، ثم قال في أول السفر الخامس: هذه الآيات والأقوال التي قال موسى لبني إسرائيل عند مجاز الأردن في البرية في عرابا - وفي نسخة: البيداء وهو الجانب الغربي -

حيال سوف بين فاران وبين تفال ولبان وحضروت وذي ذهب - وفي نسخة: ودار الذهب وهو إشارة إلى الموضع الذي عبدوا فيه العجل - مسير أحد عشر يوماً من حوريب إلى ساعير وإلى رقام الجائي. لما كان في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الحادي عشر في أول يوم منه كلم موسى بني إسرائيل وأمرهم بعد قتلهم سيحون ملك الأمورانيين وعوج ملك متنين في مجاز الأردن في أرض موآب، قال: إن الله قال لنا في حوريب: قد طال مكثكم في هذا الجبل، انهضوا فارتحلوا من هاهنا وادخلوا جبل الأمورانيين وكل ما حوله إلى القرى والجبل وإلى ساحل البحر أسفل الجبال، والتيمن أرض الكنعانيين، ولبنان إلى النهر الكبير الذي هو الفرات، ادخلوا ورثوا الأرض التي وعد الله آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيهم، ويورثها نسلهم من بعدهم، ثم قال: وأمرتكم في ذلك الزمان بما ينبغي أن تصنعوا، وارتحلنا من حوريب وسرنا في البرية العظيمة المرهوبة كما أمرنا الله ربنا، وانتهينا إلى رقيم الجائي، وقلت لكم:

قد انتهيتم إلى جبل الأمورانيين الذي أعطانا الله ربنا، اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزعوا، وتقدمتم إليّ بأجمعكم وقلتم: نرسل بين أيدينا رجالاً يتجسسون لنا الأرض ويخبرونا بخبرها ويدلّونا على الطريق الذي نسير فيه والقرى التي ندخلها؛ فكان قولكم عندي حسناً، وعمدت إلى اثني عشر رجلاً منكم، من كل سبط منكم رجل، وأرسلتهم، وصعدوا إلى الجبل حتى انتهوا إلى وادي العنقود، واستخبروا الأرض وأخذوا من ثمار الأرض وأتوا به وأخبرونا وقالوا لنا: ما أخصب الأرض التي يعطينا الله ربناَ! ولم يعجبكم أن تصعدوا، ولكن اجتنبتم قول الله ربكم وأغضبتموه وتوشوشتم في خيمتكم وقلتم: لبغض الرب أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا في أيدي الأمورانيين ليهلكونا، إلى أين نصعد! إخوتنا كسروا قلوبنا وقالوا: الشعب أعظم وأعزّ منا وأقوى، وقراهم عظيمة مشيدة إلى السماء، ورأينا هناك أبناء جبابرة، وقلت لكم: لا تخافوا ولا تفزعوا منهم، من أجل أن الله ربكم هو يسير أمامكم، وهو يجاهد عنكم كما صنع بكم في أرض مصر وفي البرية. كما رأيتم أنه فداكم كما يفدي الوالد ولده في كل الأرض التي سلكتموها حتى انتهيتم إلى هذه البلاد،

وبهذا القول لم تصدقوا أن الله ربكم يكمل لديكم أنه يسير أمامكم في الطريق ليهيىء لكم موضعاً تسكنون فيه، أليس هو الذي أراكم طريقاً تسلكون فيه بالليل بالنار، وستركم بالنهار من حر الشمس بالغمام، وسمع الرب كلامكم وأصواتكم وغضب وأقسم وقال: لا يعاين أحد من هؤلاء القوم - أهل هذا الحقب الرديء - الأرض المخصبة التي أقسمت أن أعطي آباءهم غير كالاب بن يوفنا، إني أدفع إليه الأرض التي مشى فيها وأورثها ولده، لأنه أتم قول الرب وأكمل سنته، وقال لي: وأنت أيضاً لا تدخلها، ولكن يشوع بن نون الذي يخدمك هو يدخل هناك، إياه قوِّ وأيد، لأنه هو الذي يورث بني إسرائيل الأرض المخصبة التي وعدت بها آباءهم أن أعطيهم، وأما مواشيكم التي قلتم: إنها تنتهب، وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر، فهم يدخلون هناك، وإليهم أدفعها وهم يرثونها، فأما أنتم فاقبلوا وارتحلوا إلى البرية في طريق بحر سوف، فرددتم عليّ وقلتم: أسأنا وأجرمنا بين يدي الله ربنا، نحن صاعدون ومجاهدون كما قال لنا، وتسلح كل امرىء منكم بسلاحه، وتهيأتم للصعود إلى الجبل، وقال الرب لي: أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا ولا تجاهدوا، لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم، وقلت ولم تقبلوا، اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه وجسرتم وطلعتم إلى الجبل، فخرج الأموريون الساكنون

في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما تطرد الزنابير بالدخان، ودفعوكم من ساعير إلى حرما، وجلستم وبكيتم ولم يسمع الرب أصواتكم، فبكيتم أمام الرب في رقام أياماً كثيرة ما مكثتم فيها، فأقبلنا فارتحلنا في البرية في طريق بحر سوف كما قال الرب، وترددنا حول جبل ساعير أياماً كثيرة، وقال لي الرب: قد طال ترددكم حول هذا الجبل اقبلوا إلى الجانب الجربي، فتقدم إلى الشعب وقل لهم: أنتم تجوزون في حد إخوتكم بني عاسو - وفي نسخة: عيصو - الذين يسكنون ساعير، فاحفظوا أن لا تولعوا بهم. لأني لست أعطيكم من أرضهم ميراثاً ولا موضع قدم، ابتاعوا منهم طعاماً لمأكلكم وامتاروا منهم ماء بفضة لمشربكم، وليبارك الله ربكم عليكم ويبارك لكم في كل ما عملت أيديكم، كما علم أن يسوسكم في هذه البرية أربعين سنة، الله ربكم ما دام معكم لا يعوز بكم شيء، وجزنا طريق العربة - وفي نسخة: البيداء - وأيلة، وأقبلنا وجزنا في البرية إلى طريق موآب، وقال لي الرب: لا تضيق على الموآبيين ولا تحاربهم، لأني لست أعطيك من أرضهم ميراثاً، بل قد جعلت هذه

الأرض ميراثاً لبني لوط هذه التي سكنها إمتى أولاً، شعباً كان عظيماً، كان الموآبيون يسمونهم إمتى، فأما ساعير فكان سكانها الحورانيين أولاً وورثها بنو عاسو، فقوموا الآن فجوزوا وادي زرد، فجزنا وادي زرد حينئذ، وكان عدد الأيام التي سرنا من رقيم إلى أن جزنا وادي زرد ثماني وثلاثين سنة، حتى هلك جميع الرجال الأبطال أهل ذلك الحقب من عسكر بني إسرائيل كما أقسم عليهم الرب، لأن يد الرب كانت عليهم حتى هلكوا، فلما ماتوا من الشعب كلمني الرب وقال لي: أنت جائز اليوم إلى حد موآب، وتدنو من حد بني عمون فلا تتعرض لهم، لست أعطيك ميراثاً من أرض بني عمون، لأني قد جعلتها ميراثاً لبني لوط، فقم وارتحل وجز وادي أرنون، إني قد دفعت إليك سيحون ملك الأمورانيين فحاربه وأهلك أصحابه، فإني أبدأ فألقي خوفك وفزعك على الناس منذ يومك هذا، وعلى جميع الشعوب التي تحت السماء، حتى إذا سمعوا بخبرك فرقوا وفزعوا منك، وأرسلت رسلاً من برية قدموت إلى سيحون ملك حجبون بكلام طيب وبالسلام، وقلت له: نجوز في أرضك ونسير في الطريق الأعظم، لا نميل يمنة ولا يسرة نمتار منكم طعاماً بفضة لمأكلنا، وكذلك نبتاع ماء لمشربنا بثمن، فدعونا نجز

سائرين في الطريق كما صنع بنا بنو عاسو الذين في ساعير، والموآبيون الذي في عار، حتى يجوز في الأردن إلى الأرض التي يعطينا الله ربنا، لوم يسرَّ سيحون ملك حجبون أن نجوز في حده، لأن الله ربكم قسّى قلبه وعظم روحه ليدفعه في أيديكم، وخرج إلينا هو وجميع أجناده ليحاربونا في ياهاص، فدفعه الرب إلينا وقتلناه هو وجميع أجناده وفتحنا قراه وأهلكنا كل من كان في قراه، ولم يبق منهم أحد، وأهلكنا نساءهم وعيالاتهم، ولم يبق منهم أحد من حد عروعير التي على حد وادي أرنون، والقرية التي في الوادي وإلى جلعاد لم تفتنا قرية، بل دفعها الله ربنا في أيدينا جميعاً، فأما أرض بني عمون فلم نقربها، وكل ما كان على وادي يبوق وقرى الجبال أيضاً، وكل ما أمرنا الله ربنا به، ثم أقبلنا وصعدنا إلى أرض متنين، وخرج إلينا عوج ملك متنين هو وكل شيعته ليحاربنا في أدرعى، وقال لي الرب: لا تفرق فإني قد دفعته في يديك، وأسلمت إليك كل أجناده وأرضه، وقتلناهم ولم يبق منهم أحد، وظفرنا بكل قراه في ذلك الزمان، ولم تفتنا قرية إلا أخذناها منهم ستين قرية، كل جبل أرجوب، كل القرى التي كانت أسوارها

مشيدة محصنة بالأبواب الشديدة الموثقة، وأحرمناهن كما صنعنا بسيحون وأخذنا الأرض في ذلك الزمان من ملكي الأمورانيين اللذين كانا عند مجاز الأردن من وادي أرنون إلى جبل حرمون، فأما الصيدانيون فكانوا يدعون حرمون سريون، وأما الأمورانيون فكانوا يسمونها سنير، وأخذنا كل القرى التي كانت في الصحراء وكل جلعاد وكل متنين إلى سلكة وأدرعى، جميع قرى ملك عوج، لأن عوجاً كان الجبار الذي بقي وحده من الجبابرة، وكان سريره من حديد، وفي مدينة بني عمون التي تسمى ربة، طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع الجبابرة، وورثنا هذه الأرض في ذلك الزمان؛ ثم قال: أمرت يشوع في ذلك الزمان وقلت: قد رأيت بعينيك ما صنع الله ربكم بملكي الأمورانيين، كذلك يصنع الرب بجميع المملكات التي تجوز إليها، لأن الله ربكم هو يجاهد عنكم، وتضرعت إلى الرب في ذلك الزمان وقلت: أطلب إليك يا ربي وإلهي أن تظهر لعبدك عظمتك بيدك المنيعة وبذراعك العظيمة، أيّ إله في السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك وجرائحك! أتأذن

لي الآن فأعبر وأعاين الأرض المخصبة التي في مجاز الأردن، هذا الجبل المخصب ولبنان، ولم يتسجب لي وقال لي الرب: حسبك! لا تعد أن تقول هذا القول بين يدي، اصعد رأس الأكمة وارفع عينيك إلى المغرب والمشرق وإلى الجربي والتيمن، وانظر إليها نظراً ولا تجز هذا الأردن، ومر يشوع وتقدم إليه وقوِّه وأيده، لأنه هو الذي يجوز أمام هذا الشعب وهو الذي يورثهم الأرض التي تراها، ونزلنا الوادي حيال بيت فغور: ثم قال: وأقسم - أي الرب -أني لا أجوز هذا الأردن ولا أدخل إلى الأرض التي أعطاكم الله ربكم ميراثاً، فأنا الآن متوفٍ في هذه الأرض، ولا أجوز هذا الأردن، فأما أنتم فتجوزون وترثون هذه الأرض المخصبة، احفظوا لا تنسوا عهد ربكم الذي عاهدكم، ولا تفسدوا وتتخذوا أصناماً وأشباهاً، من أجل أن الله ربكم هو نار محرقة وهو إله غيور، وإذا ولد لكم بنون وبنو بنين وعتقتم في الأرض. واتخذتم أصناماً وأشباهاً وارتكبتم الشر أمام الله ربكم وأغضبتموه قد أشهد عليكم السماء والأرض أنكم تهلكون سريعاً من الأرض التي تجوزون لترثوها، ولا تكثر أيامكم فيها، ويبددكم الرب من بين الشعوب ويبقي منكم عدد قليل بين الشعوب

التي يفرقكم الرب فيها، سلوا عن الأيام الأولى التي مضت قبلكم منذ يوم خلق الله الناس على الأرض من أقصى السماء إلى أقطارها، هل كان مثل هذا الأمر العظيم أو سمع بمثله قط؟ هل سمع شعب آخر صوت الله يكلمه من النار كما سمعتم أنتم، وجربوا الله الذي اتخذهم شعباً من الشعوب بالبلايا والآيات والأعاجيب والحروب واليد المنيعة والذراع العظيمة وبالمناظر العظيمة، كما صنع الله بأهل مصر تجاهكم أنتم وعاينتم وعلمتم أن الله هو رب كل شيء وليس إله غيره، أسمعكم صوته من السماء ليعلمكم وأراكم ناره العظيمة، وسمعتم أقاويله من النار، ولحبه لآبائكم اختار نسلهم من بعدهم، وأخرجكم بوجهه من مصر بقوته العظيمة، ليهلك من بين أيديكم شعوباً أعظم وأعزّ منكم ليدخلكم ويعطيكم أرضهم ميراثاً، لتعلموا يومكم هذا وتقبلوا بقلوبكم لأن الرب هو إله في السماء فوق وفي الأرض أسفل، وليس إله سواه، احفظوا سننه ووصاياه التي أمركم بها يومكم هذا لينعم عليكم وعلى أبنائكم من بعدكم ويطول مكثكم في الأرض التي يعطيكم الله ربكم طول الأيام. هذه الشهادات والأحكام التي قص موسى على بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر، فانتهوا إلى مجاز الأردن في الوادي في مشارق الشمس، وإلى بحر العربة إلى سدود الفسجة، ثم قال بعد ذلك في أواخر هذا السفر بعد أن قص عليهم

أحكاماً كثيرة وحِكَما عزيزة: الرب يقبل بكم إلى الخير ويفرحكم كما فرح آباؤكم، وذلك إن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم سننه ووصاياه المكتوبة في هذا الكتاب من كل قلوبكم وأنفسكم، من أجل أن هذه الوصية لم تخف عليكم ولم تغب، وليس هو بمستور في السماء فتقولوا: من يصعد لنا إلى السماء ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! وليس بغائب عنكم في أقصى البحر فتقولوا: من ينزل لنا إلى البحر ويأتينا به فنسمعه ونعمل به! ولكن القول قريب من فمك وقلبك فاعمل به، وانظر أني قد صيّرت بين يديك اليوم الحياة والخير، فأخبرتك بالموت والشر، وأنا آمرك اليوم أن تحب الله ربك وتسلك في طرقه وتحفظ سننه ووصاياه وأحكامه، لتحيى وتكثر جداً، ويبارك الله ربك عليك، وينميك في الأرض التي تدخلها لترثها، وإن مال قلبك وزاغ ولم تسمع وضللت وتبعت الآلهة الأخرى وسجدت لها فقد بينت لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً، ولا يطول مكثكم في الأرض التي تجوزون الأردن لترثوها، وأوعزت إليكم وناشدتكم السماء والأرض والحياة والموت - وفي نسخة: وأشهدت عليكم السماء والأرض وجعلت بين يديكم الحياة والموت - وتلوت

عليكم اللعن والدعاء، فاختر الحياة لتحيى أنت ونسلك إذا أحببت الله ربك وسمعت قوله ولحقت بعبادته، لأنه حياتك وطول عمرك، وتسكن في الأرض التي أقسم الرب لآبائك ووعد إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك؛ ثم انطلق موسى وكلم بني إسرائيل وقص عليهم هذه الأقوال كلها وقال لهم: اليوم مائة وعشرون سنة، ولست أقدر على الدخول والخروج أيضاً، والرب قال: إنك لا تجوز هذا الأردن، فالله ربكم هو يجوز أمامكم، وهو يهلك هذه الشعوب من بين أيديكم وترثونهم، ويشوع هو يجوز أمامكم كما قال الرب، وسيصنع بهم الرب كما صنع بسيحون وعوج ملكي الأمورانيين اللذين أهلكهما، ويهزمهم الله ربكم من بين أيديكم، فاصنعوا بهم حينئذ ما أمرتكم به، فتقوّوا واعتزوا ولا تخافوا ولا تفزعوا، ولا ترعب قلوبكم منهم، لأن الله ربكم سائر أمامكم، لا يخذلكم ولا يرفضكم؛ ودعا موسى يشوع بن نون وقال له بين يدي جماعة بني إسرائيل: تقّو واعتز، لأنك أنت الذي تدخل هذا الشعب الأرض التي أقسم الله لآبائهم أن يعطيهم، وأنت تورثها أبناءهم، والرب هو يسير أمامكم وهو يكون معك ولا يخذلك ولا يرفضك، فلا تخف ولا تفزع ولا يرعب قلبك؛ وكتب موسى هذه التوراة وسننها ودفعها إلى الأحبار بني لاوي الذين يحملون

تابوت عهد الرب وإلى جميع أشياخ بني إسرائيل؛ ثم قال: وكلم الرب موسى في ذلك اليوم وقال له: اصعد إلى جبل العبرانيين هذا جبل نابو الذي في أرض موآب حيال يريحا وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثاً، ولتتوفّ هناك في الجبل الذي تصعد إليه واجتمع إلى آبائك، كما توفي أخوك هارون في الجبل وصار إلى قومه، ثم قال في آخر هذا السفر وهو آخر التوراة: فطلع موسى من عربوب - وفي نسخة: من بيداء موآب - إلى جبل نبو إلى رأس الأكمة التي قبالة وجه إريحا، وأراه الله جميع جلعد إلى دان وجميع أرض نفتالي وجميع أرض إفرائيم ومنشا، وجميع أرض يهودا إلى آخر البحر والبرية وما حول بقعة بلد إريحا مدينة النخل إلى صاغر، فقال الرب لموسى: إن هذه هي في الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وقلت: إني لنسلكم أعطيها، قد أريتكها بعينيك، فأما أنت فما تدخلها، وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب، فدفن - يعني في أرض موآب - حذاء بيت فاغور، ولم يعرف

أحد أين قضى إلى يومنا هذا، وكان موسى وقت قضى ابن مائة وعشرين سنة، لم يضعف بصره ولم يشخ جداً؛ فناح بنو إسرائيل على موسى بعربوب - وفي نسخه: في بيداء موآب - ثلاثين يوماً، وتمت أيام بكاء مأتم موسى؛ وامتلأ يشوع بن نون روَح الحكمة، لأن موسى وضع عليه يده، وأطاع له بنو إسرائيل وامتثلوا ما أمر الرب به موسى - انتهى ما أردته من أخبار التيه وما يتصل بذلك من مساواتهم لجميع الناس في العذاب بالمعاصي والإلطاف بالطاعات، الهادم لكونهم أبناء وأحباء. وفيه مما يحتاج إلى تفسير: الجربي، وهو نسبة إلى الجربياء - بكسر الجيم والموحدة، بينهما مهملة ساكنة ثم تحتانية ممدودة، وهي جهة الشمال، والتيمنُ - بفتح الفوقانية وإسكان التحتانية وضم الميم، وهو أفق اليمن الذي يقابل الشمال فالمراد الجنوب، وفيه قاصمة لهم من إنكار النسخ في أمرهم بنص التوراة بالدخول إلى يبت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا، فإنه قال: اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم، لا تخافوا ولا تفزغوا، ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السلام عليه السلام بغضب الله عليهم وعقوبته بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة، فقال لهم موسى عليه السلام: وقال لي الرب: أنذرهم وقل لهم: لا تصعدوا

ولا تجاهدوا لأني لست بينكم، لئلا يهزمكم أعداؤكم - هذا نصه فراجعه. وأما دخول أبنائهم إلى بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقاً لمواعد الله على يد يشوع بن نون عليه السلام فسيذكر إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى في سورة يونس عليه السلام: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} [يونس: 93] ، ولكن أقدم هنا من أمر يوشع بعد موسى عليهما السلام - والمعونة بالله - ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها، قال البغوي: فتوجه - يعني يوشع - ببني إسرائيل إلى إريحا ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بها ستة أشهر، ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة ودخلوا، فقاتلوا الجبارين فقتلوهم، وكان القتال في يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم أردد الشمس عليّ! فردت عليه وزيد في النهار ساعة، ثم قتلهم أجمعين، وتبع ملوك الشام واستباح منهم واحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام وفرق عماله في نواحيها، وجمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك، فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، فجعله في القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان - انتهى. ورأيت أنا في تاريخ نبوة يوشع بعد موت موسى عليهما السلام ما ربما يخالف هذا في الأشهر والبلد، أما الأشهر فجعلها سبعة أيام، وأما البلدة التي وقفت عندها الشمس فجبعون لا إريحا، فإنه قال ما نصه: قال الرب ليشوع: انظر، إني قد دفعت في يدك إريحا وملكها وكل أجنادها، فليُحِطْ بالمدينة جميع الرجال المقاتلة، ودوروا حول المدينة في اليوم مرة، وافعلوا ذلك في ستة أيام، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات، ويهتف الكهنة بالقرون، وإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتاً شديداً، فيقع سور المدينة مكانه، ويصعد الشعب كل إنسان حياله - انتهى.

ثم ذكر امتثالهم لأمر الله وفتحهم لإريحا على ما قال الله، وأما البلدة التي ردَّت فيها الشمس فهي جبعون، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها، ثم قال: وهذه أسماء قراهم: جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم فرق فرقاً شديداً، لأن جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك، وكان أهلها رجالاً جبابرة، فأرسل إلى هوهم ملك حبران -

وفي موضع آخر: حبرون - وإلى فرآم ملك يرموث، وإلى يافع ملك لخيس، وإلى دابير ملك عقلون - وقال لي بعض اليهود: إن المراد بهذه عجلون - وقال لهم: اصعدوا لتعينوني على محاربة أهل جبعون، لأنهم قد صالحوا يشوع، فاجتمع الخمسة من ملوك الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون، فأرسل أهل جبعون إلى يشوع فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع أبطال الشعب، فأوحى الرب إلى يشوع: لا تخف ولا تفزع منهم، لأني قد أسلمتهم في يدك، فأتاهم بغتة، لأنه صعد من الجلجال الليل أجمع، فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل وجرحوا منهم جرحى كثيرة في جبعون التي بحوران، وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا يقتلون منهم إلى عزيقة ومقيدة، فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة حوران أمطر الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم، فكان الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلوا، ثم قام يشوع أمام الرب مصلياً في اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل وقال: أيتها الشمس! امكثي في جبعون ولا تسيري، وأنت أيها القمر! لا تبرح قاعَ أيلون،

فثبتت الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم؛ فكتبت هذه الأعجوبة في سفر التسابيح، لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى الغروب، وصار النهار يوماً تاماً، ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده - انتهى. وقد ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه القصة، روى الشيخان: البخاري في الخمس والنكاح، ومسلم في المغازي عن أبي هريرة رضي الله عنه قالك «قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا! فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى بعض ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا « وفي

رواية المسند للحافظ نور الدين الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الشمس لم يحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس» ، قال: وهو في الصحيح ولم أر فيه حصراً كما هنا؛ وفي سيرة ابن إسحاق ما ينقضه، قال: حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبر قومه بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا: فمتى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجىء، فدعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، ولم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة.

27

ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ادعاه اليهود من البنوة، كان ذلك كافياً في إبطال مدعى النصارى لذلك، لأنهم أبناء اليهود، وإذا بطل كون أبيك ابانً لأحد بطل أن تكون أنت ابنه، لما كان ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر، فقال تعالى عاطفاً على قوله: {وإذ قال موسى} [المائدة: 20] {واتل عليهم}

أي على المدعوّين الذين من جملتهم اليهود تلاوة، وهي من أعظم الأدلة على نبوتك، لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به إلا من جهة الوحي {نبأ ابني آدم} أي خبرهما الجليل العظيم، تلاوة ملتبسة {بالحق} أي الخبر الذي يطابقه الواقع إذا تُعُرَّفَ من كتب الأولين وأخبار الماضين كائناً ذلك النبأ {إذ} أي حين {قربا} أي ابنا آدم؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أيّ نوع قربا منه، قال: {قرباناً} أي بأن قرب كل واحد منهما شيئاً من شأنه أن يقرِّبَ إلى المطلوب مقاربتُه غاية القرب. ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل، لا بالنسبة إلى متقبل خاص، بناه للمفعول فقال: {فتُقبِّل} أي قبل قبولاً عظيماً ظاهراً لكل أحد {من أحدهما} أبهمه أيضاً لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه {ولم يتقبل من الآخر} عَلِمَا ذلك بعلامة كانت لهم في ذلك، إما أكل النار للمقبول كما قالوه أو غير ذلك؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضاً ناقضة لدعواهم البنوة، لأن قابيل ممن ولد في الجنة على ما قيل، ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد، فانتفى أن يكون ابناً وكان هو وغيره شرعاً واحداً دائراً أمرهم في

العذاب والثواب على الوفاء والنقض، من وفى كان حبيباً ولياً، ومن نقض كان بغيضاً عدواً، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا واسطة بينهما ومع كونه وُلِدَ في الجنة دار الكرامة، فانتفاؤها عمن هو أسفل منه من باب الأولى، وكذا المحبة؛ ومن المناسبات أيضاً أن كفر بني إسرائيل بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما هو للحسد، فنبهوا بقضة ابني آدم على أن الحسد يجر إلى ما لا يرضي الله وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار؛ ومنها أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم الموعودين عليه بخيري الدارين، وأن الله معهم فيه، وفي قصة ابني آدم إقبال قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ منه إن قتله، ففي ذلك تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام، وتذكير بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك، وأن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام أخوان في غاية الطواعية في أنفسهما، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله، وقصة ابني آدم بخلاف ذلك، وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد، وأن في قصة بني إسرائيل أنهم لما قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها، عَلِمَ نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها لم تقبل لغلول غَلّوه، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها، ففي ذلك الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول - كما

في قصة ابني آدم، وأن بني إسرائيل عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه. وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل أخيه، وأن بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة على عدد الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جسّ أخبار الجبابرة، وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوماً - ذكره البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوماً، وكل هذه محسنات والعمدة هو الوجه الأول وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه السلام عطفاً على النهي في لاتاس، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم كما قَدمته أنت أول القصة في قولك: {التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوفٍ قبل دخولها، وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا، وإذا تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضاً، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم، ونسوا غوائل النقم؛ ويكون ذلك وعظاً لهذه الأمة ومانعاً من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها

وتحكموا في أموالها، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم، وارتكبوا أفعال الأمم، وأعرضوا عن غوائل النقم - كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، الا والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار - قال المندري: بإسناد جيد - والبيهقي وقال: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» رواه الطبراني ورواته ثقات، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله عنه أقسم عمر رضي الله عنه: لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم! فوضعت في صحن المسجد، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر عمر رضي الله عنه إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن رضي الله عنه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا إلا موطن شكر! فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. شرحُ قصة ابني آدم من التوراة، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم

عليه السلام من الشجرة ما نصه: فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حيّ، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما، فأرسله الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا، فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت: لقد استفدت لله رجلاً، وعادت فولدت أخاه هابيل، فكان هابيل راعي غنم، وكان قايين يحرث الأرض، فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان لله، وجاء هابيل أيضاً من أبكار غنمه بقربان، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه، فساء ذلك قايين جداً وهمَّ أن يسوءه وعبس وجهه، فقال الرب لقايين: ما ساءك؟ ولِمَ كسف وجهك؟ إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك، فقال قايين لهابيل أخيه: تتمشى بنا في البقعة، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه هابيل فقتله، فقال الله لقايين: أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أدري، أرقيب أنا على أخي؟ قال الله: ماذا فعلت! فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض، من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها

فقبلت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها، وتكون فزعاً تائهاً في الأرض، فقال قايين للرب: عظمت خطيئتي من أن تغفرها، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك وأكون فزعاً تائها في الأرض، وكل من وجدني يقتلني، فقال الله ربنا: كلا! ولكن كذلك كل قاتل، وأما قايين فإنه يجزى بدل الواحد سبعة، فخرج قايين من قدام الله فجلس في الأرض نود شرقي عدن - انتهى. قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته - فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه قولو قابيل لله - حين قال له: إنه قتله -: إن كنت قتلته فأين دمه؟ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً - انتهى. ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه، كان كأنه قيل: فما فعل حين غضب؟ فقيل: {قال} أي لأخيه الذي قبل قربانه حسداً له {لأقتلنك} فكأنه قيل: بما أجابه؟

فقيل: نبهه أولاً على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن {قال إنما يتقبل الله} أي يقبل قبولاً عظيماً المحيط لكل شيء قدرة وعلماً الملك الذي له الكمال كله، فليس هو محتاجاً إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه {من المتقين *} أي العريقين في وصف التقوى، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره، فعدمُ تقبل قربانك من نفسك لا مني، فلم تقتلني؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه. ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه، أعلمه ثانياً أن الخوف من الله مَنَعَه من أن يمانعه عن نفسه مليناً لقلبه بما هو جدير أن يرده عنه خشية أن تجره الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه، لأن أخاه كان عاصياً لا مشركاً، فقال مؤكداً بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد يصدق: {لئن بسطت إليّ} أي خاصة {يدك لتقتلني} أي لتوجد ذلك بأيّ وجه كان، ثم بالغ في إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال: {ما أنا} وأغرق في النفي فقال: {بباسط} أي أصلاً، وقدم المفعول به تعميماً، ثم خص المتعلق لمناسبة الحال فقال: {يدي إليك لأقتلك} أي في أيّ وقت من الأوقات، ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدباً مع الله في عدم الحكم على

المستقبل، ثم علله بقوله: {إني أخاف الله} أي أستحضر جميع ما أقدر على استحضاره من كماله، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعاً له من الإساءة إلى أحد منهم فقال: {رب العالمين *} أي الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد ثم التربية، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى، وهذا كما فعل عثمان رضي الله عنه. ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله، المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لا يراد إلا ما يريد سبحانه، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه، وإن كان معصية أراده من حيث إنه مراد الله ولم يرضه لكونه معصية، فيرضى بالقضاء دون المقضي، وكأنه من الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه يقتله، قال مرهباً له معللاً بتعليل آخر صاد له أيضاً عن الإقدام على القتل: {إني أريد} أي بعدم الممانعة لك {أن تبوأ} أي ترجع من قتلي إن قتلتني {بإثمي} أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي، وبعقوبته الذي من جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ترضيني به من الحسنات {وإثمك} أي الذي لا سبب لي فيه، وهو الذي كان سبباً لرد قربانك واجترائك عليّ وعدوانك، وأفوز أنا بأجري وأجرك، أي

أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكفُّ يدي عنك {فتكون} أي أنت بسبب ذلك {من أصحاب النار} أي الخالدين فيها جزاءً لك لظلمك بوضعك القتل في غير موضعه، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال: {وذلك جزاء الظالمين *} أي الراسخين في وصف الظلم كلهم، وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاءً لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث كونها معصية بإرادة ظهور الكفار، لما علم من أن النصر بيد الله، فهو قادر على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد.

30

ولما كان هذا الوعظ جديراً بأن يكون سبباً لطاعته وزاجراً له عن معصيته، بين تعالى أنه قسا قلبه فجعله سبباً لإقدامه، فقال - مبيناً بصيغة التفعيل، إذ القتل لما جعل الله له من الحرمة وكساه من الهيبة لا يقدم عليه إلا بمعالجة كبيرة من النفس -: {فطوعت له} أي الذي لم يتقبل منه {نفسه قتل أخيه} أي فعالجته معالجة كبيرة وشجعته، وسهلت له بما عندها من النفاسة على زعمها حتى غلبت على عقله فانطاع لها وانقاد فأقدم عليه؛ وتحقيق المعنى أن من تصور النهي عن الذنب والعقاب عليه امتنع منه فكان فعله كالعاصي عليه، ومن استولت عليه نفسه بأنواع الشبه في تزيينه صار فعله له وإقدامه عليه كالمطيع له

الممكن من نفسه بعد أن كان عاصياً عليه نافراً عنه، ثم سبب عن هذا التطويع قوله: {فقتله} وسبب عن القتل قوله: {فأصبح} أي فكان في كل زمن {من الخاسرين *} أي العريقين في صفة الخسران بغضب الله عليه لاجترائه على إفساده مصنوعَه، وغضب أبناء جنسه عليه لاجترائه على أحدهم، وعبر بالإصباح والمراد جميع الأوقات، لأن الصباح محل توقع الارتياح، قيل: إنه لم يدر كيف يقتله، فتصور له إبليس في يده طائر فشدخ رأسه بحجر فقتله، فاقتدى به قابيل، فأتى هابيل وهو نائمٌ فشدخ رأسه بحجر. ولما كان التقدير: ثم إنه لم يدر ما يصنع به، إذ كان أول ميت فلم يكن الدفن معروفاً، سبب عنه قولَه: {فبعث الله} أي الذي له كمال القدرة والعظمة والحكمة؛ ولما كان المعنى يحصل بالغراب الباحث فقط قال: {غراباً يبحث} أي يوجد البحث وهو التفتيش في التراب بتليين ما تراصّ منه وإزاحته من مكانه ليبقى مكانه حوزة خالية.

ولما كان البحث مطلق التفتيش، دل على ما ذكرته بقوله: {في الأرض} ليواري غراباً آخر مات؛ ولما كان الغراب سبب علم ابن آدم القاتل للدفن، كان كأنه بحث لأجل تعليمه فقال تعالى: {ليريه} أي الغراب يُرى ابن آدم، ويجوز أن يكون الضمير المستتر لله تعالى، والأول أولى لتوقيفه على عجزه وجهله بأن الغراب أعلم منه وأقرب إلى الخير {كيف يواري} . ولما كانت السوءة واجبة الستر، وكان الميت يصير بعد موته كله سوءة، قال منبهاً على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول: {سوءة} أي فضيحة {أخيه} أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول، وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة تريد أن يكو القاتل وراءها، والقاتل يريد كون الجثة وراءه، فيكونان بحيث لا يرى واحد منهما الآخر، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش الناس منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه، ومن ثَمَّ سمى الغراب البين، وتشاءم به من يراه. ولما كان كأنه قيل: إن هذا لعجب، فما قال؟ قيل: {قال} الكلمة التي تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك، متعجباً متحيراً متلهفاً عالماً أن الغراب أعلم منه وأشفق، منكراً على نفسه {يا ويلتي}

أي احضُرْني يا ويل! هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك؛ ولما تفجع غاية الفجيعة وتأسف كل الأسف، أنكر على نفسه فقال: {أعجزت} أي مع ما جعل لي من القوة القاطعة {أن أكون} مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك {مثل هذا الغراب} وقوله مسبباً عن ذلك: {فأواري سوءة} أي عورة وفضيحة {أخي} نصِبَ عطفاً على أكون لا على جواب الاستفهام، لأنه إنكاري فمعناه النفي، لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها، ولو كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة {فأصبح} بسبب قتله {من النادمين *} أي على ما فعل، لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه، ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه، بل زاده بعداً، وذكر أن آدم عليه السلام لما علم قتله رثاه بشعر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ردُّ ذلك، وأن الأنبياء عليهم السلام كلهم في النهي عن الشعر سواء، وقال صاحب الكشاف: وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر، «ولا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بما سن» رواه مسلم وغيره عن عبد الله، وكذا «كل من سن سنة سيئة» ولهذا قال عليه السلام «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون» ، وهذا لأن الآدمي

لنقصانه أسرع شيء إلى الاقتداء في النقائص، وهذا ما لم يتب الفاعل، فإذا تاب أو كان غير متعمد للفعل كآدم عليه السلام لم يكن ساناً لذلك فلا شيء عليه ممن عمل بذلك. ولما علم بهذا أن الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير تأمل، فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر، أتبعه تعالى قوله: {من أجل ذلك} أي من غاية الأمر الفاحش جداً ومدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند الله وصغره عند القاتل وحبسه ومنعه وجنايته وإثارته وتهييجه وجرأة الإنسان على العظائم بغير تأمل {كتبنا} أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك عظمة المكتوب والتنبيه على ما فيه من العجز ليفيد الانزجار {على بني إسرائيل} أي أعلمناهم بما لنا من العناية بهم في التوراة التي كتبناها لهم، ويفهم ذلك أيضاً أنهم أشد الناس جرأة على القتل، ولذلك كانوا يقتلون الأنيباء، فأعلمهم الله بما فيهم من التشديد، ولِمَا علم من الأدميين - لا سيما هم - من الجرأة عليه، ليقيم عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه بينهم، ويكف عن القتل من سبقت له منه العناية بما يتصور من فظاعة القتل، وقبح صورته وفحش أمره، وعبر بأداة الاستعلاء التي هي للحتم من الوجوب والحرمة، لأن السياق للزجر، فهي تفهم المنع عن الإقدام على القتل في هذا المقام

{أنه من قتل نفساً} أي من ابني آدم، وكأنه أطلق تعظيماً لهم إشارة إلى أن غيرهم جماد {بغير نفس} أي بغير أن تكون قتلت نفساً تستحق أن تقاد بها فاستباح قتلها لتلك النفس التي قتلتها {أو} قتلها بغير {فساد} وقع منها. ولما كانت الأرض - مع أنها فراشنا فهي محل التوليد والتربية والتنمية - دار الكدر، وكان فساد من أفسد فراشه الموصوف - لا سيما وهو في كدر - دالاً على سوء جبلته، وكان سوء الجبلة موجباً للقتل، قال: {في الأرض} أي يبيح ذلك الفساد دمها كالشرك والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة الدم، وقد علم بهذا أن قصة ابني آدم مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما بعد، وتغليظُ أمر القتل تقدم عن التوراة في سورة البقرة، وقوله: {فكأنما قتل الناس جميعاً} من جملة الأدلة المبطلة لما ادعوا من البنوة، إذ معناه أن الناس شرع واحد من جهة نفوسهم متساوون فيها. كلهم أولاد آدم، لا فضل لأحد منهم على آخر في أصل تحريم القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص أو فساد لا من بني إسرائيل ولا من غيرهم، وذلك كما قال تعالى في ثاني النقوض {بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18] فصار من قتل نفساً واحدة بغير ما ذكر

فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعاً، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره، ومن سن سنة كان كفاعلها {ومن أحياها} أي بسبب من الأسباب كعفو، أو إنقاذ من هلكة كغرق، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلماً {فكأنما أحيا} أي بذلك الفعل الذي كان سبباً للأحياء {الناس جميعاً} أي بمثل ما تقدم في القتل، والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم عليها ومن عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة، ومما يحسن إيراده هاهنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه الله تعالى: الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهمُ آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظمُ خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهمُ في أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... وللرجال علىلأفعال أسماء وضد كل امرىء ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء

ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك، أتبعه حالاً منهم دالة على أنهم بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال: {ولقد} أي والحال أنهم قد {جاءتهم رسلنا} أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلّهم وأجمعهم للكمالات وأرفعهم عن النقائص، لأن كل رسول دال على مرسله {بالبينات} أي الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا، آمره لهم بكل خير، زاجرة عن كل ضير، لم نقتصر في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة. ولما كان وقوع الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ذلك - بعيداً - عبر بأداة التراخي مؤكداً بأنواع التأكيد فقال: {ثم إن كثيراً منهم} أي بني إسرائيل، وبيَّنَ شدة عتوّهم بإصرارهم خلفاً بعد سلف فلم يثبت الجار فقال: {بعد ذلك} أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب {في الأرض} أي التي هي مع كونها فراشاً لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلاً عن الإسراف {لمسرفون *} أي عريقون في الإسراف بالقتل وغيره.

33

ولما كان هذا الإسراف بعد هذه الموانع محاربة للناهي عنه، وكان تارة يكون بالقتل وتارة بغيره، وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من القتل لكونه كمن قتل الناس جميعاً، وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر: {إنما جزاؤا} وكان الأصل: جزاؤهم، ولكن أريد تعليق الحكم بالوصف والتعميم فقال: {الذين يحاربون الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له {ورسوله} أي بمحاربة من نَهَيَا عن محاربته بقطع الطريق وهم مسلمون، ولهم منعة ممن أرادهم، ويقصدون المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو خارجها. ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً، أعلم أن هؤلاء عماد الشيطان بقوله: {ويسعون في الأرض} ولما كان هذا ظاهراً في الفساد، صرح به في قوله: {فساداً} أي حال كونهم ذوي فساد، أو للفساد، ويجوز أن يكون مصدراً ليسعون - على المعنى، ولما كانت أفعالهم مختلفة، فسم عقوبتهم بحسبها فقال: {أن يقتلوا} أي إن كانت جريمتهم القتل فقط، لأن القتل جزاؤه القتل، وزاد - لكونه في قطع الطريق - صيرورته حتماً لا يصح العفو عنه {أو يصلّبوه} أي مع القتل إن ضموا إلى القتل أحد المال، بأن يرفع المصلوب على جذع، ومنهم من قال: يكون ذلك وهو حيّ، فحينئذٍ تمد يداه مع الجذع، والأصح عند الشافعية أنه يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمناً يشيع خبره فيه لينزجر غيره، ولا يزاد على ثلاثة أيام {أو تقطّع أيديهم}

أي اليمنى بأخذهم المال من غير قتل {وأرجلهم} أي اليسرى لإخافة السبيل، وهذا معنى قوله: {من خلاف} أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط {أو ينفوا من الأرض} أي بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا في قبضة الإمام ليكونوا منتقلين من بلد إلى آخر ذعراً وخوفاً، وبالحبس إن وقعوا في القبضة، وكانوا قد كثروا سواد المحاربين وما قتلوا ولا أخذوا مالاً {ذلك} أي النكل الشديد المفصّل إلى ما ذكر {لهم} أي خاصاً بهم {خزي} أي إهانة وذل بإيقاعه بهم {في الدنيا} أي ليرتدع بهم غيرهم {ولهم} أي إن لم يتوبوا {في الآخرة} أي التي هي موطن الفصل بإظهار العدل {عذاب عظيم} أي هو بحيث لا يدخل تحت مَعارِفِكم أكثر من وصفه بالعظم. ولما كان التعبير ب «إنما» يدل بختم الجزاء على هذا الوجه، استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى، ولذا قال: {من قبل} وأثبت الجار إشارة إلى القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة {أن تقدروا عليهم} أي فإن تحتم الجزاء المذكور يسقط، فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلاّ إذا طلب صاحب الحق،

فإن عفا كان له ذلك، وأما حق الله تعالى فإنه يسقط، وإلى هذا الإشارة أيضاً بقوله تعالى: {فاعلموا أن الله} أي على ما له من صفات العظمة {غفور رحيم *} أي صفته ذلك أزلاًَ وأبداً، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء، وأفهمت الآية أن التوبة بعد القدرة لا تسقط شيئاً من الحدود. ولما ذكر تعالى حكمهم عند التوبة، وختم الآية بما يناسب من الغفران والرحمة، وكان ذلك ربما كان جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه المتعالي، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله: {يا أيها الذين آمنوا} أي وجد منهم الإقرار بالإيمان {اتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية تصديقاً لما أقررتم به، لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام. ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخلٍّ من فضائح المنهيات وتحلٍّ بملابس المأمورات، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد، أتبعه الثاني فقال: {وابتغوا} أي اطلبوا طلباً شديداً {إليه} أي خاصة {الوسيلة} أي التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه غفور رحيم. ولما كان سببحانه قد قدم أوامر ونواهي، وكان الاستقراء

قد أبان الناس عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض، وكان قد أمر المقبل بجهاد المعرض، وكان للجهاد. بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيدُ خصوصية، أفرد بالذكر تأكيداً لما مضى منه وإعلاماً بأنه للعاصي مطلقاً سواء كان بالكفر أو بغيره فقال: {وجاهدوا في سبيله} أي لتكون كلمته هي العليا {لعلكم تفلحون *} أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه، وهذا شامل لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته وأدناها.

36

ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة: التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلاً للوصف الأول وهو الإيمان، ناسب كل المناسبة تحذيراً من تركها ذكرُ حال الكفار وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللاً لما قبله: {إن الذين كفروا} أي بترك ما في الآية السابقة، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة في التحذير {لو أن لهم ما في الأرض} وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق الظرف والمظروف فقال: {جميعاً} أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جداً منه، وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال، وزاد الأمر هولاً بقوله: {ومثله} ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرَّقاً قال {معه} . ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان

عند الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون، والإفهام بأن المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال، أعاد الضمير على هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفرداً، فقال معبراً بالمضارع الدال على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين بالكفر والمحاربة لله ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسعي في الأرض بالفساد، ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية: {ليفتدوا به} أي يجددوا الافتداء في كل لحظة، أي بما ذكر {من عذاب يوم القيامة} . ولما كان المراد تهويل الأمر بردّه، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الرادّ، قال: {ما تقبل منهم} بالبناء للمفعول، أي على حالة من الحالات وعلى يد من كان، لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق. ولما كان من النفوس ما هو سافل لا ينكّبه الرد، وكان الرد لأجل إمضاء المُعَدِّ من العذاب، قال مصرحاً بالمقصود: {ولهم} أي بعد ذلك {عذاب أليم *} أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم لما أظهروا من شموس البيان، وانتهكوا من حرمات الملك الديان. ثم علل

شدة إيلامه بدوامه فقال: {يريدون أن يخرجوا} أي يكون لهم خروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً {من النار} ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد الشديد فقال: {وما هم} وأغرق في النفي بالجار واسم الفاعل فقال: {بخارجين منها} أي ما يثبت لهم خروج أصلاً، ولعله عبر في النفي بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير، فإن سمى أحد ذلك خروجاً فهو غير مرادهم. ولما كان المعذبون في دار ربما دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب قال: {ولهم} أي خاصة دون عصاة المؤمنين {عذاب} أي تارة بالحر وتارة بالبرد وتارة بغيرهما، دائم الإقامة لا يبرح ولا يتغير {مقيم *} . ولما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير متقٍ ولا متوسل، عقب بها فقال: {والسارق} الآخذ لما هو في حرز خفيةً لكونه لا يستحقه {والسارقة} أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، أو حكمهما فيما يتلى عليكم، سبب عنه قوله: {فاقطعوا} وال - قال المبرد - للتعريف بمعنى: الذي، والفاء للسبب كقولك:

الذي يأتيني فله كذا كذا درهم {أيديهما} أي الأيامن من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه - كما بين جميع ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: {جزاء بما كسبا} أي فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهواناً لها للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: {نكالاً} أي منعاً لهما كما يمنع القيد {من الله} أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب، وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عزيز} أي في انتقامه فلا يغالبه شيء {حكيم *} أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله، لأنه يضعه في أتقن مواضعه. ولما ختم بوصفي العزة والحكمة، سبب عنهما قوله: {فمن تاب} أي ندم وأقلع، ودل على كرمه بالقبول في أيّ وقت وقعت التوبة فيه ولو طال زمن المعصية بإثبات الجار فقال: {من بعد} وعدل عن أن يقول «سرقته» إلى {ظلمه} تعميماً للحكم في كل ظلم، فشمل ذلك فعل طعمة وما ذكر بعده مما تقدم في النساء وغير ذلك

من كل ما يسمى ظلماً {وأصلح} أي أوجد الإصلاح وأوقعه بردّ الظلامة والثبات على الإقلاع {فإن الله} أي بما له من كمال العظمة {يتوب عليه} أي يقبل توبته ويرجع به إلى أتم ما كان عليه قبل الظلم من سقوط عذاب الآخرة دون عقاب الدنيا، رحمة من الله له ورفقاً به وبمن ظلمه وعدلاً بينهما، لا يقدر أحد أن يمنعه من ذلك ولا يحول بينه وبينه لحظة ما؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له الكمال كله أزلاً وأبداً {غفور رحيم *} أي بالغ المغفرة والرحمة، لا مانع له من ذلك ولا من شيء منه ولا من شيء يريد فعله، بل هو فعال لما يريد، والآية معطوفة على آية المحاربين وإنما فصل بينهما بما تقدم لما ذكر من العلة الطالبة لمزيد العناية به.

40

ولما كان معنى ذلك أنه لا اعتراض عليه سبحانه في شيء من ذلك ولا مانع، لأن قدرته تامة، ليس هو كمن يشاهد من الملوك الذين ربما يعجزون من اعتراض أتباعهم ورعاياهم عن تقريب بعض ما لم يباشر إساءة، وإبعاد بعض من لم يباشر إحساناً، فكيف بغير ذلك! قال تعالى مقرراً لذلك بتفرده في الملك: {ألم تعلم أن الله} أي الذي له جميع العز {له ملك السماوات} أي على علوها وارتفاع سمكها وانقطاع أسباب ما دونها منها {والأرض} أي أن الملك خالص له عن جميع الشوائب.

ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة، وكان السياق لها لما تقدم من خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابنيّ آدم والسرقة والمحاربة وغير ذلك، قدم قوله معللاً لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من رعاية لمصالح أو غيرها: {يعذب من يشاء} أي من بني إسرائيل الذين ادعوا النبوة والمحبة وغيرهم وإن كان مطيعاً أي له فعل ذلك لآنه لا يقبح منه شيء {ويغفر لمن يشاء} أي وإن كان عمله موبقاً، لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه اعتراض. ولما كان التقدير: لأنه قادر على ذلك، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل كمال {على كل شيء} أي شيء {قدير *} أي ليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوه، وهذه القضية الضرورية ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام، وكرَّ بها على أتم انتظام إلى أوائل نقوض دعواهم في قوله {بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18]-. ولما تقرر ذلك، كان من غير شك علةً لعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من أمر غيرهم ممن عصى شيئاً من هذه الأحكام، كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] إلى أن قال: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23] ، فقوله: {يا أيها الرسول} أي المبلغ لما أرسل به - معلول لما قبله. وأدل دليل

على ذلك قوله تعالى {ومن يرد اله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} {ولا يحزنك} أي لا يوقع عندك شيئاً من الحزن صنعُ {الذين يسارعون في الكفر} أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع فعلَ من يسابق غيره، وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة بإتمام النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم، وقدم أسوأ القسمين فقال: {من الذين قالوا آمنا} . ولما كان الكلام هو النفسي، أخرجه بتقييده بقوله: {بأفواههم} معبراً لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن القلب من اللسان، فهم إلى الحيوان أقرب منهم إلى الإنسان، وزاد ذلك بياناً بقوله: {ولم تؤمن قلوبهم} . ولما بين المسارعين بالمنافقين، عطف عليهم قسماً آخر هم أشد الناس مؤاخاة لهم فقال: {ومن الذين هادوا} أي الذين عرفت قلوبهم وكفرت ألسنتهم تبعاً لمخالفة قلوبهم لما تعرف عناداً وطغياناً، ثم أخبر عنهم بقوله: {سمّاعون} أي متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة {للكذب} أي من قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب {سمّاعون لقوم آخرين} أي الصدق، ثم وصفهم بقوله: {لم يأتوك} أي لعلة، وذكر الضمير لإرادة الكلام، لأن المقصود البغض على

نفاقهم {يحرفون الكلم} أي الذي يسمعونه عنك على وجهة فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين: المغير والمغير إليه، واللفظين فلا يبعدوا به، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه إلى حد آخر قريب منه جداً، ولذلك، أثبت الجار فقال: {من بعد} أي يثبتون الإمالة من مكان قريب من {مواضعه} أي النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على غير تأويله، أو يثبتوا ألفاظاً غير ألفاظه قريبة منها فلا يبعد منها المعنى جداً وهذا أدق مكراً مما في النساء وهو من الحرف وهو الحد والطرف، وانحرف عن الشيء: مال عنه، قال الصغاني: وتحريف الكلام عن مواضعه: تغييره، وقال أبو عبد الله القزاز: والتحريف التفعيل، من: انحرف عن الشيء - إذا مال، فمعنى حرفت الكلام: أزلته عن حقيقة ما كان عليه في المعنى، وأبقيت له شبه اللفظ، ومنه قوله تعالى {يحرفون الكلم} ، وذلك أن اليهود كانت تغير معاني التوراة بالأشباه، وفي الحديث «يسلط عليهم طاعون يحرف القلوب» أي يغيرها عن التوكل ويدعوهم إلى الانتقال عن تلك البلاد، وحكي: حرفته عن جهته - أي بالتخفيف - مثل: حرّفته، والمحارفة: المقايسة، من المحراف وهو

الميل الذي يقاس به الجراح - انتهى. فالآية من الاحتباك: حذف منها أولاً الإتيان وأثبت عدمه ثانياً للدلالة عليه، وحذف منها ثانياً الصدق ودل عليه بإثبات ضده - الكذب - في الأولى. ولما كان كأنه قيل: ما غرضهم بإثبات الكذب وتحريف الصدق؟ قال: {يقولون} أي لمن يوافقهم {إن أوتيتم} أي من أيّ مؤت كان {هذا} أي المكذوب والمحرف {فخذوه} أي اعملوا به {وإن لم تؤتوه} أي بأن أوتيتم غيره أو سكت عنكم {فاحذروا} أي بأن تؤتوا غيره فتقبلوه. ولما كان التقدير: فأولئك الذين أراد الله فتنتهم، عطف عليه قوله: {ومن يرد الله} أي الذي له الأمر كله {فتنته} أي أن يحل به ما يميله عن وجه سعادته بالكفر حقيقة أو مجازاً {فلن تملك له من الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له {شيئاً} أي من الإسعاد، وإذا لم تملك ذلك أنت وأنت أقرب الخلق إلى الله فمن يمكله. ولما كان هذا، أنتج لا محالة قوله: {أولئك} أي البعداء من الهدى {الذين لم يرد الله} أي وهو الذي لا راد لما يريده، ولا فاعل لما يرده، فهذه أشد الآيات على المعتزلة {أن يطهر قلوبهم} أي بالإيمان، والجملة كالعلة لقوله {فلن تملك له من الله شيئاً} ، ولما ثبت

أن قلوبهم نجسة، أنتج ذلك قوله: {لهم في الدنيا خزي} أي بالذل والهوان، أما المنافقون فبإظهار الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار، وأما اليهود فببيان أنهم حرفوا وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار {ولهم في الآخرة} التي من خسرها فلا ربح له بوجه ما {عذاب عظيم *} أي لعظيم ما ارتكبوه من هذه المعاصي المتضاعفة.

42

ولما ذكر التحريف، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكرراً لوصفهم زيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم: {سمّاعون} أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم ذلك {للكذب أكّالون} أي على وجه المبالغة {للسحت} أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها، وهو كل ما لا يحل كسبه، وذلك أخذهم الرشى ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله، قال الشيخ أبو العباس المرسي: ومن آثر من الفقراء السماع لهواه، وأكل ما حرمه مولاه، فقد استهوته نزعة يهودية، فإن القوال يذكر العشق والمحبة والوجد وما عنده منها شيء. ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على

من لعله يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا: ليس هذا في ديننا - طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، وحذره غوائل مكرهم، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب: {فإن جاءوك} أي طمعاً في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم {فاحكم بينهم} أي إن شئت بما أنزل الله عليك من الحق {أو أرض عنهم} أي كذلك. ولما كان قوله: {وإن} دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير: فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم، قال: وإن {تعرض عنهم} أي الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين {فلن يضروك شيئاً} أي إعراضك عنهم واستهانتك بهم. ولما كان التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولاً، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك، علَّمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفاً على ما قدرته: {وإن حكمت} أي فيهم {فاحكم} أي أوقع الحكم {بينهم بالقسط} أي العدل الذي أراكه الله - على أن

الآية ليست في أهل الذمة، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المقسطين} أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً. ولما كان التقدير: فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل، عطف عليه قوله معجباً منهم موبخاً لهم: {وكيف يحكمونك} أي في شيء من الأشياء {وعندهم} أي والحال أنه عندهم {التوراة} ثم استأنف قوله: {فيها حكم الله} أي الذي لا يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقرراً في شرعهم أنه لا يسوغ خلافه، فإن كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على زعمهم، وإن كانوا لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك كانوا قد آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيماً، وكان وقوعه ممن يدعي أنه مؤمن به بعيداً عظيماً شديداً، قال: {ثم يتولون} أي يكلفون أنفسهم الإعراض عنه سواء تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية، ولما كان المراد بالحكم الجنس، وكانوا يفعلون بعض أحكامها

فلم يستغرق زمان توليهم زمان البعد، أدخل الجار لذلك فقال: {من بعد ذلك} أي الأمر العالي وهو الحكم الذي يعلمون أنه حكم الله، فلم يبق تحكيمهم لك من غير إيمان بك إلا تلاعباً. ولما كان التقدير: فما أولئك بالمريدين للحق في ترافعهم إليك، عطف عليه قوله: {وما أولئك} أي البعداء من الله {بالمؤمنين *} أي العريقين في صفة الإيمان بكتابهم ولا بغيره مما يستحق الإيمان به، لأنهم لو كانوا عريقين في ذلك آمنوا بك لأن كتابهم دعا إليك.

44

ولما تضمن هذا مدح التوراة، صرح به فقال تأكيداً لذمهم في الإعراض عما دعت إليه من أصل وفرع، وتحذيراً من مثل حالهم: {إنا أنزلنا} أي على ما لنا من العظمة {التوراة} ثم استأنف قوله معظماً لها: {فيها هدى} أي كلام يهدي بما يدعو إليه إلى طريق الجنة {ونور} أي بيان لا يدع لبساً، ثم استأنف المدح للعاملين بها فقل: {يحكم بها النبيون} ووصفهم بأعلى الصفات وذلك الغنى المحض، فقال مادحاً لا مقيداً: {الذين أسلموا} أي أعطوا قيادهم لربهم سبحانه حتى لم يبق لهم اختيار أصلاً، وفيه تعريض بأن اليهود بعداء من الإسلام وإلا لاتبعوا أنبياءهم فيه، فكانوا يؤمنون بكل من قام الدليل على نبوته. ولما كان من المعلوم أن حكمهم بأمر الله لهم باتباع التوراة ومراعاتها، عُلِم أن التقدير: بما استحفظوا من كتاب الله، فحذف لدلالة ما يأتي عليه

وإشعار الإسلام به، ثم بين المحكوم له تقييداً به إشارة إلى أنها ستنسخ فقال: {للذين هادوا} أي لمن التزم اليهودية {والرّبانيون} أي أهل الحقيقة، منهم الذين انسلخوا من الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرب {والأحبار} أي العلماء الذي أسلموا {بما} أي بسبب ما. ولما كان سبب إسلام أمرهم بالحفظ، لا كونه من الله بلا واسطة، بني للمفعول قوله: {استُحفظوا} أي الأنبياء ومن بعدهم {من كتاب الله} أي بسبب ما طلبوا منهم وأمروا به من الحفظ لكتاب الذي له جميع صفات الكمال الذي هو صفته، فعظمته من عظمته، وحفظه: دراسته والعمل بما فيه {وكانوا} أي وبما كانوا {عليه شهداء} أي رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلاً، فالآية - كما ترى - من فن الاحتباك: ترك أولاً «بما استحفظوا» لدلالة ما ذكر هنا عليه، وترك ذكر الإسلام هنا لدلالة ذكره أولاً عليه، وإنما خص الأول بذكر الإسلام لأن الأنبياء أحق به، وهو داع إلى الحفظ قطعاً، وخص الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به، وهو دال على الإسلام. ولما كان هذا كله ذماً لليهود بما تركوا من كتابهم، ومدحاً لمن راعاه منهم، وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف، قال مخاطباً لهذه الأمة

كلها طائعها وعاصيها، وحذراً لها من مثل حالهم ومرغباً في مثل حال الأنبياء والتابعين لهم بإحسان، مسبباً عن ذلك: {فلا تخشوا الناس} أي في العمل بحكم من أحكام الله {واخشون} أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان، فمن كان منكم مسلماً طائعاً فليزدد طاعة، ومن لم يكن كذلك فليبادر بالانقياد والطاعة، وهذا شامل لليهود وغيرهم. ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيراً أتبعه الطمع فقال: {ولا تشتروا} ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن، وكان المثمن أشرف من الثمن من حيث إنه المرغوب فيه، جعل الآيات مثمناً وإن اقترنت بالباء، حتى يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها، وأنها لا يصح كونها ثمناً فقال: {بآياتي ثمناً قليلاً} أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب. ولما نهى عن الأمرين، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة، رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: من جحد حكم الله كفر ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق. فلما كان التقدير: فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون، عطف عليه ما أفهمه من قوله:

{ومن لم يحكم} أي يوجد الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه تديناً بالإعراض عنه، أعم من أن يكون تركه له حكماً بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء من كل خير {هم الكافرون} أي المختصون بالعراقة في الكفر، وهذه الآيات من قوله تعالى {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى هنا نزلت في الزنا، ولكن لما كان السياق للمحاربة، وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فساداً صرح به، ولما كان الزنا محاربة خفية بالنظر إلى فحشه وحرمته وجرّه في بعض الصور إلى المحاربة وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض، وصاحبه غير متزيّ بزيّ المحاربين، لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن كانت نزلت فيه، روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته: «إن الله بعث محمداً وأنزل عليه كتاباً، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها» الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم «وقد رجم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورجمنا بعده - الحديث. وفي آخره: ولولا أني أخشى أن يقول الناس: زاد في كتاب الله، لأثبته في حاشية المصحف» وأصله في الصحيحين وغيرهما، وللحاكم والطبراني عن أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء رضي الله عنها بلفظ: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة» وفي صحيح ابن حبان عن أبي بن كعب

رضي الله عنه أنه قال لزرّ بن حبيش: «كم تعدون سورة الأحزاب من آية؟ قال: قلت: ثلاثاً وسبعين، قال: والذي يحلف به! كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها آية الرجم: الشيخ والشيخة» الحديث. وللشيخين: البخاري في مواضع، ومسلم وأحمد وأبي داود - وهذا لفظه - والدرامي والترمذي في الحدود والنسائي في الرجم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «إن اليهود جاؤوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما تجدون في التوراة في شأن الزنا؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون - وفي رواية: فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً - فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، فنشروها فجعل أحدهم - وفي رواية - مدراسها الذي يدرسها منهم - يده على آية الرجم فجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفعها فقال: ما هذه؟ فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجما، قال عبد الله

بن عمر رضي الله عنهما: فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة» وفي لفظ للبخاري في التفسير أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم! فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» وفي لفظ له في التوحيد - وهو رواية أحمد - أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي قال: «فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» ولأبي داود عن ابن عمر أيضاً رضي الله عنهما قال: «أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى القف، فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم! إن رجلاً منا زنى بامرأة فاحكم، فوضعوا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسادة فجلس عليها ثم قال: ائتوني بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم، فأتي بفتى شاب» فذكر قصة الرجم نحو الذي قبله، وسكت عليه أبو داود

والحافظ المنذري في مختصره وسنده حسن، ولمسلم وأبي داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيهودي محمم. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: نشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالك اللهم! لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد وتركنا الرجم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى قوله: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41] إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] في اليهود - إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] في اليهود - إلى قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله

فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] قال: هي في الكفار كلها» يعني هذه الآية. وروى الدارقطني في آخر النذور من السنن عن جابر رضي الله عنه قال: «أتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيهودي ويهودية قد زنيا، فقال لليهود: ما يمنعكم أن تقيموا عليهما الحد؟ فقالوا: كنا نفعل إذا كان الملك لنا، فلما أن ذهب ملكنا فلا نجتري على الفعل، فقال لهم: ائتوني بأعلم رجلين فيكم، فأتوه بابني صوريا، فقال لهما: أنتم أعلم من ورائكما؟ قالا: يقولون، قال: فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حدهما في التوراة؟ فقالا: الرجل مع المرأة زنية وفيه عقوبة، والرجل على بطن المرأة زنية وفيه عقوبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة رُجِم، قال: ائتوني بالشهود فشهد أربعة، فرجمهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» - انتهى. وهذه الآية ملتفتة إلى آية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} - الآية والتي بعدها أي التفات وذلك أن هؤلاء لما تركوا هذا الحكم، جرَّهم إلى الكفر وليس في هذه الروايات - كما ترى - تقييد الرجم بالإحصان،

وكذا هو فما هو موجود عندهم في التوراة، قال في السفر الثالث وغيره: ثم كلم الله موسى وقال له: قل لبني إسرائيل: أيُّ رجل من بني إسرائيل ومن الذين يقبلون إلى أيّ ويسكنون بين بني إسرائيل ألقى زرعه في امرآة غريبة يقتل ذلك الرجل فليرجمه جميع الشعب بالحجارة، وأنا أيضاً أنزل غضبي بذلك الرجل وأهلكه من شعبه، لأنه ألقى زرعه في غريبة وأراد أن ينجس مقدسي وأن ينجس اسم قدسي، فإن غفل شعب الأرض عن الرجل الذي ألقى زرعه في غريبة ولم يوجبوا عليه القتل أنزل غضبي بذلك الرجل وبقبيلته وأهلكه وأهلك من يضل به، لأنهم ضلوا بنساء غريبات لسن لهم بحلال، ثم قال: الرجل الذي يأتي امرأة صاحبه وامرأة رجل غريب يقتلان جميعاً، والرجل الذي يرتكب ذكراً مثله فيرتكب منه ما يرتكب من النساء فقد ارتكبا نجاسة، يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج امرأة وأمها فقد ارتكب خطيئة، يحرق بالنار هو وهما، والرجل الذي يرتكب من البهيمة ما يرتكب من النساء يقتل قتلاً، والبهيمة ترجم أيضاً، والمرأة التي ترقد بين يدي البهيمة لترتكب منها البلاء تقتل المرأة والبهيمة جميعاً، يقتلان ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي امرأة طامثاً ويكشف عورتها، قد كشف عن ينبوعها وهي أيضاً كشفت عن ينبوع دمها،

يهلكان جميعاً من شعبهما، وقال: والرجل الذي يأتي امرأة أبيه قد كشف هذا عورة أبيه، يقتلان جميعاً ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يأتي كنّته يقتلاه كلاهما، لأنهما ارتكبا خطيئة، ودمهما في أعناقهما، والرجل الذي يتزوج أخته من أمه أو من أبيه ويرى عورتها وترى عورته، هذا عار شديد، يقتلان قدام شعبهم، وذلك لأنه كشف عورة أخته، يكون إثمهما في رؤوسهما، لا تكشفن عورة عمتك ولا خالتك! لأنهما قرابتك، ومن فعل ذلك يعاقب بإثم فضيحته، والرجل الذي يأتي امرأة عمه قد كشف عورة عمه يعاقبان بخطيئتهما ويموتان، والرجل الذي يتزوج امرأة أخيه قد ارتكب إثماً، لأنه كشف عورة أخيه يموتان، بل وصرح برجم البكر فقال في السفر الخامس فيمن تزوج بكراً فادعى أنه وجدها ثيباً: فإن كان قذفه إياها حقاً ولم يجدها عذراء تخرج الجارية إلى بيت أبيها، ويرجمهاه أهل القرية بالحجارة وتموت، لأنها ارتكبت حوباً بين يدي بني إسرائيل وزنت في بيت أبيها، نحوّا الشر عنكم، وإن وجد رجل يسفح بامرأة رجل يقتلان كلاهما: الرجل والمرأة، بل صرح برجم البكر المكرهة فقال عقب ما تقدم: وإن كان لرجل خطيبة بكر لم يبتن بها بعد، فخرجت خارجاً فظفر بها

رجل وقهرها وضاجعها، يخرجان جميعاً ويرجمان حتى يموتا، وإنما تقتل الجارية مع الرجل لأنها لم تصرخ ولم تستغث - انتهى. فالأحاديث المفيدة بالإحصان في هذه القصة ينبغي أن تكون مرجوحة، لأن رواتها ظنوا أن الجادة الإسلامية شرع لهم.

45

ولما كان ختام هذه الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله مطابقاً لقوله في أول سياق المحاربة {ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} رجع إلى القتل مبيناً أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في الزنا، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، فقال: {وكتبنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم فيها} أي في التوراة، عطفاً على قوله {كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس} ، وإذا أنعمت النظر وجدت ما بينهما لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه كأنه اعتراض {أن النفس} أي مقتولة قصاصاً مثلاً بمثل {بالنفس} أي بقتل النفس بغير وجه مما تقدم {والعين} أي تقلع {بالعين} أي قلعت بغير شبهة {والأنف} يجدع {بالأنف} كذلك {والأذن} تصلم {بالأذن} على ما تقدم {والسن} تقلع {بالسن} إذا قلعت عمداً بغير حق {والجروح} أي التي تنضبط كلها {قصاص} مثلاً بمثل سواء بسواء. ولما أوجب سبحانه هذا، رخص لهم في النزول عنه، فسبب عن

ذلك قوله: {فمن تصدق به} أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقياً أو وارثه إن كان هالكاً {فهو} أي التصدق بالقصاص {كفارة له} أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية، إنما هو القصاص أو العفو، فمن حكم بما أنزل الله على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} أي الذي لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء، أو تديناً بالإعراض عنه سواء حكم بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء عن طريق الاستقامة، البغضاء إلى أهل الكرامة {هم الظالمون *} أي الذي تركوا العدل فضّلوا، فصاروا كمن يمشي في الظلام، فإن كانا تديناً بالترك كان نهاية الظلم وهو الكفر، وإلا في الزنا نحو ما تقدم ثم قال: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] إلى: {المقسطين} إنما نزلت في الدية بين بني النضير وبني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف - يؤدون الدية الكاملة وأن

بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الحق في ذلك فجعل الدية سواء» قال ابن إسحاق: فالله أعلم أيّ ذلك كان! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق، وروي من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً، قال: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قُتِل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر، فلما بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتوه فنزلت {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] انتهى. وهذا نص ما عندهم من التوراة في القصاص قال في السفر الثاني: وكل من ضرب رجلاً فمات فليقتل قتلاً، وإذا تشاجر رجلان فأصابا امرأة حبلى فأخرجا جنينها ولم تكن الروح حلت في السقط بعد، فليغرم على قدر ما يلزمه زوج المرأة، وليؤد ما حكم عليه الحاكم، فإن كانت الروح حلت في السقط فالنفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن واليد باليد والرجل بالرجل

والجراحة بالجراحة واللطمة باللطمة، وقال في السفر الثالث بعد ذكر الأعياد في الاصحاح السابع عشر: ومن قتل إنساناً يقتل، ومن قتل بهيمة يدفع إلى صاحبها مثلها، والرجل يضرب صاحبه ويؤثر فيه أثراً يعاب به يصنع به كما صنع، والجروح قصاص: الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن، كما يصنع الإنسان بصاحبه كذلك يصنع به، القضاء واحد لكم وللذين يقبلون إليّ، وقال في الثاني: إذا ضرب الرجل عين عبده أو أمته ففقأها فليعتقه بدل عينه، وإذا قلع سن عبده أو أمته فليعتقه بدل سنة - وذكر أحكاماً كثيرة، ثم قال: ومن ذبح للأوثان فيهلك، بل لله وحده، وقال في الرابع: ومن يقتل نفساً لا يقتل إلا ببينة عادلة، ولا تقبل شهادة شاهد واحد على قتل النفس، ولا تقبلوا رشوة في إنسان يجب عليه القتل بل يقتل، لوا تأخذوا منه رشوة ليهرب إلى قرية إلى الملجأ ليسكنها إلى وفاة الحبر العظيم، ولا تنجسوا الأرض التي تسكنونها، لأن الدم ينجس الأرض، والأرض التي يسفك فيها الدم لا يغفر لتلك الأرض حتى يقتل القاتل الذي قتل، وقال في الخامس: ولا يقتل من قد وجب عليه القتل إلا بشهادة رجلين،

لا يقتل بشهادة رجل واحد، وإذا رجمتم فالذي يُشَهد عليه فليبدأ برجمه الشهود أولاً ثم يبدأ به جميع الشعوب، وأهلكوا الذين يعملون الشر واستأصلوهم من بينكم، وإن شهد رجل على صاحبه شهادة زور يقوم الرجلان قدام الحبر والقاضي فيفحصون عن أمرهما فحصاً شديداً، فإن وجدوا رجلاً شهد شهادة، زور يصنعوا به مثل ما أراد أن يصنع بأخيه، ونحوّا الشر من بينكم، وعاقبوا بالحق ليسمع الذين يتقون فيفزعوا ولا يعودوا أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح بينكم، ولا تشفق أعينكم على الظالم، بل يكون قضاؤكم نفساً بنفس وعيناً بعين وسناً بسن ويداً بيد ورجلاً برجل. ولما كانت هذه الآيات كلها - مع ما فيها من الأسرار - ناقضة أيضاً لما ادعوا من البنوة بما ارتكبوه من الذنوب من تحريف كلام الله وسماع الكذب وأكل السحت والإعراض عن أحكام التوراة والحكم بغير حكم الله، أتبعها ما أتى به عيسى عليه السلام الذي ادعى فيه النصارى النبوة الحقيقية والشركة في الإلهية، وقد أتى بتصديق التوراة في الشهادة على من خالفها من اليهود بالتبرؤ من الله، مؤكداً لما فيها من التوحيد الذي هو عماد الدين وأعظم آياتها التي أخذت عليهم بها العهود ووضعت في تابوت الشهادة الذي كانوا يقدمونه أمامهم في الحروب، فإن كانوا باقين على ما فيه من الميثاق نصروا وإلا خذلوا، وناسخاً لشريعتهم مجازاة لهم

من جنس ما كانوا يعملون من التحريف، وشاهداً على من أطراه بالضلال فقال: {وقفينا} إلى آخرها، وكذا كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة، لا تخلوا آية منها من التعرض إلى نقض دعواهم لها بذكر ذنب، أو ذكر عقوبة عليه، أو ذكر تكذيب لهم من كتابهم أو نبيهم، والمعنى: أوجدنا التقفية، وهي اتباع شيء بشيء تقدِّمه، فيكون أتيا في قفاه لكونه وراءه، وإلقاؤه في مظهر العظمة لتعظيم شأن عيسى عليه السلام {على آثارهم} أي النبيين الذين يحكمون بالتوراة، وذكر الأثر يدل على أنهم كانوا قد تركوا دينهم، لم يبق منه إلا رسم خفي {بعيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيباً لليهود، وإلى أنه عبد مربوب تكذيباً للنصارى، فقال: {ابن مريم مصدقاً} أي عيسى عليه السلام في الأصول وكثير من الفروع و {لما بين يديه} أي مما أتى به موسى عليه السلام قبله {من التوراة} وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله: {وآتيناه الإنجيل} أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليه السلام. ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد، والمتشابه الذي لا يفهمه إلا الأفراد من خلص العباد، ولا يقف بَعدَ فهمه عند حدوده إلا المتقون، قال مبيناً لحاله: {فيه} أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائناً

فيه {هدى} أي وهو المحكم، يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم {ونور} أي حسن بيان كاشف للمشكلات، لا يدع بذلك الصراط لبساً. ولما كان الناسخ للشيء بتغيير حكمه قد يكون مكذباً له، أعلم أنه ليس كذلك، بل هو مع النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبيناً لحال الإنجيل عطفاً على محل {فيه هدى} : {ومصدقاً} أي الإنجيل بكماله {لما بين يديه} ولما كان الذي نزل قبله كثيراً، عين المراد بقوله: {من التوراة} فالأول صفة لعيسى عليه السلام، والثاني صفة لكتابه، بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون، فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما، لم يتخالفوا في شيء، بل هو متخلق بجميع ما أتى به. ولما كان المتقون خلاصة الخلق، فهم الذين يُنزلون كل ما في كتب الله من محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق به المتشابه والمحكم، وكان قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد المتشابه إليه فصار بعد البيان كله هدى، قال معمماً بعد ذلك التخصيص: {وهدى وموعظة للمتقين *} أي كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به وينتقلون مترقين من حال عالية إلى حال أعلى منها.

ذكرُ بعض ما يدل على ذلك من الإنجيل الذي بين ظهراني النصارى الآن وقد مزجتُ فيه كلام بعض الأناجيل ببعض وأغلب السياق لمتى، وعينتُ بعض ما خالفه، قال لوقا: وجاء إليه قوم وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم مع دماء ذبائحهم، فأجاب يسوع وقال لهم: لا تظنوا أن أولئك الجليليين أشد خطأ من كل الجليليين إذا أصابتهم هذه الأوجاع، لا أقول لكم إن لم تتوبوا كلكم أنتم تهلكون مثلهم، وهؤلاء الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سيلوخا وقتلهم أتظنون أنهم أكبر جرماً من جميع سكان يروشليم، كلا أقول لكم، إن لم تتوبوا فجميعكم يهلك؛ وقال لهم: شجرة تين كانت لواحد مغروسة في كرمه، جاء يطلب فيها ثمرة فلم يجد، فقال للكرام: هذه ثلاث سنين آتي وأطلب فيها ثمرة فلا أجد، اقطعها لئلا تبطل الأرض، فقال: يا رب! دعها في هذه السنة لأنكحها وأصلحها، لعلها تثمر في السنة الآتية، فإن هي أثمرت وإلا أقطعها. قال متى: ولما نزل من الجبل تبعه جمع كبير وإذا أبرص قد جاء فسجد له وقال: إن شئت فأنت قادر أن تطهرني، فمد يده ولمسه وقال له: قد شئت فاطهر، وللوقت طهر برصه، وقال له يسوع: لا تقل لأحد ولكن امض فأرٍ نفسَك

للكاهن وقدم قرباناً كما أمر موسى للشهادة عليهم - وقال مرقس: بشهادتهم - قال لوقا: فذاع عنه الكلام وزاد، واجتمع جمع كثير ليسمعوا منه ويستشفوا من أمراضهم، وأما هو فكان يمضي إلى البرية ويصلي هناك. وقال متى: ولما دخل كفرناحوم جاء إليه قائد مائة فطلب إليه قائلاً: يا رب! فتاي ملقى في البيت مخلع وسقيم جداً، فقال له: إني آتي وأبرئه، فأجاب قائد المائة وقال: يا رب! لست مستحقاً أن تدخل تحت سقف بيتي، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ فتاي لأني تحت سلطان، ولي جند، إن قلت لهذا: اذهب، ذهب، ولآخر: ائت، أتى، ولعبدي: اعمل هذا، عمل، فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعونه: الحق أقول لكم! إنني لم أجد مثل هذه الأمانة في إسرائيل، أقول لكم: إن كثيراً يأتون من المشرق والمغرب - وقال لوقا: والشمال واليمين - يتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ قال لوقا: وكل الأنبياء في ملكوت الله وأنتم خارجاً ويكون الأولون آخرين والآخرون أولين؛ وقال متى: في ملكوت السماوات، وبنو الملكوت يلقون في الظلمة البرانية، الموضع الذي يكون فيه البكاء وصرير الأسنان، وقال يسوع لقائد المائة: اذهب كأمانتك

يكن لك، فبرأ الفتى في تلك الساعة، وقال لوقا: ولما أكمل جميع كلامه ودخل كفرناحوم، وكان عبد لقائد المائة قد قارب الموت وكان كريماً عنده، فلما سمع بيسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسألونه المجيء ليخلص عبده، فلما جاؤوا إلى يسوع طلبوا منه باجتهاد وقالوا: إنه مستحق أن يفعل معه هذا، لأنه محب لأمتنا وهو بنى لنا كنيسة، فمضى يسوع معهم، وفيما هو قريب من البيت أرسل إليه قائد المائة أصدقاءه قائلاً: يا رب! لا تتعب فإني لا أستحق أن تدخل تحت سقف بيتي، من أجل ذلك لم أستحق أن أجيء أنا إليك لكن قل كلمة فيبرأ لأني رجل ذو سلطان وتحت يدي جند فأقول لهذا: امض فيمضي ولآخر: ائت فيأتي فلما سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال: الحق أقول لكم! إني لم أجد في بني إسرائيل مثل هذه الأمانة، فرجع المرسلون إلى اليبت فوجدوا المريض قد برأ، وفي غد كان يسوع ماضياً إلى مدينة اسمها نايين وتبعه تلاميذه أجمع وجمع كبير، فلما قرب من باب المدينة إذا محمول قد مات وحيداً لأمه وكانت أرملة، وجمع كبير من أهل المدينة معها، فلما رآها

الرب تحنن عليها وقال لها: لا تبكي، وتقدم ولمس النعش فوقف الحاملون له، وقال له: أيها الشاب! لك أقول: قم واجلس! فجلس الميت وبدأ يتكلم، ودفعه لأمه، ولحقهم خوف ومجدوا الله قائلين: لقد قام فينا نبي عظيم، وتعاهد الله شعبه بصلاح، فذاع هذا الكلام في كل اليهودية وكل الكور التي حولها. قال متى: وجاء يسوع إلى بيت بطرس فنظر إلى حماته ملقاة تحمى؛ وقال مرقس: وجاء إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا فرأى حماة سمعون في حمى شديدة فقالوا له من أجلها، فقدم وأمسك بيدها وأقامها؛ وقال متى: فمس يديها فتركها الحمى وقامت تخدمهم؛ وقال لوقا: ونهضت للوقت تخدمهم، فلما كان المساء - قال مرقس: عند غروب الشمس - قدموا إليه مجانين كثيراً، قال مرقس: ووقف جميع أهل المدينة على الباب، وأبرأ كثيراً ممن به علة رديئة، وأخرج شياطين كثيرة؛ وقال متى: وكان يخرج الأرواح بكلمة، وأبرأ كل سقيم لكي يتم ما قيل في أشعياء النبي القائل: إنه أخذ أمراضنا وحمل أوجاعنا. وسحرا جدا قام وخرج إلى البرية ليصلي

هناك وسمعون ومن معه يطلبونه، فلما وجدوه قالوا له: إن الجمع يطلبك، فقال لهم: سيروا بنا إلى القرى والمدن القريبة لنكرز، فإني لهذا وافيتُ، فأقبل يبشر في مجمعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين؛ وقال لوقا: وفي غد اليوم خرج وذهب إلى موضع قفر والجمع يطلبونه، وجاؤوا إليه وأمسكوه لئلا يمضي من عندهم، فقال لهم: إنه ينبغي أن أبشر في المدن الأخر بملكوت الله، لأني لهذا أرسلت، وكان يكرز في مجامع الجليل، وكان لما اجتمع إليه جمع ليسمعوا كلام الله كان هو واقفاً على بحيرة جاناسر، فرأى سفينتين موقفتين على شاطىء البحيرة والصيادون قد صعدوا عليها ليغسلوا شباكهم، فصعد إلى إحداهما التي لسمعان، وأمر أن يبعدها عن الشط قليلاً، وجلس يعلم في الجمع من السفينة؛ ولما أكمل كلامه قال لسمعان: تقدم إلى اللج وألقوا شباككم! فقال: يا معلم! قد تعبنا الليل أجمع ولم نأخذ شيئاً، وبكلمتك نحن نلقي شباكنا، ولما فعلوا ذلك أخذوا سمكاً كثيراً، وكادت شباكهم تتخرق، فأشاروا إلى شركائهم في السفينة الأخرى ليأتوا يعينوهم، فلما جاؤوا ملؤوا السفينتين حتى كادتا أن تغرقا، فلما رأى سمعان ذلك خر عند قدمي يسوع وقال له: ابعد عني يا سيدي! لأني رجل خاطىء، لأن الخوف اعتراه

وكل من معه لأجل صيد الحيتان التي اصطادوا، وكذلك يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا صديقي سمعان، فقال يسوع لسمعان: لا تخف، من الآن تكون صياداً تصيد للناس، وقربوا السفن إلى الشط وتركوا كل شيء وتبعوه؛ وقال متى: فلما نظر يسوع إلى الجمع الذي حوله أمر أن يذهبوا إلى العبر، فجاء إليه كاتب وقال له: يا معلم! أتبعك إلى حيث تمضي، فقال له يسوع: إن للثعالب أجحاراً، ولطير السماء أوكاراً، فأما ابن الإنسان فليس له موضع يسند رأسه؛ وقال لوقا: وقال لآخر: اتبعني، فقال: يا رب! ائذن لي أن امضي أولاً وأدفن أبي، فقال له يسوع: اتبعني ودع الموتى يدفنوا موتاهم، وقال الآخر أيضاً: بل تأذن لي أولاً أن أرتب أهل بيتي، فقال: ما من أحد يضع يده على سكة الفدان وينظر إلى ورائه يستحق ملكوت الله؛ وقال متى: فلما صعد السفينة تبعه تلاميذه - وقال لوقا: صعد السفينة هو وتلاميذه وقال لهم: امضوا بنا إلى عبر البحيرة، فساروا وفيما هم سائرون نام - وإذا اضطراب عظيم كان في البحر حتى كادت الأمواج تغطي السفينة - لأن الريح كانت مضادة لهم - وهو نائم، فتقدم إليه تلاميذه وقالوا: يا رب! - وقال

مرقس: وكانت رياح عواصف عظيمة، وكانت الأمواج تضرب السفينة وتدخلها المياه حتى كادت تمتلىء، وهو نائم في مؤخرها على وسادة - فأيقظوه وقالوا له: يا معلم! نجِّنا فقد هلكنا! فقال لهم: ما أخافكم يا قليلي الأمانة؟ حينئذ قام وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوءاً عظيماً، ثم قال متى: فلما صعد السفينة وجاء إلى العبر ودخل مدينته قدم إليه مخلع ملقى على سرير - وفي إنجيل مرقس ولوقا: إنهم أرادوا الدخول به إليه فلم يقدروا لكثرة الجمع، فصعدوا إلى السطح ودلوه بسريره إليه - حينئذ قال للمخلع: قم! امل سريرك واذهب إلى بيتك! فقام ومضى إلى بيته، فنظر الجمع وتعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى هذا السلطان كذا للناس؛ وقال يوحنا في إنجيله: وبعد هذا كان عيد اليهود فصعد يسوع إلى يروشليم، وكان هناك بيروشليم مكان يسمى بالعبرانية بيت الرحمة، وكان فيه خمسة أروقة، وكان خلق كثير من المرضى مطروحين فيها وعمي ومقعدون وجافون، فكانوا يتوقعون تحريك الماء، لأن ملاكاً كان ينزل إلى الصبغة في حين بعد حين، وكان يحرك الماء، والذي كان ينزل فيه أولاً من بعد حركة الماء يبرأ من كل الوجع الذي به، وكان هنا رجل سقيم منذ ثمان وثلاثين

سنة، فنظر إليه يسوع ملقى فقال له: أتحب أن تبرأ؟ فقال: نعم يا سيدي! ولكن ليس لي إنسان إذا تحرك الماء يلقيني في البركة أولاً، فإلى أن أجيء أنا ينزل قدامي آخر، فقال له: قم، احمل سريرك وامض فمن ساعته برأ ونهض حاملاً سريره، وكان ذلك اليوم يوم سبت، فقال له اليهود: إنه يوم سبت، ولا يحل لك أن تحمل سريرك، فأجابهم: الذي أبرأني هو قال لي: احمل سريرك وامش، فسألوه: من هو؟ فلم يكن يعلم من هو، لأن يسوع كان قد استتر في الجمع الكبير الذي كان في ذلك الموضع، ثم قال: وقال لهم يسوع: لقد عملت عملاً واحداً فعجبتم بأجمعكم، أعطاكم موسى الختان وليس هو من موسى ولكنه من الآباء، وقد تختنون الإنسان يوم السبت لئلا تنقضوا سنة موسى، فلِمَ تتذمرون عليّ لإبرائي الإنسان يوم السبت، لا تحكموا بالمحاباة ولكن احكموا حكماً عدلاً، ثم قال: فبينما هو مار رأى رجلاً ولد أعمى فقال تلاميذه: يا معلم! من أخطأ؟ هذا أم أبواه حتىأنه ولد أعمى، فقال: لا هو ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه، ينبغي أن أعمل أعمال من أرسلني ما دام النهار، سيأتي الليل الذي لا يستطيع أحد أن يعمل فيه عملاً، ما دمت في العالم أن نور العالم - قال هذا وتفل على التراب

وصنع من تفله طيناً وطلى به عيني ذلك الأعمى وقال له: امض واغتسل في عين سيلوخا التي تأويلها المبعوثة، فمضى وغسلهما فعاد ينظر، فأما جيرانه والذين كانوا يرونه يتسول فقالوا: ليس هو هذا الذي كان يجلس ويتسول، وآخرون قالوا: إنه هو، وآخرون قالوا: إنه يشبهه، فأما هو فكان يقول: إني أنا هو، فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ فقص عليهم القصة، فقالوا: أين هو ذاك؟ فقال: ما أدري، فأتوا به إلى الفريسيين، لأن يسوع صنع الطين يوم السبت، فسأله الفريسيون فأخبرهم، فقال قوم منهم: ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحفظ السبت، وآخرون قالوا: كيف يقدر رجل خاطىء أن يعمل هذه الآيات! فوقع بينهم لذلك شقاق، فقالوا للأعمى: ما تقول أنت من أجله؟ قال لهم: إنه نبي، ولم يصدق اليهود أنه كان أعمى حتى دعوا أبويه وسألوهما، فقالا: نحن نعلم أن هذا ولدنا وأنه وُلِدَ أعمى، ووقعت بين الأعمى وبينهم محاورة، كان آخر ما قالوا له: أنت ولدت بالخطايا وأنت تعلمنا! وأخرجوه. وقال متى: واجتاز يسوع هناك فرأى إنساناً جالساً على التعشير اسمه متى فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه. وقال لوقا: وبعد هذا خرج فنظر إلى عشار اسمه لاوي جالساً على المكس،

فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه، وصنع له لاوي في بيته وليمة عظيمة، وكان جمع كثير من العشارين وآخرين متكئين معه. وقال مرقس: ثم خرج إلى شاطىء البحر واجتمع إليه جمع كبير وعلمهم، وعند مضيه رأى لاوي ابن حلفي جالساً على العشارين فقال له: اتبعني، فقام وتبعه، وبينما هو متكىء في بيته - وقال متى: وبينما هو متكىء في بيت سمعان - جاء عشارون وخطأة كثيرون، فاتكؤوا مع يسوع وتلاميذه، فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه: لماذا معلمكم يأكل مع العشارين والخطأة؟ فلما سمع يسوع قال لهم: الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب، لكن ذوو الأسقام، اذهبوا فاعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لم آت لأدعو الصديقين لكن الخطأة للتوبة. وقال لوقا: وطلب إليه واحد من الفريسيين أن يأكل معه، فدخل بيت ذلك الفريسي وجلس، وكان في تلك المدينة امرأة خاطئة، فلما علمت أنه متكىء في بيت ذلك الفريسي أخذت قارورة طيب ووقفت من ورائه عند رجليه باكية، وبدأت تبل قدميه بدموعها وتمسحها بشعر رأسها،

وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، فلما رأى ذلك الفريسي الذي دعاه فكر في نفسه قائلاً: لو كان هذا نبياً علم ما هذه وأنها خطائة، فأجاب يسوع وقال له: يا سمعان! غريمان عليها لإنسان دين، على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون، وليس لهما ما يوفيان فوهب لهما، فأيهما أكثر حبّاً له؟ فقال: أظن الذي وهب له الأكثر، فقال له: بالحق حكمت؛ ثم التفت إلى المرأة وقال: يا سمعان! دخلت بيتك فلم تسكب على رجلي ماء وهذه بلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها، أنت لم تقبلني وهذه منذ دخلت لم تكف عن تقبيل قدمي، أنت لم تدهن رأس بزيت وهذه دهنت بالطيب قدمي، لأجل ذلك أقول لك: إن خطاياها مغفورة لها، لأنها أحبت كثيراًن ثم قال لها: اذهبي بسلام! إيمانك خلصك؛ وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة ويكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة: مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين، ويونا امرأة خوزي خازن هيرودس، وأخر كثيرات. وقال متى: حينئذ جاء إليه تلاميذ يوحنا قائلين: لماذا نحن والفريسيون نصوم كثيراً وتلاميذك

لا يصومون؟ فقال لهم يسوع: لا يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم، وستأتي أيام إذا ارتفع العريس عنهم حينئذ صومون؛ ليس أحد يأخذ خرقة جديدة يجعلها في ثوب بال، لأنها تأخذ ملأها من الثوب فيصير الخرق أكبر وقال مرقس: إنه لا يرقع إنسان ثوباً بالياً بخرقة جديدة إلا مد الجديد البالي فيخرقه؛ وقال متى: ولا تُجْعَلُ خمر جديدة في زقاق عتق فتنشق الزقاق وتهلك وتهراق الخمر لكن تجعل خمر جديدة في زقاق جدد فيتحفظان جميعاً؛ وقال لوقا: وما من أحد يشرب قديماً فيحب الجديد للوقت لأنه يقول: إن القديم أطيب، وقال متى: وفيما هو يكلمهم إذا رئيس قد جاء إليه ساجداً قائلاً: إن ابنتي ماتت الآن، تأتي فتضع يدك عليها فتحيى! فقام يسوع وتبعه تلاميذه، فإذا امرأة بها نزيف دم منذ اثنتي عشرة سنة؛ قال مرقس: أعيت من الأطباء، أنفقت كل مالها، لم تجد راحة بل تزداد وجعاً، فلما سمعت بيسوع - قال متى: جاءت من خلفه ومست طرفه ثوبه - فالتفت يسوع فرآها فقال لها: ثقي يا ابنة! إيمانك خلصك، فبرئت المرأة من تلك الساعة، وجاء يسوع إلى بيت الرئيس؛ وقال مرقس: ولم يدع أحداً يتبعه إلا بطرس

ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب - انتهى. فنظر إلى الجمع مضطربين، فقال لهم: اخرجوا، لم تمت الجارية لكنها نائمة، فضحكوا منه، فلما خرج الجمع دخل وأمسك يدها فقامت الجارية؛ وقال مرقس: وأخرج جميعهم وأخذ معه أبا الصبية وأمها والذين معه، ثم دخل إلى الموضع الذي فيه الصبية موضوعة، وأخذ بيدها وقال لها: طليثا! قومي، الذي تأويله: يا صبية! لك أقول: قومي، فللوقت قامت الصبية ومشت، وكان لها اثنتا عشرة سنة، فبهتوا وعجبوا عجباً عظيماً، فأمرهم كثيراً أن لا يُعْلِموا أحداً بهذا، وقال: أطعموها تأكل؛ وقال متى: وخرج خبرها في جميع تلك الأرض.

47

ولما كان التقدير: آتيناه ذلك لينتهي أهل التوراة عما نسخه منها، عطف عليه قوله: {وليحكم} في قراءة حمزة بكسر اللام والنصب، والتقدير على قول الجماعة بالإسكان والجمع والجزم: فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم {أهل الإنجيل} وهم أتباع عيسى عليه السلام {بما أنزل الله} أي الواحد الأحد الذي له جميع صفات الكمال {فيه} من الدلائل على نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن غير ذلك مما أودعناه إياه من الأحكام والمواعظ الجسام. ولما كان التقدير: فمن انتهى فأولئك هم المسلمون، ومن حكم بما

أنزل الله فيه فأولئك هم المفلحون، عطف عليه قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، فله كل شيء وليس لأحد معه شيء، وكل شيء إليه مفتقر، ولا افتقار له إلى شيء فيه أو في غيره؛ وهو غير منسوخ، تديناً بتركه أو لشهوة دعت {فأولئك} أي البعداء عن كل خير البغضاء {هم الفاسقون *} أي المختصون بكمال الفسق، فإن كان تديناً كان كفراً، وإن كان لاتباع الشهوات كان مجرد معصية، لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج عن دائرة الشرع مرة بعد أخرى، فمن ترك الحكم تكذيباً فقد جمع الدركات الثلاث: ستر الدلائل فتنقل من درجة النور إلى دركة الظلام، فانكب في مهواة الخروج من المحاسن، فانحط إلى أقبح المساوي؛ والتعبير بالوصف المؤذن بالعراقة في مأخذ الاشتقاق معلم بأن المراد بكل واحد منها الكفر، فحق أن المراد منه الشرعي لا مطلق الستر غاية التحقيق، فبين بوصفه بالظلم أنه ستر لما ينبغي إظهاره، وبالفسق أنه بلغ في كونه في غير موضعه النهاية حتى خرق جميع دائرة المأذون فيه فخرج منها، وهذا إشارة إلى ذنوب أهل الإنجيل لينتج نقض دعواهم البنوة والمحبة، لأن المعنى: ومن الواضح بكتابك الذي جعل مهيمناً على جميع الكتب أنهم خالفوا أحكامه فهم فاسقون، أي خارجون عما من شأنه الاستقرار فيه لنفعه، فواقعون في الظلمة الموجبة لوضع الشيء في غير موضعه المقتضية للتغطية والستر، وقدم الوصف بالكفر لأن السياق لمن حرف الكلم عن موضعه، وغير

ما كتب من محكم أحكام التوراة من الحدود، وذلك هو التغطية التي هي معنى الكفر لأنه من الظلام، كما أن الفسق سبب الظلم لأنه الخروج عما من شأنه النفع، فكان الآخر أولاً في المعنى والأول نهاية في الحقيقة، والآية دالة على أن فيه أحكاماً، وكذا قوله تعالى في آل عمران: {ولأُحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 5] ، وهذا هو الحق، وأعظم ما غيّر تحريم السبت الذي كان أعظم شعائرهم فأحله، وغيَّر أيضاً غير ذلك من أحكامهم؛ قال فيما رأيته من ترجمة إنجيل متى: سمعتم ما قيل للأولين: لا تقتل، فإن من قتل وجبت عليه لائمة الجماعة، ومن قال لأخيه: أحمق، فقد وجبت عليه نار جهنم، إن أنت قدمت قربناك على المذبح وذكرت هناك أن أخاك واجد عليك فدع قربانك هناك قدام المذبح، وامض أولاً وصالح أخاك، وحينئذ فائت وقدم قربانك، كن متفهماً من خصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى الحاكم، والحاكم إلى المستخرج وتلقى في السجن؛ وفي إنجيل لوقا: إذا رأيتم سحابة تطلع من المغرب قلتم: إن المطر يأتي؛ فيكون كذلك، وإذا هبت ريح الجنوب قلتم: سيكون حر، يا مراؤون! تحسنون تمييز وجه السماء والأرض وهذا الزمان كيف لا تميزونه، ولا تحكمون بالصدق من قبل نفوسكم!

لأنك إذا ذهبت مع خصمك إلى الرئيس فأعطه ما يجب عليك في الطريق تتخلص منه، لئلا يذهب بك إلى الحاكم فيدفعك الحاكم إلى المستخرج ويلقيك المستخرج في السجن؛ وقال متى: الحق الحق أقول لك! إنك لا تخرج من هناك حتى تؤدي آخر فلس عليك، سمعتم ما قيل للأولين: لا تزن، وأنا أقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة واشتهاها فقد زنى بها في قلبه، إن شككتك عينك اليمنى فاقلعها وألقها، لأنه خير لك أن تهلك أحد أعضائك ولا تلقي جسدك كله في جهنم، قيل: إن من طلق امرأته فيدفع لها كتاب الطلاق، وأنا أقول لكم: إن من طلق امرأته من غير كلمة زنا فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وأيضاً سمعتم ما قيل للأولين: لا تحنث في مينك، وأوف للرب قسمك، وأنا اقول لكم: إن من طلق امرأته من غير كلمة زنا فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وأيضاً سمعتم ما قيل للأولين: لا تحنث في مينك، وأوف للرب قسمك، وأنا أقول لكم: لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطىء قدميه، ولا بيروشليم فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك لأنك لا تقدر تصنع شعرة بيضاء أو سوداء، ولتكن كلمتكم: نعم ونعم ولا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشر، سمعتم ما قيل: العين بالعين والسن بالسن، وأنا أقول لكم: لا تقاوموا الشر، ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر،

ومن أراد خصومتك وأخذ ثوبك دفع له رداءك، ومن سخّرك ميلاً فامض مع اثنين، قال لوقا: وكل من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده، ولا تطلب من الذي يأخذ مالك، وكما تحبون أن يصنع الناس بكم كذلك فاصنعوا أنتم بهم؛ وقال متى: سمعتم ما قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك، وأنا أقول لكم: حبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى من أبغضكم - وقال لوقا: يبغضكم - وصلوا على من يطردكم ويحزنكم، لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنه المشرق شمسه على الأخيار والأشرار، والممطر على الصديقين والظالمين، وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم! أليس العشارون يفعلون مثل ذلك! وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل عملتم! أليس كذلك يفعل العشارون! وقال لوقا: إن كنتم إنما تحبون من يحبكم فأي أجر لكم! إن الخطأة يحبون من يحبهم، وإن صنعتم الخير مع من يحسن إليكم فأيّ فضل لكم! إن الخطأة هكذا يصنعون، وإن كنتم إنما تقرضون من تظنون أنكم تأخذون العوض منه فأي فضل لكم! إن الخطأة أيضاً يقرضون الخطأة لكي يأخذوا منهم العوض، لكن حبوا أعداءكم وأحسنوا إليهم، وكونوا رحماء مثل أبيكم فهو رؤوف، وقال متى: كونوا أنتم كاملين مثل أبيكم السمائي فهو كامل. ثم قال في الفصل الثالث والثلاثين: وفي ذلك الزمان

مر يسوع في سبت بالزروع وجاع تلاميذه، فبدؤوا يفركون سنبلاً ويأكلون - وفي لوقا: كان تلاميذه يقطعون السنبل ويفركون بأيديهم ويأكلون - فلما أبصرهم الفريسيون قالوا له: ها هو ذا تلاميذك يعملون ما لا يحل في السبت - وفي لوقا: لماذا تفعلون ما لا يحل أن يفعل في السبوت - فقال لهم: أما قرأتم ما صنع داود لما جاع هو والذين معه! كيف دخل إلى بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة! قال مرقس: وأعطى الذين كانوا مع، ثم قال لهم: السبت من أجل الإنسان كان ولم يخلق الإنسان من أجل السبت؛ قال متى: أوما قرأتم في الناموس أن الكهنة في السبت في الهيكل ينجسون السبت وليس عليهم جناح! وأقول لكم: إن ها هنا أعظم من الهيكل لو كنتم تعلمون ما هو مكتوب، إني أريد الرحمة لا الذبيحة، لِمَ تحكمون على من لا ذنب له! وقال لوقا: ودخل بيت أحد الرؤساء الفريسيين في يوم سبت ليأكل خبزاً وهم كانوا يرصدونه فإذا إنسان به استسقاء، فقال يسوع للكهنة والفريسيين: هل يحل أن يبرأ في السبت؟ فسكتوا فأخذه وأبرأه ثم قال لهم: من منكم يقع ابنه في بئر يوم السبت ولا يصعده في الوقت؟ فلم يقدروا أن يجيبوه عن هذا؛ ثم قال متى: فجاء الفريسيون ليجربوه

قائلين: هل يحل للإنسان أن يطلق امرأته لأجل كل كلمة؟ أجاب: أما قرأتم أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكراً وأنثى، من أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلصق بامرأته، ويكونان كلاهما جسداً واحداً، وليس هما اثنين لكن جسد واحد، وما زوجه الله لا يفرقه الإنسان - وقال مرقس: لا يقدر إنسان يفرقه - قالوا له: لماذا أمر موسى أن يعطى كتاب الطلاق وتخلى؟ قال لهم: موسى من أجل قسوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم - وفي مرقس: إنهم سألوه فقال لهم: بماذا أوصاكم موسى؟ قالوا: أمر أن يكتب كتاب الطلاق وتخلى، قال لهم يسوع: من أجل قسوة قلوبكم كتب لكم موسى هذه الوصية، من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم: من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنى، وفي إنجيل مرقس: وفي البيت أيضاً سأله التلاميذ عن هذا فقال لهم: من طلق امرأته وتزوج أخرى فقد زنى عليها، وإن هي خلت زوجها وتزوجت آخر فهي زانية؛ وفي لوقا: كل من يطلق امرأته ويتزوج أخرى فهو يزني، وكل من تزوج مطلقة من زوجها فهو يزني؛ قال متى: فقال له التلاميذ: إن كان هكذا علة الرجل مع المرأة فخير له أن لا يتزوج، فقال لهم: ما كل أحد يستطيع هذا الكلام إلا الذين قد أعطوا، الآن خِصيانُ ولدوا

من بطون أمهاتهم، وخصيان أخصاهم الناس، وخصيان أخصوا نفوسهم من أجل ملكوت السماوات، ومن استطاع أن يحتمل فليحتمل. ولما ذكر سبحانه الكتابين، ذكر ختامهما وتمامهما، وهو ما أنزل إلى هذا النبي الأمي من الفرقان الشاهد على جميع الكتب التي قبله، فقال تعالى: {وأنزلنا} أي بعظمتنا {إليك} أي خاصة {الكتاب} أي الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه وهو القرآن {بالحق} أي الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء يتمه، ثم مدحه بمدح الأنبياء الذين تقدموه فقالك {مصدقاً لما بين يديه} أي تقدمه. ولما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها كالشيء الواحد، عبر بالمفرد لإفادته ما يفيد الجمع وزيادة دلالة على ذلك فقال: {من الكتاب} أي الذي جاء به الأنبياء من قبل {ومهيمناً} أي شاهداً حفيظاً مصدقاً وأميناً رقيباً {عليه} أي على كل كتاب تقدمه - كما قاله البخاري في أول الفضائل من الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي هذه الصفة بشارة لحفظه سبحانه لكتابنا حتى لا يزال بصفة الشهادة، فإن الله تعالى استحفظهم كتبهم فعجزوا عنها، فحرفها محرفوهم وأسقطوا منها وأسقط مسرفوهم، فتكفل هو سبحانه بحفظ كتابنا فكان قيماً عليها، فما كان فيها موافقاً له فهو حق، وما كان فيها مخالفاً فهو إما منسوخ

أو مبدل فلا يعبر، بل يحكم بما في كتابنا لأنه ناسخ لجميع الكتب، والآتي به مرسل إلى جميع العالمين، فملته ناسخة لجميع الملل، فأنتج هذا وجوب الحكم بما فيه على المؤالف والمخالف بشرطه؛ فلذا قال مسبباً عما قبله: {فاحكم بينهم} أي بين جميع أهل الكتب، فغيرهم من باب الأولى {بما أنزل الله} أي الملك الذي له الأمر كله إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك {ولا تتبع أهواءهم} فيما خالفه منحرفين {عما جاءك} وبينه بقوله: {من الحق} . ولما كان كل من كتابيهم من عند الله، كان كأنه قيل: كيف يكون الحكم بكتابهم الذي يصدقه كتابنا انحرافاً عن الحق؟ علل ذلك دالاً على النسخ بقوله: {لكل} أي لكل واحد {جعلنا} أي بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء من نسخ وغيره، ثم خصص الإبهام بقوله: {منكم} أي يا أهل الكتب {شرعة} أي ديناً موصلاً إلى الحياة الأبدية، كما أن الشرعة موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية {ومنهاجاً} أي طريقاً واضحاً مستنيراً ناسخاً لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع، وهذا وأمثاله - مما يدل على أن كل متشرع مختص بشرع وغير متعبد بشرع من قبله - محمول على الفروع، وما دل

على الاجتماع كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول {ولو شاء الله} أي الملك الأعظم المالك المطلق الذي له التصرف التام والأمر الشامل العام أن يجمعكم على شيء واحد {لجعلكم أمة} أي جماعة متفقة يؤم بعضها بعضاً، وحقق المراد بقوله: {واحدة} أي على دين واحد، ولم يجعل شيئاً من الكتب ناسخاً لشيء من الشرائع، لأن الكل بمشيئته، ولا مشيئة لأحد سواه إلا بمشيئته {ولكن} لم يشأ ذلك، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة {ليبلوكم} أي ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر {فيما آتاكم} أي أعطاكم وقسم بينكم من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك من اتباع وإذعان اعتقاداً أن ذلك مقتضى الحكمة الإلهية؛ فترجعون عنه إذا قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه، ونهضت الأدلة البينات على صحة دعواه بعد طول الإلف له وإخلاد النفوس إليه واستحكامه بمرور الأعصار وتقلب الأدوار؛ أو زيغ وميل اتهاماً وتجويزاً كما فعل أول المتكبرين إبليس، فتؤثرون الركون إليه والعكوف عليه لمتابعة الهوى والوقوف عند مجرد الشهوة. ولما كان في الاختبار أعظم تهديد، سبب عنه قوله: {فاستبقوا الخيرات} أي افعلوا في المبادرة إليها بغاية الجهد فعل من يسابق شخصاً يخشى العار بسبقه له، ثم علل ذلك بقوله: {إلى الله} أي الشارع لذلك، لا إلى غيره، لأنه الملك الأعلى {مرجعكم جميعاً} وإن اختلفت

شرائعكم، حساً في القيامة، ومعنى في جميع أموركم في الدارين {فينبئكم} أي يخبركم إخباراً عظيماً {بما كنتم} أي بحسب اختلاف الجبلات؛ ولما كان في تقديم الظرف إبهام، وكان الإفهام بعد الإبهام أوقع في النفس، قال {فيه تختلفون *} أي تجددون الخلاف مستمرين عليه، ويعطي كلاماً يستحقه، ويظهر سر الاختلاف وفائدة الوفاق والائتلاف.

49

ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسبباً عما قبله من إنزال الكتاب على الأحوال المذكورة، أعاد الأمر به سبحانه مصرحاً بذلك لذاته لا لشيء آخر، ليكون الأمر به مؤكداً غاية التأكيد بالأمر به مرتين: مرة لأن الله أمر به، وأخرى لأنه على وفق الحكمة، فقال تأكيداً له وتنويهاً بعظيم شأنه ومحذراً من الأعداء فيما يلقونه من الشبه للصد عنه: {وأن} أي احكم بينهم بذلك لما قلنا من السبب وما ذكرنا من العلة في جعلنا لكل ديناً، ولأنا قلنا آمرين لك أن {احكم بينهم} أي أهل الكتب وغيرهم {بما أنزل الله} أي المختص بصفات الكمال لأنه يستحق أن يتبع أمره لذاته وبين أن مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو مجرد هوى، لأن كتابهم داع إليه، فقال: {ولا تتبع أهواءهم} أي في عدم التقييد به {واحذرهم أن يفتنوك} أي يخالطوك بكذبهم

على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطة تميلك {عن بعض ما أنزل الله} أي الذي لا أعظم منه، فلا وجه أصلاً للعدول عن أمره {إليك فإن تولوا} أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به بينهم مضادين لما دعت إليه الطفرة الأولة من اتباع الحق ودعت إليه كتبهم من اتباعك {فاعلم إنما يريد الله} أي الذي له جميع العظمة العظمة {أن يصيبهم} لأنه لو أراد بهم الخير لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد العقل بما تدعو إليه الفطرة الأولى والنقل بما في كتبهم، إما من الأمر بذلك الحكم بعينه، وإما من الأمر باتباعك {ببعض ذنوبهم} أي التي هذا منها، وأبهمه زيادة في استدراجهم وإضلالهم وتحذيراً لهم من جميع مساوي أعمالهم، لئلا يعلموا عين الذنب الذي اصيبوا به، فيحملهم ذلك على الرجوع عنه، ويصير ذلك كالإلجاء، أو يكون إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد التعظيم، فيؤذن السياق بتعظيم هذا التولي وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على مواقعتها. ولما كان التقدير: فإنهم بالتولي فاسقون، عطف عليه: {وإن كثيراً من الناس} أي هم وغيرهم {لفاسقون *} أي خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات، متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة؛ ولما كان من المعلوم أن من أعرض عن حكم الله أقبل ولا بد على حكم الشيطان الذي هو عين الهوى الذي هو دين أهل الجهل الذين لا كتاب لهم هاد ولا شرع ضابط، سبب عَن إعراضهم

الإنكار عليهم بقوله: {أفحكم الجاهلية} أي خاصة مع أن أحكامها لا يرضى بها عاقل، لكونها لم يدع إليها كتاب، بل إنما هي مجرد أهواء وهم أهل كتاب {يبغون} أي يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك، وشهد به كتابك بالعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق، وقراءة ابن عامر بالالتفات إلى الخطاب أدل على الغضب. ولما كان حسن الحكم تابعاً لإتقانه، وكان إتقانه دائراً على صفات الكمال من تمام العلم وشمول القدرة وغير ذلك، قال - معلماً أن حكمه أحسن الحكم عاطفاً على ما تقديره: فمن أضل منهم: {ومن} ويجوز أن تكون الجملة حالاً من واو يبغون، أي يريدون ذلك والحال أنه يقال: من {أحسن من الله} أي المستجمع لصفات الكمال {حكماً} ثم زاد في تقريعهم بكثافة الطباع وجمود الأذهان ووقوف الأفهام بقوله معبراً بلام البيان إشارة إلى المعنى بهذا الخطاب: {لقوم} أي فيهم نهضة وقوة محاولة لما يريدونه {يوقنون *} أي يوجد منهم اليقين يوماً ما وأما غيرهم فليس بأهل الخطاب فكيف بالعتاب! إنما عتابه شديد العقاب، وفي ذلك أيضاً غاية التبكيت لهم والتقبيح عليهم من حيث إنهم لم يزالوا يصفون أهل الجاهلية بالضلال، وأن دينهم لم ينزل الله به

من سلطان، وقد عدلوا في هذه الأحكام إليه تاركين جميع ما أنزل الله من كتابهم والكتاب الناسخ له، فقد ارتكبوا الضلال بلا شبهة على علم، وتركوا الحق المجمع عليه. ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم، لأنه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل، فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم، أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال: {لا تتخذوا} أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد! {اليهود والنصارى أولياء} أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه، وترجون منهم مثل ذلك، وهم أكثر الناس استخفافاً بكم وازدراء لكم؛ ثم علل ذلك بقوله: {بعضهم أولياء بعض} أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضاً، وهم جميعاً متفقون - بجامع الكفر وإن اختلفوا في الدين - على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي! {ومن يتولهم منكم} أي يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء {فإنه منهم} لأن الله غني عن العالمين، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم؛ ثم علل ذلك

تزهيداً فيهم وترهيباً لمتوليهم بقوله: {إن الله} أي الذي له الغنى المطلق والحكمة البالغة، وكان الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: الأصل: لا يهديهم، أو لا يهديه، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {لا يهدي القوم الظالمين *} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، فهم يمشون في الظلام، فلذلك اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء، لأن الموالي لهم ظالم بموالاته لهم، والظالم لا يهديه الله، فالموالي لهم لا يهديه الله فهو كافر، وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح بالإيمان - والله الهادي، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبه المخالف في الدين واعتزاله - كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تراءى ناراهما» ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ كاتباً نصرانياً: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال: لا قوام للبصرة إلا به،

فقال عمر رضي الله عنه: مات النصراني - والسلام، يعني هب أنه مات فما كنت صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة.

52

ولما علل بذلك، كان سبباً لتمييز الخالص الصحيح من المغشوش المريض، فقال: {فترى} أي فتسبب عن أن الله لا يهدي متوليهم أنك ترى {الذين في قلوبهم مرض} أي فساد في الدين كابن أبي وأصحابه - أخزاهم الله تعالى {يسارعون} أي بسبب الاعتماد عليهم دون الله {فيهم} أي في موالاة أهل الكتاب حتى يكونوا من شدة ملابستهم كأنهم مظروفون لهم كأن هذا الكلام الناهي لهم كان إغراء، ويعتلون بما بما لا يعتل به إلا مريض الدين من النظر إلى مجرد السبب في النصرة عند خشية الدائرة {يقولون} أي قائلين اعتماداً عليهم وهم أعداء الله اعتذاراً عن موالاتهم {نخشى} أي نخاف خوفاً بالغاً {أن تصيبنا دائرة} أي مصيبة محيطة بنا، والدوائر: التي تخشى، والدوائل: التي ترجى. ولما نصب سبحانه هذا الدليل الذي يعرف الخالص من المغشوش، كان فعلهم هذا للخالص سبباً في ترجي أمر من عند الله ينصر به دينه، إما الفتح أو غيره مما أحاط به علمه وكوّنته قدرته يكون سبباً لندمهم، فلذا قال: {فعسى الله} أي الذي لا أعظم منه فلا يطلب النصر إلا منه {أن يأتي بالفتح} أي بإظهار الدين على الأعداء {أو أمر من عنده}

بأخذهم قتلاً بأيديكم أو بإخراج اليهود من أرض العرب أو بغير ذلك فينكشف لهم الغطاء. ولما كانت المصيبة عند الإصباح أعظم، عبر به وإن كان المراد التعميم فقال: {فيصبحوا} أي فيسبب عن كشف غطائهم أن يصبحوا والأحسن في نصبه ما ذكره أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح للفارسي من أنه جواب «عسى» إلحاقاً لها بالتمني لكونها للطمع وهو قريب منه، ويحسنه أن الفتح وندامتهم المترتبة عليه عندهم من قبيل المحال، فيكون النصب إشارة إلى ما يخفون من ذلك، وهو مثل ما يأتي إن شاء الله تعالى في توجيه قراءة حفص عن عاصم في غافر {فاطلع} [غافر: 37] بالنصب {على ما أسروا} . ولما كان الإسرار لا يكون إلاّ لما يخشى من إظهاره فساد، وكان يطلق على ما دار بين جماعة خاصة على وجه الكتمان عن غيرهم، بين أنه أدق من ذلك وأنه على الحقيقة مَنَعهم خوفهم من غائلته وغرته عندهم أن يبرزوه إلى الخارج فقال: {في أنفسهم} أي من تجويز محو هذا الدين وإظهار غيره عليه {نادمين *} أي ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره {ويقول الذين آمنوا} من رفعه عطفه على معنى {نادمين} فإن أصله: يندمون، ولكنه عبر بالاسم إعلاماً بدوام ندمهم

بشارة بدوام الظهور لهذا الدين على كل دين، أو على {يقولون نخشى} ، ومن أسقط الواو جعله حالاً، ومن نصبه جاز أن يعطفه على «يصبحوا» أي يكون ذلك سبباً لتحقق المؤمنين أمر المنافقين بالمسارعة في أهل الكتاب عند قيامهم سروراً بهم والندم عند خذلانهم ومحقهم، فيقول بعض المؤمنين لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما من الله عليهم به من التوفيق في الإخلاص مشيرين إلى المنافقين تنبيهاً وإنكاراً: {أهؤلاء} أي الحقيرون {الذين أقسموا بالله} أي وهو الملك الأعظم {جهد أيمانهم} أي مبالغين في ذلك اجتراء على عظمته {إنهم لمعكم} أيها المؤمنون! ويجوز أن يكون هذا القول من المؤمنين لليهود في حق المنافقين حيث قاسموهم على النصرة؛ ثم ابتدأ جواباً من بقية كلام المؤمنين أو من كلام الله لمن كأنه قال: فماذا يكون حالهم؟ فقال: {حبطت} أي فسدت فسقطت {أعمالهم فأصبحوا} أي فتسبب عن ذلك أنهم صاروا {خاسرين} أي دائمي الخسارة بتعبهم في الدنيا بالأعمال وخيبة الآمال، وجنايتهم في الآخرة الوبال، وعبر بالإصباح لأنه لا أقبح من مصابحة السوء لما في ذلك من البغتة بخلاف ما ينتظر ويؤمل.

54

ولما نهى عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم. نفى المجاز مصرحاً بالمقصود فقال مظهراً لنتيجة ما سبق: {يا أيها الذين آمنوا}

أي أقروا بالإيمان! من يوالهم منكم - هكذا كان الأصل، ولكنه صرح بأن ذلك ترك الدين فقال: {من يرتد} ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين وابن عامر {منكم عن دينه} أي الذي معناه موالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه، فيبغضهم الله ويبغضونه، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين، فالله غني عنهم {فسوف يأتي الله} اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه {بقوم} أي يكون حالهم ضد حالهم، يثبتون على دينهم، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم. ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال: {يحبهم} فيثبتهم عليه ويثيبهم بكرمه أحسن الثواب {ويحبونه} فيثبتون عليه، ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال: {أذلة} وهو جمع ذليل؛ ولما كان ذلهم هذا إنما هو الرفق ولين الجانب لا الهوان، كان في الحقيقة عزاً، فأشار إليه بحرف الاستعلاء مضمناً له معنى الشفقة، فقال مبيناً أن تواضعهم عن علو منصب وشرف: {على المؤمنين} أي لعلمهم أن الله يحبهم {أعزة على الكافرين} أي يظهرون الغلظة والشدة عليهم لعلهم أن الله خاذلهم ومهلكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم، فالآية

من الاحتباك: حذف أولاً البغض وما يثمره لدلالة الحب عليه، وحذف ثانياً الثبات لدلالة الردة عليه؛ ثم علل ذلك بقوله: {يجاهدون} أي يوقعون الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين، وحذف المفعول تعميماً ودل عليه مؤذناً بأن الطاعة محيطة بهم فقال: {في سبيل الله} أي طريق الملك الأعظم الواسع المستقيم الواضح، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين. ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد، فصلهم منهم بقوله: {ولا} أي والحال أنهم لا {يخافون لومة} أي واحدة من لوم {لائم} وإن كانت عظيمة وكان هو عظيماً، فبسبب ذلك هم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين - أمر بالمعروف أو نهي عن منكر - كانوا كالمسامير المحماة، لا يروِّعهم قول قائل ولا اعتراض معترض، ويفعلون في الجهاد في ذلك جميع ما تصل قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ومعاضدتهم، وليسوا كالمنافقين يخافون لومة أوليائهم من اليهود فلا يفعلون وإن كانوا مع المؤمنين شيئاً ينكيهم. ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق، قال مشيراً إليها بأداة البعد واسم المذكر: {ذلك} أي الذي تقدم من

أوصافهم العالية {فضل الله} أي الحاوي لكل كمال {يؤتيه} أي الله لأنه خالق لجميع أفعال العباد {من يشاء} أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {واسع} أي محيط بجميع أوصاف الكمال، فهو يعطي من سعة ليس لها حد ولا يلحقها أصلاً نقص {عليم *} أي بالغ العلم بمن يستحق الخير ومن يستوجب غيره، وبكل ما يمكن علمه. ولما نفى سبحانه ولايتهم بمعنى المحبة وبمعنى النصرة وبمعنى القرب بكل اعتبار، أنتج ذلك حصر ولاية كل من يدعي الإيمان فيه وفي أوليائه فقال: {إنما وليكم الله} أي لأنه القادر على ما يلزم الولي، ولا يقدر غيره على شيء من ذلك إلاّ به سبحانه؛ ولما ذكر الحقيق بإخلاص الولاية له معلماً بأفراد المبتدأ أنه الأصل في ذلك وما عداه تبع، أتبعه من تعرف ولايته سبحانه بولايتهم بادئاً بأحقهم فقال: {ورسوله} وأضافة إليه إظهاراً لرفعته {والذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان وأقروا به ثم وصفهم بما يصدق دعواهم الإيمان فقال: {والذين يقيمون الصلاة} أي تمكيناً لوصلتهم بالخالق {ويؤتون الزكاة} إحساناً إلى الخلائق، وقوله: {وهم راكعون *} يمكن أن يكون معطوفاً على {يقيمون} أي ويكونون من أهل الركوع، فيكون فضلاً مخصصاً

بالمؤمنين المسلمين، وذلك لأن اليهود والنصارى لا ركوع في صلاتهم - كما مضى بيانه في آل عمران، ويمكن أن يكون حالاً من فاعل الإيتاء؛ وفي أسباب النزول أنها نزلت في عليّ رضي الله عنه، سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه. وجمع وإن كان السبب واحداً ترغيباً في مثل فعله من فعل الخير والتعجيل به لئلا يظن أن ذلك خاص به. ولما كان التقدير: فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان، وحزب الشيطان هم الخاسرون، عطف عليه: {ومن يتول الله} أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع العز {ورسوله} الذي خُلقه القرآن {والذين آمنوا} وأعاد ذكر من خص الولاية بهم تبركاً بأسمائهم وتصريحاً بالمقصود، فإنهم الغالبون - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر ما شرفهم به ترغيباً لهم في ولايته فقال: {فإن حزب الله} أي القوم الذين يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي اشتد عليهم فيه {هم الغالبون *} أي لا غيرهم، بل غيرهم مغلوبون، ثم إلى النار محشورون، لأنهم حزب الشيطان. ولما نبه سبحانه على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه سبحانه، أنتج ذلك قطعاً قوله منبهاً على علل أخرى موجهاً للبراءة منهم: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، ونبه بصيغة الافتعال على أن من

يوالهم يجاهد عقله على ذلك اتباعاً لهواه فقال: {لا تتخذوا الذين اتخذوا} أي بغاية الجد والاجتهاد منهم {دينكم} أي الذي شرفكم الله به {هزواً ولعباً} ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله: {من الذين} . ولما كان المقصود بهم منح العلم، وهو كاف من غير حاجة إلى تعيين المؤتي، بني للمجهول قوله: {أوتوا الكتاب} ولما كان تطاول الزمان له تأثير فيما عليه الإنسان من طاعة أو عصيان، وكان الإيتاء المذكور لم يستغرق زمان القبل قال: {من قبلكم} يعني أنهم فعلوا الهزو عناداً بعد تحققهم صحة الدين. ولما خص عم فقال: {والكفار} أي من عبدة الأوثان الذين لا علم لهم نُقِلَ عن الأنبياء، وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة فكانوا ضالين، وكذا غيرهم، سواء علم أنهم يستهزؤون أولا، كما أرشد إليه غير قراءة البصريين والكسائي بالنصب {أولياء} أي فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم، فلا تصح لكم موالاتهم أصلاً. ولما كان المستحق لموالاة شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته، حذرهم وقوعهم بموالاتهم على ضد مقصودهم فقال:

{واتقوا الله} من له الإحاطة الكاملة، فإن من والى غيره عاداه، ومن عاداه هلك هلاكاً لا يضار معه {إن كنتم مؤمنين *} أي راسخين في الإيمان بحيث صار لكم جبلة وطبعاً، فإن لم تخافوه بأن تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان. ولما عم في بيان استهزائهم جميع الدين، خص روحه وخالصته وسره فقال: {وإذا ناديتم} أي دعا بعضكم الباقين إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع، فأجابه الباقون بغاية الرغبة، ومنه دار الندوة، أو يكون المعنى أن المؤذن كلم المسلمين برفع صوته كلام من هو معهم في الندى بالقول فأجابوه بالفعل، فكان ذلك مناداة - هذا أصله، فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها فقال مضمناً له الانتهاء: {الى الصلاة} أي التي هي أعظم دعائم الدين، وموصل إلى الملك العظيم، وعاصم بحبلة المتين {اتخذوها} على ما لها من العظمة والجد والبعد من الهزء بغاية هممهم وعزائمهم {هزواً ولعباً} فيتعمدون الضحك والسخرية ويقولون: صاحوا كصياح العير - ونحو هذا، وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم، وذلك لأن تأملها - في التطهر لها وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي عن الدنيا جملة والإقبال على الحضرة الإلهية، والتحلي

بالقراءة لأعظم الكلام، والتخشع والتخضع لملك الملوك الذي لم تخف عظمته على أحد، ولا نازع قط في كبريائه وقدرته منازع - بمجرده كافٍ في اعتقاد حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الشناعة {بأنهم قوم} وإن كانوا أقوياء لهم قدرة على القيام في الأمور {لا يعقلون *} أي ليست لهم هذه الحقيقة، ولو كان لهم شيء من عقل لعلموا أن النداء بالفم أحسن من التبويق وضرب الناقوس بشيء لا يقاس، وأن التذلل بين يدي الله بالصلاة أمر لا شيء أحسن منه بوجه، وللأذان من الأسرار ما تعجز عنه الأفكار، منه أنه جعل تسع عشرة كلمة، ليكف الله به عن قائله خزنة النار التسعة عشر، وجعلت الإقامة إحدى عشرة كلمة رجاء أن يكون معتقدها رفيقاً لأحد عشر: العشرة المشهود لهم بالجنة، وقطبهم وقطب الوجود كله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وناهيك أن من أسراره أنه جمع الدين كله أصولاً وفروعاً - كما بنت ذلك في كتابي «الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان» .

59

ولما كانت النفوس نزاعة إلى الهوى، عمية عن المصالح، جامحة عن الدواء بما وقفت عنده من النظر إلى زينة الحياة الدنيا، وكان الدليل على سلب العقل عن أهل الكتاب دليلاً على العرب بطريق الأولى، وكان أهل الكتاب لكونهم أهل علم لا ينهض بمحاجتهم

إلا الأفراد من خلص العباد، قال تعالى دالاً على ما ختم به الآية من عدم عقلهم آمراً لأعظم خلقه بتبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم: {قل} وأنزلهم بمحل البعد فقال مبكتاً لهم بكون العلم لم يمنعهم عن الباطل: {يا أهل الكتاب} أي من اليهود والنصارى {هل تنقمون} أي تنكرون وتكرهون وتعيبون {منا إلا أن آمنا} أي أوجدنا الإيمان {بالله} أي لما له من صفات الكمال التي ملأت الأقطار وجاوزت حد الإكثار {وما أنزل إلينا} أي لما له من الإعجاز في حالات الإطناب والتوسط والإيجاز {وما أنزل} . ولما كان إنزال الكتب والصحف لم يستغرق زمان المضي، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي لما شهد له كتابنا، وهذه الأشياء التي آمنا بها لا يحيد فيها عاقل، لما لها من الأدلة التي وضوحها يفوق الشمس، فحسنها لا شك فيه ولا لبس {وأن} أي آمنا كلنا مع أن أو والحال أن {أكثركم} قيد به إخراجاً لمن يؤمن منهم بما دل عليه التعبير بالوصف {فاسقون *} أي عريقون في الفسق، وهو الخروج عن دار السعادة بحيث لا يمكن منهم رجوع إلى المرضى من العبادة، فبين أنهم لا ينقمون من المؤمنين إلا المخالفة، والمخالفة إنما هي بإيمان المسلمين بالله وما أمر به، وكفر أهل الكتاب بجميع ذلك مع علمهم بما تقدم لهم أن من آمن بالله كان الله معه،

فنصره على كل من يناويه، وجعل مآله إلى الفوز الدائم، وأن من كفر تبرأ منه فأهلكه في الدنيا، وجعل مآله إلى عذاب لا ينقضي سعيره، ولا ينصرم أنينه وزفيره، ومن ركب ما يؤديه إلى ذلك على علم منه واختيار لم يكن أصلاً أحد أضل منه ولا أعدم عقلاً، وتخصيص النقم بما صدر من المؤمنين يمنع عطف {وأن} على {أن آمنا} . ولما أنزلهم سبحانه إلى عداد البهائم بكونهم ينسبونهم إلى الشر بجعلهم إياهم موضع الهزء واللعب وبكونهم ينظرون إلى أي من خالفهم، فيبعدون منه وينفرون عنه من غير أن يستعملوا ما امتازوا به عن البهائم في أن المخالف ربما كان فيه الدواء، والمكروه قد يؤول إلى الشفاء، والمحبوب يجر إلى العطب والتوي، بين لهم أن تلك رتبة سنية ومنزلة علية بالنسبة إلى ما هم فيه، فقال على سبيل التنزل وإرخاء العنان: {قل} أي يا من لا ينهض بمحاجتهم لعلمهم ولددهم غيره لما جبلت عليه من قوة الفهم ثم لما أنزل عليك من العلم {هل أنبئكم} أي أخبركم إخباراً متقناً معظماً جليلاً {بشر من ذلك} أي الأمر الذي نقمتموه علينا مع كونه قيماً وإن تعاميتم عنه، ووحد حرف الخطاب إشارة إلى عمى قلوبهم وأن هذه المقايسة لا يفهمها حق الفهم إلا المؤيد بروح

من الله {مثوبة} أي جزاء صالحاً ويرجع إليه، فإن المثوبة للخير كما أن العقوبة للشر، وهي مصدر ميمي كالميسور والمعقول، ثم نوه بشرفه بقوله: {عند الله} أي المحيط بصفات الجلال والإكرام، ثم رده أسفل سافلين بياناً لأنه استعارة تهكمية على طريق: تحية بينهم ضرب وجيع. بقوله - جواباً لمن كأنه قال: نعم: {من} أي مثوبة من {لعنة الله} أي أبعده الملك الأعظم وطرده {وغضب عليه} أي أهلكه، ودل على اللعن والغضب بأمر محسوس فقال: {وجعل} ودل على كثرة الملعونين بجمع الضمير فقال: {منهم} أي بالمسخ على معاصيهم {القردة} تارة {والخنازير} أخرى، والتعريف للجنس، وقال ابن قتيبة: إن التعريف يفيد ظن أنهم لم ينقرضوا بل توالدوا حتى كان منهم أعيان ما تعرفه من النوعين، فما أبعد من كان منهم هذا من أن يكونوا أبناء الله وأحباءه! ثم عطف - على قراءة الجماعة - على قوله {لعنه الله} سبب ذلك بعد أن قدم المسبب اهتماماً به لصراحته في المقصود، مع أن اللعن والغضب سبب حقيقي، والعبادة سبب ظاهري، فقال: {وعبد الطاغوت} وقرأه حمزة بضم الباء على أنه جمع والإضافة عطف على القردة، فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب، للواحد والجمع، فلعوت من

طغوت، وكل هذه المعاني تصلح ها هنا، أما اللات والعزى وغيرهما مما لم يعبدوه صريحاً فلتحسينهم دين أهله حسداً للإسلام وقد عبدوا الأوثان في كل زمان حتى في زمان موسى عليه السلام كما في نص التوراة: ثم بالغوا في النجوم لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك. فمعنى الآية: تنزلنا إلى أن نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة، ولكن لم يأت كتاب بلعننا ولا بالغضب علينا ولا مسخنا قردة ولا خنازير، ولا عبدنا غير الله منذ أقبلنا عليه، وأنتم قد وقع بكم جميع ذلك، لا تقدرون أن تتبرؤوا من شيء منه، فلا يشك عاقل أنكم شر منا وأضل، والعاقل من إذا دار أمره بين شرين لم يختر إلا أقلهما شراً، فثبت كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون، ولذلك ختم الآية بقوله {أولئك} أي البعداء البغضاء الموصوفون باللعن وما معه {شر مكاناً} وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم، فهو كناية عن نسبتهم إلى العراقة في الشر {وأضل} أي ممن نسبوهم إلى الشر والضلال، وسلم لهم ذلك فيهم إرخاء للعنان قصداً للإبلاغ في البيان {عن سواء} أي قصد وعدل {السبيل *} أي الطريق، ويجوز أن تكون الإشارة في ذلك إلى ما دل عليه الدليل الأول من عدم عقلهم ولا تنزل حينئذ، وإنما قلت: إنهم لا يقدرون على إنكار شيء

من ذلك، لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في السفر الخامس: فالرب يقول لكم ويأمركم أن تكونوا له شعباً حبيباً، وتحفظوا جميع وصاياه وتعملوا بها، فإنه يرفعكم فوق جميع الشعوب، وإذا جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم بها اليوم على جبل عبل وكلسوها بالكلس، وابنوا هناك مذبحاً من الحجارة لم يقع عليها حديد، ولكن ابنوا الحجارة كاملة لم تقطع، وقربوا عليها ذبائح كاملة أمام الله ربكم، وكلوا هناك وافرحوا أمام الله ربكم، واكتبوا على تلك الحجارة جميع آيات هذه السنة. ثم عين موسى رجالاً يقومون على جبل إذا جازوا الأردن ويهتفون بصوت عال ويقولون لبني إسرائيل: ملعوناً يكون الذي يتخذ أصناماً مسبوكة وأوثاناً منحوتة أمام الرب، والشعب كلهم يقولون: آمين! ملعوناً يكون من ينقل حد صاحبه ويظلمه في أرضه، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعوناً يكون من يضل الأعزى عن الطريق، ويقول الشعب كلهم: آمين! ملعوناً يكون من يحيف على المسكين واليتيم والأرملة في القضاء، ويقول الشعب كلهم: آمين! - إلى أن قال: ملعوناً يكون كل من لا يثبت على عهد آيات هذه التوراة ويعمل بها، ويقول الشعب كلهم: آمين! ثم قال: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص

عليكم كله ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية، ملعونين في الحرب، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونون ملعونين إذا دخلتم وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم الضربات الشديدة، وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعاً من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض تحتكم شبه الحديد، ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلاً وقرعاً لجميع مملكات الأرض، وتكون جيفكم مأكلاً لجميع السباع وطيور السماء ولا يذب أحد عنكم، تكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم، يسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتكون مضطهداً مظوماً طور عمرك يسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي مكله عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة أخرى عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلاً وعجباً ويفكر فيك كل من يسمع خبرك في جميع الشعوب التي يقركم الله فيها، تزرع كثيراً وتحصد قليلاً، ويتعظم عليك سكانك ويصيرون فوقك، هذا اللعن

كله يلزمك وينزل بك ويدركك حتى تهلك، لأنك لم تقبل قول الله ربك، ولم تحفظ سننه ووصاياه التي أمرك بها، وتظهر فيك آيات وعجائب وفي نسلك إلى الأبد، لأنك لم تعبد الله ربك ولم تعمل بوصاياه، ويصير أعداؤك دق الحديد على عنقك، ويسلط الله عليك شعباً يأتيك وأنت جائع ظمآن عريان فقير، قد أعوزك كل شيء يحتاج إليه، وتخدم أعداءك، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف نعتهم، شعب وجوههم صفيقة، لا تستحيي من الشيوخ ولا ترحم الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها في كل أرضك، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك، والرجل المدلل منكم المفنق تنظر عيناه إلى أخيه وخليله وإلى من بقي من ولده جائعاً، لا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكله لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك، وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتقي الله ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب يخصك الرب بضربات موجعة، ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء،

لأنك لم تسمع قول الله، كما فرّحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم كذلك يفرح الرب لكم ليستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب، فإن قالوا: نحن لم ننقض بعد موسى عليه السلام حتى يلزمنا هذا اللعن المشروط بنقض العهد! قيل: قد شهد عليكم بذلك ما بين أيديكم من كتابكم، فإنه قال في آخر أسفاره ما نصه: وقال الرب لموسى: قد دنت أيام وفاتك فادع يشوع وقوما في قبة الزمان لآمره بما أريد، وانطلق يشوع وموسى وقاما في قبة الزمان، وظهر الرب في قبة الزمان بعمود من سحاب، وقام عمود من سحاب في باب قبة الزمان، وقال الرب لموسى: أنت مضطجع منقلب إلى آبائك، فيقول هذا الشعب فيضل ويتبع آلهة أخرى آلهة الشعوب التي تدخل وترى وتسكن بينها، ويخالفني ويبطل عهدي الذي عهدته، ويشتعل غضبي عليه في ذلك اليوم، وأخذلهم وأدير وجهي عنهم، ويصيرون مأكلاً لأعدائهم، ويصيبهم شر شديد وغم طويل، لأنهم تبعوا الآلهة الأخرى، فاكتب لهم الآن هذا التسبيح وعلمه بني إسرائيل وصيره في أفواههم، ليكون هذا التسبيح شهادة على

بني إسرائيل، لأني مدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، الأرض التي تغل السمن والعسل، ويأكلون ويشبعون ويتلذذون، ويتبعون الآلهة الأخرى ويعبدونها، ويغضبوني ويبطلون عهدي، فإذا نزل بهم هذا الشر الشديد والغموم يتلى عليهم هذا التسبيح للشهادة، ولا تعدمه أفواه ذريتهم، لأني عالم بأهوائهم، وكل ما يصنعونه ها هنا اليوم قبل أن أدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم، وكتب موسى هذا التسبيح ذلك اليوم وعلمه بني إسرائيل - وذكر بعد هذا كله ما ذكرته عند {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين} [النساء: 163] في النساء فراجعه، ثم قال: أنصتي أيتها السماء فأتكلم، ولتسمع الأرض النطق من فيّ لأنها ترجو كلامي عطشانة، وكمثل الندى ينزل قولي وكالمطر على النخيل وشبه الضباب على العشب، لأني دعوت باسم الرب أبداً وبالتعظيم لله الرب العدل وليس عنده ظلم، الرب البار الصادق، أخطأ أولاد الأنجاس، الجيل المتعوج المنقلب، وبهذا كافؤوا الرب، لأنه شعب جاهل وليس بحليم، أليس الرب استخلصك وخلقك! اذكروا أيام الدهر وتفهموا ما مضى من سنني جيلاً بعد جيل، استخبر أباك فيخبرك، وشيوخك فيفهموك، حين قسم العلى للأمم بني آدم الذين فرقهم، أقام حدود الأمم على عدد الملائكة،

وصار جزء الرب شعبه، يعقوب حبل ميراثه، إسرائيل فأرواه في البرية من عطش الحر حيث لم يكن ماء، وحاطه وأدبه وحفظه مثل حدقة العين، وكمثل النسر حيث نقل عشه وإلى فراخه اشتاق، فنشر أجنحته وقبلهم وحملهم على صلبه، الرب وحده ساقهم ولم يكن معهم إله آخر، وأصعدهم إلى علو الأرض وأطعمهم من ثمر الشجر وغذاهم عسلاً من حجر، من الصخرة أخرج لهم الزيت، ومن سمن البقر ولبن الغنم وشحم الخراف والكباش والثيران والجداء ولب القمح، أكل يعقوب المخصوص، حين شحم وغلظ وعرُض، ترك الإله الذي خلقه وبعُد من الله مخلصه، يقول الله: أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين ولم يقربوا لإله الآلهة ولم يعرفه الجيل الجديد الذين أتوا ونسوا آباءهم. هذا ما أردت ذكره من التوراة في الشهادة على لزوم اللعن والغضب لهم بعبادتهم الطواغيت، وقد صدق الله قوله فيها وأتم كلماته - وهو أصدق القائلين - بما وقع لهم بعد وفاة موسى عليه السلام ثم بعد يوشع عليه السلام مع ما تقدم لهم في أيام يوشع عليه السلام من عبادة بعليون

الصنم كما مضى عند قوله تعالى {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: 93] . ذكر ما يصدق ذلك من سفر يوشع، قال: ودعا يوشع جميع بني إسرائيل وقال لهم: أنا قد شخت وطعنت في السن، وأنتم قد رأيتم ما صنع الله بهذه الشعوب، إنه أهلكهم من بين أيديكم، وإن الله ربكم هو تولى حروبكم وظفركم، قد علمتم أني قسمت لكم الشعوب التي بقيت. فأما عند النهر الأعظم في مغارب الشمس فقد قسمتها لكم، والله ربكم يهزمهم ويهلكهم في أمامكم وترثون أرضهم كما قال الله ربكم، ولكن تقووا جداً واعلموا بجميع ما كتب في سفر موسى عند الرب، أهلك الرب من أمامكم شعوباً عظيمة ولم يثبت لكم إنسان إلى اليوم، الرجل منكم يهزم ألف رجل، لأن الله ربكم معكم وهو يجاهد عنكم كما قال لكم، فاحترسوا لأنفسكم، إن أنتم خالطتم الشعوب الذين بقوا بينكم وصرتم لهم أختاناً صاروا لكم فخاخاً وعثرات وأسنة في أصدافكم وصنارات في أعينكم حتى تهلكوا من الأرض الصالحة التي أعطاكم الله ربكم، وأما أنا فسائر في طريق أهل الأرض كلهم، وقد تعلمون يقيناً من كل قلوبكم وأنفسكم أنه ما سقطت كلمة واحدة من الكلام الذي وعدكم الله ربكم،

وكما تم كل الكلام الصالح الذي وعدكم الله به كذلك ينزل بكم كل اللعن حتى تهلكوا وتبيدوا إن أنتم عصيتم وتعديتم على ميثاق الله ربكم والوصايا التي أوصاكم بها؛ وجمع جميع بني إسرائيل إلى سجام وأقامهم أمام الرب في قبة الزمان وقال: اسمعوا قول الله إله إسرائيل: كان آباؤكم سكاناً في مجاز النهر في الدهر الأول، ترح أبو إبراهيم وناحور، وكانوا يعبدون هناك آلهة أخرى، وعهد إلى إبراهيم أبيكم وأخرجته من مجاز النهر وسيَّرته في أرض كنعان كلها، وأكثرت ذريته ورزقته إسحاق ابناً، ورزقت إسحاق يعقوب وعيسو، وأعطيت عيسو جبل ساعير ميراثاً، فأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر، وأرسلت موسى وهارون وعاقبت أهل مصر وأكثرت في أرضهم من الآيات والأعاجيب، ومن بعد ذلك أخرجتهم منها، وشق لهم الرب بحر سوف وأجاز إياكم فيه مشياً، فلما أراد المصريون أن يجوزوا أقلب البحر عليهم وغرقهم، ورأت أعينكم ما صنعت بأهل مصر، ثم أتيت بكم المفازة وسكنتموها أياماً كثيرة، وأتيت بكم أرض الأمورانيين الذين يسكنون عند مجاز الأردن، وحاربوكم ودفعتهم إليكم، ووثب عليكم بالاق بن صفور ملك الموآبيين، وحارب إسرائيل فأرسل فدعا بلعام بن بعور ليلعنكم، ولم يسرني أن أسمع قول بلغام، ولكن باركت عليكم ونجيتكم من يديه،

ثم جزتم نهر الأردن وأتيتم أهل أريحا فحاربكم أهلها والأمورانيون - ثم عد بقية الطوائف السبع - فدفعتهم إليكم أجمعين، وأعطيتكم أرضاً لم تتعبوا فيها، فاتقوا الرب واعبدوه بالبر والعدل، واصرفوا عن قلوبكم الفكر في عبادة الآلهة الأخرى التي عبدها أباؤكم عند مجاز النهر وفي أرض مصر، واعبدوا الرب وحده، وإن كان يشق عليكم أن تعبدوا الرب اختاروا لأنفسكم يومنا هذا من تعبدون، أتحبون أن تعبدوا الآلهة التي عبدها آباؤكم عند مجاز نهر الفرات أم آلهة الأمورانيين الذين سكنتم بينهم! أما أنا وأهل بيتي فإنا نعبد الله الرب، فأجاب الشعب وقالوا: حاشا لله أن نجتنب عبادة الرب ونعبد الآلهة الأخرى! لأن الله ربنا هو الذي أخرجنا من أرض مصر وخلصنا من العبودية، وأكمل الآيات والأعاجيب أمامنا، وحفظنا في كل الطرق التي سلكناها، وقوانا على جميع الشعوب التي حاربناها لذلك نعبد الرب لأنه هو الإلهة وحده وهو إلهنا، فقال: انظروا! لعلكم تجتنبون عبادة الله وتعبدون الآلهة الغريبة، فيغضب الرب عليكم وينزل بكم البلاء ويهلككم من بعد إنعامه عليكم، فقال الشعب: لا يكون لنا عبادة أخرى غير عبادة الله، ربنا، قال يشوع: اشهدتم على أنفسكم: أنتم الذين اخترتم عبادة الرب

قالوا له: نشهد! فأول ما دخل عليهم الدخيل أنهم لم يستأصلوا الكفرة وخالطوهم في أيام يوشع؛ قال في سفره: فصعد رسول الرب من الجلجال إلى سجين وقال لبني إسرائيل: هكذا يقول الرب: أنا الذي أصعدتكم من أرض مصر وأتيت بكم الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: إني لا أبطل عهدي إلى الأبد، وأمرتكم أن لا تعاهدوا أهل هذه الأرض، ولكن استأصلوا مذابحهم، ولم تقبلوا ولم تطيعوني، وأنا أيضاً قد قلت: إني لا أهلكهم من أمامكم، ولكن تكون لكم آلهتهم عشرة، فلما قال رسول الرب لبني إسرائيل هذا القول رفع القوم أصواتهم بالبكاء ودعوا اسم ذلك الموضع تحناد أي موضع البكاء، وذبحوا هناك ذبائح للرب؛ وتوفي يشوع بن نون عند الرب ابن مائة وعشرين سنة، ودفن في حد ميراثه بسرح التي في جبل إفرائيم عن يسار جبل جعس، وكل ذلك الحقب أيضاً قبضوا، ونشأ من بعدهم حقب لم يعرف الرب ولم يعرف أعماله التي عملها، وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام الرب واجتنبوا عبادة الله إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وتبعوا آلهة الشعوب التي حولهم وسجدوا لها وعبدوا بعلاً وأشتراثاً الصنمين، وغضب الرب على بني إسرائيل، وسلط عليهم المنتهبين، ودفعهم إلى أعدائهم، ولم يقدروا

أن يثبتوا لأعدائهم، وكلما كانوا يخرجون إلى الحرب كانت يد الرب عليهم بالعقاب والبلاء كما قال لهم الرب وكما أقسم لآبائهم، واضطروا وضاق بهم جداً، فصير الرب عليهم قضاة، وأعان قضاتهم وخلصوهم من أيدي أعدائهم، وكان الرب يسمع أنينهم وما يشكون من المضيقين عليهم والمزعجين لهم، فلما توفيت قضاتهم رجعوا إلى الفساد كآبائهم، وعبدوا الأصنام وسجدوا لها، ولم ينقصوا من سوء أعمالهم الأولى وطرقهم الرديئة، فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل وقال: لأن الشعب اعتدوا الوصية التي أوصيت آباءهم، ولم يسمعوا قولي، لا أعود أن أهلك إنساناً بين أيديهم من الشعوب التي خلف يشوع بعد وفاته، ليجرب الرب بها بني إسرائيل هل يحفظون طرق الرب كما حفظ آباؤهم أولاً! فلذلك ترك الرب هذه الشعوب ولم يهلكهم سريعاً، ولم يسلمها في يدي يشوع، والذين تركوا خمسة رؤساء أهل فلسطين وجميع الكنعانيين والصيدانيين والحاوانيين والذين يسكنون جبل لبنان ومن جبل بني حرمون إلى مدخل حماة ليجرب بهم بني إسرائيل، وجلس بنو إسرائيل بين يدي الأمورانيين وبقية القبائل، وزوجوا بنيهم من بناتهم وزوجوا بناتهم من بنيهم وعبدوا آلهتهم، وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام الرب ونسوا صنيع الرب إلههم وعبدوا بعلاً وأشتراثاً،

واشتد غضب الرب على بني إسرائيل ودفعهم إلى كوشان الأتيم ملك حران، فاستعبدهم ثماني سنين، ودعا بنو إسرائيل الرب متضرعين، وصيَّر الرب لهم مخلصاً، وخلصهم عثنايال بن قنز أخو كالاب الأصغر، فأعانه الرب وصار حكماً لبني إسرائيل فخرج إلى الحرب، وأسلم الرب في يده كوشان الأتيم، واستراحت الأرض من الحرب أربعين سنة، وتوفي عثنايال ابن قنز، وعاد بنو إسرائيل في سوء أعمالهم أمام الرب فقوى الرب عليهم ملك موآب، واستمروا هكذا في كل حين ينقضون، وسنة الرب كل قليل يرفضون، ولا يستقيمون إلا بقدر ما ينسون حرارة النقم ويذوقون لذاذة النعم - ولولا خوف الإطالة الموجبة للسآمة والملالة لذكرت من ذلك كثيراً من الكتب التي بين أيديهم، لا يقدرون على إنكار ما يلزمهم بها من الفضيحة والعار - والله الموفق.

61

ولما تم ذلك عطف سبحانه على {وإذا ناديتم إلى الصلاة} قوله دالاً على استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء أعمالهم دلالة على صحة دين الإسلام بإطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة والسلام على خفايا الأسرار: {وإذا جاءوكم} أي أيها المؤمنون! هؤلاء المنافقون من الفريقين، وإعادة ضمير الفريقين عليهم لأنهم في الحقيقة منهم، ما أفادتهم دعوى الإيمان شيئاً عند الله، والعدول إلى

خطاب المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت، وفيه إشارة إلى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرفهم في لحن القول، فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن إلى مكرهم بما أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم {قالوا آمنا} أي لا تغتروا بمجرد قولهم الحسن الخالي عن البيان بما يناسبه من الأفعال فكيف بالمقترن بما ينفيه منها، وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين بالآيتين السالفتين لا يضر، لكونهما علة للمعطوف عليه، فهما كالجزء منه. ولما ادعوا الإيمان كذَّبهم سبحانه في دعواهم بقوله مقرباً لماضيهم من الحال رجاء لهم غير الدخول، لأنها تكاد تظهر ما هم مخفوه، فوجب التوقع للتصريح بها: {وقد} أي قالوا ذلك والحال أنهم قد {دخلوا} أي إليكم {بالكفر} مصاحبين له متلبسين به. ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال، لما يرون من سمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجليل وكلامه العذب ودينه العدل وهدية الحسن، فلم يتأثروا لما عندهم من الحسد الموجب للعناد، أخبر عن ذلك بأبلغ من الجملة التي أخبرت بكفرهم تأكيداً للأخبار عن ثباتهم على الكفر، لأنه أمر ينكره العاقل فقال: {وهم} أي من عند أنفسهم لسوء ضمائرهم وجبلاتهم من غير سبب من أحد منكم، لا منك ولا من أتباعك {قد خرجوا به} أي الكفر بعد دخولهم ورؤية ما

رأوا من الخير، دالاً على قوة عنادهم بالجملة الاسمية المفيدة للثبات، وذكر المسند إليه مرتين، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا. ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه، نبه عليه بقوله: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال وبكل شيء علماً وقدرة {أعلم} أي منهم وممن توسم فيهم النفاق {بما كانوا} أي بما في جبلاتهم من الدواعي العظيمة للفساد {يكتمون *} أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم. ولما كذبهم في دعوى الإيمان، أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطباً لمن له الصبر التام، مفيداً أنه أطلعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما يعلم منهم مما يكتمونه من ذلك تصديقاً لقوله تعالى {ولتعرفنهم في لحن القول} إطلاعاً هو كالرؤية، عاطفاً على ما تقديره: وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين بما نعلم منهم من ذلك، وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف: {وترى} أي لا تزال يتجدد لك ذلك {كثيراً منهم} أي اليهود والكفار منافقهم ومصارحهم. ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا، لأنها لا تكون إلا في شيء له وقتان: وقت لائق، ووقت غير لائق، والإثم لا يتأتى فيه ذلك،

قال: {يسارعون} أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصماً في السرعة فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير، وكان موضع لأن يعبر بالضمير فيقال: فيه - أي الكفر فعبر عنه تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف إفادة لأن كفرهم عن حيلة هي في غاية الرداءة بقوله: {في الإثم} أي كل ما يوجب إثماً من الذنوب، وخص منه أعظمه فقال: {والعدوان} أي مجاوزة الحد في ذلك الذي أعظمه الشرك، ثم حقق الأمر وصوَّره بما يكون لوضوحه دليلاًعلى ما قبله من إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلاً، ولا يمكنهم إنكاره فقال: {وأكلهم السحت} أي الحرام الذي يستأصل البركة من أصلها فيمحقها، ومنه الرشوة، وكان هذا دليلاً على كفرهم لأنهم لون كانوا مؤمنين ما أصروا على شيء من ذلك، فكيف بجميعه! فكيف بالمسارعة فيه! ولذلك استحقوا غاية الذم بقوله: {لبئس ما كانوا} ولما كانوا يزعمون العلم، عبر عن فعلهم بالعمل فقال: {يعملون *} . ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئاً واحداً في الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على وجه يعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم - أنكر- على من يودعونهم أسرارهم ويمنحونهم مودتهم وأخبارهم من علمائهم وزهادهم - عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لكونهم

جديرين بذلك لما يزعمونه من اتباع كتابهم فقال: {لولا} أي هلا ولم لا {ينهاهم} أي يجدد لهم النهي {الربانيون} أي المدعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب {والأحبار} أي العلماء {عن قولهم الإثم} أي الكذب الذي يوجبه وهو مجمع له {وأكلهم السحت} وذلك لأن قولهم للمؤمنين {آمنا} وقولهم لهم {إنا معكم إنما نحن مستهزءون} [البقرة: 14] لا يخلو عن كذب، وهو محرم في توراتهم وكذا أكلهم الحرام، فما سكوتهم عنهم في ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي وتمردهم في الكفر واستهانتهم بالجرأة على من لا تخفى عليه خافية، ولا يبقى لمن عاداه باقية. ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلاً عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ، لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخاً لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك، بل معه

حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، فكان أشد حالاً؛ قال: {لبئس ما} ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون فقال: {كانوا يصنعون *} أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم.

64

ولما لم تزل الدلائل على إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم، وجبوش البراهين تنجد، حتى انتشبت فيهم سهام الكلام أي انتشاب، قال تعالى معجباً من عامتهم بعد تعيين خاصتهم، معلماً بأنهم لم يقنعوا بالسكوت عن المنكر حتى تكلموا بأنكره، مشيراً إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم بأداة التأنيث: {وقالت اليهود} معبرين عن البخل والعجز جرأة وجهلاً بأن قالوا ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة: {يد الله} أي الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال {مغلولة} أي فهو لا يبسط الرزق غاية البسط، وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه على حياله أصلاً، كما قال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلاً، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازاً عنه، كأنهما متعقبان على معنى واحد، حتى لو جاد

الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، منه الاستواء «وقالت: في السماء» المراد منه - كما قاله العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان، قال في الكشاف: ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به. ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء، فقال معبراً بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليماً لنا كيف ندعو عليهم، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل: {غلت أيديهم} دعاء مقبولاً وخبراً صادقاً، عن كل خير، فلا تكاد تجد فيهم كريماً ولا شجاعاً ولا حاذقاً في فن، وإن كان ذلك لم تظهر له

ثمرة {ولعنوا} أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم {بما قالوا} والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها، وسكت عليه الباقون فشاركوه، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق، وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمناً أن الأمر ليس كما قالوا، ترجمة سبحانه بقوله: {بل يداه} وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم {مبسوطتان} مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم. ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال، قال مصرحاً بالمقصود معرفاً أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض: {ينفق} ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقاً للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر، أشار إلى التعجيب من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا الموطن شرط، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد دائماً من تقتير وبسط وغير ذلك. ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كافٍ في تقبيحه بل تقبيح ما هو دونه في الفحش، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح البيان، قال سبحانه عاطفاً على {وترى كثيراً منهم} [المائدة: 62]

مؤكداً لمضمون ما سبق من قوله {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} [المائدة: 41] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي هم به أعرف منهم بأبنائهم: {وليزيدن كثيراً منهم} أي ممن أراد الله فتنته، ثم ذكر فاعل الزيادة فقال: {ما أنزل إليك} أي على ما له من النور وما يدعو إليه من الخير {من ربك} أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى {طغياناً} أي تجاوزاً عظيماً عن الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ، وذلك بما جره إليهم داء الحسد، لأنهم كلما رأوه سبحانه قد زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك الإحسان، وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم الدليل عليه والبرهان، فيكون أعدى العدوان {وكفراً} أي ستراً لما ظهر لعقولهم من النور ودعت إليه كتبهم من الخير، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء الصباح، وكلما قوي الضياء زاد أذاه، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم، أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقاً ما وجدوا قوة، فإن ضعفوا فنفاقاً.

ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفاً من كيدهم، نفى ذلك بقوله {وألقينا} أي بما لنا من العظمة الباهرة {بينهم} أي اليهود {العداوة} ولما كانت العداوة - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ربما زالت بزوال السبب، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله: {والبغضاء} أي لأمور باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو {إلى يوم القيامة} . ولما كان ذلك مفيداً لوهنهم ترجمه بقوله: {كلما أوقدوا} على سبيل التكرار لأحد من الناس {ناراً للحرب} أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها {اطفأها} أي خيّب قصدهم في ذلك {الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، فلا تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر، وأصل استعارة النار لها ما في كل منهما من التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن، مع أن المحارب يوقد النار في موضع عال ليجتمع إليه أنصاره، ولقد قام لعمري دليل المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة، والقبائل الثلاث بالمدينة لم يتناصروا ولم ينصروا، ثم غزوة خيبر وأهل فدك ووادي القرى وهم متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا، هذا فيما في خاصتهم،

وأما في غير ذلك فقد ألبّوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا في أمرهم على زعمهم المكايد، ثم أطفأ الله نارهم حساً ومعنى بالريح والملائكة، وألزمهم خزيهم وعارهم وجعل الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين إليهم، وإلى ذلك وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله: {ويسعون} أي يوجدون مجتهدين اجتهاد الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ما عندهم من الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام {في الأرض} أي كل ما قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة. ولما كان الإنسان لكونه محل نقصان لا ينبغي أن يتحرك فضلاً عن أن يمشي فضلاً عن أن يسعى إلا بما يرضي الله، وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله لكونه آمراً به خالقاً له، فكانت نسبة السعي إلى الإنسان دالة على الفساد، صرح به في قوله: {فساداً} أي للفساد أو ذوي فساد {والله} أي والحال أن الذي له الكمال كله {لا يحب المفسدين *} أي لا يفعل معهم فعل المحب، فلا ينصر لهم جيشاً، ولا يعلي لهم كعباً، ولا يصلح لهم شأناً، وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره سلط عيهم من عذابه بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك قريباً عما بين أيديهم من التوراة بنصه.

65

ولما أثبت بقوله {وليزيدن} أنهم كانوا كفرة قبل إتيان هذا الرسول عليه السلام، وكرر ما أعده لهم من الخزي الدائم على نحو ما أخبرهم به كتابهم، وعظهم ورجّاهم سبحانه استعطافاً لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة منه في رحمته لعباده ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفاً على ما تقديره: فلو أنهم كفوا عن هذه الجرائم العظائم لاضمحلت صغائرهم فلم تكن لهم سيئات: {ولو أن} ولما كان الضلال من العالم أقبح، قال: {أهل الكتاب} أي الفريقين منهم. ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال، قدمه إعلاماً بأنه لا نجاة لأحد إلا بتصديق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية بهم لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {آمنوا} أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى {واتقوا} أي ما هددوا به في كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في قصة إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليه السلام في آخر كتابهم التصريح بنبوته عليه السلام والإشارة إلى أن اتباعه أحق من اتباعه فقا: جاء ربنا من سيناء؛ وشرق من ساعير، وتبدّى من جبال فاران، فأضاف الرب إليهم، وجعل الإتيان من جبال فاران - التي هي مكة، لا نزاع لهم في ذلك - تبدياً وظهوراً أي لاخفاء

به بوجه، ولا ظهور أتم منه {لكفّرنا} وأشار إلى عظيم جرأتهم بمظهر العظمة {عنهم سيئاتهم} أي التي ارتكبوها قبل مجيئه وهي مما يسوء، أي يشتد تنكر النفس له أو تكرّهها، وأشار إلى سعة رحمته وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر العظمة فقال: {ولأدخلناهم} أي بعد الموت {جنات النعيم *} أي بدل ما هم فيه من هذا الشقاء الذي لا يدانيه شقاء. ولما كان المعنى: ما فعلوا ذلك، فألزمناهم الخزي في الدنيا والعذاب الدائم في الآخرة، وكان هذا إجمالاً لحالتهم الدنيوية والأخروية، وكان محط نظرهم الأمر الدنيوي، رجع - بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة الأخروية لأنها أهم في نفسها - إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء والداهية القبيحة الصلعاء، وهو تقتير الرزق عليهم، وبين أن السبب إنما هو من أنفسهم فقال: {ولو أنهم أقاموا التوراة} أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها {والإنجيل} أي بعد إنزاله كذلك، وفي إقامته إقامة التوراة الداعية إليه {وما أنزل إليهم من ربهم} أي المحسن إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن القرآن بعد إنزاله، وفي إقامته إقامة جميع ذلك، لأنه مبشر به وداع إليه {لأكلوا} أي لتيسر لهم الرزق، وعبّر ب «من» لأن المراد بيان جهة المأكول

لا الأكل {من فوقهم} . ولما كان ذلك كناية عن عظم التوسعة، قال موضحاً له معبراً بالأحسن ليفهم غيره بطريق الأولى: {ومن تحت أرجلهم} أي تيسراً واسعاً جداً متصلاً لا يحصر، أو يكون كناية عن بركات السماء والأرض، فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة إلا تصديقاً لما تقدم إليهم به في التوراة، قال مترجمها في السفر الخامس - الدعاء والبركات: وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم وعملتم بجميع الوصايا التي آمركم بها اليوم، يصيركم الرب فوق جميع الشعوب، فتصيرون إلى هذا الدعاء، يبارك لكل امرىء منكم في القرية والحقل، يبارك في أولادكم وأرضكم، يبارك لكم في بهائمكم وما يضع في أقطاع بقركم وأحزاب غنمكم، ويبارك فيكم إذا دخلتم ويبارك فيكم إذا خرجتم، ويدفع إليكم الله أعداءكم أسارى، يخرجون إليكم في طريق واحد ويهربون منكم في سبعة طرق، يأمر الله ببركاته في أهرائكم وفي جميع الأشياء التي تمدون أيديكم إليها، وينظر إليكم جميع شعوب الأرض ويعلمون أن اسم الرب عليكم وقد وسمتم به فيخافونكم، ويزيدكم الرب خيراً ويبارك في ثمار أرضكم، يفتح الله ربكم أهراء السماء ويهبط المطر على أهله في زمانه، وتتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلط عليكم أحد، ويصيركم الرب رأساً ولا يصيركم ذنباً، وتصيرون فوق ولا تصيرون

أسفل إذا عملتم بجميع وصايا الله ربكم ولم تروغوا عنها يمنة ولا يسرة، ولا تتبعوا الشعوب ولا تعبدوا آلهتها، وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونون ملعونين في القرية - إلى آخر اللعن الذي تقدم قريباً، وقال في الثالث: إذا سلكتم بسنتي وحفظتم وصاياي وعملتم بها، أديم أمطاركم في وقتها، وتبذل الأرض لكم غلاتها، وتبذل لكم الشجر ثمارها، ويدرك الدراس القطاف، والقطاف يدرك الزرع، وتأكلون خبزاً وتشبعون وتسكنون أرضكم مطمئنين، ولا يكون من يخرجكم، وأصرف عن أرضكم السباع الضارية، وتطردون أعداءكم، الخمسة منكم يهزمون مائة، والمائة منكم يهزمون عشرة آلاف، وتقع أعداؤكم قتلى بين أيديكم في الحرب، وأقبل إليكم وأكثركم وأديم مقدسي بينكم ولا أدبر عنكم، بل أكون معكم وأسير بينكم، وإن لم تطيعوني وتسمعوا قولي ولم تعملوا بهذه الوصايا وأبطلتم عهودي، أنا أيضاً أصنع بكم مثل صنيعكم، وآمر بكم البلايا والبرص والبهق المقشر الذي لا يبرأ، والسل الذي يطفىء البصر ويهلك النفس، ويكون تعبكم في الزرع باطلاً، وذلك لأن أعداءكم يأكلون ما تزرعون، وأنزل بكم غضبي، ويهزمكم أعداؤكم، ويتسلط

عليكم شنّاؤكم، وتنهزمون من غير أن يهزمكم أحد، وأصيّر السماء فوقكم مثل الحديد، والأرض تحتكم مثل النحاس، ولا تغل لكم أرضكم غلاتها، ولا تثمر الشجر ثمارها، وأرسل عليكم السباع الضارية فتلهككم وتهلك بهائمكم، ويستوحش الطرق منكم، وأسلط عليكم الموت وأدفعكم إلى أعدائكم، وتأكلون ولا تشبعون، وتصيروا إلى ضيق حتى تأكلوا لحوم بناتكم، وأخرب منازلكم، وأفرقكم بين الأمم، وتخرب قراكم، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها، وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة لا تسبتون، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة، ويطردهم صوت ورقة تحرك، ويهربون من صوت الورقة كما يهربون من السيف، ويعنفون بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف. ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم، قال مستأنفاً جواباً لمن يسأل عن ذلك: {منهم} أي أهل الكتاب {أمة} أي جماعة هي جديرة بأن تقصد {مقتصدة} أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير، وهم الذين هداهم الله للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم {وكثير منهم} أي بني إسرائيل {سآء ما يعملون *} أي ما أسوأ

فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده، ففيه معنى التعجيب، والتعبيرُ بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله. ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلاً، ومن أقام ما أنزل عليه سعد، ومن كفر بشيء منه شقي، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ، قرن بقوله تعالى {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] قولَه حاثاً على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلاً، وكذا إبلاغ جميع من عداهم: {يا أيها الرسول} أي الذي موضوع أمره البلاغ {بلغ} أي أوصل إلى من أرسلت إليهم {ما أنزل إليك} أي كله {من ربك} أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحداً، ولا خائف شيئاً، لتعلم ما لم تكن تعلم، ويهدي على يدك من أراد الله هدايته، فيكون لك مثل أجره. ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها،

بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال: {وإن لم تفعل} أي وإن لم تبلغ جميع ذلك، أو إن لم تعمل به {فما بلغت رسالته} لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض، فمن أغفل شيئاً منها فكأنه أغفل الكل، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر، فكانت لذلك في حكم شيء واحد، والمعنى: فلنجازينك، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء. ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب، ويسعون في إيقاع أشد الكروب، وكان ذلك - وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد قتل ناس وجراح آخرين، وكان كأنه قيل: إذا بلغ ذلك وهو ينقّص أديانهم خيف عليه، قال: {والله} أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك الأعلى الذي لا كفوء له {يعصمك} أي يمنعك منعاً تاماً {من الناس} أي من أن يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور الدين، فلا مانع من إبلاغ شيء منها لأحد من الناس كائناً من كان.

ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغ فهو لا يؤمن، فلا يزال يبغي الغوائل. أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان بقوله: {إن الله} أي الذي لا أمر لغيره {لا يهدي القوم الكافرين} أي المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} [المائدة: 41] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في قوله {ويغفر لمن يشاء} والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن لترك البلاغ سببين: أحدهما خوف فوات النفس، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء، فنفي الأول بضمان العصمة، والثاني بختام الآية، أي ليس عليك إلاّ البلاغ، فلا يحزنك من لا يقبل، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك، بل لقصور إدراكه وحظه لأن الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه، والله لا يهدي مثله، وتلخيصه: بلغ، فمن أجابك ممن أشير إليه - فيما سلف من غير الكثير الذين يزيدهم ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم - فهو حظه في الدنيا والآخرة، ومن أبى فلا يحزنك أمره، لأن الله هو الذي أراد ضلاله. فالتقدير: بلغ، فليس عليك إلاّ البلاغ، وإلى الله الهدى والضلال، إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين، أو فإذا بلغت هدى بك ربُك من أراد إيمانه، ليكتب لك مثل أجرهم، وأضل من شاء كفرانه، ولا يكون عليك شيء من

وزرهم، إن الله لا يهدي القوم الكافرين، والمعنى كما تقدم: يعصمك من أن ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر على الدين كله كما وعدتك، وعلى مثل هذا دل كلام إمامنا الشافعي رحمه الله، قال في الجزء الثالث من الأم: ويقال - والله أعلم: إن أول ما أنزل عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ثم أنزل عليه بعدها ما لم يؤمر فيه بأن يدعو إليه المشركين، فمرت لذلك مدة، ثم يقال: أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان. فكبر ذلك عليه وخاف التكذيب وأن يُتَناول، فنزل عليه {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالتك والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] : من قبلهم أن يقتلوك حتى تبلغ ما أنزل إليك - انتهى. ولقد وفى سبحانه بما ضمن ومن أوفى منه وعداً وأصدق قيلاً! فلما أتم الدين وأرغم أنوف المشركين، أنفذ فيه السم الذي تناوله بخيبر قبل سنين فتوفاه شهيداً كما أحياه سعيداً؛ روى الشيخان: البخاري في الهبة، ومسلم في الطب، وأبو داود في الديات عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن امرأة يهودية أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله

ليسلطك على ذلك - أو قال: عليّ - فقالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قال أبو داود: هي أخت مرحب اليهودي قال الحافظ عبد العظيم المنذري في مختصر سنن أبو داود: وذكره غيره أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت الحارث، وذكر الزهري أنها أسلمت، ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن أبي سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - قال: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية فتناول منها، وتناول منها بشر بن البراء، ثم رفع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده ثم قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء رضي الله عنه، فأرسل إليها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: إن كنت نبياً لم يضرك شيء، وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك، قال أبو داود: فأمر بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقتلت. زاد الدارمي: فقال في مرضه: ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري» وهذا مرسل. قال البيهقي: ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو

عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال البيهقي: ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء، ثم لما مات بشر أمر بقتلها. وقصة هذه الشاة عن أبي هريرة رواها البخاري في الجزية والمغازي والطب، والدارمي في أول المسند بغير هذا السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى {وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة} [البقرة: 80] وقد مضى في أول هذه السورة عند قوله {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] شيء منه. ولأبي داود والدارمي عن ابن شهاب قال: «كان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارفعوا أيديكم، وأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية من أخبرك؟ قال: أخبرتني هذه في يدي - للذراع، قالت: نعم، قال: فما أردت؟ قالت: قلت: إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أو هند

بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار» قال الدارمي: وهو من بني ثمامة - وهم حي من الأنصار، قال المنذري: وهذا منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، وفي غزوة خيبر من تهذيب السيرة لابن هشام: «فلما اطمأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهدت له زينب بنت الحارثة امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعاها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومات بْشر من أكلته التي أكل» وذكر موسى بن عقبة أن بشراً رضي الله عنه لم يسغ لقمته حتى أساغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقمته وقال بعد

أن أخبرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي أكرمك! لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلاّ أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك. ونقلتُ من خط شيخنا حافظ عصره أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني الشافعي ما نصه: وأخرج الحافظ أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور، وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في معجمه الكبير من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت له بخيبر» . قال شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي: رجاله ثقات، قلت: وذكر محمد بن إسحاق في السيرة الكبرى وكذلك الواقدي في المغازي - انتهى. وقال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر! إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر» ، قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة. ولابن ماجه في الطب عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لا يزال، يصيبك في كل عام وجع من الشاة المسمومة التي أكلت، قال: ما أصابني

شيء منها إلاّ وهو مكتوب عليَّ وآدم في طينته «وللبخاري في آخر المغازي عن عائشة رضي الله عنها» أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم «قال ابن فارس في المجمل: الأبهر عرق مستبطن الصلب، والقلب متصل به، وهو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» هذا أوان قطعت أبهري «وعبارة المحكم: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وبعضهم يجعله عرقاً مستبطن الصلب وقال ثابت بن عبد العزيز في كتاب خلق الإنسان: وفي الصلب الوتين، وهو عرق أبيض غليظ كأنه قصبة، وفي الصلب الأبهر والأبيض وهما عرقان، وقال الزبيدي في مختصر العين: والأبهران عرقان مكتنفاً الصلب، وقيل: هما الأكحلان. وقال الفيروزآبادي في قاموسه: والأبهر: الظهر وعرق فيه ووريد العنق والأكحل والكلية، والوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. وقال ابن الفرات في الوفاة من السيرة من تاريخه: قال الحربي: العرق في الظهر يسمى الأبهر، وفي اليد الأكحل، وفي العنق الوريد، وفي الفخذ النسا، وفي الساق الأبجل، وفي العين الشأن،

وهو عرق واحد، كله يسمى الجدول. وقال ابن كيسان أيضاً: هو الوتين في القلب والصافن. وقال الإمام أبو غالب بن التياني الأندلسي في كتابه الموعب: إسماعيل بو حاتم: الأبهر عرق في الظهر، وقال: هو الوريد في العنق، ثم يقال: والأبهر عرق مستبطن المتن؛ الأصمعي: وفي الصلب الأبهر وهو عرق؛ صاحب العين: الأبهران الأكحلان، ويقال: هما عرقان مكتنفا الصلب من جانبيه. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما زالت أكلة خيبر تعادّني كل عام فالآن حين قطعت أبهري» يعني عرقي، ويقال: الأبهر عرق مستبطن الصلب، وإذا انقطع فلا حياة بعده. وهذا اللفظ الذي ذكره رواه البخاري والطبراني عن عائشة رضي الله عنها. ومعنى تعادّني: تناظرني وتخالفني، ومن العديد بمعنى الند الذي هو المثل المضاد والمنافر، أي إني كلما زدت في جسمي صحة، نقصته بما لها من الضر والأذى.

68

ولما أمر سبحانه بالتبليغ العام، أمره بنوع منه على وجه يؤكد ما ختمت به آية التبليغ من عدم الهداية لمن حتم بكفره، ويبطل - مع تأكيده - هذه الدعوى: قولهم: نحن أبناء الله وأحباءه، فقال مرهباً لهم بعد ما تقدم من الترغيب في إقامته: {قل يا أهل الكتاب}

أي من اليهود والنصارى {لستم على شيء} أي سارّ أو يعتد به من دنيا ولا آخرة، لأنه لعدم نفعه لبطلانه لا يسمى شيئاً أصلاً {حتى تقيموا} أي بالعمل بالقلب والقالب {التوراة والإنجيل} وما فيهما من الإيمان بعيسى ثم بمحمد عليهما الصلاة والسلام بالإشارة إلى كل منهما بالخصوص بنحو ما تقدم في الإشراق من ساعير والظهور ممن فاران، وبالإشارة بالعموم إلى تصديق كل من أتى بالمعجز، وصدق ما قبله من منهاج الرسل {وما أنزل} . ولما كان ما عندهم إنما أوتي إليهم بواسطة الأنبياء، عداه بحرف الغاية فقال: {إليكم من ربكم} أي المحسن إليكم بإنزاله على ألسنة أنبيائكم من البشارة بهما، وعلى لسان هذا النبي العربي الكريم مما يصدق ما قبله، فإنهم يعلمون ذلك ولكنهم يجحدونه. ولما كان السياق لأن أكثرهم هالك، صرح به دالاً بالعطف على غير معطوف عليه أن التقدير: فليؤمنن به من أراد الله منهم، فقال: {وليزيدن كثيراً منهم} أي ما عندهم من الكفر بما في كتابهم {مآ أنزل إليك من ربك} المحسن إليك بإنزاله {طغياناً} تجاوزاً شديداً للحد {وكفراً} أي ستراً لما دل عليه العقل. ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الشفقة على خلق الله، سلاّه في ذلك بقوله: {فلا} أي فتسبب عن إعلام الله لك بذلك قبل وقوعه ثم عن وقوعه كما أخبر أن تعلم أنه بإرادته وقدرته، فقال لك:

لا {تأس} أي تحزن {على القوم الكافرين} أي على فوات العريقين في الكفر لأنهم لم يضروا إلاّ أنفسهم لأن ربك العليم القدير لو علم فيهم خيراً لأقبل بهم إليك، والحاصل أنه ختم هذه الآية بمعلول الآية التي قبلها، فكأنه قبل: بلغ، فإن الله هو الهادي المضل، فلا تحزن على من أدبر. ولما كان ما مضى في هذه السورة غالباً في فضائح أهل الكتاب لا سيما اليهود وبيان أنهم عضوا على الكفر، ومردوا على الجحد، وتمرنوا على البهت، وعتوا عن أوامر الله، كان ذلك موجباً لأنه ربما حدث في الخاطر أنه إن آمن منهم أحد ما يقبل، أو لأن يقولوا هم: ليس في دعائنا حينئذ فائدة فلا تدعنا، أخبر أن الباب مفتوح لهم ولغيرهم من جميع أهل الملل، وأنه ليس بين الإنسان وبين أن يكون من أهله إلا عدم الإخلاص، فإذا أخلص أذن في دخوله ونودي بقبوله، أو يقال - وهو أحسن: لما أخبر عن كثير منهم بالزيادة في الكفر، رغب القسم الآخر على وجه يعم غيرهم، أو يقال: إنه لما طال الكلام معهم. كان ربما ظن أن الأمر ترغيباً وترهيباً وأمراً ونهياً خاص بهم، فوقع الإعلام بأنهم وغيرهم من جميع الفرق في ذلك سواء، تشريفاً لمقدار هذا النبي الكريم بعموم الدعوة وإحاطة الرسالة

فقال سبحانه: {إن الذين آمنوا} أي قالوا: آمنا {والذين هادوا} أي اليهود {والصابئون} أي القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية {والنصارى} أي الذين يدعون اتباع المسيح عليه السلام. ولما كان اليهود قد عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم في استنزال الروحانيات انهماكاً في السحر الذي جاء نبيهم موسى عليهم السلام بإبطاله، وكان ذلك هو معنى دين الصابئة، وفرّق بين فريقي بني إسرائيل بهم مكتفياً بهم عن ذكر بقية المشركين لما مضى في البقرة، ولما سبق في هذه السورة من ذم اليهود بالنقض للميثاق والكفر واللعن والقسوة وتكرر الخيانة وإخفاء الكتاب والمسارعة في الكفر والنفاق والتخصيص بالكفر والظلم والفسق وغير ذلك من الطامات ما يسد الأسماع، كان قبول توبتهم جديراً بالإنكار، وكانوا هم ينكرون عناداً فلاح العرب من آمن منهم ومن لم يؤمن، فاقتضى الحال كون الفريقين في حيز التأكيد، ولم يتقدم للصابئة ذكر هنا فأخرجوا منه تنبيهاً على أن المقام لا يقتضيه لهم، فابتدىء بذكرهم اعتراضاً ودل على الخبر عنهم بخبر «إن» ، أو أنه لما كان المقام للترغيب في التوبة، وجعل هؤلاء مع شناعة حالهم بظهور ضلالهم كمن لا إنكار لقبول توبته، كان غيرهم أولى بذلك، ولما كان حال النصارى مشتبهاً، جعلوا في حيز الاحتمال للعطف على اليهود لما

تقدم من ذمهم، وعلى الصابئة لخفة حالهم بأنهم مع أن أصل دينهم صحيح لم يبلغ ذمهم السابق في هذه السورة مبلغ ذم اليهود {من آمن} أي منهم مخلصاً من قلبه، ولعله ترك الجار إعراقاً في التعميم {بالله} أي الذي له جميع الجلال والإكرام {واليوم الآخر} أي الذي يبعث فيه العباد بأرواحهم وأشباحهم، ويبعث من ذكره على الزهادة وألحد في العبادة، وبالإيمان به يحصل كمال المعرفة بالله تعالى باعتقاد كمال قدرته {وعمل صالحاً} أي صدق إيمانه القلبي بالعمل بما أمر به، ليجمع بين فضيلتي العلم والعمل، ويتطابق الجنان مع الأركان {فلا خوف عليهم} يعتد به في دنيا ولا في آخرة {ولا هم} أي خاصة {يحزنون *} أي على شيء فات، لأنه لا يفوتهم شيء يؤسف عليه أصلاً، وأما غيرهم فهم في الحزن أبداً، وفي الآية تكذيب لهم في قولهم {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] المشار إليه في هذه السورة بنسبتهم إلى أكل السحت في غير موضع، وفي نصوص التوراة الموجودة بين أظهرهم الآن أعظم ناصح لهم في ذلك كما سبق في أوائل البقرة، وقال في السفر الرابع منها عند ذكر التيه ووصاياهم إذ أدخلهم الأرض المقدسة، ومكنهم فيها بأشياء

منها القربان: وإن سكن بينكم رجل غريب يقبل إليّ أو بين أولادكم لأحقابكم ويقرب قرباناً لريح قتار الذبيحة للرب يفعل كما فعلتم أنتم، ولتكن السنة واحدة لكم وللذين يقبلون إليّ ويسكنون بينكم سنة جارية لأحقابكم إلى الأبد، والذين يقبلون إليّ من الغرباء يكونون أمام الرب مثلكم، ولتكن لكم سنة واحدة وحكومة واحدة لكم وللذين يقبلون إليّ ويسكنون معكم.

70

ولما كانت هذه البشارة - الصادقة من العزيز العليم الذي أهل الكتاب أعرف الناس به لمن آمن كائناً من كان - موجبة للدخول في الإيمان والتعجب ممن لم يسارع إليه، وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر، كان الحال مقتضياً لتذكر ما مضى من قوله تعالى {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} [المائدة: 12] وزيادة العجب منهم مع ذلك، فأعاد سبحانه الإخبار به مؤكداً له تحقيقاً لأمره وتفخيماً لشأنه، وساقه على وجه يرد دعوى البنوى والمحبة، ملتفتاً مع التذكير بأول قصصهم في هذه السورة إلى أول السورة {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة، وجعل بدل النقباء الرسل فقال مستأنفاً: {لقد أخذنا} أي على ما لنا من العظمة {ميثاق بني إسرائيل} أي على الإيمان بالله ثم بمن يأتي بالمعجز مصدقاً لما عنده بحيث يقوم

الدليل على أنه من رسل الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم بالإيمان بهم، ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة: {وأرسلنا إليهم رسلاً} أي لم نكتف بهذا العهد، بل لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين يرونهم الآيات ويجددون لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري في بني إسرائيل ومسلم في المغازي - أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» انتهى. ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا في زمن موسى ولا في زمن من بعده من الأنبياء عليهم السلام، حتى قتلوا كثيراً من الرسل وهو معنى قوله - جواباً لمن كأنه قال: ما فعلوا بالرسل: {كلما جاءهم رسول} أي من أولئك الرسل أي رسول كان {بما لا تهوى أنفسهم} أي بشيء لا تحبه نفوسهم محبة تتساقط بها إليه، خالفوه، فكأنه قيل: أي مخالفة؟ فقيل: {فريقاً} أي من الرسل {كذبوا} أي كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل، ودل على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته بالتعبير بالمضارع تصويراً للحال الماضية وتنبيهاً على أن هذا ديدنهم

وهو أشد من التكذيب فقال: {وفريقاً يقتلون *} أي مع التكذيب وليدل على ما وقع منهم في سم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدم المفعول للدلالة على انحصار أمرهم في حال التكذيب والقتل، فلا حظ لهم في تصديق مخالف لأهوتيهم {وحسبوا} أي لقلة عقولهم مع مباشرتهم لهذه العظائم التي ليس بعدها شيء {ألاّ تكون} أي توجد {فتنة} أي أنه لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا خزي في الأخرى، بل استحقوا بأمرها، فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرىء: تكون - بالرفع تنزيلاً للحسبان منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة التي للتحقيق، وبالنصب كان الحسبان على بابه، وأن، على بابها خفيفة ناصبه للفعل، لأن القاعدة - كما ذكر الواحدي - أن الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل للثبات والاستقرار كالعلم والتيقن والبيان، تفع بعده الثقيلة دون الخفيفة، وفعل للزلزلة والاضطراب كالطمع والخوف والرجاء، فلا يكون بعده إلا الخفيفة الناصبة للمضارع، وفعل يقع على وجهين كحسب: تارة تكون بمعنى

طمع فتنصب، وتارة بمعنى علم فترفع، فإن رفع هنا كان الحسبان بمعنى العلم عندهم لقوة عنادهم، وإن نصب كان بمعنى الطمع لأنهم عالمون بأن قتلهم لهم خطأ، فتنزل القراءتان على فريقين - والله أعلم، وأيضاً فقراءة الرفع تفيد تأكيد حسبانهم المفيد لعدم خوفهم بزيادة عماهم {فعموا} أي فتسبب عن إدلالهم إدلال الولد والمحبوب جهلاً منهم وحماقة بظنهم أنهم لا تنالهم فتنة أنهم وُجِد عماهم العمى الذي لا عمى في الحقيقة سواه، وهو انطماس البصائر {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] حتى في زمن موسى عليه السلام {وصموا} أي بعده وبعد يوشع عليهما السلام، لأن الصمم أضر من العمى، فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلاً، لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال {عليهم} أي فرجعوا إلى الحق وتكرر لهم ذلك {ثم عموا} أي في زمن المسيح عليه السلام {وصموا} أي بعده. ولما كان الإتيان بالضمير مفهماً لأن ذلك عمهم كلهم، أعلم سبحانه أن ذلك ليس كذلك بقوله: {كثير منهم} إلا أن سوقه للعبارة هذا المساق يدل على أن من لم يكفر منهم كان مزلزلاً غير راسخ القدم في الهدى - والله أعلم، وربما دل عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بصير بما يعملون *} أي وإن دق وإن كانوا

يظنون أنهم أسسوا عملهم على علم، وقد مضى في قوله «من لعنه الله وغضب عليه» ما يشهد لهذا من عبادتهم بعلا الصنم وغيره من الأصنام مرة بعد مرة. ولما أخبر تعالى بفساد أعمالهم، دل على ذلك بقوله مستفتحاً مبيناً من حال النصارى ما بين من حال اليهود، ومؤكداً لختم آية التبليغ بما ينقض دعواهم في البنوة والمحبة: {لقد كفر} أي ستر ما دل عليه النقل وهدى إليه العقل {الذين قالوا إن الله} أي على ما له من نعوت الجلال والجمال {هو المسيح} فبين بصيغة فعيل - التي لا مانع من أن تكون للمفعول - بُعْدَه عما ادعوه فيه، ثم أوضح ذلك بقوله: {ابن مريم} أيضاحاً لا خفاء معه. ولما كانت دعوى الاتحاد الذي هو قول اليعقوبية أشد في الكفر وأنفى للإله من دعوى التثليث الذي هو قول النسطورية والملكية القائلين بالأقانيم، قدمها وبين تعالى أنهم خالفوا فيها أمر المسيح الذي ادعوا أنه الإله فقال: {وقال} أي قالوا هذا الذي كفروا به والحال أنه قال لهم {المسيح} ضغطه عليهم ودعاء إلى ما هو الحق {يا بني إسرائيل} أي الذي كان يتشرف بعبادة الله وتسميته بأنه عبده {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره، فأمرهم بأداء الحق لأهله مذكراً لهم بعظمته، ثم ذكرهم بإحسانه وأنه وإياهم في ذلك شرع

واحد، فقال مقدماً لما يتعلق به لأنه أهم لإنكارهم له {ربي وربكم} فلم يطيعوا الإله الحق ولا الذي ادعوه إلهاً، فلا أضل منهم ولا أسفه، قال أبو حيان في النهر: وهذا الذي ذكره الله تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به، وهو قول المسيح: يا معشر بني المعمودية - وفي رواية: يا معشر الشعوب - قوموا بنا إلى أبي وأبيكم وإلى إلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم - انتهى. وقد أسلفت أنا في آل عمران وغيرها عن الإنجيل كثيراً من شواهد ذلك، ويأتي في هذه السورة وغيرها كثير منه. ولما أمرهم بما يفهم منه الإخلاص لله تعالى في العبادة لما ذكر من جلاله وأن ما سواه مربوب، ولأنه أغنى الأغنياء، فمن أشرك به شيئاً لم يعتد له بعبادة، علل ذلك بقوله: {إنه من يشرك} أي الآن أو بعد الآن في زمن من الأزمان {بالله} أي الذي تفرد بالجلال في عبادة أو فيما هو مختص به من صفة أو فعل {فقد حرم الله} أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه {عليه الجنة} أي منعه من دخولها منعاً عظيماً متحتماً.

ولما كان المنع من دار السعداء مفهماً لكونه في دار الأشقياء، صرح به فقال: {ومأواه} أي محل سكناه {النار} ولما جرت عادة الدنيا بأن من نزل به ضيم يسعى في الخلاص منه بأنصاره وأعوانه، نفى ذلك سبحانه مظهراً للوصف المقتضي لشقائهم تعليلاً وتعميماً فقال: {وما للظالمين} أي لهم لظلمهم {من أنصار *} لا بفداء ولا بشفاعة ولا مقاهرة بمجاهرة ولا مساترة، لأن من وضع عمله في غير موضعه فكان ماشياً في الظلام، لا تمكنه أصلاً مقاومة من هو في أتم ضياء، وهذا على التهديد على الكفر فلا يصح أن يكون على مطلق المعصية ولو كانت كبيرة، فبطل قول المعتزلة. ولما انقضى هذا النقض، وقدمه لأنه كما مضى أشد، أتبعه إبطال دعوى التثليث بقوله مبدلاً من تلك النتيجة نتيجة أخرى: {لقد كفر الذين قالوا} بجرأة على الكلام المتناقض وعدم حياء {إن الله} أي على ما له من العظمة التي منها الغنى المطلق {ثالث} أي واحد {ثلاثة} أي كلهم آلهة، وأما القائل بأنه ثالث بالعلم فلا يكفر. ولما أعلم بكفرهم، أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما سلف بما لا يخفى على أحد، تحقيقاً لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ظاهر فقال: {وما} وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال: {من إله إلا إله واحد} أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح

ولا يتصور في العقل أن يكون الإله متعدداً لا تحقيقاً ولا تقديراً بوجه من الوجوه، لا يكون إلا واحداً بكل اعتبار، وهو الله تعالى لا غيره، وقد بين عيسى عليه السلام في الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه لا يصح أن يكون الإله إلا واحداً - بالمعتمد من أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع المشار إليه في كتابنا بقوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] فقال مترجمهم في إنجيل متى: حينئذ أتى إليه - أي عيسى عليه لاسلام - بأعمى أخرس له شيطان، فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر، فبهت الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود! فسمع الفريسيون فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين، فلما علم مكرهم قال لهم: كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم فكيف يقوم ملكه؟ فإن كنت أنا أخرج الشياطين بباعل زبول فأبناؤكم بما تخرجونهم! من أجل هذا هم يكونون عليكم، وإن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله، وكيف يستطيع حد أن يدخل بيت القوي ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي أولاً، حينئذ ينهب بيته. وقال مرقس: وأما الكتبة الذين أتوا من يروشليم فقالا: إن بعل زبول معه، وباركون الشياطين يخرج الشياطين؛ فدعاهم وقال لهم: كيف

يقدر شيطان أن يخرج شيطاناً! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة، فإذا اختلف أهل البيت لا يثبت ذلك البيت، وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته وينقسم فلن يقدر أن يثبت، لكن له انقضاء، لا يقدر أحد أن يدخل بيت القوي وينتهب بيته إلا أن يربطه أولاً وينتهب متاعه الحق أقول لكم! إن كل شيء يغفر لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه، والمجدفين على روح القدس ليس يغفر لهم إلى لأبد، بل يحل بهم العقاب الدائم، لأنهم يقولون: إن معه روحاً نجساً. قال متى: من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق، من أجل هذا أقول لكم: إن كل خطيئة وتجديف يترك للناس، والتجديف على روح القدس لا يترك، ومن يقل كلمة على ابن الإنسان يترك له، والذي يقول على روح القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في الآتي، إما أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة، وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة، لأن من الثمرة تعرف الشجرة، يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصلاح وأنتم أشرار! إنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب، الرجل الصالح من كنزه الصالح يخرج الصلاح، والرجل الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر، أقول لكم: إن كل كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون عنها جواباً في يوم

الدين، لأنك من كلامك تبرّر، ومن كلامك يحكم عليك. وفي إنجيل لوقا: وفيما هو يتكلم إذا رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت: طوبى لبطن التي حملتك، ولثدي التي أرضعتك، فقال لها: مهلاً! طوبى لمن يسمع كلام الله ويحفظه - انتهى. حينئذ أجابه قوم من الكتبة والفريسين قائلين: نريد يا معلم أن ترينا آية أجابهم وقال لهم: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي؛ قال لوقا: فكما كان في يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى. رجال نينوى يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل، لأنهم تابوا بكريزة يونان - وقال لوقا: بإنذار يونان - وهاهنا أفضل من يونان ملكة التيمن تقوم في الحكم مع هذا الجيل وتحاكمه، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان، وههنا أفضل من سليمان، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها ماء، يطلب راحة فلا يجد، فيقول حينئذ: أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي فيجد المكان فارغاً مكنوساً مزيناً، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شراً منه ويأتي ويسكن هناك، فتصير آخرة ذلك الإنسان شراً من أوليته، وهكذا يكون لهذا الجيل الشرير - انتهى. والتجديف هو الكفر بالنعم، ويونان:

يونس عليه السلام، والكريزة - بينها لوقا بأنها الإنذار، والتيمن: اليمن، والأركون - بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ساكنة: الكبير، ويروشليم - بفتح التحتانية وضم المهملة ثم شين معجمة: بيت المقدس، وباعل زبول - لا تصح أصلاً، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه عليهما السلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] والمراد من ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلاً أو إمكاناً، ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلهاً. ولما أخبر أنهم كفروا، وأشار إلى نقض قولهم، كان أنسب الأشياء بعده أن يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى: {وإن لم ينتهوا} أي الكفرة بجميع أصنافهم {عما يقولون} أي من هاتين المقالتين وما داناهما {ليمسن} أي مباشرة من غير حائل {الذين كفروا} أي داموا على الكفر، وبشر سبحانه بأنه يتوب على بعضهم بقوله: {منهم عذاب أليم} .

74

ولما كان من شأن العاقل أنه لا يقدم على باطل، فإن وقع ذلك منه وشعر بنوع ضرر يأتي بسببه بادر إلى الإقلاع عنه، تسبب عن هذا الإنذار - بعد بيان العوار - الإنكارُ عليهم في عدم المبادرة إلى التوبة إيضاحاً

لأن معنى كفروا: داموا عليه، فقال: {أفلا يتوبون} أي يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده والوعيد الشديد {إلى الله} أي المتصف بكل وصف جميل {ويستغفرونه} أي يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من العار البين العوار؛ ولما كان التقدير: فالله تواب حكيم، عطف عليه قوله: {والله} ويجوز أن يكون التقدير: والحال أن المستجمع لصفات الكمال أزلاً وأبداً {غفور} أي بليغ المغفرة، يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {رحيم *} أي بالغ الإكرام لمن أقبل إليه. ولما أبطل الكفر كله بإثبات أفعاله من إرساله وإنزاله وغير ذلك من كماله، وأثبت التوحيد على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال، فكان ذلك دليلاً على وجه عام، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال فكان ذلك دليلاً خاصاً بعد دليل عام، فقال تعالى على وجه الحصر في الرسلية رداً على من يعتقد فيه الإلهية واصفاً له بصفتين لا يكونان إلا لمصنوع مربوب: {ما المسيح} أي الممسوح بدهن القدس المطهر المولود لأمه {ابن مريم إلا رسول} وبين أنه ما كان بدعاً ممن كان قبله من إخوانه بقوله: {قد خلت من قبله الرسل} أي فما من خارقة له، وإلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن قبله كآدم عليه السلام في خلقه من تراب، وموسى عليه السلام في قلب العصى

حية تسعى - ونحو ذلك. ولما كفروا بأمه أيضاً عليهما السلام بين ما هو الحق في أمرها فقال: {وأمه صدّيقة} أي بليغة الصدق في نفسها والتصديق لما ينبغي أن يصدق، فرتبتها تلي رتبة الأنبياء، ولذلك تكون من أزواج نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجنة. وهذه الآية من أدلة من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية، فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى بيان ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات، وأنه من رفع واحداً منها فرق ذلك فقد أطراه، ومن نقصه عنه فقد ازدراه، فالقصد العدل بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية. ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية، ذكر أبعد الأوصاف منها فقال: {كانا يأكلان الطعام} وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفاً لازماً ظاهراً هو أصل الحاجات المعترية للإنسان فهو تنبيه على غيره، ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلاً، وقد اشتمل قوله تعالى {وقال المسيح} وقوله {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] على أشرف أحوال الإنسان وأخسها، فأشرفها عبادة الله، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات.

ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بُعدُهما عما أدعوه فيهما، أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان فقال: {انظر كيف نبين لهم الآيات} أي نوضح إيضاحاً شافياً العلامات التي من شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال؛ ولما كان العمى عن هذا البيان في غاية البعد، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم انظر أنَّى} أي كيف ومن أين؛ ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به، لا كونه من صارف معين، بنى للمفعول قوله: {يؤفكون *} أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرفَ من لا نور له أصلاً من أي صارف كان، فصرفهم في غاية السفول، وبيان الآيات في غاية العلو، فبينهما بون عظيم. ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات، أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات، فقال منكراً مصرحاً بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً للإقبال عليهم: {قل} أي للنصارى أيها الرسول الأعظم {أتعبدون} ونبه على أن كل شيء دونه، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله: {من دون الله} ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال، وعبر عما عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيهاً على أنه سبحانه هو الذي

أفاض عليه ما رفعه عن ذلك الحيز، ولو شاء لسلبه عنه فقال: {ما لا يملك لكم ضراً} أي من نفسه فتخشوه {ولا نفعاً} أي فترجوه، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك، وكل ما يملك من ذلك فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء. ولما نفى عنه ما ذكر تصريحاً وتلويحاً، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال: {والله} أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله {هو} أي خاصة {السميع العليم *} وهو وحده الضار النافع، يسمع منكم هذا القول ويعلم هذا المعقد السيىء، وإنما قرن بالسميع العليم، دون البصير لإرادة التهديد لمن عبد غيره، لأن العبادة قول أو فعل، ومن الفعل ما محله القلب وهو الاعتقاد، ولا يدرك بالبصر بل بالعلم، والآية - كما ترى - من الاحتباك: دل بما أثبته لنفسه على سبيل القصر على نفيه في الجملة الأولى عن غيره، وبما نفاه في الجملة الأولى عن غيره على إثباته له - والله الموفق.

77

ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى، ولم يبق لأحد علة، أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل في أمر عيسى عليه السلام: اليهود

بإنزاله عن رتبته، والنصارة برفعه عنها بقوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب} أي عامة {لا تغلوا} أي تجاوزوا الحد علواً ولا نزولاً {في دينكم} . ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص، نفى ذلك بقوله: {غير الحق} وعرّفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها، ولو نكر لكان من جاوز حقاً إلى غيره واقعاً في النهي، كما جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع، ولو قيل: باطلاً، لأوهم أن المنهي عنه المبالغة في الباطل، لا أصله ومطلقه. ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال: {ولا تتبعوا} أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك {أهواء قوم} أي هَوَوا مع ما لهم من القوة، فكانوا أسفل سافلين، والهوى لا يستعمل إلا في البشر {قد ضلوا} ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل زمانكم هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في محالهم {وأضلوا} أي لم يكفهم ضلالُهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم {كثيراً} أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى

ظن حقاً {وضلوا} أي بعد بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنابذة الشرع {عن سواء} أي عدل {السبيل *} أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره، لأن الشرع هو الميزان القسط والحكم العدل، وهذا إشارة إلى أنهم إن لم ينتهوا كانوا على محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج وترك الاهتداء بنور العلم، وهذا غاية في التبكيت، فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه الحق كان جهلاً، فكيف وإنما هو تقليد في هوى. ولما نهاهم عن ذلك وقبحه عليهم. علله محذراً منه بقوله تعالى بانياً للمفعول، لأن الفاعل معروف بقرينة من هو على لسانهما: {لعن} ووصفهم بما نبه على علة لعنهم بقوله: {الذين كفروا} وصرح بنسبتهم تعييناً لهم وتبكيتاً وتقريعاً فقال: {من بني إسرائيل} وأكد هذا اللعن وفخمه بقوله: {على لسان داود} أي الذي كان على شريعة موسى عليه السلام، وذلك باعتدائهم في السبت فصاروا قردة {وعيسى ابن مريم} أي الذي نسخ شرع موسى عليه السلام، بكفرهم بعد المائدة فمسخوا خنازير، لأنهم خالفوا النبيين معاً، فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود عليه السلام من شرعهم الذي هم مدعون التمسك به، وعارفون

بأن ما دعاهم إليه منه حقاً، ولا هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى عليه السلام في بشارته به متقيدين بطاعته، فلم تبق لهم علة من التقيد به ولا التقيد بحق دعاهم إليه غيره، فعلم قطعاً أنهم مع الهوى كما مضى، ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام، فإنه لا نسب لأحد عند الله دون التقوى لا سيما في يوم الفصل إذ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. ولما أخبر بلعنهم وأشار إلى تعليله بكفرهم، صرح بتعليله بقوله: {ذلك} أي اللعن التام {بما} أي بسبب ما {عصوا} أي فعلوا في ترك أحكام الله فعل العاصي على الله {وكانوا يعتدون *} أي كانت مجاوزة الحدود التي حدها الله لهم خلقاً. ذكر الإشارة إلى لعنهم في الزبور والإنجيل، قال في المزمور السابع والسبعين من الزبور: أنصت يا شعبي لوصاياي، قربوا أسماعكم إلى قول فمي، فإني أفتح بالأمثال فمي، وأنطق بالسرائر الأزلية التي سمعناها وعرفناها وأخبرنا آباؤنا بها ولم يخفوها عن أبنائهم ليعرفوا الجيل الآتي تسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنعها، أقام شهادته في يعقوب

وجعل ناموساً في إسرائيل كالذي أوصى آباءنا ليعلموا أبناءهم، لكيما يخبر الجيل الآخر البنين الذين يولدون ويقومون، ويعلمون أيضاً بنيهم أن يجعلوا توكلهم على الله ولا ينسوا أعمال الرب، ويتبعوا وصاياه لئلا يكونوا كآبائهم الجيل المنحرف المخالف الخلف الذي لم يثق قلبه ولم يؤمن بالله المفرج عنه، بنو إفرام الذين أوتروا ورفعوا عن قسيهم وانهزموا في يوم القتال لأنهم لم يحفظوا عهد الرب ولم يشاؤوا أن يسيروا في سبله، ونسوا حسن أعماله وصنائعه التي أظهرها قدام آبائهم، العجائب التي صنعها بأرض مصر في مزارع صاعان، فلق البحر وأجازهم وأقام المياه كالزقاق، هداهم بالنهار في الغمام وفي الليل أجمع بمصابيح النار، فلق صخرة في البرية وسقاهم منها كاللجج العظيمة، أخرج الماء من الحجر فجرت المياه كجري الأنهار، وعاد الشعب أيضاً في الخطيئة، وأسخطوا العلي حيث لم يكن ماء، جربوا الله في قلوبهم بمسألة الطعام لنفوسهم، وقذفوا على الله وقالوا: هل يقدر أن يصنع لنا مائدة في البرية، لأنه ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت الأودية، هل يستطيع أن يعطينا خبزاً أو يعد مائدة لشعبه، سمع الرب فغضب واشتعلت النار في يعقوب، وصعد الرجزُ على إسرائيل لأنهم لم يؤمنوا بالله ولا رجوا خلاصه، فأمر السحاب من فوق

وانفتحت أبواب السماء ليشبعوا، أهاج ريح التيمن من السماء وأتى بقوة العاصف، وأنزل اللحم مثل التراب وطير السماء ذات الأجنحة مثل رمل البحار، يسقطن في محالهم حول خيامهم، فأكلوا وشبعوا جداً، أعطاهم شهوتهم ولم يحرمهم إرادتهم، فبينما الطعام في أفواههم إذ غضب الله نزل عليهم فقتل في كثرتهم وصرع في مختاري إسرائيل، ومع هذا كله أخطؤوا إليه أيضاً ولم يؤمنوا بعجائبه، فنيت بالباطل أيامهم، وتصرمت عاجلاً سنوهم، فحين قتلهم رغبوا إلى الله وعادوا وابتكروا إليه وذكروا أن الله معينهم وأن الله العلي مخلصهم، أحبوه بأفواههم وكذبوه بألسنتهم، ولم تخلص له قلوبهم ولم يؤمنوا بعهده، وهو رحيم رؤوف، يغفر ذنوبهم ولا يهلكهم، ويرد كثرة سخطه عنهم ولا يبعث كل رجزه، وذكر أنهم لحم وروح يذهب ولا يعود، مراراً كثيرة أسخطوه في البرية وأغضبوه في أرض ظامئة، وعادوا وجربوا الله وأسخطوا قدوس إسرائيل، ولم يذكروا يده في يوم نجاهم من المضطهدين - انتهى. هذا بعض ما في الزبور، وأما الإنجيل فطافح بذلك، منه ما في

إنجيل متى، قال: وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى عبر الجليل، وصعد إلى الجبل وجلس هناك، وجاء إليه جمع كبير معهم خرس وعمى وعرج وعسم وآخرون كثيرون، فخروا عند رجليه فأبرأهم، وتعجب الجمع لأنهم نظروا الخرس يتكلمون والصم يسمعون والعرج يمشون والعمى يبصرون، ومجدوا إله إسرائيل، وإن يسوع دعا تلاميذه وقال لهم: إني أتحنن على هذا الجمع، لأن لهم معي ثلاثة أيام ههنا، وليس عندهم ما يأكلون، ولا أريد أطلقهم صياماً لئلا يضيعوا في الطريق، قال مرقس: لأن منهم من جاء من بعيد - انتهى. قال له التلاميذ: من أين نجد من خبز القمح في البرية ما يشبع هذا الجمع؟ فقال لهم يسوع: كم عندكم من الخبز؟ فقالوا: سبعة أرغفة ويسير من السمك، فأمر الجمع أن يجلس على الأرض وأخذ السبع خبزات والسمك وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وناول التلاميذ الجمع، فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا فضلات الكسر سبع قفاف مملوءة، وكان الذين أكلوا نحو أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان، وأطلق الجمع وصعد السفينة وجاء إلى تخوم مجدل - وقال مرقس: إلى نواحي مابونا - وجاء الفريسيون

والزنادقة يجربونه ويسألونه أن يريهم آية من السماء، فأجابهم يسوع قائلاً: إذا كان المساء قلتم: إن السماء صاحية - لاحمرارها، وبالغداة تقولون: اليوم شتاء - لاحمرار جو السماء العبوس، أيها المراؤون! تعلمون آية هذا الزمان، الجيل الشرير الفاسق يطلب آية، ولا يعطى إلا آية يونان النبي - وتركهم ومضى، ثم جاء التلاميذ إلى العبر ونسوا أن يأخذوا خبزاً - قال مرقس: ولم يكن في السفينة إلا رغيف واحد - وإن يسوع قال لهم: انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والزنادقة - وقال مرقس: وخمير هيرودس - ففكروا قائلين: إنا لم نجد خبزاً، فعلم يسوع فقال لهم: لماذا تفكرون في نفوسكم يا قليلي الأمانة؟ إنكم ليس معكم خبز، أما تفهمون ولا تذكرون الخمس خبزات لخمسة آلاف وكم سلاً أخذتم؟ والسبع خبزات لأربعة آلاف، وكم قفة أخذتم؟ لماذا لا تفهمون؟ لأني لم أقل لكم من أجل الخبز، حينئذ فهموا أنه لم يقل لهم أن يتحرزوا من خمير الخبز، لكن من تعليم الزنادقة والفريسيين، وقال لوقا: تحرزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء، لأنه ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي تقولونه في الظلام سيسمع في النور، والذي وعيتموه في الآذان سوف ينادى به على السطوح،

أقول لكم: يا أحبائي لا تخافوا ممن يقتل الجسد، وبعد ذلك ليس له أن يفعل أكثر، خافوا ممن إذا قتل له سلطان أن يلقى في نار جهنم - وسيأتي بقية الإشارة إلى لعنهم في سورة الصف إن شاء الله تعالى، والعسم جمع أعسم - بمهملتين، وهو من في يده أو قدمه اعوجاج أو يده يابسة.

79

ولما علل تعالى لعنهم بعصيانهم وغلوهم في الباطل، بينه مخصصاً للعلماء منهم بزيادة تهديد، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه، مع أنهم أجدر من غيرهم بالنهي، فصاروا عليّ منكرين شديدي الشناعة، وسكوتهم عن النهي مغوٍ لأهل الفساد ومغرٍ لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال تعالى: {كانوا لا يتناهون} أي لا ينهى بعضهم بعضاً، وبين إغراقهم في عدم المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال: {عن منكر} . ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو لا، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة، ولم يبق لهم نوع علم، فقال: {فعلوه} ؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه طبعاً أو اعتقاداً، لا سيما إن تأيد بالشرع، فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب النفس عليه لغرض

فاسد أداه إليه، أكد مقسماً معبراً بالفعل الذي يعبر به عما قد لا يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال: {لبئس ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفعلون *} إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم. ولما أخبر بإقرارهم على المناكر، دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان دينهم، فقال موجهاً بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علماً وأثبتهم توسماً وفهماً: {ترى كثيراً منهم} أي من أهل الكتاب؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة الأولى السليمة، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال: {يتولون} أي يتبعون بغاية جهدهم {الذين كفروا} أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار، وكانوا يدعون الإيمان به ثم خالفوه، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهراً وباطناً، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطناً، فكانت موالاته للمشركين دليلاً على كذب دعواه ومظهرة لما أضمره من المخالفة وأخفاه. ولما كان ذلك منهم ميلاً مع الهوى بغير دليل أصلاً قال:

{لبئس ما قدمت} أي تقديم النزل للضيف {لهم أنفسهم} أي التي من شأنها الميل مع الهوى ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمتُ - بقوله: {إن سخط الله} أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة {عليهم} ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه، قال مبيناً أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك: {وفي العذاب} أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة {هم خالدون *} . ولما كان هذا دليلاً على كفرهم، دل عليه بقوله: {ولو} أي فعلوا ذلك مع دعواهم الإيمان والحال أنهم لو {كانوا} أي كلهم {يؤمنون} أي يوجد منهم إيمان {بالله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء {والنبي} أي الذي له الوصلة التامة بالله، ولذا أتبعه قوله: {وما أنزل إليه} أي من عند الله أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق {ما اتخذوهم} أي المشركين مجتهدين في ذلك {أولياء} لأن مخالفة الاعتقاد تمنع الوداد، فمن كان منهم باقياً على يهوديته ظاهراً وباطناً، فالألف في «النبي» لكشف سريرته للعهد، أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون: إنه غير محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو للحقيقة أي لو كانوا يؤمنون بهذه الحقيقة - أي حقيقة النبوة - ما والوهم، فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير المشركين - كما أشار إلى ذلك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله «الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد»

كما سيأتي قريباً في حديث أبي هريرة، يعني - والله أعلم - أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد، ومن كان منهم قد أظهر الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه نهى عن موالاة المشركين، بل عن متاركتهم، ولم يرض إلا بمقارعتهم ومعاركتهم. ولما أفهمت الشرطية عدم إيمانهم، استثنى منها منبهاً بوضع الفسق موضع عدم الإيمان على أنه الحامل عليه فقال: {ولكن كثيراً منهم فاسقون} أي متمكنون في خلق المروق من دوائر الطاعات.

82

ولما دل كالشمس ميلهُم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج، فقال دالاً على رسوخهم في الفسق: {* لتجدن أشد الناس} أي كلهم {عداوة للذين آمنوا} أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه {اليهود} قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم {والذين أشركوا} لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلاً وأولئك عناداً وبغياً، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدّية العداوة لمن

آمن، فهذه الآية تعليل لما قبلها، كأنه قيل: هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلِمَ والوهم حينئذ؟ فقيل: لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا. ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم، أخبر بضدهم فقال: {ولتجدن أقربهم} أي الناس {مودة للذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان {الذين قالوا} وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية {إنا نصارى} أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن، ولذلك علله بقوله: {ذلك بأن منهم قسيسين} أي مقبلين على العلم، من القس، وهو ملامة الشيء وتتبعه {ورهباناً} أي في غاية التخلي من الدنيا؛ ولما كان التخلي منها موجباً للبعد من الحسد، وهو سبب لمجانبة التكبر قال: {وأنهم لا يستكبرون *} أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم ولا يوجدونها. ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولاً في الباطن لرقة القلب قال:

{وإذا سمعوا} أي أتباع النصرانية {ما أنزل إلى الرسول} أي الذي ثبتت رسالته بالمعجز، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس {ترى أعينهم} ولما كان البكاء سبباً لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سبباً للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء، عبر بالمسبب عن السبب فقال: {تفيض من الدمع} أصله: يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعاً، فهو من أنواع التمييز، ثم علل الفيض بقوله: {مما عرفوا من الحق} أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن قبوله، ثم بين حالهم في مقالهم بقوله: {يقولون ربنا} أي أيها المحسن إلينا {آمنا} أي بما سمعنا {فاكتبنا} . ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى عليه ويندب إليه قال: {مع الشاهدين *} أي أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك {وما} أي ويقولون: ما، أي أيّ شيء حصل أو يحصل {لنا} حال كوننا {لا نؤمن بالله} أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه {وما} أي وبما {جاءنا من الحق} أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالاً أو ماضياً أو آتياً. ولما كانوا يهضمون أنفسهم، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل

فقالوا: {ونطمع أن يدخلنا ربنا} أي بمجرد إحسانه، لا بعمل منا، ولجريهم في هذا المضمار عبروا بمع دون «في» قولهم: {مع القوم الصالحين *} هضماً لأنفسهم وتعظيماً لرتبة الصلاح. ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم، ذكر جزاءهم عليه فقال: {فأثابهم الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بما قالوا} أي جعل ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن الطوية {جنات تجري} ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد، أثبت الجار فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: {خالدين فيها} . ولما كان التقدير: لإحسانهم، طرد الأمر في غيرهم فقال: {وذلك} أي الجزاء العظيم {جزاء المحسنين *} أي كلهم، واختلفوا في هذه الواقعة بعد اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه، وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة النبوية، فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من مهاجرة الحبشة مع أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي رضي الله عنه وعن الجميع وفداً إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! فأنزل الله فيهم هذه الآية {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا} [المائدة: 82]- إلى آخرها، ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول بغير سند، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} [المائدة: 82] قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يس فبكوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وإذا نظرت مكاتبات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن، أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يجز رسوله بشيء، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم

وأحبابهم، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية: أبناء، وفي رواية: إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية: وليس بيني وبين عيسى - نبي. وفي رواية لمسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول الله! قال: الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» .

86

ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيباً، ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيباً فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل {وكذبوا} أي عناداً {بآياتنا} أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا {أولئك} أي البعداء من الرحمة {أصحاب الجحيم *} أي الذين لا ينفكون

عنها، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم. ولما مدح سبحانه الرهبان، وكان ذلك داعياً إلى الترهب، وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض، شريفة في المبدأ دنية في المآل، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه، فيقع في الخيانة كما قال تعالى: {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط رحمة منه لأهله ولطفاً بهم تشريفاً لنبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي وجد منهم الإقرار بذلك {لا تحرموا} أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقاً لما أقررتم به، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقاً لطباعهم ملائماً لشهواتهم فقال: {طيبات ما} أي المطيبات وهي اللذائذ التي {أحل الله} وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي، وأكد ذلك بقوله: {لكم} أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض، لا ضر يلحقه ولا نفع، لأن له الغنى المطلق. ولما أطلق لهم ذلك، حثهم على الاقتصاد، وحذرهم من مجاوزة الحد

إفراطاً وتفريطاً فقال: {ولا تعتدوا} فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة: {إن الله} أي وهو الملك الأعظم {لا يحب المعتدين *} أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت: {لا تحرموا ما أحل الله لكم} ونزلت: {وكلوا مما رزقكم الله} [المائدة: 88] «. وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال: حسن غريب، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً. وقال الواحدي: وتبعه عليه البغوي: قال المفسرون:» جلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون

الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير؛ فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لهم: «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا. وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله

ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [المائدة: 89، والبقرة: 225] ، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سبباً، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة، بعضها أقرب من بعض، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود «أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس منا من خصي ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام، فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في السياحة، فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في الترهب، فقال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً لصلاة»

وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضاً قال: «أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو أذن له - وفي رواية: ولو أجاز له - التبتل لاختصينا» وللدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضاً قال: «لما كان من أمر عثمان بن مظعون رضي الله عنه الذي كان ممن ترك النساء بعث إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا عثمان! إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا رسول الله! قال: إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان! إن لأهلك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، قال سعد: فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين على أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل» وقال شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: وروى الطبراني من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: «أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح» ومن طريق ابن جريج عن عكرمة «أن عثمان بن مظعون وعلي

بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة في جماعة رضي الله عنهم تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} - الآية، فبعث إليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن التبتل. وقرأ قتادة: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} وللنسائي عن عائشة رضي الله عنها نحوه وأشار إليه الترمذي. وللطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً. يقول: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله

رضي الله عنه أنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليس لنا شيء - وفي رواية: نساء، وفي رواية: كنا ونحن شباب - فقلنا: يا رسول الله! ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا عبد الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} » الآية. ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء - قال النسائي: أفاختصي - فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر- وقال النسائي: أو دع» ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي الله عنهن يسألون عن عبادة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي رواية مسلم والنسائي أن نفراً من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألوا أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عمله

في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً؛ وفي رواية: وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش؛ فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام كذا وكذا! وفي رواية: فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» والمبهمون في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري - هم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون، وسيأتي مفرّقاً ما يشير إلى ذلك، يعني ما قدمته أنا، قال: وقيل: هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن منهم علياً وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وقال شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف: إن هذا أصلُ ما رواه الواحدي عن المفسرين، وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما

أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ، وفي رواية: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ولأبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم» وللإمام أحمد في المسند عن أنس رضي الله عنه والحاكم في علوم الحديث في فن الغريب - وهذا لفظه - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض عبادة الله إليك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» المتين: الصلب الشديد، والإيغال: المبالغة، والمنبت - بنون وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا؛ وفي بعض الروايات: والقصد القصد تبلغوا» ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي رضي الله عنه قال: «كنا

عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال: فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: نافقت نافقت! فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا حنظلة! لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا حنظلة! ساعة وساعة» ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة - وكان من كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» وما ذاك «؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي

عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة - ثلاث مرات «» وفي رواية: قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوعظنا فذكرنا النار - وفي رواية: الجنة والنار - ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة! فقال: مه؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة! ساعة وساعة، فلو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق» ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في معرفتها الأفاضل، وكع عن تطلبها لغموضها الأكابر الأماثل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] وما أحسن تصديرها

بيا أيها الذين آمنوا - كما صدر أول السورة به، وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود، فكان كأنه تعالى قال: أوفوا بالعقود، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، بل سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، وقال ابن الزبير بعد قوله: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} [المائدة: 14] ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين - أي اليهود والنصارى - ليتبين لهم فيما نقضوا، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة} [المائدة: 82] . ثم نصح عباده وبين لهم أبواباً منها دخول الامتحان، وهي سبب في كل الابتلاء، فقال: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين - انتهى. و {ما أحل} شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك.

88

ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضياً للتأكيد، أمر بالأكل بعد أن نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهيُ فقال: {وكلوا} ورغبهم فيه بقوله: {مما رزقكم الله} أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه. ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: {حلالاً} ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهياً، وصفه

امتناناً وترغيباً فقال: {طيباً} ويجوز أن يكون قيداً محذراً مما فيه شبهة تنبيهاً على الورع، ويكون معنى طيبه تيقن حله، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله ديناً توفّرها على تناول ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعاً، وأن يكون مخرجاً لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر، قال ابن المبارك: الحلال ما أخذ من جهته، والطيب ما غذّي ونميّ، فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي، وأن يكون مخرجاً لما فوق سد الرمق في حالة الضرورة، ولهذا وأمثاله قال: {واتقوا الله} أي الملك الذي له الجلال والإكرام من أن تحلوا حراماً أو تحرموا حلالاً، ثم وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند حدوده فقال: {الذي أنتم به مؤمنون *} أي ثابتون على الإيمان به، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود، وخص سبحانه الأكل، والمراد جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات، لأنه سبب لغيره من المتمتعات، فلما نزلت - كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما - هذه الآية قالوا: يا رسول الله! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه - كما تقدم، فأنزل الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله} أي على ما له من تمام الجلال {باللغو} وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد {في أيمانكم} على أني لم أعتمد على

سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى، لا لكونه سبباً، فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران، وإنما كان السبب هنا داخلاً في مناسبة النظم، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة بيمين، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته كفارة يمين، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها، فقسمها سبحانه إلى قسمين: مقصود وغير مقصود، فأما غير المقصود فلا اعتبار به، وأما المقصود فقسمان: حلف على ماض، وحلف على آت، فأما الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء، وسيأتي في آية الوصية، وأما الحلف على الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم} . ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين، أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى، فعبر بالتفعيل في قراءة الجماعة، والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيهاً على أن ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال {بما عقدتم الأيمان} أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع

بين اللسان والقلب، سواء كان على أدنى الوجوه كما تشير إليه قراءة التخفيف، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط، فلا عقد فيه فضلاً عن تعقيد، و «ما» مصدرية. ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله: {فكفارته} أي الأمر الذي يستر النكث والحنث عن هذا التعقيد، ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم {إطعام عشرة مساكين} أي أحرار مساكين، لكل مسكين ربع صاع، وهو مدمن طعام، وهو رطل وثلث {من أوسط ما} كان عادة لكم أنكم {تطعمون أهليكم} أي من أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية، فهو مد جيد من غالب القوت، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما. ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة، عطف على الإطعام ترقياً قوله: {أو كسوتهم} أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم الكسوة {أو تحرير} أي إعتاق {رقبة} أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد، ولأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها، هذا ما على المكلف على

سبيل التخيير من غير تعيين. والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها، والإتيان بأحدها مبرئ من العهدة، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام {فمن لم يجد} أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته {فصيام} أي فالكفارة صيام {ثلاثة أيام} ولو متفرقة. ولما تم ذلك. أكده في النفوس وقرره بقوله: {ذلك} أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر {كفارة أيمانكم} أي المعقدة {إذا حلفتم} وأردتم نكثها سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده. ولما كان التقدير: فافعلوا ما قدرتم عليه منه، عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة قوله: {واحفظوا أيمانكم} أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فإنه سبحانه عظيم، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو: والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت

الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال: بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد. لأنه المأمور به. وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى. ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل: هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله: {كذلك} أي مثل هذا البيان العظيم الشأن {يبين الله} أي على ما له من العظمة {لكم آياته} أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه. ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة: {لعلكم تشكرون *} أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية.

90

ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب، احتيج إلى بيانه، فبين تعالى المحرم منه. فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به،

وذلك محاذٍ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها، فقال تعالى مذكراً لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا به. ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى: {إنما الخمر} وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر ديناً ودنيا وفي كونه سبباً للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيداً لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال: {والميسر} أي الذي تقدم ذكره في البقرة {والأنصاب والأزلام} المتقدم أيضاً ذكرُهما أول السورة، والزلم: القدح لا ريش له - قاله البخاري؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركاً جلياً إن عبدت، وخفياً إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعاً من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال: {رجس} أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عيناً أو معنى، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى،

ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت، لأنها أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله: {من عمل الشيطان} أي المحترق البعيد، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال: {فاجتنبوه} أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه. وأفرد لما تقدم من الحِكَم، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال: {لعلكم تفلحون *} أي تظفرون بجميع مطالبكم، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء» وفي رواية: «نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب» وفي رواية عنه: «سمعت عمر على منبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب - وفي رواية: من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل» وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال:

حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس! فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل» وفي رواية عنه: «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر» قال الأصبهاني: وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة، وهي أنها فسق، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات، وإن كان الآخرينَ ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم، لأن المخاطب أهل الإيمان، وقد كانوا مجتنبين لذينك، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك: {إنما يريد الشيطان} أي بتزيين الشرب والقمار لكم {أن يوقع بينكم العداوة} . ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو تعذر زواله، فقال: {والبغضاء في الخمر والميسر} أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله. ولما ذكر ضررهما في الدنيا، ذكر ضررهما في الدين فقال:

{ويصدكم عن ذكر الله} أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له، وكرر الجار تأكيداً للأمر وتغليظاً في التحذير فقال: {وعن الصلاة} أما في الخمر فواضح، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة، والخائب مغمور بهمه، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل فقال: {فهل أنتم منتهون *} أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون. ولما كان ذلك مألوفاً لهم محبوباً عندهم، وكان ترك المألوف أمرّ من ضرب السيوف، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذراً من المخالفة بقوله عاطفاً على ما تقديره: فانتهوا: {وأطيعوا الله} أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك، وأكد الأمر بإعادة العامل فقال: {وأطيعوا الرسول} أي الكامل في الرسلية في ذلك، وزاد في التخويف بقوله: {واحذروا} أي من المخالفة، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله: {فإن توليتم} أي بالإقبال على شيء من ذلك، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه

بالأمر بالعلم فقال: {فاعلموا} أنكم لم تضروا إلا أنفسكم، لأن الحجة قد قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم {أنما على رسولنا} أي البالغ في العظمة مقداراً يجل عن الوصف بإضافته إلينا {البلاغ المبين *} أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قِبَلنا، وهذا ناظر إلى قوله: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] فكأنه قيل: ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من البلاغ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر، والله لا يهدي من كان مختاراً لنفسه الكفر.

93

ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه، وهو من مات منهم وهو يفعلهما، قال جواباً لذلك السؤال: {ليس على الذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات جناح} فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات، وقد بين ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك،

فأنزل الله تعالى على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يسئلونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] ، فقال الناس: لم يحرم علينا، إنما قال: إن فيهما إثماً، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] ، فقالوا: انتهينا يا رب! وقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من مل الشيطان! فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} [المائدة: 93] ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم» ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: «كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، وإذا منادٍ ينادي: ألا! إن الخمر قد حرمت، فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه: اخرج فاهرقها،

فهرقتها، فقال بعض القوم: قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟ فأنزل الله تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه. فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال: {فيما طعموا} أي مأكلاً كان أو مشرباً، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال: {إذا ما اتقوا} أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً. ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال: {وآمنوا} ولما ذكر الإقرار باللسان، ذكر مصداقه فقال: {وعملوا} أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقاً {الصالحات ثم اتقوا} أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه {وآمنوا} أي بأنه من عند الله، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه. ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً، شرط الإحسان فقال: {ثم اتقوا وأحسنوا} أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة، وهي الغنى عن رؤية غير الله، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ

رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال «واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون» ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - والله الموفق؛ ولما كان التقدير: فإن الله يحب المتقين المؤمنين، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المحسنين} . ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات، وكان من أمثل مطعوماتهم، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} {وأحل لكم الطيبات} أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت، فكان ذلك سبباً لجعلهم قردة، ومنَّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم، فقال تعالى منادياً لهم

بما يكفّهم ذكره عن المخالفة: {يا أيها الذين آمنوا} أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه، فعم بذلك العالي والداني {ليبلونكم الله} أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله: {بشيء من الصيد} أي الصيد في البر في الإحرام، وهو ملتفت إلى قوله: {هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله} [المائدة: 60] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله {غير محلي الصيد وأنتم حرم} ، وما ذكر بعد المحرمات من قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال: {تناله أيديكم} أي إن أردتم أخذه سالماً {ورماحكم} إن أردتم قتله، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال: {ليعلم الله} أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم {من يخافه بالغيب} أي بما حجب به من هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري عاداتهم، ويزداد من

له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيماناً ويقيناً وعرفاناً، وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم. ولما كان هذا زاجراً في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسماً للطمع فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان، سبب عنه قوله: {فمن اعتدى} أي كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال: {بعد ذلك} أي الزجر العظيم {فله عذاب أليم *} بما التذَّ من تعرضه إليه لما عرف بالميل إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل.

95

ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به، فقال منوِّهاً بالوصف الناهي عن الاعتداء: {يا أيها الذين آمنوا} وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال: {لا تقتلوا الصيد} أي لا تصطادوا ما يحل أكله من الوحش، وأما غير المأكول فيحل قتله، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خمس في الدواب فواسق، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم» وذكر منهن السبع العادي، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق

على أنه علة الإباحة، ولا معنى لفسقها إلا أذاها {وأنتم حرم} أي محرومون أو في الحرم. ولما كان سبحانه عالماً بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من كان من قبلها من الآصار، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم: {ومن قتله منكم متعمداً} أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم. ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال: {فجزاء} أي فمكافأة {مثل ما قتل} أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة لا النوع، ووصف الجزاء بقوله: {من النعم} لما قتله عليه، أي عليه أن يكافئ ما قتله بمثله، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، هذا على قراءة الجماعة بإضافة «جزاء» إلى «مثل» ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين «جزاء» ورفع «مثل» فالأمر واضح.

ولما كان كأنه قيل: بما تعرف المماثلة؟ قال: {يحكم به} أي بالجزاء؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال: {ذوا عدل منكم} أي المسلمين، وعن الشافعي أن الذي له مثل ضربان: ما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم فيه، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام، فكل ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين، وإن كان عمداً فلا، لأنه يفسق به. ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقاً بمساكينها، قال مبيناً لحاله من الضمير في «به» : {هدياً} ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره، صرح به فقال: {بالغ الكعبة} أي الحرم المنسوب إليها، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم، والإضافة لفظية لأن الوصف

بشبه «يبلغ» فلذا وصف بها النكرة. ولما كان سبحانه رحيماً بهذه الأمة، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال: {أو} عليه {كفارة} هي {طعام مساكين} في الحرم بمقدار قيمة الهدي، لكل مسكين مد {أو عدل ذلك} أي قيمة المثل {صياماً} في أيّ موضع تيسر له، عن كل مد يوم، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل. ولما كان الأمر مفروضاً في المتعمد قال معلقاً بالجزاء، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم {ليذوق وبال} أي ثقل {أمره} وسوء عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه؛ ولما كان هذا الجزاء محكوماً به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب، ولا يعرفون عاقبة أمر إلاّ تخرصاً، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصوناً لحرمة الشرع وحفظاً لجانبه ورعاية لشأنه، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء، كانوا كأنهم قالوا: فكيف نصنع بما أسلفنا؟ قال جواباً: {عما سلف} أي تعمده، أي لكم من ذلك، فمن

حفظ نفسه بعد هذا فاز {ومن عاد} إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل؛ ولما كان المبتدأ متضمناً معنى الشرط، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بالسببية فقال: {فينتقم الله} أي الذي له الأمر كله {منه} أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام. ولما كان فاعل ذلك منتهكاً لحرمة الإحرام والحرم، وكان التقدير: فالله قادر عليه، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال: {والله} أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمتَه عظمةٌ {عزيز} لا يغلب {ذو انتقام *} ممن خالف أمره.

96

ولما كان هذا عاماً في كل صيد، بين أنه خاص بصيد البر فقال: {أحل لكم صيد البحر} أي اصطياده، أي الذي مبناه غالباً على الحاجة، والمراد به جميع المياه من الأنهار والبرك وغيرها {وطعامه} أي مصيده طرياً وقديداً ولو كان طافياً قذفه البحر، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر، وما أكل مثله في البر. ولما أحل ذلك ذكر علته فقال: {متاعاً لكم} أي إذا كنتم مسافرين أو مقيمين {وللسيارة} أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من البر أو البحر، وفي تحليل صيد البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ما يبين فضلها على من كان قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء -

ولله الحمد، والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل، لأن ثَمَّ أمرين: الاصطياد والأكل، والمراد بيان حكمهما، فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر، وأحل طعام البحر مطلقاً ما اصطادوه وما لم يصطادوه، سواء كانوا مسافرين أو مقيمين، وذلك لأنه لما قدَّم تحريم اصطياد ما في البر بقوله {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك، ثم أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله: {وحرم عليكم صيد البر} أي اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلاّ فيه، وما يعيش فيه وفي البحر، فإن صيدَ للحلال حل للمحرم أكله، فإنه غير منسوب إليه اصطياده بالفعل ولا بالقوة {ما دمتم حرماً} لأن مبنى أمره غالباً في الاصطياد والأكل مما صيد على الترف والرفاهية، وقد تقدم أيضاً حرمة اصطياد مصيد البر وحرمة الأكل مما صيد منه، وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية {غير محلي الصيد} [المائدة: 1] وآية {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] فلا يعارضه مفهوم {ما دمتم حرماً} [المائدة: 96] وعبر بذلك ليكون نصاً في الحرمة في كل جزء من أجزاء وقت الإحرام إلى تمام التحلل - والله أعلم، ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل كسائر محظورات الإحرام. ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن الخلاص

منه، وكانت حالة الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط والإعراض عن الدنيا وتمتعاتها، ختم الآية بقوله عطفاً على ما تقديره: فلا تأكلوا شيئاً منه في حال إحرامكم: {واتقوا الله} أي الذي له الأمر كله في ذلك وفي غيره من الاصطياد وغيره {الذي إليه تحشرون *} ليكون العرض عليه نصبَ أعينكم فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته. ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة، بين تعالى حكمة ذلك وأنه كما جعل الحرم والإحرام سبباً لأمن الوحش والطير جعله سبباً لأمن الناس وسبباً لحصول السعادة دنيا وأخرى، فقال مستأنفاً بياناً لحكمة المنع في أول السورة من استحلال من يقصدها للزيارة: {جعل الله} أي بما له من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة {الكعبة} وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه، وبيّنها مادحاً بقوله: {البيت الحرام} أي الممنوع من كل جبار دائماً الذي تقدم في أول السورة أني منعتكم من استحلال من يؤمّه {قياماً للناس} أي في أمر معاشهم ومعادهم لأنها لهم كالعماد الذي يقوم به البيت، فيأمن به الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده التجار والحجاج والعمّار فهو عماد الدين والدنيا. ولما ذكر ما به القوام من المكان، أتبعه ذلك من الزمان فقال: {والشهر الحرام} أي الذي يفعل فيه الحج وغيره يأمن فيه الخائف.

ولما ذكر ما به القوام من المكان والزمان، أتبعه ما به قوام الفقراء من شعائره فقال: {والهدي} ثم أتبعه أعزَّه وأخصه فقال: {والقلائد} أي والهدي العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء، وفي الآية التفات إلى ما في أول السورة من قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام} [المائدة: 2]- فقوانينُها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له أحد ولو كان قتل ابنه، ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم يكن معه هدي وقلد نفسه من لَحاء شجر الحرم لم يعرِض له أحد حتى أن بعضهم يلقي الهدي وهو مضطر فلا يعرض له ولو مات جوعاً، وسواء في ذلك صاحبه وغيره لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها، لأنه تعالى جبل العرب على الشجاعة ليفتح بهم البلاد شرقاً وغرباً ليظهرعموم رسالة نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات، وعلم أن ذلك إن دام بهم شَغلَهم عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم، فأدى إلى فنائهم، فجعل بيته المكرم وما كان من أسبابه أماناً يكون به قوام معاشهم ومعايشهم، فكان ذلك برهاناً ظاهراً على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له الحكمة البالغة.

ولما أخبر بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس، ذكر علة ذلك الجعل فقال: {ذلك} أي الجعل العظيم الذي تم أمره على ما أراد جاعله سبحانه {لتعلموا} أي بهذا التدبير المحكم {أن الله} أي الذي له الكمال كله الذي جعل ذلك {يعلم ما في السماوات} فلذلك رتبها ترتيباً فصلت به الأيام والليالي، فكانت من ذلك الشهور والأعوام، وفصّل من ذلك ما فصل للقيام المذكور {وما في الأرض} فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح الناس وكف فيه أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش، فيؤدي ذلك من له عقل رصين وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ الكلمة بحيث يستحق الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في إحلال ما أحل من الطعام وتحريم ما حرم من الشراب وغير ذلك. ولما ذكر هذا العلم العظيم، ذكر ما هو أعم منه فقال: {وأن} أي ولتعلموا أن {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً الذي فعل ذلك فتم له {بكل شيء عليم *} وإلاّ لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان، ولقد اتخذ العرب - كما في السيرة الهشامية وغيرها - طواغيت، وهي بيوت جعل لها سدنة وحجاباً وهدايا أكثروا منها، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ

شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له.

98

ولما أنتج هذا كله أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم، وكانت هذه الآية - كما تقدم - ناظرةً إلى أول السورة من آية {لا تحلوا شعائر الله} [المائدة: 2] وما بعدها أتم نظر، ذكر سبحانه ما اكتنف آية {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي به في هذه الآية على ترتيبه، سائقاً له مساق النتيجة والثمرة لما قبله، بياناً لأن من ارتكب شيئاً من هذه المنهيات كان حظه، فقال محذراً ومبشراً لأن الإيمان لا يتم إلاّ بهما: {اعلموا أن الله} أي الذي له المعظمة كلها الذي نهاه عنها {شديد العقاب} فليكن عباده على حذر منه، وأن من أوقعه في شيء منها القدر، ثم فتح له التوفيقُ بابَ الحذر، فكفر فيما فيه كفارة وتاب، كان مخاطباً بقوله: {وأن} أي واعلموا أن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام مع كونه شديد العقاب {غفور رحيم *} يقبل عليه ويمحو زلله ويكرمه، فكان اكتناف أسباب الرجاء سابقاً للإنذار ولاحقاً معلماً بأن رحمته سبقت غضبه وأن العقاب إنما هو لإتمام رحمته، قال ابن الزبير: ثم قال {جعل الله الكعبة} [المائدة: 97]- فنبه على سوء العاقبة في منع البحث على التعليل وطلب الوقوف على ما لعله مما استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتى على بني إسرائيل في

أمر البقرة وغير ذلك؛ وجعل هذا التنبيه إيماء، ثم أعقبه بما يفسره {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء} [المائدة: 101]- ووعظهم بحال غيرهم في هذا، وأنهم سألوا فأعطوا ثم امتحنوا، وقد كان التسليم أولى لهم، فقال تعالى {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} [المائدة: 102] ثم عرّف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} [المائدة: 105]- انتهى. ولما رغب سبحانه ووهب، علم أنه المجازى وحده، فأنتج ذلك أنه ليس إلى غيره إلاّ ما كلفه به، فأنتج ذلك ولا بد قوله: {ما على الرسول} أي الذي من شأنه الإبلاغ {إلا البلاغ} أي بأنه يحل لكم الطعام وغيره ويحرم عليكم الخمر وغيرها، وليس عليه أن يعلم ما تضمرون وما تظهرون ليحاسبكم عليه {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يعلم ما تبدون} أي تجددون إبداءه على الاستقرار {وما تكتمون *} من إيمان وكفر وعصيان وطاعة وتعمد لقتل الصيد وغيره ومحبة للخمر وغيرها وتعمق في الدين بتحريم الحلال من الطعام والشراب وغيره إفراطاً وتفريطاً، لأنه الذي خلقكم وقدّر ذلك فيكم في أوقاته، فيجازيكم على ما في نفس الأمر، من عصي أخذه بشديد العقاب، ومن أطاعه منحه حسن الثواب، وأما الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يحكم إلاّ بما يعلمه مما تبدونه ما لم أكشف له الباطن وآمره فيه بأمري، وهذه أيضاً ناظرة إلى قوله تعالى

{بلّغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] . ولما سلب سبحانه العلم عن كل أحد وأثبته لنفسه الشريفة، أنتج ذلك أنه لا أمر لغيره ولا نهي ولا إثبات ولا نفي، فأخذ سبحانه يبين حكمة ما مضى من الأوامر في إحلال الطعام وغيره من الاصطياد والأكل من الصيد وغيره والزواجر عن الخمر وغيرها بأن الأشياء منها طيب وخبيث، وأن الطيب وإن قل خير من الخبيث وإن كثر، ولا يميز هذا من ذاك إلاّ الخلاق العليم، فربما ارتكب الإنسان طريقة شرعها لنفسه ظانّاً أنها حسنة فجرته إلى السيئة وهو لا يشعر فيهلك، كالرهبانية التي كانوا عزموا عليها والخمر التي دعا شغفُهم بها إلى الإنزال فيها مرة بعد أخرى إلى أن أكد فيها هنا أشد تأكيد، وحذر فيها أبلغ تحذير، فقال تعالى صارفاً الخطاب إلى أشرف الورى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى أنه لا ينهض بمعرفة هذا من الخلق غيرُه: {قل لا يستوي الخبيث} أي من المطعومات والطاعمين {والطيب} أي كذلك، فإن ما يتوهمونه في الكثرة من الفضل لا يوازي النقصان من جهة الخبيث. ولما كان الخبيث من الذوات والمعاني أكثر في الظاهر وأيسر قال: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} والخبيث والطيب منه جسماني ومنه روحاني، وأخبثهما الروحاني وأخبثه الشرك، وأطيب الطيب الروحاني وأطيبه معرفة الله وطاعته، وما يكون للجسم من طيب أو خبث

ظاهر لكل أحد، فما خالطه نجاسة صار مستقذراً لأرباب الطباع السليمة، وما خالط الأرواح من الجهل صار مستقذراً عند الأرواح الكاملة المقدسة، وما خالطه من الأرواح معرفةُ الله فواظب على خدمته أشرق بأنوار المعارف الإلهية وابتهج بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة، وكما أن الخبيث والطيب لا يستويان في العالم الروحاني كذلك لا يستويان في العالم الجسماني، والتفاوت بينهما في العالم الروحاني أشد، لأن مضرة خبث الجسماني قليلة، ومنفعة طيبه يسيرة، وأما خبث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة، وطيب الروحاني منفعته جليلة دائمة، وهي القرب من الله والانخراط في زمرة السعداء، وأدلّ دليل على إرادة العصاة والمطيعين قوله: {فاتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يسخط الملك الأعظم الذي له صفات المال من الحرام وقايةً من الحلال لتكونوا من قسم الطيب، فإنه لا مقرب إلى الله مثلُ الانتهاء عما حرم - كما تقدم الإشارة بقوله: {ثم اتقوا وأحسنوا} [المائدة: 93] ويزيد المعنى وضوحاً قوله {يا أولي الألباب} أي العقول الخالصة من شوائب النفس فتؤثروا الطيب وإن قل في الحبس لكثرته في المعنى على الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى {لعلكم تفلحون *} أي لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب، وحينئذ ظهر كالشمس مناسبة تعقيبها

بقوله على طريق الاستئناف والاستنتاج: {يا أيها الذين آمنوا} أي أعطوا من أنفسهم العهد على الإيمان الذي معناه قبول جميع ما جاء به مَنْ وقع به الإيمان {لا تسئلوا عن أشياء} وذلك لأنهم إذا كانوا على خطر فيما يسرعون وفيما به ينتفعون من المآكل والمشارب وغيرها من الأقوال والأفعال فهم مثله فيما عنه يسألون سواء سألوا شرعه أو لا، لأنه ربما أجابهم من لا يضره شيء إلى ما فيه ضررهم مما سألوه، فإنهم لا يحسنون التفرقة بين الخبيث والطيب كما فعل بأهل السبت حيث أبوا الجمعة وسألوه، فاشتد اعتناقها حينئذ بقوله: {إن الله يحكم ما يريد} [المائدة: 1] وبقوله: {ما على الرسول إلا البلاغ} [المائدة: 99] فكان كأنه قيل: فما بلغكم إياه فخذوه بقبول وحسن انقياد، وما لا فلا تسألوا عنه، وسببُ نزولها - كما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه «أنهم سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم - وشرح يكرر ذلك، وإذ جاء رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول الله! من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر رضي الله عنه فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد

رسولاً، نعوذ بالله من سوء الفتن. وفي آخره: فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} » وللبخاري في التفسير عن أنس أيضاً قال: «خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت {لا تسئلوا عن أشياء} » الآية. وللبخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان قوم يسألون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء} حتى فرغ من الأية كلها» ولابن ماجه مختصراً وللحافظ أبي القاسم بن عساكر في الموافقات فيما أفاده المحب الطبري في مناقب العشرة وأبي يعلى في مسنده مطولاً عن أنس رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبرئيل عليه السلام حتى صعد المنبر - وفي رواية: فخطب الناس - فقال: سلوني! فوالله لا تسألوني عن شيء اليوم إلا أخبرتكم وفي رواية: أنبأتكم به - فما رأيت يوماً كان أكثر باكياً منه، فقال رجل: يا رسول الله - وفي رواية: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله - إنا كنا

حديث عهد بجاهلية، من أبي؟ قال: أبوك حذافة - لأبيه الذي كان يدعى له - وفي رواية: أبوك حذافة الذي تدعى له - فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في النار، فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله! أعلينا الحج كل عام؟ - وفي رواية: في كل عام - فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبياً - وفي رواية: رسولاً - لا تفضحنا بسرائرنا - وفي رواية: فقام إليه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إنا كنا حديث عهد بجاهلية فلا تبد علينا سرائرنا، أتفضحنا بسرائرنا - اعف عنا عفا الله عنك، فسرى عنه، ثم التفت إلى الحائط فذكر بمثل الجنة والنار» وللإمام أحمد ومسلم والنسائي والدارقطني والطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطب - وفي رواية: خطبنا - رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «يا أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج حجوا» ، فقال رجل - وفي رواية النسائي: «فقال الأقرع بن حابس التميمي -: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال: من السائل؟ فقال: فلان، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي نفسي بيده! لو قلت: نعم، لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون، ولكن حجة واحدة» - وفي رواية الدارقطني والطبري: «

ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها» - وفي رواية الطبري: «ولو تركتموه - لكفرتم» ، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه - وفي رواية: فاجتنبوه» وهذا الحديث له ألفاظ كثيرة من طرق شتى استوفيتها في كتابي «الاطلاع على حجة الوداع» ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها إلى شيء واحد لما تقدم عند قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} من أن الأمر الواحد قد تعدد أسبابه، بل وكل ما ذكر من أسباب تلك وما أشبهه كقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال} [النساء: 77]- الآية، يصلح أن يكون سبباً لهذه، وروى الدارقطني في آخر الرضاع من سننه عن أبي ثعلبة الخشني وفي آخر الصيد عن أبي الدرداء رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» وقال أبو الدرداء: «فلا تكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها» وأخرج حديث أبي الدرداء أيضاً الطبراني.

ولما كان الإنسان قاصراً عن علم ما غاب، فكان زجره عن الكشف عما يسوءه زجراً له عن كل ما يتوقع أن يسوءه، قال تعالى: {إن تبد} أي تظهر {لكم} بإظهار عالم الغيب لها {تسؤكم} ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفاً من عواقبه - قال: {وإن تسئلوا عنها} أي تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها {حين ينزل القرآن} أي والملك حاضر {تبد لكم} ولما كان ربما قال: فما له لا يبديها سئل عنها أم لا؟ قال: {عفا الله} بما له من الغنى المطلق والعظمة الباهرة وجميع صفات الكمال {عنها} أي سترها فلم يبدها لكم رحمة منه لكم وإراحة عما يسوءكم ويثقل عليكم في دين أو دنيا؛ ولما كانت صفاته سبحانه أزلية، لا تتوقف لواحدة منها على غيرها، وضع الظاهر موضع المضمر لئلا يختص بما قبله فقال نادباً من وقع منه ذنب إلى التوبة: {والله} أي الذي له مع صفة الكمال صفة الإكرام {غفور} أزلاً وأبداً يمحو الزلات عيناً وأثراً ويعقبها بالإكرام على عادة الحكماء {حليم *} أي لا يعجل على العاصي بالعقوبة.

102

ولما نهى عن السؤال عنها ليتعرف حالها، علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء وطلب أن يعطاها، إما بأن سأل غيره ذلك، وإما بأن شرعها

وسأل غيره أن يوافقه عليها وهو قاطع بأنها غاية في الحسن فكانت سبب شقائه فقال: {قد سألها} يعني أمثالها، ولم يقل: سأل عنها، إشارة إلى ما أبدته {قوم} أي أولو عزم وبأس وقيام في الأمور. ولما كان وجود القوم فضلاً عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبلكم} ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديراً بالقبول لا سيما إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك. فكان رده في غاية البعد، عبر عن استبعاده بأداة العبد في قوله: {ثم أصبحوا بها} أي عقب إتيانهم إياها سواء من غير مهلة {كافرين *} أي ثابتين في الكفر، هذا زجر بليغ لأن يعودوا لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلاً إلى الرهبانية والتعمق في الدين المنهي عنه بقوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] . ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا مَنْ رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتماداً على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئاً ينفعهم ولا مبد لهم شيئاً يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك، قال معللاً بختام الآية التي قبلها: {ما جعل الله} أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئاً إلا وهو على غاية الحكمة، وأغرق

في النفي بقوله: {من بحيرة} وأكد النفي بإعادة النافي فقال: {ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} دالاً بذلك على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على الخبيث دون الطيب، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال، فإذا هو مما لا يعبأ الله به بل ومما يعذب عليه، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك، ثم صار لهم ديناً، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن عمْراً أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي» ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره: «وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام» ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيّب السوائب» قال ابن هشام في السيرة:

والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو يتصدق به وتهمل لآلهتهم. وروى البخاري في المناقب ومسلم في صفة النار عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. وكذا رواه البخاري أيضاً في التفسير وقال: والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر وقال البرهان السفاقسي في إعرابه: قال أبو عبيد: وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، في الآخر. ذكر، شقوا أذنها وخلو سبيلها لا تركب ولا تحلب - وقيل غير ذلك، وقال أبو حيان في النهر: قال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق، وكان الرجل يسيب من ماله شيئاً فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل، والوصيلة قال ابن عباس - إنها الشاة تنتج سبعة أبطن، فإن كان السابع أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه جميعاً،

وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء فيها. وقال ابن هشام: والحامي الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، حمى ظهره فلم يركب ظهره ولم يجزّ وبره وخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع منه بغير ذلك. وقال السفاقسي: قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم - واختاره أبو عبيدة والزجاج -: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء. ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء، وكان التحريم والتحليل من خواص الإله، وكان لا إله إلا الله، كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى الله سبحانه كذباً، فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل شيئاً من ذلك: {ولكن الذين كفروا} أي ستروا ما دل عليه عقلهم من أن الله ما جعل هذا، لأنهم لا وصول لهم إليه سبحانه وعز شأنه، فلذلك قال: {يفترون} أي يتعمدون بجعل هذه الأشياء من تحريم وتحليل {على الله} أي الملك الأعلى {الكذب} فيحرمون ما لم يحرمه

ويحللون ما لم يحلله {وأكثرهم} أي هؤلاء الذين جعلوا هذه الأشياء {لا يعقلون *} أي لا يتجدد لهم عقل، وهم الذين ماتوا على كفرهم. ثم لما حرموا هذه الأشياء اضطروا إلى تحليل الميتة فحرموا الطيب وأحلوا الخبيث. ولما اتخذوه ديناً واعتقدوه شرعاً ومضى عليه أسلافهم، دعتهم الحظوظ والأنفة من نسبة آبائهم إلى الضلال والشهادة عليهم بالسفه إلى الإصرار عليه وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم، فقال تعالى دالاً على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم: {وإذا قيل لهم} أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل {إلى ما أنزل الله} أي الذي لا أعظم منه، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه {وإلى الرسول} أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه {قالوا حسبنا} أي يكفينا {ما وجدنا عليه آباءنا} . ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء، قال منكراً عليهم موبخاً لهم:

{أولو} أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو {كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً} أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلاً للاقتداء به، وقد لا يشعر لكونه جهله مركباً فلا يجوز الاقتداء به، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال: {ولا يهتدون *} أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب، لأن من لا يعلم لا صواب له، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء {إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} [المساء: 117] إلى قوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} [النساء: 119] فالتفت حينئذ إلى قوله: {رجس من عمل الشيطان} أيّ التفات. ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيهاً لآبائهم، فيعود ضرراً عليهم يُسبَّون به على زعمهم، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلاً، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان {عليكم أنفسكم} أي الزموا هدايتها

وإصلاحها؛ ولما كان كأنه قيل: إنا ننسب بآبائنا، وننسب إليهم، فربما ضرتنا نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك فقال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر» - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال: {لا يضركم من ضل} أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه ولا بقول الكفار: إنكم سفهتم آراءكم، ولا بغير ذلك من وجوه الضرر، وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة التحقيق فقال مفهماً لوجود الضرر عند فقد الهداية: {إذا اهتديتم} أي بالإقبال على ما أنزل الله وعلى الرسول حتى تصيروا علماء وتعملوا بعلمكم فتخالفوا من ضل، فإن كان موجوداً فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الطاقة، فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول الأعظم، وإن كان مفقوداً فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء وأولى الأحباء، وإلا كان الباقي أسفه من الماضي، وقد كان لعمري أحدهم لا يتبع أباه إذا كان سفيهاً في أمر دنياه عاجزاً عن

تحصيلها ولا يتحاشى عن مخالفته في طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها والتعمق في اقتناصها وحسن السعي في تثميرها ولطف الحيلة في توسيعها من معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة النظر على أن ذلك ظل زائل وعرض تافه، فكيف لا يخالفه فيما به سعادته الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ويشمر ذيله في أمره ويسهر ليله في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله بالنظر فيه حتى يظهر له الحق فيتبعه، وينهتك لديه الباطل فيجتنبه، ما ذاك إلا لمجرد الهوى، وقد كان الحزم العمل بالحكمة التي كشفها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير أحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا - وقال ابن ماجه: ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا - فإن» لو «تفتح عمل الشيطان» ، وفي بعض طرق الحديث: «ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» يعني: والله! اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمراً يحتمل أن ينفعك ولا يضرك إلا أخذت به، ولا تدع أمراً يحتمل أن يضرك

ولا ينفعك إلا تجتنبه، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمراً تقول: لو أني فعلته أو تركته، ولكنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، بخلاف ما إذا لم تنعم النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتماً تقول: لو أني فعلت كذا وكذا، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم، فيكثر لك من «لو» لأنها مفتاح عمله، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة؛ روى أحمد في المسند عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له في أمر رآه: يا أبا عامر! ألا غيرت؟ فتلا هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ، فغضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم» وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن

يعمهم الله بعقابه. قال البغوي: وفي رواية: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لكم» والله الموفق. ولما حكم الله تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط هداهم، وكان الكفار يعيرونهم، قال مؤكداً لما أخبر به ومقرراً لمعناه: {إلى الله} أي الملك الأعظم الذي لا شريك له، لا إلى غيره {مرجعكم} أي أنتم ومن يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق {جميعاً فينبئكم} أي يخبركم إخباراً عظيماً مستوفى مستقصى {بما كنتم تعملون *} أي تعمداً جبلة وطبعاً، ويجازي كل أحد بما عمل على حسب ما عمل. ولا يؤاخذ أحداً بما عمل غيره ولا بما أخطأ فيه أو تاب منه، وليس المرجع ولا شيء منه إلى الكفار ولا معبوداتهم ولا غيرهم حتى تخشوا شيئاً من غائلتهم في شيء من الضرر.

106

ولما خاطب سبحانه أهل ذلك الزمان بأنه نصب المصالح العامة كالبيت الحرام والشهر الحرام، وأشار بآية البحيرة وما بعدها إلى أن أسلافهم لا وفّروا عليهم مالهم ولا نصحوا لهم في دينهم، وختم ذلك بقهره للعباد بالموت وكشف الأسرار يوم العرض بالحساب على النقير والقطمير والجليل والحقير؛ عقب ذلك بآية الوصية إرشاداً منه سبحانه

إلى ما يكشف سريرة مَنْ خان فيها علماً منه سبحانه أن الوفاء في مثل ذلك يقل وحثاً لهم على أن يفعلوا ما أمر سبحانه به لينصحوا لمن خلفوه بتوفير المال ويقتدي بهم فيما ختم به الآية من التقوى والسماع والبعد من الفسق والنزاع، فقال تعالى منادياً لهم بما عقدوا به العهد بينهم وبينه من الإقرار بالإيمان: {يا أيها الذين آمنوا} أي أخبروا عن أنفسهم بذلك {شهادة بينكم} هو كناية عن التنازع والتشاجر لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند ذلك، وسبب نزول الآية قد ذكره المفسرون وذكره الشافعي في الأم فقال: أخبرني أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك «أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميمي والآخر يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورِقَةٍ فمرض القرشي فجعل وصيته إلى الداريين

فمات، وقبض الداريان المال فدفعاه إلى أولياء الميت، فأنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئاً أو اشترى فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنكما خنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] فلما نزلت أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السماوات: ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، فلما حلفا خلي سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا: اشتريناه منه في حياته، فكُذِّبا وكُلِّفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله عز وجل {فإن عثر} - يعني إلى آخرها» ثم ذكر وقت الشهادة وسببها فقال: {إذا حضر} وقدم المفعول تهويلاً - كما ذكر في النساء - لأن الآية نزلت لحفظ ماله فكان أهم، فقال: {أحدكم الموت} أي أخذته أسبابه الموجبة لظنه.

ولما كان الإيصاء إذ ذاك أمراً متعارفاً، عرف فقال معلقاً بشهادة كما علق به {إذا} أو مبدلاً من {إذا} لأن الزمنين واحد: {حين الوصية} أي إن أوصى، ثم أخبر عن المبتدأ فقال: {اثنان} أي شهادة بينكم في ذلك الحين شهادة اثنين {ذوا عدل منكم} أي من قبيلتكم العارفين بأحوالكم {أو آخران} أي ذوا عدل {من غيركم} أي إن لم تجدوا قريبين يضبطان أمر الوصية من كل ما للوصي وعليه، وقيل: بل هما الوصيان أنفسهما احتياطاً بجعل الوصي اثنين، وقيل: آخران من غير أهل دينكم، وهو خاص بهذا الأمر الواقع في السفر للضرورة لا في غيره ولا في غير السفر؛ ثم شرط هذه الشهادة بقوله: {إن أنتم ضربتم} أي بالأرجل {في الأرض} أي بالسفر، كأن الضرب بالأرجل لا يسمى ضرباً إلا فيه لأنه موضع الجد والاجتهاد {فأصابتكم} وأشار إلى أن الإنسان هدف لسهام الحدثان بتخصيصه بقوله: {مصيبة الموت} أي أصابت الموصي المصيبةُ التي لا مفر منها ولا مندوحة عنها. ولما كان قد استشعر من التفصيل في أمر الشهود مخالفة لبقية الشهادات، فكان في معرض السؤال عن الشهود: ماذا يفعل بهم؟ قال مستأنفاً: {تحبسونهما} أي تدعونهما إليكم وتمنعونهما من التصرف لأنفسهما لإقامة ما تحملاه من هذه الواقعة وأدائه؛ ولما كان المراد إقامة اليمين

ولو في أيسر زمن، لا استغراق زمن البعد بالحبس، أدخل الجار فقال: {من بعد الصلاة} أي التي هي أعظم الصلوات؛ فكانت بحيث إذا أطلقت معرفة انصرفت إليها وهي الوسطى وهي العصر، ثم ذكر الغرض من حبسهما فقال: {فيقسمان بالله} أي الملك الذي له تمام القدرة وكمال العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا، فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره، إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كان الوصيين فلا؛ ثم شرط لهذا الحلف شرطاً فقال اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه: {إن ارتبتم} أي وقع بكم شك فيما أخبرا به عن الواقعة؛ ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لا نشتري به} أي هذا الذي ذكرناه {ثمناً} أي لم نذكره ليحصل لنا به عرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة، وليس قصدنا به إلا إقامة الحق {ولو كان} أي الوصي الذي أقسمنا لأجله تبرئة له {ذا قربى} أي لنا، أي إن هذا الذي فعلناه من التحري عادتنا التي أطعنا فيها {كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135]- الآية، لا أنه فعلنا في هذه الواقعة فقط {ولا نكتم شهادة الله} أي هذا الذي ذكرناه لم نبدل فيه لما أمر الله به من حفظ الشهادة وتعظيمها، ولم نكتم شيئاً وقع به الإشهاد، ولا نكتم فيما يستقبل شيئاً نشهد به لأجل الملك الأعظم المطلع على السرائر كما هو مطلع على الظواهر؛ ثم علل ذلك بما لقنهم إياه ليكون آخر كلامهم، كل ذلك تغليظاً وتنبيهاً

على أن ذلك ليس كغيره من الأيمان، فقال تذكيراً لهم وتحذيراً من التغيير: {إنا إذاً} أي إذا فعلنا شيئاً من التبديل أو الكتم {لمن الآثمين * فإن} ولما كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله: {عثر} أي اطلع مطلع بقصد أو بغير قصد؛ قال البغوي: وأصله الوقوع على الشيء أي من عثرة الرجل {على أنهما} أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو الوصيين {استحقا إثماً} أي بسبب شيء خانا فيه من أمر الشهادة {فآخران} أي من الرجال الأقرباء للميت {يقومان مقامهما} أي ليفعلا حيث اشتدت الريبة من الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا {من الذين استحق} أي طلب وقوع الحق بشهادة من شهد {عليهم} هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة حفص بالبناء للفاعل، المعنى: وجد وقوع الحق عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته. ولما كان كأنه قيل: ما منزلة هذين الآخرين من الميت؟ فقيل: {الأوليان} أي الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره، وعلى قراءة أبي بكر وحمزة بالجمع، كأنه قيل: هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل الميت، فهو نعت للذين استحق {فيقسمان} أي هذان الآخران {بالله} أي الملك الذي لا يقسم إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة {لشهادتنا} أي بما يخالف شهادة الحاضرين للواقعة {أحق من شهادتهما} أي أثبت، فإن تلك إنما ثباتها في الظاهر، وشهادتنا ثابتة في نفس الأمر وساعدها الظاهر بما عثر عليه من الريبة

{وما اعتدينا} أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق {إنا إذاً} أي إذا وقع منا اعتداء {لمن الظالمين *} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في الظلام، وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور مما شهدوا به، وذلك أنه لما وجد الإناء الذي فقده أهل الميت وحلف الداريان بسببه أنهما ما خانا طالبوهما، فقالا: كنا اشتريناه منه، فقالوا: ألم نقل لكما: هل باع صاحبنا شيئاً؟ فقلتما: لا، فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فرفعوا ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمر فقام اثنان من أقارب الميت فحلفا على الإناء، فدفعه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهما، لأن الوصيين ادعيا على الميت البيع فصار اليمين في جانب الورثة لأنهم أنكروا، وسمي أيمان الفريقين شهادة كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة - نبه على ذلك الشافعي، وكان ذلك لما في البابين من مزيد التأكيد. ولما تم هذا على هذا الوجه الغريب، بين سبحانه سرَّه فقال: {ذلك} أي الأمر المحكم المرتب هذا الترتيب بالأيمان وغيرها {أدنى} أي أقرب {أن} أي إلى أن {يأتوا} أي الذين شهدوا أولاً {بالشهادة} أي الواقعة في نفس الأمر {على وجهها} من غير أدنى ميل بسبب أن يخافوا من الحنث عند الله بعد هذا التغليظ {أو يخافوا} إن لم يمنعهم الخوف من الله {أن ترد} أي تثنى وتعاد

{أيمان} أي من الورثة {بعد أيمانهم} للعثور على ريبة فيصيروا بافتضاحهم مثلاً للناس، قال الشافعي: وليس في هذا رد اليمين، فما كانت يمين الداريين على ما ادعى الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الداريان مما وجد في أيديهما وأقرا أنه مال الميت وأنه صار لهما من قِبَله، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه، قال: وإذا كان هذا كما وصفت فليست الآية ناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل ومن نرضى من الشهداء، هذا ما اقتضى إيلاؤها لما قبلها، وقد نزعها إلى مجموع هذه السورة مَنازع منها ما تقدم من ذكر القتل الذي هو من أنواع الموت عند قصة بني آدم وما بعدها، ثم تعقيب ذلك بالجهاد الذي هو من أسباب الموت، وقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، ثم ذكره أيضاً في قوله تعالى: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54] وقد جرت السنة الإلهية بذكر الوصية عقب مثل ذلك في البقرة، ولم يذكر عقب واحدة من الآيات المذكورة لزيادتها على آية البقرة بمنازع منها الحلف، فناسب كونها بعد آية الأيمان، ومنها تغليظ الحلف والخروج به عما يشاكله من القسم على المال بكونه في زمان مخصوص بعد عبادة مخصوصة، فناسب ذكرها بعد تغليظ أمر الصيد في حال مخصوص وهو الإحرام والخروج به عن أشكاله من الأحوال وبعد تغليظ جزائه والخروج به عن أشكاله من الكفارات وتغليظ أمر المكان المخصوص وهو الكعبة والخروج

بها عن أشكالها من البيوت، وكذا تغليظ الزمان المخصوص وهو الشهر الحرام والخروج به عن أشكاله من الأزمنة. وكل ذلك لقيام أمر الناس وإصلاح أحوالهم، وهكذا آية الوصية وما خرج من أحكامها عن أشكاله كله لقيام الأمور على السداد وإصلاح المعاش والمعاد، وهي ملتفتة إلى أول السورة إذا هي من أعظم العهود، والوفاءُ بها من أصعب الوفاء، وإلى قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] وإلى قوله تعالى: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} [المائدة: 8] انظر إلى ختمها بقوله: {إن الله خبير بما تعملون} وإلى كون هذه في سياق الإعلام بأن الله عالم بالخفيات، وقوله: - عطفاً على ما تقديره: فالزموا ما أمرتكم به وأرشدتكم إليه تفلحوا: {واتقوا الله} أي ذا الجلال والإكرام إلى آخرها - ملتفت إلى قوله: {وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7]- الأية، أي خافوا الله خوفاً عظيماً يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية لئلا تحلفوا كاذبين أو تخونوا أدنى خيانة {واسمعو} أي الموعظة سمع إجابة وقبول ذاكرين لقولكم {سمعنا وأطعنا} [البقرة: 285] فإن الله يهدي المتمسكين بالميثاق {والله} أي الذي له الكمال كله وتمام الحكمة وكمال العزة والسطوة {لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية في قلوب الذين لهم قدرة على

ما يحاولونه الفاسقين *} أي الذين هم خارجون، أي من عادتهم ذلك على وجه الرسوخ، فهم أبداً غير متقيدين بقيد ولا منضبطين بدائرة عقد ولا عهد.

109

ولما كان فيها إقامة الشهود وحبسهم عن مقاصدهم حتى يفرغوا من هذه الواقعة المبحوث فيها عن خفايا متعلقة بالموت والتغليظ بالتحليف بعد صلاة العصر، وكانت ساعة يجتمع فيها الناس وفريقا الملائكة المتعاقبين فينا ليلاً ونهاراً مع أنها ساعة الأصيل المؤذنة بهجوم الليل وتقوّض النهار حتى كأنه لم يكن ورجوع الناس إلى منازلهم وتركهم لمعايشهم، وكانت عادته سبحانه بأنه يذكر أنواعاً من الشرائع والتكاليف، ثم يتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء وإما بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكداً لما تقدم من التكاليف، ولا ينتقل من فن إلى آخر إلا بغاية الإحكام في الربط، عقبها تعالى بقوله: {يوم يجمع الله} أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة {الرسل} أي الذين أرسلهم إلى عباده بأوامره ونواهيه إشارة إلى تذكر انصرام هذه الدار وسرعة هجوم ذلك بمشاهدة هذه الأحوال المؤذنة به وبأنه يوم يقوم فيه الأشهاد، ويجتمع فيه العباد، ويفتضح فيه أهل الفساد - إلى غير ذلك من الإشارات لأرباب البصائر والقلوب، والظاهر أن «يوم» ظرف للمضاف المحذوف الدال عليه الكلام، فإن من المعلوم أنك إذا قلت: خف من

فلان، فإن المعنى: خَف من عقابه ونحو ذلك، فيكون المراد هنا: واتقوا غضب الله الواقع في ذلك اليوم، أي اجعلوا بينكم وبين سطواته في ذلك اليوم وقايةً، أو يكون المعنى: اذكروا هذه الواقعة وهذا الوقت الذي يجمع فيه الشهود ويحبس المعترف والجحود يوم الجمع الأكبر بين يدي الله تعالى ليسألهم عن العباد ويسأل العباد عنهم {فيقول} أي للرسل تشريعاً لهم وبياناً لفضلهم وتشريفاً للمحق من أممهم وتبكيتاً للمبطل وتوبيخاً للمُفْرط منهم والمفرّط. ولما كان مما لا يخفى أصلاً أنهم أجيبوا، ولا يقع فيه نزاع ولا يتعلق بالسؤال عنه غرض، تجاوز السؤال إلى الاستفهام من نوع الإجابة فقال: {ماذا أجبتم} أي أيّ إجابة أجابكم من أرسلتم إليهم؟ إجابة طاعة أو إجابة معصية. ولما كان المقصود من قولهم بيان الناجي من غيره، وكانت الشهادة في تلك الدار لا تنفع إلا فيما وافق فيه الإضمار الإظهار، فكانت شهادتهم لا تنفع المشهود له بحسن الإجابة إلا أن يطابق ما قاله بلسانه اعتقاده بقلبه {قالوا} نافين لعلمهم أصلاً ورأساً إذا كان موقوفاً على شرط هو من علم ما غاب ولا علم لهم به {لا علم لنا} أي على الحقيقة لأنا لا نعلم إلا ما شهدناه، وما غاب عنا أكثر، وإذا كان الغائب قد يكون مخالفاً للمشهود، فما شهد ليس بعلم، لأنه غير مطابق

للواقع، ولهذا عللوا بقولهم: {إنك أنت} أي وحدك {علام الغيوب *} أي كلها، تعلمها علماً تاماً فكيف بما غاب عنا من أحوال قومنا! فكيف بالشهادة! فكيف بما شهدنا من ذلك! وهذا في موضع قولهم: أنت أعلم، لكن هذا أحسن أدباً، فإنهم محوا أنفسهم من ديوان العلم بالكلية، لأن كل علم يتلاشى إذا نسب إلى علمه ويضمحل مهما قرن بصفته أو اسمه. ولما كان سؤاله سبحانه للرسل عن الإجابة متضمناً لتبكيت المبطلين وتوبيخهم، وكان أشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ أهل الكتاب، لأن تمردهم تعدى إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به من اتخاذ الصاحبة والولد، ومن ادعاء الإلهية لعيسى عليه السلام لما أظهر من الخوارق التي دعا بها إلى الله مع اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته لئلا يهتضم حقه أو يُغلى فيه، مع مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسل عليهم السلام بالتكذيب وغيره، وكان في الآية السالفة ذكر الآباء وما آثروا للأبناء، ذكر أمر عيسى عليه السلام بقوله مبدلاً من قوله: {يوم يجمع الله} معبراً بالماضي تذكيراً بما لذلك اليوم من تحتم الوقوع، وتصويراً لعظيم تحققه، وتنبيهاً على أنه لقوة قربه كأنه

قد وقع ومضى: {إذ قال الله} أي المستجمع لصفات الكمال {يا عيسى} ثم بينه بما هو الحق من نسبه فقال: {ابن مريم} . ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر والإحاطة بجميع الخلائق وأحوالهم في حركاتهم وسكناتهم، وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال، أمره بذكر حمده سبحانه على نعمته عنده فقال: {اذكر نعمتي عليك} أي في خاصة نفسك، وذكر ما يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال: {وعلى والدتك} إلى آخره مشيراً إلى أنه أوجده من غير أب فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق وما يورثون أبناءهم من اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه، فأقدره - وهو في المهد - على الشهادة لها بالبراءة والحصانة والعفاف، وكل نعمة أنعمها سبحانه عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي نعمة أمه ديناً ودنيا. ولما ذكر سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه عليهم في أول السورة بقوله: {اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه} [المائدة: 7] ، {واذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم} [المائدة: 11] ، وكانت هذه الآيات من عند {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] كلها في النعم، أخبرهم أنه يذكّر عيسى عليه السلام بنعمه في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم يذكروا نعمه في هذه الدار دار العمل بالشكر، ذكروها حين يذكّرهم بها في ذلك اليوم قسراً بالكفر، ويا لها فضيحةً في ذلك الجمع

الأكبر والموقف الأهول! وليتبصّر أهل الكتاب فيرجعوا عن كفرهم بعيسى عليه السلام: اليهودُ بالتقصير في أمره، والنصارى بالغلو في شأنه وقدره. ولما كان أعظم الأمور التنزيه، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة الدخول إلى الإسلام، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليها السلام وتصحيح ما خرق لها من العادة في ولادته، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى يكون كلامه طفلاً ككلامه كهلاً، قدمه فقال معلقاً قارناً بكل نعمة ما يدل على عبوديته ورسالته، ليخزي من غلا في أمره أو قصّر في وصفه وقدره: {إذ أيدتك} أي قويتك تقوية عظيمة {بروح القدس} أي الطهر الذي يحيي القلوب ويطهرها من أوضار الآثام، ومنه جبرئيل عليه السلام، فكان له منه في الصغر حظ لم يكن لغيره؛ قال الحرالي: وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعاً إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام ثم استأنف تفسير هذا التأييد فقال: {تكلم الناس} أي من أردت من عاليهم وسافلهم {في المهد} أي بما برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك وفضلك. ولما ذكر هذا الفضل العظيم، أتبعه خارقاً آخر، وهو إحياؤه

نفسه وحفظُه جسدَه أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم؛ فإنه رفع شاباً وينزل على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير كهلاً، وتسويةُ كلامه في المهد بكلامه في حال بلوغ الأشدّ وكمال العقل خرقاً لما جرت به العوائد فقال: {وكهلاً} ولما ذكر هذه الخارقة، أتبعها روح العلم الرباني فقال: {وإذ علمتك الكتاب} أي الخط الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم {والحكمة} أي الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم {والتوراة} أي المنزلة على موسى عليه السلام {والإنجيل} أي المنزل عليك. ولما ذكر تأييده بروح الروح، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد لا أصل له فيها فقال: {وإذ تخلق من الطين} أي هذا الجنس {كهيئة الطير بإذني} ثم سبب عن ذلك قوله: {فتنفخ فيها} أي في الصورة المهيأة {فتكون} أي تلك الصورة التي هيأتها {طيراً بإذني} ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد، إما ابتداء في الأكمة كما في الذي قبله، وإما إعادة كما في الحادث العمى والبرص بقوله: {وتبرئ الأكمة والأبرص} . ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله: {بإذني} ثم برد روح كامل إلى جسدها بقوله:

{وإذ تخرج الموتى} أي من القبور فعلاً أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من سكان البيوت {بإذني} ثم بعصمة روحه ممن أراد قتله بقوله: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} أي اليهود لما هموا بقتلك؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصاً استحلوا قصده به، بين أنه قصد ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان فقال: {إذ جئتهم بالبينات} أي كلها، بعضها بالفعل والباقي بالقوة لدلالة ما وجد عليه من الآيات الدالة على رسالتك الموجبة لتعظيمك {فقال الذين كفروا} أي غطوا تلك البينات عناداً {منهم إن} أي ما {هذا إلا سحر مبين *} ثم بتأييده بالأنصار الذين أحيى أرواحهم بالإيمان وأجسادهم باختراع المأكل الذي من شأنه في العادة حفظ الروح، وذلك في قصة المائدة وغيرها فقال: {وإذ أوحيت} أي بإلهام باطناً وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهراً {إلى الحواريين} أي الأنصار {أن آمنوا بي وبرسولي} أي الذي أمرته بالإبلاغ يعني إبلاغ الناس ما آمرهم به، ثم استأنف مبيناً لسرعة أجابتهم لجعله محبباً إليهم مطاعاً فيهم بقوله: {قالوا آمنا} . ولما كان الإيمان باطناً فلا بد في إثباته من دليل ظاهر، وكان

في سياق عدّ النعم والطواعية لوحي الملك الأعظم دلوا عليه بتمام الانقياد، ناسب المقام زيادة التأكيد بإثبات النون الثالثة في قولهم: {واشهد بأننا} بخلاف آل عمران {مسلمون *} أي منقادون أتم انقياد، فلا اختيار لنا إلا ما تأمرنا به، وانظر ما أنسب إعادة «إذ» عند التذكير بروح كامل حساً أو معنى وحذفها عند الناقص، فأثبتها عند التأييد بها في أصل الخلق وفي الكمال الموجب للحياة الأبدية وفي تعليم الكتاب وما بعده المفيض لحياة الأبد على كل من تخلّق بأخلاقه وفي خلق الطير وهو ظاهر وهكذا إلى الآخر. ذكرُ شيء مما عزي إليه من الحكمة في الإنجيل: قال متى: وكان يسوع يطوف المدن والقرى ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل الأمراض والأوجاع، ثم قال: فلما سمع يوحنا في السجن بأعمال المسيح أرسل إليه اثنين من تلاميذه قائلاً: أنت هو الآتي أم نترجى آخر؟ قال لوقا: وفي تلك الساعة أبرأ كثيراً من الأمراض والأوجاع والأرواح الشريرة ووهب النظر لعميان كثيرين، فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما وسمعتما، العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يتطهرون والصم يسمعون

والموتى يقومون والمساكين يبشرون، فطوبى لمن لا يشك فيّ! فلما ذهب تلميذا يوحنا بدأ يسوع يقول للجمع من أجل يوحنا: لماذا خرجتم إلى البرية تنظرون - قال لوقا: قصبة تحركها الريح - أم لماذا خرجتم تنظرون؟ إنساناً لابساً لباساً ناعماً؟ إن اللباس الناعم يكون في بيوت الملوك، قال لوقا: فإن الذين عليهم لباس المجد والتنعم هم في بيوت الملوك - انتهى. لكن لماذا خرجتم تنظرون؟ نبياً؟ نعم، أقول لكم: إنه أفضل من هذا الذي كتب من أجله: هوذا أنا مرسل ملكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، الحق أقول لكم! إنه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمد، والصغير في ملكوت السماء أعظم منه، وجميع الشعب الذي سمع والعشارون شكروا الله حيث اعتمدوا من معمودية يوحنا، فأما الفريسيون والكتاب فعلموا أنهم رفضوا أمر الله لهم إذ لم يعتمدوا منه؛ قال متى: ثم قال: من له أذنان سامعتان فليسمع! بماذا أشبه هذا الجيل؟ يشبه صبياناً جلوساً في الأسواق، يصيحون إلى أصحابهم قائلين: زمّرنا لكم فلم ترقصوا، ونحنا لكم فلم تبكوا، جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا: معه جنون، جاء ابن الإنسان

يأكل ويشرب، فقالوا: هذا إنسان أكول شرّيب خليل العشارين والخطأة، فتبررت الحكمة من بنيها، حينئذ بدأ يعيّر المدن التي كان فيها أكثر قواته، لأنهم لم يتوبوا، ويقول: الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأن القوات اللاتي كنّ فيكما قديماً لو كنّ في صور وصيدا لتابوا بالمسوح والرماد، لكن أقول لكم: إن لصور وصيدا راحة في يوم الدين أكثر منكن، وأنت يا كفرناحوم لو ارتفعت إلى السماء ستهبطين إلى الجحيم، لأنه لو كان في سدوم هذه القوات التي كانت فيك إذن لثبتت إلى اليوم، وأقول لكم أيضاً: إن أرض سدوم تجد راحة يوم الدين أكثر منك. ثم قال: وانتقل يسوع من هناك ودخل إلى مجمعهم وإذا رجل هناك يده يابسة - وقال لوقا: يده اليمنى يابسة - فسألوه قائلين: هل يحل أن يشفى في السبت؟ فقال لهم: أي إنسان منكم يكون له خروف، يسقط في حفرة في السبت، ولا يمسكه ويقيمه؟ فبكم أحزي الإنسان أفضل من الخروف، فإذن جيد هو فعل الخير في السبت؛ وقال لوقا: فقال للرجل اليابس اليد: قف في الوسط، فقام، وقال لهم يسوع: أسألكم ماذا يحل أن يعمل في السبت؟ خير أم شر؟ نفس تخلص أم تهلك؟ فسكتوا؛ قال متى: حينئذ قال للإنسان: أمدد يدك، فمدها فصحت

مثل الأخرى، فخرج الفريسيون - قال مرقس: مع أصحاب هيرودس - متوامرين في إهلاكه، فعلم يسوع وانتقل من هناك وتبعه جمع كثير، فشقى جميعهم، وأمرهم أن لا يظهروا ذلك لكي يتم ما قيل في أشعيا النبي القائل: ها هوذا فتاي الذي هويت، وحبيبي الذي به سررت، أضع روحي عليه ويخبر الأمم بالحكم، لا يماري ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع، قصبة مرضوضة لا تكسر، وسراج مطفطف لا يطفأ حتى يخرج الحكم في الغلبة، وعلى اسمه تتكل الأمم؛ ثم قال: وفي ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس جانب البحر، فاجتمع إليه جمع كبير حتى أنه صعد إلى السفينة وجلس، وكان الجمع كله قياماً على الشطّ، وكلهم بأمثال كثيرة قائلاً: ها هو ذا خرج الزارع ليزرع، وفيما هو يزرع سقط البعض على الطريق، فأتى الطير وأكله - وقال لوقا: فديس وأكله طائر السماء - وبعض سقط على الصخرة حيث لم يكن له أرض كثيرة، وللوقت شرق إذ ليس له عمق أرض، ولما أشرقت الشمس احترق، وحيث لم يكن له أصل يبس، وبعض سقط في الشوك فطلع الشوك وخنقه؛ وقال مرقس: فخنقه بعلوه عليه فلم يأتي بثمرة؛

وقال متى: وبعض سقط في الأرض الجيدة فأعطى ثمره، للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين - قال لوقا: فلما قال هذا نادى: من له أذنان سامعتان فليسمع - فتقدم إليه تلاميذه وقالوا له: لماذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجابهم وقال: أنتم أعطيتم معرفة سرائر ملكوت السماوات - وقال لوقا: فقال لهم: لكم أعطي علم سرائر ملكوت الله - وأولئك لم يعطوا، ومن كان له يعطي ويزاد، ومن ليس له فالذي له يؤخذ منه - وقال لوقا: والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه له - فلهذا أكلمهم بالأمثال، لأنهم يبصرون فلا يبصرون، ويسمعون فلا يسمعون ولا يفهمون، لكي تتم فيهم نبوة أشعيا لقائل: سمعاً يسمعون فلا يفهمون، ونظراً ينظرون فلا يبصرون، لقد غلظ قلب هذا الشعب، وثقلت آذانهم عن السماع، وغمضوا أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم، فأما أنتم فطوبى لعيونكم! لأنها تنظر، ولآذانكم! لأنها تسمع؛ وقال لوقا: ومثل الزرع هذا هو كلام الله؛ وقال متى: كل من يسمع كلام الملكوت ولا يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في قلبه، هذا الذي زرع على الطريق، والذي زرع على الصخرة هو الذي يسمع الكلام وللوقت يقبله بفرح، وليس له فيه أصل، لكن في زمان يسير، إذا حدث ضيق أو طرد فللوقت يشك -

وقال مرقس: بسبب الكلمة فيشكون للوقت: وقال لوقا: وهم إنما يؤمنون إلى زمان التجربة، وفي زمان التجربة يشكون - والذي يزرع في الشوك فهو الذي يسمع الكلام فيخنق الكلام فيه؛ وقال لوقا: فتغلب عليهم هموم هذا الدهر وطلب الغنى؛ وقال مرقس: ومحبة الغنى وسائر الشهوات التي يسلكونها، فتخنق الكلمة فلا تثمر فيهم؛ وقال متى: فيكون بغير ثمرة، والذي زرع في الأرض الجيدة هو الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره؛ وقال لوقا: وأما الذي وقع في الأرض الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد فيحفظونها ويثمرون بالصبر؛ قال متى: للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين. وضرب لهم مثلاً آخر قائلاً: يشبه ملكوت السماوات إنساناً زرع زرعاً جيداً في حقله، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع زواناً في وسط القمح ومضى، فلما نبت القمح ظهر الزوان، فجاء عبيد رب البيت فقالوا له: يا سيد! أليس زرعاً جيداً زرعت في حقلك! فمن أين صار فيه زوان؟ فقال لهم: عدو فعل هذا، فقال عبيده: تريد أن نذهب فنجمعه؟ فقال لهم: لا، لئلا تنقلع معه الحنطة، دعوهما ينبتان جميعاً إلى زمان الحصاد،

وأقول للحصادين: أولاً اجمعوا الزوان فشدوه حزماً ليحرق، فأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي. وضرب لهم مثلاً آخر قائلاً: يشب ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، لأنها أصغر الزراريع كلها - وقال مرقس: وهي أصغر الحبوب التي على الأرض - فإذا طالت صارت أكبر من جميع البقول وتصير شجرة - وقال مرقس: وصنعت أغصاناً عظاماً؛ وقال لوقا: فنمت وصارت شجرة عظيمة - حتى أن طائر السماء يستظل تحت أغصانها. وكلمهم بمثل آخر وقال لهم: يشبه ملكوت السماوات خميراً أخذته امرأة وعجنته في ثلاثة أكيال دقيق فاختمر الجميع؛ وقال مرقس: وكان يقول لهم: هل يوقد سراج فيوضع تحت مكيال أو سرير، لكن على منارة؛ وقال لوقا: ليس أحد يوقد سراجاً فيغطيه، ولا يجعله تحت سرير، لكن يضعه على منارة فيرى نوره كل من يدخل؛ قال مرقس: كذلك ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن؛ وقال لوقا: سراج الجسد العين، فإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله نير، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً أحرص أن لا يكون النور الذي فيك ظلاماً، فإن كان جسدك كله نيراً وليس فيه جزء مظلم فإنه يكون كاملاً نيراً، كما أن السراج ينير لك بلمع ضيائه؛ وقال مرقس: من له أذنان سامعتان فليسمع، وقال لهم: انظروا ماذا تسمعون، فبالكيل الذي تكيلون يكال لكم - وتزادون أيها السامعون لأن الذي له يعطي ومن ليس

عنده فالذي عنده يؤخذ منه، وقال: يشبه ملكوت الله إنساناً يلقي زرعه على الأرض وينام، ويقوم ليلاً ونهاراً والزرع ينمو ويطول وهو لا يعلم، أولاً أعشب وبعد ذلك سَنُبل، ثم يمتلئ السنبل حتى إذا انتهت الثمرة حينئذ يضع المنجل إذ قد دنا الحصاد؛ قال متى: هذا كله قاله يسوع للجموع ليتم ما قيل في النبي القائل: أفتح فاي بالأمثال وأنطق بالخفيات من قبل أساس العالم. حينئذ ترك الجمع وجاء إلى البيت فجاء إليه تلاميذه وقالوا: فسر لنا مثل زوال الحقل، أجاب: الذي زرع الزرع الجيد هو ابن الإنسان، والحقل هو العالم، والزرع الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشر، والعدو الذي زرعه هو الشيطان، والحصاد هو منتهى الدهر، والحصادون هم الملائكة، فكما أنهم يجمعون الزوان أولاً، وبالنار يحرق، هكذا يكون منتهى هذا الدهر، يرسل ملائكته ويجمعون من مملكته كل الشوك وفاعلي الإثم، فيلقونهم في أتون النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس في ملكوت أبيهم، من له أذنان سامعتان فليسمع. ويشبه ملكوت السماوات كنزاً مُخفىّ في حقل وجده إنسان فخبأه، ومِن فرحه مضى وباع كل شيء واشترى ذلك الحقل. وأيضاً يشبه ملكوت السماوات إنساناً تاجراً بطلب الجوهر الفاخر الحسن. فوجد درة كثيرة الثمن فمضى وباع

كل ماله واشتراها. وأيضاً يشبه ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس، فلما امتلأت أطلعوها إلى الشّط فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية، والرديء رموه خارجاً، هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان، تخرج الملائكة ويميزون الأشرار من وسط الصديقين. ويلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. فلما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك وجاء إلى بلدته وكان يُعلِّم في مجامعهم حتى أنهم بهتوا وقالوا: من أين له هذه الحكمة والقوة! وقال مرقس: من أين له هذا التعليم وهذه الحكمة التي أعطيها والقوات التي تكون على يديه - انتهى. أليس هذا ابن النجار؟ وقال لوقا: وكان جميعهم يشهدون له ويتعجبون من كلام النعمة الذي كان يخرج من فمه، وكانوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ انتهى. أليس أمه تسمى مريم وإخوته يعقوب ويوسا وسمعان ويهودا؟ أليس هو وأخواته عندنا جميعاً؟ فمن أين له هذا كله؟ وكانوا يشكون فيه، فإن يسوع قال لهم: لا يهان نبي إلا في بلدته وبيته؛ وقال مرقس: ليس يهان نبي إلا في بلدته وعند أنسابه وبيته؛ وقال لوقا: فقال لهم: لعلكم تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب! اشف نفسك والذي سمعنا

أنك صنعته في كفرناحوم افعله أيضاً ههنا في مدينتك، فقال لهم: الحق أقول لكم، إنه لا يقبل نبي في مدينته، الحق أقول لكم، إن الأرامل كثيرة كنّ في إسرائيل في أيام إليا إذ أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر، وصار جوع عظيم في الأرض كلها، ولم يرسل إلياء إلى واحدة منهن إلا أرملة في صارفة صيدا، وبرص كثيرون كانوا في إسرائيل على عهد اليشع النبي ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان الشامي، فامتلأ جميعهم غضباً عندما سمعوا هذا وأخرجوه خارج المدينة، وجاؤوا به إلى أعلى الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه إلى أسفل، فأما هو فجاز وسطهم ومضى، ونزل إلى كفرناحوم مدينة في الجليل، وكان يعلمهم في السبت وبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان. وقال في موضع آخر: وجاء إليه ناس من الفريسيين وقالوا له: اخرج فاذهب من ههنا فإن ثيرودس يريد ليقتلك، فقال لهم: امضوا وقولوا لهذا الثعلب: إني هوذا أخرج الشياطين وأتم الشفاء اليوم وغداً وفي اليوم الثالث أكمل، وينبغي أن أقيم

اليوم وغداً، وفي اليوم الآتي أذهب، لأنه ليس يهلك نبي خارجاً عن يروشليم، أيا يروشليم! أيا يروشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم من مرة أردت أن أجمع بنيك مثل الدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هوذا أترك بيتكم خراباً، فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان فتحير، لأن كثيراً كانوا يقولون: إن يوحنا قام من الأموات، وآخرون يقولون: إن إليا ظهر، وآخرون يقولون: نبي من الأولين قام، فقال هيرودس: أنا قطعت رأس يوحنا فمن هو الذي نسمع عنه هذا، وطلب أن يبصره؛ وفي إنجيل متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات من أجل هذه القوات التي يعمل بها. قوله: المعمد، من أعمده - إذا غسله في ماء المعمودية، قوله: تبررت، أي صارت برية بالنسبة إليهم، قوله: يعيّر المدن، أي يذكر ما أوجب لها العار، قوله: القوات جمع قوة وهي المعجزات هنا، قول: الذي هويت، يعني أحببت حباً شديداً، ولفظ الهوى الظاهر أنه يفهم نقصاً فلا يحل في شرعنا إطلاقه على الله تعالى، قوله: مطفطف، أي مملوء إلى رأسه، لا يزال كذلك، قوله: شرق - وزن: فرح، أي ضعف، من:

شرق بريقه، وشرقت الشمس - إذا ضعف ضوءها، قوله: أتون وهو وزن تنور وقد يخفف: أخدود الجيار والجصاص، قوله: بسيطة، أي على الفطرة الأولى، قوله: يروشليم - بتحتانية ومهملة وشين معجمة: بيت المقدس، قوله: ملكوت أبيهم، تقدم ما فيه غير مرة.

112

ولما كان من المقصود بذكر معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن، والمؤمن ليزداد إيماناً، وتسلية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتوبيخ اليهود المدعين أنهم أبناء وأحباء - إلى غير ذلك مما أراد الله، قرعت به الأسماع، ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي؛ ولما كان أجلّ المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيها عليه السلام لتجلّه عن أن تبدأه بسؤال أو تقترح عليه شيئاً في حال من الأحوال، ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من امتداحهم بِعَدِّهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان امتثالاً للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار، فقال معلقاً ب «قالوا آمنا» مقرباً لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم، مذكراً لهذه الأمة بحفظها على الطاعة، ومبكتاً لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعاداً لهم عن درجة المحبة فضلاً عن البنوة، وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم فتكون «إذ» هذه

ظرفاً لتلك، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت سؤالهم هذه بعد ابتدائه، ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا هذه بعدما رأوا منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الآيات: {إذ قال} وأعاد وصفهم ولم يضمره تنصيصاً عليهم لبُعد ما يذكر من حالهم هذا من حالهم الأول فقال: {الحواريون} وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا: {يا عيسى ابن مريم} ولم يقولوا: يا رسول الله ولا يا روح الله، ونحو هذا من التبجيل أو التعظيم {هل يستطيع ربك} بالياء مسنداً إلى الرب وبالتاء الفوقانية مسنداً إلى عيسى عليه السلام ونصب الرب، ومعناهما واحد يرجع إلى التهييج والإلهاب بسبب الاجتهاد في الدعاء بحيث تحصل الإجابة، وتكون هذه العبارة أيضاً للتلطف كما يقول الإنسان لمن يعظمه: هل تقدر أن تذهب معي إلى كذا؟ وهو يعلم أنه قادر، ولكنه يكنى بذلك عن أن السائل يحب ذلك ولا يريد المشقة على المسؤول {أن ينزل} أي الرب المحسن إليك {علينا مائدة} وهي الطعام، ويقال أيضاً: الخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان شيء يوضع عليه الطعام للأكل، هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص، وهي من ماده -

إذا أعطاه وأطعمه. ولما كان هذا ظاهراً في أنها سماوية، صرحوا به احترازاً عما عوَّدهم به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أنه يدعو بالقليل من الطعام فيبارك فيه فيمده الله فيكفي فيه القيام من الناس فقالوا: {من السماء} أي لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم. ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا نسأل نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً، اكتفاء بما يرحمنا به ربنا الذي رحمنا بابتدائنا بإرساله إلينا لإيصالنا إليه سبحانه، وتخويفاً من أن نكون مثل من مضى من المقترحين الذين كان اقتراحهم سببَ هلاكهم؛ دل على ذلك بالنزوع من أسلوب الخطاب إلى الغيبة فقال مستأنفاً إرشاداً إلى السؤال من جوابهم: {قال} ولم يقل: فقلت {اتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم الذي له الكمال وقاية تمنعكم عن الاجتراء على الاقتراح {إن كنتم مؤمنين *} أي بأنه قادر وإني رسوله، فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه على رؤية ما يقترح من الآيات. ولما كانت المعجزات إنما تطلب لإيمان من لم يكن آمن، وكان في هذا الجواب أتم زجر لهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقيل:

لم ينتهوا بل {قالوا} إنا لا نريدها لأجل إزالة شك عندنا بل {نريد} مجموع أمور: {أن نأكل منها} فإنا جياع؛ ولما كان التقدير: فتحصل لنا بركتها، عطف عليه: {وتطمئن قلوبنا} أي بضم ما رأينا منها إلى ما سبق من معجزاتك من غير سؤالنا فيه {ونعلم} أي بعين اليقين وحقه أن قد صدقتنا} أي في كل ما أخبرتنا به {ونكون عليها} وأشاروا إلى عمومها بالتبعيض فقالوا: {من الشاهدين *} أي شهادة رؤية مستعلية عليها بأنها وقعت، لا شهادة إيمان بأنها جائزة الوقوع {قال عيسى} ونسبه زيادة في التصريح به تحقيقاً ولأنه لا أب له وتسفيهاً لمن أطراه أو وضع من قدره فقال: {ابن مريم اللهم} فافتتح دعاءه بالاسم الأعظم ثم بوصف الإحسان فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {أنزل علينا} وقدم المقصود فقال: {مائدة} وحقق موضع الإنزال بقوله: {من السماء} ثم وصفها بما تكون به بالغة العجب عالية الرتب فقال: {تكون} أي هي أو يوم نزولها {لنا عيداً} وأصل العيد كل يوم فيه جمع، ثم قيد بالسرور فالمعنى: نعود إليها مرة بعد مرة سروراً بها، ولعل منها ما يأتي من البركات حين ترد له عليه السلام - كما في الأحاديث الصادقة، ويؤيد ذلك قوله مبدلاً من «لنا» : {لأولنا وآخرنا} .

ولما ذكر الأمر الدنيوي، أتبعه الأمر الديني فقال: {وآية منك} أي علامة على صدقي {وارزقنا} أي رزقاً مطلقاً غير مقيد بها؛ ولما كان التقدير: فأنت خير المسؤولين، عطف عليه قوله: {وأنت خير الرّازقين *} أي فإنك تغني من تعطيه وتزيده عما يؤمله ويرتجيه بما لا ينقص شيئاً مما عندك، ولا تطلب منه شيئاً غير أن ينفع نفسه بما قويته عليه من طاعتك بذلك الرزق {قال الله} أي الملك المحيط علماً وقدرة.

115

ولما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب وإن كان للإلهاب، أكد الجواب فقال: {إني منزلها عليكم} أي الآن بقدرتي الخاصة بي {فمن يكفر بعد} أي بعد إنزالها {منكم} وهذا السياق معشر بأنه يحصل منهم كفر، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام، فألقى شبهه عليه، ولهذا خصه بهذا العذاب فقال: {فإني أعذبه} أي على سبيل البتّ والقطع {عذاباً لا أعذبه} أي مثله أبداً فيما يأتي من الزمان {أحداً من العالمين *} وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات، وفي ذكر قصة المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب، وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ومنَّ عليها به من حسن الاتباع، وتحذير من كفران هذه النعم

المعددة عليهم، وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها؛ قال أبو حيان: وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير» انتهى. قلت: ثم صحح الترمذي وقفه على عمار وقال: لا نعلم للحديث المرفوع أصلاً، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قِبَل الرأي، ولا أعلم أحداً ذكر عماراً فيمن أخذ عن أهل الكتاب، فهو مرفوع حكماً، وهذا الخبر يؤكد أن الخبر في الآية على بابه، فيدفع قول من قال: إنها لم تنزل، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا: لا حاجة لنا بها، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلقيت رجلاً من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟ قالت: أطلب رجلاً يصحبني إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال:

فتعالي فأنا أصحبك، قالت: فانتظرني حتى أملأ سقائي ماءً، قال: معي ماء ما لا تريدين ماءً، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال: يا أم شريك! تعالي إلى العشاء! فقالت: اسقني من الماء فإني عطشى، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، فقال لها: لا أسقيك حتى تهودي! فقالت: لا جزاك الله خيراً! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء، فقال: لا والله لا أسقيك منه قطرة حتى تهودي، فقالت: لا والله لا أتهود أبداً بعد إذ هداني الله للإسلام؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت، قالت: فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملأته، ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال: يا أم شريك! قلت: والله قد سقاني الله، قال: من أين أنزل عليك؟ من السماء؟ قلت: نعم، والله لقد أنزل الله عليّ من السماء ثم رفع

بين يدي حتى توارى عني في السماء؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقصت عليه القصة، فخطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليها نفسها فقالت: يا رسول الله! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت، فزوجها زيداً وأمر لها بثلاثين صاعاً وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت لجارية لها: بلغي هذه العكة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قولي: أم شريك تقرئك السلام، وقولي: هذه عكة سمن أهديناها لك، فانطلقت بها الجارية إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذوها ففرغوها، وقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: علقوها ولا توكوها، فعلقوها في مكانها، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمناً، فقالت: يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فقالت: قد والله انطلقت بها كما قلت، ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر منها شيء ولكنه قال: علقوها ولا توكوها، فعلقتها في مكانها، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعاً لم ينقص منه شيء، قال: وروي

ذلك من وجه آخر، ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه. وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة وليس معها زاد، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشاً شديداً، قالت: فسمعت هفيفاً شديداً فوق رأسي، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من السماء برشاء أبيض، فتناولته بيدي حتى استمسكت به، قالت: فشربت منه حتى رويت، قالت: فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة. قال: وفي الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرة رهط سرية عيناً، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - فذكر الحديث حتى قال: فابتاع خبيباً - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث قالت: والله ما رأيت أسيراً قط

خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق من الله رزق خبيباً» الحديث. ومن الأمر الجلي أن عيسى عليه السلام بعد أمر الله تعالى له بذكر هذه النعم يقول في ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها، وهو الثناء على المنعم بها بما يليق بجلاله، فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق بذلك المقام في ذلك الجمع، فمن أنسب الأمور حينئذ سؤاله - وهو المحيط علماً بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر - عما كفر به النصارى، فلذلك قال تعالى عاطفاً على قوله {إذا قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} [المائدة: 110] {وإذ قال الله} أي بما له من صفات الجلال والجمال مشيراً إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء: {يا عيسى بن مريم} وذلك تحقيقاً لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتاً لمن ضل فيه من النصارى وإنكاراً عليهم {أأنت قلت للناس} أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل، وكأنه عبر بذلك لزيادة التوبيخ لهم، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب، فكأنه لا ناس غيرهم {اتخذوني} أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في الله بأن تأخذوني {وأمي إلهين} .

ولما كانت عبادة غير الله - ولو كانت على سبيل الشرك - مبطلة لعبادة الله، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء، ولا يرضى الشرك إلا فقير، قال: {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، فيكون المعنى: اتخذوا تألهنا سلماً تتوصلون به إلى الله، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة، ولا دخل حينئذ للمشاركة. ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك، صرح به هنا توبيخاً لمن أطراه، وتأكيداً لما عندنا من العلم، وتبجيلاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يبدي من الجواب، وتفضيلاً بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب، بل بذل الجهد في الوفاء بالعهد، وتقريعاً لمن قال ذلك عنه وهو يدعي حبه واتباعه عليه السلام وتخجيلاً لهم، فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان، وكان في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه، ذكره سبحانه قائلاً: {قال} مفتتحاً بالتنزيه {سبحانك} أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص، ودل بالمضارع على أن هذا القول لا يزال ممنوعاً منه فقال: {ما يكون لي} أي ما ينبغي ولا يصح أصلاً {أن أقول} أي في وقت من الأوقات {ما ليس لي} وأغرق في النفي كما هو حق المقام فقال: {بحق} . ولما بادر عليه السلام إعظاماً للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل

عنه، أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه: أنت أعلم، وإنما أجاب بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت من ادّعاه له، فقال دالاً على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن المقام للخضوع: {إن كنت قلته} أي مطلقاً للناس أو حدثت به نفسي {فقد علمته} وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب العزة؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال: {تعلم} ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات، وكان القول يطلق على النفس، فإذا انتفى انتفى اللساني، قالك {ما في نفسي} أي وإن اجتهدت في إخفائه، فإنه خلقك، وما أنا له إلا آلة ووعاء، فكيف به إن كنت أظهرته. ولما أثبت له سبحانه ذلك، نفاه عن نفسه توبيخاً لمن ادعى له الإلهية فقال مشاكلة: {ولا أعلم ما في نفسك} أي ما أخفيته عني من الأشياء؛ ثم علل الأمرين كليهما بقوله: {إنك أنت} أي وحدك لا شريك لك {علام الغيوب *} . ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفياً مرتين: إشارة وعبارة، فقال معبراً عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال،

وفسر بالأمر بياناً لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك المنزلة، لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها، يعبد الله تعالى بذلك: {ما قلت لهم} أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء {إلا ما أمرتني به} ثم فسره دالاً بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله: {أن اعبدوا} أي ما أمرتهم إلا بعبادة {الله} أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فقال: {ربي وربكم} أي أنا وأنتم في عبوديته سواء، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة، وهو من بدائع الأمثلة. ولما فهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفياً وإثباتاً فقال: {وكنت عليهم} أي خاصة لا على غيرهم. ولما كان سبحانه قد أرسله شاهداً، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال معبراً

بصيغة المبالغة: {شهيداً} أي بالغ الشهادة، لا أرى فيهم منكراً إلا اجتهدت في إزالته {ما دمت فيهم} وأشار إلى الثناء على الله بقوله: {فلما توفيتني} أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي {كنت أنت} أي وحدك {الرقيب} أي الحفيظ القدير {عليهم} لا يغيب عليك شيء من أحوالهم، وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئاً غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات {وأنت على كل شيء} أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد {شهيد *} أي مطلع غاية الاطلاع، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة، فإن كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم.

118

ولما كان هذا الذي سلف كله سؤالاً وجواباً وإخباراً حمد الله تعالى وثناء عليه بما هو أهله بالتنزيه له والاعتراف بحقه والشهادة له بعلم الخفايا والقدرة والحكمة وغير ذلك من صفات الجلال والجمال، وكان هذا السؤال يفهم إرادة التعذيب للمسؤول عنهم مشيراً إلى الشفاعة فيهم على وجه الحمد لله سبحانه وتعالى والثناء الجميل عليه لأن العذاب ولو للمطيع عدل، والعفو عن المعاصي بأيّ ذنب كان فضل

مطلقاً، وغفران الشرك ليس ممتنعاً بالذات، قال: {إن تعذبهم} أي القائلين بهذا القول {فإنهم عبادك} أي فأنت جدير بأن ترحمهم ولا اعتراض عليك في عذابهم لأن كل حكمك عدل {وإن تغفر لهم} أي تمح ذنوبهم عيناً وأثراً {فإنك أنت} أي خاصة أنت {العزيز} فلا أحد يعترض عليك ولا ينسبك إلى وهن {الحكيم *} فلا تفعل شيئاً إلا في أعلى درج الإحكام، لا قدرة لأحد على تعقيبه ولا الاعتراض على شيء منه. ولما انقضى جوابه عليه الصلاة والسلام على هذا الوجه الجليل، تشوف السامع إلى جواب الله له، فقال تعالى مشيراً إلى كون جوابه حقاً ومضمونه صدقاً، منبهاً على مدحه حاثاً على ما بنيت عليه السورة من الوفاء بالعقود: {قال الله} أي الملك المحيط بالجلال والإكرام جواباً لكلامه {هذا} أي مجموع يوم القيامة؛ ولما كان ظهور الجزاء النافع هو المقصود قال: {يوم} هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وقراءة نافع بالنصب غير منون أيضاً لإضافته إلى متمكن بمعنى: هذا الذي ذكر واقع؛ أو قال الله هذا الذي تقدم يوم {ينفع الصادقين} أي العريقين في هذا الوصف نفعاً لا يضرهم معه شيء {صدقهم} أي الذي كان لهم في الدنيا وصفاً ثابتاً، فحداهم على الوفاء بما عاهدوا عليه، فكأنه قيل: ينفعهم بأيّ شيء؟ فقال: {لهم جنات} أي هي من ريّ الأرض الذي يستلزم زكاء الشجر وطيب الثمر بحيث {تجري} ولما كان تفرق المياه في

الأراضي أبهج، بعض فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كان مثل هذا لا يريح إلا إذا دام قال: {خالدين فيها} وأكد معنى ذلك بقوله: {أبداً} . ولما كان ذلك لا يتم إلا برضى المالك قال: {رضي الله} أي الذي له صفات الكمال {عنهم} أي بجميع ما له من الصفات، وهو كناية عن أنه أثابهم بما يكون من الراضي ثواباً متنوعاً بتنوع ما له من جميع صفات الكمال والجمال؛ ولما كان ذلك لا يكمل ويبسط ويجمل إلا برضاهم قال: {ورضوا عنه} يعني أنه لم يدع لهم شهوة إلا أنالهم إياها، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه: فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم، وذكّرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته، فقال تعالى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس} [المائدة: 116] إلى قوله - {هذا يوم ينفع الصادقين} - إلى آخرها. فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحالُ من حاد ونقض، وعاقبة من وفى، وأنهم الصادقون، وقد أمرنا أن نكون معهم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]- انتهى. ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكراً على ما أحل لهم في دنياهم، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجلّ

النفائس في أخراهم، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه، أخذ يغبطهم به فقال: {ذلك} أي الأمر العالي لا غيره {الفوز العظيم *} . ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول، ولا تكتنه بفروع ولا أصول، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيراً إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره: {الله} أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته، لا لغيره {ملك السماوات} بدأ بها لأنها أشرف وأكبر، وآياتها أدل وأكثر {والأرض} على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما {وما فيهن} أي من جوهر وعرض. ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه، عمم بقوله: {وهو على كل شيء} أي من ذلك وغيره من كل ما يريد {قدير *} فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره، والكل بالنسبة إليه أموات،

بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب «ما» لا ب «من» ، فمن يستحق معه شيئاً ومن يملك معه ضراً أو نفعاً! وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق، واتسقت جميع آياتها أخذاً بعضها بحجز بعض أيّ اتساق؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان! مخجلاً لمن أباه من الأمم، معجزاً لأصحاب السيف والقلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الأنعام

مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتابُ في السورة الماضية من التوحيد بأنه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره، وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد الأنعام، لأن الإذن فيها - كما يأتي - مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق، تضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها ديناً، لأنه لم يأذن فيه ولا أذن لأحد معه، لأنه المتوحد بالإلهية، لا شريك له، وحصر المحرمات من المطاعم التي هي جُلُّها في هذا الدين وغيره، فدل ذلك على إحاطة علمه، وسيأتي في سورة طه البرهان الظاهر على أن إحاطة العلم ملزومة لشمول القدرة وسائر الكمالات، وذلك عين مقصود السورة، وقد ورد من عدة طرق - كما بينتُ ذلك في كتابي «مصاعد النظر»

أنها نزلت جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح، وفي رواية: إن نزولها كان ليلاً، وإن الأرض كانت ترتج لنزولها. وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة، وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة، بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح، ولنزولها ليلاً دليلٌ على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا، وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات، أولو الألباب أهل الخلوات، والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل. {بسم الله} الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال {الرحمن} الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما حيَّر لعمومه الأفهام، فضاقت به الأوهام {الرحيم *} الذي حبا أهل الإيمان بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقاً لهم، بالإعلام بأنه الحي القيوم السلام. {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} . لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السلام لجلاله في ذلك

اليوم في ذلك الجمع، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة، إذ الحمد هو الوصف بالجميل؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقاً ثابتاً دائماً قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال - على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق، إما بأن اللام له عند الجمهور، أو بأنها للجنس - كما هو مذهب الزمخشري، ويؤول إلى مذهب الجمهور، فإن الجنس إذا كان مختصاً به لم يكن فردٌ منه لغيره، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده، فمتى وجد فرد منه لغيره كان الجنس موجوداً فيه فلم يكن الجنس مختصاً به وقد قلنا: إنه مختص، وهذا التحميد صار بوصفه فرداً من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقاً لكونها أمّاً، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله: {الذي خلق} . ولما كان تعدد السماوات ظاهراً بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك

مما هو محرر عند أهله: جمعها فقال: {السماوات} أي على علوها وإحكامها، قدمها لما تقدم قريباً {والأرض} أي على تحليها بالمنافع وانتظامها. ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال: {وجعل} أي أحدث وأنشأ لمصالحكم {الظلمات} أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم {والنور *} وجمع الأول تنبيهاً على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى، وقد تقرر بهذا ما افتتح به السورة، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع المحامد، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك، لا ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك، وما أحسن ختمها - بعد الإشارة إلى هذه المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء - بقوله: {ثم الذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرّد نفسه من الهوى، وعالج أدواءه بأنفع دواء، لإحاطته بجميع صفات الكمال، وزاد الأمر تقبيحاً عليهم بإبدال ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله: {بربهم} أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحساناً إلا منه {يعدلون *} أي يجعلون غيره ممن لا يقدر على شيء معادلاً له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع الأشياء،

كفراً لنعمته وبُعداً من رحمته، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من السماء كالنجوم، أو من الأرض كالأصنام، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة، والحال أن تقلباتهما تدل بأدنى النظر على أمرين: الأول بُعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما {قال لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] ، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث - إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار، وتقديمُ الظلمة مناسب لسياق العادلين، والتعبير بثم للتنبيه على ما كان ينبغي لكل راوٍ لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب، فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره، وما أنسب ذلك بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لِمَلِكِه جميع الملك، وهو على كل شيء قدير، وهذه السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت النعم الأربع التي اشتملت عليها الفاتحة، وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة من النعم الأربع، فقوله: {خلق السماوات والأرض} - الآية ثم {خلقكم من طين} ثم {وما من

دابة في الأرض} [الأنعام: 38]- الآية، متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم. ولما تكفلت السور المتقدمة بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك، سيق مقصود هذه السورة في أساليب متكفلة بالرد على بقية الفرق، وهم الثنوية من المجوس القائلون بإلهين اثنين وبأصلين: النور والظلمة، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقط، والصابئة القائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية، وأصحاب الروحانيات، أعني مدبرات الكواكب والأفلاك، وينتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السلام، ويدعون أنه منهم - وقد أعاذه الله من ذلك، والسُّمْنية القائلون بإلهية الشمس، مع تأكيد الرد على الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار النجوم، يتبين ذلك لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وقال تنكلوشا البابلي في أول كتابه

في أحكام الدرج الفلكية: إن القدماء من الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار الفلك، وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا يظهرون علم الفلك لكل الناس، بل كانوا يخفون أكثره عن عامتهم، ويعطونهم منه بمقدار ما يصلح، ويتدارسون الباقي بينهم مطوياً بين علمائهم وحكمائهم، ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ثلاثمائة وستين، ثم قال: وقسموا الدرج أقساماً كثيرة حتى قالوا: إن بعضها ذكور وبعضها إناث، وبعضها مسعدة وبعضها منحسة، ثم قال: كل ذلك يريدون فيه الدلالة منها على ما تدل عليه في عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة عالماً وخلقاً منفرداً بمدته، وأن ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها - تعالى الله عن أن يكون له شريك أو يكون له كفواً أحد. ولما قرر سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض اللتين منهما وفيهما الأصنام والكواكب والأجرام التي عنها النور والظلمة، فثبت وجوده على ما هو عليه من الإحاطة بأوصاف الكمال التي أثبتها الحمد، فبطلت جميع مذاهبهم، فعجب منهم بكونهم يعدلون به غيره، أتبع ذلك اختصاصه بخلق هذا النوع البشري، وهو - مع ما فيه من الشواهد له

بالاختصاص بالحمد والرد على المُطرِين لعيسى عليه السلام المخلوق من الطين بخلق أبيهم آدم عليه السلام - مؤكدٌ لإبطال مذهب الثنوية، وذلك أنهم يقولون: إن النار خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، فإذا ثبت أنه الخالق لنوع الآدميين الذين منهم الخير والشر من شيء واحد، وهو الطين الذي ولد منه المني الذي جعل منه الأعضاء المختلفة في اللون والصورة والشكل من القلب وغيره من الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف، والرباطات والأوتار، ثبت أن خالق أوصافهم من الخير والشر واحد قدير عليم، لأن توليد الصفات المختلفة من المادة المتشابهة لا يكون إلا ومبدعه واحد مختار، لا اثنان، وهو الذي خلق الأرض التي منها أصلهم، وهو الله الذي اختص بالحمد فقال: {هو الذي خلقكم} ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات تراباً واختلاط تراب الكل بعضه ببعض وبتراب الأرض، فيتعذر التمييز، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط أجزائه بالماء أعسر من تميز التراب قال: {من طين} أي فميز طينة كل منكم - مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة الآخر بعد أن جعلها ماء ثخيناً له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر.

ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة، نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال: {ثم قضى} أي حكم حكماً تاماً وبتّ وأوجد {أجلاً} أي وقتاً مضروباً لانقضاء العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيراً كان أو شريراً، قوياً كان أو ضعيفاً، من أجل يأجل أجولاً - إذا تأخر، وجعل تلك الآجال - مع كونها متفاوتة - متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصفة مغائرة لها، وفاعل ذلك لا يكون إلا واحداً فاعلاً باختيار. ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من الآجال المتفاوتة، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل، لأن ذكر البداية يستدعي ذكر النهاية، فقال مشيراً إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير: {وأجل} أي عظيم {مسمى} أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد، يتساوى فيه الكل، وستر علمه عن الكل كما أشار إليه بالتنكير، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد، لا متعدد، وإلا لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه، وإلا لعلا بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض بالبعض - سبحان الله وتعالى عما يصفون، وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه! ويؤكده إثبات قوله: {عنده} في هذه الجملة وحذفها

من الأولى هنا وفي قوله {ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى} [الأنعام: 60] ، وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة لتعظيمه. ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة الافتعال فقال: {ثم أنتم تمترون *} أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء بتقليد الآباء، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع الضياء، وهذه الآية نظير آية الروم {أولم يتفكروا في أنفسهم} [الروم: 8] أي كيف خلقهم الله من طين، وسلط بعضهم على بعض بالظلم والعدوان، وجعل لهم آجالاً فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل والفرع، فأنتج هذا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، أي بسبب إقامة العدل في جميع ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل مالك في عبيده {وأجل مسمى} - الآية. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين سبحانه وتعالى حال المتقدمين وهو الصراط المستقيم، وأوضح ما يظهر الحذر من جانبي الأخذ والترك، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه، وهم

اليهود والنصارى، وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم، وانقضى أمر الفريقين، ذماً لحالهم وبياناً لنقضهم وتحذيراً للمتقين أن يصيبهم ما أصابهم، وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع الصادقين صدقهم، وقد كان انجرّ مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي وعماهم عن الآيات، فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي، أعقب ذلك تعالى بالإشارة إلى طائفة مالت إلى النظر والاعتبار، فلم توفق لإصابة الحق وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى. وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت، بل هم في صورة من هَمَّ، أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط الله تعالى في المخلوقات فلم يمعن النظر ولم يوفق فضلَّ وهم المجوس وسائر الثنوية ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام، ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا إخبار بحال فقال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد النور والظلمة، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام، والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها وهي الشمس والقمر والنجوم، فكان الكلام: الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر، فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض

وما أودع فيها، ومع بيان الأمر في ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] مما يزيد هذا المعنى وضوحاً، فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة التي عنها أوجدنا، كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة، وهو وجود السماوات والأرض، وأشعر لفظ {جعل} بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر، وكان قد قيل: أيّ فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة، وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم؟ فالأمر في ذلك أوضح شيء {ثم أنتم تمترون} [الأنعام: 2] ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيئ بحسب السابقة فقال تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] ثم قال تعالى: {والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] ، وهو - والله أعلم - من نمط {أو من كان ميتاً فأحييناه} ، أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها، والمراد أن من الخلق من جعله الله سامعاً مطيعاً متيقظاً معتبراً بأول وهلة، وقد أري المثال سبحانه وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام في قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] ، فكأنه يقول لعباده المتقين: تعالوا فانهجوا طريق الاعتبار ملة أبيكم

إبراهيم كيف نظر عليه السلام نظر السامع المتيقظ! فلم يعرج في أول نظره على ما سبب وجوده بيِّنٌ فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب والقمر والشمس، بل نظر فيما عنه صدر النور، لا في النور، فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، فتأمل كونه عليه السلام لم يطول النظر بالتفات النور، ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور، بل لما رأى النور عن أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات، فرأى الأفول والطلوع والانتقال والتقلب فقال: هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جارياً فيهما فحكم بأن وراءها مدبراً لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} [الأنعام: 79] وخص عليه السلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود الظلمة، ثم تأمل هذا النظر منه عليه السلام وكيف خص بالاعتبار أشرف الموجودين وأعلاهما، فكان في ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما سواه أبين، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي، والوجه الثاني التناسب بين حال الناظر والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية «وهو من قبيل أخذ نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن، فقيل له: اخترت الفطرة!

فكان قد قيل: هذا النظر والاعتبار بالهام، لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد الضياء والظلام، وينبغي أن يعتمد في قصة إبراهيم عليه السلام في هذا الاعتبار أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {هذا ربي} إنما قصد قطع حجة من عبد شيئاً من ذلك إذ كان دين قومه، فبسط لهم الاعتبار والدلالة، وأخذ يعرض ما قد تنزه قدرُه عن الميل إليه، فهو كما يقول المناظر لمن يناظره: هب أن هذا على ما تقول. يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا يعتقده، ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره، فهذا ما ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليه السلام {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} [يوسف: 38] ، فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون، فمن الخلق من جعله الله سامعاً بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك، ومنهم الميت، والموتى على ضربين: منهم من يزاح عن جهله وعمهه، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتاً لا حراك به، يبين ذلك قوله تعالى: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له

نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122] ؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل - وإن لم يكن متيقظاً بأول وهلة، ولا سامعاً أول محرك، ولا مستجيباً لأول سامع - قد ينتقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة؛ ناسب تحريكُ العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين: حالة السامعين لأول وهلة، وحالة السامعين في ثاني حال، فقيل: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به، وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار، ولأن هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته، رجعت حالةُ ابتدائه، فقيل: {والموتى يبعثهم الله} وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من سِنة الغفلة كما دعا لكل إلى الله دعاء واحداً فقيل: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا، وردّ هذا {والموتى يبعثهم الله} إسماعاً للكل، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على العباد، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها وتشبثت النفوس

وتعلقت بحسب ما قدر، وفاز بالخير أهله، قال تعالى بعد آي: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} [الأنعام: 122] وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله عليه بإحيائه: هل يشبه الآن حالك النيرة - بما منحت حين اعتبرت - بحالك الجمادية؟ فاشكر ربك واضرع إليه في طلب الزيادة، واتعظ بحال من لزم حال موته فلم تغن عنه الآيات، وهو المشار إليه بقوله: {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} {سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] وكان القسم المتقدم الذي سمع لأول وهلة لم يكن ليقع ذكره هنا من جهة قصد أن أراه قدر هذه النعمة وإنقاذ المتصف بها من حيرة شك موقعها فيما تقدم من قوله {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] فذكر هنا ما هو واقع في إراءة قدر نعمة الإنقاذ والتخليص من عمى الجهل، هذا حال من انتقل بتوفيق الله وحال من بقي على موته، أو يكون الضربان قد شملهما قوله {أو من كان ميتاً فأحييناه} [الأنعام: 122] وأما الثاني وهو الذي ثبتت فيه صورة النقل فأمره صريح من الآية وأما الضرب الأول وهو السامع لأول

وهلة المكفي المؤنة لواقي العصمة من طوارق الجهل والشكوك، فدخوله تحت مقتضى هذا اللفظ من حيث إن وقايته تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا بما سبق أو تكلف، بل بإسداء الرحمة وتقديم النعمة، ولو أبقاه لنفسه أو وكله إليها لم يكن كذلك {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] ، فبهذا النظر قد تكون الآية قد شملت الضروب الثلاثة وهو أولى، أما سقوط الضرب الثالث من قوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36] فلِما تقدم - والله أعلم بما أراد؛ ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله المتأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد، وأن إرسال الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات مشاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع وأبصار وأفئدة موجدة، فكيف يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل! فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين، فلما عرف الخلق لقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي والاعتبار بالصنعة؛ قال تعالى: {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] {فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة} [الأنعام: 157] فيما عذر المعتذر بعد هذا؟ أتريدون كشف الغطاء ورؤية الأمر عياناً! لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم، {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] ، ثم ختمت السورة من التسليم والتفويض

بما يجدي مع قوله: {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه، وبيان حال المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس - انتهى.

3

ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالاً على أن العلم بها هو خالقه، وأن من ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته: عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما لا يعلمه هو منها، فلم يكن إلهاً، وكان الإله هو العالم وحده، وكان المحيط العلم لا يعسر عليه تمييز التراب من التراب، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبرهم عن الله من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ويعلمون منه إحاطة العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح: لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء، قال تعالى عاطفاً {هو الذي} دالاً على الوحدانية بشمول العلم بعد قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار، لأن إنكارهم المعاد لأمرين: أحدهما ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع وإنكار أن المؤثر هو قادر مختار، والثاني أنه - على تقدير تسليم الاختيار - غير عالم بالجزئيات، فلا يمكنه تمييز بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، فإذا قام الدليل على

كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات: الكليات والجزئيات، زالت جميع الشبهات: {هو الله} أي الذي له هذا الاسم المستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألهاً له وخضوعاً وتعبداً، وعلق بهذا المعنى قوله: {في السماوات} لأن من في الشيء يكون متصرفاً فيه. ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال: {وفي الأرض} أي هذه صفته دائماً على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد به على وجه التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل، ولا يفهم ذو عقل صحيح ما يقتضيه الظاهر من أنه محوي، فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه وحاصره، ضعيف التصرف فيما وراءه، ومن كان محتاجاً نوع احتياج لا يصلح للألوهية والمشيئة لحديث الجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، ومحجوج بحديث: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإن ظاهره منافٍ لظاهر الأول، وظاهر هذا مؤيد بقاطع النقل من أنه غير محتاج، ومؤيد بصحيح النقل {ليس كمثله شيء} أي لا في ذاته ولا صفاته ولا شيء من شؤونه، و «قد كان الله ولا شيء معه» ، وحديث «ليس فوقك شيء» - رواه مسلم والترمذي وابن ماجه في الدعوات وأبو داود في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه - والله الموفق.

ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط، نسبةُ كل من الخفي والجلي إليه على السواء، وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق الإنسان وعجيب صنعه فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن يقدر على التعبير عنه، ثم أقدره على ذلك؛ قدم الخفي فقال شارحاً لكونه لا يغيب عنه شيء: {يعلم سركم} . ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه، صرح به فقال: {وجهركم} ونسبة كل منها إليه على حد سواء، ولا توصف واحدة منها بقرب في المسافة إليه ولا بد؛ ولما كان السر والجهر شائعين في الأقوال، وكانت الأقوال تتعلق بالسمع، ذكر ما يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة بالبصر فقال: {ويعلم ما تكسبون} فأفاد ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات العلم، فلما تظاهرت الأدلة وتظافرت الحجج وهم عنها ناكبون، وصل بذلك في جملة حالية قولَه، معرضاً عنهم إيذاناً باستحقاقهم شديد الغضب: {وما تأتيهم} أي هؤلاء الذين هم أهل للإعراض عنهم، وأعرق في النفي بقوله: {من آية} أي علامة على صحة ما دعاهم إليه رسولهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعض بقوله: {من آيات ربهم} أي المحسن إليهم بنصب الأدلة وإفاضة العقول وبعث الرسول {إلاّ كانوا عنها معرضين} أي هذه صفتهم دائماً قصداً للعناد لئلا يلزمهم الحجة، ويجوز أن يكون

ذلك معطوفاً على «يعدلون» . ولما كان إعراضهم عن النظر سبباً لتكذيبهم، وهو سبب لتعذيبهم قال: {فقد كذبوا} أي أوقعوا تكذيب الصادق {بالحق} أي بسبب الأمر الثابت الكامل في الثبات كله. لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه الواحدة منها {لما جآءهم} أي لم يتأخروا عند المجيء أصلاً لنظر ولا لغيره، وذلك أدل ما يكون على العناد. ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ الذي بلغ بتكذيبه الغايةَ القصوى، وهي الاستهزاء، قال: {فسوف يأتيهم} أي بوعد صادق لا خلف فيه عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه {أنباء ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {به يستهزئون} أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في طلبه، وهو أبعد شيء عن الهزء، والنبأ: الخبر العظيم، وهو الذي يكون معه الجزاء، وأفاد تقديم الظرف أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ترى كثيراً من المترفين لا يعجب من العجب ويعجب من غير العجب، أو أنه عد استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى الاستهزاء به عدماً. ولما أخبر بتكذيبهم على هذا الوجه وتوعدهم بتحتم تعذيبهم، أتبعه ما يجري مجرى الموعظة والنصيحة، فعجب من تماديهم مع ما علموا

من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعاً وجنى من سوابغ النعم بما لم يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق أخبارهم من مشاهدة آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم مستدلاً بذلك على تحقيق ما قبله من التهديد على الاستهزاء، فقال مقرراً منكراً موبخاً معجباً: {ألم يروا} ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلاً للخبر بقوله: {كم أهلكنا} . ولما كان المراد ناساً معينين لم يستغرقوا زمن القبل، وهم أهل المكنة الزائدة كقوم نوح وهود وصالح، أدخل الجار فقال: {من قبلهم} وبيَّنَ {كم} بقوله: {من قرن} أي جماعة مقترنين في زمان واحد، وهم أهل كل مائة سنة - كما صححه القاموس لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لغلام: «عش قرناً» ، فعاش مائة. هذا نهاية القرن، والأقرب أنه لا يتقدر، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل: انقضى القرن، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله: {مكناهم} أي ثبتناهم بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة في الأموال {في الأرض} أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة {ما لم نمكن} أي تمكيناً لم نجعله {لكم} أي نخصكم به، فالآية من الاحتباك أو شبهه، والالتفات من

الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس الحال، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل، ولا يُبقي اللبس التعبيرُ بالماضي في قوله {وأرسلنا السماء} أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب {عليهم} . ولما كان المراد المطر، كان التقدير: حال كونه {مدراراً} أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر، قالوا: ويستوي فيه المذكر والمؤنث. ولما ذكر نفعهم بماء السماء، وكان غير دائم، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال: {وجعلنا الأنهار تجري} ولما كان عموم الماء بالأرض وبُعده مانعاً من تمام الانتفاع بها، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال: {من تحتهم} أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نَبَعَ منها من الماء ما يجري منه نهر. ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي، فكان من أظهر الأشياء أنه غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم، فكثرت زروعهم وثمارهم، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلاّ لهوانهم استدراجاً لهم بقوله مسبباً عن ذلك: {فأهلكناهم} أي بعظمتنا {بذنوبهم} أي التي كانت عن بطرهم النعمةَ

ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم. ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفاً من الاحتياج إلى مثله، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال: {وأنشأنا} ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: {من بعدهم} أي فيما كانوا فيه {قرناً} ودل على أنه لم يُبق من المهلكين أحداً، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله: {آخرين} ولم ينقص ملكُنا شيئاً، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم، وهذه الآية مثل آية الروم {أو لم يسيروا في الأرض} [الروم: 9]- الآية، فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة، والإهلاكُ بالذنوب هو المراد بقوله {فما كان الله ليظلمهم} [الروم: 9] و [التوبة: 70]- إلى آخر الآيتين.

7

ولما كانت ترجمة ما مضى: ثم هم يعدلون بربهم غيرَه ويكذبونك فيما جئت به من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الحرص على إيمانهم، كان المقام يقتضي أن يقول لسان الحال: أنزل عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى العيان كما اقترحوا عليّ، فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك، بقوله عطفاً على {وما تأتيهم من آية} تحقيقاً له وتصويراً في جريته: {ولو نزلنا} أي على ما لنا من العظمة {عليك كتاباً} أي مكتوباً من السماء

{في قرطاس} أي ورق، إجابة لما أشار عليهم اليهود باقتراحه، ثم حقق أنه واضح الأمر، ليس بخيال ولا فيه نوع لبس بقوله: {فلمسوه} أي زيادة على الرؤية. وزاد في التحقيق والتصوير ودفع التجوز بقوله: {بأيديهم لقال} وأظهر ولم يضمر تعليقاً للحكم بالوصف وتنبيهاً على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ولو بعد ذلك فقال: {الذين كفروا} أي حكماً بتأبد كفرهم ستراً للآيات عناداً ومكابرة، ولعله أسقطُ منهم إشارة إلى عموم دعوته، أي من العرب ومن غيرهم من أمة دعوتك ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله {يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} [النساء: 153] {إن} أي ما {هذا إلاّ سحر} أي تمويه وخيال لا حقيقة له، وزادوا في الوقاحة فقالوا: {مبين} أي واضح ظاهر، قال صاحب كتاب الزينة: معنى السحر في كلام العرب التعليل بالشيء والمدافعة به والتعزير بشيء لا محصول له، يقال: سحره - إذا علله وعزره وشبه عليه حتى لا يدري من أين يتوجه ويقلب عن وجهه، فكأن السحرة يعللون الناس بالباطل ويشبهون الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته. ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من إنزال الكتاب، أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم، وبين لوازمه، فإنهم قالوا: لو بعث الله رسولاً لوجب كونه ملكاً ليكون أكثر

علماً وأقوى قدرة وأظهر امتيازاً عن البشر، فتكون الشبهة في رسالته أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالاً إليه، فقال: {وقالوا لولا} أي هلا ولِمَ لا {أنزل عليه ملك} أي من المساء ظاهراً لنا يكلمنا ونكلمه ولا يحتجب عنا. ولما ذكر قولهم مشيراً إلى شبهتهم، نقضه بقوله: {ولو} أي والحال أنا لو {أنزلنا} وأسقط أداة الاستعلاء لعدم الاحتياج في رد كلامهم إلى ذكرها. ولئلا يكون فيه تسليهم لما لوحوا إليه من إنكارهم نزول الملك عليه بالوحي {ملكاً} أي كما اقترحوه، فلا يخلو إما أن يكون على صورته أولاً، فإن كان على صورته التي خلق عليها لم يثبتوا لرؤيته، ولو كان كذلك {لقضي الأمر} أي بهلاكهم، وبناه للمفعول إشارة على طريق كلام القادرين إلى غاية السرعة لسهولة الأمر وخفة مؤنته، فإنه لا ينظره أحد منهم إلاّ صعق، ولئن أعطيناهم قوة يثبتون بها لنظره ليكونن قضاءٌ للأمر وانفصال للنزاع من وجه آخر، وهو أن ذلك كشف للغطاء وفوات للإيمان بالغيب، وقد جرت عادتنا بالإهلاك عند ذلك، فإذا هم هالكون على كل من هذين التقديرين، وهو معنى قوله مهولاً لرتبته بحرف التراخي: {ثم لا ينظرون} أي على حالة من هاتين، وأما إن جعلناه على صورة يستطيعون نظرها فإنا نجعله

على صورة رجل، فإنها أكمل الصور؛ وحينئذٍ يقع لهم اللبس الذي وقع لهم بدعائك، وهو معنى {ولو جعلناه} أي مطلوبَهم {ملكاً} أي يمكن في مجاري العادات في هذه الدار رؤيتهم له وبقاؤهم بعد رؤيته {لجعلناه رجلاً} أي في صورة رجل، ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه لا يشك أحد يراه في كونه رجلاً، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض الأوقات على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صورة دحية الكلبي، فإذا رآه بعض الصحابة رضي الله عنهم لم يشك أنه دحية رضي الله عنه {و} لو جعلناه رجلاً {للبسنا عليهم ما يلبسون} أي لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلاً ما يخلطونه على أنفسهم وعلى غيرهم في قولهم: إن الرسالة لا تصح من البشر، فلو كان هذا الذي يقول: إنه رسول رسولاً لكان ملكاً، فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان هذا الذي يقول: إنه رسول، ملكاً كان رجلاً، ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر، وهو أن يكون {ولو نزلنا} في حيز {كانوا عنها معرضين} ، أي أعرضوا عنا لو نزلناها عليك في غير قرطاس، ولو نزلنا عليك من السماء كتاباً في قرطاس فجعلنا لهم في ذلك بين حس البصر واللمس لأعرضوا، وقال الذين أبَّدْنا كفرَهم عناداً

ومكابرة: ما هذا إلاّ سحر ظاهر، ويكون {وقالوا} معطوفاً على {لقال الذين كفروا} ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الإسراء بقوله {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} [الإسراء: 90]- إلى آخرها، فيكون إخباراً بمغيب. ولما قطع الرجاء لهداية من حكم بشقاوته، وكان طلبهم لإنزال الملك ونحوه إنما هو على سبيل التعنت والاستهزاء، وكان ذلك يشق على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين رضي الله عنهم غاية المشقة، التفتت النفس إلى الإراحة منهم وتوقعته لما تقدم من مظاهر العظمة، فأخبره أنه فاعل ذلك في سياق متكفل بتسليته، وأن ذلك لم يزل سنته فيمن فعل فعلهم، فقال - عاطفاً على قوله {فسوف يأتيهم أنباؤا} [الأنعام: 5]-: {ولقد} أي هذا منهم إنما هو استهزاء بك {ولقد استهزئ} أي أوقع الهزء وأوجد من الأمم، وبني للمفعول لأن المنكي الاستهزاء، لا كونه من معين، وإشارة إلى أنه كان يقع لهم ذلك من الأعلى والأدنى {برسل} . ولما كان القرب في الزمن في مثل هذا مما يسلي، وكان كل من الاستهزاء والإرسال لم يستغرق الزمن، أدخل الجار فاقل: {من قبلك} فأهلكنا من هزأ بهم، وهو معنى {فحاق} أي فأحاط

{بالذين سخروا منهم} أي من أولئك الرسل {ما كانوا به يستهزئون} أي من العذاب الذي كانوا يتوعدون به، وكان سبباً لهزئهم.

11

ولما علم الله تعالى أنهم يقولون في جواب هذا: إن هذا إلا أساطير الأولين، أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ما مضى من التعجيب من كونهم لم ينظروا بقلوبهم أو أبصارهم مصارع الماضين في قوله: {ألم يروا كم أهلكنا} [الأنعام: 6] أن يأمرهم بأن يشاهدوا مصارع من تمكن في قلوبهم علم أنهم أهلكوا بمثل تكذيبهم من قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ليغنيهم ذلك عن مشاهدة ما اقترحوا فقال تعالى: {قل سيروا} أي أوقعوا السير للاعتبار ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم {في الأرض} - الآية، وهي كالدليل على قوله تعالى: {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} [الأنعام: 6] . ولما كان السياق للتهديد بالتحذير من مثل أخذ الأمم الماضية، وكان قد سلف أنه لا تقدمهم عن آجالهم، أمهلهم في النظر فإنه أقوى في التهديد، وأدل على القدرة، وأدعى إلى النصفة ولا سيما والسورة من أوائل القرآن نزولاً وأوائله ترتيباً فقال: {ثم انظروا} وأشار إلى أن هذا أهل لأن يسأل عنه بقوله: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر

{المكذبين *} أي أنعموا النظر وبالغوا في التفكر وأطيلوا التدبر إذا رأيتم آثار المعذبين لأجل تكذيب الرسل، فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار وقوي الاستبصار، وذلك إشارة إلى أن الأمر في غاية الانكشاف، فكلما طال الفكر فيه ازداد ظهوراً. ولما أمرهم سبحانه بالسير، سألهم هل يرون في سيرهم وتطوافهم وجولانهم واعتسافهم شيئاً لغير الله؟ تذكيراً لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده لهم أولاً وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانياً، استعطافاً لهم إلى الإقبال عليه والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم، وهو ملكه سبحانه وفي قبضته، وتقبيحاً لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره. فقال مقرراً لهم على إثبات الصانع والنبوة والمعاد، ومبكتاً بسفههم وشدة جهلهم وعمههم: {قل لمن} ونبه بتقديم المعمول على الاهتمام بالمعبود {ما في السماوات والأرض} . ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة وإزاحة كل علة، أشار إلى ذلك بقوله معرضاً عن انتظار جوابهم توبيخاً لهم بعدم النصفة التي يدعونها: {قل الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلماً ولا كفوء له، لا لغيره، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك، لا سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسن

أن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر، وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة على صفحات الأكوان، فكان الإقرار بن ضروري، لا خلاف فيه. ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسنة لذيذة طيبة شهية، وما كان فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم، يقل وصولها إليهم إلا بتسببهم فيها، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته، وكان ذلك أهلاً لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان، مع ما هم عليه من الإثم والعدوان، وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان، قال دالاً على أن رحمته سبقت غضبه مستأنفاً: {كتب} أي وعد وعداً هو كالمكتوب الذي ختم، وأكد غاية التأكيد، أو كتب حيث أراد سبحانه. ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي عليه قال: {على نفسه الرحمة} أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام، وأخر عنكم الانتقام بالاستئصال، ولو شاء هو لسلط عليكم المضار، وجعل عيشكم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات.

ولما كان ذلك مطمعاً للظالم البطر، ومعجباً محيراً مؤسفاً للمظلوم المنكسر، قال محذراً مرحباً مبشراً ملتفتاً إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود دالاً على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله، لأن كل ما فيها موصوف بصفات يجوز اتصافه بأضدادها، فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون بتخصيص الفاعل المختار، فيكون قادراً على الإعادة، لأن التركيب الأول إنما كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالماً بجميع المعلومات، والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه فهو ملك مطاع آمرناه مرسل من يبلغ عنه أوامره ونواهيه لإظهار ثمرة الملك من الثواب والعقاب في يوم الجمع: {ليجمعنكم} أي والله محشورين شيئاً فشيئاً {إلى يوم القيامة} للعدل بين جميع العباد كائناً {لا ريب فيه} أي بوجه من الوجوه، وذلك الجمع لتخصيص الرحمة في ذلك اليوم بأوليائه والمقت والنقمة بأعدائه بعد أن كان عم بالرحمة الفريقين في يوم الدنيا، وجعل الرحمة أظهر في حق الأعداء، وبهذا الجمع تمت الرحمة من كثير من الخلق، ولولاه ارتفع الضبط وكثر الخبط كما كان في الجاهلية. ولما كان ذلك كذلك في عدم الريب لإخبار الله به على ألسنة رسله ولما عليه من الأدلة لما في هذا الخلق من بدائع الحكم مع خروج أكثر أفعال الحيوان عن العدل، فصار من المعلوم

لكل ذي وعي أن البعث محط الحكمة لإظهار التحلي بالصفات العلى لجميع الخلق: الشقي والسعيد القريب والبعيد، كان كأنه قيل: فما لنا نرى أكثر الناس كافراً به، فقال جواباً: {الذين خسروا أنفسهم} أي بإهلاكهم إياها بتكذيبهم به لمخالفة الفطرة الأولى التي تهدي الأخرس، وستر العقل السليم {فهم} أي بسبب خسارتهم لأنفسهم بإهمال العقل وإعمال الحواس والتقيد بالتقليد {لا يؤمنون *} فصاروا كمن يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من الأغراض الفاسدة، لا بسبب خفاء في أمر القيامة ولا لبس بوقع ربنا، وصار المعنى: إن الذين لا يؤمنون في هذا اليوم هم المقضي بخسارتهم في ذلك اليوم. ولما استنارت الأدلة استنارة الشمس وانتصبت البراهين حتى لم يبق أصلاً نوع لبس، عم بالخبر عما تقدم مما يشاهدونه وغيره، فقال ذاكراً الزمان بعد المكان، وقدمه لأنه أظهر، والمعلم الكامل هو الذي يبدأ بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فتم بذلك الخبر عن الزمان والزمانيات والمكان والمكانيات: {وله} أي وحده {ما سكن} أي حل وتحيز وحصل {في الليل والنهار} أي ما من شأنه أن يسكن فيهما وإن كان متحركاً، ولكنه عبر بذلك دون التحرك لأنها دار الموت، ودخل في ذلك النور والظلمة اللذان أشرك بهما من أشرك. ولما دل ما مضى على القدرة التامة، وانقسم إلى متحرك وساكن،

وكانت القدرة لا تتم إلا بالعلم، دل عليه بقوله: {وهو} أي لا غيره {السميع} أي البالغ السمع لكل متحرك {العليم *} أي العام العلم بالبصر والسمع وغيرهما بكل متحرك وبكل ساكن من أقوالكم وأفعالكم وغيرهما، فلا تطمعوا في أن يترك شيء من مجازاتكم، والعليم هنا أبلغ من البصير، وذلك مثل ما تقدم في قوله: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم} [المائدة: 76] وهو ترجمة قوله: {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} [الأنعام: 3] .

14

ولما نهض من الحجج ما لم يبق معه لذي بصيرة شك، كان لسان الحال مقتضياً لأن ينادي بالإنكار عليهم في الالتفات عن جنابه والإعراض عن بابه فأبرز تعالى ذلك في قالب الأمر له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإنكار على نفسه، ليكون أدعى لهم وأرفق بهم، ولأن ما تقدم منبئ عن غاية المخالفة، منذر بما أنذر من سوء عاقبة المشاققة، فكأنهم قالوا: فهل من سبيل إلى المواقة؟ فقيل: لا إلا باتخاذكم إلهي ولياً، وذلك لعمري سعادتكم في الدارين، وبتطمعكم في اتخاذي أندادكم أولياء، وهذا ما لا يكون أبداً، وهو معنى قوله تعالى: {قل} أي مصرحاً لهم بإنكار أن تميل إلى أندادهم بوجه. ولما كان الإنكار منصباً إلى كون الغير متخذاً، لا إلى اتخاذ الولي،

أولى «غير» الهمزة فقال: {أغير الله} أي الذي لا شيء يدانيه في العظمة {أتخذ} أي أكلف نفسي إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى والعقل المجرد عن الهوى كما فعلتم أنتم وآخذ {ولياً} أي أعبده لكونه يلي جميع أموري، ثم وصفه بما يحقق ولايته ويصرف عن ولاية غيره فقال: {فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ابتداء على غير مثال سبق {وهو} أي والحال أن الله {يطعم} أي يرزق كل من سواه مما فيه روح. ولما كان المنفي كونه سبحانه مفعولاً من الطعم، لا كون ذلك من مطعم معين، بني للمفعول قوله: {ولا يطعم} أي ولا يبلغ أحد بوجه من الوجوه أن يطعمه، والمعنى أن المنافع من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فامتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً، لأن غيره محتاج في ذاته وفي جميع صفاته إليه، وهو سبحانه الغني على الإطلاق، وهذا التفات إلى قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] وتعريض بكل ما عبد من دون الله ولا سيما الأصنام، فإنهم كانوا يهدون لها الأطعمة فتأكلها الدواب والطيور، فمعلوم أنها لا تطعم ولا تطعم روى الدارمي في

أول مسنده بسند حسن عن الأعمش عن مجاهد قال: «حدثني مولاي أن أهله بعثوا معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم، قال: فمنعني أن آكل الزبد مخافتها، فجاء كلب فأكل الزبد وشرب اللبن ثم بال على الصنم» ومولاه كان شريك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الإسلام، واختلف فيه فقيل: هو قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وقيل: قريبه السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخروم. وقيل: ابنه عبد الله بن السائب - والله أعلم؛ وله عن أبي رجاء - هو العطاردي وهو مخضرم - قال: «كنا في الجاهلية إذا أصبنا حجراً حسناً عبدناه، وإن لم نصب حجراً جمعنا كثبة من رمل، ثم جئنا بالناقة الصفي فنفاج عليها فنحلبها على الكثبة حتى نرويها، ثم نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان» وفيه أيضاً إيماء إلى أنه كما خلقكم كلكم من طين على اختلافكم في المقادير والألوان والأخلاق وهو غني عنكم، فكذلك خلق المطعومات على اختلاف أشكالها وطعومها ومنافعها وألوانها من طين، وجعلها منافع لكم وهو غني عنها، وسيأتي التصريح بذلك في قوله: {وهو الذي أنزل

من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء} [الأنعام: 99] المستوفي في مضماره {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] وفي الآية كلها التفات إلى قوله أول السورة {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] وقوله في التي قبلها {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 81] في أمثالها مما فيه تولي الكفار لغير خالقهم سبحانه وتعالى، هذا لو لم يرد أمر من قبل الخالق كان النظر السديد كافياً في التنزه عنه، كما كنت قبل النبوة لا ألتفت إلى أصنامكم ولا أعتبر للعبادة شيئاً من أنصابكم، فكيف وقد أمرت بذلك! وهو معنى {قل إني أمرت} أي من جهة من له الأمر، ولا أمر إلا له وهو من تقدم أن له كل شيء، وهو الله وحده {أن أكون} أي بقلبي وقالبي {أول من أسلم} في الرتبة مطلقاً، وفي الزمان بالنسبة إلى الأمة. ولما كان الأمر بالإسلام نهياً عن الشرك، لم يكتف به، بل صرح به جمعاً بين الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدعو إحسانه وكرمه إلى ولايته، وينهى تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته، في قوله عطفاً على {قل} على وجه التأكيد: {ولا تكونن} أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات أصلاً {من المشركين *} أي في

عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سؤالهم أن يطرد بعض أتباعه ليوالوه، ونحو ذلك مما كانوا يرجون مقاربته منهم به، إعلاماً بأن فعل شيء مما يريدون مصحح للنسبة إليهم والكون في عدادهم «من تشبه بقوم فهو منهم» . ولما كان فعل المنهي قد لا يعذب عليه، قال معلماً بأن المخالفة في هذا من أبلغ المخالفات، فصاحبها مستحق لأعظم الانتقام، وكل ذلك فطماً لهم عن الطمع فيه، وأكده لذلك ولإنكارهم مضمونه: {قل إني} ولما كان المقام للخوف، قدمه فقال: {أخاف إن عصيت} أي شيء مما تريدون مني أن أوافقكم فيه بما أمرت به أو نهيت عنه {ربي} أي المحسن إليّ {عذاب يوم} ولما كان عظم الظرف بعظم مظروفه قال: {عظيم *} . ولما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير إليه من الخسارة، صرح هنا بما اقتضاه ذلك المتقدم، فقال واصفاً لذلك العذاب مبيناً أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن، فإنها خاصة لا عامة دائمة السبوغ على من نالته، لا زائلة وكذا النعمة، هكذا شأن ذلك اليوم {من يصرف عنه} أي ذلك العذاب؛ ولما كان المراد دوام الصرف في جميع اليوم، قال: {يومئذ} أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به {فقد رحمه} أي فعل به بالإنعام عليه فعل المرحوم {وذلك} أي لا غيره {الفوز} أي

الظفر بالمطلوب {المبين *} أي الظاهر جداً، ومن لم يصرف عنه فقد أهانه، وذلك هو العذاب العظيم. ولما كان التقدير: فإن يصرف عنك ذلك العذاب فقد قرت عينك، عطف عليه دليلاً آخر لأنه لا يجوز في العقل أن يتخذ غيره ولياً، فقال معمماً للحكم في ذلك العذاب وغيره مبيناً أنه لا مخلص لمن أوقع به: {وإن يمسسك الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له؛ ولما كان المقام للترهيب، قدم قوله: {بضر} أي هنا أو هناك {فلا كاشف له} أصلاً بوجه من الوجوه {إلا هو} أي لأنه لا كفوء له، فهو قادر على إيقاعه، ولا يقدر غيره على دفاعه، لأنه على كل شيء قدير {وإن يمسسك بخير} أي في أي وقت أراد. ولما كان القياس على الأول موجباً لأن يكون الجزاء: فلا مانع له، كان وصفه من صفة قوله {فهو على كل شيء} أي من ذلك وغيره {قدير *} ولا يقدر غيره على منعه، منبهاً على أن رحمته سبحانه سبقت غضبه.

18

ولما كانت الجملتان من الاحتباك، فأفادتا بما ذكر وما دل عليه المذكور مما حذف أنه تعالى غالب على أمره، قال مصرحاً بذلك: {وهو القاهر} أي الذي يعمل مراده كله ويمنع غيره مراده إن شاء، وصور قهره وحققه لتمكن الغلبة بقوله: {فوق عباده} وكل ما سواه عبد؛ ولما كان في القهر ما يكون مذموماً، نفاه بقوله: {وهو} أي وحده {الحكيم} فلا يوصل أثر القهر بإيقاع المكروه

إلا لمستحق، وأتم المعنى بقوله: {الخبير *} أي بما يستحق كل شيء، فتمت الأدلة على عظيم سلطانه وأنه لا فاعل غيره. ولما ختم بصفتي الحكمة والخبرة، كان كأنه قيل: فلم لم يعلم أنا نكذبك بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك - على ما يقول من أنه أمرك أن تكون أول من أسلم، ونهاك عن الشرك لنصدقك - من ملك كما تقدم سؤالنا لك فيه أو كتاب في قرطاس أو غيرهما؟ فقال: قد فعل، ولم يرض لي إلا بشهادته المقدسة فقال - أو يقال: إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة القهر المؤذن بالانتقام، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذاناً بما يستحقونه من سوء العذاب وإنذاراً به لئلا يقولوا إذا حل بهم: إنه لم يأتنا نذير، فقال: {قل} أي يا أيها الرسول لهم {أي شيء أكبر} أي أعظم وأجل {شهادة} فإن أنصفوا وقالوا: الله! فقل: هو الذي يشهد لي، كما قال في النساء «لكن الله يشهد بما أنزل إليك» ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى عنادهم أو سكوتهم، أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند، أو العالم بالشيء العامل عمل الجاهل، فقال آمراً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قل الله} أي الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة أكبر شهادة.

ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا: إنه لَكذلك، ولكن هلم شهادته! قال: {شهيد} أي هو أبلغ شاهد يشهد {بيني وبينكم} أي بهذا القرآن الذي ثبت بعجزكم عنه أنه كلامه، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها؛ ولما قرر أنه أعظم شهيد، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها، نبه على أعظمها، لأن إظهاره تعالى للقرآن على لسانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وفق دعواه شهادة من الله له بالصدق، فقال ذاكراً لفائدته في سياق تهديد متكفل بغثبات الرسالة وإثبات الوحدانية، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم له بغايته، عاطفاً على جملة «شهيد» بانياً للمفعول، تنبيهاً على أن الفاعل معروف للإعجاز، وبني للفاعل في السواد: {وأوحي إلي} وحقق الموحى به وشخّصه بقوله: {هذا القرآن} ولما كان في سياق التهديد قال مقتصراً على ما يلائمه: {لأنذركم} أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك {به ومن} أي وأنذر به كل من {بلغ} أي بلغه، قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في صلات «الذي» و «من» و «ما» . وقال البخاري في آخر الصحيح: {لأنذركم به}

يعني أهل مكة، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه. وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله. وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلتُ: الكتاب والسنة ناطقان بذلك، والإجماع قائم عليه، لا خلاف بين المسلمين فيه؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفِصَل وغيرهم ثم قال: أما الكتاب فآيات إحداها {لأنذركم به ومن بلغ} قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال ابن عباس - فذكره، وقال

السدي: من بلغ القرآن فهو له نذير، وقال ابن زيد: من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره. وهذه كلها أقوال متفقة المعنى، وقد أمر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه، ولم يخص إنساً ولا جناً من أهل التكليف، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى. وسيأتي مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام، فالمعنى: فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح، ومن كذب فليأت بسورة من مثله، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب، وهو شهادة الله لي بالصدق، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: أما وجد الله رسولاً غيرك؟ ما نرى أحداً يصدقك بما تقول،

ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزلها الله. ولما لم يبق لمتعنت شبهة، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مُرَقَّى إليه، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان - مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيماً لشأنه وتفخيماً لمقامه وتنبيهاً لهم على أن يعدوا عن الشرك فقال: أئنكم لتشهدون أن مع الله} أي الذي حاز جميع العظمة {آلهة} . ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «يا الله يا رحمن» كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحِجْر وآخر سبحان، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع فقال: {أخرى} ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، فماذا يقال لهم؟ قال: {قل لا أشهد} أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل، ولو كان حقاً لشهدت به. ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه، اجتثَّه من أصله وبرمته بقوله: {قل إنما هو} أي الإله {إله واحد} وهو الله الذي

لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء، لأنه واحد لا كفوء له، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس. ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم، صرح به في قوله مؤكداً في جملة اسمية: {وإنني بريء مما تشركون *} أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعاداً من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئاً منها ولياً، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد، ولقد امتثل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن، فلما استراح عن حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية، وهو سنة ست من الهجرة، وأعلمه الله تعالى أن ذلك فتح مبين، أرسل إلى من يليه من ملوك الأمصار في ذلك العام وما بعده، وكان أكثر عند منصرفه من ذلك الاعتمار يدعوهم إلى جنات وأنهار في دار القرار، وينذرهم دار البوار، قال أهل السير: خرج صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد رجوعه من عمرة الحديبية التي صد عنها - على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقال: «أيها الناس! إن الله بعثني رحمة وكافة، وإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم» وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن عبد الرحمن بن عبد القادر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وتشهد

ثم قال: «أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون» وقال ابن عبد الحكم: بنو إسرائيل - على عيسى ابن مريم عليهما السلام، فقال المهاجرون: يا رسول الله! والله لا نختلف عليك في شيء أبداً، فمرنا وابعثنا، فسألوه: كيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام؟ قال: دعاهم إلى الذي وفي رواية لمثل الذي - دعوتكم إليه، وقال ابن عبد الحكم: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام أن ابعث إلى مقدس الأرض، فبعث الحواريون - فأما من بعثه مبعثاً قريباً فرضي وسلم، وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فكره وجهه وتثاقل - قال ابن عبد الحكم: وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه - فشكا ذلك عيسى عليه السلام إلى الله عز وجل، فأصبح كل رجل - وقال ابن عبد الحكم: فأوحى الله تعالى إليه أني سأكفيك، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم - يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها. فقال عيسى عليه السلام: هذا أمر قد عزم الله عليه فامضوا له. وقال الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: إن المكان الذي جمع فيه عيسى عليه السلام الحواريين وأنفذهم إلى النواحي قرية بناحية طبرية تسمى الكرسي. وقال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب

المصري أنه وجد كتاباً فيه ذكر من بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى البلدان وملوك العرب والعجم وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعث به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه - فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: قال ابن إسحاق: وكان من بعث عيسى ابن مريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الحواريين والأتباع الذين كانوا بعدهم في الأرض بطرس الحواري ومعه بولس - وكان بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين - إلى رومية، وأندرائس ومنتا إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس، وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وقيبليس إلى قرطاجنة، وهي إفريقية، ويحنس إلى أقسوس قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوراشلم وهي إيلياء قرية بيت المقدس، وابن ثلما إلى الأعرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر، ويهودا ولم يكن من الحواريين، جُعل مكان يودس - انتهى. كذا رأيت في

نسخة معتمدة مقابلة من تهذيب السيرة لابن هشام، وكذا في مختصرها للامام جمال الدين محمد بن المكرم الأنصاري عدد رسله وأسمائهم، وفي أخرهم: قوله: مكان يودس، ولم يتقدم ليودس ذكر، والذي حررته أنا من الأناجيل التي بأيدي النصارى غير هذا، ولعله أصح، وقد جمعت ما تفرق من ألفاظها، قال في إنجيل متى ما نصه - ومعظم السياق له: ودعا يعني عيسى عليه السلام - تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطاناً على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض؛ وفي أنجيل مرقس: وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ولكي يرسلهم ليكرزوا، وأعطاهم سلطاناً على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين، وفي إنجيل لوقا: وكان في تلك الأيام خرج إلى الجبل يصلي، وكان ساهراً في صلاة الله، فلما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر؛ وقال في موضع آخر: ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وشفاء المرضى، وأرسلهم يكرزون بملكوت الله ويشفون الأوجاع؛ وهذه أسماء الاثني عشر الرسل: سمعان المسمى بطرس - ونسبه في موضع من إنجيل متى: ابن يونا - وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه

قال في إنجيل مرقس: وسماهما باسمي بوانرجس اللذين ابنا الرعد - وفيلبس وبرثولوماوس، وتوما ومتى الشعار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس الذي يدعى تداوس، وجعل في إنجيل مرقس بدل هذا: تدى، وفي إنجيل لوقا بدلهما: يهوذا بن يعقوب، ثم اتفقوا: وسمعان القاناني، وقال في إنجيل لوقا: المدعو الغيور، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - أي دل عليه في الليلة التي ادعى اليهود القبض عليه فيها - هؤلاء الاثنا عشر الرسل الذين أرسلهم يسوع - وفي إنجيل مرقس: ودعا الاثني عشر وجعل يرسلهم اثنين اثنين، وأعطاهم السلطان على الأرواح النجسة - قائلاً: لا تسلكوا طريق الأمم، ولا تدخلوا مدينة السامرة، وانطلقوا خاصة إلى الخراف التي ضلت من بيت إسرائيل، وإذا ذهبتم فاكرزوا وقولوأ: قد اقتربت ملكوت السماوات، اشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهروا البرص، أخرجوا الشياطين، مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا، لا تكنزوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ولا همياناً في الطريق ولا ثوبين ولا حذاء ولا عصى، والفاعل

مستحق طعامه، وفي إنجيل مرقس: وأمرهم أن لا يأخذوا في الطريق غير عصى فقط ولا همياناً ولا خبزاً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقهم إلا نعالاً في أرجلهم ولا يلبسوا قميصين؛ وفي إنجيل لوقا: وقال لهم: لا تحملوا في الطريق شيئاً، لا عصى ولا همياناً ولا خبزاً ولا فضة، ولا يكون لكم ثوبان، وأي مدينة أو قرية دخلتموها فحصوا فيها عمن يستحقكم، وكونوا هناك حتى تخرجوا، فإذا دخلتم إلى البيت فسلموا عليه، فإن كان البيت مستحقاً لسلامكم فهو يحل عليه، وإن كان لا يستحق فسلامكم راجع إليكم، ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فإذا خرجتم من ذلك البيت وتلك القرية أو تلك المدينة انفضوا غبار أرجلكم؛ وفي إنجيل مرقس: وقال لهم: أي بيت دخلتموه أقيموا فيه إلى أن تخرجوا منه، وأي موضع لم يقبلكم ولم يسمع منكم فإذا خرجتم من هناك فانفضوا الغبار الذي تحت أرجلكم للشهادة عليهم، الحق أقول لكم! إن الأرض سدوم وعامورا راحة في يوم الدين أكثر من تلك

المدينة، هو ذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب، كونوا حكماء كالحية وودعاء كالحمام، احذروا من الناس، فإنهم يسلمونكم إلى المحافل، وفي مجامعهم يضربونكم، ويقدمونكم إلى القواد والملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم - وفي إنجيل مرقس: شهادة عليهم وعلى كل الأمم، ينبغي أولاً أن يكرزوا بالإنجيل - فإذا أسلموكم فلا تهتموا بما تقولون - وفي إنجيل مرقس: ولا ماذا تجيبون - فإنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، ولستم أنتم المتكلمين لكن روح أبيكم - وفي إنجيل مرقس: لكن روح القدس يتكلم فيم - وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ابنه، ويقوم الأبناء على آبائهم فيقتلونهم، وتكونون مبغوضين من الكل من أجل اسمي، والذي يصبر إلى المنتهى يخلص، فإذا طردوكم من هذه المدينة اهربوا إلى أخرى، الحق الحق أقول لكم! إنكم لا تكلمون مدائن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان، ليس تلميذ أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من سيده، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلمه والعبد مثل سيده، إن كانوا سموا رب البيت باعل زبول فكم بالحري أهل بيته! فلا تخافوهم، فليس خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي أقول لكم

في الظلمة قولوه أنتم في النور، وما سمعتموه بآذانكم فاكرزوا به على السطوح، ولا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد جميعاً في جهنم، أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منهما لا يسقط على الأرض دون إرادة أبيكم، وأنتم فشعور رؤوسكم كلها محصاة، فلا تخافوا، فإنكم أفضل من عصافير كثيرة، لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلامة، لكن سيفاً، أتيت لأفرق الإنسان من أبيه والابنة من أمها، والعروس من حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أباً أو أماً أكثر مني فما يستحقني، ومن وجد نفسه فليهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي وجدها، ومن قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فهو يقبل الذي أرسلني، ومن يقبل نبياً باسم نبي فأجر نبي يأخذ، ومن يأخذ صديقاً باسم صديق فأجر صديق يأخذ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ - الحق أقول لكم - إن أجره لا يضيع، ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثني عشر، انتقل من هناك ليعلم ويكرز

في مدنهم؛ وفي إنجيل مرقس: فلما خرجوا - يعني الرسل - كرزوا بالتوبة وأخرجوا شياطين كثيرة ومرضى عديدة يدهنونهم بالزيت فيشفون؛ وفي إنجيل لوقا: ومن بعد هذا أيضاً ميز الرب سبعين آخرين ويرسلهم اثنين اثنين قدام وجهه إلى كل مدينة وموضع أزمَعَ أن يأتيه، وقال لهم: إن الحصاد كثير والفعلة قليلون، أطلبوا من رب الحصاد ليخرج فعلة لحصاده؛ وفي إنجيل متى ما ظاهره أن هذا الكلام كان للاثني عشر، فإنه قال قبل ذكر عددهم: فلما رأى الجمع تحنن عليهم لأنهم كانوا ضالين ومطرحين كالخراف التي ليس لها راع، حينئذ قال لتلاميذه الاثني عشر - إلى آخر ما ذكرته عنه أولاً، فيجمع بأنه قاله للفريقين - رجع إلى السياق الأول: اذهبوا، وهو ذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب، لا تحملوا همياناً ولا حذاء ولا مزوداً ولا تقبلوا أحداً في الطريق، وأي بيت دخلتموه فقولوا أولاً: سلام لأهل هذا البيت، فإن كان هناك ابن سلامكم فإن سلامكم يحل

عليه، وإلا فسلامكم راجع إليكم، وكونوا في ذلك البيت، كلوا واشربوا من عندهم، فإن الفاعل مستحق أجرته، ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت، وأي مدينة دخلتموها ويقبلكم أهلها فكلوا مما يقدم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد قربت ملكوت الله، وأي مدينة دخلتموها ولا يقبلكم أهلها فاخرجوا من شوارعها وقولوا لهم: نحن ننفض لكم الغبار الذي لصق بأرجلنا من مدينتكم، لكن اعلموا أن ملكوت الله قد قربت، أقول لكم: إن سدوم في ذلك اليوم لها راحة أكثر من تلك المدينة، الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأنه لو كان في صور وصيدا القوات التي كنَّ فيكما جلسوا وتابوا بالمسوح والرماد، وأما صور وصيدا فلهما راحة في الدينونة أكثر منكم، وأنت يا كفرناحوم لو أنك ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى الجحيم، من سمع منكم فقد سمع مني، ومن جحدكم فقد جحدني، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني؛ فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب! الشياطين باسمك تخضع لنا يا رب فقال لهم: قد رأيت الشيطان سقط من السماء مثل البرق، وهو ذا قد أعطيتكم

سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء، ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، افرحوا لأن أسماءكم مكتوبة في السماوات، وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح، والتفت إلى تلاميذه خاصة وقال: طوبى للأعين التي ترى ما رأيتم! أقول لكم: إن أنبياء كثيرين وملوكاً اشتهوا أن ينظروا ما نظرتم فلم ينظروا، ويسمعوا ما سمعتم فلم يسمعوا؛ وفي إنجيل متى - بعد ما ادعى اليهود صلبه - أنه ظهر لتلاميذه الأحد عشر - وهم من تقدم غير يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - في الجليل في الجبل الذي أمرهم به يسوع، وكلمهم قائلاً: أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم؛ وفي آخر إنجيل مرقس أنه ظهر لهم وهم مجتمعون، وكانوا في تلك الأيام يبكون وينوحون فبكّتهم لقلة إيمانهم وقسوة قلوبهم وقال لهم: امضوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها، فمن آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدان، وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة، ويحملون بأيديهم الحيات ولا تؤذيهم. ويشربون السم القاتل فلا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون، ومن بعد ما كلمهم

يسوع ارتفع إلى السماء، فخرج أولئك يكرزون في كل مكان؛ وفي إنجيل لوقا: فلما خرجوا كانوا يطوفون في القرى ويبشرون ويشفون في كل موضع وفي آخره بعد أن ذكر تلامذته الأحد عشر وكلاماً كانوا يخوضون فيه بعد ادعاء اليهود لصلبه: وفيما هم يتكلمون وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: السلام لكم، أنا هو! لا تخافوا، فاضطربوا وظنوا أنهم ينظرون روحاً فقال: ما بالكم تضطربون؟ ولِمَ تأتي الأفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو! جسّوني وانظروا، إن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون أنه لي؛ ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه، وإذا هم غير مصدقين من الفرح، قال لهم: أعندكم ههنا ما يؤكل؟ فأعطوه جزءاً من حوت مشوي ومن شهد عسل، فأخذ قدامهم وأكل، وأخذ الباقي وأعطاهم، وقال لهم: هذا الكلام الذي كلمتكم به إذ كنت معكم، وأنه سوف يكمل كل شيء هو مكتوب في ناموس موسى والأنبياء والمزامير لأجلي، وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا، وقال لهم: اجلسوا أنتم في المدينة يروشليم حتى تتذرعوا لقوة من العلى، ثم أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا، فرفع يديه وباركهم، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء أمامهم، فرجعوا إلى يروشليم بفرح عظيم، وكانوا في كل حين يسبحون

ويباركون الله - انتهى ما نقلته من الأناجيل. وما كان فيه من لفظ يوهم نقصاً ما فقد تقدم في أول آل عمران أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى وإن كان صح إطلاقه في شرعهم، فهو مؤول وقد نسخ؛ وقال الإمام محيي السنة البغوي في تفسير آل عمران فيما نقله عن وهب: فلما كان بعد سبعة أيام - أي من ادعاء اليهود لصلبه - قال الله تعالى لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم المجدلانية في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة إلى الله تعالى، فأهبطه الله تعالى عليها فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، فجمعت له الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله إليه، وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه السلام إليهم، فذلك قوله تعالى {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] هذا ما ذكر من شأن رسل عيسى عليه السلام أنهم كانوا دعاة، وأما رسل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنهم كانوا مبلغين لكتبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فمن قبل ذلك كان حظه من الله، ومن أبى كان جوابه السيف الماحق لدولته - كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة وهو مذكور في فتوح البلاد؛ ولما بعث صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك الخاتم، أخرج أبو يعلى في مسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى كسرى وقيصر - وفي رواية: وأكيدر دومة وإلى كل جبار - يدعوهم إلى الله وأخرج الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن أنس بن مالك أيضاً رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكتب إلى الروم - وفي رواية: إلى العجم - قالوا: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتماً من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقشه «محمد رسول الله» . فبعث دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن يوصل الكتاب إلى عظيم بصرى ليوصله إليه، فعظم كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه سيغلب على ملكه، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا، فخافهم فقال: إنما أردت أن أجربكم، ثم لم يقدر الله له الإسلام، فأزال الله حكمه عن الشام وكثير من الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ثم عن كثير من الروم أيضاً على يد من بعدهم، ومكن بها

الإسلام، لكن أثابه الله على تعظيم كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا الزمان؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني - وقال القضاعي: المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على تخوم الشام - ثم إلى جبلة بن الأيهم الغساني، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهمّ بالمسير إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقاتله، زعم فنهاه عن ذلك قيصر، فأكرم شجاعاً ورده وأسلم حاجبه مري الرومي بما عرف من صفة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الإنجيل، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «باد ملك الحارث، وفاز مري» فقلّ ما لبث الحارث حتى مات، وولي بعده في مكانه جبلة بن الأيهم الغساني، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام، فرد إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شجاع بن وهب رضي الله عنه، فرد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رداً جميلاً ولم يسلم، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه لما رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك، ثم إنه

ارتد - ولحق ببلاد الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها، فسبحان الفاعل لما يشاء! وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس، وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم البحرين ليوصله إليه، فلما رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدأ باسمه الشريف مزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، فرجع عبد الله، فلما سكن غضب الخبيث التمسه فلم يجده فأرسل في طلبه فسبق الطلب، فلما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تمزيق الكتاب، دعا على كسرى أن يمزق كل ممزق، فأجاب الله دعوته فشتت شملهم وقطع وصلهم على يد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم قتل يزدجرد آخر ملوكهم في خلافة عثمان رضي الله عنه، فأصبح ملك الأكاسرة كأمس الدابر، وعم بلادهم الإسلام وظهرت بها كلمة الإيمان، بل تجاوز الإسلام ملكهم إلى ما وراء النهر وإلى بلاد الخطا. وبعث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية، فعلم من صدق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما علمه قيصر من الإنجيل، فأكرم الرسول وأهدى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورد رداً جميلاً ولم يسلم، فأباد الله ملكه على يد عمرو بن العاص أمير لعمر رضي الله عنهما. وبعث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي فآمن رضي الله عنه وقال: أشهد أنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل عليهم السلام.

وأن العيان ليس بأشفى من الخبر، وأهدى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هدايا كثيرة، وأرسل ابنه بإسلامه في سبعين من الحبشة، وقال في كتابه: وإني لا أملك إلا نفسي ومن آمن بك من قومي، وإن أحببت أن آتيك يا رسول الله فعلتُ؛ فصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النجاشي واستغفر له؛ وبعث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وإلى أسيحت مرزبان هجر بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام أو الجزية، وأرض البحرين من بلاد العرب، لكن كان الفرس قد غلبوا عليها، وبها خلق كثير من عبد القيس وبكر بن وائل وتميم فأسلم المنذر وأسيحت وجميع من هناك من العرب وبعض العجم، فأقره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عمله؛ وبعث سليط بن عمرو العامري رضي الله عنه إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكان عاملاً لقيصر على قومه، فقرأ كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورد رداً دون رد، فصادف أن قدم عليه راهب من دمشق، فأخبره أنه لم يجب إلى الإسلام، فقال: لم؟ قال: ضننت بملكي، قال الراهب: لو تبعته لأقرك والخير لك في اتباعه، فإنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بشر به

عيسى عليه السلام، قال هوذة للراهب: فما لك لا تتبعه؟ فقال: أجدني أحسده وأحب الخمر، فكتب هوذة كتاباً وبعث إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهدية مكانه ذلك، وشعر به قومه فأتوه فهددوه، فرد الرسول واستمر على نصرانيته، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رجع إليه سليط: «باد هوذة وباد ما في يده» ! فلما انصرف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فتح مكة جاءه جبرئيل عليه السلام بأن هوذة مات، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي» ، فكان كذلك كما هو مشهور من أمر مسيلمة الكذاب، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، فلما بلغه رسالة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت عنه، وكان ذخراً لمن صار إليه، وسأنظر، وتباطأ به الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك سنة الوفود، وكاتب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك؛ وبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان، فتوقفا واضطرب

رأيهما، ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر: إنه والله قد دلني على هذا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمي أنه لا يأمر بخير إلاّ كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يفجر، وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد، ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه أهله، وإني أشهد أنه رسول الله، وأسلم أخوه أيضاً، وكتبا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسلامهما، فقال خيراً وأثنى خيراً، وكان في سير هؤلاء الرسل لعمري غير ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص غرائب من دلائل النبوة وأعلام الرسالة، خشيت من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي ملاله، وقد شفيت في شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ونظم أسلوبه لعمري جليل، هؤلاء رسل البشر، وأما الرسل من الجن فقد روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن} [الجن: 29] قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسلاً إلى قومهم قال الهيثمي: وفي سنده النضر أبو عمر وهو متروك، ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم السلام قوله تعالى {ليكون للعالمين نذيراً} [الفرقان: 1] وإذا

تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي قبلها قطعت بذلك {لينذر من كان حياً} [يس: 70] ، {إنما تنذر من اتبع الذكر} [يس: 11] إذ هم من جملة العالمين وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن اتبع الذكر، والخطاب بالإنذار وارد مورد التغليب، إذ الإنس والجن أهل له، فانتفى ما يقال: إن الملائكة في غاية الخوف من الله تعالى مع عصمتهم فليسوا ممن يخوف، ويزيد ذلك وضوحاً قوله تعالى: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} [الأنبياء: 29] ولا إنذار أعظم من ذلك، وإن عيسى عليه السلام من هذه الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك، وأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «والذي نفسي بيده! لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر رضي الله عنه، ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة، وقد ثبتت رسالته إلى الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى، وبالتعليق بالحياة بموسى عليه السلام، وقد أخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السلام إن أدركوه ليؤمنن به، وقد خوطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو أشرف الخلق وأكملهم - بالإنذار في غير آية، فمهما أول به ذلك في حقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل مثله في حقهم عليهم السلام،

ومما يرفع النزاع ويدفع تعلل المتعلل بالإنذار قوله تعالى {لتنذر به وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2] فخذل مفعول «تنذر» دال على عموم رسالته، وتعليق الذكرى بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السلام، وقوله تعالى {لتبشر به المتقين} [مريم: 97] إلى غيرها من الآيات، فيكون عموم رسالته لهم زيادة شرف له، وهو واضح، وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على طاعته والتقيد بما حده لهم من أعمال ملته طاعة لله تعالى زيادة في أجورهم ورفعة درجاتهم، وذلك مثل ما قال أبو حيان في قوله تعالى {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} [الأعراف: 144] : إن في الأمر له بذلك مزيد تأكيد وحصول أجر بالامتثال؛ وقال القاضي عياض في الفصل السابع من الباب الأول من القسم الأول من الشفا في قوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81] قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبياً إلا ذكر له محمداً ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به، وبعضد ذلك ما قال في أول الباب الأول: وحكي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لجبرئيل عليه السلام: «

هل أصابك من هذه الرحمة المذكورة في قوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} شيء؟ قال نعم! كنت أخشى العاقبة فآمنت لثناء الله عز وجل عليّ بقوله {ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} [التكوير: 20، 21] » وروى مسلم في كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» وحمل من حمل الخلق على الناس - للرواية التي فيها «إلى الناس» تحكم، بل العكس أولى لمطابقة الآيات، وقد خرج من هذا العموم من لا يعقل بالدليل العقلي، فبقي غيرهم داخلاً في اللفظ، لا يحل لأحد أن يخرج منه أحداً منهم إلا بنص صريح ودلالة قاطعة ترفع النزاع، وقال عياض في الباب الثالث من القسم الأول: وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأذان - فذكر المعراج وسماع الأذان من وراء الحجاب ثم قال: ثم أخذ الملك بيد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقدمه، فأمّ بأهل السماء فيهم آدم ونوح - انتهى. وروى عبد الرزاق عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا كان الرجل بأرض

قيّ فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد الماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه» قال المنذري: القيّ - بكسر القاف وتشديد الياء، وهي الأرض القفر. وروى مالك والستة إلا الترمذي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا آمين» -وفي رواية إذا أمن الإمام فأمنوا - فإنه من وافق تأمينه - تأمين الملائكة - وفي رواية: من وافق قوله قول الملائكة - غفر له ما تقدم من ذنبه. وفي رواية في الصحيح: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم له من ذنبه» وفي رواية لأبي يعلى: إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال الذين خلفه: آمين، التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين، غفر للعبد ما تقدم من ذنبه. وللشيخين عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ؛ وفي رواية: فإذا وافق قول أهل السماء قول أهل

الأرض غفر له ما تقدم من ذنبه؛ في أشكال ذلك مما يؤذن بائتمام الملائكة بأئمتنا، وذلك ظاهر في التقيد بشرعنا؛ وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم - وجزم ابن معين والذهلي بصحته - عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة» وأدل من جميع ما مضى ما روى مالك والشيخان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» ؛ وفي رواية: «فإذا قعد الإمام طويت الصحف» ؛ وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد: فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر. فإن تركهم لكتابة الناس وإقبالهم على الاستماع دليل واضح على الائتمام، بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا قلت لصاحبك

يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» قال الحليمي في الرابع من شعب الإيمان في الجواب عما أورد على قوله: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 87] من أن التخصيص بالإنس والجن لا يمنع قدرة الملائكة على المعارضة ما نصه: وأما الملائكة فلم يتحدوا على ذلك لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم، فسواء كانوا قادرين على مثله أو عاجزين، وهم عندنا عاجزون؛ وقال في الخامس عشر في أن من أنواع تعظيمه الصلاة عليه فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل ذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، فأمر الله عباده لنبيهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم عن شريعته تتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه، ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أول وأحق - هذا نصه في الموضعين، ولم يذكر لذلك دليلاً، ونسب الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع مثل ذلك إلى البيهقي في الشعب فإنه قال: وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرسل إلى الملائكة، وفي الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه، قال: وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي

حكاية الإجماع في تفسير الآية الثانية - أي {ليكون للعالمين نذيراً} [الفرقان: 1] أنه لم يكن رسولاً إليهم - انتهى. وهو شهادة نفي كما ترى، لا ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله بأن لملائكة أفضل من الأنبياء - كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما، ولم يوافقه على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي ابو بكر الباقلاني، فكما لم يوافق على الأصل لا يوافق على الفرع، وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي وسكوته عليه لا يوجب القطع برضاه، قال الزركشي في شرح جمع الجوامع: وهي مسألة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم: الملائكة ما دخلت في دعوته، فقاموا عليه، وقد ذكر الإمام فخر الدين في تفسير سورة الفرقان الدخول محتجاً بقوله تعالى {ليكون للعالمين نذيراً} : والملائكة داخلون في هذا العموم - انتهى. وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع، وعلى تقدير صحته ففيه أمور، أما أولاً فالإجماع لا يرجع إلا إلى أهل الاطلاع على المنقولات من حفاظ الآثار وأقاويل السلف فيه، وأما ثانياً فإنه نقل يحتمل التصحيح والتضعيف، لأنه بطرقه احتمال أن يكون نقل عمن لا يعتد به، أو يكون

أخذه عن أحد مذاكرة وأحسن الظن به، أو حصل له سهو، ونحو ذلك، فلا وثوق إلا بعد معرفة المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ليقاوم هذه الظواهر الكثيرة، وأما ثالثاً فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين السبكي أن بعض المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة، وق الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع: وأما كونه مبعوثاً إلى الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم، وهذا يتناول الإنس والجن والملائكة، فأما الأولان فبالإجماع، وأما الملائكة فمحل خلاف فأين الإجماع! هذا على تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت تفسير الإمام للآية المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع، وإنما قال: ثم قالوا: هذه الآية تدل على أحكام: الأول أن العالم كل ما سوى الله، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا نبئنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة، فوجب أن ينفى كونه رسولاً إلى الجن والإنس جميعاً، وبطل قول من قال: إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض، الثاني أن لفظ {العالمين} يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى المكلفين إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل - هذا لفظه في أكثر النسخ، وفي بعضها: لكنا أجمعنا - بدل: نبئنا - وهي غير صريحة في إجماع الأمة كما ترى، ولم يعين الموضع الذي أحال عليه في النسخ

الأخرى - فليطلب من مظانه ويتأمل، وأما النسفي فمختصر له - والله الموفق؛ ثم رأيت في خطبة كتاب الإصابة في أسماء الصحابة لشيخنا حافظ عصره أبي الفضل بن حجر في تعريف الصحابي: وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل الإجماع على أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن مرسلاً إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم واحتج بأشياء يطول شرحها - انتهى. والعجب من الرازي في نقل هذا الذي لا يوجد لغيره مع أنه قال في أسرار التنزيل في أواخر الفصل الثاني من الباب الثالث في الاستدلال بخلق الآدمي على وجود الخالق: الوجه الرابع - أي في تكريم بني آدم - أنه جعل أباهم رسولاً إلى الملائكة حيث قال {أنبئهم باسمائهم} [البقرة: 31] وقد تقرر أن كل كرامة كانت لنبي من الأنبياء فلنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلها أو أعظم منها، وقال في تفسيره الكبير في {وعلم آدم الأسماء} [البقرة: 31] : ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من يوجه التحذير إليهم من الملائكة، لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول لبعثة إبراهيم إلى لوط عليهما السلام - انتهى. وأنت خبير بأمر عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء، والحاصل أن رسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم صلوات الله عليهم - رتبة فاضلة ودرجة عالية

كاملة جائزة له، لائقة بمنصبه، مطابقة لما ورد من القواطع لعموم رسالته وشمول دعوته، وقد دلت على حيازته لها ظواهر الكتاب والسنة مع أنه لا يلزم من إثباتها له إشكال في الدين ولا محذور في الاعتقاد، فليس لنا التجريء على نفيها إلا بقاطع كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في آية الأنعام {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} [الأنعام: 145] قال: فاحتملت معنيين: أحدهما أن لا يحرم على طاعم يطعمه أبداً إلا ما استثنى الله عز وجل، وهذا المعنى الذي إذا وُوجه رجل مخاطباً به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم عليه غير ما سمى الله عز وجل محرماً، وما كان هكذا فهو الذي يقال له أظهر المعاني وأعمها وأغلبها والذي لو احتملت الآية معاني سواه - كان هو المعنى الذي يلزم أهل العلم القول به إلا أن تأتي سنة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأبي هو وأمي - تدل على معنى غيره مما تحتمله الآية، فنقول: هذا معنى ما أراد الله عزّ وجلّ، ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما، ولا يقال

بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن تكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل الآية - انتهى. وشرحه الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى فقال: ولا يحل لأحد أن يقول في آية أو في خبر: هذا منسوخ أو مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه، ولا أن لهذا النص تأويلاً غير مقتضى ظاهر لفظه، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر، أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر، أو بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر، برهانه: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 4] وقال {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} [النور: 63] ، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية، لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص، وأسقط وجوب الطاعة له بدعواه الكاذبة، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه

من سائر ما يقتضيه - انتهى. وقال أهل الأصول: إن الظاهر ما دل على المعنى دلالة ظنية أي راجحة، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل فصيح - أو لما نظن دليلاً وليس في الواقع بدليل - فاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل، قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام على أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب: والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين، ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلاّ لضرورة - انتهى، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني رأيته بخطه: الآية العاشرة: {ليكون للعالمين نذيراً} [الفرقان: 1] قال المفسرون كلهم في تفسيرها: للجن والإنس، وقال بعضهم: والملائكة. الثانية عشرة {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] قال المفسرون: معناها: إلا إرسالاً عاماً شاملاً لجميع الناس، أي ليس بخاص ببعض الناس، فمقصود الآية نفي الخصوص وإثبات العموم، ولا مفهوم لها فيما وراء الناس، بل قوتها في العموم يقتضي عدم الخصوصية فيهم وحينئذ يشمل

الجن، ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال: وما أرسلناك إلا إلى الناس، فإن كلمة «إلا» تدخل على ما يقصد الحصر فيه، فلما أدخلها على {كافة} دل على أنه المقصود بالحصر، ويبقى قوله {للناس} لا مفهوم له، أما أولاً فلأنه مفهوم قلب وأما ثانياً فلأنه لا يقصد بالكلام، أما ثالثاً فلأنه قد قيل: إن {الناس} يشمل الإنس والجن، أي على القول بأنه مشتق من النوس، وهو التحرك، وهو على هذا شامل للملائكة أيضاً، وممن صرح من أهل اللغة بأن {الناس} يكون من الإنس ومن الجن الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب، قال السبكي: السابعة عشرة {إن هو إلا ذكر للعالمين} [ص: 87] الثامنة عشرة {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} [يس: 11] ونحوهما كقوله {لتنذر من كان حياً} [يس: 70] وكذا قوله {هدى للمتقين} ، وأما السنة فأحاديث: الأول حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه «وأرسلت إلى الخلق كافة» ، «إلى الخلق» عام يشمل الجن بلا شك، ولا يرد على هذا أنه ورد في روايات هذا الحديث من طرق أخرى في صحيح البخاري وغيره «الناس» موضع «الخلق» لأنا نقول: ذلك من رواية جابر، وهذا من رواية أبي هريرة؛ فلعلهما حديثان، وفي رواية الخلق زيادة معنى على الناس، فيجب

الأخذ به إذ لا تعارض بينهما، ثم جوز أن يكون من روى «الناس» روى بالمعنى فلم يوف به، قال: وهذا الحديث يؤيد قول من قال: إنه مرسل إلى الملائكة ولا يستنكر هذا، فقد يكون ليلة الإسراء يسمع من الله كلاماً فبلغه لهم في السماء أو لبعضهم، وبذلك يصح أنه مرسل إليهم، ولا يلزم من كونه مرسلاً إليهم من حيث الجملة أن يلزمهم جميعُ الفروع التي تضمنتها شريعته، فقد يكون مرسلاً إليهم في بعض الأحكام أو في بعض الأشياء التي ليست بأحكام، أو يكون يحصل لهم بسماع القرآن زيادةُ إيمان، ولهذا جاء فيمن قرأ سورة الكهف: فنزلت عليه مثل الظلة، ثم قال في أثناء كلام: بخلاف الملائكة، لا يلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم، بل يحتمل ذلك ويحتمل في شيء خاص كما أشرنا إليه فيما قبل - انتهى. قلت: ولا ينكر اختصاص الأحكام ببعض المرسل إليهم دون بعض في شرع واحد في الأحرار والعبيد والنساء والرجال والحطّابين والرعاء بالنسبة إلى بعض أعمال الحج وغير ذلك مما يكثر تعداده - والله الموفق؛ ومن تجرأ على نفي الرسالة إليهم من أهل زماننا بغير نص صريح يضطره إليه، كان ضعيف العقل مضطرب الإيمان مزلزل اليقين سقيم الدين، ولو كان حاكياً لما قيل

على وجه الرضى به، فما كل ما يُعلَم يقال، وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع، ولعمري! إن الأمر لعلى ما قال صاحب البردة وتلقته الأمة بالقبول، وطرب عليه في المحافل والجموع: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم ولما أثبت شهادة الله تعالى له بالتصديق بأنه محق، وكان ذلك ربما أوهم أن غير الله تعالى لا يعرف ذلك، لا سيما وقد ادعى كفار قريش أنهم سألوا أهل الكتابين فادعوا أنهم لا يعرفونه، أتبعه بقوله على طريق الاستئناف: {الذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة من اليهود والنصارى {الكتاب} أي الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وهو التوراة والإنجيل {يعرفونه} أي الحق الذي كذبتم به لما جاءكم وحصل النزاع بيني وبينكم فيه لما عندهم في كتابهم من وصفي الذي لا يشكون فيه، ولما هم بمثله آنسون مما أثبت به من المعجزات، ولما في هذا القرآن من التصديق لكتابهم والكشف لما أخفوا من أخبارهم، ولأساليبه التي لا يرتابون في أنها خارجة من مشكاة كتابهم مع زيادتها بالإعجاز، فهم يعرفون هذا الحق {كما يعرفون أبناءهم} أي من بين الصبيان بحُلاهم ونعوتهم معرفة لا يشكون فيها، وقد وضعتموهم موضع

الوثوق، وأنزلتموهم منزلة الحكم بسؤالكم لهم عني غير مرة، وقد آمن بي جماعة منهم وشهدوا لي، فما لكم لا تتابعونهم! لقد بان الهوى وانكشف عن ضلالكم الغطاء. ولما كان أكثرهم يخفون ذلك ولا يشهدون به، قال جواباً لمن يسأل عنهم: {الذين خسروا} أي منهم، ولكنه حذفها للتعميم {أنفسهم فهم} أي بسبب ذلك {لا يؤمنون} أي لما سبق لهم من القضاء بالشقاء الذي خسروا به أنفسهم بالعدول عما دعت إليه الفطرة السليمة والفكرة المستقيمة، ومن خسر نفسه فهو لا يؤمن فكيف يشهد! فقد بينت هذه الجملة أن من لا يشهد منهم فهو في الحقيقة ميت أو موات، لأن من ماتت نفسه كذلك، بل هم أشقى منه، فلقد أداهم ذلك الشقاء إلى أن حرفوا كتابهم وأخفوا كثيراً مما يشهد لي بالنبوة، فكانوا أظلم الخلق بالكذب في كتاب الله للتكذيب لرسل الله.

21

ولما كان التقدير: خسروا ففاتهم الإيمان، لأنهم ظلموا بكتمان الشهادة، فكان الظلم سبب خسرانهم، فمن أظلم منهم! عطف عليه ما يؤذن بأنهم بدلوا كتابهم، أو نسبوا إليه ما ليس فيه، فقال واضعاً للظاهر موضع ضميرهم لذلك: {ومن أظلم ممن افترى} أي تعمد

{على الله كذباً} كهؤلاء الذين حرفوا كتابهم ونسبوا إلى الله ما لم يقله، زيادة كتبوها بأيديهم لا أصل ها، إضلالاً منهم لعباده {أو كذب بآياته} أي الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات كالمشركين، لا أحد أظلم منهم فهم لا يفلحون {إنه لا يفلح الظالمون} أي فكيف بالأظلمين! . ولما كان معنى هذا أنهم أكذب الناس، دل عليه بكذبهم يوم الحشر بعد انكشاف الغطاء فقال: {ويوم} أي اذكر كذبهم على الله وتكذيبهم في هذه الدار، واذكر أعجب من ذلك، وهو كذبهم في عالم الشهادة عند كشف الغطاء وارتفاع الحجب يوم {نحشرهم} أي نجمعهم بما لنا من العظمة وهم كارهون صاغرون {جميعاً} أي أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم، وأشار إلى عظمة ذلك اليوم وطوله ومشقته وهوله بقوله بأداة التراخي: {ثم نقول} أى بما لنا من العظمة التي انكشفت لهم أستارها وتبدت لهم بحورها وأغوارها توبيخاً وتنديماً {للذين أشركوا} أي سموا شيئاً من دوننا إلهاً وعبدوه بالفعل من الأصنام أو عزير أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك، أو بالرضى بالشرك، فإن الرضى بالشيء فعل له لا سيما إن انضم إليه تكذيب المحق والشهادة للمبطل بأن دينه خير {أين شركاؤكم} أضافهم إلى ضميرهم لتسميتهم لهم بذلك {الذين كنتم تزعمون} أي

أنهم شركاؤنا بالعبادة أو الشهادة بما يؤدي إليها، ادعوهم اليوم لينقصوكم مما نريد من ضركم، أو يرفعوكم مما نريد من وضعكم، وسؤالهم هذا يجوز أن يكون مع غيبة الشركاء عنهم وأن يكون عند إحضارهم لهم، فيكون الاستفهام عما كانوا يظنون من نفعهم، فكأن غيبته غيبتهم. ولما كان إخبارهم بغير الواقع في ذلك اليوم مستبعداً بعد رفع الحجاب عن الأهوال وإظهار الزلازل والأوجال. أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم لم تكن فتنتهم} أي عاقبة مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي من شأنها أن يميل ما خالطته فتحيله - ولو أنه جبل - عن حاله بما ناله من قوارعه وزلزاله إلاّ كذبهم في ذلك الجمع، وهو معنى قوله: {إلاّ أن قالوا} ثباتاً منهم فيما هم عريقون فيه من وصف الكذب: {والله} فذكروا الاسم الأعظم الذي تندك لعظمته الجبال الشم، وتنطق بأمره الأحجار الصم، الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم، وأكدوا ذلك بذكر الوصف المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا: {ربنا} فلم يقنعوا بمجرد الكذب حتى أقسموا، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع والوصف المحسن {ما كنا مشركين} أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد يكذبون فيه في ذلك اليوم بعد كشف الغطاء تطمعاً بما لا ينفعهم،

كما ترى الحائر المدهوش في الدنيا يفعل مثل ذلك فهو إيئاس من فلاح الجميع: المشركين وأهل الكتاب، أو يكون المعنى تنديماً لهم وتأسيفاً: أنه لم يكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في لزومه والافتخار به والقتال عليه - لكونه دين الآباء - إلاّ جحوده والبراءة منه والحلف على الانتفاء من التدين به، والمعنى على قراءتي النصب والرفع في «فتنة» على جعلها خبراً أو اسماً واحداً، فمعنى قراء النصب: لم يكن شيء إلاّ قولهم - أي غير قولهم الكذب - فتنتهم، أي لم يكن شيء فتنتهم إلاّ هذا القول، فهذا القول وحده فتنتهم، فنفى عن فتنتهم وسلب عنها كل شيء غير قولهم هذا، فالفتنة مقصورة على قولهم الكذب، والكذب قد يكون ثابتاً لغيرها، أي إنهم يكذبون من غير فتنة، بل في حال الرخاء، وهذا بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع فتنة، أي لم تكن فتنتهم شيئاً غير كذبهم، فقد نفيت فتنتهم عن كل شيء غير الكذب، فانحصرت فيه، ويجوز أن يكون ثابتاً في حال غيرها - على ما مر، وهذا التقدير نفيس عزيز الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند {وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال: 35] في الأنفال ما ينفع هنا فراجعه. ولما كان هذا من أعجب العجب، أشار إليه بقوله: {انظر} وبالاستفهام في قوله: {كيف كذبوا} وبالإشارة إلى أنهم فعلوه

مع علمهم بما انكشف لهم من الغطاء أنه لا يجديهم بقوله: {على أنفسهم} وهو نحو قوله {فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18]- الآية. ولما كان قولهم هذا مرشداً إلى أن شركاءهم غابوا عنهم، فلم ينفعوهم بنافعة، وكان الإعلام بفوات ما أنهم مقبل عليه فرح به، ساراً لخصمه جالباً لغمه، صرح به في قوله: {وضل} أي غاب {عنهم} إما حقيقة أو مجازاً، أو هما بالنظر إلى وقتين، ليكون إنكاراً {ما كانوا يفترون} أي يتعمدون الكذب في ادعاء شركته عناداً لما على ضده من الدلائل الواضحة. ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة، وختم بأن مضمون قوله {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} [الأنعام: 5]- الآية، قد صار وصفاً لهم ثابتاً حتى ظهر في يوم الجمع، قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سبباً له، وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله {إلاّ كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4] ، فكان كأنه قيل: فمنهم من أعرض بكليته، فعطف عليه قوله: {ومنهم من يستمع إليك} أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلاًّ منهم جلس عند بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليل يستمع القرآن. لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه، فلما طلع الفجر

انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا: لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه، وتعاهدوا على أن لا يعودوا، ثم عادوا تمام ثلاث ليال، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال: سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها، فقال: وأنا كذلك، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسداً وعناداً، وذلك هو المراد من قوله: {وجعلنا} أي والحال أنا قد جعلنا {على قلوبهم أكنة} أي أغطية، جمع كنان أي غطاء {أن} أي كراهة أن {يفقهوه} أي القرآن {وفي آذانهم وقراً} أي ثقلاً يمنع من سمعه حق السمع، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع، فهم لا يؤمنون بما يسمع منك لذلك. ولما ذكر ما يتعلق بالسمع، ذكر ما يظهر للعين، معبراً بما يعم السمع وغيره من أسباب العلم فقال: {وإن يروا} أي بالبصر أو البصيرة {كل آية} أي من آياتنا سواه {لا يؤمنوا بها} لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد الآباء والأجداد {حتى} كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم فقههم {إذا جاءوك يجادلونك} أي بالفعل أو بالقوة، والغاية داخلة، وكأنه قيل تعجباً: ماذا يقولون في جدالهم؟ فقال مظهراً للوصف الذي أداهم إلى ذلك: {يقول الذين كفروا} أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع {إن} أي ما

{هذا} أي الذي وصل إلينا {إلا أساطير} جمع سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضاً جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور، وبالهاء في الكل {الأولين} وقد قال ذلك النضر بن الحارث، فصدق قوله إخبار هذه الآية {وهم} حال من فاعل {يستمع} أي يستمعون إليك والحال أنهم {ينهون عنه} أي عن الاستماع أو عن اتباع القرآن {وينأون} أي يبعدون {عنه} أي كما وقع لأبي جهل وصاحبيه في المعاهدة على ترك المعاودة للسماع وما يتبعه {وإن} أي وما {يهلكون} أي بعبادتهم ومكابدتهم {إلاّ أنفسهم} أي وما هم بضاريك ولا بضاري أحد من أتباعك فيما يقدح في المقصود من إرسالك من إظهار الدين ومحو الشرك وإذلال المفسدين {وما يشعرون} أي وما لهم نوع شعور بما يؤديهم إليه الحال، بل هم كالبهائم، بل هي أصلح حالاً منهم.

27

ولما جعل عدم إيمانهم في هذه بشيء من الآيات موصلاً لهم إلى غاية من الجهل عظيمة موئسة من ادعائهم في هذه الدار، وهي مجادلتهم له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وختم الآية بما رأيت من عظيم التهديد استشرفت النفس إلى معرفة حالهم عند ردهم إلى الله تعالى والكشف لهم عما هددوا به، فأعلم نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن حالهم إذ ذاك الإيمان،

حيث يسر غاية السرور تصديقهم له، وتمنيهم متابعته لما يركبهم من الذل ويحيط بهم من الصغار، ولا يزيدهم ذلك إلاّ ضرراً وعمى وندماً وحسرة، فكأنه قيل: فلو رأيت حالهم عند كشف الغطاء - وهو المطلع - لرأيتهم يؤمنون: {ولو ترى إذ} أي حين {وقفوا} في الحشر، وبني للمجهول لأن المنكىّ الإيقاف، لا كونه من معين {على النار} أي عندها ليدخلوها مشرفين على كل ما فيها من أنواع النكال، وذلك أعظم في النكاية أو على الجسر وهو على الصراط وهي تحتهم، أو عرفوا حقيقتها ومقدار عذابها من قولك: أوقفته على كذا - إذا عرفته إياه {فقالوا} تمنياً للمحال {يا ليتنا نرد} أي إلى الدنيا. ولما كان التقدير بشهادة قراءة من نصب الفعلين - جواباً للتمني - أو أحدهما: فنطيع، عطف على الجملة قوله: {ولا} أي والحال أنا لا، أو ونحن لا {نكذب} إن رددنا {بآيات ربنا} أي المحسن إلينا {ونكون من المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، والتقدير عند ابن عامر في نصب الثالث: ليتنا نرد، وليتنا لا نكذب فنسعد وأن نكون، وعلى قراءة حمزة والكسائي وحفص بنصب الفعلين:

ليتنا نرد فنسعد، وأن لا نكذب وأن نكون، والمعنى: لو رأيت إيقافهم ووقوفهم في ذلك الذل والانكسار والخزي والعار وسؤالهم وجوابهم لرأيت أمراً هائلاً فظيعاً ومنظراً كريهاً شنيعاً، ولكنه حذف تفخيماً له لتذهب النفس فيه كل مذهب، وجاز حذفه للعلم به في الجملة. ولما أخبرنا - في قراءة الرفع - عن أنفسهم بما تمنوا لأجله الرد، وتضمنت قراءة النصب الوعد، فإنه كما لو قال قائل: ليت الله يرزقني مالاً فأكافئك على صنيعك، فإنه ينجر إلى: إن رزقني الله مالاً كافأتك، فصار لذلك مما يقبل التكذيب، أضرب عنه سبحانه تكذيباً لهم بقوله: {بل} أي ليس الأمر كما قالوا، لأن هذا التمني ليس عن حقيقة ثابتة في أنفسهم من محبة مضمونه وثمرته، بل {بدا} أي ظهر {لهم} من العذاب الذي لا طاقة لهم به {ما كانوا يخفون} أي من أحوال الآخرة ومرائهم على باطل! ولما كان إخفاؤهم ذلك في بعض الزمان قال: {من قبل} أي يدعون أنه خفي، بل لا حقيقة له، ويسترون ما تبديه الرسل من دلائله عناداً منهم مع أنه أوضح من شمس النهار بما يلبسون من الهيبة فلذلك تمنوا ما ذكروا {ولو ردوا} أي إلى الدنيا {لعادوا لما نهوا عنه} أي من الكفر

والفضائح التي كانوا عليها وستر ما اتضح لعقولهم من الدلائل {وإنهم لكاذبون} أي فيما أخبروا به عن أنفسهم من مضمون تمنيهم أنهم يفعلونه لو ردوا، وأكد طبعهم على الكفر بقوله عطفاً على قوله {لعادوا} : {وقالوا} أي بعد الرد ما كانوا يقولونه قبل الموت في إنكار البعث {إن هي أي ما هذه الحياة التي نحن ملابسوها {إلاّ حياتنا الدنيا} أي التي كنا عليها قبل ذلك {وما نحن} وأغرقوا في النفي فقالوا: {بمبعوثين} أي بعد أن نموت، وما رؤيتنا لما رأينا قبل هذا من البعث إلاّ سحر لا حقيقة له، ولم ينفعهم مشاهدة البعث بل ضرتهم، هذا محتمل وظاهر، ولكن الأنسب لسياق الآيات قبل وبعد أن يكون هذا حكاية لقولهم له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الدار عطفاً على قوله {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] على الوجه الأول، وقوله: {ولو ترى} متصل بذلك، أي قالوا هذا القول لما أخبرتهم بالبعث، فساءك ذلك من قولهم والحال أنك لو رأيت اعترافهم به إذا سألهم خالقهم لسرك ذلك من ذلهم وما يؤول إليه أمرهم، وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم ذلك، وقولُه: {إذ وقفوا على ربهم} مجازاً عن الحبس في مقام من مقامات الجلال بما اقتضاه إضافة الرب إليهم، أي الذي طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم، فأظهر لهم ما أظهر في ذلك

المقام من تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم، وأطلعهم بما يقتضيه أداة الاستعلاء - على ما له سبحانه من صفات العظمة من الكبرياء والانتقام من التربية إذ لم يشكروا إحسانه في تربيتهم، وسياق الآية يقتضي أن يكون الجواب: لرأيتهم قد منعتهم الهيبة وعدم الناصر وشدة الوجل من الكلام، فكأن سائلاً قال: المقام يرشد إلى ذلك حتى كأنه مشاهد فهل يكلمهم الله لما يشعر به التعبير بوصف الربوبية؛ قيل: نعم، لكن كلام إنكار وإخزاء وإذلال {قال أليس هذا} أي الذي أتاكم به رسولي من أمر البعث وغيره مما ترونه الآن من دلائل كبريائي {بالحق} أي الأمر الثابت الكامل في الحقية الذي لا خيال فيه ولا سحر {قالوا} أي حين إيقافهم عليه، فكان ما أراد: {بلى} ، وزادوا على ما أمروا به في الدنيا القسم فقالوا: {وربنا} أي الذي أحسن إلينا بأنواع الإحسان، وكأن كلامهم هذا منزل على حالات تنكشف لهم فيها أمور بعد أخرى، كل أمر أهول مما قبله، ويوم القيامة - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ذو ألوان: تارة لا يكلمهم الله، وتارة يكلمهم فيكذبون، وتارة يسألهم عن شيء فينكرون، فتشهد

جوارحهم، وتارة يصدقون كهذا الموقف ويحلفون على الصدق. ولما أقروا قهراً بعد كشف الغطاء وفوات الإيمان بالغيب بما كانوا به يكذبون، تسبب عنه إهانتهم، فلذا قال مستأنفاً: {قال} أي الله مسبباً عن اعترافهم حيث لا ينفع، وتركهم في الدنيا حيث كان ينفع {فذوقوا العذاب} أي الذي كنتم به توعدون {بما كنتم تكفرون} أي بسبب دوامكم على ستر ما دلتكم عليه عقولكم من صدق رسولكم، ولا شك أن الكلام - وإن كان على هذه الصورة - فيه نوع إحسان، لأنه أهون من التعذيب مع الإعراض في مقام {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] ولذلك كان ذلك آخر المقامات.

31

ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع السامع ذكره، فقال تحقيقاً لذلك، وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب: {قد خسر} وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتنبيهاً على ما أوجب لهم ذلك فقال: {الذين كذبوا بلقاء الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله، ولا أمر لأحد معه، قد خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي الحقيقة، وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من مات جاءت ساعته، وحذرهم منها بقوله: {بغتة} أي باغتة، أو ذات بغتة، أو بغتتهم بإتيانها على حين غفلة، لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي

تجيء فيه نوعاً من الشعور {قالوا يا حسرتنا} أي تعالى احضرينا أيها الحسرة اللائقة بنا في هذا المقام! فإنه لا نديم لنا سواك، وهو كناية عن عظمة الحسرة وتنبيه عليه، لينتهي الإنسان عن أسبابها {على ما فرطنا} أي قصرنا {فيها} أي بسبب الساعة، ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق المهيئة للسباق بترك اتباع الرسل، وذلك أن الله خلق المكلف وبعث له النفس الناطقة القدسية منزلاً لها إلى العالم السفلي، وأفاض عليه نعماً ظاهرة وهي الحواس الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية، ونعماً باطنة وهي العقل والفكر وغيرهما، ليتوسل باستعمال هذه القوى والآلات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت، وبعث الأنبياء عليهم السلام للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا، فأعرضوا عما دعوا إليه من تزكية النفس، وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في اللذات والشهوات الفانية ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال، وما ظنوه من اللذات التي عدوها أرباحاً فات ففقدوا الزاد، ولم يهيئوا النفوس للاهتداء، فلا رأس مال ولا ربح، فصاروا في غاية الانقطاع والغربة، ولا خسران أعظم من هذا.

ولما كان هذا أمراً مفظعاً، زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة حالية بشدة تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم، حتى كأن عليهم أحمالاً ثقالاً فقال: {وهم} أي وقالوا ذلك والحال أنهم {يحملون أوزارهم} أي أحمال ذنوبهم التي من شأنها أن يثقل، وحقق الأمر وصوره بقوله: {على ظهورهم} لاعتقاد الحمل عليه، كما يقال: ثقل عليك كلام فلان، ويجوز أن يجسد أعمالهم أجساداً ثقالاً، فيكلفوا حملها؛ ولما كان ذلك الحمل أمراً لا يبلغ الوصف الذي يحتمله عقولنا كل حقيقة ما هو عليه من البشاعة والثقل، أشار إلى ذلك بقوله جامعاً للمذام: {ألا ساء ما يزرون *} . فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد، ولم يبق فيه لذي لب وقفة، صرح بما اقتضاه الحال من أمر هذه الدار، فقال منبهاً على خساستها معجباً منهم في قوة رغبتهم في إيثار لذاذتها، معلماً بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا إليه خيال، وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال، عكس ما كانوا يقولون: {وما الحياة الدنيا} . ولما كان السياق للخسارة، وكانت أكثر ما تكون من اللعب - وهو فعل ما يزيد سرور النفس على وجه غير مشروع، ويسرع انقضاؤه -

قدمه فقال: {إلا لعب ولهو} أي للأشقياء، وللحياة الدنيا شر للذين يلعبون، واللهو ما من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء على وجه لم يؤذن فيه، فيكون سبباً للغفلة عما ينفع، فتأخيره إشارة إلى أن الجهلة كلما فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل الباطلة بعلو النفوس أثاروا الشهوات بالملاهي، والمعنى أنه تحقق من هذه الآيات زوال الدنيا، فتحققت سرعته، لأن كل آتٍ قريب، فحينئذ ما هي إلا ساعة لعب، يندم الإنسان على ما فرط فيها، كما يندم اللاعب - إن كان له عقل - على تفويت الأرباح إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم. ولما كان التقدير بما أرشد إليه المعنى: وما الدار الآخرة إلا جد وحضور وبقاء للأتقياء، أتبعه قوله مؤكداً: {وللدار الآخرة خير} ولما كان الكل مآلهم إلى الآخرة، خصص فقال: {للذين يتقون} أي يوجدون التقوى، وهي الخوف من الله الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي، ليكون ذلك وقاية لهم من غضب الله، فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة الآخرة عليه وحذف ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه، فهو احتباك؛ ولما كان من شأن العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره، تسبب عن

إقبالهم على الفاني وتركهم الباقي قوله منكراً: {أفلا تعقلون *} . ولما كرر في هذه السورة أمره بمقاولتهم، وأطال في الحث على مجادلتهم، وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع تكرير الإخبار بأن المقضي بخسارته منهم لا يؤمنون لآية من الآيات، وكان من المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة وشماخة الكبر وقوة الجرأة، وأنه لا جواب لهم إلا التبعة والبذاءة كما هو دأب المعاند المغلوب، وأن ذلك يحزنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة، كان الحال محتاجاً إلى التسلية فقال تعالى: {قد نعلم} والمراد بالمضارع وجود العلم من غير نظر إلى زمان، وعدل عن الماضي لئلا يظن الاختصاص به، فالمراد تحقق التجدد لتعلق العلم بتجدد الأقوال {إنه ليحزنك} أي يوقع على سبيل التجديد والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي كدرها {الذي يقولون} أي من تكذيبك، فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في إسماعهم ما يكرهون من تنزيهنا، وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك، وعلمنا أنه يبلغ منك، فلا تحزن لأن من علم أن ربه يرضي المطيع له

ويجزي عاصيه، وهو عالم بما ينال المطيع في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل يسر، وهو كقوله تعالى في سورة يس {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76] ولا شك أن الحزن عند وقوع ما يسوء من طبع البشر الذي لا يقدر على الانفكاك عنه، فالنهي عنه إنما هو نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال المؤدي إلى الجزع المؤدي إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي، فهو من النهي عن السبب للمبالغة في النهي عن المسبب، وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير أن الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن الآخرة خير للمتقين، ومن المعلوم أنهما ضدان، فلا تنال إحداهما إلاّ بضد ما للأخرى، فلا تنال الآخرة إلا بضد ما لأهل الدنيا من اللعب واللهو، وذلك هو الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها الخوف كما روي في حديث قدسي «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» . ولما أخبره سبحانه بعلمه بذلك، سبب عنه قوله: {فإنهم} أي فلا يحزنك ذلك فإنهم {لا يكذبونك} بل أنت عندهم الأمين، وليكن علمنا بما تلقى منهم سبباً لزوال حزنك، وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك، بل أنت عندهم في نفس الأمر أمين غير متهم ولكنهم لشدة عنادهم ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم عن جواب يبرد غللهم ويشفي عللهم

ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها، فليخفف حزنك لنفسك ما انتهكوه من حرمة من أرسلك، والآية من الاحتباك: حذف من الجملة الأولى - إظهاراً لشرف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأدباً معه - سبب الحزن، وهو التكذيب لدلالة الثانية عليه، ومن الثاني النهي عن المسبب لدلالة الأولى عليه؛ روى الطبري في تفسيره عن السدي أنه لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة إن محمداً ابن أختكم، وأنتم أحق من كف عنه، فإنه إن كان نبياً لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غَلِب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلَب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئاً، فيومئذ سمي «الأخنس» ، وكان اسمه «أبي» ، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس به فقال: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن

إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش! وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فأنزل الله الآية وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {ولكن} ، وقال: {الظالمين} في موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، اي الذين كانوا في مثل الظلام {بآيات} أي بسبب آيات {الله} أي الملك الأكبر الذي له الكمال كله {يجحدون *} قال أبو علي الفارسي في أول كتاب الحجة: أي يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك، وعلق باء الجر بالظالمين كما هي في قوله {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} [الإسراء: 59] ونحوها، وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال: جحد الشيء جحداً وجحوداً: أنكره وهو عالم به. هذا قصدهم غير أنه لا طريق لهم إلا إنكار الآيات إلا بالتكذيب، أو ما يؤول إليه، وأنت تعلم أن الذي أرسلك على كل شيء قدير، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، فاقتضت قدرته وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف، واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفاً لك وتكثيراً لأمتك. ولما سلاه بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر، وبأن

تكذيبهم إنما هو له سبحانه، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم عنهم، بل ويحسن إليهم بالرزق والمنافع، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال: {ولقد} ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {كذبت رسل} . ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان، وكان الاشتراك في شيء يهوّنه، وكلما قرب الزمان كان أجدر بذلك أدخل الجار فقال: {من قبلك} بأن جحد قومهم ما يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك {فصبروا} أي فتسبب عن تكذيب قومهم لهم أنهم صبروا {على ما كذبوا وأوذوا} أي فصبروا أيضاً على ما أوذوا، ثم أشار إلى الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال: {حتى} أي وامتد صبرهم حتى {آتاهم نصرنا} أي فليكن لك بهم أسوة، وفيهم مسلاة، فاصبر حتى يأتيك النصر كما أتاهم، فقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون في قولنا {فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 56] {ولا مبدل لكلمات الله} أي لأن له جميع العظمة فلا كفوء له، ودل سبحانه على صعوبة مقام الصبر جداً بالتأكيد فقال: {ولقد جاءك} ودل على عظيم ما تحملوا بقوله: {من نبإى المرسلين *} أي خبرهم العظيم في صبرهم واحتمالهم وطاعتهم وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا لهم على من بغى عليهم، ومجيء نبأهم تقدم إجمالاً وتفصيلاً، أما إجمالاً ففي مثل قوله

{وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146] ، {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} [البقرة: 87] وأما تفصيلاً ففي ذكر موسى وعيسى وغيرهما؛ وفي قوله {فصبروا} أدل دليل على ما تقدم من أن النهي عن الحزن نهي عن تابعه المؤدي إلى عدم الصبر، والتعبير بمن التبعيضية تهويل لما لقوا، فهو أبلغ في التعزية.

35

ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية، أخبره بأنه لا حيلة له غير الصبر، فقال عاطفاً على ما تقديره: فتسلّ واصبر كما صبروا، وليصغر عندك ما تلاقي منهم في جنب الله: {وإن كان كبر} أي عظم جداً {عليك إعراضهم} أي عما يأتيهم به من الآيات الذي قدمنا الإخبار عنه بقولنا {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4] وأردت أن تنتقل - في إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات المقترحات - من علم اليقين إلى عين اليقين {فإن استطعت أن تبتغي} أي تطلب بجهدك وغاية طاقتك {نفقاً} أي منفذاً {في الأرض} تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر على الانتهاء إليه {أو سلماً في السماء} أي جهة العلو لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه {فتأتيهم بآية} أي ما اقترحوا عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضاً كما أخبرناك،

لأن الله قد شاء ضلال بعضهم، والمراد بهذا بيان شدة حرصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هدايتهم بأنه لو قدر على أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل. ولما كان هذا السياق ربما أوهم شيئاً في القدرة، نفاه إرشاداً إلى تقدير ما قدرته فقال: {ولو شاء الله} أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة {لجمعهم على الهدى} أي لأن قدرته شاملة، وإيمانهم في حد ذاته ممكن، ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم؛ ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم بكفره - حريصاً على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلاً عن القريب، مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم أو نهي مؤكد صارم، سبب عن ذلك قوله: {فلا تكونن} فأكد الكلام سبحانه ليعلم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قد حتم بافتراقهم، فيسكن إلى ذلك

ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم {من الجاهلين *} أي إنك أعلم الناس مطلقاً ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم تعاشره، فكيف بمن بلوتهم ناشئاً وكهلاً ويافعاً! فلا تعمل بحجة ما أوصاك الله به من الصبر والصفح، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ما يعلم من خسرانهم، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه، فإن ما شاءه لا يكون غيره، فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على عظيم رتبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن شاء الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى {عفا الله عنك} [التوبة: 43] . ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت، فلا يمكن إسماعه إلا الله، ولا يمكن أن يستجيب عادة، قال: {إنما يستجيب} أي في مجاري عاداتكم {الذين يسمعون} أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به، وهؤلاء قد ساووا الموتى في عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم {والموتى} أي كلهم حساً ومعنى {يبعثهم الله} أي

الملك المحيط علماً وقدرة، فهو قادر على بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ، فالآية من الاحتباك: حذف من الأول الحياة لدلالة {الموتى} عليها، ومن الثاني السماع لدلالة {يسمعون} عليه. ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت، حثاً على الإيمان وترغيباً فيه، وقدر قدرته على البعث، خوَّفَ من سطواته بقوله: {ثم إليه} أي وحده {يرجعون *} أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم، لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده أصلاً وحساً بعد الموت، فيساقون قهراً إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه. ولما سلاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره، وأعلمه تخفيفاً عليه أن أمرهم إنما هو بيده، ذكَّره بعضَ كلامهم الآئل إلى التكذيب عقب إخباره بالحشر الذي يجازي فيه كلاًّ بما يفعل، فقال عطفاً على قوله {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} [الأنعام: 29] وقوله {وقالوا لولا أنزل عليه الملك} [الأنعام: 8] يعجب منه تعجيباً آخر: {وقالوا} أي مغالطة أو عناداً أو مكابرة {لولا} أي هلا {نزل}

أي بالتدريج {عليه} أي خاصة {آية} أي واحدة تكون ثابتة بالتدريج لا تنقطع، وهذا منهم إشارة إلى أنهم لا يعدون القرآن آية ولا شيئاً مما رأوه منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير ذلك نحو انشقاق القمر {من ربه} أي المحسن إليه على حس ما يدعيه لنستدل بها على ما يقول من التوحيد والبعث. ولما كان في هذا - كما تقدم - إشارة منهم إلى أنه لم يأت بآية على هذه الصفة إما مكابرة وإما مغالطة، أمره بالجواب بقوله: {قل إن الله} أي الذي له جميع الأمر {قادر على أن} وأشار بتشديد الفعل إلى آية القرآن المتكررة عليهم كل حين تدعوهم إلى المبارزة وتتحداهم بالمبالغة والمعاجزة فقال: {ينزل} وقراءة ابن كثير بالتخفيف مشيرة إلى أنهم بلغوا في الوقاحة الغاية، وأنهم لو قالوا: لولا أنزل، أي مرة واحدة، لكان أخف في الوقاحة، أو إلى أنه أنزل عليهم أيّ آية، كانت تلجئهم وتضطرهم إليه في آن واحد كما قال تعالى {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 4] ولكنه لا يسأل ذلك إلا بالتدريج كما يشير إليه صيغة التفعيل في قراءة غيره المذكرة

بأن آية القرآن لا تنقضي، بل كلما سمعها أحد منهم أو من غيرهم طول الدهر كانت منزلة عليه لكونها واصلة إليه، فهو أبلغ من مطلوبهم آية ينزل عليه وحده، والحاصل أنهم طلبوا آية باقية محضة، فلوح لهم إلى آية هي - مع كونها خاصة به فيما حصل له من الشرف - عامة لكل من بلغته، باقية طول المدى {آية} أي مما اقترحوه ومن غيره، لا يعجزه شيء، وفي كل شيء له من الآيات ما يعجز الوصف، وكفى بالقرآن العظيم مثالاً لذلك {ولكن أكثرهم لا يعلمون *} أي ليس فيهم قابلية العلم، فهم لا يتفكرون في شيء من ذلك الذي يحدثه من مصنوعاته ليدلهم على أنه على كل شيء قدير، فلا فائدة لهم في إنزال ما طلبوه، وأما غير الأكثر فهو سبحانه يردهم بآية القرآن أو غيرها مما لم يقترحوه.

38

ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم يروا له آية قط بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار، ورد إلى الصم الأسماع، وأنار من العمى الأبصار؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم، رتبها سبحانه

قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى: {وما} أي قالوا ذلك والحال أنه ما، وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله {هو الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] أي فعل ذلك بكم وما {من دابة في الأرض} أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل {ولا طائر يطير} وقرر الحقيقة بقوله: {بجناحيه} وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً. ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال: {إلا أمم} أي يقصد منها في نفسه، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله {أمثالكم} أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئاً وحفظنا جميع أحوالهم، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم، وجعلنا لكم فيهم أحكاماً جددناها لكم، وجعلنا لكل منهم أجلاً للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة، وجعلنا في هذه الحيوانات ما هو أقوى منكم وما هو أضعف، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل، وربما سلطنا الأضعف عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقاً - البعوض -

ما أخذ بأنفاسكم ومنعكم القرار وأخرجكم عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعاً هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول وتقف دونها نوافذ الفكر، وهذا كله معنى قوله: {ما فرطنا} أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل {في الكتاب} أي اللوح المحفوظ والقرآن، وأعرق في النفي بقوله: {من شيء} أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره آخر النهار على ما كان مثبتاً في أم الكتاب فيجدونه كما هو، لا يزيد شيئاً ولا ينقص، فيزدادون إيماناً، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية والدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق، فمن أراد الهداية هداه بدقيق أسراره، ومن أعرض أوقعه في الردى، وعمي حتى عن واضح أنواره، والآية كما قال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض} إلى أن قال: {وبث فيها من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] .

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم عن إرسال الرسل فضلاً عن أن تتوقفوا بعد إرسالهم ولا ترضوا منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه. ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين من أحوال الحياة وغيرها، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال: {ثم} أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ {إلى ربهم} أي خاصة، وبني للمفعول على طريق كلام القادرين قوله: {يحشرون *} أي يجمعون كرهاً بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه، كل ذلك عليه هيّن {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] والكل محفوظون في كتاب مبين على اختلاف أنواعهم وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، إن ذلك على الله يسير، وهو على كل شيء قدير. ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت فيها الآيات

وتكررت وتكثرت فيها الدلالات: فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا، ناطقون بمحامدنا راؤون لأفعالنا، عطف عليه قوله: {والذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب {بآياتنا} أي على ما لها من العظمة المقتضية لإضافتها إلينا، مرئية كانت أو مسموعة، تكذيباً متكرراً على عدد الآيات بالفعل أو بالقوة ولو بالإعراض عنها {صم} أي أموات فهم لا يسمعون {وبكم} لا ينطقون {في الظلمات} أي عمي لا يبصرون، فلذلك لا يزالون خابطين خبط العشواء ساعين غاية السعي إلى الردى، لأن ذلك شأن من في الظلمة، فكيف بمن هو في جميع الظلمات! ولعله جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ببصيرة، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك منهم عدماً. ولما بين أن الأصم الأبكم الأعمى لا يتمكن هدايته، بين أن ذلك إنما هو بالنسبة لغيره سبحانه فطماً عن طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات وأما هو سبحانه ففعال لما يريد، فقال في جواب من كأنه قال: إنما تمكن هدايتهم: {من يشإ الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه إضلاله {يضلله ومن يشأ} هدايته

{يجعله} وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال: {على صراط مستقيم *} بأن يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد الله فما له من مضل ومن يضلل الله فما له من هاد، مع أن الكل عباده وخلقه، متقلبون في نعمه، غادون رائحون في بره وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون. ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق لقوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} [الأنعام: 21و 39] وقوله {كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤا} [الأنعام: 5] الآيتين رجع بالذي بعدها إلى فذلكة التفاصيل الماضية وواسطة عقدها وفريدة درها، وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين، فقال دالاً على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتُهم بطلب الآية نفيها، واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به، بياناً لأنهم في الظلمات مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجباً منهم: {قل أرءيتكم} أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عناداً وشهد أن مع الله آلهة أخرى، وعدل بالله الذي يعلم السر والجهر، وهو مع من يدعوه في كل سماء وكل أرض بعنايته ونصره. ولما كانت حقيقة {أرءيتكم} : هل رأيتم أنفسكم، وكان هذا

لكونه سؤالاً عن معلوم لا يجهله أحد - مشيراً إلى أن السؤال عن غيره مما قد يخفى من أحوال النفس، كان كأنه قيل: عن أيّ أحوال نفوسنا نُسأل؟ فقيل تنبيهاً لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن رؤية النفس سواء: {إن أتاكم} أي قبل مجيء الساعة كما آتى من قبلكم {عذاب الله} أي المستجمع لمجامع العظمة، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به {أو أتتكم الساعة} أي القيامة بما فيها من الأهوال. ولما عجب منهم بما مضى - كما مضى، قال مجيباً للشرط موبخاً لهم منكراً عليهم عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه، ويجوز أن يكون جواب الشرط محذوفاً تقديره: من تدعون؟ ثم زادهم توبيخاً وتبكيتاً بقوله: {أغير الله} أي الملك الذي له العظمة كلها {تدعون} أي لشدة من تلك الشدائد، ولا تدعون الله مع ذلك الغير {إن كنتم صادقين *} أي في أن غير الله يغني شيئاً حى يستحق الإلهية، وجواب الشرط محذوف تقديره: فادعوا ذلك الغير، وهذه حجة لا يسعهم معها غيرُ التسليم، فإن عادتهم كانت مستمرة أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا إليه، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا: لا ندعو غيره، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له،

وإن عاندوا نطق لسان الحال أنهم على محض الضلال، وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب، وهي مع ذلك - كما ترى - دليل على ما أخبرت به الآية قبلها من أن الأمر كله لله، أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه لا منصرف إلا إليه وقد افترقتم فصدق بعض وكذب آخرون، فلو أن الأمر موقوف على وضوح الدلالة فقط كان الكل على نهج واحد، هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال: للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان: أحدهما أن تسأل الرجل: أرأيت زيداً، أي بعينك، فهذه مهموزة، وثانيهما أن تقول: أرأيت، وأنت تريد: أخبرني، فهاهنا تترك الهمزة إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتومئ إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنيين؛ ثم قال أبو حيان: وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه سيبويه وغيره من أئمة العرب، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني يتعدى بعن، وأرأيت متعد لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني؛ وقال

في سورة يونس عليه السلام: تقدم في سورة الأنعام أن العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، وأن المفعول الثاني أكثر ما يكون جملة استفهام، ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ وخبر، يقول العرب: أرأيت زيداً ما صنع؟ المعنى: أخبرني عن زيد ما صنع! وقبل دخول أرأيت كان الكلام: زيد ما صنع - انتهى. قلت: وحقيقة المعنى كما مر: هل رأيت زيداً؟ فلما استفهم عن رؤيته - والمراد الخبر لا البصر - عُلم أن السؤال عن بعض أحواله، فكأنه قيل: ما له؟ فقيل: ما صنع؟ . ولما كان استفهام الإنكار بمعنى النفي، كان كأنه قيل: لا تدعون غيره، فعطف عليه قوله: {بل إياه} أي خاصة {تدعون} أي حينئذ؛ ولما كان يتسبب عن دعائهم تارة الإجابة وأخرى غيرها قال: {فيكشف} أي الله في الدنيا أو في الآخرة، فإنه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء {ما تدعون إليه} أي إلى كشفه {إن شاء} أي ذلك تفضلاً عليكم كما هي عادته معكم في وقت شدائدكم، ولكنه لا يشاء كشفه في الآخرة، لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء، ولو كان يجيبكم دائماً وأنتم لا تدعون غيره، لكان ذلك كافياً في الدلالة على اعتقادكم أنه لا قادر إلا هو، فكيف وهو يجيبكم في الدنيا

إذا دعوتموه تارة ويجيبكم أخرى، ومع ذلك فلا يردكم عدم إجابته عن اعتقاد قدرته ودوام الإقبال عليه في مثل تلك الحال لما ركز في العقول السليمة والفطر الأولى من أنه الفاعل المختار، وعلى ذلك دل قوله عطفاً على «تدعون» : {وتنسون} أي تتركون في تلك الأوقات دائماً {ما تشركون *} أي من معبوداتكم الباطلة لعلمكم أنها لا تغني شيئاً، كما هي عادتكم دائماً في أوقات الشدائد رجوعاً إلى حال الاستقامة. أفلا يكون لكم هذا زاجراً عن الشرك في وقت الرخاء خوفاً من إعادة الضراء! .

42

ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت السبل في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء، أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء، ترغيباً في إدامته وترهيباً من مجانبته فقال: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {إلى أمم} أي أناس يؤم بعضهم بعضاً، وهم أهل لأن يقصدهم الناس، لما لهم من الكثرة والعظمة. ولما كان المراد بعض الأمم، وهم الذين أراد الله إشهادهم وقص أخبارهم، أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي رسلاً فخالفوهم، وحسّن هذا الحذف كونه مفهوماً {فأخذناهم} أي فكان إرسالنا إليهم سبباً

لأن أخذناهم بعظمتنا، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه الرسل {بالبأساء} من تسليط القتل عليهم {والضراء} بتسليط الفقر والأوجاع {لعلهم يتضرعون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ، بما يرشد إليه - مع صيغة التفعيل - الإظهار، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة، بخلاف ما يأتي في الأعراف. ولما لم يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه، تسبب عنه الإنكار عليهم، فقال معبراً بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع: {فلولا} أي فهلا {إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} ولما كان معنى الإنكار أنهم ما تضرعوا قال: {ولكن قست قلوبهم} أي فلم يذكروا ربهم أصلاً {وزين لهم الشيطان} أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات {ما كانوا يعملون *} من العظائم والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين {فلما نسوا ما ذكروا به} أي فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع والتسكن، كما هو اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا {فتحنا} أي بما يليق بعظمتنا {عليهم أبواب كل شيء} أي من الخيرات والأرزاق والملاّد التي كانت مغلقة عنهم ونقلناهم من

الشدة إلى الرخاء، وذلك استدراجاً لهم، ومددنا زمانه وطوّلنا أيامه {حتى إذا فرحوا} أي تناهى بهم الفرح {بما أوتوا} أي معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء بعد أن كان ابتلاهم بذلك، فعلم أنهم في غاية من الغباوة، لا يرتدعون بالتأديب بسياط البلاء، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء، بل ظنوا أن البلاء عادة الزمان، والرخاء باستحقاقهم الامتنان، فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس {أخذناهم} بعظمتنا، وإنما أخذناهم في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم {بغتة} فلم نمكنهم من التضرع عند خفوق الأمر، ولا أمهلناهم أصلاً بل نزل عليهم من أثقال العذاب، وأباح بهم من أحمال الشدائد وصروف البلايا ما أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا {فإذا هم مبلسون *} أي تسبب عن ذلك البغت أن فاجؤوا السكوتَ على ما في أنفسهم واليأس تحسراً وتحيراً، واستمروا بعد أن سكتوا إلى أن همدوا وخفتوا، ففي نفي التضرع عن المتقدمين بعد أن أثبته لمشركي هذه الأمة استعطاف لطيف، وفي ذكر استدراج أولئك بالنعم عند نسيان ما ذكروا به إلى ما أخذهم بغتة من قواصم النقم غاية التحذير.

ولما كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشُذّابهم لملل أصحابه من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب، أخبر تعالى أن أخذه على غير ذلك، وأن نيله للآخر كنيله للأول على حد سواء، فقال مسبباً عن الأخذ الموصوف مشيراً بالبناء للمفعول إلى تمام القدرة، وبالدابر إلى الاستئصال: {فقطع دابر} أي آخر {القوم الذين ظلموا} أي بوضع الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام، وضعوا لقسوة موضع الرقة التي تدعو إليها الشدة، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى الشدة، كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع دعاء من أفاض تلك النعم، ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من عبدتموه وقت الرخاء، لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به. وإن تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من الرسل عليهم السلام وأتباعهم رضي الله عنهم، نبه على ذلك بالجملة مع ما يشير

إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال: {والحمد} أي قطع أمرهم كله والحال أن الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} المتفرد بنعوت الجلال والجمال {رب العالمين *} الموجد لهم أجمعين، أي له ذلك كله بعد فناء الخلق على أيّ صفة كانوا من إيمان أو كفر، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة، فكأنه قيل: الكمال لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، فقطع دابرهم، والكمال له لم يتغير، لأنه لا يزيده وجود موجود، ولا ينقصه فقد مفقود، فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان محموداً حال الإيجاد والخلق، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنه لا يخرج شيء عن إيمانهم ولا كفرانهم عن إرادته سبحانه، فلا عليك منهم اقترحوا الآيات أولا، فإنه ليس عليك إلا البلاغ.

46

ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال، وكان الإتيان بالكاف ثَمَّ مشيراً مع إفادة التأكيد إلى أن ثَمَّ نوع مهلة، وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصورُ شناعته يهذأ الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان، فإنه لا أشنع حالاً من أصم أعمى مجنون، فقال مشيراً - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أيّ

الأخذ: {قل أرءيتم} فكانت حقيقة المقترن بالكاف: هل رأيتم أنفسكم، وهذا هل رأيتم مطلق رؤية، لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين: أخبروني {إن أخذ الله} أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء {سمعكم} وأفرده لقلة المفاوتة فيه، لأنه أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة، ليكون ذلك أدل على الفعل بالاختيار {وأبصاركم} أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمماً ظاهرين وباطنين بسلب المنفعة {وختم على قلوبكم} فجعلها لا تعي أصلاً أو لا ينتفع بالوعي {من إله} أي معبود بحق، لأن له إحاطة العلم والقدرة؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله: {غير الله} أي الذي له جميع العظمة {يأتيكم به} أي بذلك الذي هو أشرف معاني أشرف أعضائكم، أو بشيء منه. ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في وحدانيته وبطلان كل معبود سواه - أعلى المقامات، نبه على أنه على ذلك، بالأمر بالنظر فيها وفي حالهم بعدها، دالاً على ما تقدم من أن المقترحات لا تنفع من أراد سبحانه شقاوته فقال: {انظر كيف نصرف} أي بما لنا من العظمة {الآيات} أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه

من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد عبر بأداة التراخي فقال: {ثم هم} أي بعد هذا البيان بصميم ضمائرهم {يصدفون *} أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة. ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحاً وتارة بإسقاط الكاف؛ كان ربما وقع في وهم السؤالُ عن حالة الجهر، أتبع ذلك ذكره مفصلاً لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال: {قل أرءيتكم} ولما كان المعنى: أخبروني، وكان كأنه قيل: عما ذا؟ قيل: {إن أتاكم عذاب الله} أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء {بغتة} أي بحيث لا يرى إلا ملتبساً بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته، {أو جهرة} أي بحيث ترونه مقبلاً إليكم مقدماً عليكم {هل} . ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل، بني للمفعول قوله: {يهلك} أي في واحدة من الحالتين هلاكاً هو الهلاك، وهو هلاك السخط {إلا القوم} أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم والمقاومة {الظالمون *} أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له، وأما المصلح فإنه ناج إما في الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى

عليه؛ وذكر أبو حيان أنه لما كان مطلق العذاب صالحاً لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم، كان التوعد به أهول، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب. ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر، وطلبه منهم ما لا يقدر عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات؛ بين لهم حقيقة الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله، فقال عاطفاً على {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} [الأنعام: 42] {وما نرسل} أي بما لنا من العظمة {المرسلين} أي نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من الماضي وغيره {إلا مبشرين} لمن أطاع {ومنذرين} لمن عصى، عريقين في كل من الوصفين، لا مجيبين إلى ما يقترح الأمم، ولا معذبين لمن يعاندهم؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من النفع والضر فقال: {فمن آمن وأصلح} أي تصديقاً لإيمانه {فلا خوف عليهم} أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فواضح، وأما في الدنيا

الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية، فهو إلى فناء ثم إلى سرور دائم، فهو عدم {ولا هم يحزنون*} أي حزناً يضر بحياتهم الأبدية. ولما بين حال المصلحين، أتبعه حال المفسدين فقال: {والذين كذبوا بآياتنا} أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة {يمسهم العذاب} أي الدائم المتجدد، وكني عن قربه بأن جعل له قوة المس، كأنه حي مريد فقال: {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفسقون *} أي يديمون الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من الإيمان وما يقتضيه، وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر التوبة منه فيعفى عنه. ولما بين وظيفة الرسل، وقسم المرسل إليهم، أمره بنفي ما يتسبب عنه قولهم من أن البشر لا يكون رسولاً، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد، أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم، أو إلزامه بذلك، منها لهم على وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال: {قل} أي في جواب قولهم {لولا أنزل عليه آية} [يونس: 20] ونحوه. ولما لم يكن لهم عهد بأن بشراً يكون عنده الخزائن، يتصرف فيها بما يريد، وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر

ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاماً له بذلك لقصد التكذيب. نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال: {لا أقول لكم} أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض، فأباها تواضعاً لله سبحانه، قيد بقوله «لكم» إفهاماً لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له {عندي خزائن الله} أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة، فلا كفوء له أي فآتيكم ما تقترحون من الآيات وما تشتهونه من الكنوز وما تستهزئون به من العذاب، وإنما الخزائن بيده، يفعل فيها ما يشاء. ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات، وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائماً لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب، ولكنهم

يظنونه من آيات الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره، لعلهم يظفرون عليه بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون، فيعدونه عليه؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره، فقال نافياً له من أصله، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه، عاطفاً على {لا أقول} لا على {عندي} {ولا أعلم الغيب} أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو قيام الساعة، فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا إلا لمرتبة الألوهية، وإنما لم أدّع الأول كما ألزمتموني به، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم. ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان، قال: {ولا أقول} أي بدعوى الرسالة؛ ولما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلى الأنبياء صفاء وأنورهم قلباً وأشدهم في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر، وكان هذا أمراً من الله له. قيد بقوله: {لكم} إفهاماً لأنه لا يمتنع عليه أن يقول ذلك، بل لو قاله كان صادقاً،

ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم في محاوراتهم، وأما إسقاط «لكم» في قصة نوح من سورة هود عليهما السلام فتواضعاً منه لكونه من قوله، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى {إني ملك} فأقوى على الأفعال التي تقوى عليها الملائكة من التحرز عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة. فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلهاً أو ملكاً، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله، فقال على وجه النتيجة: {إن} أي ما {أتبع} أي بغاية جهدي {إلا ما يوحى إلي} أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئاً مما تقدم نفيه، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصاً، وأنذر به كل من بلغه عموماً، وذلك غير منكر في العقل ولا مستبعد بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر، وقد قام على ثبوته لي واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين، فإن كان فيه الإذن لي بإبراز خارق أبرزته، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته، وإلا اقتصرت على الإبلاغ

مع التحدي، وهو مخبر بأن الله - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة. ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر، لا يهتدون إلى ما ينفعهم، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم، بل هم كالسالك بين المهالك، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبصر البصراء وأحكم الحكماء لأتباعه علام الغيوب، وكان موضع أن يقال: ما يوحى إليك في هذا المقام؟ قال على وجه التبكيت لهم: {قل} أي لكل من يسمع قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان {هل يستوي} أي يكون سواء من غير مرية {الأعمى والبصير} فإن قالوا: نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير، ومن أعرض عنها فهو العمى، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله: {أفلا تتفكرون *} أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات.

51

ولما أمره بتوبيخهم، أمره - عاطفاً على قوله «قل» - بالإنذار على وجه مخز لهم أيضاً فقال: {وأنذر به} أي بما يوحى إليك، وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم

وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد بقوله: {الذين يخافون} أي تجويزاً للجائز عقلاً وعادة. ولما كان المرهوب الحشر نفسه، لا بقيد كونه من معين؛ بني للمفعول قوله {أن يحشروا} أي يجمعوا وهم كارهون {إلى ربهم} أي المحسن إليهم بالإيجاد والتربية مع التقصير في الشكر، حال كونهم {ليس لهم} وأشار إلى تحقير ما سواه وسفوله بالجار فقال: {من دونه} أي من المنزلة التي هي تحت منزلته، ومن المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته، ليس لهم ذلك، أي على وجه الانفراد أو التوسل {ولي} يتولى أمورهم فينقذهم قهراً مما يخافون {ولا شفيع} ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية. ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته، فقال: {ولا تطرد الذين يدعون} وهم الفقراء من المسلمين {ربهم} أي المحسن إليه عكس ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً؛ ثم بين من حالهم من الملازمة ما يقتضي الإخلاص فقال: {بالغداة والعشي} أي في طرفي النهار مطلقاً

أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام؛ ثم أتبع ذلك نتيجته فقال معبراً عن الذات بالوجه، لأنه أشرف - على ما نتعارفه - وتذكّره يوجب التعظيم ويورث الخجل من التقصير: {يريدون وجهه} أي لأنه لو كان رياء لاضمحل على طول الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن. ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاتباع إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير مخلصين في اتباعه، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة؛ بين له تعالى أنه لا حظ له في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث للتنفير عنها، فقال معللاً لما مضى أو مستأنفاً: {ما عليك} قدم الأهم عنده وهو تحمله {من حسابهم} وأغرق في النفي فقال: {من شيء} أي ليس لك إلا ظاهرهم، وليس عليك شيء من حسابهم، حتى تعاملهم بما يستحقون في الباطن من الطرد إن كانوا غير مخلصين {وما من حسابك} قدم أهم ما إليه أيضاً {عليهم من شيء} أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك فيه على تقدير غشهم، أو ليس عليك من رزقهم

شيء فيثقلوا به عليك، وما من رزقك عليهم من شيء فيضعفوا عنه لفقرهم، بل الرازق لك ولهم الله؛ ثم أجاب النفي مسبباً عنه فقال: {فتطردهم} أي فتسبب عن أحد الشيئين طردك لهم ليقبل عليك الأغنياء فلا يكلفوك ما كان أولئك يكلفونك، وإن كلفتهم ما كان أولئك عاجزين عنه أطاقوه؛ والحاصل أنه يجوز أن يكون معنى جملتي {ما عليك من حسابهم} - إلى آخرهما راجعاً إلى آية الكهف {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف: 28] فيكون المعنى ناظراً إلى الرزق، يعني أن دعاءك إلى الله إنما مداره الأمر الأخروي، فليس شيء من رزق هؤلاء عليك حتى تستنفر بهم وترغب في الآغنياء، ولا شيء من رزقك عليهم فيعجزوا عنه، وفي اللفظ من كلام أهل اللغة ما يقبل هذا المعنى؛ قال صاحب القاموس وغيره: الحساب: الكافي ومنه {عطاء حساباً} [النبأ: 36] وحسّب فلان فلاناً: أطعمه وسقاه حتى شبع وروي. وقال أبو عبيد الهروي: يقال: أعطيته فأحسبته، أي أعطيته الكفاية حتى قال: حسبي، وقوله {يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212] أي بغير تقتير وتضييق، وفي حديث سماك: ما حسبوا ضيفهم،

أي ما أكرموه، وقال ابن فارس في المجمل: وأحسبته: أعطيته ما يرضيه، وحسّبته أيضاً، وأحسبني الشيء: كفاني. ولما نهاه عن طردهم مبيناً أنه ضرر لغير فائدة، سبب عن هذا النهي قوله {فتكون من الظالمين *} أي بوضعك الشيء في غير محله، فإن طردك هؤلاء ليس سبباً لإيمان أولئك، وليس هدايتهم إلا إلينا، وقد طلبوا منا فيك لما فتناهم بتخصيصك بالرسالة ما لم يخف عليك من قولهم {لولا أنزل عليه ملك} [الأنعام: 8] ونحوه مما أرادوا به الصرف عنك، فكما لم تقبلهم فيك فلا تقبلهم أنت في أوليائنا، فإنا فتناهم بك حتى سألوا فيك ما سألوا وتمنوا ما تمنوا {وكذلك} أي ومثل ما فتناهم بإرسالك {فتنا} أي فعلنا فعل المختبر قسراً بما لنا من العظمة {بعضهم ببعض} بالتخصيص بالإيمان والغنى والفقر ونحو ذلك {ليقولوا} أي إنكاراً لأن تفضل غيرهم عليهم احتقاراً لهم واستصغاراً {أهؤلاء} أي الذين لا يساووننا بل لا يقاربوننا في خصلة من خصال الدنيا {منَّ الله} أي على جلاله وعظمه {عليهم} أي وفقهم لإصابة الحق وما يسعدهم عنده وهم فيما نرى من الحقارة {من بيننا} فالآية ناظرة إلى ما يأتي في هذه السورة من قوله تعالى {حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] .

ولما كان الإنكار لا يسوغ إلاّ مع نهاية العلم بمراتب المفضلين، وأن المفضل لا يستحق التفضيل من الوجه المفضل به، أنكر إنكارهم بقوله: {أليس الله} أي الذي له جميع الأمر، فلا اعتراض عليه {بأعلم بالشاكرين *} أي الذين يستحقون أن يفضلوا لشكرهم على غيرهم لكفرهم.

54

ولما نهاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن طردهم، علمه كيف يلاطفهم فقال عاطفاً على ما تقديره: وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من عبادي فلا تحفل بهم: {وإذا جاءك} وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف الموجب لإكرامهم وتعميماً لغيرهم فقال: {الذين يؤمنون} أي هم أو غيرهم أغنياء كانوا أو فقراء، وأشار بمظهر العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير بالإيمان به فقال: {بآياتنا} على ما لها من العظمة بالنسبة إلينا {فقل} أي لهم بادئاً بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لخواطرهم {سلام عليكم} أي سلامة مني ومن الله، ونكره لما يلحقهم في الدنيا من المصائب؛ ثم علل ذلك بقوله: {كتب ربكم} أي المحسن إليكم {على نفسه الرحمة} ثم علل ذلك بقوله واستأنف بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان، لأنه طبعه على طبائع الخسران إلا من جعله موضع الامتنان فقال: {أنه من عمل منكم سوءاً} أي أيّ سوء كان

ملتبساً {بجهالة} أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم حتى كان كأنه لا يعلم شيئاً {ثم تاب} أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال الزمان، ولذا أدخل الجار فقال: {من بعده} أي بعد ذلك العمل {وأصلح} بالاستمرار على الخير {فإنه} أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه دائماً {غفور} أي بالغ الستر والمحو لما كان من ذلك {رحيم *} يكرم من تاب هذه التوبة بأن يجعله كمن أحسن بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب، ومن أصر وأفسد فإنه يعاقبه، لأنه عزيز حكيم، وربما كانت الآية ناظرة إلى ما قذفهم به المشركون من عدم الإخلاص، ويكون حينئذ مرشحاً لأن المراد بالحساب المحاسبة على الذنوب. ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات، قال عاطفاً على {وكذلك فتنا} عطفاً للضد على ضده، فإن في الاختبار نوع خفاء: {وكذلك} أي ومثل الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء، فيتميز الضال من المهتدي {نفصل الآيات} التي نريد بيانها ليتضح سبيل المصلحين فيتبع {ولتستبين} أي تظهر ظهوراً بيناً {سبيل المجرمين *} فتجتنب، وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول، لأن دفع المفاسد أهم.

ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم، أمره تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان الواضح من سوء عاقبة سبيلهم - مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم، وهي المباينة في الدين فقال: {قل إني نهيت} أي ممن له الأمر كله {أن أعبد الذين تدعون} أي تعبدون بناء منكم على محض الهوى والتقليد في أعظم أصول الدين، وحقر أمرهم وبين سفول رتبتهم بقوله: {من دون الله} أي الذي لا أعظم منه، فقد وقعتم في ترك الأعظم ولزوم الدون الذي هو دونكم في أعظم الجهل المؤذن بعمى القلب مع الكفر بالمحسن، فمباينتي مبناها على المقاطعة، فكيف تطمع في متابعة! ثم أكد ذلك بأمر آخر دال على أنه لا شبهة لهم في عبادتهم فقال: {قل لا أتبع أهواءكم} أي عوضاً عما أنا عليه من الحكمة البالغة المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة. ولما كان من المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى، بل إلى غاية الردى، حقق ما أفهمته هذه الجملة بقوله: {قد ضللت إذاً} أي إذا اتبعت أهواءكم؛ ولما كان الضال قد يرجع، بين أن هذا ليس كذلك، لعراقتهم في الضلال، فقال معبراً بالجملة الاسمية الدالة على الثبات:

{وما أنا} أي إذ ذاك على شيء من الهداية لأعد {من المهتدين *} .

57

ولما كان طلبهم للآيات - أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في إنزال الأنهار والكنوز وإراحة الحياة، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله، وأمره هنا أن يصرح لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة، أمره بأن يخبرهم بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله: {قل إني} وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء فقال: {على بينة} أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة عليه وتعذيبه بعداوته، وإما العدم وثوقه بأنه على الحق، وأما أنا فواثق بكلا الأمرين {من ربي} أي المحسن إليّ بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر الملك والملكوت {و} الحال أنكم {كذبتم به} أي ربي حيث رددتم رسالته فهو منتقم منكم لا محالة. ولما قيل ذلك، فرض أن لسان حالهم قال: فائتنا بهذه البينة! فقال: إن ربي تام القدرة، فلا يخاف الفوت فلا يعجل، وأما أنا فعبد {ما عندي} أي في قدرتي وإمكاني {ما تستعجلون به} أي في قولكم «امطر علنيا حجارة من السماء» ونحوه حتى أحكم فيكم بما يقتضيه

طبع البشر من العجلة {إن} أي ما {الحكم} في شيء من الأشياء هذا وغيره {إلا الله} أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له، ثم استأنف قوله مبيناً أنه سبحانه يأتي بالأمر في الوقت الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد غيره على تقديم ولا تأخير فقال: {يقضُّ} أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير، وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم «يقص» أي يقطع القضاء أو القصص {لحق} ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه، ليتبعه من قضى بسعادته، ويتنكب عنه من حكم بشقاوته {وهو خير الفاصلين *} لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبساً لمن يريد هدايته، وجعل في ذلك الظاهر سبباً لمن يريد ضلالته؛ ثم أكد ذلك لمن زاد قلبه في الجلافة مبيناً ما في غيره من وخيم العاقبة فقال: {قل لو أن عندي} أي على سبيل الفرض {ما تستعجلون به} أي من العذاب {لقضي} وبناه للمفعول لأن المخوف إنما هو الإهلاك، لا كونه من معين {الأمر بيني وبينكم} أي فكنت أهلك من خالفني غضباً لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه، وقد يكون فيهم مَنْ كُتِبَ في ديوان السعداء، لكنه لم يكن الأمر

إليّ لأني لا أعلم الظالم عند الله من غيره، فليس الأمر إلا إلى الله، لأنه أعلم بالمنصفين فينجيهم {والله} أي الذي له الكمال كله {أعلم بالظالمين *} أي المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم. ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها، فقال عاطفاً على معنى ما سبق، وهو: فعنده خاصة جميع ذلك: {وعنده} أي وحده {مفاتح الغيب} أي التي لا يدرك الغيب إلا من علمها. ولما كان معنى ذلك الاختصاص، صرح به في قوله: {لا يعلمها إلا هو} وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها ب «لكم» يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين. ولما ذكر علم الغيب، أتبعه علم الشهادة، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام

الذين تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة، والقرآن إنما أنزل لنفع جميع الخلق: الذكي منهم والغبي، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معيناً على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب، فقال مؤكداً لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس، وعطفُه بالواو عطفَ الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال: {ويعلم ما في البر} وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن {والبحر} وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول. ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل: خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال: {وما تسقط} وأغرق في النفي بقوله: {من ورقة} ونكرها إتماماً للتعميم {إلا يعلمها} ولما كان هذا مع عظمه ظاهراً، ذكر ما هو أدق منه فقال: {ولا} أي

وما من {حبة} ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله: {في ظلمات الأرض} أي ولو كان في أقصى بطنها، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة. ولما خص، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال: {ولا رطب ولا يابس} أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد {إلا في كتاب مبين *} أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات قادراً على جميع المقدورات.

60

ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه، وكان من أدلته العظمة النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر، وكان فيه مع ذلك تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم، أتبع ذلك قوله: {وهو} أي وحده {الذي يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور أصلاً، فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت، وذكر الأصل في ذلك فقال: {بالّيل ويعلم} أي والحال أنه يعلم {ما جرحتم} أي كسبتم {بالنهار} أي الذي

تعقبه النوم، من الذنوب الموجبة للإهلاك، ويعاملكم فيها بالحلم بعد العلم ولا يعجل عليكم، وهو معنى {ثم يبعثكم} أي يوقظكم بعد ذلك النوم المستغرق، فيصرفكم فيما يشاء {فيه} أي في النهار الذي تعقب ذلك النوم بعد استحقاقكم للانتقام {ليقضى} أي يتم {أجل مسمى} كتبه للموتة الكبرى. ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ذلك في الموتة الكبرى، وكان فيه تقريب عظيم له قال: {ثم} يبعثكم من تلك الموتة كما بعثكم من هذه، ويكون {إليه} أي وحده {مرجعكم} أي حساً بالحشر إلى دار الجزاء، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا {ثم} بعد تلك المواقف الطوال والزلازل والأهوال، ويمكن أن تشير أداة التراخي إلى عظمة العلم بذلك، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق {ينبئكم} أي يخبركم إخباراً عظيماً جليلاً مستقصى {بما كنتم تعملون *} أي فيجازيكم عليه، ولعلمه عبر بالعمل لأن الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية العلم، فتقرر - مع كمال قدرته سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها - استقلالُه بحفظها في كل حال وتدبيرها على

أحسن وجه. ولما أخبر بتمام العلم والقدرة، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها، فلو بالغ أحد في الاجتهاد في أن ينام في غير وقته ما قدر، أو أن يقوم وقت النوم لعجز، أو أن يحيي وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال: {وهو} أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء {القاهر} وصور ذلك بقوله: {فوق عباده} أي في الإحاطة بالعلم والفعل، أما قهره للعدم فبالتكوين والإيجاد، وأما قهره للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى، فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار - إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصروف الممكنات {ويرسل} ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح فقال: {عليكم} من ملائكته {حفظة} أي يحفظون عليكم كل حركة وسكون لتستحيوا منهم وتخافوا عاقبة كتابتهم. ويقوم عليكم بشهادتهم الحجة على مجاري عاداتكم، وإلا فهو سبحانه غني عنهم، لأنه العالم القادر فيحفظونكم على حسب مراده فيكم {حتى إذا جاء} .

ولما كان تقديم المفعول أخوف قال: {أحدكم الموت} أي الذي لا محيد له عنه ولا محيص {توفته} أي أخذت روحه كاملة {رسلنا} من ملك الموت وأعوانه على ما لهم من العظمة بالإضافة إلينا {وهم لا يفرطون *} في نفس واحد ولا ما دونه ولا ما فوقه بالتواني عنه ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر؛ ولما أشار سبحانه إلى قوته بالجنود التي تفوت الحصر - وإن كان عنهم غنياً بصفة القهر - نبه بصيغة المجهول إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته فقال: {ثم} أي بعد حبسهم في قيد البرزخ {ردوا} أي ردهم راد منه لا يستطيعون دفاعه أصلاً {إلى الله} أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده وخدمته {مولاهم} أي مبدعهم ومدبر أمورهم كلها {الحق} أي الثابت الولاية، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة وغيرهم عدم، لأن الحفظة لا يعلمون إلا ما ظهر لهم، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى. ولما استحضر المخاطب عزته وقهره، وتصور جبروته وكبره، فتأهل قلبه وسمعه لما يلقى إليه ويتلى عليه، قال: {ألا له} أي وحده حقاً {الحكم} ولما كان الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمراً يحير الفكر، ولا يكاد يدخل تحت الوهم، قال محقراً في جنب قدرته:

{وهو} أيوحده {أسرع الحاسبين *} يفصل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح كما أنه يقسم أرزاقهم في الدنيا في مثل ذلك، لا يقدر أحد أن ينفك عن عقابه بمطاولة في الحساب ولا مغالطة في ثواب ولا عقاب، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى فكر وروية ولا عقد ولا كتابة، فلا يشغله حساب عن حساب ولا شيء عن شيء.

63

ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته، ذكرهم أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها، فكانوا كمن طلب من شخص شيئاً وأكد له الميثاق على الشكر، فلما أحسن إليه بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر، وذلك عندهم في غاية من القبائح لا توصف فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال {من ينجيكم} أي كثيراً وعظيماً {من ظلمات البر والبحر} أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا جبل ولا غيرهما، أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن صاحبها يكون كأنه في أشد ظلام، فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة بنوع وسيلة {تدعونه} أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل شرك وشريك لزوال الحظوظ عند إحاطة الرعب

واستيلائه على مجامع القلب، فلا يبقى إلا الفطرة السليمة؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: {تضرعاً} أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر، وحقيقته الخشوع {و} قوله: {خفية} أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون؛ قال شمر: يقال: ضرع له وهو ضارع بيّن الضراعة، وهؤلاء قوم ضرع، أي أذلاء، وهم ضرعة أي متضرعون، والتضرع إلى الله: التخشع إليه والتذلل، وإذا كان الرجل مختل الجسم قلت: إنه لضارع الجسم بيّن الضروع، وفي الذل بين الضراعة - انتهى. ولما بين وصفهم وقت الدعاء، بين قولهم إذ ذاك فقال: {لئن أنجانا من هذه} فأكدوا وخصوا وبينوا غاية البيان {لنكونن من الشاكرين *} أي العريقين في الشكر؛ ولما كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله، ولكنهم يكفرون نعمته، عدوا منكرين فأمره بالجواب غير منتظر لجوابهم بقوله: {قل الله} أي الذي له جميع العظمة {ينجيكم منها} أي من تلك الشدة {ومن كل كرب}

أي وقعتم فيه، وما أعظم موقع قولُه: {ثم أنتم} مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ومع التزام الشكر {تشركون *} مشيراً إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي مع ما فيه من الجِناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون. ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء، فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال: {قل هو} أي وحده {القادر} ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص، على أن التعريف يفيد به المبالغة {على أن يبعث} أي في أيّ وقت يريده {عليكم} أي في كل حالة {عذاباً من فوقكم} بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم

{أو من تحت أرجلكم} أي بالخسف أو إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع لبعض من سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم {أو يلبسكم} أي يخلط بينكم حال كونكم {شيعاً} أي متفرقين، كل شيعة على هوى، فيكون ذلك سبباً للسيف {ويذيق بعضكم} أي بعض تلك الشيع {بأس بعض} فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه، فكيف بملك الملوك علام الغيوب! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. وقال: حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك} [الفرقان: 10] . ولما كان هذا بياناً عظيماً، أشار إلى عظمه بقوله: {انظر} وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال {كيف نصرف الآيات} أي أي نكررها موجهة في جميع الوجوه البديعة النافعة البليغة {لعلهم يفقهون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به، كان هذا {و} الحال أنه {كذب به} أي هذا العذاب

أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب المبينة للخلق جميع ما ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه {قومك} أي الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسروا بسيادتك، فإن القبيلة إذا ساد أحدها عزت به، فإن عزه عزها وشرفه شرفها، ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة، وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها فإن عاره لاحق بها، فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع، وزاد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه {الحق} أي الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله. ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا المقام بمعرض أن يخاف عاقبة ذلك ويقول: فماذا أصنع بهم؟ فقال تعالى معلماً أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم: {قل لست} وقدم الجار والمجرور للاهتمام به معبراً بالأداة الدالة على القهر والغلبة فقال: {عليكم بوكيل *} أي حفيظ ورقيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه.

67

ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكماً: كن كذلك، فلا علينا منك! قال مهدداً: {لكل} وأشار إلى جلالة خبره بقوله: {نبإٍ} أي خبر أخبرتكم به من هذه الأخبار العظيمة، ومعنى {مستقر}

موضع ووقت قرار من صدق أو كذب، أي لا بد أن يحط الخبر على واحد منهما، لا ينفك خبر من الأخبار عن ذلك {وسوف تعلمون*} أي محط خبره العظيم بوعد صادق لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه. ولما أمره بما يقول جواباً لتكذيبهم، تقدم إليه فيما يفعل وقت خوضهم في التكذيب فقال: {وإذا رأيت} خاطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد غيره ليكون أردع {الذين يخوضون} أي يتكلمون {في آياتنا} أي بغير تأمل ولا بصيرة بل طوع الهوى، كما يفعل خائض الماء في وضعه لرجله على غير بصيرة لستر مواضع الخُطا وبغير تمام الاختيار لغلبة الماء {فأعرض عنهم} بترك المجالسة أو ما يقوم مقامها؛ ولما كان الخوض في الآيات دالاً على قلة العقل قال: {حتى يخوضوا في حديث غيره} فحكم على حديثهم فيما سوى ذلك أيضاً بالخوض، لأن فيه الغث والسمين، لأنه غير مقيد بنظام الشرع. ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن هذه الأمة، قال مؤكداً: {وإما ينسينك الشيطان} أي إنساء عظيماً إشارة إلى أن مثل هذا الأمر جدير بأن لا ينسى {فلا تقعد بعد الذكرى} أي

التذكر لهذا النهي {مع القوم الظالمين *} أظهر موضع الإضمار تعميماً ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض، وهو الكون في الظلام. ولما كانت هذه الآية مكية، وكانوا إذ ذاك عاجزين عن الإنكار بغير القلب، قال: {وما على الذين يتقون} أي يخافون الله فلا يكذبون بآياته في مجالسة الكفرة {من حسابهم} أي الخائضين إذا كانوا أقوى منهم {من شيء} وما نهينا عن المجالسة لأن عليهم فيها - والحالة هذه - إثماً {ولكن} نهينا لتكون المفارقة إظهاراً للكراهة {ذكرى} للخائضين لاستحيائهم من أذى الجليس {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم بذلك حال من يرجى منه التقوى، فيجتنب الخوض في الآيات إكراماً للجليس. ولما أبرز هذا الأمر في صيغة النهي، أعاده بصيغة الأمر اهتماماً به وتأكيداً له، وأظهر لهم وصفاً آخر هو غاية الوصف الأول مع ما ضم إليه من الإرشاد إلى الإنقاذ من المعاطب فقال: {وذر} أي اترك أي ترك كان ولو كان على أدنى الوجوه {الذين اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم في اتباع الهوى بمخالفة العقل المستقيم والطبع الفطري السليم بأن أخذوا {دينهم} على نمط الأسخف من دنياهم؛ ولما كان

الدين ملكة راسخة في النفس، ولا شيء من كيفيات النفس أرسخ منها ولا أثبت، وهو أشرف ما عند الإنسان، وكان اللعب ضده لا شيء أسرع من انقضائه ولا أوهى من بنائه، قال ذامّاً لهم بأنهم بدلوا مقصود هذه السورة - الذي هو من الاستدلال على التوحيد الذي لا أشرف منه مطلقاً ولا أعلى ولا أنفس بوجه ولا أحلى - بما لا أدنى منه ولا أوهى ولا أمحق للمروءة ولا أدهى: {لعباً} ولما كان ربما قيل: إنهم إذا انقضى اللعب عادوا إلى الاشتغال بالدين، أتبعه الباعث عليه إشارة إلى أنه كلما ملوا اللعب بعثوا النفوس إليه باللهو كما ترى الراقص كلما فتر في رقصة بعثوه عليه بتقوية اللهو أو الانتقال من فن إلى آخر من فنونه وشأن بديع من شؤونه فقال: {ولهواً} أي في الاستهزاء بالدين الحق بالمكاء والتصدية وبالبحائر والسوائب وغير ذلك، فلا تبال بهم ولا يشغل قلبك بهم {وغرتهم} أي خدعتهم {الحياة الدنيا} التي هم من أعرف الناس بزوالها، وأن كل من بها هالك، فمنَتْهم النعم التي منَّ عليهم سبحانه بها فيما لا ينالونه من السعادة إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه. ولما كان ربما أفهم ذلك تركهم في كل حالة، نفاه بقوله: {وذكر به} أي تحديث الآيات، وهي القرآن المتجدد إنزاله،

والضمير في الحقيقة للآيات، أي دعهم يفعلوا ما أرادوا، لا تبال بشيء من ذلك، ولا تترك وعظّهم بهذا القرآن، أي ما عليك إلا البلاغ، لم نكلفك في هذه الحالة أكثر منه {أن تبسل} قال في المجمل: البسل: النخل، وأبسلته: أسلمته للهلكة، فالمعنى: كراهة أن تخلي وتسلم {نفس بما} أي بسبب ما {كسبت} في دنياها كائنة {ليس لها من دون الله} أي المنفرد بالعظمة {ولي} أي يتولى نصرها {ولا شفيع} ينقذها بشفاعته. ولما كان الفداء من اسباب الخلاص قال: {وإن تعدل} أي تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك {كل عدل} أي كل شيء يظن أنه يعدلها ولو كان أنفس شيء؛ «ولما» كان الضار عدم الأخذ، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {لا يؤخذ منها} ولما أنتج ذلك قطعاً أن من هذا حاله هالك، قال: {أولئك} أي الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير {الذين أبسلوا} أي أسلموا {بما كسبوا} ثم استأنف قوله: {لهم شراب من حميم} أي هو غاية الحر يصهر به

ما في بطونهم بما اعتقدوا في الآيات ما ظهر على ألسنتهم {وعذاب أليم} أي يعم دائماً ظواهرهم وبواطنهم بما ظهر عليهم من ذلك بعد ما بطن {بما} أي بسبب ما {كانوا يكفرون *} أي يجددون من تغطية الآيات.

71

ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموا أنها شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواء لا ينفع شيئاً ولا يضر، فكان في غاية التبكيت لهم قوله: {قل} أي بعد ما أقمت من الأدلة على أنه ليس لأحد مع الله أمر، منكراً عليهم موبخاً لهم {أندعوا} أي دعاء عبادة، وبين حقارة معبوداتهم فقال: {من دون الله} أي المنفرد بجميع الأمر. ولما كان السياق لتعداد النعم {الذي خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 73] {خلقكم من طين} [الأنعام: 2] {يطعم ولا يطعم} [الأنعام: 14] {ويرسل عليكم حفظة} [الأنعام: 61] {من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 63] {الله ينجيكم منها ومن كل كرب} [الأنعام: 64] قدم النفع في قوله: {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} أي لا يقدر على شيء من ذلك، ليكونوا على غاية اليأس من اتباع حزب الله لهم، وهذا كالتعليل لقوله {إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} [الأنعام: 56] . ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم، أشار إلى وجود الخسارة في

رجائهم فقال: {ونرد} أي برجوعنا إلى الشرك، وبناه للمفعول لأن المنكر الرد نفسه من أيّ راد كان {على أعقابنا} أي فنأخذ في الوجه المخالف لقصدنا فنصير كل وقت في خسارة بالبعد عن المقصود {بعد إذ هدانا الله} أي الذي لا خير إلا وهو عنده ولا ضر إلا وهو قادر عليه، إلى التوجه نحو المقصد، ووفقنا له وأنقذنا من الشرك. ولما صور حالهم، مثَّلَه فقال: {كالذي} أي نرد من علو القرب إلى المقصود إلى سفول البعد عنه رداً كرد الذي {استهوته} أي طلبت مزوله عن درجته {الشياطين} فأنزلته عن أفق مقصده إلى حضيض معطبه، شبه حاله بحال من سقط من عال في مهواة مظلمة فهو في حال هويه في غاية الاضطراب وتحقق التلف والعمى عن الخلاص {في الأرض} حال كونه {حيران} تائهاً ضالاً لا يهتدي لوجهه ولا يدري كيف يسلك ثم استأنف قوله: {له} أي هذا الذي هوى {أصحاب} أي عدة، ولكنه لتمكن الحيرة منه لا يقبل {يدعونه إلى الهدى} وبين دعاءهم بقوله: {ائتنا} وهو قد اعتسف المهمة تابعاً للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين العبر والنزوان.

ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مراراً، وكانوا عالمين بأن دعاء أصحابه له في غاية النصيحة والخير، وأنه إن تبعهم نجا، وإلا هلك هلاكاً لا تدارك له، فكان جوابهم: إن دعاء أصحابه به لهدى، بين أنه مضمحل تافه جداً بحيث إنه يجوز أن يقال: ليس هدى بالنسبة إلى هذا الذي يدعوهم إليه، بقوله: {قل إن هدى الله} أي المستجمع لصفات الكمال {هو} أي خاصة {الهدى} أي لا غيره كدعاء أصحاب المستهوي، بل ذاك الهدى مع إنقاذه من الهلاك إلى جنب هذا الهدى كلا شيء، لأن الشيء هو الموصل إلى سعادة الأبد. ولما كان التقدير: فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل ما عداه، عطف عليه أمراً عاماً فقال: {وأمرنا لنسلم} أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر لغيره بكل ما يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى عن كل هوى، وأن نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة فنتحلى بفعلها أشرف حلى {لرب العالمين *} أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء خلقه؛ ثم فسر المأمور به، فكأنه قال: أن أسلموا {وأن أقيموا الصلاة} لوجهه {واتقوه} مع ذلك، أي افعلوها لا على وجه الهزء واللعب، بل على وجه التقوى والمراقبة ليدل ما ظهر منها على ما بطن من الإسلام للمحسن. ولما كان التقدير: فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر مصورون، وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون، عطف

عليه قوله: {وهو الذي إليه} أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت {تحشرون *} فأتى بالبعث الذي هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة في سياق دال على أنه مما لا مجال للخلاف فيه، وأن النظر إنما هو فيما وراء ذلك، وهو أن عملهم للباطل سوَّغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره سبحانه ممن لا قدرة له على جزائهم، فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره، لأنه لا كلام هناك لسواه، فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا، والجملة مع ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى، وقد بان أن الآية من الاحتباك، فإنه حذف الصلاة أولاً لدلالة ذكرها ثانياً، والإسلام ثانياً لدلالة ذكره أولاً.

73

ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما، أو شاركاً فيهما. فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته، قال تعالى منبهاً لهم من غفلتهم وموقظاً من رقدتهم معيداً الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر: {وهو} أي وحده {الذي خلق} أي أوجد واخترع وقدر {السماوات والأرض} أي على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر {بالحق} أي بسبب إقامة الحق، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام، فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم

خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم، فيبطل كل باطل ويحق كل حق، ويظهر الحكم لجميع الخلق. ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد، قرر قدرته عليها بقوله: {ويوم يقول} أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار {كن فيكون *} أي فهو يكون لا يتخلف أصلاً. ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره، علله فقال: {قوله الحق} أي لا قول غيره، لأن أكثر قول غيره باطل، لأنه يقول شيئاً فلا يكون ما أراد؛ ولما كان في مقام الترهيب من سطوته، قال مكرراً لقوله «وهو الذي إليه تحشرون» : {وله} أي وحده بحسب الظاهر والباطن {الملك يوم} ولما كان المقصود تعظيم النفخة، بني للمفعول قوله: {ينفخ في الصور} لانقطاع العلائق بين الخلائق، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب، وقولُه-: {عالم الغيب} وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه {والشهادة} وهو ما صار بحيث يطلع عليه الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه من تمام الترهيب، أي أنه لا يخفى عليه شيء

من أحوالكم، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب، ويذهب التعاضد والتعاون، وهو على عادته سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلاّ قرر فيه أصلين: القدرة على جميع الممكنات، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات، لأنه لا يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين {وهو} أي وحده {الحكيم} أي التام الحكمة، فلا يضع شيئاً في غير محله ولا على غير أحكام، فلا معقب لأمره، فلا بد من البعث {الخبير *} بجميع الموارد والمصادر، فلا خفاء لشيء من أفعال أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب. ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة الهادمة لمذهب الثنوية، وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليه السلام، وكان إبراهيم عليه السلام يعرف بفضله جميع الطوائف، لأن أكثرهم من نسله كاليهود والنصارى والمشركين من العرب، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه، تلاها بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال: {وإذ} أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة، ما أعظمه وما أجله وأضخمه! وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا الله، واذكر إذ {قال إبراهيم} أي اذكر قوله، وحكمة

التذكير بوقته التنبيهُ على أن هذا لم يزل ثابتاً مقرراً على ألسنة جميع الأنبياء في جميع الدهور، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول هذه السورة من إبطال هذا المذهب، وانعطف هذا على ذاك أيّ انعطاف! وصار كأنه قيل: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة، فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا، اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض، فإن تنبهوا فهو حظهم، وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليه السلام إذ قال {لأبيه} ثم بينه في قراءة الجر بقوله: {آزر} وناداه في قراءة يعقوب بالضم؛ قال البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة: تارح - انتهى. وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة، فلعل أحدها لقب، وكان أهل تلك البلاد وهم الكلدانيون، ويقال لهم أيضاً الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم صنماً، إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما زعموا - إلى النجم، فقال عليه السلام لأبيه منكراً عليه منبهاً له على ظهور فساد ما هو مرتكبه: {أتتخذ} أي أتكلف نفسك

إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل {أصناماً آلهة} أي تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر، فنبهه بهذا الإنكار على أن معرفة بطلان ما هو متدين به لا يحتاج إلى كثير تأمل، بل هو أمر بديهي أو قريب منه، فإنهم يباشرون أمرها بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست بصانعة، وكثرتها تدل على بطلان إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه، عم بقية أقاربه فقال: {إني أراك وقومك} أي في اتفاقكم على هذا {في ضلال} أي بُعد عن الطريق المستقيم {مبين *} أي ظاهر جداً ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نبأه الله تعالى من آدم عليه السلام فمن بعده، فهو مع ظهوره في نفسه مظهر للحق من أن الإله لا يكون إلا كافياً لمن يعبده، وإلا كان فقيراً إلى تأله من يكفيه. ولما كان كأنه قيل: بصرنا إبراهيم عليه السلام هذا التبصير في هذا الأمر الجريء من بطلان الأصنام، قال عاطفاً عليه: {وكذلك} أي ومثل هذا التبصير العظيم الشأن، وحكى الحال الماضية بقوله: {نري} أي بالبصر والبصيرة على مر الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا

آخر له بنفسه والصلحاء من أولاده {إبراهيم ملكوت} أي باكن ملك التوحيد فيعلم أن كل من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال، كما علم ذلك في قومه في الأصنام {وليكون من الموقنين *} أي الراسخين في وصف الإيقان في أمر التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته، فتأمل فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين. ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق: دانيهم وقاصيهم، وهي أشرف من الأرضية، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى؛ نصب لهم الحجاج في أمرها، فقال مسبباً عن الإراءة المذكورة: {فلما جن} أي ستر وأظلم، وقصره - وإن كان متعدياً - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال: {عليه الّيل} أي وقع الستر عليه، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء {رأى كوكباً} أي قد بزغ، فكأنه قيل: فماذا

فعل؟ فقيل: {قال هذا ربي} فكأنه مِنْ بَصْرِه أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبراً واستفهاماً، ليوهمهم أنه مخبر، فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من الشعب، فيكون أشد استجلاباً لهم إلى إنعام النظر وتنبيهاً على موضع الغلط وقبول الحجة، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله: {فلما أفل} أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان {قال لا أحب الآفلين *} لأن الأفول حركة، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً عن اعتقاد ربوبية الكواكب، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه اتم، ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال {وأن إلى ربك المنتهى} [النجم: 42] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الأستناد إلى قديم،

والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير، فإذا كان نازلاً إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من لا يتغير، وهذا الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد.

77

ولما بصرهم قصور صغير الكواكب، رقي النظر إلى أكبر منه، فسبب عن الإعراض عن الكواكب لقصوره قولَه: {فلما رأى القمر بازغاً} أي طالعاً أول طلوعه؛ قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق، كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً {قال هذا ربي} دأبَه في الأولى. ولما كان تأمل أن الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج صدورهم، قال: {فلما أفل قال} مؤكداً غاية التأكيد {لئن لم يهدني ربي} أي الذي قدر على الإحسان إليّ بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك له بخلق الهداية في قلبي، فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره، ولا تحمل على نصب الأدلة، لأنها منصوبة قبل ذلك، ولا على معرفة الاستدلال فإنه عارف به

{لأكونن} أي بعبادة غيره {من القوم الضالين *} فكانت هذه أشد من الأولى وأقرب إلى التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن الرب غيرها، مع الملاطفة وإبعاد الخصم عما يوجب عناده. ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ربما يضل به الخصم قال: {فلما رأى} أي بعينه {الشمس بازغة} أي عند طلوع النهار وإشراق النور الذي ادعوا فيه ما ادعوا {قال} مبيناً لقصور ما هو أكبر من النور وهو ما عنه النور {هذا} مذكراً إشارتَه لوجود المسوغ، وهو تذكير الخبر إظهاراً لتعظيمها إبعاداً عن التهمة، وتنبيهاً من أول الأمر على أن المؤنث لا يصلح للربوبية {ربي} كما قال فيما مضى؛ ثم علل ذلك بياناً للوجه الذي فارق فيه ما مضى فأورث شبهة، فقال: {هذا أكبر} أي مما تقدم {فلما أفلت} أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها وهزمه جيش الظلام بقدرة الملك العلام {قال يا قوم} فصرح بأن الكلام لهم أجمعين، ونادى على رؤوس الأشهاد. ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة، وتهيأت لقبول الحق، ختم الآية بقوله: {إني بريء مما تشركون *} أي من هذا وغيره من باب الأولى، فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم العلوي كوكب أكبر من الشمس ولا أنور، فلما أبطل

بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه إلى الإله الحق، وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر، والمراد هم، ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه، فقال مستنتجاً عما دل عليه الدليل العقلي في الملكوت: {إني وجهت وجهي} أي أخلصت قصدي غير معرج على شيء أصلاً، فعبر بذلك عن الانقياد التام، لأن من انقاد لشيء أقبل عليه بوجهه، ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاتُه، وعبر باللام دون إلى لئلا يوهم الحيز، فقال: {للذي فطر} أي لأجل عبودية من شق وأخرج {السماوات والأرض} فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله «الذي خلق السماوات والأرض» وأدل دليل على ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه الميل مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها - قولُه بعد نصب هذا الدليل: {حنيفاً} أي سهلاً هيناً ليناً لطيفاً ميالاً مع الدليل غير كزّ جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد، وأكد البراءة منهم بقوله: {وما أنا من المشركين} أي منكم، ولكنه أظهر الوصف المقتضي للبراءة والتعميم، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به.

ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه، فقال: {وحاجه قومه} بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك، وأنه إن لم يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض، نزه المقام عن ذكرها، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله: {قال} أي بقول منكراً عليهم موبخاً لهم: {أتحاجوني} وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله: {في الله} أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد {وقد} أي والحال أنه قد {هدان} أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه، أي لأنه قادر، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان، ويخافه من عواقب العصيان، لأن من رُجي خيره خيف ضيره، ومن كان بيده النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه

المحاجة، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم، فقال عاطفاً على ما تقديره: فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر: {ولا أخاف ما تشركون به} ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف، وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر. وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه. كل ذلك تلويحاً لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلاّ من يأمن ضره، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر، لا يرتكبها عاقل، والآية من الاحتباك. ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبداً في الحال والاستقبال، وكان من الأمر البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلاّ مع الإقرار بخفاء العواقب على العباد وإثبات العلم بها لله تسليماً لمفاتيح الغيب إليه، وقصرها عليه؛ قال مستثنياً من سبب النفي، وهو أنها لا تقدر على شيء: {إلا أن يشاء ربي} المحسن إليّ في حال الضر كما هو محسن في حال النفع {شيئاً} أي من تسليطها بأنفسها أو باتباعها، لأنه قادر على ما يريد، فإن أراد أنطق الجماد وأقدره، وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه، فأنا لا أخاف في الحقيقة غيره.

ولما كان هذا في صورة التعليق، وكان التعليق وما شابهه من شأنه أن لا يصدر إلاّ من متردد، فيكون موضع إطماع للخصم فيه، علله بما أزال هذا الخيال فقال: {وسع ربي كل شيء علماً} أي فأحاط بكل شيء قدرة، فهو إذا أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة، وأثبت له كل مقتض لها، وذلك ثمرة شمول العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه، فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب إعلاماً بأن تلك رتبة لا تصلح إلاّ لله الذي وسع علمه كل شيء، وأدل دليل على هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدمَ الإبلاغ في التذكر بقوله مظهراً تاء التفعل إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر الصاد عن الشرك: {أفلا تتذكرون} أي يقع منكم تذكر، فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم بأن من غاب عن مربوبه فسد أو كاد، وأن هذه الجمادات لا تنفع ولا تضر، وأنها مصنوعكم، وتعجب منهم في ظنهم خوفه من معبوداتهم بقوله منكراً: {وكيف أخاف ما أشركتم} أي من دون الله من الأصنام وغيرها مع أنها لا تقدر على شيء

{ولا} أي والحال أنكم أنتم لا {تخافون أنكم أشركتم بالله} أي المستجمع لصفات العظمة والقدرة على العذاب والنقمة. ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء قال: {ما لم ينزل به} أي بإشراكه؛ ولما كان المقام صعباً لأنه أصل الدين، أثبت الجار والمجرور وقدمه فقال: {عليكم سلطاناً} أي حجة تكون مانعة من إنزاله الغضبَ بكم، والحاصل أنه عليه السلام أوقع الأمن في موضعه وهم أوقعوه في موضع الخوف، فعجب منهم لذلك فبان أن هذا وقول شعيب عليه السلام في الأعراف {وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله ربنا} [الأعراف: 89]- الآية، وقوله تعالى في الكهف {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله} [الكهف: 24] من مشكاة واحدة؛ ولما كان المحذور المنفي هنا إنما هو خوف الضرر من آلهتهم، وكان حصول الضرر لمخالفها بواسطة أتباعها أو غيرهم من سنن الله الجارية في عباده، اقتصر الخليل عليه السلام على صفة الربوبية المقتضية للرأفة والرحمة والكفاية والحماية، وقد وقع في قصته الأمران: إمكانهم من أسباب ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها، ورحمته بجعلها عليه برداً وسلاماً؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب عليه السلام العود في ملتهم، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من دنو ساحات الكفر -

والله الموفق. ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم، قال مسبباً عما مضى تقريراً لهم: {فأيّ الفريقين} أي حزب الله وحزب ما أشركتم به، ولم يقل: فأيّنا، تعميماً للمعنى {أحق بالأمن} وألزمهم بالجواب حتماً بقوله: {إن كنتم تعلمون} أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه؛ ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلاً ليخبروا عما سئلوا عنه قولَه مستأنفاً: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الفعل {ولم} أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم {يلبسوا إيمانهم} أي يخالطوه ويشوبوه {بظلم} . ولما كان المعنى: أحق بالأمن، عدل عنه إلى قوله مشيراً إليهم بأداة البعد تنبيهاً على علو رتبتهم: {أولئك لهم} أي خاصة {الأمن} أي لما تقدم من وصفهم {وهم مهتدون} أي وأنتم ضالون، فأنتم هالكون لإشرافكم على المهالك «وتفسيرُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لهذا الظلم المطلق في قوله تعالى {بظلم} بالشرك» الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على أن هذا التنوين للتعظيم، ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه، ولا شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك، وأنه دال على الحث على التبريء

عن قليل الشرك وكثيره، فآل الأمر إلى أن المراد: ولم يلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك، فالتنوين حينئذٍ للتحقير كما هو للتعظيم، فهو من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معاً - والله أعلم.

83

ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها، وكان التقدير تنبيهاً للسامع على حسن ما مضى ندباً لتدبره: هذه مقاولة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معدداً وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه، دالاً على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: {وتلك} أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج إبراهيم عليه السلام به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: {حجتنا} أي التي يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا {آتيناها} أي بما لنا من العظمة {إبراهيم} وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمناً لآتينا وأقمنا، فقال: {على قومه} أي مستعلياً عليهم غالباً لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفاً: {نرفع} أي بعظمتنا {درجات من نشاء} بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا

درجة إبراهيم عليه السلام على جميع أهل ذلك العصر. ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال: {إن ربك} أي خاصاً لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيهاً على أن حَجبَه الدليل عمن يشاء لِحِكَم أرادها سبحانه، ففيه تسلية له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {حكيم} أي فلا يفعل بحزبه إلاّ ما ظنه به خليله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يقر أعينهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما {عليم} فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، فيفعل به ما يحل بالحكمة. ولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب، فقال معلماً بأنه جعله عزيزاً في الدنيا لأن

أشرف الناس الأنبياء والرسل، وهم من نسله وذريته، ورفع ذكره أبداً لأجل قيامه بالذب عن توحيده: {ووهبنا له} أي لخليلنا عليه السلام بما لنا من العظمة {إسحاق} ولداً له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته {ويعقوب} أي ولد ولد، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل عليه السلام، وهو أشد سروراً بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه، وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم عليه السلام ومختاره للسكنى بنفسه ونسله، بل مختار الله له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض بعبادته. ولما كانت النعمة لا تتم إلاّ بالهداية، قال مستأنفاً مقدماً للمفعول ليشمل الكلام إياهما: {كلاًّ} أي منهما ومن أبيهما {هدينا} ثم أتبع ذلك المهتدين قديماً وحديثاً تأكيداً لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده، فكأنه يقول: إن كنتم تلزمون دينكم لأنه

عندكم حق، فقد تبين لكم بطلانه، وأن الحق إنما هو التوحيد، وإن كنتم تلزمونه لِقِدَمِه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى، ثم إلى هذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم، فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم عليه السلام، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - والله الموفق. ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه، ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما السلام لدفع ذلك، ولأن السياق لإنكار الأوثان، وهو أول من نهى عن عبادتها، وهو أجلّ آباء الخليل عليه السلام فقال: {ونوحاً هدينا} أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج. ولما كانت لم تتجاوز منه، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم، أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيراً عن زمانه فقال:

{من قبل} أي ولم تكن هدايته إلاّ بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد، وطالما دعاهم إلى الله وربّاهم فلم يرجع منهم كثيراً أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه عليهم السلام إشارة إلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة، وأنه ما حفظ كلاًّ منهما على سنن الهدى طول المدى إلاّ الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعدُ بمن بنى على يده ويد ابنه مسجداً هو بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام فقال: {ومن ذريته} . ولما كان السياق كله لمدح الخليل، وكان المذكورون - إلا لوطاً - من نسله، وكان التغليب مستعملاً شائعاً في لسان العرب، لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم عليه السلام، وقولُ من قال: إن يونس عليه السلام ليس من نسله، غير صحيح، بل هو من بني إسرائيل، وهو أحد من ذكر في سفر الأنبياء، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة {والصافات} إن شاء الله تعالى، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية إبراهيم، واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل، كما اقتضى ذلك

كلام البغوي في سورة الأنبياء عليهم السلام، وأما أيوب فروى؛ من نسل عيص بن إسحاق عليهم السلام {داود} أي هديناه {وسليمان} أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر الله: داود بخطه وتأسيسه، وسليمان بإكماله وتشييده. وما كان مع ذلك ملكين، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك فقال: {وأيوب} وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلاًّ منهما ابتلى بأخذ كل ما في يده ثم ردّ الله إليه {ويوسف} وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى فصبر، واغتنى فشكر، وأيوب إن لم يكن ملكاً فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة الملوك، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك، وأيضاً فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد واستنقاذهم من ذل الفلسطين، والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ثم ردوا عليه: أيوب بعد أن ماتوا، ويوسف قبل الموت،

وأيضاً فداود عليه السلام شارك إبراهيم عليه السلام في أنه كان سبب سلامته من ملك زمانه الاختفاءُ في غار، وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية وأطمع فيها، وقال له منجموه: يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك على يده، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وحملت أم إبراهيم عليه السلام به في تلك السنة، فلما وجدت الطلق خرجت ليلاً إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه، ثم سدت فم الغار ورجعت، ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه، وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما داود عليه السلام فإنه لما قتل جالوت وزوَّجَه طالوتُ ابنته، وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال إليه الناس وأحبوه، فحسده فأراد قتله، فطلبه فهرب منه، فدخل غاراً فنسجت عليه العنكبوت، فقال طالوت: لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت، فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم عليهما السلام في إبطال عبادة الشمس في قصة بلقيس رضي الله عنها؛ وقصة يوسف عليه السلام في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى {يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] .

ولما كان يوسف عليه السلام ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما، فكأن بعض قصصهم وفاق، وبعضها تقابل وطباق، فقال: {وموسى وهارون} ولما كان التقدير: هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى، لم يشغل أحداً منهم منحةُ السراء ولا محنة الضراء، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جزيناهم {نجزي المحسنين *} أي كلهم، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة، وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا. ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك، أتبعهما من سلط الملوك عليهما بالقتل فقال: {وزكريا ويحيى} ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم يسلطوا عليهما وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال: {وعيسى وإلياس} ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين، قال مادحاً لهم على وجه يعم من قبلهم: {كل} أي من المذكورين {من الصالحين *} ثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك

أمر، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال: {وإسماعيل واليسع} هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس، كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليه السلام - فرساً من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - عدواً فقتله ونَبأ الله اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام أن كلاًّ منهما كان صادق الوعد، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليه السلام حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} [المائدة: 12] وقوله {وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] وأيضاً فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي

في سورة يونس إن شاء الله تعالى. ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب، أتبعهما مَن هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال: {ويونس} أي هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة، ووفاق من حيث إن كلاًّ منهما أرسل إلى غير قومه فقال: {ولوطاً} ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال: {وكلاًّ} أي ممن ذكرنا {فضلنا} أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة {على العالمين *} فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السلام وختمهم بابن أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة الحسنة؛ وقيل: إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليه السلام طباق. ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضاً أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحاً عليه السلام، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره، كما أن نوحاً عليه السلام رابعه إذا عددته من أوله، والمناسبة بينهما أن

نوحاً عليه السلام نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السلام الذي جعله الله أباً للأنبياء والمرسلين، وإسماعيل عليه السلام نشر الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما السلام - أهلك الله قوم كل منهما عامة، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مانع الماء، وأشقى بكل منهما زوجته، بياناً لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلاًّ من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفاً ممن يغير دينه ويسلبه ملكه، وكما أن الله تعالى أنجى إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطاً عليه السلام من ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام من ملك زمانهما المدعي للآلهة، وأنجى ذرية إبراهيم بهما، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطاً - لكونه تابعاً له - واحداً، وموسى وأخاه هارون واحداً لمثل ذلك، ونظمت أسماء جميع هذه

الأنبياء في سلك النقي: لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون، وكان الأربعة واسطة عقدة، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم، ويكون من بين يديه تسعة، ومن خلفه تسعة، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة، ومن لوط إلى هارون كذلك، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واسط العقد ومكمل العقد، فإنه العاشر من كل جانب، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى، وذلك طبق قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» وللبخاري نحوه عن جابر، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسباً صاحب القصة إبراهيم عليه السلام، وإن جعلت موسى وهارون عليهما السلام كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السلام كان بينه وبينهما ثمانية، وإن عددت

من جهة لوط عليه السلام كان كذلك.

87

ولما نص سبحانه على هؤلاء، وختم بتفضيل كل على العالمين، أتبعه على سبيل الإجمال أن غيرهم كان مهدياً، وأن فضل هؤلاء علة النص لهم على أسمائهم، فقال ترغيباً في سلوك هذا السبيل بكثرة سالكيه وحثاً على منافستهم في حسن الاستقامة عليه والسلوك فيه: {ومن} أي وهدينا أو وفضلنا من {آبائهم} أي أصولهم {وذرياتهم} أي من فروعهم من الرجال والنساء {وإخوانهم} أي فروع أصولهم، وعطف على العامل المقدر قوله: {واجتبيناهم} أي واخترناهم، ثم عطف عليه بيان ما هدوا إليه حثاً لنا على شكره على ما زادنا من فضله فقال: {وهديناهم} أي بما تقدم من الهداية {إلى صراط مستقيم *} وأما الصراط المستقيم فخصصناكم به وأقمناكم عليه، فاعرفوا نعمتنا عليكم واذكروا تفضيلنا لكم. ولما كان ربما أوهم تنكيرُه نقصاً فيه، قال مستأنفاً بياناً لكماله وتعظيماً لفضله وإفضاله: {ذلك} أي الهدى العظيم الرتبة {هدى الله} أي المستجمع لصفات الكمال {يهدي} أي يخلق الهداية {به} أي بواسطة الإقامة عليه {من يشاء من عباده} أي سواء كان له أب

يعمله أو كان له من يحمله على الضلال أولا؛ ولما بين فضل الهدى ونص على رؤوس أهله، تهدد من تركه كائناً من كان، فقال مظهراً لعز الإلهية بالغنى المطلق منزهاً نفسه عما لوحظ فيه غيره ولو بأدنى لحظ: {ولو أشركوا} أي هؤلاء الذين ذكرنا من مدحهم ما سمعتَ وبينّا من اختصاصنا لهم ما علمت - شيئاً من شرك وقد أعاذهم الله من ذلك، وأقام بهم معوج المسالك، وأنار بهم ظلام الأرض بطولها والعرض {لحبط عنهم} أي فسد وسقط {ما كانوا يعملون *} أي وإن كان في غاية الإتقان بقوانين العلم، وزاد في الترهيب من التواني في السير والزيغ عن سوء القصد بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة الذين قدمنا ذكرهم وأخبرنا أنهم لو أشركوا سقطت أعمالهم {الذين آتيناهم} أي بعظمتنا {الكتاب} أي الجامع لكل خير، فمن ملك ما فيه من العلوم والمعارف حكم على البواطن، وذلك لأن الناس يحبونه فينقادون له ببواطنهم {والحكم} أي العمل المتقن بالعلم، ومنه نفوذ الكلمة على الظواهر بالسلطنة وإن كرهت البواطن {والنبوة} أي العلم المزين بالحكم وهي وضع كل شيء في أحق مواضعه، فهي جامعة للمرتبتين الماضيتين، فلذلك كان الأنبياء يحكمون على البواطن بما عندهم

من العلم، وعلى الظواهر بما يظهر من المعجزات؛ ثم سبب عن تعظيمها بذلك تعظيمَها بأنها لا تبور، فقال تسلية عن المصيبة بطعن الطاعنين فيها وإعراض الجاهلين عنها وترجية عندما يوجب اليأس من نفرة اكثر المدعوين: {فإن يكفر بها} أي هذه الأشياء العظيمة {هؤلاء} أي أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم، وقد حبوناهم بها على أتم وجه وأكمله وأعلاه وأجمله، وأنت تدعوهم إلى أن يكونوا سعداء بما اشتملت عليه من الهدى وهم عنه معرضون، ولعل الإشارة على هذا الوجه لتحقيرهم {فقد وكلنا} أي لما لنا من العظمة في الماضي والحال والاستقبال {بها قوماً} أي ذوي قوة على القيام بالأمور بالإيمان بها والحفظ لحقوقها {ليسوا} وقدم الجار اهتماماً فقال: {بها بكافرين *} أي بساترين الشيء مما ظهر من شموس أدلتها، وهم الأنبياء ومن تبعهم، وقد صدق الله - ومن أصدق من الله حديثاً! فقد جاء في هذه الأمة من العلماء الأخيار والراسخين الأحبار من لا يحصيهم إلا الله. ولما كان المراد بسوقهم هكذا - والله أعلم - أن كلاًّ منهم بادر بعد الهداية إلى الدعاء إلى الله والغيرة على جلاله من الإشراك، لم يُشْغِل

أحداً منهم عن ذلك سراء ولا ضراء بملك ولا غيره من ملك أو غيره بل لازموا الهدى الدعاء إليه على كل حال؛ قال مستأنفاً لتكرار أمداحهم بما يحمل على التحلي بأوصافهم، مؤكداً لإثبات الرسالة: {أولئك} أي العالو المراتب {الذين هدى الله} أي الملك الحائز لرتب الكمال، الهدى الكامل، ولذلك سبب عن مدحهم قوله: {فبهداهم} أي خاصة في واجبات الإرسال وغيرها {اقتده} وأشار بهاء السكت التي هي أمارة الوقوف - وهي ثابتة في جميع المصاحف - إلى أن الاقتداء بهم كان غير محتاج إلى شيء؛ ثم فسر الهدى بمعظم أسبابه فقال: {قل} أي لمن تدعوهم كما كانوا يقولون مما ينفي التهمة ويمحص النصيحة فيوجب الاتباع إلا من شقى {لا أسئلكم} أي أيها المدعوون {عليه} أي على الدعاء {أجراً} فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي والاستجابة للمرشد؛ ثم استأنف قوله: {إن} أي ما {هو} أي هذا الدعاء الذي أدعوكم به {إلا ذكرى} أي تذكير بليغ من كل ما يحتاج إليه في المعاش والمعاد {للعالمين *} أي الجن والإنس والملائكة دائماً، لا ينقضي دعاؤه ولا ينقطع نداؤه، وفي التعبير بالاقتداء إيماء إلى تبكيت كفار العرب حيث اقتدوا بمن لا يصلح للقدوة من آبائهم، وتركوا من يجب الاقتداء به. ولما حصر الدعاء في الذكرى، وكان ذلك نفعاً لهم ورفقاً بهم، لا تزيد طاعتهم في ملك الله شيئاً ولا ينقص

إعراضُهم من عظمته شيئاً، لأن كل ذلك بإرادته؛ بني حالاً منهم، فقال تأكيداً لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاماً لهم بما هم معترفون به، أما أهل الكتاب فعلماً قطعياً، وأما العرب فتقليداً لهم ولأنهم سلموا لهم العلمَ وجعلوهم محط سؤالهم عن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وما} أي فقلنا ذلك لهم خاصة والحال أنهم ما {قدروا} أي عظموا {الله} أي المستجمع لصفات الكمال {حق قدره} أي تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه بالكفر له؛ قال الواحدي: يقال قدر الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره - يقدره - بالضم - قدراً، ومنه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فإن غم عليكم فاقدروا له» ، أي فاطلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن عرف شيئاً: هو يقدر قدره، وإذا لم يعرفه بصفاته: إنه لا يقدر قدره {إذ} أي حين {قالوا} أي اليهود، والآية مدنية وقريش في قبولهم لقولهم، ويمكن أن تكون مكية، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السلام وإنزال التوراة عليه {ما أنزل الله} أي ناسين ما له من صفات الكمال {على بشر من شيء} لأن

من نسب مَلِكاً تام الملك إلى أنه لم يُثبِت أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم، فكيف إذا كانت تلك النسبة كذباً! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب الذين هم بعض العالمين، أسند إلى الكل، لأنهم لم يردوا على قائله ولم يعاجلوه بالأخذ تفظيعاً للشأن وتهويلاً للأمر، وبياناً لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها ويتعرف أمرها، فإذا تحققه فمن طعن فيها أخذ على يده بما يصل إليه قدرته، كما أنه كذلك كان يفعل لو كان ذلك ناشئاً عن أبيه أو أحد ممن يكون فخره به من أبناء الدنيا، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الأمور كلها، من فرّط فيه هلك وأهلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تعالى - يعني هذه الآية، فقال مشيراً إلى أن اليهود قائلو ذلك، وملزماً بالاعتراف بالكذب أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخاً لهم ناعياً عليهم سوء جهلهم وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم حيائهم: {قل} أي لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة غير ناظرين في عاقبتها وما يلزم منها توبيخاً لهم وتوقيفاً على

موضع جهلهم {من أنزل الكتاب} أي الجامع للأحكام والمواعظ وخيري الدنيا والآخرة {الذي جاء به موسى} أي الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه، حال كون ذلك الكتاب {نوراً} أي ذا نور يمكن الأخذ به من وضع الشيء في حاقّ موضعه {وهدى للناس} أي ذا هدى لهم كلهم، أما في ذلك الزمان فبالتقيد به، وأما عند إنزال الإنجيل فبالأخذ بما أرشد إليه من اتباعه، وكذا عند إنزال القرآن، فقد بان أنه هدى في كل زمان تارة بالدعاء إلى ما فيه وتارة بالدعاء إلى غيره؛ ثم بين أنهم اخفوا منه ما هو نص وصريح في الدعاء إلى غيره اتباعاً منهم للهوى ولزوماً للعمى فقال: {تجعلونه} أي أيها اليهود {قراطيس} اي أوراقاً مفرقة لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم {تبدونها} أي تظهرونها للناس {وتخفون كثيراً} أي منها ما تريدون به تبديل الدين - هذا على قراءة الجماعة بالفوقانية، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة الغضب مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله! ثم التفت إليهم للزيادة في تبكيتهم إعلاماً بأنهم متساوون لبقية الإنسان في أصل الفطرة، بل العرب أزكى منهم وأصح أفهاماً، فلولا ما أتاهم به موسى عليه السلام ما فاقوهم بفهم، ولا زادوا عليهم في علم، فقال: {وعلمتم} أي أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى {ما لم تعلموا أنتم} أي

أيها اليهود من أهل هذا الزمان {ولا آباؤكم} أي الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم. ولما كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم، قال مشيراً إلى عنادهم: {قل} أي أنت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم فإنهم أجلف الناس وأعتاهم {الله} أي الذي أنزل ذلك الكتاب {ثم} بعد أن تقول ذلك لا تسمع لهم شيئاً بل {ذرهم في خوضهم} أي قولهم وفعلهم المثبتين على الجهل المبنيين على أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملون ما لا يعلمون {يلعبون *} أي يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضراً مع تضييع الزمان.

92

ولما أثبت سبحانه أنه الذي أنزل التوراة والإنجيل تكميلاً لإثبات الرسالة بدليل علم اليهود دون من لا كتاب لهم، عطف على ذلك قوله تأكيداً لإثباتها وتقريراً: {وهذا} أي القرآن الذي هو حاضر الآن في جميع الأذهان {كتاب} أي جامع لخيري الدارين، وكان السياق لأن يقال: أنزل الله، ولكنه أتى بنون العظمة، لأنها أدل على تعظيمه فقال: {أنزلناه} أي وليس من عند محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

من نفسه، وإنما هو بإنزالنا إياه إليه وإرسالنا له به {مبارك} أي كثير الخير ثابت الأمر، لا يقدر أحد من الخلق على إنكاره لإعجازه، لتعلم أهل الكتاب خصوصاً حقيقته بتصديقه لكتابهم لأنه {مصدق الذي بين يديه} أي كله من كتبهم وغيرها، فيكون أجدر لإيمانهم به، وتعلم جميع أهل الأرض عموماً ذلك بذلك وبإعجازه {ولتنذر} أي به {أم القرى} أي مكة لأنها أعظم المدن بما لها من الفضائل {ومن حولها} ممن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يؤمن به من أهل الأرض كلها من جميع البلدان والقرى، لأنها أم الكل، وهم في ضلالتهم مفرطون {والذين يؤمنون بالآخرة} أي فيهم قابلية الإيمان بها على ما هي عليه، من أهل أم القرى ومن حولها بكل خير ينشرون {يؤمنون به} أي بالكتاب بالفعل لأن الإيمان بها داع إلى كل خير بالخوف والرجاء، والكفر بها حامل على كل بشر. ولما تكرر وصف المنافقين بالتكاسل عن الصلاة جعل المحافظة عليها علماً على الإيمان فقال: {وهم على صلاتهم يحافظون *} أي يحفظونها غاية الحفظ، فالآية من عجيب فن الاحتباك: ذكر الإندار والأم أولاً دالاً على حذفهما ثانياً، وإثبات الإيمان والصلاة ثانياً دليل على نفيهما أولاً.

ولما كان في قولهم «ما أنزل الله على بشر من شيء» صريح الكذب وتضمن تكذيبه - وحاشاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! أما من اليهود فبالفعل، وأما من قريش فبالرضى، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في القرآن؛ قال تعالى مهولاً لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي، عاطفاً على مقول «قل من أنزل» مبطلاً للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة وإثباتها إثباتاً لا مرية فيه، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ وكذب مدعيه: {ومن أظلم ممن افترى} أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش {على الله كذباً} أي أيّ كذب كان، فضلاً عن إنكار الإنزال على البشر {أو قال أوحي إليّ ولم} أي والحال أنه لم {يوح إليه شيء} فهذا تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما، ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود للسموأل بن يحيى المغربي الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة، ثم هداه الله للإسلام، وكانت له يد طولى في الحساب والهندسة والطب وغير ذلك من العلوم، فأظهر

بعد إسلامه فضائحَهم أن الربانيين منهم زعموا أن الله كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات، ثم قال بعد أن قسمهم إلى قرّائين وربانيين: إن الربانيين أكثرهم عدداً، وقال: وهم الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة بالصواب، قال: وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم {ومن قال سأنزل} أي بوعد لا خلف فيه {مثل ما أنزل الله} كالنضر بن الحارث ونحوه. ولما كان الجواب قطعاُ في كل منصف: لا أحد أظلم منه، بل هم أظلم الظالمين، كان كأنه قيل: فلو رأيتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل على وجوههم، وجهنم تكاد تتميز عليهم غيظاً، وهم قد هدّهم الندم والحسرة، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمراً يهول منظره، فكيف يكون مذاقه ومخبره! فعطف عليه ما هو أقرب منه، فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزاً بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك: {ولو ترى} أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك {إذ الظالمون} أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه! واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولاً أولياً {في غمرات الموت} أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر البحر الخضم من يغرق فيه، فهو يرفعه ويخفضه ويبتلعه ويلفظه، لا بد له

منه {والملائكة} أي الذين طلبوا جهلاً منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم، وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور {باسطوا أيديهم} أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلّها وافية من أشباحهم كما يسل السفود المشعب من الحديد من الصوف المشتبك المبلول، لا يعسر عليهم تمييزها من الجسد، ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه، قائلين ترويعاً لهم وتصويراً للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم {أخرجوا أنفسكم} فكأنهم قالوا: لماذا يا رسل ربنا؟ فقالوا: {اليوم} أي هذه الساعة، وكأنهم عبروا به لتصوير طول العذاب {تجزون عذاب الهون} أي العذاب الجامع بين الإيلام العظيم والهوان الشديد والخزي المديد بالنزع وسكرات الموت وما بعده في البرزخ - إلى ما لا نهاية له {بما كنتم تقولون} أي تجددون القول دائماً {على الله} أي الذي له جميع العظمة {غير الحق} أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات الثبات، ولو قال بدله: باطلاً، لم يؤد هذا المعنى، ولو قال: الباطل، لقصر عن المعنى أكثر، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا، وإذا نظرت إلى أن السياق لأصول الدين ازداد المراد وضوحاً {وكنتم} أي وبما كنتم {عن آياته تستكبرون *}

أي تطلبون الكبر للمجاوزة عنها، ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبراً عن الكل، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمراً فظيعاً وحالاً هائلاً شنيعاً، وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم.

94

ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئاً بعد الموت أو يفهم كلاماً، وكان التقدير كما دل عليه السياق: فتتوفاهم الملائكة، لا يقدر أحد على منعهم، فيقول لهم: قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل، عطف عليه قوله مشيراً إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى بالأموال: {ولقد جئتمونا} أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام قدرتنا قطعاً، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت قوله: {فرادى} أي متفرقين، ليس أحد منكم مع أحد، ومنفردين على كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا {كما خلقناكم} أي بتلك العَظمة التي أمتناكم بها بعينها {أول مرة} في الانفراد والضعف والفقر، فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون! {وتركتم ما خولناكم} أي ملكناكم من المال ومكناكم من إصلاحه نعمة عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا، فظننتم أنه لكم بالأصالة، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل

عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا {وراء ظهوركم} فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون. ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة، ويرجون شفاعتها، إما استهزاء، وإما في الدنيا، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث، قال تهكماً بهم واستهزاء بشأنهم: {وما نرى معكم شفعاءكم} أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون {الذين زعمتم} أي كذباً وجراءة وفجوراً {أنهم فيكم شركاء} أي أن لهم فيكم نصيباً مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزاً ودهشاً وذلاً بقوله: {لقد تقطع} أي تقطعاً كثيراً. ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن، لأنه يقال: بيني وبين كذا كذا، وكان فلان بيننا، ونحو ذلك مما يدل على الحضور؛ قال منبهاً على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة الاشتغال {بينكم} فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين، وإذا انقطع البين تقطّع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال، فلم يبق لأحد منهم اتصال

بالآخر، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين، فلا يتأتى معه الوصول، هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وهذا المثال معنى قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع الوصل، بين سبب ذلك، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال: {وضل عنكم} أي ذهب وبطل {ما كنتم تزعمون *} أي من تلك الأباطيل كلها. ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها، وانتهى الكلام هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة، وانكشف له قناع الحكمة وتمثل نفوذ الكلمة، فتهيأ السامع لتأمله، وتفرع فهمه لتدبره؛ قال دالاً عليه مشيراً إليه، معلماً أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه، مذكراً بآياته {والذين يؤمنون بالآخرة} وبمحاجة إبراهيم عليه السلام، مصرفاً ما مضى أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه أخرى، إعلاماً بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال، وتنبيهاً على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، فهو قادر على كل ما يريد {فالق الحب} أي فاطره وشاقه عن الزروع والنبات، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوماً، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة،

فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم {والنوى} أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر، ولا يكون مقصوداً لذاته بفلقها عن الأشجار، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن الأفكار، وتدل على كمال الواحد المختار؛ قال الإمام الرازي ما حاصله: إن النواة والحبة تكون في الأرض الرطبة مدة، فيظهر الله فيها شقاً في أعلاها وآخر في أسفلها، وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في أعماق الأرض، هي العروق، وتلك الحبة أو النواة سبب واصل بين الشجرتين: الصاعدة والهابطة، فيشهد الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس، وليس ذلك قطعاً بمقتضى الطبع والخاصية، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين والإبداع، ولا شك أن العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت كالماء، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها المسلّة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم، فحصول هذا النفوذ لهذه الأجرام اللطيفة لا يكون قطعاً إلا لقوة الفاعل المختار، لا سيما إذا تأملت ظهور شجرة من نواة صغيرة، ثم تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته من جرم الخشبة، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش، ثم يتولد من ساقها أغصانها، ومن الأغصان أوراقها

أولاً ثم أنوارها وأزهارها ثانياً، ثم الفاكهة ثالثاً، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشور، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر، وتحته القشر الذي كالخشب، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة، وتحته اللب المشتمل على جرم كثيف هو أيضاً كالقشرة، وعلى جرم لطيف هو الزهر، وهو المقصود بالذات، فتولدُ هذه الأجسام المختلفة طبعاً وصفة ولوناً وشكلاً وطعماً مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في الفرحة، وقد تجتمع الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة، بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز، وبعضها يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضه لا لب لنواه كالتمر، وبعضه يكون كله مطلوباً كالتين، واختلاف هذه الطبائع والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن طبيعة، بل عن الواحد المختار، والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور، فشكل الحنطة كأنه نصف مخروط، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص على وجه آخر، وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما في الآخر، وقد تكون الثمرة غذاء لحيوان

وسمّاً لحيوان آخر، فهذا الاختلاف مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دالّ على أنها إنما حصلت بالفاعل المختار، ثم إنك تجد في ورقة الشجرة خطاً في وسطها مستقيماً نسبته لتلك الورقة نسبة النخاع إلى بدن الإنسان، ينفصل عنه خيوط مختلفة، وعن كل واحد منها خيوط أخرى أدق من الأولى، ولا يزال على هذا النهج حتى تخرج الخيوط عن الحس والبصر، كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في البدن، ثم لا يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى، ولا يزال يستدق حتى تلطف عن الحس، فعل سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، فهذا يعلمك أن عنايته سبحانه في اتخاذ جملة تلك الشجرة أكمل، فعنايته في تكوين جملة النبات أكمل، وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته في تخليق الحيوان أكمل، والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته في تخليقه أكمل، وهو سبحانه إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة والمحبة والعبودية، فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، وحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير متناهية {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34]- والله الهادي.

ولما كان فلقهما عن النبات من جنس الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتاً بعد وقت بقوله: {يخرج} أي على سبيل التجدد والاستمرار تثبيتاً لأمر البعث {الحي} أي كالنجم والشجر والطير والدواب {من الميت} من الحب والنوى والبيض والنطف فكيف تنكرون قدرته على البعث؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها لئلا يتوهم - لو كان لا يخرج عن شيء إلا مثله - أن الفاعل الطبيعة والخاصية، عطف على {فالق} زيادة في البيان قوله معبراً باسم الفاعل الدال على الثبات لأنه لا منازعة لهم فيه، فلم تدع حاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد: {ومخرج الميت} أي من الحب وما معه {من الحي} أي من النجم وما معه. ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي لا قدرة أصلاً لأحد غيره على شيء منها، قال منبهاً لهم على غلطهم في إشراكهم، إعلاماً بأن كل شريك ينبغي أن يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك فيه، ولا مكافئ له سبحانه وتعالى في شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه: {ذلكم} أي العالي المراتب المنيع المراقي هو {الله} أي المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له؛ ولما كان هذا

معنى الكلام، سبب عنه قوله: {فأنَّى} أي فكيف ومن أيّ وجه {تؤفكون *} أي تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده. ولما وصف سبحانه وتعالى نفسه المقدسة من فلق الجواهر بما اقتضى حتماً اتصافه بصفات الكمال، وقدمه لكونه من أظهر أدلة القدرة على البعث الذي هذا أسلوبه، مع الإلف له بقربه ومعالجته، أتبعه ما هو مثله في الدلالة على الإحياء لكنه في المعاني وهو سماوي، شارحاً لما أشار إليه الخليل عليه السلام في محاجة قومه من إبطال إلهية كل من النور والظلمة والكواكب التي هي منشأ ذلك، فقال ترقية من العالم السفلي إلى العالم العلوي: {فالق الإصباح} أي موجده، وحقيقته: فالق ظلمة الليل عن الصباح، لكنه لما كثر استعماله وأمن اللبس فيه أسند الفعل إلى الصبح، كما يقال: انفجر الصبح، وانفجر عنه الليل، ويمكن أن يراد بالفلق الكشف، لأنه يكشف من المفلوق ما كان خفياً، فعبر عن المسبب الذي هو الإظهار بالسبب الذي هو الفلق، وعبر عن الصباح بهذه الصيغة التي يقال المدخول في الصبح لتصلح لإرادة فلق السكون بالنور أو غيره عن التصرف بالحركة المرتبة على الدخول في الصبح، فدلنا ذلك على وجاعل الإصباح حركة وسادل الليل {وجاعل الَّيل} بما يكون من إظلامه {سكناً} يسكن الناس فيه وإليه ويستريحون فيه، فالآية من الاحتباك: حذف من الأول الحركة ودل

عليها بالسكن، وحذف من الثاني السدل ودل عليه بالفلق، وهذا الفلق من أعظم الدلائل على قدرته سبحانه، وفيه دلالتان لأن الإصباح يشمل الفجر الكاذب والصادق، والأول أقوى دلالة لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فالموضع - الذي تكون تلك الدائرة أفقاً له - تطلع الشمس من مشرقه، فيضيء في ذلك الموضع نصف كرة الأرض، فيحصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتك، ويكون ذلك الضوء منتشراً مستطيراً في جميع الجو، ويجب أن يقوى لحظة فلحظة، فلو كان الأول من قرص الشمس لامتنع أن يكون خطاً مستطيلاً، بل كان يجب أن يكون مستطيراً في الأفق منتشراً متزايداً لحظة فلحظة، لكن ليس هو كذلك، فإنه يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى شبهته العرب بذنب السِرحان ثم يحصل عقبه ظلمة خالصة، ثم يكون الثاني الصادق المستطير فكان الأول أدل على القدرة، لأنه بتخليق الله ابتداء تنبيهاً على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بإبداعه، والظلمات ليس لها ثبات إلا بتقديره. ولما ذكر الضياء والظلمة، ذكر منشأهما وضم إليه قرينه فقال عاطفاً على محل {والليل} لأن جاعلاً ليس بمعنى المضيء فقط لتكون الإضافة حقيقية، بل المراد استمراره في الأزمنة كلها: {والشمس} أي التي ينشأ عنها كل منهما، هذا عن غروبها وهذا عن شروقها

{والقمر} أي الذي هو آية الليل {حسباناً} أي ذويّ حسبان وعَلَمَين عليه، لأن الحساب يعلم بدورهما وسيرهما، وبسبب ذلك نظم سبحانه مصالح العالم في الفصول الأربعة، فيكون عن ذلك ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات، وعبر عنهما بالمصدر المبني على هذه الصيغة البليغة إشارة إلى أن الحساب بهما أمر عظيم كبير النفع كثير الدخول، مع ما له من الدنيا في أبواب الدين فهو جل نفعهما الذي وقع التكليف به، فكأنه لما كان الأمر كذلك، كان حقيقتهما التي يعبر عنهما بها، وأما غير ذلك من منافعهما فلا مدخل للعباد فيه. ولما كان هذا أمراً باهراً ووصفاً قاهراً، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ذلك} أي التقدير العظيم الذي تقدم من الفلق وما بعده {تقدير العزيز} أي الذي لا يغالب فهو الذي قهرهما على ما سيّرهما فيه، وغلب العباد على ما دبر من أمرهم بهما، فلو أراد أحد أن يجعل ما جعله من النوم يقظة واليقظة نوماً، أو يجعل محل السكن للحركة أو بالعكس أو غير ذلك مما أشارت إليه الآية لأعياه ذلك {العليم *} أي الذي جعل ذلك بعلمه على منهاج لا يتغير وميزان قويم لا يزيغ.

97

ولما ذكر ذلك، أتبعه منفعة أخرى تعمهما مع غيرهما مبيناً ما أذن

فيه من علم النجوم ومنافعها فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي جعل} ولما كانت العناية بنا أعظم، قدم قوله: {لكم النجوم} أي كلها سائرها وثابتها وإن كان علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن الرسوخ والبلوغ في علم السير للسيارة منه {لتهتدوا} أي لتكلفوا أنفسكم علم الهداية {بها} لتعلموا القبلة وأوقات الصلوات والصيام وغير ذلك من منافعكم دنيا وديناً. ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا الظلمة، وانضمت إلى ذلك ظلمة الليل، قال: {في ظلمات البر} أي الذي لا عَلَم فيه، وإن كانت له أعلام فإنها قد تخفى {والبحر} فإنه لا عَلَم به، والإضافة إليهما للملابسة أو تشبيه الملبَّس من الطرق وغيرها بالظلمة؛ روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل الأشناني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون في البر والبحر ثم انتهوا، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون ما يحل لكم ويحرم عليكم من النساء ثم انتهوا. وفيه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على المسند عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا علي! أسبغ الوضوء وإن شق عليك، ولا تأكل الصدقة ولا تنز الحمير على

الخيل، ولا تجالس أصحاب النجوم» وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تسألوا عن النجوم، ولا تفسروا القرآن برأيكم، ولا تسبوا أصحابي، فإن ذلك الإيمان المحض» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن النظر في النجوم - رواه من طرق كثيرة؛ وعن عائشة رضي الله عنها مثله سواء، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» - رواه من طرق وأسند عن قتادة قوله تعالى {وأنهاراً وسبلاً} [النحل: 15] قال: طرقاً {وعلامات} [النحل: 16] قال: هي النجوم، قال: إن الله عز وجل إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها شيئاً غير ذلك فقد أخطأ حظه وقال رأيه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به - في كلام طويل حسن، وهذا الأثر الذي عن قتادة أخرجه عنه البخاري في صحيحه، وقال صاحب كنز اليواقيت في استيعاب المواقيت في مقدمة الكتاب: واعلم أن العلم منه محمود، ومنه مذموم لا يذم لعينه، إنما يذم في حق العباد لأسباب ثلاثة: أولها أن يكون مؤدياً إلى ضرر كعلم السحر

والطلسمات وهو حق إذ شهد القرآن به وأنه سبب للتفرقة بين الزوجين، وسحر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومرض بسببه، حتى أخبره جبرئيل عليه السلام وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر - كما ورد في الحديث الصحيح؛ ومعرفة ذلك من حيث إنه معرفة ليس مذموماً، أو من حيث إنه لا يصلح إلا لإضرار بالخلق يكون مذموماً. والوسيلة إلى الشر شر؛ الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر كالقسم الثاني من علم النجوم الاحكامي المستدل به على الحوادث بالأسباب كاستدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض، وهو معرفة مجاري سنة الله وعادته في خلقه، ولكنه ذمه الشرع وزجر عنه لثلاثة أوجه: أحدها أنه يضر بأكثر الناس فإنه إذا قيل: هذا الأمر لسبب سير الكواكب، وقر في نفس الضعيف العقل أنه مؤثر، فينمحي ذكر الله عن قلبه، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط بخلاف العالم الراسخ، فإنه يطلع على الشمس والقمر والنجوم مسخرات، وفرق كبير بين من يقف مع الأسباب وبين من يترقى إلى مسبب الأسباب، ثم ذكر ما حاصله أن السبب الثاني في النهي عنه أنه تخمين لا يصل إلى القطع؛ والثالث أنه لا فائدة فيه، فهو خوض في

فضول، وأن السبب الثالث مما يذم به ما يذم من العلوم أنه مما لا تبلغه عقول أكثر الناس ولا يستقل به، ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الأشخاص كما يضر لحم الطير بالرضيع - انتهى. وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» وقال صاحب كتاب الزينة في آخر كتابه بعد أن ذكر العيافة والزجر ونحوهما، ويأتي أكثره عنه في سورة الصافات: وروي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إياكم والنجوم! فإنها تدعو إلى الكهانة» ، قال: هذه الأشياء كلها لها أصل صحيح، فمنها ما كانت من علوم الأنبياء مثل النجوم والخط وغير ذلك، ولولا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير في استقامتها ورجوعها، وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه، لما قدر الناس على إدراكه، وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام، وقد روي أن إدريس عليه السلام أول من علم النجوم، وروي في الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء، ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها. ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حداً علا عن

طوق الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن، فكانت فخراً يتوقع فيه التنبيه عليه فقال: {قد فصلنا} أي بينا بياناً شافياً على ما لنا من العظمة {الآيات} واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال الرفيع؛ ولما كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال: {لقوم يعلمون *} أي لهم قيام فيما إليهم، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب. ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي، أتبعه - كما مضى في أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت، وهو الإنسان، دالاً على كمال القدرة على كل ما يريد، مبطلاً بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما، لأن واحداً منها لا اختيار له في شيء يصدر عنه، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور، فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي أنشأكم} أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته {من نفس واحدة} ثم اقتطع منها زوجها ثم فرّعكم منهما. ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا يزول، لا يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية

من حياة، قال: {فمستقر *} أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير وابن عمر وبكسر القاف اسم فاعل، والمعنى في قراءة الباقين بفتحه اسم مكان {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [البقرة: 26] . ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم الغطاء فهم موقنون بالساعة غير عاملين على ضد ذلك، وكذا من في الصلب والرحم، عبر بما يدل على عدم الاستقرار فقال: {ومستودع} أي في الأصلاب أو الأرحام أو في بطن الأرض، فدلت المفاوتة من كل منهما - مع أن الكل من نفس واحدة - على القادر المختار، لا يقدر غيره أن يعكس شيئاً من ذلك، وكل ذلك مضمون الآيتين في أول السورة، وقدم الإصباح والليل ومتعلقهما لتقدمهما في الخلق، ثم تلاه بخلق الإنسان على حسب ما مرّ أول السورة، وذكر هنا أنه جعل ذلك الطين نفساً واحدة فرّع الإنس كلهم منها مع تفاوتهم فيما هناك وفي غيره. ولما ذكر هذا المفرد الجامع، وفصّله على هذه الوجوه المعجبة، كان محلاً لتوقع التنبيه عليه فقال: {قد فصلنا} أي بعظمتنا {الآيات} أي أكثرنا بيانها في هذا المفرد الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة، تارة بأن يكون من التراب بشر، وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر،

وتارة بأن يفرّع من الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد ولا يجمعه الخبر من النطفة إلى الولادة إلى الكبر. ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جداً ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجاً إلى تدبر واستعمال فطنة وتدقيق نظر، قال: {لقوم يفقهون *} أي لهم أهلية الفقه والفطنة.

99

ولما ذكر وجوه الإبداع التفريعي من هذين الكونين وأسباب البقاء له بما ينشأ عنه الفصول وغيرها، أتبعه سببه القريب، وهو الماء الذي جعل منه كل شيء حي، فقال مفصلاً ما أجمله في الحب والنوى، سائقاً له مساق الإحسان لما قبله من الدلائل، فإن الدليل إذا كان على وجه الإحسان ومذكراً بالإنعام كان تأثيره في القلب عظيماً، فينبغي للمشتغل بدعوة الخلق أن يسلك هذا المسلك ليكون للقلوب أملك: {وهو} أي لا غيره {الذي أنزل} أي بقدرته وعلمه وحكمته {من السماء} أي الحقيقية التي تعرفونها كما دل عليه صريح العبارة وما أشبهها من ذكور الحيوان المنبه عليه بطريق الإشارة {ماء} أي منهمراً ودافقاً. ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه، نبه عليه بالانتقال إلى التكلم في مظهر العظمة فقال: {فأخرجنا} أي على

ما لنا من العظمة التي لا يدانيها أحد {به} أي الماء {نبات كل شيء} مختلفة طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد، فالسبب واحد والمسببات كثيرة منفتة، سواء كان ذلك النبات حقيقياً من النجم والشجر، أو مجازياً من الأنثى والذكر؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالاً على العظمة: {فأخرجنا منه} أي النبات {خضراً} أي شيئاً أخضر غضاً طرياً، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة؛ ثم زاد في بيان عظمته بقوله: {نخرج} أي حال كوننا مقدرين أن نخرج {منه} أي من ذلك الخضر {حباً متراكباً} أي في السنبل يركب بعضه بعضاً ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ستره بالقشر بحسك طويل لطيف جداً كالإبر خشن، بعد أن كان أصله حبة واحدة على صورتها، أو منفتة في التراب بعد أن طوّره سبحانه في عدة أطوار، إن فاعل ذلك لقادر مختار. ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة خصوصاً وعموماً، فعلم أن الكل منه، وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن يؤمن من نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون، وبالعجز عن إبداعه عالمون، وبدأ بما بدأ به أولاً في آية الفلق من الحب؛ ثنى بما من النوى، فقال معبراً لذلك الأسلوب: {ومن النخل} وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل يدل على أن الزرع أفضل منه، فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات والغذاء

مقدم على الفاكهة؛ فإنها خلقت من طينة آدم؛ ثم أبدل مما أجمل من ذلك قوله مبيناً: {من طلعها} أي النخل، وهو أول ما يخرج منها في أكمامه {قنوان} جمع قنو، وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة، والعرجون عوده الذي يكون فيه البسر {دانية} أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم وسهل لكم من صنعة الوصول إليها. ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب وغيرها ما لهم من معالجة النخيل، عطف على «نبات» منبهاً لهم على أنها - كالنخيل - هو سبحانه المتفرد بإبداعها كما تقدم - فقال: {وجنات} أي بساتين {من أعناب} وجمعها لكثرة أنواعها، وبدأ بهاتين الشجرتين لفضلهما كما تقدم على غيرهما، لأن ثمرهما فاكهة وقوت، وقدم الأول لأنهم له أكثر ملابسة، وإن كان العنب أشرف أنواع الفواكه، فإنه ينتفع به من أول ظهوره لأنه أولاً يكون له خيوط خضر دقيقة حامضة لذيذة، ثم تكون الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ منه رُبّ الحصرم وأشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، ويطبخ منه ألذ الأطعمة الحامضة، وهو عنباً ألذ الفواكه وأشهاها، ويدخر عنباً قريباً من سنة، ويكون زبيبه غذاء، ويكون منه الدِبس والخل وغير ذلك، وأحسن ما فيه عجمه، وهو يتخذ منه جوارشات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة

وقدم النخيل لأنها قوت للعرب، وبينها وبين الإنسان مشابهة في خواص كثيرة لا توجد في النبات، ولذا جاء في الحديث «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام، وليس من الشجر يلقح غيرها» - رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه؛ وأتبعهما ما يليهما في الفضيلة فقال: {والزيتون} وقدمه لكثرة نفعه، وينفصل منه دهن عظيم النفع في الأكل والضياء وسائر وجوه الاستعمال {والرمان} ختم به لحسنه وعظيم نفعه، وهو مركب من أربعة أشياء: قشره وشحمه وعجمه ومائه، فالثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة عفصية فائضة جداً، والماء بضدها وهو ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطبع المعتدل، وفي ذلك تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه. ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف الفواكه وأعمها، وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه، وكان اشتباه بعضها واختلاف بعضها - مع كونها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة - دالاً على القدرة والاختيار، وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك بإثبات كمال القدرة التي هي منفية عن غيره، فلا يصح أن يكون له شريك، لأنه لا يكون إلا مشابهاً

لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه، وللبعث فكان المراد التفكر في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد الوجود، ولمحاجة أهل الكتاب الموسومين بالعلم المنسوبين إلى حدة الأذهان وغيرهم من الفرق، وكان افتعل يأتي للتعريف، وهو المبالغة في إثبات أصل الفعل والاجتهاد في تحصيله والاعتمال، فكان حصوله إذا حصل أكمل، قال بانياً حالاً من كل ما تقدم: {مشتبهاً} أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى لا يكاد يتميز، فلو قطع ثمرتا شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه من ثمرة هذه، فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل، فإنه لمجرد مشاركة أمرين أو أكثر في أصل الفعل، فعلم أن التقدير: وغير مشتبه ومتشابهاً، ثم لما كان ربما تمسك القائل بالطبائع بهذه العبارة، نفى ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملاً في اشتباه بعضها ببعض فقال: {وغير متشابه} أي غير طالب للاشتباه مع أنه لا بد من شبه ما، فالآية من الاحتباك: أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده، وهو عدم التشابه، ولأجل أن الاشتباه أبلغ من التشابه، علق الأمر بالنظر الذي هو أثبت الحواس، ودلالة على أن

المراد إنما هو ظاهر ذلك، لأنه كان في الدلالة على البعث والتوحيد الذي هذا سياقه فقال: {انظروا إلى ثمره} وهذا بخلاف الحرف الثاني، فإنه في سياق الرد على العرب فيما يجعلون من خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، ولذلك ختم الآية بالإذن لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه منه على أنفسهم، وبالأمر بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه، وأما الباطن الذي هو الأكل فسيأتي؛ ثم نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله: {إذا أثمر} أي حين يبدو من كمامه ضعيفاً قليل النفع أو عديمه {وينعه} أي وانظروا إلى إدراكه إذ أدرك وحان قطافه، ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك، لأنه يلزم من مراقبة الأول والآخر، فيعلم استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه وأشكاله وغير ذلك من شؤونه وأحواله، ويلزم من ذلك أيضاً النظر إلى أشجاره ليعلم تفاوت بعضها واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ذلك من سائر الأحوال، كما أن ذلك موجود في التمر، فاستناد هذه التبدلات والتغيرات ليس إلا إلى الفاعل المختار، لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على حد سواء، فلو استندت إليها لم تتغير. ولما كان اتخاذ هذه المذكورات أولاً والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها وألوانها ثانياً دالاً على كمال القدرة المستلزم للوحدانية، دل على عظمته بقوله مستأنفاً مشيراً بأداة البعد وميم الجمع: {إن في ذلكم}

أي الأمر العظيم الشأن العالي الرتبة {لآيات} أي علامات على قدرة الصانع واختياره. ولما كانت الآيات لا تغني عمن أريدت شقاوته قال: {لقوم يؤمنون *} أي حكم بأنهم - بحذقهم ونشاطهم وقوتهم على ما يحاولونه - يجددون الإيمان كلما تأملوا في مصنوعات الله سبحانه وتعالى الدالة عليه المشيرة بكل لسان إليه. ولما كان المشركون على أصناف: منهم عدة أصنام، شركوا في العبودية لا في الخلق، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السلام ومنهم عبدة الكواكب وهم فريقان: منهم من قال: هي واجبة الوجود، ومنهم من قال: ممكنة، خلقها الله وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام بالأفول، ومنهم من قال: لهذا العالم كله إلهان: فاعل خير، وفاعل شر، وقالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور، ويلقبون الزنادقة وهم المجوس، لأن الكتاب الذي زعم زردشت أنه نزل من عند الله سمي بالزند، فالمنسوب إليه زندي، ثم عرب فقيل: زنديق، وكان هذا كله في قوله

{فالق الإصباح} شرحاً لآية {إن الله فالق الحب والنوى} دلالة على تمام القدرة الدالة على الوحدانية للدلالة على البعث؛ حسن كل الحسن العود إلى تقبيح حال المشركين بالتعجيب منهم في جملة حالية من الضمير في {فالق} أو غيره مما تقدم، فقال تعالى شارحاً أمر هذا الصنف، لأن أمر غيرهم تقدم؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في الزنادقة: {وجعلوا} أي هو سبحانه فعل هذا الذي لا يدع لبساً في تمام علمه وقدرته وكمال حكمته ووحدانيته والحال أن الذي فعل ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم الأعظم وقدمه استعظاماً لأن يعدل به شيئاً {لله} أي الذي له جميع الأمر. ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة، قدمه فقال: {شركاء} يعني وما كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقاً، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن يكون له الصفة، وحكم الإنكار حكم النفي. ولما اهتز السامع من هذا التقديم لزيادة المعنى من غير زيادة اللفظ، تشوف إلى معرفة النوع الذي كان منه الشركاء فبينهم بقوله: {الجن} أي الذين هم أجرأ

الموجودات عليهم وأعداهم لهم، فأطاعوهم كما يطاع الإله فكان عبادة لهم وتشريكاً، وقد رأيت ما للبيان بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين {وخلقهم} أي والحال أنهم قد علموا أن الله خلقهم أي قدرهم بعلم وتدبير، فلذلك كان خلقه لهم محكماً {وخرقوا} أي العابدون {له بنين} أي كعزير والمسيح {وبنات} أي من الملائكة، فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات: وصف الملائكة بالأنوثة والاجتراء على مقام الربوبية بالحاجة، تخصيصه بعد ذلك بما لا يرضونه لأنفسهم بوجه؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق والتقدير بغير علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد، ولذلك قيل لمن لا يحسن العمل: خرق؛ وللمرأة: خرقاء، يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا القول الكذب، وأبعدوا به في هذه المجاوزة عن حقيقته، اتساع من سار في خرق أي برية واسعة بهماء وسوفة جوفاء متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه بشر، فضل عن الجادة ضلالاً لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد، فصار جديراً بالهلاك، وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ: وحرفوا - بالمهملة والفاء. ولما لم يكن لقولهم أصلاً حقيقة ولا شبهة، وكان الخرق التقدير

بغير علم، دل على ذلك مصرحاً بما أفهمه محققاً له تنبيهاً على الدليل القطعي في اجتياح قولهم من أصله، وذلك أنه قول لا حجة له، ومسائل أصول الدين لا يصار إلى شيء منها إلا بقاطع، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال: {بغير علم} ثم نزه نفسه المقدسة تنبيهاً على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك، فقال: {سبحانه} أي أسبحه سبحاناً يليق بجلاله أن يضاف إليه؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص، وكان المقام يقتضي كونه في العلو، صرح به فقال: {وتعالى} أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء {عما يصفون *} .

101

ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من الشريك والولد، استدل على ذلك التنزيه بأن الكل خلقه، محيط بهم علمه، ولن يكون المصنوع كالصانع، فقال: {بديع السماوات والأرض} أي مبدعهما، وله صفة الإبداع، أي القدرة على الاختراع ثابتة، ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد، فلذا حسن التعجب في قوله: {أنَّى} أي كيف ومن أيّ وجه {يكون له ولد} وزاد في التعجيب بقوله: {ولم} أي الحال أنه لم {يكن له صاحبة و} الحال أنه {خلق كل شيء} أي مقدور ممكن من كل صاحبة تفرض، وكل ولد يتوهم، وكل شريك يدعي فكيف يكون المبدع محتاجاً إلى شيء من ذلك على وجه التوليد أو غيره.

ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال: {وهو} ولم يضمر تنبيهاً على أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال: {بكل شيء عليم*} أي فهو على كل شيء قدير، لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة - كما يأتي برهانه إن شاء الله في طه، ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة، بل يكون محتاجاً إلى التوليد. ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله، وبين فساد أقوال المشركين، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه، وبين فساد كل واحد منها بأمتن الحجج، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال، قال مشيراً إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار: {ذلكم} أي العالي الأوصاف جداً الذي لا حاجة له إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه {الله} أي الذي له كل كمال {ربكم} أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان، فهي فذلكة ما قبلها وثمرته، لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع واستحق العبادة وحده فلذا أتبع ذلك قوله: {لا إله إلا هو} لأن المقام للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف الكمال التي هي معنى الحمد المفتتح به السورة، وساق قوله: {خالق كل شيء} الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل دليلاً على ذلك،

فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة فقال: {فاعبدوه} أي وحده، لأن من أشرك به لم يعبده، لأنه الغنى المطلق، ومن كان له الغنى المطلق لا يحسن أن يقبل مشركاً، وختم الآية بقوله: {وهو} ولما كان المقام لنفي احتياجه إلى شيء، قدم قوله: {على كل شيء وكيل*} إشارة إلى أن الولد أو الشريك إنما يحتاجه العاجز المفتقر، وأما هو فهو القادر، ومن سواه عاجز، وهو الغني ومن سواه فقير، فكيف يحتاج القدير الغني إلى العاجز الفقير، هذا ما لا يكون، ولا ينبغي أن يتخيله الظنون، وفيه إشارة إلى أن العابد ينبغي أن يتفرغ لعبادته ويقطع أموره عن غير وكالته، فإنه يكفيه بفضله عمن سواه. ولما كان كل والد وكل شريك لا بد أن يكون مجانساً لولده وشريكه بوجه، وصل بذلك من وصفه ما اقتضاه المقام من تنزيهه، فقال: {لا تدركه} أي حق الإدراك بالإحاطة {الأبصار} أي أن من جعلتموه ولده أو شريكه هو مدرك بأبصاركم كعيسى وعزير عليهما السلام والأوثان والنجوم والظلمة والنور، وأما الملائكة والجن فإن كان حكمكم عليهم بذلك عن مشاهدة فهم كمن تقدمهم، وإن كان

عن إخبار فهو عن الأنبياء ليس غير، وكل منهم مخبر بأنهم عباد الله كغيرهم، وأنه منزه عن شريك وولد، وهذه كتبهم وصحاح أخبارهم شاهدة بذلك، ووراء ذلك كله أنهم بحيث يدركون بالأبصار في الجملة، ليس إدراكهم مستحيلاً، وأما هذا الإله العزيز فهو غير مدرك لكم بالبصر كما يدرك غيره إدراكاً تاماً، فيتأمله ناظره فيزنه وينقده بالخبرة بما فيه من رضى وغضب وغيرهما، بما أبدته الفراسة وأوضحه التوسم، لأنه سبحانه متعال عن أن يحاط به، هذا على أنه من عموم السلب، وإن كان من سلب العموم فالمعنى أنه عزيز لا يراه كل أحد، بل يراه الخواص إذا أراد فكشف لهم الحجاب وأوجد لهم الأسباب {وهو} مع ذلك يدرككم، بل و {يدرك} ما لا تدركونه من أنفسكم {الأبصار} وهي القوى المودعة في عصبة العين لتدرك بها المبصرات {وهو اللطيف} عن أن يحيط به الأبصار، لأنه يمنع الأسباب عن أن ينشأ عنها مسبباتها، ويوجد أدق الأسباب وأغربها، فلا يستغرب عليه إدراك المعاني لأنه الذي أوجدها {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء {الخبير*} أي المحيط بالأبصار فإحاطته بأصحابها أجدر، ويتحقق معنى الاسمين لتحقق المعنى؛ قال الحرالي في شرح الأسماء: اللطف إخفاء التوسل إلى الشيء بإظهار ما يضاده، ولا يتم إلا بخبرة، ولذلك نظم باسمه {الخبير}

لأنه أخفى حكمته في ظاهر يضادها، فاللطف مخبرة في حكمة، وباسمه تعالى اللطيف أقام أمر حكمته ما بين الدنيا والآخرة، وبذلك أقام أمر أهل ولايته في الدنيا لما جمع لهم من أمره فيها، فيبدو عزهم من وراء ذل، ويتراءى ذلهم ومن دونه عز، فيسبق عزهم إلى القلوب مع تذللهم في الحواس، ويؤول محسوسهم إلى عز في عقبى الدنيا، ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم، {إن ربي لطيف لما يشاء} [يوسف: 100] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها، وبحصول معناه بتمام الخبرة والحكمة - وتلك إبداء الشيء في ضده - يتضح اختصاصه بالحق، فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً، فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو، ثم قال: الخبرة إدراك خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك الخبير سابقاً لبدوها، وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها، وهو الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار باد ينبئ عن الخبء بمقتضى التجرية، وإلاّ لم يصح لهم الخبرة، كما قيل: مخبرة المرء فيما يبدو

من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله، والخبير الحق خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره، فهو بالحقيقة الذي لا خبير إلاّ هو - انتهى. ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته، وختمها بهذا الدليل المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه، وهو متناه عن أن يدركه، أي يحيط به أحد، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثاً على تدبرها، وجعل ذلك على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إشارة إلى أنه - لنور قلبه وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبُعد مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد - حقيق بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريراً لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية: {قد جاءكم} . ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب المعرفة فتكون سبباً لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات، قال: {بصائر} أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم {من ربكم} أي المحسن إليكم بكل إحسان، فلا إحسان أصلاً لغيره عندكم، فاصعدوا عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار

بالبصائر، ولا تهبطوا في حضيض التقليد إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجرّدوا لقطاع الطريق صوارم البصائر، فإنكم إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم، وإن نافستم في المعالي فإياها نفعتم. ولذلك سبب عن هذا النور الباهر والسر الظاهر قوله: {فمن أبصر} أي عمل بالأدلة {فلنفسه} أي خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال المؤدي إلى الهلاك {ومن عمي} أي لم يهتد بالأدلة {فعليها} أي خاصة عماه لأنه يضل فيعطب. ولما كان المعنى أنه ليس لي ولا لغيري من إبصاره شيء ينقصه شيئاً، ولا علي ولا غيري شيء من عماه، كان التقدير: فإنما أنا بشير ونذير، عطف عليه قوله {وما أنا} وأشار إلى أن حق الآدمي التواضع وإسلام الجبروت والقهر لله بأداة الاستعلاء فقال: {عليكم} وأغرق في النفي بقوله: {بحفيظ*} أي أقودكم قسراً إلى ما ينجيكم، وأمنعكم قهراً مما يرديكم.

105

ولما كان التقدير التفاتاً إلى مقام العظمة إعلاماً بأن القضاء كله بيده لئلا يظن نقص في نفوذ الكلمة: فانظروا ما صرفنا لكم في هذه السورة من الآيات وأوضحنا بها من شريف الدلالات، لقد أتينا فيها بعجائب التصاريف وكشفنا عن غرائب التعاريف، عطف عليه قوله:

{وكذلك} أي ومثل هذا التصريف العظيم {نصرف} أي ننقل جميع {الآيات} من حال إلى حال في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه البراهين ما يفوت القوى ويعجز القُدَر لتحير ألباب المارقين وتنطلس أفكار المانعين، علماً منهم بأنهم عجزة عن الإتيان بما يدانيها فتلزمهم الحجة {وليقولوا} اعتداء لا عن ظهور عجزهم «دارست» أي غيرك من أهل الكتاب أو غيرهم في هذا حتى انتظم لك هذا الانتظام وتم لك هذا التمام، فيأتوا ببهتان بيّن عواره ظاهرة أسراره، مهتوكة أستاره، فيكونوا كأنهم قالوا: إنك أتيت به عن علم ونحن جاهلون لا نعلم شيئاً، فيعلم كل موفق أنهم ما رضوه لأنفسهم مع ادعاء الصدق والمنافسة في البعد عن أوصاف الكذب إلا لفرط الحيرة وتناهي الدهشة وإعواز القادح، والحاصل أنه أتى به على هذا المنهاج الغريب والأسلوب العجيب ليعمى ناس عن بينة ويبصر آخرون، وهم المرادون بقوله: {ولنبينه} أي القرآن لأنه المراد بالآيات المسموعة {لقوم يعلمون *} أي أن المراد من الإبلاغ في البيان أن يزداد الجهلة به جهلاً، ويهتدي من كان للعلم أهلاً، فلا يقولون: «دارست» بل يقولون: إنه من عند الله، فالآية من الاحتباك: إثبات ادعاء المدارسة أولاً يدل على نفيها

ثانياً، وإثبات العلم ثانياً يدل على عدمه أولاً، وهي من معنى {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [البقرة: 26] . ولما انكشف بهذا في أثناء الأدلة وتضاعيف البراهين أن القرآن كنز لا يلقى مثله كنز، وعز لا يدانيه عز، وأنه في الذروة التي تضاءلت دونها سوابح الأفكار، وكلّت عن التماعها نوافذ الأبصار، وختم بأن المراد بالبيان العلماء، ناسب له أن ينبه على ذلك لئلا يفتر عنه طعنهم بقولهم «دارست» ونحوه، فقال مخصصاً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخطاب إعلاماً بأنه العالم على الحقيقة: {اتبع} أي أنت ومن تبعك {وما أوحي إليك} أي فالزم العمل به؛ ثم أكد مدحه بقوله: {من ربك} أي المحسن إليك بهذا البيان؛ ثم علل ذلك بقوله: {لا إله إلا هو} أي فلا يستحق غيره أن يتبع له أمر، ولا يلتفت إليه في نفع ولا ضر {وأعرض عن المشركين *} أي بغير التبليغ، فإنه ما عليك غيره، ومزيد حرصك على إيمانهم لا يزيد من أريدت شقوته إلا تمادياً في إشراكه وارتباكاً في قيود أشراكه. ولما كان الحبيب أسر شيء بما يزيده حبيبه، قال مسلياً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن استهزائهم به وردهم لقوله، عاطفاً على

ما تقديره: فلو شاء الله ما خالفوك ولا تكلموا فيك ببنت شفة: {ولو شاء الله ما أشركوا} أي ما وقع منهم إشراك أصلاً، فقد أراد لك من الوقوع فيك ما أراده لنفسه، فليكن لك في ذلك مسلاة. ولما كان التقدير: فإنه سبحانه حفيظ عليهم، عطف عليه قوله: {وما جعلناك} أي بعظمتنا، وأشار إلى أن العلو ليس بغير الله سبحانه فقال: {عليهم حفيظاً} أي تحفظ أعمالهم لئلا يكون منها ما لا يرضينا فتردهم عنه قسراً {وما أنت} وقدم ما هو أعم من نفي التحقق بالعلو المحيط القاهر الذي هو خاص بالإله فقال: {عليهم بوكيل *} أي فتأخذ الحق منهم قهراً، وتعاملهم بما يستحقونه خيراً أو شراً، إنما أنت مبلغ عنا، ثم الأمر في هدايتهم وإضلالهم إلينا. ولما طال التنفير عما اتخذ من دونه من الأنداد والبنات، لأنها أقل من ذلك وأحقر، كان ذلك ربما كان داعية إلى سبها، فنهى عنه لمفسدة يجرها السب كبيرة جداً، فقال عاطفاً على قوله {وأعرض عن المشركين} غير مواجه له وحده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إكراماً له: {ولا تسبوا} ولما كانت الأصنام لا تعقل، وكان المشركون

يزعمون بها العقل والعلم، ويسندون إليها الأفعال، أجري الكلام على زعمهم لأنه في الكف عنها فقال: {الذين يدعون} أي دعاء عبادة من الأصنام أو غيرهم بذكر ما فيهم من النقص، ثم بين دفعاً لتوهم إكرامهم أنهم في سفول بقوله: {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له عدلاً، بعلم منكم بما لهم من المعايب، بل أعرضوا عن غير دعائهم إلى الله حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه، فإنا زينا لهم أعمالهم فغرقوا مع غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل، وكذبوا بجميع الآيات الموجبة للإيمان، فربما جرهم سبُّكم لها - لما عندهم من حمية الجاهلية - إلى ما لا يليق {فيسبوا} أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا {الله} أي الذي تدعونه وله الإحاطة بصفات الكمال، وأظهر تصريحاً بالمقصود وإعظاماً لهذا وتهويلاً له وتنفيراً منه. ولما كان الخنو يوجب الإسراع، أشار إليه سبحانه بقوله: {عدواً} أي جرياً إلى السب؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم، قال مبيناً لأنه يراد به مع الإسراع أنه مجاوز للحد: {بغير علم} لأنا زينا لهم عملهم، فالطاعة إذا استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى الحال إلى تركها وقتاً ما، لتحصل القوة على دفع ذلك المنكر، فحكم الآية باق وليس بمنسوخ.

ولما كان ذلك شديداً على النفس ضائقاً به الصدر، اقتضى الحال أن يقال: هل هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من الأمم مثله؟ فقيل: {كذلك} أي بل كان لغيرهم، فإنا مثل ذلك التزيين الذي زينا لهؤلاء {زينا لكل أمة} أي طائفة عظيمة مقصودة {عملهم} أي القبيح الذي أقدموا عليه بغير علم بما خلقه في قلوبهم من المحبة له، رداً منا لهم بعد العقل الرصين أسفل سافلين، حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن لتبين قدرتنا؛ فكان في ذلك أعظم تسلية وتأسية وتعزية، والآية من الاحتباك: إثبات {بغير علم} أولا دال على حذفه ثانياً، وإثبات التزيين ثانياً دليل على حذفه أولاً. ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم، وكان الإمهال ربما كان من جهل بعمل العاصي، نفى ذلك بقوله {ثم} أي بعد طول الإمهال {إلى ربهم} أي المحسن إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه، لا إلى غيره {مرجعهم} أي بالحشر الأعظم {فينبئهم} أي يخبرهم إخباراً عظيماً بليغاً {بما} أي بجميع ما {كانوا يعملون *} أي على سبيل التجدد والاستمرار بما في جبلاتهم من الداعية إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على مقتضى العلم.

109

ولما نصب سبحانه هذه الدلالات في هذه الآيات البينات حتى ختمها بما علم منهم من الإسراع إلى سب من أحسن إليهم بأن أوجدهم وأوجد لهم كل ما في الكون، وما من نعمة عليهم إلا وهي منه، عجب منهم في الوعد بالإيمان على وجه التأكيد بما يأتيهم من مقترحاتهم إعلاماً بأن ذلك مما زين لهم من عملهم، وهي أمنية كاذبة ويمين حانثة فقال عاطفاً على {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] {وأقسموا} أي المشركون {بالله} أي الذي لا أعظم منه {جهد أيمانهم} أي باذلين فيها جهدهم حتى كأنها هي جاهدة، ووطأ للقسم فقال: {لئن جاءتهم آية} أي من مقترحاتهم، وتلقى القسم بقوله: {ليؤمنن بها} . ولما كانوا بهذا ظالمين من أجل أنهم طلبوا من الرسول ما ليس إليه بعد إتيانه من المعجزات بما أزال معاذيرهم، وأوجب عليهم الاتباع، نبه على ذلك بقوله مستأنفاً: {قل} أي رداً لتعنتهم {إنما الآيات} أي هذا الجنس {عند الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال، وليس إليّ ولا إلى غيري شيء من هذا الجنس ليفيد الاقتراح شيئاً غير إغضابه. ولما كان العبد لعجزه لا قدرة له على شيء أصلاً، فلا يصح له أن يحكم على آت أصلاً لا من أفعاله ولا من أفعال غيره، قال منكراً عليهم ملتفتاً إلى خطابهم إشارة إلى أنهم حقيقون بالمواجهة بالتبكيت: {وما} أي وأي شيء {يشعركم} أي أدنى شعور بما

أقسمتم عليه من الإيمان عند مجيئها حتى يتوهموه أدنى توهم فضلاً عن الظن فكيف بالجزم ولا سيما على هذا الوجه! ثم علل الاستفهام بقوله مبيناً أنه لا فائدة في الإتيان بالآية المقترحة: {أنها} بالفتح في قراءة نافع وابن عامر وشعبة في رواية عنه وحفص وحمزة والكسائي، فكان كأنه قيل: أنكرت عليكم لأنها {إذا جاءت لا يؤمنون *} بالخطاب في قراءة ابن عامر وحمزة، والالتفات إلى الغيبة في قراءة غيرهم للإعلام بأنهم بعيدون من الإيمان فهم أهل للإعراض عنهم لما استحقوا من الغضب، والتعليل عند من كسر «أنها» واضح. ولما كان التقدير: فإنا نطبع على قلوبهم، ونزين لهم سوء أعمالهم، عطف عليه قوله: {ونقلب} أي بما لنا من العظمة {أفئدتهم} أي قلوبهم حتى لا يهتدوا بها {وأبصارهم} حتى لا ينفعهم الإبصار بها، فلا يعتبرون فلا يؤمنون {كما لم يؤمنوا به} أي بمثل ذلك {أو لمرة} أي عند إتيان الآيات التي قبل تلك {ونذرهم} أي نتركهم {في طغيانهم} أي تجاوزهم للحدود {يعمهون *} أي يديمون التحير على أن الحال لما فيه من الدلالة لا يقتضي حيرة بوجه. ولما أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم على وجه مفصل لإجمال ما قبله فقال:

{ولو أننا} أي على عظمتنا البالغة بما أشار إليه جمع النونات {نزلنا} أي على وجه يليق بعظمتنا {إليهم الملائكة} أي كلهم فرأوهم عياناً {وكلمهم الموتى} أي كذلك {وحشرنا عليهم} أي بما لنا من العظمة {كل شيء قبلاً} جمع قبيل جمع قبيلة في قراءة من ضم القاف والباء كرغيف ورغف، أي جاءهم ذلك المحشور كله قبيلة قبيلة تترى ومواجهة {ما كانوا ليؤمنوا} أي على حال من الأحوال {إلا أن يشاء الله} أي إلا حال مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، فإذن لا عبرة إلا بمشيئته، فالآية دامغة لأهل القدر، ولا مدخل لآية ولا غيرها في ذلك، فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك، ويقرب عندي - وإن بعُد المدى - أن يكون {وأقسموا} معطوفاً على قوله تعالى {وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه} وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي الإنسان جملة من كلام خصمه، ثم يشرع في توهينها، ويخرج إلى أمور - يجرّها المقام - كثيرة الأنواع طويلة الذيول جداً، ثم يحكي جملة أخرى فيقول معجباً منه: وقال كذا وكذا، ثم يشرع فيما يتعلق بذلك من النقد والرد، ومما يؤيد ذلك توحيد ختمهما، فختم الأولى {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] وختم هذه {ولكن أكثرهم يجهلون *} أي أهل جهل

مطبوعون فيه، يقسمون على الإيمان عند مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن المانع لهم من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا لآمنوا بما جاءهم من الآيات، فإنه كفاية في المبادرة إلى الإيمان، والآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الداعي بخرق العادة والعجز عن الإتيان بمثلها.

112

ولما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان كأنه قيل تسلية له وتثبيتاً لفؤاده: فقد جعلناهم أعداء لك لأنك عالم، والجاهلون لأهل العلم أعداء {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن {جعلنا لكل نبي} أي ممن كان قبلك، وعبر عن الجمع بالمفرد - والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال: {عدواً} وبين أن المراد به الجنس، وأنهم أهل الشر فقال مبدلاً: {شياطين} أي أشرار {الإنس والجن} المتمردين منهم، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه، أم يكون نوعه إليه أميل، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله: {يوحي بعضهم} أي الشياطين من النوعين {إلى بعض} أي يكلمه في خفاء {زخرف القول} أي مزينه ومنمقه. ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل، زاده بياناً بقوله: {غروراً} أي لأجل أن يغروهم بذلك، أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ،

والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع. ولما كان أول الآية معلماً أن هذا كان بمشيئة الله وجعله، أيد ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيهاً لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن، ويجر قطعاً إلى اعتقاد العجز، فقال: {ولو شاء} ولما كان في بيان أعدائه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلطين عليه، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه، لا لهوانه، فقال {ربك} أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة، أن لا يفعلوه {ما فعلوه} أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها. ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير، سبب عنه قطعاً قوله: {فذرهم} أي اتركهم على أيّ حالة اتفقت {وما يفترون *} أي يتعمدون كذبه واختلافه، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك، فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة، فإنها في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية. ولم كان التقدير: ذرهم لتعرض عنهم قلوب الذين يؤمنون بالآخرة

وليسخطوه، وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون، فترفع بذلك درجاتهم، عطف عليه قوله: {ولتصغى} أي تميل ميلاً قوياً تعرض به {إليه} أي كذبهم وما في حيزه {أفئدة} أي قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب، وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم، ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي أصل الغرور {وليرضوه} أي بما تمكن من ميلهم إليه {وليقترفوا} أي يفعلوا بجهدهم {ما هم مقترفون *} وهذه الجمل - كما نبه عليه أبو حيان - على غاية الفصاحة، لأنه أولاً يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضى فيكون فعل الاقتراف، فكأن كل واحد مسبب عما قبله.

114

ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب، وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات المقترحة، وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم يفصل بينهم، وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا يكشفون لهم بما يقذف إليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع، فيزيدونه كذباً كثيراً، ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون فيه - كما ابتلينا به في هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من المجانين والمتشبهين بهم، وكانت الآيات التي فرغ منها

قد أثبتت أن اتخاذهم غرور، سبب عن ذلك وجوب نفي اتخاذهم غير الله لما اتصف به من إيحاء ما خالف إيحاءهم، ففات القوى في إخباره عن حقائق الأمور مفصلة أحسن تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار، وكعّت عنها نوافذ الأفهام، فثبتت به نبوته ووضحت رسالته، فكان اقتراحهم ظاهراً في كونه تعنتاً لأنهم كذبوا بأعظم الآيات: القرآن، ولم يؤمنوا به، وطعنوا فيه بما زادهم فضائح، فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم، فكان الجواب - عما اقتضاه لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله: {أفغير الله} أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك، والفاء فيه للسبب، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر {أبتغي} أي أطلب حال كون ذلك الغير {حكماً} أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا؛ ثم استدل على هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال: {وهو} أي والحال أنه لا غيره {الذي أنزل إليكم} أي خاصة نعمة علي بالقصد الأول وعليكم بالقصد الثاني {الكتاب} أي الأكمل المعجز، وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء

{مفصلاً} أي مميزاً فيه الحلال والحرام، وغير ذلك من جميع الأحكام، مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات والنهايات، ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه على التفصيل لوقوع العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا يحسن التفصيل لا يتقن التركيب. ولما كان التقدير: فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله، عطف عليه قوله: {والذين} ويجوز أن يكون جملة حالية {آتيناهم} أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل {الكتاب} أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور {يعلمون} أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية {أنه منزل} . ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع التفرد بالكمال، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان، لم يضمر بل قال: {من ربك} أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع الفضائل {بالحق} أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ولما له من موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب

وتفيض الدموع وتصدع الصدور، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية. ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم، ويقولون للمشركين: إنهم أهدى سبيلاً، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه، أو أن الأمر ملبس عليهم، سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب: {فلا تكونن} أي انف نفياً مؤكداً جداً أن تكون في وقت ما {من الممترين *} أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها؛ وقال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. ولما دل على كونه حقاً من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحاً وأهل اللسان تلويحاً، دل عليه بوجه آخر شهودي، وهو أنه ما قال شيئاً إلا كان على وفق ما قال، وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما أخبر به ولا تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر

بقوله تعالى مظهراً في موضع الإضمار، لتذكيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما له سبحانه من الإحسان، والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام: {وتمت} أي نفذت وتحققت {كلمة ربك} أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها {صدقاً} أي لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها حديثاً بتخلف ما عن مطابقة الواقع. ولما كان الصدق غير مناف للجور، قال: {وعدلاً} ولما كان الصدق العدل قد لا يتم معه مراد القائل، ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى منه، أخبر أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، تصريحاً بما أفهم مطلع الآية من التمام، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتبركاً وتلذيذاً فقال: {لا مبدل لكلماته} أي من حيث إنها كلماته مطلقاً من غير تخصيص بنوع ما، بل كل ما أخبرت به فهو كائن لا محالة، رضي من رضي وسخط من سخط. ولما كان المغير لشيء إنما يتم له ما يريد من التغيير بكون المغير عليه لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ليحكمها، والموانع العائقة ليبطلها، قال عاطفاً على ما تقديره: فهو العزيز الحكيم: {وهو} أي لا غيره {السميع} أي البالغ السمع لجميع ما يمكن سمعه من الأقوال والأفعال {العليم *} أي البالغ العلم لجميع ذلك، فهو إذن الكامل القدرة النافذ الأمر في جميع الأسباب والموانع، فلا يدع أحداً يغير شيئاً منها وإن

دلس أو شبه. ولما أجاب عن شبهات الكفار، وبين صحة نبوته عليه السلام، شرع في الحث على الإعراض عن جهل الجهال، والإقبال على ذي الجلال، فكان التقدير: فإن أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما وعدك به، عطف عليه قوله: {وإن تطع} ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة بالأكثر، أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال: {أكثر من في الأرض} أي توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى، وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون {يضلوك عن سبيل الله} أي المستجمع لصفات الكمال؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي لأنهم ما {يتبعون} في أمورهم {إلا الظن} أي كما يظن هؤلاء جهلاً أن آباءهم كانوا على الحق. ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذباً، وكان الخارص يقال على الكاذب والمخمن الحازر، قال: {وإن هم} أي بصميم ضمائرهم {إلا يخرصون *} أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون، فيكشف الأمر عن أنها كذب، فيعرف الفرق بينك وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام، أو تخلفه عن التمام ونكوصه

كالسيف الكهام، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل.

117

ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب، قال معللاً لهذا الإخبار: {إن ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب {هو} أي وحده {أعلم} ولكون الحال شديد الاقتضاء للعلم، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقاً ثم قال: {من} أي يعلم من {يضل} أي يقع منه ضلال يوماً ما {عن سبيله} أي الذي بينه بعلمه {وهو} أي وحده {أعلم بالمهتدين *} كما أنه أعلم بالضالين، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه، فمن ضل أرداه، ومن اهتدى أنجاه، فاستمسكوا بأسبابه حذراً من وبيل عقابه يوم حسابه. ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا، وأتبع ذلك ما لاءمه، وانتظم في سلكه ولاحمه، حتى ظهر أي ظهور أن الكل مِلكه ومُلكه، وأنه لا شريك له، فوجب شكره وحده، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً،

فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضراً ولا نفعاً، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية. ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع، ثم يعجب ممن أشرك به، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيراً بالنعمة، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره، كما قال تعالى في البقرة عقب {وإلهكم إله واحد} {إن في خلق السماوات والأرض} [البقرة: 164] ثم قال {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً} [البقرة: 165] ثم قال {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة: 168] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضاً، فقال: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] بعد {إني وجهت وجهي للذي فطر} [الأنعام: 79] ثم {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] ودل على أنه لا شريك له في مِلكه ولا مُلكه، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطاً لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله: {فكلوا مما ذكر} أي وقت الذبح {اسم الله} أي الملك الذي له

الإحاطة الكاملة فله كل شيء {عليه} أي كأن قائلاً لذلك سواء ذكر بالفعل أولا، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة، فكأنه قيل: اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال، والله أعلم بالفريقين، فكونوا من المهتدين، فكلوا مما خلق الله لكم حلالاً شاكرين لنعمته، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل الكلام تقريراً لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجاً على جميع ذلك لأنها سورة التفصيل، وأتى بالذكر والمراد قبول المأكول له، أي كلوا مما يقبل أن يسمى عليه على مقتضى ما شرعه، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان مما جعلوه لأوثانهم أولا، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه، أو ذكر عليه اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله، فإنه لا يقبل التحليل بالتسمية، فالتسمية في غير موضعها، لورود النصوص بالتحريم، ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها، ويكون ذلك حثاً على التسمية على جميع المأكول الحلال، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة. ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من قبله؛ قال: {إن كنتم} أي بما لكم من الجِِبِلَّة الصالحة {بآياته}

أي عامة التي منها آيات التحليل والتحريم {مؤمنين *} أي عريقين في وصف الإيمان، وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله: {وما لكم} أي أيّ شيء يكون لكم في {ألا تأكلوا مما ذكر} أي يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي له كل شيء {عليه} فإن التسمية قائمة مقام إذنه {وقد} أي والحال أنه قد {فصل لكم} أي من قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره {ما حرم عليكم} أي مما لم يحرم تفصيلاً واضح البيان ظاهر البرهان {إلا ما اضطررتم إليه} أي فإن الضرورة تزيل التفصيل عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل؛ فيصير الكل حلالاً لا تفصيل فيه، والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين، فأما من خوطب بها وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي آتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت جملة، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة، وكذا ما أخبر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وحي متلو إذ ذاك، ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه، أو وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة، وأما من خوطب بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام. ولما كان التقدير: من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم قليل، عطف عليه قوله: {وإن كثيراً} أي من الناس {ليضلون}

أي يقع منهم الضلال فيوقعون غيرهم فيه بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه بيانه، فيكونون بمعرض العطب {بأهوائهم} أي بسبب اتباعهم للهوى؛ ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقاً لما أدى إليه العم بصحيح الفكر وصريح العقل قال: {بغير علم} أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من شريعة ماضية ممن له الأمر. ولما كانوا ينكرون هذا، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال دليلاً على صحة ما أخبر به: {إن ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب شاهداً لك بإعجازه بالتصديق {هو} أي وحده {أعلم} وكان الموضع للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال: {بالمعتدين *} أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك.

120

>ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم لكونه ملكاً للغير أو فيه شبهة، نهى عنه على وجه يعم غيره، فقال عطفاً على «فكلوا» {وذروا} أي اتركوا على أيّ حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة {ظاهر الإثم} أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره {وباطنه} من كل ما فيه شبهة من الأقوال والأفعال والعقائد، فإن الله جعل له في القلب علامة، وهو أن يضطرب عنده

ولا يسكن كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر» - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن الذين يكسبون الإثم} أي ولو بأخفى أنواع الكسب، بما دل عليه تجريد الفعل، وهو الاعتقاد للاسم الشريف. ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله {سيجزون} أي بوعد لا خلف فيه {بما} أي بسبب ما {كانوا} بفاسد جبلاتهم {يقترفون *} أي يكتسبون اكتساباً يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق، وصيغة الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة. ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذراً من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم، أتبعه نهيهم نهياً جازماً خاصاً عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال {ولا تأكلوا مما لم يذكر} أي مما لا يقبل أن يذكر {اسم الله} أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه، لأن له الكمال كله فله الإحاطة الكاملة، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال: {عليه} أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى، فصار مخبثاً للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه

بما دل عليه من تسميته فسقاً، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراماً بغير ذلك، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال، فإن ذكر عليه كان ملاعباً فلم يطهره، وأما ما كان حلالاً ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواماً حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا! قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» قال البغوي: ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى. ولما كان التقدير: فإنه خبيث في نفسه مخبث، عطف عليه قوله: {وإنه} أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب {لفسق} فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جداً في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من شره، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق، والذي تركت التسمية عليه نسياناً ليس بفسق، والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا

للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن قوماً يأتونّا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا! فقال: «سموا عليه أنتم وكلوه» ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر - انتهى. فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل. ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد، قال محذراً منها: {وإن الشياطين} أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس {ليوحون} أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة {إلى أوليائهم} أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم {ليجادلوكم} أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم: ما قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالاً أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها.

ولما كان التقدير: فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك، عطف على هذا قوله: {وإن أطعتموهم} أي المشركين تديناً بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أو في شيء مما جادلوكم فيه {إنكم لمشركون *} أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا، فنبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة: حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو للصليب حرمت ذبيحته، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فينبغي أن يقال: تحرم، لأنه ذبح لغير الله تعالى، قال:

وخرّج أبو الحسن وجهاً آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يعتقده النصراني في عيسى عليه السلام. قال: وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله، واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له. وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفراً كمن سجد لغيره سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيماً لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب الكفر، وكذا السجود لغير الله تذللاً وخضوعاً، فعلى هذا إذا قال الذابح: بسم الله واسم محمد، وأراد: أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد، فينبغي أن لا يحرم، وقول من قال: لا يجوز ذلك، يمكن أن يحمل على أن اللفظ مكروه، لأن المكروه يصح نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه، وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة بين أهل قزوين أفضت إلى فتنة في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر

بذلك! قال: والصواب ما بينا؛ قال الشيخ محيي الدين: ومما يؤيد ما قاله - أي الرافعي - ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي في تعليقه: قال: حكى صاحب التقريب عن الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا سمى غير الله كالمسيح لم تحل ذبيحته، قال صاحب التقريب: معناه أن يذبحها له. فأما إن ذكر المسيح على معنى الصلاة على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجائز، قال: وقال الحليمي: تحل مطلقاً وإن سمى المسيح - والله أعلم، ثم قال في المسائل المنثورة: الثالثة: قال ابن كج: من ذبح شاة وقال: أذبح لرضى فلان، حلت الذبيحة، لأنه لا ينصرف إليه بخلاف من تقرب بالذبح إلى الصنم؛ وقال الروياني: إن من ذبح للجن وقصد به التقرب إلى الله تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال، وإن قصد الذبح لهم فحرام؛ ومما يوضح لك سر هذا الانتظام ويزيده حسناً أن هذه الآيات كلها من قوله تعالى {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 100] إلى آخر السورة تفصيل لقوله تعالى في أول السورة {قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض} [الأنعام: 14] ، فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95] ونحوه، وأنكر اتخاذ من دونه بقوله {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] وما نحا نحوه، قال {فكلوا} [الأنعام: 118] إشارة إلى {وهو يطعم ولا يطعم} [الأنعام: 14] وقوله {أو من كان ميتاً فأحييناه} [الأنعام: 122] وقوله {فمن يرد الله أن يهديه} [الأنعام: 125] ونحوهما إشارة إلى قوله {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} [الأنعام: 14] ، وقوله {ويوم نحشرهم جميعاً} [الأنعام: 22] ونحوه مشير إلى {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} [الأنعام: 15] .

ولما انقضى التفصيل عند قوله {فسوف يعلمون} شرع في تفصيلها ثانياً بقوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} [الأنعام: 136] إلى آخرها، والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو نفي، وأقيمت الدلائل على إثبات ما ثبت منه ونفي ما نفي، ثم أعيد ذلك في أسلوب آخر، كان أثبت في النفس وألصق بالقلب، لا سيما إن كان في الأسلوب الثاني - كما هي عادة القرآن - زيادة في البيان وتنبيه على ما لم يتقدم أولاً، ولا سيما إن كانت العبارة فائقة والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن هذا كله دأب القرآن في أساليب الافتنان؛ قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام: وقوله ثانياً {الرحمن الرحيم} إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظن أنه مكرر، فلا مكرر في القرآن، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة، وذكر الرحمة بعد ذكر {العالمين} ، وقبل ذكر {العالمين} ، وقبل ذكر {مالك يوم الدين} ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ما حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه، والثانية ملتفت إلى ما بعده بالإشارة إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد، قال: وشرح ذلك يطول والمقصود

أنه لا مكرر في القرآن، وإن رأيت شيئاً مكرراً من حيث الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - انتهى. وفي ذلك نكتة أخرى، وهي أن الرحمن مشير إلى ما قال من جهة الربوبية في الإيجادين: الأول والثاني، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة. ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية، فكان التقدير: أفمن كان هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه، عطف عليه قوله: {أو من كان ميتاً} أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية {فأحييناه} أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله {وجعلنا} أي بعظمتنا على وجه الخصوص {له نوراً} أي بالهداية إلى كل خير {يمشي} مستضيئاً {به في الناس} فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله {كمن مثله} أي الذي يمثل به، وهو ما ينكشف بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال قلبه،

حال قلبه، أو يكون المعنى: صفته أنه {في الظلمات} أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقاً فيه بطريق الأولى، فلذلك قال: {ليس بخارج} أي ذلك المثل {منها} أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله، وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة، وذلك لأنه زين له عمله، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] وقوله: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات} [الأنعام: 39] . ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلاّ تزييناً للقبائح، فكان حالهم مما يشتد العجب منه، كان كأنه قيل: لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا أن عاقلاً يرضى ما فعلوه بأنفسهم، فهل وقع لأحد قط مثل حالهم؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم {زين للكافرين} أي كلهم {ما كانوا} بما جبلناهم عليه {يعملون *} فهم أبداً في الظلمات، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً كونه في الظلمات دليلاً على تقديره

ثانياً، وثانياً التزيين دليلاً على تقديره أولاً.

123

ولما كان معلوماً أن عداوتهم له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المشار إليها بقوله {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً} الآية، لا يقوم بها إلا أكابر الناس، لما كان عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب وأنه لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله، عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله: {وكذلك} أي مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم {جعلنا} أي بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن {في كل قرية} أي بلد جامع، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة فقال: {أكبر مجرميها} أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل. ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعاً فيما عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله

له؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له، فقال معبراً بالجعل لما فيه من التصيير والتسبيب: {ليمكروا فيها} أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا لهم حزب الله. ولما كان ذلك موجعاً وغائظاً محزناً، قال تصغيراً لشأنهم وتحقيراً لأمرهم: {وما} أي والحال أنهم ما {يمكرون إلا بأنفسهم} لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر بالله، وذلك غير متأت ولا كائن بوجه من الوجوه، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئاً من الغيب بمن يعلم جميع الغيب! {وما يشعرون *} أي وما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم، وإنما أجرى سنته الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذاً لهم منادياً عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقاً لقوله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173]- في أمثال ذلك.

ولما قرر هذا، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفاً على {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] تعجيباً من حالهم فيما زين لهم من ضلالهم، وتصديقاً لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية إلاّ أن يشاء الله؛ وتحقيقاً لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم: {وإذا جاءتهم} أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم {آية قالوا} حسداً لمن خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات الأنبياء عليهم السلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران {لن نؤمن} أي أبداً {حتى نؤتى} لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص أحد عنا بشيء {مثل ما} . ولما كان نظرهم مقصوراً على عالم الحس من غير نظر إلى جانب الله لكونه غيباً بنوا للمفعول قولهم: {أوتي رسل الله} يجوز أن يكون المراد: حتى يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفاً منشرة} [المدثر: 52] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال: تنازعنا نحن وبنو عد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء،

ويحك! متى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبداً. وأن يكون المراد إتيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا وإحياء الموتى ونحوها، وسموهم تنزلاً واستهزاء، وعبروا بالجلالة إشارة إلى القدرة التامة فلا عذر. ولما ذكر اسم الجلالة إيذاناً بعظيم ما اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ الأنوف، أعادها أيضاً تهويلاً للأمر وتنبيهاً على ما هناك من عظيم القدر، فقال رداً عليهم فيما تضمن قولهم من دعوى التعلم بالحكمة والاعتراض على الله عز وجل: {الله} أي بما له من صفات الكمال {أعلم} أي من كل من يمكن منه علم {حيث يجعل} أي يصير بما يسبب من الأمور {رسالته} أي كلها بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الخلق فهو لا يضع شيئاً منها بالتشهي. ولما كشف هذا النظم عن أنهم اجترؤوا عليه، وأنهم أصروا على أقبح المعاصي الكفر، لا لطلب الدليل بل لداء الحسد؛ تاقت النفس إلى معرفة ما يحل بهم فقال جواباً: {سيصيب} أي بوعد لا خلف فيه،

وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {الذين أجرموا} أي قطعوا ما ينبغي أن يوصل {صغار} أي رضى بالذل لعدم الناصر؛ ولما كان الشيء تعظم بعظمة محله ومن كان منه ذلك الشيء قال: {عند الله} أي الجامع لصفات العظمة {وعذاب} أي مع الصغار {شديد} أي في الدنيا بالقتل والخزي وفي الآخرة بالنار {بما} أي بسبب ما {كانوا يمكرون} .

125

ولما تقدم أنه تعالى أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال، ومن يقبل الهداية في الحال أو المآل، وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ قدرته، علم أن الأمر أمره، والقلوب بيده، فتسبب عن ذلك قوله: {فمن يرد الله} أي الذي له جميع الجلال والإكرام {أن يهديه} أي يخلق الهداية في قلبه من أكابر المجرمين أو غيرهم {يشرح صدره} أي يوسعه بأن يجعله مهيئاً قابلاً بالنور {للإسلام} قال الإمام أبو جعفر النحاس: روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «يا رسول الله! وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم، يدخل القلب نور، فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد

للموت قبل الموت» ، وفي رواية: الفوت {ومن يرد} أي الله، ولم يظهر هنا إشارة إلى أن الضلال على مقتضى الطبع {أن يضله} أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه {يجعل صدره} أي الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار {ضيقاً حرجاً} أي شديد الضيق فيكون مرتجساً أي مضطرباً، روي أن عمر رضي الله عنه أحضر أعرابياً من كنانة من بني مدلج فقال له: ما الحرجة؟ فقال: شجرة لا تصل إليها وحشية ولا راعية، وساق البغوي القصة ولفظه: وقال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم اتفقا - فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الإيمان والخير؛ وزاد البغوي: يقال سيبويه: الحرج - بالفتح المصدر، ومعناه: ذا حرج، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق، وقال المهدوي: هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه، وقال في النساء في قوله تعالى {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت} [النساء: 65] أي ضيقاً، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد: إنه الشك، وقول الضحاك: إنه الإثم، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم؛ وقال

النحاس: {حرجاً مما قضيت} أي شكاً وضيقاً، وأصل الحرج الضيق - انتهى. وتحقيق ذلك أن الآية هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل - تأكيد أخر إما بالمصدر أو باسم الفاعل، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه، فمعنى الفتح: ضيقاً - بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه - إن كسرتَ حرجاً - ضيقاً بإعادة اسم الفاعل، ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان الضيق الكثير الشجر، ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع والشدة والحيرة والحر والبرد، وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة: حرج جحر رجح حجر جرح - تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف، ويلزمه الثقل والمنع والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق، فيرجع إلى الصلابة الحرجُ بمعنى الضيق، والحرجة للغيضة، ولحرج للقلادة من الودع، والحرجوج للريح الشديدة الباردة، والناقة الحرجوج للوقادة القلب، ويجوز رجوعها إلى الحدة، والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره، ولضيقه

عن أسرّة الأحياء، ومنه أيضاً جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض، ويرجع إلى الثقل الحرجُ بمعنى الإثم، وينشأ عن ذلك البعث المفضي إلى الحيرة، ومنه حرجت عينه، أي حارت فلا تطرف، ويلزم الثقل أيضاً الجرحُ بمعنى الطعن النافذ في البدن، ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالاً، لأنه من آثاره، ومنه الرجحان بمعنى الثقل، والحكم الراجح الذي يوجب رزانة صاحبه، ومنه الأرجوحة لأن كلاًّ من طرفيها يرجح بالآخر، ويرجع إلى المنع الحجرُ بمعنى العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد، والحجر في المال، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك - ولو قدر باع - امتنع منك، وكان التأنيث فيه لقربه، ويرجع إلى الشخوص الحرجُ للناقة الطويلة؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمه الله في كتابه «المحتسب في توجيه القراءات الشواذ» عند قوله تعالى في هذه السورة «وحرث حرج» فيمن قرأ بتقديم الراء: إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع، وإذا أنعمت النظر وتركت الملل والضجر وجدت الأمر كما قال -

والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة وبقيته، وكله إلى التماسك والضيق، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله، ومنه الحجر وبابه لضيقه، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعاً بينه وبينها، فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر؟ قيل: كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض، فأما الآخر فلا يقال له: راجح، وإذا ثبت ذلك - وقد ثبت - فكذلك قوله تعالى {وحرث حرج} في معنى حجر، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلاّ من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - انتهى. ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه، وإن وصل إليه شيء منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكاً فنكصت، وهكذا لا تزال في اضطراب وتردد أبداً؛ كانت ترجمته قوله: {كأنما يصعد} أي يتكلف هذا الشخص في قبول الهداية الصعود {في السماء} في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن، بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد، فكلما أصعدته حركته الاختيارية أهبطته

حركته الطبيعية القسرية، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئاً ثقيلاً ويصعد به في جدار أملس، فيصير يتكلف ذلك فيقع، ثم يتكلف الصعود ايضاً فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط، وربما سقط دونه، فهو مما يمتنع عادة، فلا يزال مرتجساً أي مضطرباً ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي. ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه، وكان الرجس في الأصل لما يستقذر، والمستقذر ينفر منه، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالاً، وهو أن يقال: هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان، أجيب بما حاصله: لا، {كذلك} أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان {يجعل الله} أي بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة {الرجس} أي الاضطراب والقذر {على الذين لا يؤمنون} من أهل كل زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الضلال دليلاً على حذفه ثانياً، وذكر الرجس ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، والآية نص في أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر. ولما ذكر ما ألزمه لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر، كان في غاية الحسن تعقيبه بالصراط، فإنه مما يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي

له - مع استجماع الكمالات كلها - صفة العطف والإحسان واللطف، وإضافة الرب إلى هذا الرسول الذي يعشق خلقه وخلقه كلُ من يراه أو يسمع به، وأحسن من ذلك وأمتن أن مادة «رجس» تدور على الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال المانع من الإيمان، فلما مثل سبحانه حال الضال بحال المضطرب، وأخبر أنه ألزم هذا الاضطراب كل من لا يؤمن، أتبعه وصف سبيله بالاستقامة التي هي أبعد شيء عن الاضطراب الملزوم للعوج، وكان التقدير: فهذا حال أهل الضلال، فعطف عليه قوله: {وهذا} أي الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ختمناها بأن الهادي المضل هو الله وحده، لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت كل آية {صراط} أي طريق {ربك} أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط {مستقيماً} أي لا عوج فيه أصلاً، بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي في أحسن تقويم بالعقل السليم الذي لم يشبه هوى ولم يشبه خلل في أن الأمر كله بيد الله لكيلا يزال الإنسان خائفاً من الله وراجياً له لأنه القادر على كل شيء، وأما غيره فلا قدرة له إلاّ بتقديره لأنه خلق القوى والقدر عندنا وعند المعتزلة، فلتكن الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم، وليس غير الله محيط العلم؛ قال الإمام: فالآية التي قبلها من المحكمات، فيجب إجراؤها على ظاهرها، ويحرم التصرف فيها بالتأويل.

ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج العقل ليس شيء منه خارجاً عنه وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل، بل لا بد له فيه من إرشاد الهداة من الرسل الآخذين على الله، قال مبيناً لمدحه مرشداً إلى انتظامه مع العقل: {قد فصلنا} أي غاية التفصيل بما لنا من العظمة {الآيات} أي كلها فصلاً فصلاً بحيث تميزت تميزاً لا يختلط واحد منها بالآخر {لقوم يذكرون} أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل من الهوى وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ليذكروا أنه قال: ما من شيء ذكرناه إلاّ وقد أودعنا في عقولهم شاهداً عليه. ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلاّ من أهل العنايات في طرق الهدايات، قال مرغباً في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على القلوب المهيأة له: {لهم} أي المتذكرين {دار السلام} أي الجنة، أضافها سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها، وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا يلم بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله: {عند ربهم} أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم {وهو} أي وحده {وليهم} أي المتكفل بتولي أمورهم، لا يكلهم إلى أحد سواه، وهذا يدل على قربه منهم،

والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم بالتوحيد؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر، بين أن المراد منه التأدية إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال: {بما} أي بسبب ما {كانوا} أي كما جبلهم عليه، فما كان ذلك إلاّ بفضله {يعملون} .

128

ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة، وأبهمه في أولها، وبيّن في أثنائها بعض أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان، وهو يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفاً بهم واستعطافاً إلى المتاب، فقال جامعاً الفريقين {ويوم} أي اذكر في

تذكرك يوم {يحشرهم} أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا {جميعاً} لا نذر منهم أحداً {يا} أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون لهم مدافعة أصلاً: {معشر الجن} أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم {قد استكثرتم} أي طلبتم وأوجدتم الكثرة {من الإنس} أي من إغواء المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً. {وقال} هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في «يا معشر» الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: فقالوا: ربنا هم ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا، فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله {قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا} [الأعراف: 38]-

الآية، وقوله {فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً} - الآية {أولياؤهم} أي الجن {من الإنس} أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين {ربنا} أيها المربي لنا المحسن إلينا {استمتع} أي طلب المتاع وأوجده {بعضنا ببعض} نحن بهم فيما قالوا، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم {وبلغنا} أي نحن وهم {أجلنا} وأحالوا الأمر على القدر فقالوا: {الذي أجلت لنا} وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به، فاستوجبنا العذاب كلنا. ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: {قال} أي المخاطب لهم عن الله {النار مثواكم} أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر {خالدين فيها} أي إلى ما لا آخر له، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له، فالجزاء من جنس العمل.

ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك، بل هو على غاية الكمال، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل، وجميع ما يبدو منه حسن، فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال: {إلا ما شاء} ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية، عبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك، هيهات هيهات! انقطعت دون ذلك الآمال، فظلت ناكسة أعناق الرجال، وبيده إزار العز، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل، وأنزله في مهاوي الخزي، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه. ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال، أتبعه اللطف بالمخاطب به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: {إن ربك} أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك. ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم، قدم

وصفها فقال: {حكيم} أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً {عليم *} أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك. ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال: {وكذلك} أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين {نولي} أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق {بعض الظالمين} أي الغريقين في الظلم {بعضاً} أي بأن نجمع بين الأشكال، في الأوصاف الباطنة والخصال، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال، والأوجاع والأنكال {بما كانوا} بجبلاتهم {يكسبون *} أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً، وهم لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب؛ روى الطبراني في الأوسط ن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله عزّ وجلّ يقول: أنتقم ممن

أبغض بمن أبغض ثم أصيّر كلاًّ إلى النار» وعن مالك بن دينار قال: رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول: افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي. أو يقال: فقد أخبرنا أن الله عزّ وجلّ ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال، أو يقال: فقد بان أن كلاًّ من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً إن قدروا، وهيهات منهم ذلك هيهات! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب. ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلاً من الأولى إتماماً للتقريع والتوبيخ والتشنيع: {يا معشر الجن} قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم {والإنس} وبكتهم بقوله محذراً للسامعين الآن ومستعطفاً لهم

إلى التوبة: {ألم يأتكم رسل} ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال: {منكم} وإن كان الرسل من الإنس خاصة. ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالباً لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل {يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] ، {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] {وعنده مفاتح الغيب} [الأنعام: 59] وغيرها، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال {يقصون} بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل {عليكم آياتي} أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم، فيحلونها حلاً مقطوعاً به {وينذرونكم} أي يخوفونكم {لقاء يومكم هذا} أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلباً حثيثاً وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيراً سريعاً {قالوا} معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع {شهدنا} بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح {على أنفسنا} أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى {قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: {وغرتهم}

أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم {الحياة الدنيا} أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ولكن لم يستطيعوا كتمانها، بل {وشهدوا} أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال {على أنفسهم} أيضاً بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، وهو {أنهم كانوا} جبلة وطبعاً {كافرين *} أي غريقين في الكفر، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا وبالاً وحزناً ونكالاً.

131

ولما ذكر سبحانه إقامة الحجة على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السلام، علل إرسالهم ترغيباً وحثاً في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب، وتنبيهاً وإرشاداً في صادع تخويف وتأديب فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الجدوى هو أن أرسلنا الرسل {أن} أي لأجل أنه {لم يكن ربك} أي المحسن إليك بتشريف قومك {مهلك} أي ثابتاً إهلاكه {القرى بظلم}

أي بسبب ظلم ارتكبوه {وأهلها غافلون *} أي غريقون في الغفلة عما يجب عليهم مما لا تستقل به عقولهم، أي بما ركب فيهم من الشهوات وغلب عليهم من اللذات، فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم، فأرسلنا إليهم الرسل حتى أيقظوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم، فصار تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق الواجب والعدل الصائب، ويجوز أن يكون المعنى: مهلكهم ظالماً، فيكون المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى {وما ربك بظلام للعبيد} [فاطر: 46] وعلى الأول المنفي ظلمهم. ولما بيّن سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام، والآخر دار الملام، قال جامعاً للفريقين عاطفاً على قوله {لهم دار السلام عند ربهم} [الأنعام: 127] : {ولكل} أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي الجن والإنس في الدارين {درجات} أي يعليهم الله بها {مما} أي من أجل ما {عملوا} ودركات يهويهم فيها كذلك. ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلاّ بعد الإعذار إليهم، وتضمن ذلك إمهالهم، وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ودوامها، نفى أن يسلم شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة العلم بجميع أعمالهم فقال: {وما ربك} أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك وإسفال أعدائك، وأغرق في النفي لإثبات مزيد العلم فقال:

{بغافل عما يعملون *} أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين، بل هو عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه، فلا يقع في وهم أن الإمهال لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من الجن. ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها لنفع في الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية، وكان الإمهال مع المبارزة ربما ظن أنه عن عجز، قال مرغباً مرهباً: {وربك} أي المحسن إليك وإليهم بإرسالك، وحصر الخبر في المبتدإ بقوله: {الغني} أي وحده الغني المطلق عن كل عابد وعبادته، فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها {ذو الرحمة} أي وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال؛ وملا كان اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه، وأنه ما رتب الثواب والعقارب إلا رحمة منه وجوداً، استأنف بيان ذلك، وأخبر عن هذا المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحاً بما أفاده: {إن يشأ يذهبكم} أي جميعاً بالإهلاك، فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف على شيء

غير مشيئته، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراماً لنبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ثم قال تحقيقاً لغناه أيضاً: {ويستخلف} . ولما كان لم يجعل لأحد الخلد، أدخل الجار فقال: {من بعدكم} أي بعد هلاككم {ما يشاء} أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه {كما أنشأكم من ذرية} أي نسل {قوم آخرين *} أي بعد أن أهلكهم أجمعين، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفاً في أصلابهم، لم يكن في واحدة منها حياة. ولما تقرر أن له الوصفين الملزومين للقدرة، أنتج ذلك قوله جواباً لاستعجالهم بالعذاب استهزاء: {إن ما توعدون} أي من البعث وغيره {لآت} أي لا بد من وقوعه لأن المتوعد لا يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه فيه {وما أنتم بمعجزين *} أي بثابت لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم، فتمهد الأمر من جهته ومن جهتكم لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وفي ذلك تقرير لأمر رحمته لأن القادر إذا اراد النقمة أخذ على غرة ولم يهدد، وإذا أراد الرحمة تقدم بالوعيد ليحذر الفائزون ويستسلم الخاسرون. ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر، فأنتج

الاجتهاد للعاقل - ولا بد - في العمل، وكان أكثر الخلق أحق، أمره سبحانه بالنصيحة بقوله: {قل يا قوم} أي يا أقرب الخلق إليّ وأعزهم عليّ ومن لهم قيام في الأمور وكفاية عند المهمات {اعملوا} وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير بالقوم بحرف الاستعلاء فقال: {على مكانتكم} أي على ما لكم من القدرة على العمل والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم القواصم بخفوق الأجل، وفيه مع النصيحة تخويف أشد مما قبله، لأن تهديد الحاضر على لسان الغير مع الإعراض أشد من مواجهته بالتهديد، أي أنكم لم تقبلوا بذلك التهديد الأول كنتم أهلاً للإعراض والبعد. ولما كان أدل شيء على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا إليه، قال مستانفاً أو معللاً: {إني عامل} أي على مكانتي وبقدر استطاعتي قبل الفوت بحادث الموت، ويمكن أن يكون متمحضاً للتهديد، فيكون المعنى: اعملوا بما أنتم تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة، إني كذلك أعمل فيما جئت به. ولما كان وقوع المتوعد به سبباً للعلم بالعاقبة، وكان السياق لعدم تذكرهم وغرورهم وقلة فطنتهم، حسن إثبات الفاء في قوله: دون إسقاطها لأن الاستئناف يتعطف للسؤال فقال: {فسوف تعلمون} أي يقع لكم بوعد لا خلف فيه العلم، فكأنه قيل: أيّ علم؟ فقيل:

{من تكون له} كوناً كأنه جبل عليه {عاقبة الدار} أي بيني وبينكم، وهذا في إثبات الفاء بخلاف ما في قصة شعيب عليه السلام من سورة هود عليه السلام في حذفها؛ ولما كان التقدير جواباً لما تقرر من سؤالهم: عاقبة الدار للعامل العدل، استأنف قوله: {إنه لا يفلح الظالمون *} أي الغريقون في الظلم كائنين من كانوا، فلا يكون لهم عاقبة الدار، فالآية من الاحتباك: ذكرُ العاقبة أولاً دليل على حذفها ثانياً، وذكر الظلم ثانياً دليل على حذف العدل أولاً.

136

ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت بحال الظالم، شرع في تفصيل قوله {أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض} [الأنعام: 14] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم وأباطيلهم تنبيهاً على سخافة عقولهم تنفيراً عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك شيئاً وقتل الأولاد وتسييب الأنعام وغير ذلك، فقال عاطفاً على {وجعلوا لله شركاء الجن} [الأنعام: 100] : {وجعلوا} أي المشركون العادلون بربهم

الأوثان {لله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له {مما ذرأ} أي خلق وأنشأ وبث ولم يشركه في خلقه أحد {من الحرث والأنعام نصيباً} أي وجعلوا لشركائهم نصيباً؛ ولما كان الجعل لا يعرف إلا بالقول، سبب عنه قوله: {فقالوا} أي بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم {هذا لله} أي الملك الأعلى {بزعمهم} أي ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله، ولذا أسقط الزعم من قوله: {وهذا لشركائنا} أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهوائهم. ولما كان هذا سفهاً بتسويتهم من لا يملك شيئاً بمن يملك كل شيء، بين من فعلهم ما هو أشد سفهاً منه بشرح ما لوح إليه التعبير بالزعم فقال مسبباً عن ذلك ومفرعاً: {فما كان لشركائهم} أي بزعمهم أنهم شركاء {فلا يصل إلى الله} أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال {وما كان لله} أي على ما له من الكبر والعظمة والجلال والعزة {فهو يصل إلى شركائهم} فإذا هلك ما سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا: ليس لآلهتنا بد من نفقة، فأخذوا ما لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر ما لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذل له، فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة. ولما بلغ هذا غاية السفه قال: {ساء ما يحكمون *} أي حكمهم هذا أسوأ حكم؛ ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته في

وفد خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس، وأنهم لما وفدوا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءاً له وجزءاً لله بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي زرعاً آخر حجرة لله عزّ وجلّ، فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله، فذكر لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله عزّ وجلّ أنزل عليه في ذلك {وجعلوا لله} الآية، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تلك الشياطين تكلمكم» ، قالوا: فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا يذري من عبده ممن لم يعبده. وقال ابن هشام في مقدمة السيرة إنهم كانوا يقسمون له، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، قال: وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن قتادة قال: كانوا يعزلون من أموالهم شيئاً فيقولون: هذا لله وهذا لأصنامهم، فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم

يخالط شيئاً مما جعلوه ردوه، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئاً مما جعلوه لشركائهم تركوه، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال عزّ وجلّ {ساء ما يحكمون} وقال البغوي: كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله. ولما كان هذا متضمناً لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها لمن لا يستحقها، نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم، فقال منبهاً على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه {وكذلك} أي ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم {زين لكثير من المشركين} .

ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه، فكان امتثال قوله غريباً، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة، قدمه تنبيهاً على ذلك فقال: {قتل أولادهم} أي بالوأد خشية الإملاق والنحر لآلهتهم، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا يكون إلا سبباً في إعدامه؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال: {شركاؤهم} أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام. ولما كان هذا أمراً معجباً، كان الأمر في قراءة ابن عامرالمولود في زمان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب. ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم، ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك أعجب فقال: {ليردوهم} أي ليهلكوهم هلاكاً لا فائدة فيه بوجه {وليلبسوا} أي يخلطوا ويشبهوا {عليهم دينهم}

أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما أقدم عليه إلاّ بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معاً فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين: في النفس والدين، فان القتل في نفسه عظيم جداً، ووقوعه تديناً بغير أصل ولا شبهة أعظم، فلا أضل ممن تبع من كان سبباً لإهلاك نفسه ودينه. ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم، يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة، فأنتم أسفل منهم؛ ولما أثبت للشركاء فعلاً هو التزيين، وكان قد نفي سابقاً عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به، وأناط الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة الجلال فقال: {ولو شاء الله} أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله المشركون {ما فعلوه} أي ذلك الذي زين لهم، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئه احتراساً من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالاً، وتسلية

لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتخفيفاً، وأكد التسلية بقوله: {فذرهم وما يفترون *} أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه.

138

ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع، ولامه على تقبيحه العقلُ من قتل الأولاد، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم، وضم إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال: {وقالوا} أي المشركون سفهاً وجهلاً {هذه} إشارة إلى قطعة من أموالهم عينوها لآلهتهم {أنعام وحرث حجر} أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه، وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات {لا يطعمها} أي يأكل منها {إلا من نشاء} أي من السدنة ونحوهم {بزعمهم} أي بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ملكوت السماوات والأرض، وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم وفي نفوذ المنع، فلو أراد الله أن تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع {وأنعام} . ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين، بني للمجهول قوله: {حرمت ظهورها} يعني البحائر وما معها فلا تركب {وأنعام لا يذكرون} أي هؤلاء المتقولون على الله {اسم الله} الذي حاز جميع العظمة {عليها} أي في الذبح أو غيره {افتراء} أي تعمداً للكذب {عليه} .

ولما كان هذا لعظمه من جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع تشوف السامع إلى ما يكون عنه، استأنف قوله: {سيجزيهم} أي بوعد صادق لا خلف فيه {بما} أي بسبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفترون *} أي يتعمدون من الكذب، أما بعد إظهار الحق فواضح، وأما قبله فلكونه في غاية ما يكون من ظهور الفساد. ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه إحجام خالص محت، أتبعه ما هو مختلط منهما فقال: {وقالوا} أي المشركون أو بعضهم وأقره الباقون {ما في بطون هذه} إشارة إلى ما اقتطعوه لآلهتهم، وبينوه بقولهم: {الأنعام} أي من الأجنة {خالصة} أي خلوصاً لا شوب فيه، أنث للحمل على معنى الأجنة، أو تكون التاء للمبالغة أو تكون مصدراً كالعافية، أي ذو خالصة {لذكورنا} ؛ ولما كان المراد العراقة في كل صفة، أتى بالواو فقال: {ومحرم} وحذف الهاء إما حملاً على اللفظ أو تحقيقاً لأن المراد ب «خالصة» المبالغة {على أزواجنا} أي إناثنا، وكأنه عبر بالأزواج بياناً لموضع السفه بكونهن شقائق الرجال، هذا إن ولد حياً {وإن يكن} أي ما في بطونها {ميتة} وكأنه أثبت هاء التأنيث مبالغة، وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملاً على معنى «ما» ورفع الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر، وذكر ابن كثير لأن

التأنيث غير حقيقي، ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع التذكير حملاً على لفظ «ما» {فهم} أي ذكورهم وإناثهم {فيه} أي ذلك الكائن الذي في البطون {شركاء} أي على حد سواء. ولما كان ذلك كله وصفاً منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله قال: {سيجزيهم وصفهم} أي بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه فيه، حتى يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقاً لهم ثابتاً فهو يريهم وخيم أثره، ثم علل ذلك بقوله: {إنه حكيم} أي لا يجازى على الشيء إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها {عليم *} أي بالمماثلة ومن يستحقها وعلى أيّ وجه يفعل، وعلى أيّ كيفية يكون أتم وأكمل، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة، فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه محض لا يفعلها إلاّ ظالم جاهل.

140

ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم، وأشار إلى معانيها، جمعها - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم فقال: {قد خسر} وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {الذين قتلوا} قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة التكثير والباقون بالتخفيف {أولادهم سفهاً} أي خفة إلى

الفعل المذموم وطيشاً، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزاً. ولما كان السفه منافياً لرزانة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر، قال مصرحاً بما أفهمه: {بغير علم} أي وأما من قتل ولده بعلم - كما إذا كان كافراً أو قاتلاً أو محصناً زانياً - فليس حكمه كذلك؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال: {وحرموا ما رزقهم الله} أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم، من تلك الأنعام والغلات، بغير شرع ولا نفع بوجه {افتراء} أي تعمداً للكذب {على الله} أي الذي له جميع العظمة. ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات: النفس بقتل الأولاد، والمال بتحريم ما رزقهم الله، فأفادهم ذلك خسارة الدين، كانت نتيجته قوله: {قد ضلوا} أي جاوزوا وحادوا عن الحق وجاروا؛ ولما كان الضال قد تكون ضلالته فلتة عارضة له، وتكون الهداية وصفاً أصيلاً فيه، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله: {وما كانوا} أي في شيء من هذا من خلق من الأخلاق {مهتدين *} أي لم يكن في كونهم وصف الهداية، بل زادوا بذلك ضلالاً؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه: حدثنا

أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً} - إلى قوله: {وما كانوا مهتدين} . وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر، وإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب. ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد والقضاء والقدر والفعل بالاختيار، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه السورة، وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، وعجب سبحانه ممن أشرك وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيباً بعد تعجيب، وهجن طريقتهم ووبخهم توبيخاً في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة، وحكى أقوالهم الباطلة ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم

أنصف الناس، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس، وبطلبهم للآيات تعنتاً مع ادعائهم أنهم أعقل الناس، وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم أشكر الناس، وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس - إلى أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفاً عن سلف، تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيراً للناس عن الالتفات إليهم واغترار بأقوالهم، قال في موضع الحال من {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام} [الأنعام: 136] مبيناً عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته، زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عوداً على بدء وعللاً بعد نهل، لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم: {وهو} أي لا غيره {الذي أنشأ} أي من العدم {جنات} أي من العنب وغيره {معروشات} أي مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه، أي لا تصلح إلا معروشة، ومتى لم ترفع عن الأرض تلف ثمرها {وغير معروشات} أي غير مرفوعات على الخشب، أي لا تصلح إلا مطروحة على الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها، ومتى ارتفعت

عن الأرض تلفت، فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلاّ لاستوت الجنات كلها لأن نسبتها إلى السماء والأرض واحدة، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك له، لا يكون إلا ما يريد. ولما ذكر الجنات الجامعة، خص أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار، وبدأ بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات فقال: {والنخل} أي وأنشأ النخل {والزرع} حال كونه {مختلفاً أكله} أي أكل أحد النوعين، وهو ثمره الذي يؤكل بالنسبة إلى الآخر، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره، بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف، وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جداً {والزيتون والرمان} . ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار، لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل: {متشابهاً} أي كذلك {وغير متشابه} أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه، ولعله جمع الأولين لأن كلاًّ منهما يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل، والاختلاف في النوع بالشجر والنجم، والتفاوت العظيم في المقدار، والأخيرين لأن الأول لا يفسد بوجه، والثاني يسرع

فساده، ويدخر كل منهما على غير الهيئة التي يدخر عليها الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك. ولما كان قوله {وهو الذي أنزل من السماء ماء} [الأنعام: 99] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله، أمر فيه بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما، وكانت هذه الآية في سياق التعنيف لمن حرم ما رزقه الله والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن تركه تديناً فقال تعالى هنا: {كلوا} وقدم الأولى المستدل بها على وجود البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية؛ وقال أبو حيان في النهر: لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب، قال {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: 99] إشارة إلى الإيجاد أولاً وإلى غايته، وهنا لما كان في معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال: كلوا، ودل على أن الرزق أكثر من خلقه بقوله: {من ثمره} ، ولما كان هذا الأمر للإباحة لا للارادة، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال: {إذا أثمر} فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة

الدنياوية السريعة الانقضاء وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب. انتهى. وعبر ب «إذا» دون «إن» تحقيقاً لرجاء الناس في الخصب وتسكيناً لآمالهم رحمة لهم ورفقاً بهم إعلاماً أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع دون آخر، وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة. ولما كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح أن يجعلوا شيئاً من أموالهم لأحد بأهوائهم، أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقاً وجعل له مصارف بقوله: {وآتوا حقه} ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء، بين أنه خفف عنهم الوجوب قبل الانتهاء فقال: {يوم حصاده} أي قطعه جذاذاً كان أو حصاداً، فكذلك أول وقت نصاب الأمر وهو موسع، والحق أعم من الواجب والمندوب، فإن أريد الندب عم الأنواع الخمسة الماضية: العنب المشار إليه بالعرش وما بعده، وإن أريد الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن الأصل في ذلك الحبوب المقتاتة، وأما غيرها فتابع علمه ببيان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيطلق عليه الحصاد مجازاً. ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه، نهى عن مجاوزة الحد في البسط أو القبض فقال: {ولا تسرفوا} وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف، فيدخل فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة، والإسراف في الصدقة حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئاً،

ويؤيده {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] ، {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] ، ثم علله بقوله: {إنه لا يحب المسرفين *} أي لا يعاملهم معاملة المحب فلا يكرمهم، وقيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: ولا سرف في الخير.

142

ولما كان السياق للمآكل من الحرث والأنعام من حلال وحرام، وفرغ من تقرير أمر الحرث الذي قدم في الجملة الأولى لأنه مادة الحيوان، قال: {ومن} أي وأنشأ من {الأنعام حمولة} أي ما يحمل الأثقال {وفرشاً} أي وما يفرش للذبح أو للتوليد، ويعمل من وبره وشعره فرش؛ ولما استوفى القسمين أمر بالأكل من ذلك كله على وجه يشمل غيره مخالفة للكفار فقال: {كلوا مما رزقكم الله} أي لأنه الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته {ولا تتبعوا} ولعله شدد إشارة إلى العفو عن صغيرة إذا ذكّر الإنسان فيها رجع ولم يعتد في هواه {خطوات الشيطان} أي طريقه في التحليل والتحريم كما قال في البقرة {كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان} [البقرة: 168] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من مادة الخطيئة دال على أن شرائعه شريعة الأندراس، لولا مزيد الاعتناء من الفسقة بالتتبع في كل خطوة حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في نفسها، فلا أمر من الله يحييها ولا كتاب يبقيها، وإنما أسقط هنا {حلالاً طيباً} لبيانه سابقاً في قوله {فكلوا

مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] ، {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] ، ولاحقاً في قوله {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} [الأنعام: 125] ؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال: {إنه لكم عدو} أي فهو لذلك لا يأمركم بخير {مبين *} أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم شهير. ولما رد دين المشركين وأثبت دينه، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه، ففصل أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من قانون الحكمة، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم، فقال بياناً ل {حمولة وفرشاً} {ثمانية أزواج} أي أصناف، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر، أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر. ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه، قال مبيناً أن هذا هو المراد لا الاثنان مفصلاً لهذه الثمانية: {من الضأن} جمع ضائن وضائنة كصاحب وصحب {اثنين} أي ذكراً وأنثى كبشاً ونعجة {ومن المعز} جمع ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، وتاجر وتجر في

قراءة غيرهم {اثنين} أي زوجين ذكراً وأنثى تيساً وعنزاً. ولما كان كأنه قيل: ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم، قال: {قل} أي لهم مستفهماً؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم والإنكار، أتى فيه ب «ام» التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى «أيّ» ليتفهم بها عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب تعيينه، فقال معترضاً بين المعدودات تأكيداً للتوبيخ، لأن الاعتراضات لا تساق إلاّ للتأكيد: {ءآلذكرين} . ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله، قال: {حرم} أي الله، فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور {أم الأنثيين} ليلزمكم تحريم جميع الإناث، واستوعب جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله: {أما} أي أم حرم ما {اشتملت} أي انضمت {عليه} وحملته {أرحام الأنثيين} أي من الذكور والإناث، ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا شيئاً مما أوجبه هذا التقسيم فلم تمشوا على نظام. ولما علم أنه لا نظام لهم فعلم أنهم جديرون بالتوبيخ، زاد في توبيخهم فقال: {نبئوني} أي أخبروني عما حرم الله من هذا إخباراً جليلاً عظيماً؛ ولما كان هذا الإخبار الموصوف لا يكون بشيء فيه شك، قال: {بعلم} أي أمر معلوم من جهة الله لا مطعن فيه {إن كنتم صادقين} أي إن كان لكم هذا الوصف.

ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز، أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب والبخت والبقر إلى العراب والجواميس، - ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض بخلاف الغنم فإنها لا يطرق أحد نوعيها الآخر - نقله الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب الوصايا من شرح المنهاج عن كتاب الأعداد لابن سراقة فقال: {ومن الإبل اثنين} أي ذكراً وأنثى {ومن البقر اثنين} أي كذلك {قل} أي لهؤلاء الذين اختلقوا جهلاً وسفهاً ما تقدم عنهم {ءآلذكرين} أي من هذين النوعين {حرم} أي حرمهما الله {أم الأنثيين} أي حرمهما {أما} أي الذي {اشتملت عليه} أي ذلك المحرم على زعمكم {أرحام الأنثيين} أي حرمهما الله. ولما كان التقدير: أجاءكم هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي؟ عادله توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم بقوله: {أم كنتم شهدآء} أي حاضرين {إذ وصاكم الله} أي الذي لا ملك غيره فلا حكم لسواه {بهذا} أي كما جزمتم عليه به، أو جزمتم بالحرمة فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه، ولا محرم ولا محلل غير الله، فكنتم بذلك ناسبين الحكم إليه؛ ولما كان التقدير كما أنتجه السياق: لقد كذبتم على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه لا بواسطة ولا بغير واسطة، سبب عنه قوله

معمماً ليعلم أن هذا إذا كان في التحريم والتحليل كان الكذب في أصول الدين أشد: {فمن أظلم} ووضع موضع «منكم» قوله معمماً ومعلقاً للحكم بالوصف: {ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الذي لا أعظم منه لأنه ملك الملوك {كذباً} كعمرو بن لحي الذي غير شريعة إبراهيم عليه السلام، وكل من فعل مثل فعله. ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط السوي، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ونهاياتها وما يلزم عنها، جعل غاية فعلهم مقصوداً لهم تهكماً بهم فقال: {ليضل الناس} ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ، قال: {بغير علم} . ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا، كشفه سبحانه بقوله استئنافاً: {إن الله} وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميماً بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال: {لا يهدي القوم الظالمين} أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين! وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله {إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21] .

145

ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله

بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس إلاّ من الله أمر معلوم ليس موضعاً للشك لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك، ومن حكم عن غير أمره عذب؛ حسن بعد إبطال دينهم والبيان لأن من حرم شيئاً بالتشهي مضل وظالم قولُه مبيناً البيان الصحيح لما يحل ويحرم جواباً لمن يقول: فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله: {قل} معلماً بأن التحريم لا يثبت إلاّ بوحي من الله {لآ أجد} أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، فإن «لا» كلمة لا تدخل على مضارع إلاّ وهو بمعنى الاستقبال {في مآ} . ولما كان ما آتاه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من الله، بني للمفعول قوله: {أوحي إليّ} أي من القرآن والسنة شيئاً مما تقدم مما حرمتموه مطلقاً أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاماً {محرماً على طاعم} أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى {يطعمه} أي يتناوله أكلاً وشرباً أو دواء أو غير ذلك {إلا أن يكون} أي ذلك الطعام {ميتة} أي شرعاً، والميتة الشرعية هي ما لا يقبل التذكية، وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية {أو دماً مسفوحاً} أي مراقاً من شأنه السيلان لا من شأنه الجمود كالكبد والطحال. ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير ديناً، نص عليه وإن كان داخلاً في قوله «ميتة» على ما قررته في المراد بها، وقال:

{أو لحمِ خنزير} ليفيد تحريمه على كل حال سواء ذبح أم لا، ولو قيل: أو خنزيراً لاحتمل أن يراد تحريم ما أخذ منه حياً فقط، وقال: {فإنه} أي الخنزير {رجس} ليفيد نجاسة عينه وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى، وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجساً، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه، فلو عاد عليه كان تكراراً. ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض، فقال مبالغاً في النفي عنه بأن جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله: {أو فسقاً} أي أو كان الطعام خروجاً مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى وسلم من ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل، وهلك وتوى؛ ثم قال مفسراً له مقدماً لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير: {أهل لغير الله} أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله {به} أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له تديناً؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة منه لهم وستراً لتقصيرهم فقال: {فمن اضطر} أي حصل له جوع خشي منه التلف، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد

على سد الرمق لأنه حينئذٍ لا يكون مضطراً {غير باغ} أي على غيره بمكيدة {ولا عاد} أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة {فإن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وإلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة {غفور} أي يمحو الذنب إذا أراد {رحيم} أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات، فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له - في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجراً عظيماً، وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير، وذلك هو سبب تحريمها؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه إنزال هذا الحرف - أي حرف الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريماً وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته، وكما اختلف أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه، ورين على القلب أو صفاء، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به

بذكر غيره، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع الحلال قوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} [الأنعام: 125] هذا لمضرته بالبدن {أو لحم خنزير} وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها كما قال تعالى {فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به} وهذا لرينه على القلب، وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية إشعاراً بأن التحريم كان مستحقاً في أول الدين ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة تأليفاً لقلوب المشركين وتيسيراً على ضعفاء الدين الذين آمنوا واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصاراً منهم حتى أن الصديق رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية لما رأى فيها من نزف العقل، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام! وألحق بها في سورة {الذين آمنوا} ما كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما أدرك بالتذكية المنهرة للدم الموصل في التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها من مفاجأة السطوة، وألحق بها أيضاً في هذه السورة

تحريم الخمر لرجسها كالخنزير كما ألحقت المقتولة بالميتة، وكما حرم الله ما فيه جماع الرجس من الخنزير وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع حماية من سورة غضبها لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلاّ لسيدهم، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق، وألحق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع تحريمَ المسكر الذي سكره مصنوع، وكما حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه فيما بينه وبينه ما يقطعه عنه من أكل الربا، والربا بضع وسبعون باباً والشرك مثل ذلك، وجامع منزله في قوله تعالى {الذين يأكلون الربا} إلى قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] إلى انتهاء ذكره إلى ما ينتظم من ذلك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} [آل عمران: 113]- الآية ما يلحق بذلك في قوله: {وما آتيتم من ربا} [الروم: 39]- الآية، هكذا قال: إن هذه الآية مدنية، وهو - مع كوني لم أره لغيره - مشكل بقوله {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} [الأنعام: 119]- الآية.

ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة حتى أنه حمي من صورته من الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه، وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين عبده من هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل المال بالباطل فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى، وجامع منزله في قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188]- الآية إلى ما ينتظم به من قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} [النسا: 2]- الآيات في أموال اليتامى، فحرمه تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول: من جهة ما بين الله وبين عبده ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره، مما تستقرأ جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة؛ ولما كان له متسع، وقع فيما بين الحلال البين والحرام

البين أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى، وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه «الطيب» ، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف الحرام تماماً في العلم والحال والعمل: اعلم أن الإنسان لما كان خلقاً جامعاً كانت فيه بزرتان: بزرة للخير وبزرة للشر، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر تنمو فيه وتزكو بزرة الخير، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده، فأول الحروف في الترتيب العمل، والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام، لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره الخلق

وما يغضب الرب، فمن أصاب شيئاً من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية قرأها وهو مخالف لحكمها «من لم يبال من أيّ باب دخل عليه رزقه لم يبال الله من أيّ باب أدخله النار» . ولما كان الورع كف اليد ظاهراً عن الشيء الضار، وكانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس، لم يصح الورع ظاهراً إلا أن يقع في النفس روعة باطنه من تناول ذلك الشيء؛ ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره حتى أن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل. ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة، تيسر على المستبصر كف يده عنها لما يدري من مضرتها بجسمه، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق، قلت: وسيأتي قريباً تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلاً في النفس وتطبيعاً لها بخلق ما هو دمه من اللحم - والله الموفق؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان، وذلك لأن

من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق من أخلاقه، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد، والانكباب على ما تقبل عليه في أدنى الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق، وكذلك ما يضر بهما وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس، ولذلك هي جماع الإثم، فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر وفي معيبها في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين، ومن شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها، وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل، ولها في ذاته مضرة في الوقت بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان

{الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً} [النساء: 10] وإن لم يحس بها، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء عند قوله تعالى {وسيصلون سعيراً} [النساء: 10] ، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم الربا، ولما فيه أيضاً من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها بالإيمان من تعريف ربه، فإنه تعالى كما عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن، عرف أن أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه، لأنه مأخوذ عن غير الله، وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقاً وكفراً لأنه تناول الروح من يد من لا يملكها، ولذلك فرضت التسمية في التذكية ونفلت فيما سوى ذلك، فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ويضيعون حدوده، الذين قال فيهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كثر هؤلاء من القراء، لا كثّرهم الله!» ومن لم تصح له قراءة هذا الحرف لم تصح له قراءة حرف

دعاؤه «الرجل يطلب الله مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، يقول: يا رب! يا رب! فأنى يستجاب لذلك!» فهذه قراءة هذا الحرف وشرطه - والله ولي التوفيق.

146

ولما كان قوله {طاعم} نكرة في سياق النفي، يعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم، وكان سبحانه قد حرم على اليهود أشياء غير ما تقدم، اقتضت إحاطة العلم أن قال مبيناً لإحاطة علمه وتكذيباً لليهود في قولهم: لم يحرم الله علينا شيئاً، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه: {وعلى الذين هادوا} أي اليهود {حرمنا} بما لنا من العظمة التي لا تدافع {كل ذي ظفر} أي على ما هو كالإصبع للآدمي من الإبل والسباع والطيور التي تتقوى بأظفارها {ومن البقر والغنم} أي التي هي ذوات الأظلاف {حرمنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم شحومهما} أي الصنفين؛ ثم استثنى فقال: {إلا ما حملت ظهورهما} أي من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما {أو الحوايا} وهي الأمعاء التي هي متعاطفة متلوية، جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة وسفائن، وقيل: جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء {أو ما اختلط} أي من الشحوم

{بعظم} مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم، وهذا السياق بتقدم الجار وبناء الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من الصنفين حلال لهم. ولما كان كأنه قيل: لم حرم عليهم هذه الطيبات؟ قيل: {ذلك} أي التحريم العظيم والجزاء الكبير وهو تحريم الطيبات {جزيناهم} أي بما لنا من العظمة {ببغيهم} أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود، وفي إيلاء هذه الآية - التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان: أحدهما بيان اطلاعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحداً من أتباعهم ولا دارس عالماً ولا درس علماً قط، فلا دليل على صدقه على الله أعظم من ذلك، والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم، وأزال عنها في تلك الحالة ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم، وفي ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما نبه عليه في قوله {غير محلي الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 1] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبقى لمتعنت كلام، فحسن جداً ختم ذلك بقوله {وإنا لصادقون *} أي ثابت صدقنا أزلاً وأبداً كما اقتضاه ما لنا من العظمة، وتعقيبه بقوله: {فإن} أي وتسبب عن هذا الإيحاء الجامع الوجيز

الدال على الصدق الذي لا شبهة فيه أنا نقول ذلك: {كذبوك فقل} والتعبير بأداة الشك مشير إلى أن الحال يقتضي أن يستبعد أن يقع منهم تكذيب بعد هذا {ربكم} أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل امتنان {ذو رحمة واسعة} أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال إلى أجل يعلمه. ولما أخبر عن رحمته، نوه بعظيم سطوته فقال: {ولا يرد بأسه} أي إذا أراد الانتقام {عن القوم المجرمين *} أي القاطعين لما ينبغي وصله، فلا يغتر أحد بإمهاله في سوء أعماله وتحقيق ضلاله، وفي هذه الآية من شديد التهديد ما لطيف الاستعطاف ما هو مسبوك على الحد الأقصى من البلاغة. ولما تم ذلك فعلم أن إقدامهم على الأحكام الدينية بغير حجة أصلاً، اقتضى الحال أن يقال: قد بطل بالعقل والنقل جميع ما قالوه في التحريم على وجه أبطل شركهم، فهل بقي لهم مقال؟ فأخبر سبحانه بشبهة يقولونها اعتذاراً عن جهلهم على وجه هو وحده كاف في الدلالة على حقية ما يقوله من الرسالة، فوقع طبق ما قال عن أهل الضلال، فقال مخبراً بما سيقولونه قبل وقوعه دلالة على صدق رسله وكذب المشركين فيما يخالفونهم فيه: {سيقول} أي في المستقبل، وأظهر موضع الإضمار تنصيصاً عليهم وتبكيتاً لهم فقال: {الذين أشركوا}

تكذيباً منهم {لو شاء الله} أي الذي له جميع الكمال عدم إشراكنا وتحريمنا {ما أشركنا} أي بصنم ولا غيره {ولا أباؤنا} أي ما وقع من إشراك {ولا حرمنا من شيء} أي ما تقدم من البحائر والسوائب والزروع وغيرها أي ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل ففعلنا طوع مشيئته، وهو لا يشاء إلا الحق والحكمة لأنه قادر، فلو لم يكن حقاً يرضاه لمنعنا منه، وهو لم يمنعنا منه فهو حق. ولما كان هذا عناداً منهم ظاهراً بعد وضوح الأمر بما أقام على صدق رسله من البينات، كان كأنه قيل تعجباً منهم: هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا أو قال مثل ما قالوا؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن الصواب {كذب الذين} ولما لم يكن التكذيب عاماً أدخل الجار فقال: {من قبلهم} من الأمم الخالية بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام ومِلكه عام، فهو لا يسأل عما يفعل، وتمادى بهم غرور التكذيب {حتى ذاقوا بأسنا} أي عذابنا لما لنا من العظمة، فإن من له الأمر كله لا يسأل عما يفعل، فلم ينفعهم عنادهم عند ذوق البأس، بل انحلت عزائم همهم فخضعوا لنا وآمنوا برسلنا،

فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً الإشراك دليلاً على حذفه ثانياً، وثانياً التكذيب دليلاً على حذفه أولاً، وسيأتي توجيه أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة الله، لأنه لا مانع من إتيان الأمر على خلاف الإرادة. ولما كان ما قالوه شبهة بعيدة عن العلم، أعلى درجاتها أن يكون من أنواع الخطابة فتفيد الظن في أعظم مسائل علم الأصول الذي لا يحل الاعتماد فيه إلا على القواطع، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على ذلك فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين تلقوا ما يلقيه الشيطان إليهم - كما أشير إليه في سورة الحج - تهكماً بهم في بعدهم عن العلم وجدالهم بعد نهوض الحجج {هل عندكم} أيها الجهلة، وأغرق في السؤال فقال: {من علم} أي يصح الاحتجاج به في مثل هذا المقام الضنك {فتخرجوه لنا} أي لي ولأتباعي وإن كان مما يجب أن يكون مكنوناً مضنوناً به على غير أهله مخزوناً، فهو تهكم بهم. ولما كان جوابهم عن هذا السكوت لأنه لا علم عندهم، قال دالاً على ذلك: {إن} أي ما {تتبعون} أي في قولكم هذا وغالب أموركم {إلا الظن} أي في أصول دينكم وهي لا يحل فيها قول إلا بقاطع {وإن} ي وما {أنتم إلا تخرصون *} أي تقولون تارة

بالحزر والتخمين وتارة بالكذب المحض اليقين.

149

ولما انتفى أن يكون لهم حجة، وثبت أن الأمر إنما هو لله، ثبت أنه المختص بالحجة الواضحة، فقال مسبباً عن ذلك: {قل فلله} أي الإله الأعظم وحده {الحجة البالغة} أي التي بلغت أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبياناً ووضوحاً ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم «ولو شاء الله ما أشركنا» وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل التدين والاعتقاد {فلو شاء} أي الله {لهداكم} أي أنتم ومخالفيكم {أجمعين *} ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء هداية بعض وضلال آخرين، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه، فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين، فيكون الشيء الواحد حقاً غير حق في حال واحد، وهذا لا يقوله عاقل، ويلزمكم على ذلك أيضاً أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا، لأنه حق رضى الله لأنه بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك، فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم لإزالته ليقيم بهم الحجة على من يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. ولما صدق الحق، وانكسر جند الباطل واندق ببطلان

جميع شبههم، ونطقت الدلائل وأفحم المجادل، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه لا حق لهم، كان كأنه قيل: قل لهم: ها أنا قد شهد لي بما قلته مَن لا ترد شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا الكتاب الذي كان عجزكم عن الإتيان بشيء من مثله شاهداً بأنه قوله، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل! ولما لم يكن لهم شاهد غير متخرصيهم، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من الله مستمرة، فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء، أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم وتشتهر فضيحتهم فقال: {قل هلم} أي احضروا، وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند الحجازيين {شهداءكم} . ولما كان كأنه قيل: أيّ شهداء؟ قال: {الذين يشهدون} أي يوقعون الشهادة على {أن الله} أي الذي لا حكم لغيره {حرم هذا} أي الذي ذكرتموه من قبل، وإضافة الشهداء إليهم ووصفهم ب «الذين» دليل على أنهم معروفون موسومون بنصرة مذهبهم بالباطل، ولو قال: شهداء - من غير إضافة لأفهم أن المطلوب من يشهد بالحق وليس كذلك، لأنه أقيم الدليل العقلي على أنه لا حجة لهم وأن الحجة

لله على خلاف ما ادعوه، فبطل قطعاً أن يكون أحد يشهد على ذلك بحق. ولما كان كأنه قيل: فإنهم إذا أحضروا لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو فيهم حياء - على النطق إذا سمعوا هذا الحق، بني عليه قوله: {فإن} اجترؤوا بوقاحة {شهدوا} أي كذباً وزوراً بذلك الذي أبطلناه بالأدلة القطعية {فلا تشهد معهم} أي فاتركهم ولا تسلم لهم، فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى {ولا تتبع أهواء} وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف دلالة على أن القائد إلى التكذيب وكل ردى إنما هو الهوى، وأن من خالف ظاهر الآيات إنما هو صاحب هوى، فقال: {الذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب {بآياتنا} أي على ما لها من الظهور بما لها من العظمة بإضافتها إلينا. ولما وصفهم بالتكذيب، أتبعه الوصف بعدم الإيمان، ودل بالنسق بالواو على العراقة في كل من الوصفين فقال: {والذين لا يؤمنون بالآخرة} أي التي هي دار الجزاء، فإنهم لو جوزوها ما اجترؤوا على الفجور {وهم بربهم} أي الذين لا نعمة عليهم ولا خير عندهم إلا وهو منه وحده {يعدلون} أي يجعلون غيره عديلاً له، وسيعلمون حين يقولون لشركائهم وهم في جهنم يختصمون {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97، 98] .

151

ولما أبطل دينهم كله أصولاً وفروعاً في التحريم والإشراك، وبين فساده بالدلائل النيرة، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق مما حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره، فليس التحريم لأحد غيره فقال: {قل تعالوا} أي أقبلوا إليّ صاعدين من حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال؛ قال صاحب الكشاف: هو من الخاص الذي صار عاماً، يعني حتى صار يقوله الأسفل للأعلى {أتل} أي أقرأ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً. ولما كان القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك، وكان المحرم أهم، قدمه فقال: {ما حرم ربكم} أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم {عليكم} فسخطه منكم، وما وصاكم به إقداماً وإحطاماً فرضيه لكم من قبيلي الأصول والفروع؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهياً عن الشرك، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها، فقال: {ألا تشركوا به شيئاً} الآيات مرتباً جملها أحسن ترتيب، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، فإن التقية بالحمية قبل الدواء، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيماً لأمر العقوق، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه

فعله خوف القلة، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود، فقال ناهياً عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأموراً بها منهياً عن أضدادها، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم: {وبالوالدين} أي افعلوا بهما {إحساناً} . ولما أوصى بالسبب في الوجود، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال: {ولا تقتلوا أولادكم} ولما كان النهي عاماً، وكان ربما وجب على الولد قتل، خص لبيان الجهة فقال: {من إملاق} أي من أجل فقر حاصل بكم، ثم علل ذلك، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال: {نحن نرزقكم} بالخطاب، أي أيها الفقراء، ثم عطف عليه الأبناء فقال: {وإياهم} وظاهر قوله في الإسراء {خشية إملاق} [الإسراء: 31] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر، فبدأ بالأولاد فقال: «نحن نرزقهم» ثم عطف الآباء فقال «وإياكم» - نبه عليه أبو حيان. ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش، وهي ما غلظت قباحته، وعظم أمرها بالنهي عن

القربان فضلاً عن الغشيان فقال: {ولا تقربوا الفواحش} ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله: {ما ظهر منها} أي الفواحش {وما بطن} ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص بعد التعميم فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} أي الملك الأعلى عليكم قتلها {إلا بالحق} أي الكامل، ولا يكون كاملاً إلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات؛ ثم أكد المذكور بقوله: {ذلكم} أي الأمر العظيم في هذه المذكورات. ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس، ختمها بما لا يقوله إلا المحب الشفوق ليتقبلها القلب فقال: {وصّاكم به} أمراً ونهياً؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا تحتاج إلى مزيد فكر قال: {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا على رجاء من المشي على منهاج العقلاء، فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها والمحرمات أضدادها، فصار شأنها مؤكداً من وجهين: التصريح بالتوصية بها، والنهي عن أضدادها.

152

ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به، ابتدأ الآية التي تليها بالأموال، ولما كان أعظمها خطراً وحرمة مال اليتيم لضعفه وقلة ناصره، ابتدأ به فنهي عن قربه فضلاً عن أكله أو شربه

فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم} أي بنوع من أنواع القربان عمل فيه أو غيره {إلا بالتي هي أحسن} من الخصال من السعي في تنميته وتثميره وليستمر ذلك {حتى يبلغ أشده} وهو سن يبلغ به أوان حصول عقله عادة وعقل يظهر به رشده؛ ثم ثنى بالمقادير على وجه يعم فقال: {وأوفوا} أي أتموا {الكيل والميزان} لأنهما الحكم في أموال الأيتام وغيرهم؛ ولما كان الشيء ربما أطلق على ما قاربه نحو {قد قامت الصلاة} أي قرب قيامها، وهذا وقت كذا - وإذا قرب جداً، أزيل هذا الاحتمال بقوله: {بالقسط} أي إيفاء كائناً به من غير إفراط ولا تفريط. ولما كانت المقادير لا تكاد تتساوى لا سيما الميزان فإنه أبعدها من ذلك، وأقربها الذرع وهو داخل في الكيل، فإنه يقال: كال الشيء بالشيء: قاسه، أشار إلى أنه ليس على المكلف المبني أمره على العجز للضعف إلا الجهد فقال: {لا نكلف} أي على ما لنا من العظمة {نفساً إلا وسعها} وما وراء الوسع معفو عنه؛ ثم ثلث بالعدل في القول لأنه الحكم على الأموال وغيرها، وقدم عليه الفعل لأنه دال عليه، فصار الفعل موصى به مرتين فقال: {وإذا قلتم} أي في شهادة أو في حكم أو توفيق بين اثنين أو غير ذلك {فاعدلوا} أي توفيقاً بين القول والفعل. ولما كانت النفوس مجبولة على الشفقة على القريب قال:

{ولو كان} أي المقول في حقه له أو عليه بشهادة أو غيرها {ذا قربى} ولا تحابوه طمعاً في مناصرته أو خوفاً من مضارته؛ ثم ختم بالعهد لجمعه الكل في القول والفعل فقال: {وبعهد الله} أي الملك الأعظم خاصة {أوفوا} وهذا يشمل كل ما على الإنسان وله، فإن الله لم يهمل شيئاً بغير تقدم فيه؛ ثم أكد تعظيم ذلك بقوله: {ذلكم} أي الأمر المعتنى به {وصّاكم به} أي ربكم المحسن إليكم. ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديداً على النفس العدلُ فيها لكونها شهوات، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئاً منها مع غيره يوشك أن يفعل معه مثله، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية تحتاج إلى مزيد تدبر فقال: {لعلكم تذكرون *} أي لتكونوا بحيث يحصل لكم التذكر - ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه نفوسكم من محبة مثل ذلك لكم، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم. ولما قرر هذه الشرائع، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر في السورة بل وفي غيرها، فقال عاطفاً على ما تقديره - عطفاً على المنهيات وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة -: ولا تزيغوا عن سبيلي: {وأن} أي ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح، أي اتبعوه لذلك، وعلى قراءة ابن عامر ويعقوب بالكسر هو ابتداء

{هذا} أي الذي شرعته لكم {صراطي} حال كونه {مستقيماً فاتبعوه} أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير. ولما كان الأمر باتباعه متضمناً للنهي عن غيره، صرح به تأكيداً لأمره فقال: {ولا تتبعوا السبل} أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد، ولذا قال مسبباً {فتفرق بكم} أي تلك السبل الباطلة {عن سبيله} ولما مدحه آمراً به ناهياً عن غيره مبيناً للعلة في ذلك، أكد مدحه فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم من اتباعه {وصّاكم به} . ولما كان قد حذر من الزلل عنه، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق الأقوم وقع في المهالك، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف، قال: {لعلكم تتقون *} أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن يخاف من أن يزل فيضل فيهلك، وهذا كما مدحه سبحانه سابقاً في قوله {وهذا صراط ربك مستقيماً} [الأنعام: 126] ، {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} [الأنعام: 126] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات، وختم كل آية لذلك بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول، وختم كل واحدة منها بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى.

154

ولما كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله

لموسى عليه السلام على لوحي الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء المشار إليها بقوله {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون شهادة عليهم وعلى أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة وقد مضى بيانه في البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من الأحكام والمحاسن ما شاء الله؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة، فقال مشيراً بأداة التراخي إلى كل من الترتيب والتعظيم: {ثم آتينا} أي بما لنا من العظمة التي تقتضي تعظيم ما كان من عندنا {موسى الكتاب} أي المشار إليه بقوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} [الأنعام: 91]- وهي - والله أعلم - معطوفة على قوله {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] لأنه تعالى بعد أن أعطى موسى العشر الآيات واعده إلى الجبل مواعدة ثانية، فشرع له بعض الأحكام وأمره بنصب قبة الزمان التي يوحي إليه فيها ويصلون إليها، وببعض ما يتخذ من آلاتها كما مضى في البقرة، ثم ذكر بعد ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم، فقال في أوائل السفر الثالث وهو سفر الكهنة، وفيه تلخيص أمر القرابين: ودعا الرب موسى وكلمه في قبة الأمد وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: كل إنسان منكم إذا قرب للرب قرباناً من البهائم فلتكن قرابينكم من البقر ومن الغنم - إلى

أن قال: ويقرب قرباناً للرب الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي على الأكشاح والكليتين والشحم الذي عليهما وعلى الجنب - إلى أن قال: وقال: الشحوم للرب عهد الأبد، ولا تأكلوا دماً ولا شحماً، ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم الغنم: الضأن والماعز جميعاً، لأن كل من أكل شحم بهيمة ويقرب قرباناً للرب، تهلك تلك النفس من شعبها، ولا تأكلوا دماً حيث ما سكنتم، لا دم البهائم ولا دم الطير، وأيّة نفس أكلت دماً تهلك تلك النفس من شعبها، وقال في السفر الخامس: فأما الدم فلا تأكلوا ولكن ادفقوه على الأرض مثل الماء، ثم قال بعده بقليل: وكلوا في قراكم من كل شهوات أنفسكم، ولكن إياكم أن تأكلوا دماً، لأن دم البهيمة هو في نفسها، فلا تأكلوا النفس مع اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم من بعدكم إذا عملتم الحسنة أمام الله ربكم؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال: ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان وخرجا ودعوا الشعب، فظهر مجد الرب أمام جميع الشعب، ونزلت نار من قبل الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة له على المذبح، وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله، وخر

الشعب كله على وجهه؛ ثم ذكر عقب ذلك بيسير محرمات الحيوان، وكذا ذكر في السفر الخامس وقد جمعت بينهما ومعظم السياق للخامس: قال: لا تأكلوا شيئاً نجساً، هذا! كلوا من جميع البهائم: الثور: والحمل والنعجة والمعز والأيل والظبي والجوذر والرخ والرئم والوعل والثيثل كل بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها تجتر كلوها، وحرموا من التي لا تجتر، ومن التي لها ظلوف مقسومة ولا تجتر الجمل والأرنب والوبر التي تجتر وليس لها أظلاف مقسومة هي نجسة لكم، وفي الثالث: وحرموا من البهائم التي ليست لها أظلاف التي تجتر: الجمل الذي يجتر وليس له أظلاف هو نجس محرم عليكم، والأرنب الذي يجتر وليس له أظلاف منجس محرم عليكم؛ رجع: والخنزير الذي له أظلاف ولا يجتر هو نجس، لا تأكلوا من لحوم هذه ولا تقربوا إلى أجسادها؛ وقال في الثالث: ولا تمسوا لحومها لأنها نجسة محرمة عليكم؛ وقال في الخامس من ترجمة الاثنين والسبعين: وإياكم أن تأكلوا كل نجس، ويكون الذي تأكلونه من الدواب العجل من البقر والخروف من الغنم والجدي من المعز أو الأيل والغزال والعين

والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة القمر والزرافة، وكل دابة مشقوقة الظلف وهي تنبت أظافير في كل ظلفها واجتر من الدواب. فإياه فكلوا، والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق الظلف الذي ينبت له أظافير الجمل والأرنب واليربوع، فإن ذلك يجتر ولكنه غير مشقوق الظلف، وهو لا يحل لكم، والخنزير أيضاً فإن ظلفه مشقوق وينبت في ظلفه أظافير غير أنه لا يجتر، وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تقربوا أجسادها؛ وقال في الثالث منها: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: كلما بني إسرائيل وقولا لهما: إن الذي تأكلونه من المواشي من جميع الأنعام التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها وهي تخرج أظفاراً في كلا ظلفيها وتجتر، فذلك الذي تأكلونه من الأنعام، والذي لا يحل مما يجتر ولم يشق ظلفه الجمل الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم، واليربوع - وفي نسخة: السنجاب - الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم لم يطهر لكم، والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم والخنزير فإنه مشقوق الظلف ويخرج أظفاراً في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا يطهر لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تمسوا ما مات منها، فإن

ذلك لا يطهر لكم؛ رجع إلى نسختي، ثم ذكر في الطير ودواب البر قريباً مما في شرعنا إلى أن قال: ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين في قراكم يأكلونها أو يبيعونها من الغرباء، لأنك شعب طاهر لله ربك لا تطبخوا جدياً بلبن أمه؛ وقال في ترجمة الاثنين والسبعين: ولا تطبخ الخروف بلبن أمه؛ وقال في السفر الخامس: وكلوا من الطير ما كان زكياً وحرموا هذه التي أصف لكم، لا تأكلوا منها شيئاً: النسر والحداء - وذكر نحواً مما عندنا، وقال في نسختي في الثالث: فمن مس شيئاً من هذه - أي المحرمات - يكون نجساً إلى المساء، ومن حمل منها شيئاً فليغسل ثيابه ويكون نجساً إلى الليل - انتهى. الظبي - بالمعجمة المشاركة - معروف، والجوذر - بفتح الجيم والذال المعجمة والراء: البقرة الوحشية، والرئم - بكسر المهملة: الظبي الخالص البياض، والثيثل - بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة: بقر الوحش، والأيل - بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة، الوعل - بفتح الواو وكسر المهملة - وهو تيس الجبل، والحمل - بفتح المهملة: الرضيع من أولاد الضأن، وقوله: لا تطبخوا جدياً بلبن أمه، الظاهر أن معناه النهي عن أكله ما دام يرضع، وما بعد الذي في الثالث هو معظم التوراة، والذي في الخامس إنما هو إعادة لما في الثالث، فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص والأحكام مع زيادات، فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد

تحريم ما حرم عليهم، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفاً على محذوف تقديره: ذلكم وصاكم به كما وصى بني إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة كنسبة أم القرآن من القرآن، وذلك هي العشر الآيات التي هي أول ما كتبه الله لموسى عليه السلام، وهي أول التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام، وما قبلها فهو قصص وحاصل هذه العشر آيات: الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من العبودية والرق، لا يكونن لك إله غيري، لا تقسم باسمي كذباً، احفظ يوم السبت، أكرم والديك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس، فالمعنى: ذلك وصيناكم به كما وصينا بني إسرائيل به في العشر الآيات وبعض ما آتينا موسى من التوراة، ويجوز أن يكون التقدير: لكون هذه الآيات محكمة في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ولا تنسخ، وصاكم به يا بني آدم في الزمن الأقدم، ولم يزدد الأمر بها في التوصية إلا شدة {ثم آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي جميعه وهي فيه، حال كونه {تماماً} لم ينقص عما يصلحهم شيئاً {على} الوجه {الذي أحسن} أي أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بيّن

من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك بعامه، فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك قوماً هلاكاً عاماً بعد إنزال التوراة {وتفصيلاً لكل شيء} من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون «ثم» على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة، وهو الاطلاع على أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى عليه السلام بعد إغراق فبعون وأن معظم التوراة أنزل بعد ذلك، وهذا لا يعرفه إلا أحبارهم {وهدى} أي بياناً {ورحمة} أي إكراماً لمن يقبله ويعمل به {لعلهم} أي بني إسرائيل {بلقاء ربهم} أي الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته التامة {يؤمنون *} أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب - لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره - حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا تستقل به العقول، وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له، فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية

أمره خوار لا يفهم ومجمجة لا تفيد. فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها الدلالة على منزلها فتمتثل أوامره وتتقى مناهيه وزواجره، بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك، بل أنزل على هذه الأمة كتاباً ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب، بل جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة، فقال: {وهذا} أي القرآن {كتاب} أي عظيم {أنزلناه} أي بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم {مبارك} أي ثابت كل ما فيه من وعد ووعيد وخير وغيره ثباتاً لا تمكن إزالته مع اليمن والخير. ولما كان هذا معناه: وكان داعياً إليه محبباً فيه، سبب عنه قوله: {فاتبعوه} أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة، ولما أمر باتباعه وكان الإنسان ربما تبعه في الظاهر، أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعاً عاماً، ولذلك حذف الضمير فقال: {واتقوا} أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى، وهي إيجاد الوقاية من كل محذور، فإن الخطر الشديد والسلامة على غير القياس، فلا تزايلوا الخوف من منزله بجهدكم، فإن ذلك أجدر أن يحملكم على تمام الاتباع وإخلاصه {لعلكم ترحمون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى له الإكرام بالعطايا الجسام، والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} - إلى قوله -: {وهم على صلاتهم يحافظون} [الأنعام: 92] ، ثم بين المراد من إنزاله

وهو إقامة الحجة البالغة فقال: {أن} أي لأن لا {تقولوا} أو كراهة أن تقولوا أيتها الأمة الأمية {إنما أنزل الكتاب} أي الرباني المشهور {على طائفتين} وقرب الزمن وبعّضه بإدخال الجار فقال: {من قبلنا} أي اليهود والنصارى {وإن} أي وأنا - أو وأن الشأن - {كنا عن دراستهم} أي قراءتهم لكتابهم قراءة مرددة. ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال: {لغافلين*} أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ولا هي بلساننا {أو تقولوا} أي أيها العرب: لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها، ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلا على المكتوب إليه فلم نتبعه، و {لو أنا} أهلنا لما أهلوا له حتى {أنزل علينا الكتاب} أي جنسه أو الكتاب الذي أنزل إليهم من عند ربنا {لكنا أهدى منهم} أي لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق، ولذلك سبب عن هاتين العلتين قوله: {فقد جاءكم} وذكر الفعل مدحاً لهذا القرآن وتفضيلاً وتشريفاً له على كل ما تقدمه وتنبيهاً على أن بيان هذه السورة في النهاية لأنها سورة أصول الدين {بينة} أي حجة ظاهرة بلسانكم {من ربكم} أي المحسن إليكم على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك {وهدى} أي بيان لمن تدبره عظيم {ورحمة} أي إكرام لمن قبله،

فكذبتم بها. ولما قامت عليهم الحجة، حسن وقوع تحذير التقرير بقوله: {فمن} أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يقال بياناً لأنكم أظلم الناس: من {أظلم ممن كذب} أي أوقع التكذيب {بآيات الله} أي الذي لا أعظم منه فلا أعظم من آياته، لأن الأثر على قدر المؤثر {وصدف} أي أعرض إعراضاً صار به كأنه في صفد أي سد عن سهولة الانقياد للدليل {عنها} بعد ما عرف صحتها. ولما كان الجواب قطعاً: لا أحد أظلم منه، فكان الحال مقتضياً لتوقع ما يجازى به، قال: {سنجزي} أي بوعد صادق لا خلف فيه، وأظهر ما أصله الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {الذين يصدفون} أي يجددون الإعراض ولا يتوبون {عن آياتنا} أي على ما لها من العظمة {سوء العذاب} أي الذي يسوء نفسه {بما كانوا يصدفون *} أي بسبب إعراضهم الذي كان عادة لهم.

158

ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب، وكان حقوقه بعدم قبول التوبة، فسره بقوله مهوناً له ومسهلاً بتجريد الفعل: {هل ينظرون} أي ما ينتظرون هؤلاء المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره {إلا أن تأتيهم} أي حال تكذيبهم {الملائكة} أي بالأمر الفيصل من عذابهم

كما هي عادتها في إتيانها المكذبين {أو يأتي ربك} أي ظهور أمر المحسن إليك أتم ظهور بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء {أو يأتي} وأبهم تهويلاً للأمر وتعظيماً فقال: {بعض آيات ربك} أي أشراط الساعة التي يكون فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز الكافر من المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ، ثم قرأ الآية. ولما كان إتيان الملائكة - أي كلهم أمراً لا يحتمل العقول وصف عظمته، ولا بشرى للمجرمين عند رؤيته، فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم يحتمله قواهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون، وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه وجلت عظمته. فالأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقق البلغاء أو إن فخموا ترك ما يترتب عليه وقال: {يوم يأتي} أي يكشف ويظهر {بعض آيات ربك} أي المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقاً لك وترويعاً وتدميراً لمخالفيك {لا ينفع نفساً} أي كافرة {إيمانها} أي إذ ذاك، ولا نفساً مؤمنة كسبها الخير إذ ذاك في إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما وراءها، ولذلك بينه وبقوله واصفاً نفساً: {لم تكن}

أي الكافرة {آمنت} ويسر الأمر ببعض زمان القبل، ولم يكلف باستغراقه بالإيمان فقال: {من قبل} أي قبل مجيء الآية في زمن متصل بمجيئها. ولما ذكر الكافرة، أتبعها المؤمنة فقال عاطفاً على «آمنت» : {أو} لم تكن المؤمنة العاصية {كسبت} أي من قبل {في إيمانها} أي السابق على مجيء الآية {خيراً} أي توبة، وبعبارة أخرى: نفساً كافرة إيمانها المجدد بعد مجيء الآية، وهو معنى {لم تكن آمنت من قبل} أو نفساً مؤمنة كسبها الخير بعد مجيء الآية ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على الآية خيراً، والحاصل أنه لا يقبل عند ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق - كما قاله البغوي - لأن المقصود من التصديق والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات بالآية الملجئة، فيكون فاعل الفعل المقدر في «كسبت» محذوفاً، والتقدير: لا ينفع نفساً لم تكن آمنت من قبل، أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً إيمانها وكسبها، فالإيمان راجع إلى من لم يؤمن، والكسب راجع إلى من لم يكسب، وهو ظاهر، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل على ما ذكرته من التقدير، والآية من الاحتباك: ذكر إيمانها أولاً دليل على حذف كسبها من الجملة الثانية، وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانياً دال على حذف كافرة ومؤمنة أولاً. ولما كان هذا تهديداً - كما ترى - هائلاً، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه

على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله: {قل انتظروا} أي بغاية جهدكم أيها المكذبون {إنا منتظرون *} بجهدنا، وستعلمون لمن تكون العاقبة. ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق، وكان قد كرر في هذه السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه، وأشرفت السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعاً أن الحق - من حيث هو حق - شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته؛ اشتد استشراف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع الخلق عموماً وعليهم خصوصاً، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم، فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان قد حصل، وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره، فثبته سبحانه وسلاه بقوله: {إن الذين فرقوا} أي بعد إبلاغك إياهم {دينهم} أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ببعضها ففارقوه، لأن الكفر بعضه كفر بكله، وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم فيه ومقاتلتهم عليه

{وكانوا شيعاً} كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين تحزبوا أحزاباً بالاستكثار من الأصنام، فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان فأكثر، وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعاً أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضاً وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، وكالمجوس الذين مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله اثنان: النور والظلمة، وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم صنماً يتوسل به في زعمهم إليه {لست منهم} أي من حسابهم ولا من عقابهم ولا من خلق الهداية في قلوبهم {في شيء} وفي هذا غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد على الافتراق. ولما خفف عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتبرئته منهم، أسند إلى نفسه المقدس ما يحق له في إحاطة علمه وقدرته، فقال جواباً لمن يقول: فإلى من يكون أمرهم؟ : {إنما أمرهم} أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه عد {إلى الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه غيره، فمن شاء هداه ومن شاء أعماه، ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه لأن له كمال العظمة. ولما كان الحشر متراخياً عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان، لا تبلغ كنه عظمته العقول، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه

بقوله: {ثم} بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال {ينبئهم} أي تنبئة عظيمة جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفعلون *} أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها، والآية - مع ما تقدم من مقتضياتها - تعليل لقوله {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] .

160

ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم حينئذ؟ فأجيب بقوله: {من جاء} أي منهم أو من غيرهم {بالحسنة} أي الكاملة بكونها على أساس الإيمان {فله} من الحسنات {عشر أمثالها} كرماً وإحساناً وجوداً وامتناناً، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة، وهذا المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحاً بحسب النيات، وذكر العشر، لأنه بمعنى الحسنة، وهو مضاف إلى ضميرها. ولما تضمن قوله {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} [الأنعام: 153] مع تعقيبه بقوله {لا نكلف نفساً إلاّ وسعها} [الأنعام: 152] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله:

{ومن جاء بالسيئة} أي أيّ شيء كان من هذا الجنس {فلا يجزى} أي في الدارين {إلا مثلها} إذا جوزي، ويعفو عن كثير. ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك لا سيما في هذه العبارة، صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع فقال: {وهم لا يظلمون *} أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر أو من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف، فلا ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في عقاب. ولما تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء والقدرة وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها واعوجاجها، وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل، أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما فيه من المحاسن تحبيباً فيه وحثاً عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة فقال: {قل} وأكد بالإتيان بالنونين فقال: {إنني هداني} أي بياناً وتوفيقاً {ربي} أي المحسن إليّ بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إليّ وأنزله عليّ {إلى صراط مستقيم *} أي طريق واسع بين، ثم مدحه بقوله: {ديناً قيماً} أي بالغ الاعتدال والاستقامة ثابتها، هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بفتح

القاف وتشديد الياء المكسورة، وهو في قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الياء الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به للمبالغة، وزاده مدحاً بقوله مذكراً لهم - لتقليدهم الآباء - بأنه دين أبيهم الأعظم: {ملة إبراهيم} والملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظُلَم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا - أفاده الحرالي. ولذلك قال: {حنيفاً} أي ليناً هيناً سهلاً قابلاً للاستقامة لكونه ميالاً مع الدليل غير جاف ولا كز واقف مع التقليد عمى عن نور الدليل - كما تقدم ذلك في البقرة، وهو معنى قوله: {وما} أي والحال أنه ما {كان من المشركين *} أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع رؤيتهم له في كونه لا يضر ولا ينفع ولا يصلح لشركة آدمي فضلاً عن غيره بوجه، لا ينقادون لدليل ولا يصغون إلى قيل، فكان هذا مدحاً لهذا الدين الذي هدى إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبياناً لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيم عليه السلام رجوعاً إلى {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] الذي بنيت السورة في الحقيقة عليه، وألقيت أزمة أطرافها إليه، وترغيباً في هذا الدين لأن جميع المخالفين يتشبثون بأذيال إبراهيم عليه السلام: العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة، والمجوس بنسبة البلد والأخوة، وأشار بذلك إلى أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهم ما حاج به أبوه إبراهيم عليه السلام قومه وقبله، فلم ينسب

كغيره إلى جمود ولا عناد. ولما كان كأن سائلاً قال: وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها؟ أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان، فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه الإخلاص: {قل إن صلاتي} أي التي هي لباب الدين وصفاوته {ونسكي} أي جميع عبادتي من الذبائح وغيرها {ومحياي} أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ومكان وفعل {ومماتي لله} أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره؛ ولما علم بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته، أعلم أنه يستحقه من كل أحد لإحسانه إليه وإنعامه عليه فقال: {رب العالمين *} الموجد والمدبر والموعي لهم.

163

ولما أعلم أنه يستحقه لذاته ووصفه، أعلم أنه يستحقه وحده فقال: {لا شريك له} أي ليكون لشريكه على زعمكم شيء من العبادة لما كان له شيء من الربوبية، فأبان بهذا أن وجهه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجه من تبعه واحد لا افتراق فيه، وهو قصد الله وحده على سبيل الإخلاص كما أنه يوحد بالإحياء والإماتة فينبغي أن يوحد بالعبادة. ولما دل على ذلك ببرهان العقل، أتبعه بجازم النقل فقال عاطفاً على ما تقديره: إلى ذلك أرشدني دليل العقل: {وبذلك} أي الأمر العالي من توجيه أموري إليه على وجه الإخلاص.

ولما كان له سبحانه في كل شيء آية تدل على أنه واحد، فكان كل شيء آمراً بالتوحيد بلسان حاله أو ناطق قاله، بني للمفعول قوله: {أمرت} أي يعني أن هذا الدين لو لم يرد به أمر كان ينبغي للعاقل أن يدين به ولا يعدل عنه لشدة ظهوره وانتشار نوره بما قام عليه من الدلائل ودرج على اتباعه من الأفاضل والأماثل، فكيف إذا برزت به الأوامر الإلهية ودعت إليه الدواعي الربانية {وأنا أول المسلمين *} أي المنقادين لما يدعو إليه داعي الله في هذا الدين، لا اختيار لي أصلاً، بل أنا مسلوب الاختيار فيه منقاد أتم انقياد، وهذه الأولية على سبيل الإطلاق في الزمان والرتبة بالنسبة إلى أمته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي الرتبة بالنسبة إلى من تقدمه من الأنبياء وغيرهم، وهذا أيضاً من باب الإحسان في الدعاء بالتقدم إلى ما يدعو إليه وأن يحب للمدعو ما يحب لنفسه ليكون أنفى للتهمة وأدل على النصيحة فيكون أدعى للقبول. ولما حاجوه في الشرك في هذه السورة غير مرة كما حاج إبراهيم عليه السلام قومه، وكان آخر ذلك أن دعاهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تلاوة ما أنزل عليه سبحانه في تحريم الشرك وشرح دينه القيم، ثم كرر هنا ذمهم بالتفرق الدال على الضلال ولا بد، ومدح دين الرسل الذي تقدم أنهم لم يختلفوا فيه أصلاً، وأيأس الكفار من موافقته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم نوعاً من الموافقة وميله معهم شيئاً من الميل، أمره

سبحانه - بعد أن ثبت بأول السورة وأثنائها وآخرها أنه لا رب غيره - بالإنكار على من يريد منه ميلاً إلى غير من تفرد بمحياه ومماته، فكان له التفرد بما بينهما وما بعد ذلك من غير شبهة، والتوبيخ الشديد فقال: {قل} أي لهؤلاء الذي يطمعون أن تطرد أصحابك من أجلهم {أغير الله} أي الذي له الكمال كله {أبغي} أي أطلب وأريد بالإشراك فإن الغنى المطلق لا يقبل ممن أشرك به شيئاً {رباً} أي منعماً يتولى مصالحي كما بغيتم أنتم، فهو تعريض بهم وتنبيه لهم، والإسناد إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمراد جميع الخلق - من باب الإنصاف في المناظرة للاستعطاف {وهو} أي والحال أنه كما ثبت بالقواطع وركز في العقول الثوابت وطبع في أنوار الأفكار اللوامع {رب كل شيء} أي موجده ومربيه، أفينبغي لأحد أن يدين لغير سيده وذلك الغير مربوب مثله لسيده، هذا ما لا يرضاه عاقل لنفسه. ولما أنكر على من يجنح إلى غيره مع عموم بره وخيره، أتبعه الترويع من قويم عدله في عظيم ضره فقال: {ولا} أي والحال أنه لا {تكسب كل نفس} أي ذنباً وإن قل مع التصميم والعزم القوي الذي هو بحيث يصدقه العمل - كما مضى في آية البقرة {إلا عليها} أي لا يمكن أن يكون باطلاً لا عليها ولا على غيرها، وإذا كان عليها

لا يمكن أن يحاسب به سبحانه سواها لأنه عدل حكيم فكيف أدعو غيره دعاء جلياً أو خفياً وذلك أعظم الذنوب! وللتنفير من الشرك الخفي بالرياء وكل معصية وإن صغرت، جرد الفعل عن الافتعال لئلا يتوهم أنه لا يكون عليها إلا ما بالغت فيه، والسياق هنا واضح في أن الكسب مقيد بالذنب فإنه في دعاء غير الله وآية البقرة للإيماء إلى الذنب الذي لا يقع إلا بشهوة شديدة من النفس له لطبعها على النقائص، فهي لا تنافي هذه لأن ما كسبته من الذنوب قد علم من ثَمَّ أنه اكتساب، وأحسن من هذا أن يقال: ولما كان المعنى أني إن بغيت رباً غيره وكلني إلى ما توليته، وأنا إنسان والإنسان مطبوع على النقائص فهلكت، عبر عنه بقوله مجرداً للفعل لقصد العموم: {ولا تكسب كل نفس} بما هي نفس ناظرة في نفاستها معرضة عن ربها موكولة إلى حولها وقوتها {إلا عليها} ولا يحمل عنها غيرها شيئاً من وزرها؛ ولما كان ربما حمل أحد عن غيره شيئاً من أثقاله مساعدة له، نفى ذلك بقوله: {ولا تزر وازرة} أي تحمل حاملة ولو كانت والداً أو ولداً {وزر} أي إثم {أخرى} {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] فإذا كان الأمر كذلك فلا يجعل بعاقل أن يعرض نفسه بحمل شيء من غضب هذا الملك الذي لا شريك له وإليه المرجع

وإن طال المدى. ولما عم في الكسب وحمل الوزر لئلا يقول متعنت أن خص هذا لك لا لنا، عم في المرجع أيضاً لمثل ذلك، فقال مهدداً لهم بعد كمال الإيضاح عاطفاً على ما أرشد إليه الإنكار من النفي في نحو أن يقال: إني لا أفعل شيئاً من ذلك، لا أبغي رباً غير ربي أصلاً، وأما أنتم فافعلوا ما أنتم فاعلون فإن ربكم عالم به: {ثم} أي بعد طول الإمهال لكم لطفاً منه بكم {إلى ربكم} أي الذي أحسن إليكم بكل نعمة، لا إلى غيره {مرجعكم} أي بالحشر وإن عمرتم كثيراً أو بقيتم طويلاً {فينبئكم} أي يخبركم إخباراً جليلاً عظيماً مستوفى. ولما كان قد تقدم أنهم فرقوا دينهم، قال: {بما كنتم} أي جبلة وطبعاً، ولذلك قدم الجار ليفيد الاهتمام به لقوة داعيتهم إليه من غير إكراه ولا ذهول ولا نسيان فقال: {فيه تختلفون *} أي مع رسول وغيره، ويدينكم على جميع ذلك بما تستحقونه، وحالكم جدير بأن يعظم عقابكم لأنكم كفرتم نعمته؛ قال أبو حيان: حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية - انتهى. ولما قدم أنه المحسن إلى كل شيء بالربوبية، وختم بالتهديد بالحشر،

أتبعه التذكير بتخصيصهم بالإحسان، فقال عاطفاً على {وهو رب كل شيء} مستعطفاً لهم إليه بالتذكير بنعمته: {وهو} أي لا غيره {الذي جعلكم} أي أيها الإنس {خلائف الأرض} أي تفعلون فيها فعل الخليفة متمكنين من كل ما تريدونه، ويجوز أن يراد بذلك العرب، ويكون ظاهر الكلام أن المراد بالأرض ما هم فيه من جزيرة العرب، وباطنه البشارة بإعلاء دينهم الإسلام على الدين كله وغلبتهم على أكثر أهل الأرض في هذه الأزمان وعلى جميع أهل الأرض في آخر الزمان {ورفع بعضكم} في مراقي العقل والعلم والدين المال والجاه والقوة الحسية والمعنوية {فوق بعض درجات} أي مع كونكم من نفس واحدة، وربما كان الوضيع أعقل من الرفيع ولم ينفعه عقله فيدل ذلك دلالة واضحة على أن ذلك كله إنما هو فعل الواحد القهار، لا بعجز ولا جهل ولا بخل؛ ثم علل ذلك بقوله: {ليبلوكم} أي يفعل معكم فعل المختبر ليقيم الحجة عليكم وهو أعلم بكم منكم {في ما آتاكم} فينظر هل يرحم الجليل الحقير ويرضى الفقير بعطائه اليسير، ويشكر القوي ويصبر الضعيف! . ولما ذكر علو بعضهم على بعض، وكان من طبع الآدمي التجبر، أتبعه التهديد للظالم والاستعطاف للتائب بما يشير - بما له سبحانه من علو الشأن وعظيم القدرة - إلى ضعف العالي منهم وعجزه عن عقاب السافل بمن يحول بينه وبينه من شفيع وناصر وبما يحتاج إليه من

تمهيد الأسباب، محذراً من البغي والعصيان فقال موجهاً الخطاب إلى أكمل الخلق تطييباً لقلبه إعلاماً بأنه رباه سبحانه أجمل تربية وأدبه أحسن تأديب: {إن ربك} أي المحسن إليك {سريع الحساب} أي لمن يريد عقابه ممن يكفر نعمته لكونه لا حائل بينه وبين من يريد عقابه ولا يحتاج إلى استحضار آلات العقاب، بل كل ما يريد حاضر لديه عتيد {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، وفي ذلك تهديد شديد لمن لا يتعظ. ولما هدد وخوف، رجّى من أراد التوبة واستعطف فقال: {وإنه لغفور رحيم *} معلماً بأنه - على تمام قدرته عليهم وانهماكهم فيما يوجب الإهلاك - بليغ المغفرة لهم عظيم الرحمة {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} [النحل: 61] ، حثاً على عفو الرفيع من الوضيع، وتأكيده الثاني دون الأول ناظر إلى قوله {كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12] ، «إن رحمتي سبقت غضبي» لأنه في سياق التأديب لهذه الأمة والتذكير بالإنعام عليهم بالاستخلاف، وسيأتي في الأعراف بتأكيد الاثنين لأنه في حكاية ما وقع لبني إسرائيل من إسراعهم في الكفر ومبادرتهم إليه واستحقاقهم على ذلك العقوبة، وجاء ذلك على طريق الاستئناف على تقدير أن قائلاً قال: حينئذ

يسرع العالي إلى عقوبة السافل! فأجيب بأن الله فوق الكل وهو أسرع عقوبة، فهو قادر على أن يسلط الوضيع أو أحقر منه على الرفيع فيهلكه؛ ثم رغب بعد هذا الترهيب في العفو بأنه على غناه عن الكل أسبل ذيل غفرانه ورحمته بإمهاله العصاة وقبوله اليسير من الطاعات بأنه خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور منافع لهم ثم هم به يعدلون! ولولا غفرانه ورحمته لأسرع عقابه لمن عدل به غيره فأسقط عليهم السماوات وخسف بهم الأرضين التي أنعم عليهم بالخلافة فيها وأذهب عنهم النور وأدام الظلام، فقد ختم السورة بما به ابتدأها، فإن قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} هو المراد بقوله: {هو الذي خلقكم من طين} [الأنعام: 2] وقوله: {أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء} [الأنعام: 164] هو معنى قوله: {خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] ، - والله الموفق.

سورة الأعراف مقصودها إنذار من أعراض عما إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد والاجتماع على الخير والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل في الأنعام، وتحذيره بقوارع الدرارين، وهذا أحسن مما كان ظهر لي وذكرته عند (والوزن يومئذ الحق) وأدل ما فيها على هذا المقصد أمر الأعراف فإن اعتقاده يتضمن الإشراف على الجنة والنار والوقوف على حقيقة ما فيها وما أعد لأهلها الداعي إلى امتثال كل خير واجتناب كل شر والاتعاظ بكل مرقق) بسم الله (المتردي برداء الكبر وإزار العظمة والجلال) الرحمن (الذي من رحمته انتقامه من أهل الكفر والضلال) الرحيم (الهادي لأهل الاصطفاء إلى لزوم طريق الوفاء) (المص) .

الأعراف

لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل إليهم كتاباً مباركاً، وأمر باتباعه وعلل إنزاله وذكر ما استتبعه ذلك مما لا بد منه في منهاج البلاغة وميدان البراعة، وكان من جملته أن أمر المدعوين به ليس إلا إليه، إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم واستمر فيها لا بد منه في تتميم ذلك إلى أن ختم السورة بما انعطف على ما افتتحت به، فاشتد اعتناقه له

حتى صارا كشيء واحد؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم البر والثواب وما تقدمه، فقال مخبراً عن مبتدإ تقديره: هو {كتاب} أي عظيم أوضح الطريق المستقيم فلم يدع بها لبساً ولم يذر خيراً إلا أمر به ولا شراً إلا نهى عنه، فإنزاله من عظيم رحمته؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من رحمته بقوله: {أنزل إليك} أي وأنت أكرم الناس نفساً وأوسعهم صدراً وأجملهم قلباً وأعرقهم إصالة وأعرفهم باستعطاف المباعد واستجلاب المنافر المباغض، وهذا شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب لا حد لها فتستصى. ولما كان المقصود من البعثة أولاً النذارة للرد عما هم عليه من الضلال، وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس، وكان الإقدام عليها من الصعوبة بمكان عظيم؛ قدم قوله مسبباً عن تخصيصه بهذه الرحمة: {فلا يكن} وعبر عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في الأمر فقال: {في صدرك حرج} أي شيء من ضيق بهم أو خوف أو نحو ذلك {منه} على ما تعلق ب «أنزل» من قوله:

{لتنذر به} أي نذري لكل من بلغه أو للمخالفين من سرعة العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السابقة - كما أشار إليه آخر الأنعام، وسيقص من أخبارهم من هذه السورة {و} لتنذر به {ذكرى} أي عظيمة {للمؤمنين*} أي بالبشر والمواعظ والغفران والرحمة على ما أشار إليه ختام الأنعام، وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، ويجوز أن تتعلق لام «لتنذر» بمعنى النهي، أي انف الحرج لكذا، فإن من كان منشرح الصدر أقدم على ما يريد أو يحرج، أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن تنذر، أي لأجل إنذارك به، والنهي للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حُوّل إلى الحرج مبالغة وأدباً، ويجوز أن يكون التقدير: لتنذر به وتذكر به، فإنه نذرى للكافرين وذكرى للمؤمنين، والآية على كل تقدير من الاحتباك: إثباته «لتنذر» أولاً، دال على حذف «لتذكر» ثانياً، وإثبات المؤمنين ثانياً دال على حذف المخالفين أولاً، فإن النفوس على قسمين: نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثة الرسل في حقهم إنذار وتخويف، ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية فبعثة الرسل في حقهم تذكير لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد فيعرض لها

نوع ذهول وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت مركزها وأبصرت منشأها، فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح والريحان فطارت نحوهم كل مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار؛ وقال أبو حيان: واعتلاق هذه السورة بما قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} [الأنعام: 155] واستطرد ممنه لما بعده إلى قوله في آخر السورة {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} [الأنعام: 165] وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية، ذكر ما يكون به التكاليف، وهو الكتاب الإلهي، وذكر الأمر باتباعه كما أمر في قوله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} [الأنعام: 155]- انتهى. وقال شيخه الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} [الأنعام: 6] ثم قال تعالى {ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} [الأنعام: 10] ثم قال تعالى: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [الأنعام: 11] ثم قال تعالى

{ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا} [الأنعام: 34] وقال تعالى {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء} [الأنعام: 42] ، وقال تعالى {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} [الانعام: 13] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجريان ما جرى له بمن تقدمه مت الرسل {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} [الأنعام: 33] فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل - عليهم السلام - عليهم وتلطفهم في دعائهم، ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذاً وتركاً وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين: المستندة للسمع والمعتمدة للنظر، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل، وتنكب الآخرون بسوء التناول وقصور الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته عليه السلام وتثبيت فؤاده

بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد كان قدّم لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذكر الأنبياء {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه، واستوفى الكثير من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه {وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود: 120] فتأمل بما افتتحت به السورة المقصودة بها قصص الأمم وبما اختتمت يَلُح لك ما أشرت إليه - والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 7] وختم القصص فيها بقوله: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} [الأعراف: 176] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} [الأعراف: 175] ، ثم قال: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 176] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص، وكيف ألحق مَنْ كذب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك {من يهد الله فهو المهتدي} [الأعراف: 178] ، فبدأ الاستجابة بنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: {المص كتاب أنزل إليك} [الأعراف: 1-2]

فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا ما يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونوراً، فقال {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] أي أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم، وليتذكر المؤمنون؛ ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3] فإنة هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع ذلك بقصة آدم عليه السلام ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27] ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل هناك كتصريح اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبة الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم أخذ في الوسوسة إلى آدم عليه السلام وحلفه له {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] وكل هذا مما أجمل في سورة البقرة ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها، أعني أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولاً؛ ثم انجزت

الآي إلى ابتداء قصة نوح عليه السلام واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل، فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة إبليس، وفصل هنا الكثير وذكر ما لم يذكر في البقرة حتى لم يتكرر بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط، ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلتا القصتين مستقل شاف، وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح كماله، فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة. ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح فقال تعالى {فاعفوا واصفحوا} [البقرة: 109] أعقب تعالى أيضاً هنا بقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] وقد خرجنا عن المقصود فلنخرج إليه - انتهى.

3

ولما تقدم سبحانه إليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر الإنذار والإذكار بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم وعز سلطانهم، فقال ملتفتاً إليهم مقبلاً بعز جلاله

عليهم {اتبعوا} أي حملوا أنفسكم حملاً عظيماً بجد ونشاط على اتباع {ما أنزل إليكم} أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة {من ربكم} أي الذي لم يزل محسناً إليكم {ولاتتبعوا} ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج - بل هفوة وبنوع غفلة - في محل العفو {من دونه} أي دون ربكم {أولياء} أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم. ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع، وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا، قال منبهاً لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم: {قليلاً} وأكد التقليل ب «ما» النافي وبإدغام تاء التفعيل فقال: {ما تذكرون*} أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء، فكل من تدعون من دونه مربوب، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوباً يكون شريكاً لربه. ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الأغترار باسباب الأمن والراحة، قال: {وكم} أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه

كم {من قرية} وإن جلت؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال: {أهلكناها} أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك - مع أنهم كانوا أشد بطشاً واكثر عدداً وأمتن كيداً - عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم. ولما كان المعنى: أردنا إهلاكها وحكمنا به، سبب عنه قوله: {فجاءها بأسنا} أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلاً أو نهاراً، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال: {بياتاً} أي وقت الاستكنان في البيوت ليلاً كما أهلك قوم لوط عليه السلام وقت السحر. ولما كان المراد بالقرية اهلها، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى: أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية، وإن يلتفت إليه - كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد: {أو هم قائلون*} أي

نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيب عليه السلام، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، لم يظنوا أن شيئاً من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه، فالتقدير: بياتاً هم فيه بائتون أي نائمون، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون، فالآية من الاحتباك: دل إثبات «بياتاً» أولاً على حذف «قائلة» ثانياً، وإثبات «هم قائلون» ثانياً على حذف «هم نائمون» أولاً، والذي أرشدنا إلى هذا المعنى الحسن سوق «هم» من غير واو، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون} [الأعراف: 97] فالأقرب أن يكون المحذوف أولاً نائمون، وثانياً نهاراً، فيكون التقدير: بياتاً هم فيه نائمون، أو نهاراً هم فيه قائلون، وبين عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم التصويب إلى مدافعته بما سبب عن ذلك من قوله: {فما كان دعواهم} أي قولهم الذي استدعوه {إذ جاءهم بأسنا} أي بما لنا من العظمة {إلا أن قالوا} أي إلا قولهم {إنا كنا} أي بما لنا من الجبلة {ظالمين*} أي في أنا لم نتبع من أنزل إلينا من ربنا، فلم يفدهم ذلك شيئاً غير شدة التحسر؛ ثم سبب عما مضى من أمر الرسول والأمم

قوله دفعاً لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا: {فلنسئلن} أي بما لنا من العظمة على جهة التوبيخ والتقريع للعصاة والتشريف والتعظيم للمطيعين، وأظهر موضع الإضمار تعميماً فقال: {الذين} . ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معيناً بنى للمفعول قوله: {أرسل إليهم} أي وهم الأمم، هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا عند زواجرنا كما أمرتهم الرسل أم لا {ولنسئلن} أي بعظمتنا {المرسلين*} أي هل كان في صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء على الناس بما علمتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيداً فإنا لا بد أن نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر وتنكشف - وإن اشتد خفاؤها - الضمائر، ولنرين الأفعال والأقوال، ولا نترك شيئاً من الأحوال. ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل، سبب عن ذلك ما يزيل هذا الوهم بقوله مؤذناً بأنه أعلم من المسؤولين عما سألهم عن: {فلنقصن} أي بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال {عليهم} أي المسؤولين من الرسل وأممهم، جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها {بعلم} أي مقطوع به لا مظنون، فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم {وما كنا} أي في وقت من الأوقات كما هو مقتضى ما لنا من العظمة {غائبين*} أي مطلقاً ولا عن أحد من الخلق

بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ما لنا من صفات الكمال، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا يصح أن يكون إلهاً.

8

ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} [الأنعام: 152] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي، والنص في قوله تعالى {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} [الأنعام: 160] على قدرة القدير على ذلك، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه، أكد الأمر أيضاً وقصره على علمه هنا فقال: {والوزن} بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف الله في القلوب العلم به، ولعله حال من نون العظمة في الاية التي قبلها، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه: «الوزن» مبتدأ {يومئذ} ظرف منصوب به {الحق} خبر المبتدأ، زاد الأصفهاني فقال: واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} [النساء: 148]- انتهى. أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق، يطابقه الواقع

مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلاً ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصها ولا ما دون ذلك، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من إنزله على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب. ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه، تسبب عنه قوله: {فمن ثقلت} أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا {موازينه} أي موزونات أعماله، أي أعماله الموزونة، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى ان كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه {فأولئك} أي العالو الهمم {هم} أي خاصة {المفلحون*} أي الظاهرون بجميع مآربهم {ومن خفت} أي طاشت {موازينه} أي التي توزن فيها الأعمال الصالحة {فأولئك} المبعدون {الذين خسروا أنفسهم} أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها {بما كانوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة {يظلمون*}

أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو في ظلام؛ قال الحسن، وحق الميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف. ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم، فأبلغ في تحذيرهم بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة، التفت إلى تذكيرهم ترغيباً في ذلك بإسباغ نعمه وتحذيراً من سلبها، لأن المواجهة أردع للمخاطب، فقال في موضع الحال من {خسروا انفسهم} : {ولقد مكناهم} أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها بخلق القوى والقدر وإدرار النعم، وجعلنا مكاناً يحصل التمكن فيه {في الأرض} أي كلها، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار {وجعلنا لكم} أي بما لنا من العظمة {فيها معايش} أي جميع معيشة، وهي أشياء يحصل بها العيش، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع، والياء أصلية فلذا لا تهمز، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذًا كمنائر ومصائب جمع منارة ومصيبة. ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم، فأكلوا خيره وعبدوا غيره، أنتج قوله على وجه التاكيد: {قليلاً ما تشكرون*} أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة

وباطنة بما تنجون به أنفسكم؛ وقال أبو حيان: إنه راجع للذين خوطبوا ب {اتبعوا ما أنزل إليكم} [الأعراف: 3] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة - انتهى. ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكّرهم ما كانو عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيراً بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره، وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذوناً له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: {ولقد خلقناكم} أي بما لنا من صفات العظمة {ثم صورناكم} أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة

علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر} [المؤمنون: 12-14] وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح» وعنه أيضاً رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك» الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية، فيحمل على أن معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى «خلق» : قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حداً لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكراً أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكراً أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى

من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص: 71] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافاً إلى المؤالفة وتفظيعاً بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدماً وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طرداً لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل قدسنا بعداً لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال تعال مترجماً عن ذلك: {ثم قلنا} أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة {للملائكة} أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم، بما دلت عليه «ال» سواء قلنا: إنها للاستغراق أو الجنس {اسجدوا لآدم} أي بعد كونه رجلاً قائماً سوياً ذا روح كما هو معروف من التسمية؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله: {فسجدوا} أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله: {إلا إبليس} ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد، صرح به فقال: {لم يكن من الساجدين*} أي لآدم.

12

ولما كان مخالف الملك في محل العقاب، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله: {قال} أي لإبليس إنكاراً عليه توبيخاً له استخراجاً لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده

{ما منعك} ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده، فكان المعنى لا يلبس بإدخال «لا» في قوله: {ألا تسجد} أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك، فيكون كأنه قيل: ما منعك من السجود وحملك على تركه {إذ} أي حين {أمرتك} أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به {قال} أي إبليس ناسباً ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم بالحق {أنا خير منه} أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعه بقوله: {خلقتني من نار} أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة مضيئة عالية غالبة {وخلقته من طين*} أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب، وقد غلط غلطاً فاحشاً فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع، والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه، هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك، بل هو باعتبار الغايات. ولما كان هذا أمراً ظاهراً، وكان مجرد التكبر على الله كفراً على أيّ وجه كان، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها فاستأنف قوله {قال} مسبباً عن إبائه قوله: {فاهبط منها} مضمراً للدار التي كان فيها وهي

الجنة. فإنها لا تقبل عاصياً، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه قوله: {فما يكون} أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه {لك أن تتكبر} أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، ولا مفهوم لقوله {لك} ولا لقوله {فيها} لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقاً {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23] ، {كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر} [غافر: 35] {قال الذين استكبروا إنا كل فيها} [غافر: 48] ، وإنما قيد بذلك تهويلاً للأمر، فكأنه قيل: لا ينبغي التكبر إلا لنا، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذب هو مكان المطيعين المتواضعين جل تحريم الكبر عليه «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل كبر» رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، وسبب عن كونها لا تقبل الكبر قوله: {فاخرج} أي من الجنة دار الرضوان، فانتقى أن يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه، ثم علل أمره بالهبوط والخروج بقوله مشيراً إلى كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار: {إنك من الصاغرين*} أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان.

ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده، تمادى فيه فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العاليه إلى دركته السافلة، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة إلى درجاتهم العالية، وذلك بأن {قال} أي إبليس، وهو استئناف؛ ولما كان السياق - ولاسيما الحكم بالصغار العاري عن تقييد - يأبى لأن يكون سبباً لسؤاله الانتظار، ذكره بصيغة الإحسان فقال {أنظرني} أي بالإمهال، أي اجعلني موجوداً بحيث أنظر وأتصرف في زمن ممتد {إلى يوم يبعثون*} أي من القبور، وهو يوم القيامة، وكان اللعين طلب بهذا أنه لا يموت، فإن ذلك الوقت ليس وقتاً للموت، إنما هو وقت إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة، فأعلم سبحانه أنه حكم له بالانتظار، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له، ولكن هكذا سبق في الأزل في حكمه في قديم علمه، وإليه يرشد التعبير بقوله: {قال إنك من المنظرين*} أي في الجملة، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ذكره في سورتين الحجر وص {إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 38، ص: 81] ، وهووقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت هو معهم، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار، وإبهام الأمر اشد في ذلك، وأجابة إلى الإنظار وهو يريد به الفساد، لأنه لا يعدو أمره فيه وتقديره به، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، ولتظهر حكمته تعالى في الثواب والعقاب.

ولما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر وأخبره عن نفسه بذلك بأن {قال} مسبباً عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين {فبما أغويتني} أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله {لأقعدن لهم} أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف {صراطك} أي في جميع صراطك، بما دل عليه نزع الخافض {المستقيم*} وهو الإسلام بجميع شعبه، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه الله عنه، فقد وقع في شر مما فر منه، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف اختيار أحدهما اختيار الآخر.

17

ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى، أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكداً: {ثم لآتينهم} أي إتياناً لا بد لي منه كائناً ابتداؤه {من بين أيديهم} أي مواجهة، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ {و} كائناً {من خلفهم} أي مغافلة، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء

من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون {وعن} أي ومجاوزاً للجهة التي عن {أيمانهم} إليهم {وعن} أي ومجاوزاً لما عن {شمائلهم} أي مخايلة، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها، ولعل فائدة «عن» المفهمة للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعباً لجميع الجهة المحيطة، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئاً منه وما هو مشتبه عليهم اشتباهاً قليلاً أو كثيراً، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضي الله عنه. ولما عزم اللعين على هذا عزماً صادقاً ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه، ظن أنه بما راى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال عاطفاً على تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: {ولا تجد أكثرهم} كما هي عادة الأكثر في الخبث {شاكرين*} فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة

فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعاً لمقام الربويية وذلاً لعظيم شأنه. ولما كان كأنه قيل: ماذا قال له؟ قيل: {قال} في جواب ما ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من أهل الصغار، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار، مصرحاً بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط منه {اخرج منها} أي الجنة {مذءوماً} أي محقوراً مخزياً بما تفعل، قال القطاع: ذأمت الرجل: خزيته، وقال ابن فارس: ذأمته، أي حقرته {مدحوراً} أي مبعداً مطروداً عن كل ما لا أريده. ولما علم بعض حاله، تشوفت النفس إلى حال من تبعه، فقال مقسماً مؤكداً بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة: {لمن تبعك منهم} أي بني آدم، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: {لأملأن جهنم منكم} أي منك ومن قبيلك ومنهم {أجمعين*} أي لا يفوتني منكم أحد، فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء. ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه

في محسوده، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر، ليكون ذلك سبب سعادته، فقال عطفاً على {اخرج منها} : {ويا آدم اسكن} ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من يلابسه، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل: {أنت وزوجك الجنة} . ولما كان السياق هنا للتعرف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارناً لوجوده؛ ثم حسن في قوله: {فكلا} العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان، لم يتاخر عنه، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، وقوله: {من حيث شئتما} بمعنى رغداً أي واسعاً، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أيّ مكان كان، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحده؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال:

{ولا تقربا} أي فضلاً عن أن تتناولا {هذه الشجرة} مشيراً إلى شجرة بعينها أو نوعها؛ ثم سبب عن القربان العصيان، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه فقال: {فتكونا} أي بسبب قربها {من الظالمين*} أي بالأكل منها الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام؛ ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منه أمماً تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل، وأن الكل بيده سبحانه، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم، وأن من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، فقال: {فوسوس} أي القى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء {لهما الشيطان} أي بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله: {ليبدي} أي يظهر {لهما ما روي} أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه {عنهما} والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] و {من سوءاتهما} أي المواضع التي يسوءهما انكشافها، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال التباين. ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهماً أنه أمر كبير وخداع

طويل، عطف عليه قوله: {وقال} اي في وسوسته أيضاً، أي زين لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول: {ما نهاكما} وذكرهما بوصف الإحسان تذكيراً بإكرامه لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال: {ربكما} أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه {عن} أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة متجاوزة عن {هذه الشجرة} جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء بالتنصيص {إلا أن} أي كراهية أن {تكونا ملكين} أي في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم {أو تكونا} أي بما يصير لكما من الجبلة {من الخالدين*} أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً.

21

ولما أوصل إليهما هذا المعنى، أخبر أنه أكده تأكيداً عظيماً كما يؤكد الحالف ما يحلف عليه فقال: {وقاسمهما} أي أقسم لهما، لكن ذكر المفاعلة ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد، وأكد لمعرفته أنهما طبعا على النفرة من المعصية - ما أقسم عليه أنواعاً من التأكيد في قوله: {إني لكما} فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه يقول: إني خصصتكما بجميع نصيحتي {لمن الناصحين*} وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف، وأن الأغلب أن كل حلاف كذاب، فإنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه، ولا يظن ذلك إلا هو معتاد للكذب.

ولما أخبر ببعض وسوسته لهما، سبب عنها ترجمتها بأنها إهباط من أوج شرف إلى حضيض أذى وسرف فقال: {فدلاَّهما} أي أنزلهما عما كانا فيه من علو الطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة {بغرور} أي بخداع وحيلة حتى نسى آدم عهد ربه، وقوله {فلما ذاقا} مشير إلى الإسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل {الشجرة} أي وجدا طعمها {بدت} أي ظهرت {لهما سوءاتهما} أي عوراتهما اللاتي يسوءهما ظهورها، وتهافت عنهما لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستوراً عنه من عورة آلاخر، وذلك قصد الحسود فاستحييا عند ذلك {وطفقا} أي شرعا وأقبلا {يخصفان عليهما} أي يصلان بالخياطة {من ورق الجنة} ورقة الى أخرى {وناداهما ربهما} أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما، ولم يفعلا شيئاً من ذلك إلا بمرأى منه، فقال منكراً عليهما ما فعلا ومعاتباً: يا عبديَّ {ألم أنهكما} أي أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما فيه متجاوزة {عن تلكما الشجرة} أي التي كان حقها البعد منها، الموجبة للقربة من هذا الموضع الشريف إحساناً إليكما {وأقل لكما إن الشيطان} أي الذي تكبر عن السجود حسداً لك يا آدم ونفاسه عليك، فاحترق

بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي {لكما} أي لك ولزوجك ولكل من تفرغ منكما ونسب إليكما {عدو مبين*} ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب، فإني أعطيته قوة على الكيد، وأعطيتكم قوة على الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم: تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي، وإن غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة، فالآيه منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه. ولما كان هذا، تشوف السامع إلى جوابهما، فأجيب بقوله: {قالا} أي آدم وحواء - عليهما السلام وأزكى التحية والإكرام - قول الخواص بإسراعهما في التوبة {ربنا} أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا {ظلمنا أنفسنا} أي ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية، فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين {وإن لم تغفر لنا} أي تمحو ما عملناه عيناً واثراً {وترحمنا} فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين*} فأعربت الآية عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف، وسيما ذنبهما - وإن كان إنما هو خلاف

الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه - ظلماً كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغير منهم، ولم يجادلا كما فعل إبليس، وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق، وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى للطرد. ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه، أجيبت بقوله {قال اهبطوا} أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم {بعضكم لبعض عدو} أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد، وبعض أولادكم أعداء لبعض، ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده بالنقل، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالأشارة إلى قبح مغبة المخالفة ولو مع التوبة، وحث على دوام المراقبة خوفاً من سوء المعاقبة {ولكم في الأرض} أي جنسها {مستقر} أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها {ومتاع إلى حين*} أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا.

25

ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخراً، وكان من الفلاسفة

التناسخية وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول: إن النفوس مجردة عن الجسمية وعلائقها وإنه إذا هلك الجسد اتصلت بالعلويات إما بكوكب أو غيره أو انحطت في سلك الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فلا تتصل به لا بتدبير ولا غيره ولا بالبعث - عند من قال منهم بالبعث، كان كأنه قيل: فماذا يكون بعد ذلك؟ فأجيب بقوله {قال} أي الله راداً عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق بالبدن معبراً بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحاً وجسداً {فيها} أي الأرض لا في غيرها {تحيون} أي أولاً وثانياً على ما أنتم عليه بظواهركم وبواطنكم أبداناً وأرواحاً {وفيها} أي كذلك، لا في غيرها كما أنتم لذلك مشاهدون {تموتون} أي من الحياة الأولى بجملتكم، فيكون للأرواح تعلق بالأبدان بوجه ما حتى يقعد الميت في القبر ويجيب سؤال الملكين عليهما السلام، وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها، فأشير إلى الحشر مع تفصيل حال الكون في الأرض، وختمت القصة بما ابتدئت به من الإعلام بالبعث بقوله: {ومنها} أي لا من غيرها بإخبار الصادق {تخرجون*} أي روحاً وبدناً بعد موتكم فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولاً تراباً، للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما كان بعضكم يفعل مع بعض من العسف والجور الذي لا يرضي أقل رؤسائكم أن يقر عليه عبيده، وعلم بهذا أن الدلالة على الحشر فذلكة

القصة، وهذا أبين من ذكره فيما مضى في قوله {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} [الأعراف: 6] . ولما بين فيما مضى أن موجب الإخراج من الجنة هو ما أوجب كشف السوءة من المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبره بأنه حكم بإسكاننا هذه الدار بعد تلك الدار، شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا عليه السلام، وبدأ بقوله بياناً لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذاناً بما في كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعاراً بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى {يا بني آدم} . ولما كان الكلام في كشف العورة، وأن آدم عليه السلام أعوزه الساتر حتى فزع إلى الورق، كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك فقال مفتتحاً بحرف التوقع: {قد أنزلنا} أي بعظمتنا {عليكم} من آثار بركات السماء، إما ابتداء بخلقه وإما بإنزال أسبابه لمطر ونحوه {لباساً} أي لم يقدر عليه أبوكم في الجنة {يواري سوءاتكم} إرشاداً إلى دواء ذلك الداء وإعلاماً بأن نفس الكشف نقص لا يصلح لحضرات الكمال، وقال: {وريشاً} إشارة إلى أنه سبحانه زادنا على الساتر ما به

الزينة والجمال استعارة من ريش الطائر، محبباً فيما يبعد من الذنب ويقرب إلى حضرة الرب. ولما ذكر اللباس الحسي، وقسمه على ساتر ومزين، أتبعه المعنوي فقال مشيراً - بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثاً عليه وندباً إليه: {ولباس التقوى} فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي، فالحسي لباس الثياب، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله: {ذلك خير} أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب، ولكنه فصل باسم الإشارة المقترن بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات، ولوكان متقياً وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال، بل ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله اللهم! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضى الله عنه، والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حساً أو معنى بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام: كل من جميع أشجار

الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً تتهيأ للموت حساً، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله أعلم. ولما كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة أسبابه التي لم يجدها آدم عليه السلام في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على عظمة المنعم ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم، قال: {ذلك} أي إنزال اللباس {من آيات الله} أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته لعباده، ولعل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة {لعلهم يذكرون*} - لو على أدنى وجوه التذكر بما يشير إليه الإدغام - لئلا يقول المتعنت: إن الحث على التذكر خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط، أي أنزلنا ذلك ليكون حالهم حال من يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما يستقبح من غيره. ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها، فكان بيان ما وقع بين آدم عليه السلام وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضياً للتحذير من الشيطان، وكان المقام خطراً والتخلص عسراً، أشار إلى ذلك بالتأكيد وبيان ما سلط الشيطان به من المكايد الخفية والأسباب الدقيقة ليعلم الناجي أنه إنما نجا بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر متبرئاً من الحول والقوة، فقال منادياً لهم بما يفهم الاستعطاف والتراؤف والتحنن والترفق والاستضعاف: {يا بني آدم}

أي الذي خلقته بيدي وأسكنته جنتي ثم أنزلته إلى دار محبتي إرادة الإعلاء لكم إلى الذروة من عبادتي والإسفال إلى الحضيض من معصيتي {لا يفتننكم} أي لا يخالطنكم بما يميلكم عن الاعتدال {الشيطان} أي البعيد المحترق بالذنوب، يصدكم عما يكون سبباً لردكم إلى وطنكم بتزيين ما ينزع عنكم من لباس التقوى المفضي إلى هتك العورات الموجب لخزي الدنيا، فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ويدخلكم النار {كما أخرج أبويكم من الجنة} بما فتنهما به بعد أن كانا سكناها وتمكنا فيها وتوطناها، وقد علمتم أن الدفع أسهل من الرفع فإياكم ثم إياكم! فالآية من الاحتباك: ذكر الفتنة أولاً دليلاً على حذفها ثانياً، والإخراج ثانياً دليلاً على حذف ضده أو نظيره أولاً. ولما كان قد بذل الجهد في إخراجهما، فسر الإخراج - مشيراً إلى ذلك - بإطالة الوسواس وإدامة المكر والخديعة بالتعبير بالفعل المضارع فقال في موضع الحال من ضمير «الشيطان» : {ينزع عنهما} أي بالتسبيب بإدامة التزيين والأخذ من المأمن {لباسهما} أي الذي كان الله سبحانه قد سترهما به ما داما حافظين لأنفسهما من مواقعة ما نهيا عنه، ودل على منافاة الكشف للجنة بالتعليل بقوله: {ليريهما سوءاتهما} فإن ذلك مبدأ ترك الحياة و «الحياء والإيمان في قرن» - كما أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما، و «الحياء لا يأتي

إلا بخير» - كما رواه الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنهما. ولما كان نهي الشيطان عن فتنتنا إنما هو في الحقيقة نهي لنا عن الافتتان به، فهو في قوة ليشتد حذركم من فتنته فإنه دقيق الكيد بعيد الغور بديع المخاتله؛ علل ذلك بقوله: {إنه يراكم} أي الشيطان {هو وقبيله} أي جنوده {من حيث لا ترونهم} عن مالك بن دينار أن عدواً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله. ولما كان كأنه قيل: لم سلطوا علينا هذا التسليط العظيم الذي لا يكاد يسلم معه أحد، قال مخففاً لأمرهم موهياً في الحقيقة لكيدهم: {إنا} أي فعلنا ذلك لأنا بما لنا من العظمة {جعلنا الشياطين} أي المحترقين بالغضب البعيدين من الرحمة {أولياء} أي قرباء وقرناء {للذين لا يؤمنون*} أي يجددون الإيمان، لأن بينهم تناسباً في الطباع يوجب الاتباع، وأما أولياؤنا الذين منعناهم بقوتنا منه أو فتناهم يسيراً بهم، ثم خلصناهم بلطفنا منهم فليسوا لهم بأولياء، بل هم لهم أعداء وآيتهم أنهم يؤمنون، والمعنى أنا مكناهم من مخاتلتكم بسترهم عنكم وإظهاركم لهم، فسلطناهم بذلك على من حكمنا بأنه لا يؤمن بتزيينهم لهم وتسويلهم واستخفافهم بأن ينصروهم في بعض المواطن ويوصلوهم إلى شيء من المطالب، فعلنا ذلك ليتبين الرجل الكامل - الذي يستحق الدرجات العلى ويتردد إليه الملائكة بالسلام والجنى - من غير فخذوا حذركم فإن الأمر

خطر والخلاص عسر، وبعبارة أخرى: إنا سلكناكم طريقاً وجعلنا بجنبتيها أعداء يرونكم ولا ترونهم، وأقدرناهم على بعضكم، فمن سلك سواء السبيل نجا ومن شذ أسره العدو، ومن دنا من الحافات بمرافقة الشبهات قارب العدو ومن قاربه استغواه، فكلما دنا منه تمكن من أسره، وكل من تمكن من أسره بعد الخلاص فاحذروا، وعدم رؤيتنا لهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم على أنه قد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام كالشيطان الذي رآه أبو هريره رضى الله عنه حين أمره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ الصدقة، وكذا أبي بن كعب رضي الله عنه، وحديث خالد بن الوليد رضي الله عنه في شيطان العزي معروف في السير، وكذا حديث سواد بن قارب رضى الله عنه في إرشاد رئيه من الجن له، وكذا خطر ابن مالك رضي الله عنه في مثل ذلك وغيرهما، وفي شرحي لنظمي للسيرة كثير من ذلك، وكذا حديث العفريت الذي تفلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشعلة من نار ليقطع عليه صلاته فأخزاه الله وأمكن منه رسول الله، وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح مربوطاً بسارية المسجد يتلعب به ولدان أهل

المدينة» قال أبو حيان: إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة كما أن الملائكة عليهم السلام تبدو في صور كحديث جبريل عليه السلام.

28

ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى فقال: {وإذا فعلوا فاحشة} أي أمراً بالغاً في القبح كالشرك وكشف العورة في الطواف {قالوا} معللين لارتكابهم إياها {وجدنا عليها} أي فاحشة {آباءنا} ولما كانت هذه العلة ظاهراً عارها بيناً عوارها، ضموا إليها افتراء ما يصلح للعلية، فقالوا معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من جلاله وعظمته وكماله: {والله أمرنا بها} . ولما كانت العلة الأولى ملغاة، وكان العلم ببطلانها بديهياً، لأن من المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم؛ أعرض عنها إشارة إلى ذلك، وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك الأعلى مع ادعائهم أنهم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأشدهم تحرياً بقوله: {قل إن الله} أي الذي له الكمال كله {لا يأمر بالفحشاء} أي بشيء من هذا الجنس. ولما كان الكذب قبيحاً في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقاً، فكيف به على كبير منهم فكيف إذا كان على أعظم العظماء! قال منكراً عليهم موبخاً لهم مهدداً: {أتقولون على الله} أي الذي له جميع العظمة {ما لا تعلمون*} لأنكم لم تسمعوا ذلك عن الله بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي من الأنبياء عليهم السلام، وفيه

تهديد شديد على الجهل والقول على الله بالظن. لما كان تعليلهم بأمر الله مقتضياً لأنه إذا أمر بشيء أتبع، أمره أن يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيداً بجازم النقل فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف {أمر ربي} المحسن إليّ بالتكليف بمحاسن الأعمال، التي تدعو إليها الهمم العوال {بالقسط} وهو الأمر الوسط بين ما فحش في الإفراط صاعداً عن الحد، وفي التفريط هابطاً منه؛ ولما كان التقدير: فأقسطوا اتباعاً لما أمر به، أو كان القسط مصدراً ينحل إلى: أن أقسطوا، عطف عليه {وأقيموا وجوهكم} مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور {عند كل مسجد} أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه، ولا يتقيدن أحد بمكان ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة: أذهب فأصلي في مسجدي {وادعوه} عند ذلك كله دعاء عبادة {مخلصين له الدين*} أي لا تشركوا به شيئاً. ولما كان المعنى: فإن من لم يفعل ذلك عذبه بعد إعادته له بعد الموت، ترجمه مستدلاً عليه بقوله معللاً: {كما بدأكم} أي في النشأة الأولى فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد الموت فأنتم {تعودون*} حال كونكم فريقين: {فريقاً هدى} أي خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية {وفريقاً} أضل، ثم فسر أضل - لأنه واجب التقدير بالنصب - بقوله: {حق} أي ثبت ووجب {عليهم الضلالة} أي لأنه أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من الأديان، والأبدان، وقد تبين أن ههنا

احتباكين: أثبت في أولهما بدا دليلاً على حذف يعيد وذكر تعودون دليلاً على حذف تبتدئون، وأثبت في الثاني هدى دليلاً على حذف أضل وذكر حقوق الضلالة دليلاً على حذف حقوق الهدى. ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو إليه الحكمة في تقرير ما ينكره المخاطب تأنيساً له به وكسراً لشوكته وإيهاناً لقوته وقمعاً لسورته إلى أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها تخرجون {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} [الأعراف: 6] علل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها أي وجوب وبالها عليهم بقوله: {إنهم اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم ضد ما دعتهم إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا {الشياطين أولياء} أي أقرباء وأنصاراً {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا مثل له {ويحسبون} أي والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم {أنهم مهتدون*} فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - بالظنون. ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبراً عنه بلفظ الزينة ترغيباً فيه وإذناً في الزينة وبياناً لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه» رواه أحمد والترمذي

وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكرراً النداء استعطافاً وإظهاراً لعظيم الإشفاق وتذكيراً بقصة أبيهم آدم عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر: {يا بني آدم} أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة {خذوا زينتكم} أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة {عند كل مسجد} وأكد ذلك كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة. ولما امر بكسوة الظاهر بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: {وكلوا واشربوا} وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك. ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: {ولا تسرفوا} بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس، وأما الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف، ثم علل ذلك بقوله: {إنه لا يحب المسرفين*}

أي لا يكرمهم، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» و «وما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن» و «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» أخرجه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال الأطباء، الأمعاء سبعة، فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شعباً فيملأ الأمعاء السبعة، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معى واحد، وذلك سبع بطنه، وإليه الإشارة بلقيمات، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الاية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف، يقولون: لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها، ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يارسول الله! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت.

32

ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه ديناً يستعظمون تركه، لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا، والتوسع

فيها مما ينبغي الزهد فيه كما دعا إليه كثير من الآيات، أكد سبحانه الإذن في ذلك بالإنكار على من حرمه، فقال منكراً عليهم إعلاماً بأن الزهد الممدوح ما كان مع صحة الاعتقاد في الحلال والحرام، وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين بتحليل حرام أو عكسه فهو مذموم: {قل} منكراً موبخاً {من حرم زينة الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {التي أخرج لعباده} أي ليتمتعوا بها من الثياب والمعادن وغيرها. ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عم غيرها من المراكب وغيرها، أتبعها المآكل والمشارب فقال: {والطيبات} أي من الحلال المستلذ {من الرزق} كالبحائر والسوائب ونحوها؛ ولما كان معنى الإنكار: لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكاً بالآيات المنفرة عن الدينا المهونة لشأنها مطلقاً فضلاً عن زينة وطيبات الرزق، قال مستأنفاً لجواب من يقول: لمن؟ : {قل هي} أي الزينة والطيبات {للذين آمنوا} وعبر بهذه العبارة ولم يقل: ولغيرهم، تنبيهاً على أنها لهم بالاصالة {في الحياة الدنيا} وأما الكفار فهم تابعون لهم في التمتع بها وإن كانت لهم أكثر، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا {خالصة} أي لا يشاركهم فيها أحد، هذا على قراءة نافع بالرفع، والتقدير على قراءة غيره: حال كونها خالصة {يوم القيامة} وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها بعد تأكيد ومحو الشكوك، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به

إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ولا هي أكبر همه، وأما كونها ينتفع بها فيما أذن الله فيه وهي محقورة غير مهتم بها فذلك من المحاسن. ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني، أتبعه تعالى قوله جواباً لمن يقول: إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره هكذا؟ {كذلك} أي مثل هذا التفصيل البديع {نفصل الآيات} أي نبين أحكامها ونميز بعض المشبهات من بعض {لقوم يعلمون*} أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح. ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر ذلك تقرراً نزع من النفوس ما كانت ألفته من خلافه، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده؛ كان كأنه قيل: فماذا حرم الله الذي ليس التحريم إلا إليه؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ذلك ويزيدهم بأنه لم يحرم غيره فقال: {قل إنما حرم ربي} أي المحسن إليّ بجعل ديني أحسن الأديان {الفواحش} أي كل فرد منها وهي ما زاد قبحه؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير مراد بالنهي قال: {ما ظهر منها} بين الناس {وما بطن} . ولما كان هذا خاصاً بما عظمت شناعته قال: {والإثم} أي

مطلق الذنب الذي يوجب الجزاء، فإن الإثم الذنب والجزاء؛ ولما كان البغي زائد القبح مخصوصاً بأنه من أسرع الذنوب عقوبة، خصة بالذكر فقال: {والبغي} وهو الاستعلاء على الغير ظلماً، ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب، حقق معناه العرفي الشرعي فقال: {بغير الحق} أي الكامل الذي ليس فيه شائبة باطل، فمتى كان فيه شائة باطل كان بغياً، ولعله يخرج العلو بالحق بالانتصار من الباغي فإنه حق كامل الحقية، وتكون تسميته بغياً على طريق المشاكلة تنفيراً - بإدخاله تحت اسم البغي - من تعاطيه وندباً إلى العفو كما تقدم مثله في {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} [النساء: 148] ويمكن أن يكون تقييده تأكيداً لمنعه بأنه لا يتصور إلا موصوفاً بأنه بغير الحق كما قال تخصيصاً وتنصيصاً تنبيهاً على شدة الشناعة: {وأن تشركوا بالله} أي الذي اختص بصفات الكمال {ما لم ينزل به سلطاناً} فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكاً إلا وهو مما لم ينزل به الله سلطاناً بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان، ولعله إنما قيده بذلك إرشاداً إلى أن أصول الدين لا يجوز اعتمادها إلا بقاطع فكيف بأعظمها وهو التوحيد! ولذلك عقبه بقوله: {وأن} أي وحرم أن {تقولوا على الله} أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له و {ما لا تعلمون*} أي ما ليس لكم به علم بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا.

ولما تقدم أن الناس فريقان: مهتد وضال، وتكرر ذم الضال باجترائه على الله بفعل ما منعه منه وترك ما أمره به، وكانت العادة المستمرة للملوك أنهم لا يمهلون من تتكرر مخالفته لهم؛ كان كأنه قيل: فلم يهلك من يخالفه؟ فقيل وعظاً وتحذيراً: إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم، ولا يفعلون شيئاً منه إلا بإرادته، فسواء عندهم بقاؤهم وهلاكهم، إنما يستعجل من يخاف الفوت أو يخشى الضرر، ولهم أجل لا بد من استيفائه، وليس ذلك خاصاً بهم بل {ولكل أمة أجل} وهو عطف على {فيها تحيون وفيها تموتون} [الأعراف: 25] {فإذا جاء أجلهم} . ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل، وكان قطع رجائهم من من جملة عذابهم، قدمه فقال: {لا يستأخرون} أي عن الأجل {ساعة} عبر بها والمراد أقل ما يمكن لأنها أقل الأوقات في الاستعمال في العرف، ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها قوله: {ولا يستقدمون*} أي على الأجل المحتوم، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم، لم يتجدد له علم، لم يكن يتجدد شيء من أحوالهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] وتكون الآية معلمة بأنهم سيتناسلون فيكثرون حتى يكونوا أمماً، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت.

35

ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون بعد حين المستقر والمتاع أشد من استشرافها إلى هذا لكونه أخفى منه، فهو أبعد من خطوره في البال؛ قدم قوله: {قال فيها تحيون} [الأعراف: 25] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم {أنزلنا عليكم لباساً} [الأعراف: 26] ثم ما بعده حتى كان الأنسب بهذه الاية هذا الموضع فنظمت فيه. ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات المقصد الأول من مقاصد هذه السورة كقوله تعالى {كتاب أنزل إليك} [الأعراف: 2] و {لتنذر} [الأعراف: 2] و {اتبعوا ما أنزل إليكم} [الأعراف: 3] وقوله {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} [الأعراف: 6] وقوله {قل أمر ربي بالقسط} [الأعراف: 29] ، {إنما حرم ربي الفواحش} [الأعراف: 33] والتحذير من الشياطين بقوله {ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] وبقوله {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] ، {لا يفتننكم الشيطان} [الأعراف: 27] وغيره، فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل، وختم ذلك بالأحل حثاً على العمل في أيام المهلة؛ أتبع ذلك قوله حاثاً على التعلق بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت بحادث الموت ببيان الجزاء لمن احسن الاتباع في الدارين {يا بني آدم} . ولما كان له سبحانه أن يعذب من خالف داعي العقل من غير إرسال رسول، وكان إرسال الرسل جائزاً له وفضلاً منه سبحانه إذ

لا يوجب عليه، أشار إلى ذلك بحرف الشك فقال: {إما} هي إن، الشرطية وصلت بها ما تأكيداً {يأتينكم رسل} ولما كانت زيادة الخبرة بالرسول أقطع للعذر وأقوى في الحجة قال: {منكم} أي من نوعكم من عند ربكم. ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 7] ويأتي في {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} [الأعراف: 52] وغيرها، كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما تقدم في الأنعام - أليق فقال: {يقصون عليكم آياتي} أي يتابعون ذكرها لكم على وجه مقطوع به، ويتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من الأصول. ولما كان لقاء الرسل حتماً والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا بالاستناد إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل، ربط الجزاء بالفاء فقال: {فمن اتقى} أي خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم {وأصلح} أي عمل صالحاً باقتفاء آثارهم {فلا خوف} أي غالب {عليهم} أي بسبب ذلك من شيء يتوقعونه {ولا هم} أي بضمائرهم {يحزنون*} أي يتجدد لهم في وقت ما حزن على شيء فاتهم، لأن الله يعطيهم ما يقر به أعينهم، وكأنه غاية في التعبير لأن إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما خوف.

ولما ذكر المصدق، أتبعه المكذب فقال {والذين كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ولما كان التكذيب قد يكون عن شبهة أو نوع من العذر، نفى ذلك بقوله: {واستكبروا عنها} أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له عظيم الرغبة فيه، متجاوزين عنها إلى أضداد ما دعت إليه. ولما ذلك ليس سبباً حقيقياً للتعذيب، وإنما هو كاشف عمن ذرأه الله لجهنم لإقامة الحجة عليه، أعري عن الفاء قوله: {أولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب النار} ولما كان صاحب الشيء هو الملازم له المعروف به، قال مصرحاً بذلك: {هم} أي خاصة ليخرج العاصي من غير تكذيب ولا استكبار {فيها} أي النار خاصة، وهي تصدق بكل طبقة من طبقاتها {خالدون*} فقد تبين أن إثبات الفاء أولاً للترغيب في الاتباع، وتركها ثانياً للترهيب من شكاسة الطباع، فالمقام في الموضعين خطر، ولعل من فوائده الإشارة إلى أنه إذا بعث رسول وجب على كل من سمع به أن يقصده لتحرير أمره، فإذا بان له صدقه تبعه، وإن تخلف عن ذلك كان مكذباً - الله الموفق. ولما كان تكذيب الرسل تارة يكون بشرع شيء لم يشرعوه،

وتارة برد ما شرعوه قولاً وفعلاً، وأخبر أن المكذبين أهل النار، علل ذلك بقوله: {فمن أظلم} أي أشنع ظلماً {ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعلى {كذباً} أي كمن شرع في المطاعم والملابس غير ما شرع، أو ادعى أنه يوحي إليه فحكم بوجود ما لم يوجد {أو كذب بآياته} أي برد ما أخبر به الرسل فحكم بإنكار ما وجد. ولما كان الجواب: لا أحد أظلم من هذا، بل هو أظلم الناس، وكان مما علم أن الظالم مستحق للعقوبة فكيف بالأظلم قال: {أولئك} أي البعداء من الحضرات الربانية {ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي الذي كتب حين نفخ الروح أو من الآجال التي ضربها سبحانه لهم والأرزاق التي قسمها، تأكيداً لرد اعتراض من قال: إن كنا خالفنا فما له لا يهلكنا؟ ثم غَيَّي نيل النصيب بقوله: {حتى إذا جاءتهم رسلنا} أي الذين قسمنا لهم من عظمتنا ما شئنا حال كونهم {يتوفونهم} أي يقبضون أرواحهم كاملة من جميع أبدانهم {قالوا أين ما كنتم} عناداً كمن هو في جبلته {تدعون} أي دعاء عبادة {من دون الله} أي تزعمون أنهم واسطة لكم عند الملك الأعظم وتدعونهم حال كونكم معرضين عن الله، ادعوهم الآن ليمنعوكم من عذاب الهوان الذي نذيقكم {قالوا ضلوا} أي غابوا {عنا} فلا ناصر لنا.

ولما كان الإله لا يغيب فعلموا ضلالهم بغيبتهم عنهم، قال مترجماً عن ذلك: {وشهدوا على أنفسهم} أي بالغوا في الاعتراف {أنهم كانوا كافرين*} أي ساترين عناداً لما كشف لهم عنه نور العقل فلا مانع منه إلا حظوظ النفوس ولزوم البؤس.

38

ولما كان كأنه قيل: لقد اعترفوا، والاعتراف - كما قيل - إنصاف، فهل ينفعهم؟ قيل: هيهات! فات محله بفوات دار العمل لا جرم! {قال} أي الذي جعل الله إليه أمرهم {ادخلوا} كائنين {في أمم} أي في جملة جماعات وفرق أم بعضها بعضاً؛ ثم وصفهم دالاً بتاء التأنيث على ضعف عقولهم فقال: {قد خلت} ولما كان في الزمن الماضي من آمن، أدخل الجار فقال {من قبلكم} ولما كان الجن الأصل في الإغواء قدمهم فقال: {من الجن والإنس} ثم ذكر محل الدخول فقال: {في النار} . ولما جرت عادة الرفاق بأنهم يتكالمون وحين الاجتماع يتسالمون تشوف السامع إلى حالهم في ذلك فقال مجيباً له: {كلما دخلت أمة} أي منهم في النار {لعنت أختها} أي القريبة منها في الدين والملة التي قضيت آثارها واتبعت منارها، يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا، واستمر ذلك منهم {حتى إذا اداركوا} اي تداركوا وتلاحقوا، يركب بعضهم بعضاً - بما يشير إليه الإدغام {فيها جميعاً} لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة {قالت أخراهم} أي في الزمن

والمنزلة، وهم الأتباع والسفل {لأولاهم} أي لأجلهم مخاطبين لله خطاب المخلصين {ربنا} أي الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على ما كان منا من مقابلة إحسانه بالإساءة {هؤلاء} أي الأولون {أضلونا} أي لكونهم أول من سن الضلال {فآتهم} أي أذقهم بسبب ذلك {عذاباً ضعفاً} أي يكون بقدر عذاب غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال، «ومن سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» ومنه «لا تقتل نفس ظلماً إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها» لأنه أول من سن القتل، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم: {من النار*} . ولما كان كأنه قيل: لقد قالوا ما له وجه، فبم أجيبوا؟ قيل: {قال} أي جواباً لهم {لكل} أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع {ضعف} وإن لم يكن الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان سبباً لضلال التابع فالتابع أيضاً كان سبباً لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته بالاتباع وتأييده بالمناضله عنه والدفاع؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم الضعف لسبب هذه الدقيقة قال: {ولكن لا تعلمون*} أي بذلك. ولما ذكر ملام الآخرين على الأولين، عطف عليه جواب الأولين فقال: {وقالت أولاهم} أي أولى الفرق والأمم {لأخراهم} مسببين

عن تأسيسهم لهم الضلال ودعائهم إليه {فما كان لكم علينا} أي بسبب انقيادكم لنا واتباعكم في الضلال {من فضل} أي لنحمل عنكم بسببه شيئاً من العذاب لأنه لم يعد علينا من ضلالكم نفع وقد شاركتمونا في الكفر {فذوقوا} أي بسبب ذلك {العذاب} في سجين {بما} اي بسبب ما {كنتم تكسبون*} لا بسبب اتباعكم لنا في الكفر.

40

ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص، أخبر أن هؤلاء ليسوا كذلك، لأنهم أنجاس فليسوا أهلاً لمواطن الأقداس، فقال مستأنفاً لجواب من كأنه قال: أما لهؤلاء خلاص؟ وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف: {إن الذين كذبوا بآياتنا} أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا {واستكبروا عنها} أي وأوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها {لا تفتح لهم} أي لصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا أرواحهم ولا لنزول البركات عليهم {أبواب السماء} لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين {ولا يدخلون الجنة} أي التي هي أطهر المنازل وأشرفها {حتى} يكون ما لا يكون بأن {يلج} أي يدخل ويجوز {الجمل} على كبره {في سم} أي في خرق {الخياط} أي

الإبرة اي حتى يكون ما لا يكون، إذاً فهو تعليق على محال، فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب، وسم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرق الإبرة، ومنه الماهر الخريت للدليل الذي يهتدي في المضايق المشبهة بأخراق الإبر؛ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة - استجهالاً للسائل وإشارة إلى طلب معنى آخر غير هذا الظاهر تكلف. ولما كان هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين أيضاً فقال: {وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة محال عادة {نجزي المجرمين*} أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل وإن كانوا أذناباً مقلدين للمستكبرين المكذبين؛ ثم فسر جزاء الكل فقال: {لهم من جهنم مهاد} أي فرش من تحتهم، جمع مهد، ولعله لم يذكره لأن المهاد كالصريخ فيه {ومن فوقهم غواش} أي أغطية - جمع غاشية - تغشيهم من جهنم؛ وصرح في هذا بالفوقية لأن الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال، أو كانت بمعنى مجرد الوصول والإدراك، ولعله إنما حذف الأول لأن الآية من الاحتباك، فذكر جهنم أولاً دليلاً على إرادتها ثانياً، وذكر الفوق ثانياً دليلاً على إرادة التحت أولاً.

ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل، قال عاماً لجميع أنواع الضلال: {وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء {نجزي الظالمين*} ليعرف أن المدار على الوصف، والمجرم: المذنب ومادته ترجع إلى القطع، والظالم: الواضع للشيء في غير موضعه كفعل من يمشي في الظلام، يجوز أن يكون نبه سبحانه بتغاير الأوصاف على تلازمها، فمن كان ظالماً لزمه الإجرام والتكذيب والاستكبار وبالعكس. ولما أخبر عن أحوالهم ترهيباً، أتبعه الإخبار عن أحوال المؤمنين ترغيباً فقال {والذين آمنوا} في مقابلة {الذين كذبوا} . ولما قال: {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم في مقابلة {الذين استكبروا} {الصالحات} وكان ذلك مظنة لتوهم أن عمل جميع الصالحات - لأنه جمع محلى بالألف واللام - شرط في دخول الجنة؛ خلل ذلك بجملة اعتراضية تدل على التخفيف فقال: {لا نكلف نفساً إلا وسعها} وترغيباً في اكتساب مالا يوصف من النعيم بما هو في الوسع {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب الجنة} ولما كانت الصحبة تدل على الدوام، صرح به فقال: {هم فيها خالدون} .

43

ولما كانت الدار لا تطيب إلا بحسن الجوار قال: {ونزعنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء {ما} كان في الدنيا {في صدورهم من غل} أي ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل، أي يدخل بلطف إلى صميم القلب، ومن الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال: غل في الشيء وتغلغل فيه - إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد، حتى أن صاحب الدرجة السافلة لا يحسد صاحب العالية. ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلاّ بطيب القرار باحكام الدار، وكان الماء سبب العمارة وطيب المنازل، وكان الجاري منه أعم نفعاً وأشد استجلاباً للسرور قال تعالى {تجري من} وأشار إلى علوهم بقوله: {تحتهم الأنهار} فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون عنه الرياض والأشجار وكل ما به حسن الدار، أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب للزيادة بقوله: {وقالوا الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال {لله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة لذاته لا لشيء آخر؛ ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له لأوصافه أيضاً، فقالوا معلمين أنه لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في الأولى

والأخرى: {الذي هدانا} أي بالبيان والتوفيق، وأوقعوا الهداية على ما وصلوا إليه إطلاقاً للمسبب على السبب {لهذا} أي للعمل الذي أوصلنا إليه {وما} أي والحال أنا ما {كنا لنهتدي} أصلاً لبناء جبلاتنا على خلاف ذلك {لولا أن هدانا الله} أي الذي له الأمر كله، وقراءة ابن عامر بغير واو على أن الجملة موضحة لما قلبها، والقراءتان دامغتان للقدرية. ولما كان تصديقهم للرسل في الدنيا إيماناً بالغيب من باب علم اليقين، أخبروا في الآخرة بما وصلوا إليه من عين اليقين سروراً وتبججاً لا تعبداً، وثناء على الرسل ومن أرسلهم بقولهم مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله: {لقد جاءت رسل ربنا} أي المحسن إلينا {بالحق} أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي لا زوال له. ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله، عطف على قولهم قوله مانّاً عليهم بقبول أعمالهم، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {ونودوا} أي إتماماً لنعيمهم {أن} هي المخففة من الثقيلة أو هي المفسرة {تلكم الجنة} العالية {أورثتموها} أي صارت إليكم من غير تعب ولا منازع {بما} أي بسبب ما {كنتم تعملون*} لأنه سبحانه جعله سبباً

ظاهرياً بكرمه، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم من توفيقه. ولما استقرت بهم الدار، ونودوا بدوام الاستقرار، أخبر سبحانه أنهم أقبلوا متبججين على أهل النار شامتين بهم في إحلالهم دار البوار تلذيذاً لأنفسهم بالنعيم وتكديراً على الأشقياء في قوله: {ونادى أصحاب الجنة} أي بعد دخول كل من الفريقين إلى داره {أصحاب النار} يخبرونهم بما أسبغ عليهم من النعم، ويقررونهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم؛ ثم فسر ما وقع له النداء بقوله: {أن} أو هي مخففة من الثقيلة، وذكر حرف التوقع لأنه محله فقال: {قد وجدنا} أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان {ما وعدنا ربنا} أي المحسن إلينا في الدارين من الثواب {حقاً} أي وجدنا جميع ما وعدنا ربنا لنا ولغيرنا حقاً كما كنا نعتقد {فهل وجدتم} أي كذلك {ما وعد} وأثبت المفعول الأول تلذيذاً، وحذفه هنا احتقاراً للمخاطبين، وليشمل ما للفريقين فيكون وجد بمعنى العلم وبمعنى اللقى، وفي التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك تهكم بهم {ربكم} أي الذي أحسن إليكم فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب {حقاً} لكونكم وجدتم ما توعدكم به ربكم حقاً {قالوا نعم} أي قد وجدنا ذلك

كله حقاً؛ قال سيبويه: نعم عِدَة، أي في جواب: أتعطيني كذا، وتصديق في مثل قد كان كذا، والآية من الاحتباك: أثبت المفعول الثاني أولاً دليلاً على حذف مثله ثانياً، وحذفه ثانياً دليلاً على إثبات مثله أولاً - والله أعلم. ولما حبوا من النعم بما تقدم، وكان منه الجار الحسن، وكان العيش مع ذلك لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء، أخبروا ببعده وزيدوا سروراً بإهانته في قوله: {فأذن} أي بسبب ما أقر به أهل النار على انفسهم {مؤذن بينهم} أي بين الفريقين {أن} مخففه أو مفسرة في قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم، وشددها الباقون ونصبوا {لعنة الله} أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على وجه الغضب {على الظالمين*} أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نوراً أصلاً {الذين يصدون} أي لهم فعل الصد لمن أراد الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب والإرهاب والمكر والخداع {عن سبيل الله} أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له الواضح الواسع {ويبغونها} أي يطلبون لها {عوجاً} بإلقاء الشكوك والشيهات، وقد تقدم ما فيه في آل عمران {وهم بالآخرة كافرون*} أي ساترون ما ظهر لعقولهم من دلائلها؛ فمتى وجدت هذه الصفات الأربع حقت اللعنة {وبينهما} أي وحال الفريقين عند هذه المناداة أنه بينهما أو بين الدارين {حجاب} أي سور لئلا يجد أهل

النعيم في دارهم ما يكدر نعيمها {وعلى الأعراف} جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه يكون أعرف مما انخفض، وهي المشرفات من ذلك الحجاب {رجال} استوت حسناتهم وسيئاتهم فوفقوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته كما جاء مفسراً في مسند ابن أبي خثيمة من حديث جابر رضى الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يعرفون كلاًّ} أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار قبل دخول كل منهم داره {بسيماهم} أي علامتهم {ونادوا} أي أصحاب الأعراف {أصحاب الجنة} أي بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها {أن سلام عليكم} أي سلامة وأمن من كل ضار. ولما كان هذا السلام ربما أشعر أنه بعد دخول أهل الأعراف الجنة، فكأنه قيل أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ودخولها؟ فقيل لا، {لم يدخلوها} أي الجنة بعد {وهم} أي والحال أنهم {يطمعون*} في دخولها، وعبر بالطمع لأنه لا سبب للعباد إلى الله من أنفسهم وإن كانت لهم أعمال فضلاً عن هؤلاء الذين لا أعمال لهم.

47

ولما دل ما تقدم على أنهم مقبلون على الجنة وأهلها، قال مرغباً مرهباً: {وإذا صرفت} بناه للمفعول لأن المخيف لهم الصرف لا كونه من معين {أبصارهم} أي صرفها صارف من قبل الله بغير اختيار منهم {تلقاء} أي وجاه {أصحاب النار} أي بعد استقرارهم فيها فرأوا ما فيها من العذاب {قالوا} أي أصحاب الأعراف حال كونهم لم يدخلوها

وهم يخافون مستعيذين منها {ربنا} أي أيها المحسن إلينا في الدنيا بكل إحسان وفي الآخرة بكونك لم تدخلنا إلى هذا الوقت إلى النار {لا تجعلنا مع القوم الظالمين*} بأن تدخلنا مدخلهم. ولما تقدم كلامهم لأهل الجنة بالسلام، أخبر أنهم يكلمون أهل النار بالتوبيخ والملام فقال: {ونادى} وأظهر الفاعل لئلا يلبس بأهل الجنة فقال {أصحاب الأعراف} أي الحال صرف وجوهم إلى جهة أهل النار {رجالاً} أي من أهل النار {يعرفونهم} أي بأعيانهم، وأما معرفتهم إجمالاً فتقدم، وإنما قال هنا: {بسيماهم} لأن النار قد أكلتهم وغيرت معالمهم مع تغيرهم بالسمن وسواد الوجوه وعظم الجثث ونحوه {قالوا} نفياً أو استفهاماً توبيخاً وتقريعاً {ما أغنى عنكم جمعكم} أي للمال والرجال {وما كنتم تستكبرون*} أي تجددون بهما هذه الصفة وتوجدونها دائماً في الدنيا زاعمين أنه لا غالب لكم؛ ثم زادوا في توبيخهم وتقريعهم وتحزينهم وتأسيفهم والإنكار عليهم بقولهم مشيرين إلى ناس كانوا يستضعفونهم من أهل الجنة ويحقرونهم: {أهؤلاء} وكأنه يكشف لهم عنهم حتى يروهم زيادة في عذابهم {الذين أقسمتم} أي في الدنيا {لا ينالهم الله} أي الذي له صفات الكمال {برحمة} فكيف بكمال الرحمة. ولما كان التصريح بأمرهم بدخول الجنة إنكاء لأهل النار لأنه أنفى

لما أقسموا عليه، قالوا: {ادخلوا} أي قال الله لهم أو قائل من قبله ادخلوا {الجنة لا خوف عليكم} أي من شيء يمكن توقع أذاه {ولا أنتم تحزنون*} أي يتجدد لكم حزن في وقت من الأوقات على شيء فات لما عندكم من الخيرات التي لا تدخل تحت الوصف. ولما تقدم نداء أصحاب الجنة عندما حصل لهم السرور بدخولها لأصحاب النار بما يؤلم وينكي، وختم بهذه الرحمة التي تطمع المحروم فيما يسر ويزكي، أخبر أن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة عندما حصل لهم من الغم بدخولها، لكن بما شأنه أن يرقق ويبكي، فقال ما يدل على أن عندهم كل ما نفي عن أهل الجنة في ختام الأية السالفة من الخوف والحزن: {ونادى أصحاب النار} أي بعد الاستقرار {أصحاب الجنة} بعد أن عرفهم إياهم وأمر الجنة فتزخزفت فكان ذلك زيادة في عذابهم؛ ثم فسر المنادى به فقال {أن أفيضوا علينا من الماء} أي لأنكم أعلى منا، فإذا أفضتموه وصل إلينا، وهذا من فرط ما هم فيه من البلاء، فإن بين النار والجنة أهوية لا قرار لها ولا يمكن وصول شيء من الدارين إلى الأخرى معها. ولما كانت الإفاضة تتضمن الإنزال قالوا: {أو} أي أو أنزلوا علينا {مما رزقكم الله} أي الذي له الغنى المطلق، من أيّ شيء هان عليكم إنزاله {قالوا} أي أصحاب الجنة {إن الله} أي الذي حاز

جميع العظمة {حرمهما} أي منعهما بتلك الأهوية وغيرها من الموانع {على الكافرين*} أي الساترين لما دلهم عليه قويم العقل وصريح النقل {الذين اتخذوا} أي تكلفوا غير ما دلهم عليه العقل الفطري حين نبه بالعقل الشرعي بأن أخذوا {دينهم} بعد ما محقوا صورته وحقيقته كما يمحق الطين إذا اتخذته خزفاً فصار الدين {لهواً} أي اشتغالاً بما من شأنه أن يغفل وينسى عن كل ما ينفع من الأمور المعجبة للنفس من غير نظر في عاقبة، فجوزوا من جنس عملهم بأن لم ينظر لهم في إصلاح العاقبة. ولما قدم ما هو أدعى إلى الاجتماع على الباطل الذي هو ضد مقصود السورة من الاجتماع على الجد وأدعى إلى الغفلة، وكان من شأن الغفلة عن الخير أن تجر إلى استجلاب الأفراح والانهماك في الهوى، حقق ذلك بقوله: {ولعباً} أي إقبالاً على ما يجلب السرور ويقطع الوقت الحاضربالغرور، ولذلك أتبعه قوله: {وغرتهم} أي في فعل ذلك {الحياة الدنيا} أي بما فيها من الأعراض الزائلة من تأميل طول العمر والبسط في الرزق ورغد العيش حتى صاروا بذلك محجوبين عن نظر معانيها وعما دعا إليه تعالى من الإعراض عنها فلم يحسبوا حساب ما وراءها. ولما كان تركهم من رحمته سبحانه مؤبداً، أسقط الجار {فاليوم} أي فتسبب عن ذلك أن في هذا اليوم {ننساهم}

أي نتركهم ترك المنسي {كما} فعلوا هم بأنفسهم بأن {نسوا} أي تركوا {لقاء يومهم هذا} فلم يعدوا له عدته {وما} أي وكما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبها إلينا {يجحدون*} أي ينكرون وهم يعرفون حقيقتها لأنها في غاية الظهور.

52

ولما ذكر نسيانهم وجحودهم، ذكر حالهم عند ذلك فقال: {ولقد} أي فعلوا ذلك والحال أنا وعزتنا قد {جئناهم} أي على عظمتنا بإتيان رسولنا إليهم عنا {بكتاب} ليس هو موضعاً للجحد أصلاً؛ ثم بين ذلك في سياق مرغب للمؤالف مرهب للمخالف فقال: {فصلناه} أي بينا معاينة لم ندع فيها لبساً، وجعلنا لآياته فواصل حال كون ذلك التفصيل {على علم} أي عظيم، فجاء معجزاً في نظمه ومعناه وسائر علمه ومغزاه، وحال كونه {هدى} أي بياناً {ورحمة} أي إكراماً، ثم خص المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء فهو كالمعدوم في حقه فقال: {لقوم يؤمنون*} أي فيهم قابلية ذلك، وفيه رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو أحد مقاصد السورة على أبداع وجه في أحسن أسلوب. ولما وصف الكتاب وذكر المنتفع به، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا يؤمن به وهم الجاحدون، فقال مشيراً إلى أن حالهم في وقوفهم عن المتابعه بعد العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من

ينتظر أن يأتي مضمون وعيده: {هل ينظرون} أي ينتظرون، ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق إتيانه في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم {إلا تأويله} أي تصيير ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبر أنه يصير إليها. ولما كان كأنه قيل: ما يكون حالهم حينئذ؟ قال: التحسر والإذغان حيث لا ينفع، والتصديق والإيمان حين لا يقبل، وعبر عن ذلك بقوله: {يوم يأتي تأويله} أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة؛ ولما قدم اليوم اهتماماً به، أتبعه العامل فيه فقال: {يقول الذين نسوه} أي تركوه ترك المنسي، ويجوز أن يكون عد ذلك نسياناً لأنه ركز في الطباع أن كل ملك لا بد له من عرض جنده ومحاسبتهم، فلما أعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب الله عده نسياناً منهم لما ركز في طباعهم. ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق، أدخل الجار فقال {من قبل} أي قبل كشف الغطاء محققين للتصديق {قد جاءت} أي فيما سبق من الدنيا {رسل ربنا} أي المحسن إلينا {بالحق} أي المطايق لهذا الواقع الذي نراه مما كانوا يتوعدوننا به، فما صدقوا حتى رأوا

فلم يؤمنوا بالغيب ولا أوقعوا الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم. ولما وصفوه سبحانه بالإحسان لما كشف الحال عنه من حلمه وطول أناته، سببوا عن ذلك قولهم: {فهل لنا من شفعاء} أي في هذا اليوم، وكأنهم جمعوا الشفعاء لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء؛ ثم سببوا عن ذلك تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا {فيشفعوا لنا} أي سواء كانوا من شركائنا الذين كنا نتوهم فيهم النفع أو من غيرهم ليغفر لنا ما قدمنا من الجرائم {أو نرد} أي إن لم يغفر لنا إلى الدنيا التي هي دار العمل، والمعنى أنه لا سبيل لنا إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين؛ ثم سببوا عن جواب هذا الاستفهام الثاني قولهم: {فنعمل} أي في الدنيا {غير الذي كنا} أي بجبلاتنا من غير نظر عقلي {نعمل} . ولما كان من المعلوم عند من صدق القرآن وعلم مواقع ما فيه من الأخبار أنه لا يكون لهم شيء من ذلك، كانت نتيجته قوله: {قد خسروا أنفسهم} أي فلا احد أخسر منهم {وضل} أي غاب وبطل {عنهم ما كانوا} أي جبلة وطبعاً، لا يمكنهم الرجوع عنه إلا عند عند رؤية البأس {يفترون*} أي يتعمدون في الدنيا من الكذب

في أمره لقصد العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من أكاذيبهم. ولما كان مدار القرآن على تقرير الأصول الأربع: التوحيد والنبوة والمعاد والعلم، وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأوليائه وأعدائه الدالة على تمام القدرة والعلم، وختم بأن شركاءهم تغني عنهم، علل ذلك بأنه الرب لا غيره، في سياق دال على الوحدانية التي هي أعظم مقاصد السورة، كفيل بإظهار الحجج عليها، وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي فرغ من تقرير أحوالها بالإبداء الذي تقرر في العقول أنه أشد من الإعادة - بأدلة متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال: {إن ربكم} أي المحسن إليكم بالإيجاد من العدم وتدبير المصالح هو {الله} أي الملك الذي لا كفوء له وحده لا صنم ولا غيره؛ ثم وصفه بما حقق ذلك فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} أي على اتساعهما وعظمتهما. ولما كان ربما قال الكفار: ما له إذا كان قادراً وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله، بين أن عادته الأناه وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده، فقال: {في ستة أيام} أي في مقدارها؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمراً باهراً لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول: كيف يسع الخلق إله واحد! أشار إلى

عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال: {ثم استوى على العرش} أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذاً مستوفى مستقصى مستقلاً به لأن هذا شأن من يملك ملكاً ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه، وركز في فطرهم الأولى من نفي التشبيه منه، ويقال: فلان جلس على سرير الملك، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس، وكما يقال في ضد ذلك: فلان ثل عرشه، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل: طويل النجاد، وللكريم: عظيم الرماد. ولما كان سبحانه لا يشغله شان عن شأن، ابتدأ من التدبير هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد، فقال دالاً على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود: {يغشي} أي استوى حال كونه يغشي {الليل النهار} وقال أبو حيان: وقرأ حميد بن قيس: يغشى الليل - بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام، كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع

النهار، وقال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت، وهذا الذي قاله - من أن أبا الفتح أثبت - كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلاً عن النجاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد، هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلاً على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النجاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ {اليّل} في قراءتهم - وإن كان منصوباً- هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولاً، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في: ملكت زيداً عمراً، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى - انتهى.

ولما أخبر سبحانه أن الليل يغطي النهار، دل على أن النهار كذلك بقوله مبيناً لحال الليل {يطلبه} أي الليل يجر ويطلب النهار دائماً طلباً {حثيثاً} أي سريعاً جداً لتغطية الليل، وذلك لأن الشيء لا يكون مطلوباً إلا بعد وجوده، وإذا وجد النهار كان مغطياً لليل، لأنهما ضدان، وجود أحدهما ماح لوجود الآخر، وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق، وحركتهما بواسطة حركة العرش، ولذا ربطهما به، وهي أشد الحركات سرعة وأكملها شدة، وللشمس نوعان من الحركة: أحدهما بحسب ذاتها تتم بقطع الدرج كلها في جميع الفلك، وبسببه تحصل السنة، والثاني بحسب حركة الفلك الأعظم تتم في اليوم بليلته، والليل والهنار إنما يحصلان بسبب حركة السماء الأقصى الذي يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين، وأجاز ابن جني أن يكون {يطلبه} حالاً من النهار في قراءة الجماعة وإن كان مفعولاً، أي حال كون النهار يطلب الليل حثيثاً ليغطيه، وأن يكون حالاً منهما معاً لأن كلاًّ منهما طالب للآخر، وبهذا ينتظم ما قاله في قراءة حميد، فإن كلاً منهما يكون غاشياً للآخر، قال في كتابه المحتسب في القراءات الشواذ: ووجه صحة القراءتين

والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضاً مزيل له، وكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولاً ومفعول وإن كان فاعلاً، على أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفورة وشروقه أظهر أثراً في الاستحثاث من الليل. ولما ذكر الملوين، أتبعهما آية كل فقال: {والشمس والقمر والنجوم} أي خلقها، أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آيته خال كون الكل {مسخرات} أي للسير وغيره {بأمره} وهو إرداته وكلامه، تقودها الملائكة كما روي أن لله ملائكة يجرون الشمس والقمر. ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه، وما نعلمه من المعاني أمره، أنتج قطعاً قوله {ألا له} أي وحده، وقدم المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال: {الخلق} وهو ما كان من الإيجاد بتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي: فكل ما كان جسماً او جسمانياً كان مخصوصاً بمقدار معين فكان من عالم الخلق، فعالم الخلق بتسخيره، وعالم الأمر بتدبيره، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره {والأمر} وهو ما كان من ذلك إخراجاً من العدم من غير تسبب كالروح، وما كان حفظاً وتدبيراً بالكلام

كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية؛ وقال الرازي: كل ما كان بريئاً من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر، وعد الملائكة من عالم الأمر، فأتنج ذلك قطعاً قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر دون عليائه ذري الآفاق: {تبارك} أي ثبت ثبوتاً لا ثبوت في الحقيقة غيره اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة {الله} أي ذو الجلال والإكرام. ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال: {رب العالمين*} أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقاً وتصريفاً بأمره، وفي الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما يقول هذه الدوبية - يعني بشراً المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد! يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب، قال الله عزّ وجلّ {ألا له الخلق والأمر} فالخلق خلق الله، والأمر القرآن - انتهى. وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله {بأمره} وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته.

55

ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية، أمر بهذا المقتضى اللائق بتلك المعارف، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال: {ادعوا ربكم} أي الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع {تضرعاً} أي تذللاً

ظاهراً {وخفية} أي وتذللاً باطناً، وقد أثنى على عبده زكريا عليه السلام فقال: {إذ نادى ربه نداء خفياً} [مريم: 3] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع الباطن، أي أخلصوا له العبادة، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو اللائق بمقام عز الربوبية، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية، وهذا هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي، وهو المقصود من جميع العبادات، فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب والحاجة، ومن ربه العلم والقدرة والكفاية، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، فلهذا كان الدعاء مخ العبادة، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه، ومن فعل خلاف ذلك فقد تجاوز الحد، وإلى ذلك أوماً بتعليله بقوله: {إنه لا يحب المعتدين*} أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره، قالوا فالمعنى أن من ترك هذا لا يحبه الله، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه، فالآية من الاحتباك آخرها يدل على حذف ضده من صدرها، وصدرها يدل على أنه حذف قبل الآخر: ولا تتركوا الإخلاص تكونوا معتدين. ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضياًَ للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله: {ولا تفسدوا} أي لا تدفعوا فساداً {في الأرض} أي بالشرك والظلم، فهو منع من

إيقاع ماهية الإفساد في الوجود، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل، وهي الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال {بعد إصلاحها} والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقاً بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله {يغشي الليل النهار} [الأعراف: 54] ، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول. ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف، نفى ذلك بقوله {وادعوه خوفاً} أي من عدله؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه، عبر بالطمع فقال: {وطمعاً} أي في فضله، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلاً للرحمة {إن رحمت الله} أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبوية، فقال: {قريب} وكان الأصل منكم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {من المحسنين*} .

ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا يكون بالغيث، وهو من أجلّ أنواع الرحمة، وهو لا يكون إلا بالسحاب، وهو لا يكون إلا بالريح، قال تعالى عاطفاً على {إن ربكم الله} تنبيهاً بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد: {وهو} أي لا غيره {الذي يرسل} أي بالتحريك {الرياح} هذا في قراءة الجماعة، وأنواعها خمس: جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء، وهي كل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين، ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس {بشرا} بضمتين في قراءة أهل الحجاز والبصرة، أي منتشرة جمع نشور من النشر، وهو بسط ما كان مطوياً وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ولا بقوة فلك أو نجم لأن نسبتهما إلى الهواء واحدة {بين يدي} أي قبل {رحمته} أي المطر، ولعله عبر فيه باليدين: اليمنى واليسرى، لدلالته - مع ما فيه من الفخامة - على انه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذاباً كما كان على قوم نوح عليه السلام وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين، وتارة تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء، وتارة مفرقة مبطلة لها، وتارة تكون مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح، وتارة تكون منمية لها أو مهلكة كما يكون في الخريف، وتارة تكون طبية وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة والبرودة؛ ثم غيّ الإرسال بقوله {حتى إذا أقلت سحاباً} أي حملتها

لقلتها عندها لخفتها عليها {ثقالاً} أي بالماء؛ ولما دل على العظمة بالجمع وحقق الأمر بالوصف، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعاً كأنه قطعة واحدة، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لاختل أمره، فقال: {سقناه لبلد} أي لأجله وإليه {ميت} أي بعدم النبات {فأنزلنا} أي بما لنا من العظمة {به} أي البلد، أو بسبب ذلك السحاب {الماء} أي هذا الجنس، وأشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال {فأخرجنا به} أي بالماء {من كل الثمرات} أي الحقيقية على الأشجار، والمجازية من النبات وحبوبه، ولما كان هذا - مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلاً ثانياً في غاية الدلالة على القدرة على البعث، قال تعالى: {كذلك} أي مثل ما أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن {نخرج الموتى} أي من الأرض بعد أن صاروا تراباً {لعلكم تذكرون*} أي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجي تذكر هذه الآية المشاهدة القريبة المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام، لأنه سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن كان تغيب في الأرض وصار تراباً، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع الثمرة التي هي روحها، فهو

قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة، لأنه لا فرق بين الإخراجين.

58

ولما كانت الموت موتين: حسياً ومعنوياً - كما أشير في الأنعام في آية {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] {أو من كان ميتاً فأحييناه} [الأنعام: 122] كان كأنه قيل: لا فرق في ذلك عندما بين أموات الإيمان وأموات الأبدان، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيداً وبعضها رديئاً كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيباً وبعضها خبيثاً، فالجيد العنصر يسهل إيمانه، والخبيث الأصل يعسر إذعانه وتبعد استقامته وإيقانه {والبلد الطيب} أي الذي طابت أرضه فكانت كريمة منبتة {يخرج نباته} أي إذا نزل عليه الماء خروجاً كثيراً حسناً سهلاً غزيراً {بإذن} أي بتمكين {ربه} أي المربي له بما هيأه له، والذي طاب في الجملة ولم يصل إلى الغاية يخرج له نبات دون ذلك، والخبيث لا يخرج له نبات أصلاً بمنع ربه له {والذي خبث} أي حصلت له خباثة في جبلته بكون أرضه سبخة أو نحوها مما لا يهيئه الله تعالى للإنبات {لا يخرج} أي نباته {إلا} أي حال كونه {نكداً} أي قليلاً ضعيف المنفعة، وهو -

مع كونه دالاً على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء الأراضي في الأصل واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل المختار - مثل ضربه سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعهما للذكر من الكتاب والسنة، والآية من الاحتباك. ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع الدلالات، كان السامع جديراً بأن يقول: هل تبين جميع هذه الآيات هذه البيان؟ فقيل: {كذلك} أي نعم، مثل هذا التصريف، وهو الترديد مع اختلاف الأنحاء لاختلاف الدلالات وإبرازها في قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر: {نصرف الآيات} أي كلها؛ ولما تم ذلك على هذا المنهاج الغريب والمنوال العجيب المذكر بالنعم في أسلوب دال على التفرد وتمام القدرة، كان أنسب الأشياء ختمه بقوله مخصصاً بها المنتفع لأنها بالنسبة إلى غيرهم كأنها لم توجد: {لقوم يشكرون*} أي يوجد منهم الشكر للنعم وجوداً مستمراً فلا يشركون بل ينتفعون بما أنعم عليهم به وحده في عبادته وحده، وينظرون بعقولهم أنه أقدرهم بنعمه على ما هم عاجزون عنه، فلا يسلبون عنه شيئاً من قدرته على بعث ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم أهل معالي الأخلاق التي منها أنه ما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان.

ولما طال تهديده سبحانه لمن أصر على إفساده، ولم يرجع عن غيّه وعناده بمثل مصارع الأولين ومهالك الماضين، ونوَّع في هذه الآيات محاسن الدلالات على التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة وبراهين قاطعة وحجج ساطعة، ساق سبحانه تلك القصص دليلاً حسياً على أن في الناس الخبيث والطيب مع الكفالة في الدلالة على تمام القدرة والغيرة من الشرك على تلك الحضرة - بتفصيل أحوال من سلفت الإشارة إلى إهلاكهم وبيأن مصارعهم وأنه لم تغن عنهم قوتهم شيئاً ولا كثرتهم بقوله تعالى {وكم من قرية أهلكناها} [الأعراف: 4] وقوله {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة} [الأعراف: 34] الآية تسلية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقوية لصالحي أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بلف هي عادة الأمم السالفة، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين، ولذا كانت النقم مقصورة على الكافرين، فقال تعالى {لقد أرسلنا} أي بعظمتنا، وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكر ما تكرر من الإشارة إليه، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالباً إلا مقترنة بقد، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تاكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم {نوحاً} يعني ابن لمك بم

متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس عليه السلام، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة. ولما كان إرساله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل القبائل باختلاف اللغات قال: {إلى قومه} أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تأمل آثارهم وعرف أخبارهم، فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد، وإن كانت لمن بعدهم علم - بحكم قياس الاستقرار - أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها، ولسوق ذلك دليلاً على ما ذكر جاء مجرداً عن أدوات العطف، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض} [الأعراف: 54] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وكون نوح عليه السلام رسولاً إلى جميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في تخصيص نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعموم الرسالة، لأن معنى العموم إرساله إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن والملائكة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان. ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا

الرسول لم تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو إليه، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء بقوله {فقال يا قوم} أي فتحبب إليهم بهذه الإضافة {اعبدوا الله} أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به. ولما كان المقصود إفراده بذلك، علله بقوله مؤكداً له بإثبات الجار {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} ثم قال معللاً أو مستأنفاً مخوفاً مؤكداً لأجل تكذيبهم: {إني أخاف عليكم} في الدنيا والآخرة، ولعلة قال هنا: {عذاب يوم عظيم*} وفي هود {أليم} [هود: 26] وقال في المؤمنون {أفلا تتقون} [المؤمنون: 23] لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم - فلعله جاء على ترتيبها في النزول، لأنها مكيات، وعلى ترتيب مقال نوح عليه السلام لهم فألان لهم أولاً المقال من حيث إنه أوهم أن العظم الموصوف به {اليوم} لا بسبب العذاب بل الأمر آخر، فيصير العذاب مطلقاً يتناول أي عذاب كان ولو قل، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم أن عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه، فلما لجوا في عتوهم قال لهم قول القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له:

ألا تفعل ما أقول لك؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي. ولما تم ذلك، وكان الحال مقتضياً - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق، كان كأنه قيل: فبماذا كان جوابهم؟ فقال {قال الملأ} أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة، وتتوجه العيون في المحافل إليهم، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في التسلية، لأنها أول سورة قص فيها مثل هذا في ترييب الكتاب، ولأن من آمن به مطلقاً كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة، فكيف عند تقييدهم بالشرف! وأكد ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب بقوله: {من قومه} وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكداً ما تضمنته من البهتان لأن حالهم مكذب لهم فقالوا: {إنا لنراك} أي كل واحد منا يعتقد اعتقاداً هو في الثقة به كالرؤية أنك {في ضلال} أي خطأ وذهاب عن الصواب، هو ظرف لك محيط بك {مبين*} أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره.

61

ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح، نفى الضلال المطلق الذي هو الأعم، وبنفيه ينتفي كل أخصيّاته بل نفي أقل شيء من الضلال، فقال

تعالى مخبراً عنه {قال ياقوم} مجدداً لا ستعطافهم {ليس بي ضلالة} فنفى وحدة غير معينة، ولا يصدق ذلك إلا بنفي لكل فرد، فهو أنص من نفي المصدر، ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود، إما لأنها صفة ذم لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين: إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية بعد أن أسلم بعضهم. ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون من صفات الخلق، فقال مستدركاً - بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده: {ولكني رسول} أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال، فرد الأمر عليهم بألطف إشارة؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بياناً لرسالته فقال: {أبلغكم} وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة، أو أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة عليهما السلام فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إليّ من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع.

ولما كان الضلال من صفات الفعل، واكتفى بالجملة الفعلية الدالة على حدوث في قوله: {وأنصح} وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال: {لكم} والنصيحة: الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه، ولما كان الضلال من الجهل قال: {وأعلم من الله} أي من صفات الذي له صفات الكمال وسائر شؤونه {ما لا تعلمون*} أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء، ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال تزدادوا ضلالاً. ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم كما سيأتي في غير هذه السورة، أنكر ذلك عليهم بقولة: {أو عجبتم} أي أكذبتم وعجبتم {أن جاءكم} وضمن جاء معنى أنزل، فلذلك جعلت صلته «على» فقال: {ذكر} رسالة {من ربكم} أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلاً {على الرجل} أي كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فإنه {منكم} لقولكم: {ما سمعنا بهذا} أي إرسال البشر {في آبائنا الأولين} [المؤمنون: 24] {لينذركم} لتحذروا ما ينذركموه {ولتتقوا} أي تجعلوا بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون {ولعلكم ترحمون*} أي وليكون حالكم إذا لقيتم الله حال من ترجى

رحمته بأن يرفعه الله في الدارين. ولما نسبوه أولاً إلى الضلال وهو قد يكون خطأ عن ذهول ونحوه، فأقام لهم الدليل على أنه على الصواب، أخبر أنه لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بما لوحوا إليه أولاً بالضلال من التكذيب فقال: {فكذبوه} أي الملأ وتبعهم من دونهم؛ ولما تسبب عن تكذيبهم له تصديق الله لهم بإهلاكهم وإنجائه ومن آمن به، قال مقدماً لإنجائه اهتماماً به: {فأنجيناه} بما لنا من العظمة من أهل الأرض كلهم ومن عذابنا الذي أخذناهم به: {والذين معه} أي بصحبة الأعمال الدينية {في الفلك} وهو السفينة التي منّ الله على الناس بتعليمه عملها لتقيه من الطوفان فكانت آية ومنفعة عظيمة لمن أتى بعدهم {وأغرقنا} أي بالطوفان، وهو الماء الذي طبق ظهر الأرض فلم يبق منها موضعاً حتى أحاط به، وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للفعل بالوصف إشارة إلى أن من فعل مع الرسول شيئاً فإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما يستحقه فقال: {الذين كذبوا بآياتنا} أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به لما لها من العظمة بالنسبة إلينا، وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة وهي الأصل في التعدية، وقرنت ب {الذين} لأنه أخلص الموصولات واصرحها.

ولما أعيدت القصة في سورة يونس عليه السلام، كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة، فعدي التضعيف مع ما فيه من الأبلغية بإفهام مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم من مزيد التفويض في قوله {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} [يونس: 71] ، وتلا ب {من} ضماً للفرع إلى الفرع فإن {من} مشترك بين الوصل والشرط، وهي أيضاً قد تطلق على ما لا يعقل، فناسب ذلك الحال، وزيد هناك في وصف الناجين {وجعلناهم خلائف} [يونس: 73] نظراً إلى قوله تعالى في في أول السورة {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} [يونس: 13] ، ثم قال: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] فلوح لهم بالإهلاك إن ظلموا، ثم أشار لهم - في قصة نوح عليه السلام بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - إلى أنه تفضل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غير مهلكين. ولما افتتحت القصة بنسبتهم له إلى الضلال باطلاً، وهو ناشىء عن عمى البصيرة أو البصر، ناسب أن يقلب الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكداً لإنكارهم ذلك {إنهم كانوا} أي لما جبلتهم من العوج

{قوماً عمين*} أي مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولون، ثابت لهم ذلك، بما أشار إليه فعل دون أن يقال فاعل، وختمت القصة في يونس بقوله {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} [يونس: 73] لقوله أولها {إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري} [يونس: 71] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو كان تبشيراً لما عز عليهم. ولما كان عاد بعدهم، ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب، اتبعهم بهم مقدماً المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهم وهم بعض أهل الأرض فقال: {وإلى عاد} خاصة أرسلنا {أخاهم} أي في النسب لأنهم عنه أفهم وبحاله في الثقة والأمانة أعرف؛ ولما عطفه على نوح عليهما السلام بعد تقديم المرسل إليهم، بينه بقوله: {هوداً} بخلاف قوم نوح فإنهم كانوا جميع أهل الأرض، لأن القبائل لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحداً، ولم تفرق الألسنة إلا بعد الصرح، ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض، فكان المعنى حينئذ لا يختلف في قصته بتقديم ولا تأخير، فناسب تقديم الرسالة أو المرسل لأنه أهم. ولما وكانت قصة نوح عليه السلام أول قصص الأنبياء مع قومهم، ولم يكن للعرب عهد بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه، فأتى فيها

بالأصل «أرسلناه» فقال سياقاً واحداً إخباراً لمن هو فارغ الذهن من كل جزء من أجزائها؛ أتت قصة هود عليه السلام بعد علم السامعين بقصة نوح عليه السلام مما وقع من تبليغه لهم وردهم عليه، فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى انه هل قال لهم كما قال نوح وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ذلك؟ فأجيب سؤال المتشوف بقوله: {قال} كقوله نوح عليه السلام سواء {يا قوم} مذكراً لهم بأنه أحدهم يهمه ما يهمهم {اعبدوا الله} أي لا ستحقاقه ذلك لذاته؛ ثم علل أو استأنف بقوله: {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله غيره} ولما كانوا عارفين بما أصاب قوم نوح قال: {أفلا تتقون*} أي أفلا تجعلون بينكم وبين عذاب هذا الواحد الجبار وقاية. ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج بالترهيب، أجيب بقوله {قال الملأ} أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة، ولما كانت عاد قليلاً بالنسبة إلى قوم نوح عليه السلام، وكان قد أسلم من أشرافهم من له غنى في الجملة، قيد بقوله: {الذين كفروا} أي ستروا ما من حقه الظهور من أدلة الوحدانية، ووصفوا تسلية لهذا النبي الكريم فيما يرى من جفاء قومه بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله {من قومه} وأكدوا ما واجهوه به من الجفاء لأنهم عالمون بأن حاله في علمه وحكمه يكذبهم بقولهم: {إنا لنراك} أي لنعلمك علماً متيقناً

حتى كأنه محسوس {في سفاهة} أي مظروفاً لخفة العقل، فهي محيطة بك من جميع الجوانب، لا خلاص لك منها، فلذا أدتك إلى قول لا حقيقة له، فالتنوين للتعظيم، فإن قيل: بل للتحقير، كأنهم توقفوا في وصفه بذلك كما توقفوا في الجزم بالكذب فقالوا: {وإنا لنظنك من الكاذبين*} أي المتعمدين للكذب، وذلك لأنه كان عندهم علم من الرسل وما يأتي مخالفهم من العذاب من قصة نوح عليه السلام ولم يكن العهد بعيداً، وأما قوم نوح فجزموا بالضلال وأكدوه بكونه مبيناً، لأنه لم يكن عندهم شعور بأحوال الرسل وعذاب الأمم قبل ذلك، ولهذا قالوا {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [المؤمنون: 24] ، قيل: ليس كذلك، فقد ورد في جواب قوم نوح في سورة هود مثل هذا، وهو قوله {بل نظنكم كاذبين} [هود: 27] ؛ فإن قيل: إنما كان هذا في ثاني الحال بعد أن نصب لهم الأدلة وأقام البراهين على صحة مدعاه وثارت حظوظ الأنفس بالجدال، فإنه يبعد أن يكون قومه أجابوه بذلك أول ما دعاهم، قيل: والأمر كذلك في قصة هود عليه السلام سواء فإنه لم يقل له ذلك إلا الكفار من قومه، فتقييدهم بالوصف يدل على أنه كان فيهم من اتبعه، بل وإن متبعه كان من أشرافهم هم بالظن، وتعبير في الكذب لإرادتهم أنه يكفي في

وصفه بالسفاهة التي زعموها إقدامه على ما يحتمل معه ظنهم لكذبه، أو يكون قوله غير الحق في زعمهم مردداً بين أن يكون قاله عن تعمد أو حمله عليه ما رموه به من السفه من غير تأمل. ولما قابلوا لينته لهم وشفقته عليهم بهذه الغلطة، أعرض عن ذلك وعاملهم من الحلم بضده ما سموه به بأن {قال} معلماً الأدب في مخاطبة السفهاء {يا قوم} مذكراً بما بينهم من النسب الداعي إلى الود والمناصحة والعطف والملاطفة {ليس بي سفاهة} فنفى أن يكون به شيء من خفة حلم، فانتقى أن يكون كاذباً لأن الداعي إلى الكذب الخفة والطيش فلم يحتج إلى تخصيصه بنفي. ولما نفى السفاهة، أثبت ما يلزم منه ضدها بقوله: {ولكني رسول} وبين المرسل تعظيماً للأمر بقوله {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم بعد نعمة الإيجاد والأرزاق بإرسال الرسل إليهم ليكسبوهم معالي الأخلاق التي بها انتظام نعمة الإبقاء {أبلغكم} وجمع الرسالة لما تقدم في قصة نوح عليه السلام فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إليّ بتعليمي ما لم أكن أعلم وتأهيلي لما لم يكن في حسابي. ولما كانوا قد رموه بالسفه الذي هو من غرائز النفس لأنه ضد الحلم والرزانة، عبر عن مضمون الجملة النافية له بما يقتضي الثبات فقال: {وأنا لكم ناصح} أي لم يزل النصح من صفتي، وليس هو تكسبته بل غريزة فيّ، وقد بلوتموني فيه قبل الرسالة وإظهار هذه المقالة

دهراً دهيراً وزماناً طويلاً؛ ولما قالوا إنهم يظنون كذبه، زادهم صفة الأمانة فقال: {أمين*} .

69

ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله، وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه، أنكر عليهم ذلك ذاكراً لما ظنه حاملاً لهم ملوحاً بالعطف إلى التكذيب فقال: {أو عجبتم} أي أكذبتم وعجبتم {أن جاءكم ذكر} أي شرف وتذكير {من ربكم} أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط، منزلاً {على رجل منكم} أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما فاتكم شيء {لينذركم} أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة. ولما كان التقدير: فاحذروا، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيراً به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله: {واذكروا إذ} أي حين {جعلكم خلفاء} أي فيما أنتم فيه من الأرض، ولما كان زمنهم متراخياً بعدهم، أتى بالجار فقال: {من بعد قوم نوح} أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله {أو عجبتم} من طلب الجواب، أي أجيبوا واذكروا، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما أنعم به عليكم، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في {أفلا تتقون} ، {أو عجبتم} أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا، أو يكون العطف - وهو أحسن على {اعبدوا الله} وقوله {خلفاء}

قيل: إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الأرض، وأن عاداً إنما كانوا في قطعة منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمن، فقيل: إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض، فكأنه قيل: جعل جدكم خليفة في جميع الأرض، فلو حصل الشكر لتمت النعمة، فأطيعوا يزدكم من فضله، وقيل: إن قصة ثمود مثل ذلك، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد، فأجيب بما طرد، وهو أن عاداً لما كانوا أقوى أهل الأرض أبداناً وأعظمهم أجساداً وأشدهم خلقاً أشهرهم قبيلة وذكراً، كان سائر الناس لهم تبعاً، وكذا ثمود فيما فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتاً، وعندي أن السؤال من أصله لا يريد فإن بين قولنا: فلان خليفة فلان، وفلان خليفة من بعد فلان - من الفرق ما لا يخفي، فالمخلوف في الثاني لم يذكر، فكأنه قيل: جعلكم خلفاء لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيراً بما حل بهم من العذاب، ولهذا بعينه خص الله هذه الأمم التي وردت في القرآن بالذكر، وإلا فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار، ومعلوم

أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء: 15] وفي قصة هود في سورة الأحقاف {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} [الأحقاف: 21] ؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم، وطوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا إلا إجمالاً لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام عليهم. ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام، أتبعه التذكير بالزيادة فقال: {وزادكم} أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم {في الخلق} أي الخاص بكم {بسطة} أي في الحس بطول الأبدان والمعنى بقوة الأركان، قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً، وقيل: أكثر. ولما عظمت النعمة، كرر عليهم التذكير فقال مسبباً عن ذلك {فاذكروا آلاء الله} أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف والقوة وغيرهما، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلاً، فصار مستحقاً لأن تخصوه بالعبادة {لعلكم تفلحون*} أي ليكون حالكم حال من يرجي فلاحه وهو ظفره بجميع مراده، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة.

ولما كان هذا منه موجباً ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى الإذعان لهذه الحجة القطعية، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام، ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم، فأجيب بقوله: {قالوا} منكرين عليه معتمدين على محض التقليد {أجئتنا} أي من عند من ادعيت أنك رسوله {لنعبد الله} أي الملك الأعظم {وحده} ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار، أتبعوه ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا: {ونذر} أي نترك على غير صفة حسنة {ما كان يعبد آباؤنا} أي مواظبين على عبادته بما دلوا عليه ب «كان» وصيغة المضارع - مع الإشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم. ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك، وكان قد لوح لهم بالتذكر بقوم نوح وقوله {أفلا تتقون} إلى الأخذ إن أصروا، سببوا عن ذلك قولهم: {فأتنا} أي عاجلاً {بما تعدنا} أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب بقولهم: {إن كنت من الصادقين*} وتسميتهم للانذار بالعذاب وعداً من باب الاستهزاء. ولما كانوا قد بالغوا في السفه في هذا القول، وكان قد علم من محاورته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم الحلم عنهم، اشتد التطلع إلى ما يكون من جوابه لهذا والتوقع له، فشفى غليل هذا التشوف بقوله:

{قال قد وقع} أي حق ووجب وقرب أن يقع {عليكم من ربكم} أي الذي غربكم به تواتر إحسانه عليكم وطول إملائه لكم {رجس} أي عذاب شديد الاضطراب في تتبع أقصاكم وأدناكم موجب لشدة اضطرابكم {وغضب} أي شدة في ذلك العذاب لا تفلتون منها. ولما أخبرهم بذلك، بين لهم أن سببه كلامهم هذا في سياق الإنكار فقال: {أتجادلونني} ولما كانت آلهتهم تلك التي يجادلون فيها لا تزيد على السماء لكونها خالية من كل معنى، قال: {في أسماء} ثم بين أنه لم يسمها آلهة من يعبد به فقال: {سميتموها انتم وآباؤكم} ولما كان لله تعالى أن يفعل ما يشاء وأن يأمر بالخضوع لمن يشاء، قال نافياً التنزيل فإنه يلزم من نفي الإنزال: {ما نزل الله} أي الذي ليس الأمر إلا له {بها} أي بتعبدكم لها أو بتسميتكم إياها، وأغرق في النفي فقال: {من سلطان} ولعله أتى بصيغة التنزيل لأن التفعيل يأتي بمعنى الفعل المجدد وبمعنى الفعل بالتدريج فقصد - لأنه في سياق المجادلة وفي سورة مقصودها إنذار من أعرض عما دعا إليه هذا الكتاب النازل بالتدريج - النفي بكل اعتبار، سواء كان تجديداً أو تدريجاً وإشارة إلى أنه لو نزل عليهم في الأمر بعبادتها شيء واحد لتوقفوا فيه لعدم فهمهم لمعناه حتى يكرر عليهم الأمر فيه مرة بعد أخرى، فيعلموا أن ذلك أمر حتم لا بد منه كما فعله بنو إسرائيل في الأمر بذبح البقرة لأجل القتيل لأجل أنهم لم يعقلوا

معناه، دل ذلك قطعاً على أن الأمر لهم بعبادتها إنما هو ظلام الهوى لأنه عمى محض من شأن الإنسان ركوبه بلا دليل أصلاً. ولما أخبرهم بوقوع العذاب وسببه، بين لهم أن الوقوع ليس على ظاهرة في الإنجاز، وإنما معناه الوجوب الذي لا بد من فقال: {فانتظروا} ثم استأنف الإخبار عن حاله بقوله: {إني} وأشار بقوله: {معكم} إلى أنه لا يفارقهم لخشيته منهم ولا غيرها {من المنتظرين*} .

72

ولما كان هذا ينبغي أن يكون سبباً للتصديق الذي هو سبب الرحمة، بين أنه إنما سبب لهم العذاب، وله ولمن تبعه النجاة، فبدأ بالمؤمنين اهتماماً بشأنهم بقوله: {فأنجيناه} أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيّاً سريعاً سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين {والذين معه} أي في الطاعة، وأشار إلى أنه لا يجب على الله شيء بقوله: {برحمة} أي بإكرام وحياطة {منا} أي لا بعمل ولا غيره. ولما قدم الإنجاء اهتماماً به، أتبعه حالهم فقال معلماً بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب، فتفوتهم أواخر العساكر وشذاب الجنود والأتباع {وقطعنا} دابرهم أي آخرهم، هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر تصريحاً بالمقصود وبياناً لعلة أخذهم فقال: {دابر} أي آخر، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السلام {الذين كذبوا بآياتنا} أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة

إلينا وقوله: {وما كانوا} أي خلقاً وجبلة {مؤمنين*} عطف على صلة {الذين} وهي {كذبوا بآياتنا} وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقول {إنهم كانوا قوماً عمين} [الأعراف: 64] تعليلاً لإغراقهم، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك، لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد، فالمعنى: وما كان الإيمان من صفتهم، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم الله أنه سيؤمن، ويزيده حسناً أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا بمثل ذلك صدقاً بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل، وأيضاً فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب، ويحتمل أن تكون الجملة حالاً، والمعنى على كل تقدير: قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم. ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد، أتبعهم ثمود فقال

{وإلى ثمود} أي خاصة، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة، وهو مشتق من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، أرسلنا {أخاهم صالحاً} ثم استأنف الإخبار عن قوله - كما مضى في هود عليه السلام فقال: {قال يا قوم} مستعطفاً لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة {اعبدوا الله} أي الذي لا كمال إلا له {ما لكم} وأكد النفي بقوله: {من إله غيره} . ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم، ودعا هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة، علل صحة ما دعا إليه بقوله: {قد جاءتكم بينة} أي آية ظاهرة جداً على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم به، وزادهم رغبة بقوله: {من ربكم} أي الذي لم يزل محسناً إليكم؛ ثم استأنف بيانها بقوله: {هذه} مشيراً إليها بعد تكوينها تحقيقاً لها وتعظيماً لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله. ولما أشار إليها، سماها فقال: {ناقة الله} شرفها بالإضافة إلى الاسم الأعظم، ودل على تخصيصها بهم بقوله: {لكم} حال كونها {آية} أي لمن شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فذروها} أي اتركوها ولو على أدنى وجوه الترك {تأكل} أي من النبات و {في أرض الله} أي مما أنبت الله الذي له كل شيء

وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقاً أرضه والنبات رزقه، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بأرض دون أخرى. ولما أمرهم بتركها لذلك، أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال: {ولا تمسوها بسوء} فضلاً عما بعد المس {فيأخذكم} أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه {عذاب أليم*} أي مؤلم. ولما أمرهم ونهاهم، ذكر لهم ترغيباً مشيراً إلى ترهيب فقال: {واذكروا} أي نعمة الله عليكم {إذ جعلكم خلفاء} أي فيما أنتم فيه {من بعد عاد} أي إهلاكهم {وبوأكم في الأرض} أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ترجعون إليها وقت راحتكم، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم يسهله على غيركم، ولهذا فسر المراد بقوله: {تتخذون} أي بما لكم من الصنائع {من سهولها قصوراً} أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن {وتنحتون الجبال} أي أيّ جبل أرتم تقدرونها {بيوتاً} . ولما ذكرهم بهذه النعم مرغباً مرهباً، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسبباً عما ذكرهم به: {فاذكروا} أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة {آلاء} أي نعم {الله} أي الذي له صفات الكمال فلا حاجة

به إلى أحد، فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة {ولا تعثوا في الأرض} من العثي وهو الفساد، وهو مقلوب عن العيث - قاله ابن القطاع، وحينئذ يكون قوله: {مفسدين*} بمعنى معتمدين للفساد.

75

ولما حصل الالتفات إلى جوابهم، قيل: {قال الملأ} أي الأشراف، وبينه بقول: {الذين استكبروا} أي أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقاً فلم يؤمنوا؛ ونبه على التأسية بقوله: {من قومه} ولما قال: {للذين استضعفوا} كان ربما فهم أنهم آمنوا كلهم، فنفى ذلك بقوله مبدلاً منه: {لمن آمن منهم} أي المستضعفين، فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع الإشارة إلى أن أتباع الحق هم الضعفاء، وأنه لم يؤمن إلا بعضهم، ففيه إيماء إلى أن الضعف أجلّ النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإذعان للحق، وبناؤه للمفعول دليل على أنهم في غاية الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد {أتعلمون} أي بدؤوهم بالإنكار صداً لهم عن الإيمان {أن صالحاً} سموه باسمه جفاء وغلطة وإرهاباً للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم {مرسل من ربه} وكأنهم قالوه ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه، لأن المستكبيرين لا يتم لهم كبرهم إلا بطاعة المستضعفين. ولما عملوا ذلك منهم، أعملوهم بالمنابذة اعتماداً على الكبير المتعال

الذي يضمحل كل كبر عنده ولا يعد لأحد أمر مع أمره بأن {قالوا} منبهين لهم على غلظتهم وغلطهم في توسمهم في حالهم معبرين بما دل على العلم بذلك والإذعان له {إنا بما أرسل به} وبني للمفعول إشارة إلى تعميم التصديق وإلى أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين {مؤمنون*} أي غريقون في الإيمان به، ولذلك {قال الذين استكبروا} أي في جوابهم معبرين بما يدل على المخالفة لهم والمعاندة {إنا بالذي} ووضعوا موضع «أرسل به» - رداً لما جعلوه معلوماً وأخذوه مسلماً {آمنتم به} أي كائناً ما كان {كافرون*} ثم سبب عن قولهم قوله {فعقروا الناقة} أي التي جعلها الله لهم آية، وعبر بالعقر دون النحر لشموله كل سبب لقتلها لأن ابن إسحاق ذكر أنه اجتمع لها ناس منهم فرماها أحدهم بسهم وضرب آخر قوائمها بالسيف ونحرها آخر فأطلق اسم السبب على المسبب، ولكن قوله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} [القمر: 29] وقوله {إذا انبعث أشقاها} [الشمس: 91] وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه» قالوا: هو قدار بن سالف، جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن عقرها، ففعل فكان أشقى الأولين، وأشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه،

جعلت له قطام امرأة من بني عجل جميلة نفسها إن قتله، فالمناسبة بينهما أن كلاًّ منهما ألقى نفسه في المعصية العظمى لأجل شهوة فرجه في زواج امرأة، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أشقى الأولين عاقر الناقة» يدل على أن عاقرها رجل واحد، وحينئذ يكون المراد به قطع القوائم، فحيث جمع أراد الحقيقة والمجاز معاً، وحيث أفراد أراد الحقيقة فقط، فالتعبير به لأنه الأصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل؛ قال البغوي: قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقراً لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره - انتهى. وكأن هذا إشارة إلى أن المراد بالعقر في كلامه النحر، ولا ريب في أن أصل العقر في اللغة القطع، ومادته تدور على ذلك، عقر النخلة. إذا قطع رأسها فيبست، والفرس: ضرب قوائمها بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر في الفساد، وأما النحر فيستعمل غالباً في الانتفاع بالمنحور لحماً وجلداً وغيرهما، فلعل التعبير به دون النحر إشارة إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا إهلاكها عتواً على الله وعناداً وفعلاً للسوء مخالفة لنهي صالح عليه السلام، ولا يشكل ذلك بما ورد من أنهم اقتسموا لحمها، لأنه لم يدع أن العقر يلزمه عدم الانتفاع بالمنحور، وعلى التنزل فهم لم يريدوا بذلك الانتفاع باللحم، وإنما قصدوا- حيث لم يمكنهم المشاركة جميعاً في العقر - ان يشتركوا

فيما نشأ عنه تعريضاً برضاهم به ومشاركتهم فيه بما يمكنهم {وعتوا} أي تجاوزوا الحد في الغلطة والتكبر {عن أمر} أي امتثال أمر {ربهم} أي المحسن إليهم الذي أتاهم على لسان رسوله من تركها {وقالوا} زيادة في العتو {يا صالح ائتنا} . ولما نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة، قالوا: {بما تعدنا} استخفافاً منهم ومبالغة في التكذيب، كأنهم يقولون: نحن على القطع بأنك لا تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك، وإن كنت صادقاً فافعل ولا تؤخره رفقاً بنا وشفقة علينا، فإنا لا نتأذى بذلك، بل نتلذذ من يلقى الوعد الحسن، وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته؛ وأكدوا ذلك بقولهم بأداة الشك: {إن كنت من المرسلين*} أي الذين سمعنا أخبارهم فيما مضى؛ ثم سبب عن عتوهم قوله: {فأخذتهم الرجفة} أي التي كانت عنها أو منها الصيحة، أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة، ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهما السلام في قوله تعالى: {فأصبحوا في دارهم} أي مساكنهم، وجمعها في القصتين مع الصيحة، في سورة هود عليه السلام للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين، وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن، فتكون في المقصود من النكال أعظم، والصيحة من شأنها الانتشار، فإذا عمت الأماكن المتنائية والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ومزقت

جماعتها وفرقت شملها، كانت من القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب، وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت، ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منها، ولعل إحداهما كانت سبباً للأخرى، ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطراباً قطعهاً، أو أن الدار رجفت فرجفت القلوب وهو أقرب، وخصت الأعراف بما ذكر فيها، لأن مقصودها إنذار المعرضين، والرجفة أعظم قرعاً لعدم الإلف لها - والله اعلم {جاثمين*} أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم، ولم يبق منهم في تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم، فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه وهو أبو رغال، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة عشرة أيام، ومن الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح عليه السلام والمستضعفين معه شيئاً، وذلك مثل الريح التي زلزلت الأحزاب، وأنالتهم أشد العذاب، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه منها كبير أذى، وكفها الله عن

حذيفة، وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليتعرف له أخبارهم. ولما أصابهم ذلك، سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة فقال تعالى إعلاماً لنا بذلك: {فتولى} أي كلف نفسه الإعراض {عنهم وقال} أي لما أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم أصله وعشيرته {يا قوم} أي الذين يعز عليّ ما يؤذيهم {لقد أبلغتكم} ولعله وحد قوله: {رسالة ربي} لكون آيته واحدة {ونصحت} وقصر الفعل وعداه باللام فقال: {لكم} دلالة على أنه خاص بهم، روي أنه خرج عنهم في مائة وعشرة من المسلمين وهويبكي، وكان قومه ألفاً وخمسمائه دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم. ولما كان التقدير: ففعلت معكم ما هو مقتض لأن تحبوني لأجله، عطف عليه قوله: {ولكن} لم تحبوني، هكذا كان الأصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا كان دأبهم وخلقاً لهم مع كل ناصح فقال: {لا تحبون} أي حاكياً لحالهم الماضية {الناصحين} أي كل من فعل فعلي من النصح التام.

80

ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق من قصتهم، أتبعه من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما قبل فقال:

{ولوطاً إذ قال} ولما كانت رسالته إلى مدن شتى، وكأنهم كانوا قبائل شتى، قيل: كانوا خمسة وهي المؤتفكات، وقيل: كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة، قال: {لقومه} وقد جوزوا أن يكون العامل فيه {أرسلنا} و {اذكر} ولا يلزم من تقدير {أرسلنا} أن يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير سابق عليه، لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطبق على أول قوله وآخره - وقت له فكذلك اليوم - الذي وقع فيه هذا القول - وقت له، بل وذلك الشهر وتلك السنة وذلك القرن، فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في الفعل الواحد يوماً، قالوا: يوم القادسية، وهو أربعة أيام إن اعتبرنا مدة القتال فقط، وعدة شهور إن اعتبرنا بالاجتماع له، وكذا يوم صفين، وقال تعالى في قصة بدر {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} إلى أن قال: {إذ تستغيثون ربكم} إلى أن قال: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} {إذ يوحي ربك إلى الملائكة} [الأنفال: 7] وكلها إبدال من قوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} ولا ريب في أن زمان الكل يكن متحداً إلا بتأويل جميع الأيام المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك - والله أعلم، وعبر في قصة نوح عليه السلام ب {أرسلنا نوحاً إلى قومه} [الأعراف: 59] ثم نسق من بعده عليه فقيل: {وإلى عاد أخاهم هوداً} [الأعراف: 65] {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} [الأعراف: 73] {وإلى مدين أخاهم شعيباً} [الأعراف: 85] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل:

وإلى أهل أدوماً أخاهم لوطاً، أو إلى أهل سدوم لوطاً أو وأرسلنا لوطاً إلى قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسىعليه السلام، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص تسلية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في مخالفة قومه لهوعدم استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب، وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده المؤمنين، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيهاً عليه تهويلاً للامر وتبشيعاً له، ليكون في التسلية أشد، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم، وحينئذ يترجح أن يكون العامل {اذكر} لا {أرسلنا} أي واذكر لوطاً وما حصل عليه من قومه زيادة على شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعاً، فالقصة في الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش، والدليل على أنه أشنع الشنع بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه - اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ولا مع

وصف من الأوصاف، وبقية المحرمات ليست كذلك، فأما قتل النفوس فقد حل في القصاص والجهاد وغير ذلك، والوطء في القبل لم يحرم إلا بقيد كونه زنى، ولولا الوصف لحل، وأكل المال الأصل فيه الحل، وما حرم إلا بقيد كونه بالباطل - وكذا غير ذلك؛ قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه، أتى معرفاً - أي في قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخه لهم: {أتأتون الفاحشة} أي أتفعلون السيئة المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون «أل» فيه للجنس على سبيل المبالغة، كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام، وذلك بخلاف الزنى فإنه قال فيه {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} [الإسراء: 32] . ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا: لم تكون فعلتنا منكراً موبخاً عليها؟ قال: {ما سبقكم بها} وأغرق في النفي بقوله: {من أحد} وعظم ذلك بتعميمه في قوله: {من العالمين*} فقد اخترعتم شيئاً لا يكون مثل فحشه لتذكروا به أسوأ ذكر، كما

أن ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ذكره وينفعهم أجره، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على فاعليها، لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن. ولما أبهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى معرفتها، عينها في استفهام آخر كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على تناهي الزجر عنها فقال: {إنكم لتأتون الرجال} أي تغشونهم غشيان النساء؛ ولما أبقى للتشوف مجالاً، عين بقوله: {شهوة} أي مشتهين، أو لأجل الشهوة، لا حامل لكم على ذلك إلا الشهوة كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل وصرح بقوله: {من دون النساء} فلما لم يدع لبساً، وكان هذا ربما أوهم إقامة عذر لهم في عدم وجدان النساء أو عدم كفايتهن لهم، أضرب عنه بقوله: {بل أنتم قوم} . ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به الإسراف الذي هو غاية الجهل المذكور في سورة النمل فقال {مسرفون*} أي لم يحملكم على ذلك ضرورة لشهوة تدعونها، بل اعتياد المجاوزة للحدود، ولم يسم قوم لوط في سورة من السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صوناً للكلام عن تسميتهم، وأما قوم نوح فإنما لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك، فكانوا لذلك جميع أهل الأرض ولذا عمهم الغرق - والله أعلم. ولما كان كأنه قيل: هذا التقريع يوجب غاية الاستحياء، بل إنه

يذهب كل من سمعه منهم إلى مكان لا يعرف فيه ستراً لحاله، فيا ليت شعري ما كان حالهم عنده! فقيل: كان كأنهم أجابوه بوقاحة عظيمة وفجور زائد على الحد، فما كان جوابهم إلا أذى لوط عليه السلام وآله بما استحقوا منهم به شديد الإنذار الذي هو مقصود السورة، عطف عليه قوله: {وما كان جواب قومه} أي الذين هم أهل قوة شديدة وعزم عظيم وقدرة على القيام بما يحاولونه {إلا أن قالوا} . ولما كان المقصود بيان أنهم أسرعوا إجابته بما ينكيه أضمر ما لا يشكل بالإضمار، أو أنه لما كان السياق لبيان الخبيث بين أنه لا أخبث من هؤلاء الذين بلغ من رذالتهم أنهم عدوا الطاهرين المتطهرين مما يصان اللسان عن ذكره فقال تعالى مشيراً إلى ذلك في حكاية قولهم: {أخرجوهم} أي المحدث عنهم، وهم لوط ومن انضم إليه {من قريتكم} والمراد ببيان الإسراع في هذا تسلية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رد قومه لكلامه لئلا يكون في صدره حرج من إنذارهم، ثم عللوا إخراجهم بقولهم: {إنهم أناس} أي ضعفاء {يتطهرون*} وكأنهم قصدوا بالتفعل نسبتهم إلى محبة هذا الفعل القبيح، وأن تركهم له إنما هو تصنع وتكليف لنفوسهم بردها عما هي مائلة إليه، وإقبال على الطهر من غير وجهة وإظهار له رياء بما أشار إليه إظهار تاء

التفعيل، وفيه مع ذلك حرف من السخرية، وحصر جوابهم في هذا المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا ينافي آية العنكبوت القائلة {فما كان جواب قومه إلا قالوا ائتنا بعذاب الله} [العنكبوت: 29] ، لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز، والمعنى: فما كان قولهم في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جواباً، وذلك مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق بالجواب، أو أن هذا الجواب لما كان - لما فيه من التكذيب والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مستلزماً للعذب، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا {ائتنا بعذاب الله} ، جعل نطقهم بالسبب نطقاً بالمسبب، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالاً، ويؤيده أن المعنى لما اتحد هنا وفي النمل حصر الجواب في هذا، أي فما كان جوابهم لهذا القول إلا هذا؛ ولما زادهم في العنكبوت في التقريع فقال: {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت: 29] أتوه بأبلغ من هذا تكذيباً واستهزاء فقالوا {ائتنا بعذاب الله} - الآية. ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه، وكان الإعلام بإنجائه - مع كونه يفهم إهلاكهم - أهم، قال: {فأنجيناه وأهله} أي من أطاعه {إلا امرأته} ولما كان كأنه قيل: ما لها؟ قال: {كانت من الغابرين*} أي الباقين الذين لحقتهم بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى أنها أصابها مثل عذاب الرجال سواء، لم تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم.

ولما أفهم هذا إهلاكهم، بينه دالاً على نوعه بقوله: {وأمطرنا} أي حجارة الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم وشذابهم لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء؛ وأوضحه بقصره الفعل وتعديته بحرف الاستعلاء فقال: {عليهم} وأكد كونه من السماء لا من سطح أو جبل ونحوه بقوله: {مطراً} وأشار إلى عظمه مزيلاً للبس أصلاً بما سبب عنه من قوله: {فانظر كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المجرمين -*} وأظهر موضع الإضمار تعليقاً للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع من فاحش المعصية دليلاً على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه، لأن الحكم يدور مع العلة، وسياتي في سورة هود عليه السلام سياق قصتهم من التوراة بعد أن مضى في البقرة عند {إذ قال له ربه أسلم} [البقرة: 131] أوائل أمرهم، وهذا كما سومت الحجارة لقريش - لما أجمعوا أن يرجعوا بعد توجههم عن غزوة أحد من الطريق - ليفزعوا من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه على زعمهم، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «والذي نفسي بيده! لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب» ولكنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم فمضوا حتى أسلم بعد ذلك كثير منهم، وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب الفيل سنة مولده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حماية لبلده ببركته.

ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص، أعاد النسق الأول فقال {وإلى مدين} أي أرسلنا، وهي بلد، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام {أخاهم} أي من النسب، وبينه بقوله: {شعيباً} وهوموصوف بأنه خطيب الأنبياء عليهم السلام لحسن مراجعة قومه؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق: {قال يا قوم} دالاً على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة، وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام فقال: {اعبدوا الله} أي الذي يستحق العبادة لذاته بما له من السماء الحسنى والصفات العلى. ولما كان المراد إفراد بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنه غني، علل ذلك بقوله: {ما لكم} وأغرق في النفي بقوله: {من إله غيره} ثم استأنف التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله: {قد جاءتكم} أي على يدي {بينة} ولما كنا عالمين من قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضى الله عنه «ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» أن هذه البينة معجزة، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا، لم تعن؛ ثم زادهم ترغيباً بقوله: {من ربكم} أي الذي لم تروا إحساناً إلا منه. ولما كان إتيانه بالبينات سبباً لوجوب امتثال أمره، قال مسبباً عنه: {فأوفوا الكيل} أي والمكيال والوزن {والميزان} أي ابذلوا ما

تعطون بهما وافياً، فالآية من الاحتباك، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط. ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس، صريح به على وجه يعم غيره فقال: {ولا تبخسوا} أي تنقصوا وتفسدوا كما أفسد البخسة {الناس أشياءهم} أي شيئاً من البخس في كيل ولا وزن ولا غيرهما، والناس - قال في القاموس - يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه «أل» ، وقال أبو عبد الله القزاز: الناس أصله عند البصريين أناس، ثم أدخلوا الألف واللام على ذلك وحذفوا الهمزة وبقي الناس، وكان أصله فعال من: أنست به، فكأنه قيل: أناس - يعني على القلب، قال: لأنه يؤنس إليهم - انتهى. إذا علم هذا علم أن نهيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى عن بخس الواحد من باب الأخرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه. ولما نهى عن الفساد بالبخس، عم كل فساد فقال: {ولا تفسدوا} أي توقعوا الفساد {في الأرض} بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه؛ ولما نهاهم عن هذه الرذائل، ذكر بنعمة الله تاكيداً للنهي بما في ذلك من التخويف وحثاً على التخلق بوصف السيد فقال: {بعد إصلاحها} أي إصلاح الله لها بنعمة الإيجاد الأول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام البديع المحكم ثم بنعمة الإبقاء الأول

بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح أمر المعاش والمعاد بتعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله، ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة. ولما تقدم إليهم بالأمر والنهي، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثاً لهم على امتثاله فقال: {ذلكم} أي الأمر العظيم العالي الرتبه مما ذكر في هذه القصة {خير لكم} ولما كان الكافر ناقص المدارك كامل المهالك، أشارإلى ذلك بقوله: {إن كنتم مؤمنين*} أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته، وإذ عرفتم صحته عملتم به، وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح، ويجوز- وهو أحسن - أن يكون التقدير: فهو خير لكم، لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على أساس الإيمان، والكافر أعماله فاسده فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيراً له من جهة إسعادة في الآخرة لأنه لا ثواب له.

86

ولما كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس ما لا يخفى، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ينهى عن كل فساد، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة المراد بعد التعميم فقال: {ولا تقعدوا} أي تفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته {بكل صراط} أي طريق من طرق الدنيا والدين من الحلال والحرام والأوامر والنواهي والمحكم والمتشابه والأمثال

{توعدون} أي تتهددون من يسلكه بكل شر إن لم يوافقكم على ما تريدون. ولما كان طريق الدين أهم، خصه بالذكر فقال: {وتصدون} أي توقعون الصد على سبيل الاستمرار {عن سبيل الله} أي طريق من له الأمر كله؛ ولما ذكر الصدود عنه، ذكر المصدود فقال: {من آمن به} آي بالله فسلك سبيله التي لا أقوم منها؛ ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونحوه، بل يبدون للمصدود شبهاً توهمه أنه على ضلال، قال عاطفاً: {وتبغونها عوجاً} أي وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج، أي تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات والشكوك كما تقول: أريد فلاناً ملكاً، أي أريد ملكه، وقد تقدم في آل عمران أن نصبه على الحال أرجح، وأن قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح «ابغني أحجاراً أستنفض بها» يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم. ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان والنصرة بالصد، ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضد ذلك من التكثير بعد القلة في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الأرض وخصهم فضلاً عن تقليلهم ونقصهم، فقال عطفاً على قوله {اعبدوا الله} وما بعده من الأوامر والنواهي: {واذكروا إذ} أي حين {كنتم قليلاً} أي في العدد والمدد {فكثركم} أي كثر عددكم وأموالكم وكل شيء ينسب إليكم، فلا تقابلوا النعمة بضدها، فإن ذكر النعمة مرغب في الشكر.

ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة، حذرهم بالتذكير بأهل النقمة فقال: {وانظروا كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المفسدين*} أي في عموم الإهلاك بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في سورة هود لكون الحال هناك مقتضياً للبسط كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولما حذرهم وخامة الفساد الذي نهاهم عنه، وعلق انتهاءهم عنه بوصف الإيمان، رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال: {وإن كان طائفة منكم} أي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون {آمنوا بالذي أرسلت به} وبناه للمفعول إشارة إلى أن الفاعل معروف بما تقدم من السياق، وأنه صار بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات {وطائفة} أي منكم {لم يؤمنوا} أي بالذي أرسلني به من أيدني بما عملتم من البينات، وحذرهم سطوته بقوله: {فاصبروا} أي أيها الفريقان {حتى يحكم الله} أي الذي له جميع العظمة {بيننا} أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما أجرى بذلك عادته {وهو} أي الحال أنه {خير الحاكمين*} لأنه يفصل النزاع على أتم وجه وأحكمه.

88

ولما انتهى كلامه عليه السلام على هذا الوجه البديع، أخبر سبحانه بما أفهم أن قومه لم يجدوا جواباً عنه أصلاً لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل، وهو أمارة الانقطاع، فقال مستأنفاً: {قال الملأ} أي الأشراف {الذين استكبروا} أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة، وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله: {من قومه لنخرجنك} وبين غلظتهم وحفاءهم بقولهم: {يا شعيب} من غير استعطاف ولا إجلال {والذين آمنوا} ويجوز أن يتعلق قوله: {معك} ب «آمنوا» وب «نخرج» {من قريتنا} أي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم إيانا {أو لتعودن} أي إلا أن تعودوا، أي ليكونن آخر الأمرين: إما الإخراج وإما العود {في ملتنا} أي بالسكوت عنا كما كنتم، ولم يريدوا منه العود إلى الكفر لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان محفوظاً قبل النبوة كإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، بل كانوا يعدون سكوته عليه السلام - قبل إرساله إليهم من دعائهم وسب آلهتهم وعيب دينهم - كوناً في ملتهم، ومرادهم الآن رجوعه عليه السلام إلى تلك الحالة

والقناعة ممن اتبعه بذلك، فيكون مرادهم بالعود حقيقة في الجميع. ولما كان من الإخراج والرد مستعظماً، أخبر تعالى أنه أنكره بقوله: {قال أولو} أي أتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج والعود ولو {كنا كارهين*} . ولما كان العرب أبعد الناس من مطلق الكذب وأشدهم له تحامياً ومنه نفرة فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على الملوك فيكف به على ملك الملوك! علق الكذب على الله تعالى بالعود إلى ملتهم بقوله مستأنفاً الإخبار لمن تشوف إلى علم ما كان منه بعد هذا الكلام اللين وتوقع غيره: {قد افترينا} أي تعمدنا الآن بما نقوله لكم، أي من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه {على الله} أي الذي له جميع العظمة {كذباً} ويجوز أن يكون تنوينه للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير، ولكل وجه يدعو إليه المقام لا يخفى {إن عدنا} أي ساعة من الدهر {في ملتكم} أي بسكوتنا أو بسكوتي وكفر من كان ممن تبعني كافراً {بعد إذ نجانا الله} أي الملك الأعلى خارقاً للعادة بما كنا جديرين بالانغماس فيه متابعة للآباء والأجداد والعشيرة بما له من القدرة والعظمة {منها} أي إن فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح القبائح على بصيرة منا بذلك، فهو تعليق على محال عادة، وهو من وادي قول الأشتر النخعي:

بقّيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشنَّ على ابن هند غارة ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس غير أن المعلق في البيت تقديري، وفي الآية تحقيقي، لأنهم أخبروهم أن الله تعالى نهى عن الكفر وأمرهم بإنذار كل كافر، فمتى تركوا ذلك لزمهم الكذب حتماً {وما يكون لنا} أي ما يصح وما يتفق {أن نعود فيها} أي ملكتم. ولما كان الله سبحانه أن يفعل ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه، أشار إلى ذلك بقوله: {إلا أن يشاء الله} فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له جميع الحمد لذاته؛ ثم ذكر صفه الإحسان عياذاً من أن يراد بهم الهوان فقال: {ربنا} أي خرق العادة فله ذلك، فهو من باب التذكر للمخاوف والإشراف على إمكان سوء العواقب للصدق في التضرع إلى الله تعالى والالتجاء إليه والاستعاذة من مكره، ولذلك أتى باسم الجلالة الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى وصفة الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما يفعل لمربي الشفيق، فكأنه قال: إن عودنا في ملتكم غير ممكن عادة، والمحال عادة لا يقدر عليه إلا بقدر من الله، بل ولا توجه الهمم إليه، والله تعالى أكرام من أن يعود فيما وهبه لنا من هذا الأمر الجليل،

وينزع عنا هذا اللباس الجميل، وهو صريح في أن الكفر يكون بمشيئة الله، بل ولا يكون إلا بمشيئته، وقوله: {وسع ربنا} أي المحسن إلينا {كل شيء علماً} زيادة في حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة، أي لا علم لنا بخواتم العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة، فهذه الجملة كالتعليل للتعليق بالمشيئة قطعاً - لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في عودهم، كأنه قيل: وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص علومنا، فربما كان في سعة علمه قسم ثالث، وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا، أو توافقوننا على ما نحن عليه، وهكذا ينبغي للمربوب، ولا ينبغي الجزم بأمر يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه، والآية تدل على انه كان في الأزل عالماً بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن «وسع» ماض، وقد تقدم في الأنعام أن قول الخليل عليه السلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد - والله أعلم. ولما كان المراد من هذا ما ذكر، كان مزعجاً للقلوب مقلقاً للنفوس مزعزعاً للخواطر مزلزلاً للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار، فكأن المؤمنين قالوا: ما العمل وأين المفر؟ فقال: {على الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحده لا على غيره {توكلنا} أي فوضنا جميع أمورنا إليه، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد

وقد تبرأنا من حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته، وجعلنا جميع أمورنا كلها محمولة على قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه منه. ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله، أتبع ذلك الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحقّ وخذل المبطل فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {افتح} أي احكم {بيننا} ولما كان يريد استعطافهم لإسعادهم قال: {وبين قومنا} وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء بهدايتهم، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه {بالحق} أي بالأمر الفيصل من معاملة كل من المحقّ والمبطل بما يستحقه شرعاً وعرفاً بحيث يكون لكل فريق باب يصل به إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف، فقد علم من إشارة قوله العناية بقومه، ومن عبارته الإنصاف من نفسه، ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل، والآية معلمة بأن له تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة الطائع وعكس ذلك، {لا يسئل عما يفعل} [الأنبياء: 23] لأنه التام المِلك العظيم المُلك الشامل القدرة الحكيم الخبير، ويجوز أن يكون المراد: لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء الله سكوتنا بامر يحدثه إلينا في ذلك

لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها علومنا، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا، فله الخلق والأمر. ولما اشار الدعاء لقومه، أشار - بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر - إلى أن التقدير: فأنت خير الراحمين: {وأنت خير الفاتحين*} أي على من سدت عليه الأبواب ولم يجد مخلصاً.

90

ولما انقضى جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل، ذكر سبحانه قولهم بعده عاطفاً له على ما مضى من قولهم أو قوله، كان الأصل أن يقال: وقالوا، ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة الاستكبار وهي الكفر، ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال: {وقال الملأ} أي الأكابر {الذين} يملؤون العيون مرأى والقلوب مهابة، فحلمهم التكبر على أنهم {كفروا} . ولما كان من المستبعد أن يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم به من الخير لحسد أو اتهام أو غيرها، فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين يعاملونه بهذه الغلطة أجانب عنه، قال: {من قومه} بياناً لأن الفضل بيد الله فقد يؤتيه البغيض البعيد ويمنعه الحبيب القريب {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] ، ووطؤوا للقسم بقولهم: {لئن اتبعتم} أي أيها الأتباع ممن لم يؤمن بعد {شعيباً} أو تركتم ما أنتم عليه مما أورثه لكم

آباؤكم؛ واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله: {إنكم إذاً} أي وقت اتباعه {لخاسرون*} أي لأنكم استبدلتم بدين الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس والتطفيف وقط السبل. ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال، استحقوا الأخذ فقال: {فأخذتهم} أي فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم {الرجفة} أي الزلزلة العظيمة في القلوب أو الديار التي كانت سبباً للصيحة أو مسببة عنها {فأصبحوا في دارهم} أي مساكنهم، وتقدم سر توحيدها {جاثمين*} أي باركين على الركب أو لازمين أمكنتهم لا حراك بهم، وهذا دون ما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزلت الملائكة بحنين، فكان الكفار يسمعون في أجوافهم مثل وقع الحصاة في الطست، ودون ما كان يجد مخالفه من الرعب من مسيرة شهر من ورائه وشهر من أمامه، ولكونه كان نبي الرحمة ما اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة. ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم، وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما لا يخفى، لخص ذلك ذاكراً لأنه حل بهم بالخصوص - ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال: {الذين كذبوا شعيباً} أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات {كأن} أي هم المخصصون بالهلاك

حتى كأنهم {لم يغنوا} أي ينزلوا ويقيموا، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء {فيها} أي الدار بسبب تكذيبهم. ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة، كرره إشارة إلى ذلك وإعلاماً بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين فقال: {الذين كذبوا شعيباً} أي تكذيبه سبباً لهلاكهم {كانوا} أي بسبب التكذيب أيضاً {هم} أي خاصة {الخاسرين*} أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم. ولما صارت تلك الدار محل الغضب، سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من قبله من الأنبياء عليهم السلام، فقال: {فتولىعنهم} بعد نزول العذاب وقبله عند رؤية مخايله ذاهباً إلى مكان غيره، يعبد ربه فيه {وقال} متأسفاً على ما فاته من هدايتهم {يا قوم} أي يا عشيرتي وأقرب الناس إليّ {لقد أبلغتكم} ولعله جمع لأجل كثرة ما أتاهم به من المعجزات فقال: {رسالات ربي} أي المحسن إليّ بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه {ونصحت} أي وأوقعت النصح

{لكم} أي خاصة. ولما كان هذا مفهماً لما طبع البشر من الأسف أهله وعشيرته، سبب عنه منكراً على نفسه قوله: {فكيف آسى} أي أحزن حزناً شديداً {على قوم كافرين*} أي عريقين في الكفر، فعرف أنه أسف عليهم من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم، وتخصيص تكرير هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير من سور القرآن- دون قصة إبراهيم عليه السلام وهو أعظمهم - لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من خالفهم، وأما إبراهيم عليه السلام فإنه وقع النص في قوله {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [الصافات: 99] بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته، وهو أفضلهم لأن الكائن في قصته أعظم في الأفضلية، وهو طبق ما اتفق لولده أفضل البشر نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وانظر إلى قوله تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] تعرف ما في هذا المقام من الإكرام، وأن الأمر كما قيل: لعين تجازى ألف عين وتكرم. ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} [الأعراف: 4] الآية، ثم أتبعه - بعد تقديم ما يحتاج إليه على النظم الذي سبق التنبيه عليه - تفصيل ما انفردت به كل أمه من العذاب الحاث على سبيل الصواب، أتبع ذلك إجمالاً آخر أبسط من الأول على نمط غريب دال على عادته المستمرة وسنته المستقرة في شرح

حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم، لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير حالهم، فبين أن الكل على نهج واحد وأن السبب في استئصالهم واحد، وهو التكذيب والاستكبار على الحق، ليكون الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية لتنطبق على الجزيئات. وذلك الاستبصار بما يكون من نافع أو ضار وعدم الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل بالتسلية لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتأسية، متقدم على قصة موسى وهارون عليهما السلام لطولها وتعجيلاً بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى: {وما} أي أرسلنا فلاناً فكان كذا وفلاناً فكان كذا، وما {أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {في قرية} أي من قرى أولئك وغيرهم {من نبيٍّ} أي من الأنبياء الذين تقدموك {إلا} كان ما نخبر به من ترهيبهم من سطواتنا وهو أنا {أخذنا} أي بعظمتنا {أهلها} أي أخذ قهر وسطوة، أي لأجل استكبارهم عن الحق {بالبأساء} أي قهر الرجال {والضراء} أي المرض والفقر {لعلهم يضرعون*} أي ليكون حالهم عند المساءة حال من يرجى تضرعه وتذلله وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى المراتب - على ما أشار إليه الإدغام، لأن ذلك كاف في

الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه سورته بخلاف ما مضى في الأنعام. ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين بالحق لأهله كما يحق له، استدراجهم بإدرار النعم، فقال مشيراً إلى طول مدة الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء: {ثم بدلنا} ومظهر العظمة يؤيد الاحتمال الثاني {مكان} أي جعلنا {السيئة} أي النقمة {الحسنة} أي النعمة، وبين أنه مد النعمة بقوله: {حتى عفوا} أي بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا {وقالوا} مسندين الأمر إلى غير أهله {قد مس آباءنا الضراء} أي الشدة {والسراء} أي الرخاء والنعمة، معتقدين أن هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل المختار. ولما لم يعتبروا ويعلموا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ولا يغفل عن جنابه، وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان، واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء، سبب عنه قوله: {فأخذناهم} أي بعظمتنا أشد الأخذ وأفظعه في الظاهر والباطن {بغتة} أي فجأة حتى لا ينفعهم التوبة، وأكد معنى البغت تحقيقاً لأمره بقوله: {وهم لا يشعرون*} فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفاً من الأخذ بغتة. ولما بين تعالى ما كان قولهم مسبباً له من الأخذ بغتة، بين ما كان يكون ضد قولهم مسبباً له من البركات لو وقع بقوله: {ولو أن أهل القرى} أي هذه التي قصصنا أخبارها {آمنوا} أي بما أتاهم به رسلهم

{واتقوا} أي خافوا أمر الله وجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية من طاعاته فاستمروا على إيمانهم {لفتحنا عليهم بركات} أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها {من السماء} أي بالمطر الذي يكون كأفواه القرب وما شابهه {والأرض} بالنبت الغليظ وما قاربه، وقراءة ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك البركات، وأصل البركة الموظبة على الخير. ولما كان الكلام بما أفهمته {لو} في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله: {ولكن كذبوا} أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم، فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء، ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل، سبب عنه العذاب فقال: {فأخذناهم} أي بما لنا من العظمة {بما} أي بسبب ما {كانوا يكسبون*} أي بجبلاتهم الخبيثة من الأعمال المناسبة لها.

97

ولما كانوا قد ضلوا ضلالاً بعيداً في غلطهم في جعلهم السراء والضراء سبباً للأمن من مكر الله، قال منكراً عليهم أمنهم عاطفاً له على {كذبوا} لأنه سبب الغلط وهو سبب الأمن فقال: {أفأمن أهل القرى} أي كذبوا ناسين أفعالنا المرهبة بالمضارّ والمرغبة بالمسارّ فأمنوا {أن يأتيهم بأسنا} أي الناشىء عما لنا من العظمة التي لا ينساها إلا خاسر {بياتاً} أي ليلاً وهم قد أخذوا الراحة في بيوتهم، ولما كان النوم شيئاً واحداً يغمر الحواس فيقتضي الاستقرار، عبر بالاسم الدالّ على الثبات فقال: {وهم نائمون*} أي على غاية الغفلة عنه.

ولما كان ربما قال جاهل: لو جاءهم وهم إيقاظ لأمكن أن يدافعوا! قال: {أو أمن أهل القرى} أي مجتمعين أو منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك {أن يأتيهم بأسنا ضحى} أي وقت راحتهم واجتماع قواهم ونشاطهم؛ ولما كانت اليقظة موجبة للحركة، عبر بالمضارع في قوله: {وهم يلعبون*} أي يتجدد لعبهم شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت، وفيه تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان العقول، لا التفات لهم إلى غير اللعب. ولما كان ضلالهم - الذي نسبوا فيه الأمر إلى غير أهله - أشنع ضلال لتضمنه التعطيل وما يجر إليه من الأباطيل، كرر الإنكار عليهم على وجه أشد من الأول فقال مسبباً الإنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو لب: {أفأمنوا مكر الله} أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا يشعر بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم؛ وسبب عن ذلك قوله: {فلا يأمن مكر الله} أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر {إلا القوم الخاسرون*} أي الذين كانت قواهم سبباً لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكة. ولما بان بما مضى حال الكفار مجملاً ومفصلاً، وكان المقصود من ذلك عبرة السامعين، وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم وأفهامهم بعد إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من بعدهم حالاً يكونون بها في حيز من يرجى

منه الخوف المقتضي للتضرع والعلم قطعاً بأن الفاعل لذلك هو الله، وأنه لو شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى أفهامهم بحيث يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا دعاء ونداء، فسماعهم حيث لا فهم كلا سماع، فجعلوا ذلك سبباً للأمن؛ أنكر عليهم ذلك بقوله {أفأمن} إلى آخره؛ ثم أنكر عليهم عدم الاستدلال على القدرة فقال عاطفاً على {أفأمن} : {أولم يهد} أي يبين أخذنا الأمم الماضية بالبأساء والضراء ثم إهلاكهم إذا لم يتعظوا {للذين يرثون الأرض} وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ليعلموا منها ما يضر وما ينفع فلا يكونوا كالبهائم، فإنهم لو تأملوا أحوالهم وأحوال من ورثوا أرضهم وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى سواء السبيل. ولما كان إرثهم غير مستغرق للزمان، أتى بالجارّ فقال: {من بعد أهلها} ثم ذكر مفعول {يهد} بقوله: {أن} أي إنا {لو نشاء} أي في أيّ وقت أردنا {أصبناهم بذنوبهم} أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا أرضهم؛ ولما كان هذا تخويفاً للموجودين بعد المهلكين، ومنهم قريش وسائر العرب الذين يخاطبون بهذا القرآن، فكأن المخوف به لم يقع بعد، عطف على أصبنا قوله: {ونطبع على قلوبهم} أي بإزالة عقولهم حتى يكونوا كالبهائم، ولذلك سبب عنه قوله:

{فهم لا يسمعون*} أي سماع فهم، وعبر عن الإصابة بالماضي إشارة إلى سرعة الإهلاك مع كونه شيئاً واحداً غير متجزىء، وعن الطبع بالمضارع إيماء إلى التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع جديد.

101

ولما انقضى ذلك على هذا الوجه الأعظم والنظم الأبلغ الأحكم، وكانت هذه القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها، أشار إليهم حثّاً على الاعتبار بهم، ولما كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم، عبر عنهم بأداة البعد فقال: {تلك القرى} أي محالّ القبائل الخمس، ويجوز أن يكون البعد لعظمة ما حصل لأهلها من العذاب، ويؤيده قوله مبيناً لحالها: {نقص عليك} . ولما كان العاقل من يكفيه أدنى شيء، هوّل الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر، وأن ما قص منها يكفي المعتبر، فقال: {من أنبائها} أي أخبارها العظيمة الهائلة المطابقة للواقع شيئاً بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثر، وأنث الضمير لأن لرؤية القرى أنفسها مدخلاً في معرفة أخبار أهلها. ولما كان المقام مقام العجب من التكذيب بعد ذلك البيان، كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان الشافي، فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام تصديقاً لمن قال مهم: قد جاءتكم بينة، بقوله: {ولقد} أي والحال أنه قد {جاءتهم} أي أهل القرى لأنهم المقصودون بالذات {رسلهم} أي الذين أرسلناهم إليهم {بالبينات فما} أي فلم يتسبب عن

ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما {كانوا} موفقين {ليؤمنوا} أي عند مجيئها، وقد أكد منافاة حالهم الإيمان باللام والكون أتم تأكيد {بما} أي بالذي {كذبوا} أي به، وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب وأوفق لمقصود السورة. ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجارّ فقال: {من قبل} أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع منهم للرسل فيما أتوا به عن الله من قبل الأخذ بغتة، أو من قبل مجيء الرسل بالآيات، فإنهم أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب، فجوزوا على تكذيب الحق من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فأتوهم. بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال: إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة، أو إنهم خافوا ثانياً ما قرعتهم به الرسل من الوعيد، فدخلوا جبناً فيما يعلمون بطلانه، فكان تزيين هذا لهم طبعاً على قلوبهم، فكأنه قيل: إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك أحد؟ فقيل: نعم، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع {كذلك يطبع الله} أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له

من العظمة {على قلوب الكافرين*} أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقاً في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله. ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب، قال عاطفاً على «فما كانوا» : {وما وجدنا} أي في عالم الشهادة {لأكثرهم} أي الناس، وأكد الاستغراق فقال: {من عهد} طبق ما كان عندنا في عالم الغيب، وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم {ألست بربكم} إن كان ذلك على حقيقته، أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر {لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس: 22] أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة، فصار بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر {وإن} أي وإنا {وجدنا} أي علمنا في عالم الشهادة {أكثرهم لفاسقين*} أي خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب، وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال، أتبعه الكشف

عما كان بعد قصة شعيب عليه السلام من قصة صهره موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في أول السورة من الإجمال، فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء والضراء، ثم الإنعام بالرخاء والسراء، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه الحظوظ من الفسق، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويهاً بذكرها وتنبيهاً على عليّ قدرها، لأن معجزات صاحبها من معجزات من كان قبله، وجهل من عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من العجائب وما اشتملت عليه من الرغائب والغرائب، ولذلك مد لها الميدان وأطلق في سياقها للجواد العنان فقال: {ثم بعثنا} أي على عظمتنا {من بعدهم} أي الرسل المذكورين والأمم المهلكين {موسى بآياتنا} أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فثبت بها النبوة {إلى فرعون} هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم، وكان اسم فرعون موسى عليه السلام قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب ابن الريان {وملئه} أي عظماء قومه، وخصمهم

لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم، فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل. ولما سببت لهم الظلم الظلم قال: {فظلموا} أي وقعوا في مثل الظلام حتى وضعوا الأشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار موضع الإقرار {بها} أي بسبب رؤيتها خوفاً على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم؛ ولما كان ذلك من أعجب العجب، وهو أن سبب العدل يكون سبب الظلم، وكان هذا الظلم أعظم الفساد، سبب عنه قوله معجباً: {فانظر} أي بعين البصيرة {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {المفسدين*} فلخص في هذه الآية على وجازتها جميع قصتهم على طولها، وقدم ذكر الآيات اهتماماً بها ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث.

104

ولما كان التقدير عطفاً على {فظلموا بها} : ووضعها موسى مواضعها، عبر عنه بقوله: {وقال موسى يا فرعون} خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه، وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر. ولما أتاهم عليه السلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره، كان هذا حالاً مقتضياً لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد، لكن لما كان الإرسال من الله أمراً عظيماً جداً، وكان المقصود

به تخلية سبيل بني إسرائيل، وكان فرعون ضنيناً بذلك، أكده بعض التأكيد فقال: {إني رسول} ثم بين مرسله بقوله: {من رب العالمين*} أي المحسن إليهم أجمعين - وأنتم منهم - بإيجادهم وتربيتهم، فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور. ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالاً على تسويته ببقية العالمين: ناطقهم وصامتهم، وكان لذلك بعيداً من الإذعان لهذا الكلام، أتبعه قوله على وجه التأكيد مستأنفاً بيان ما يلزم للرسول: {حقيق} أي بالغ في الحقية، وهي الثبات الذي لا يمكن زواله {على أن لا أقول على الله} أي الذي له جميع الكمال، ولا عظمة لسواه ولا جلال {إلا الحق} أي الثابت الذي لا تمكن المماراة فيه اصلاً لما يصدقه من المعجزات، وحاصل العبارة ومآلها: حق على قولي الذي أطلقه على الله أن لا يكون إلا الحق أي غير الحق، ولذلك عبر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات، وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في {على} بمعنى هذا سواء، لأن من حق عليه شيء حق على كلامه. ولما كان الحال إذ ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على صحة رسالته كان كأنه قيل: ما دليل صدقك؟ فقال مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق: {قد جئتكم} أي كلكم، لا أخص أحداً منكم {ببينة}

دليلاً على رسالتي وقولي الحق {من ربكم} أي المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع هذا الملك منكم وإهلاككم، وتلك البينة هي المعجزة، فكرر البيان في هذا الكلام على أن فرعون ليس كما يدّعي لأنه مربوب، لا فرق بينة وبين بقية العالمين في ذلك. ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه لا يدّعي في تلك المجامع إلا حقاً مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله بالإلهية كما تفرد بالإحسان، كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن إهلاكهم. فأتبع ذلك طلب النتيجة إعلاماً بغاية ما يريد منهم بقوله مسبباً عن مجرد هذا الإخبار الذي كان قد أوقع مضمونه: {فأرسل} أي يا فرعون {معي بني إسرائيل*} أي فسبب إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمُر بما جئت له - وهو إرسالهم معي - أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى بيت المقدس موطن آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم، وفي جعل ذلك نتيجة الإرسال إليه تنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه، فكأنه قيل: فماذا قال فرعون في جواب هذا الأمر الواضح؟ فقيل: {قال} معرضاً عنه معمياً له خوفاً من غائلته عند من يعرف موسى عليه السلام حق المعرفة معبراً بأداة الشك إيقافاً لهم: {إن كنت جئت بآية} أي علامة على صحة رسالتك {فأت بها} فأوهم

أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير أن يكون في كلامه السابق دلالة على صدقه، وأكد الإبهام والشك بقوله: {إن كنت} أي جبلة وطبعاً {من الصادقين*} أي في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. ولما ساق هذا الطلب مساقاً دالاً على أنه شاك في أمره، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالاًّ على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى عليه السلام: {فألقى عصاه} وعن فعله هو سبحانه {فإذا هي} أي العصا {ثعبان مبين*} أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه ينادي الناس فيظهر لهم أمره، وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعباناً أشعر فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هارباً وأحدث، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، قتل بعضهم بعضاً، وصاح فرعون: يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصاً. ثم قال: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم {ونزع يده}

أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقة أدماً كما كانت وهو عنده {فإذا هي بيضاء} ونبه على ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله: {للناظرين*} قال أبو حيان: أي للنظارة، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجاً عن العادة، وقال ابن عباس: صارت نوراً ساطعاً يضيء ما بين السماء والأرض، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين: أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء، والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده، وجمع بذينك تبديل الذوات من الخشبية إلى الحيوانية، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع، فكانا دالين على جواز الأمرين - انتهى. ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال: {قال الملأ} أي الأكابر {من قوم فرعون} ما تلقفوه من فرعون واحداً بعد واحد، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم {إن هذا لساحر} أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له، فلا تبادروا إلى متابعته. ولما كان ذلك خارجاً عما ألفوه السحرة قالوا: {عليم*}

أي بما هم فيه، بالغ في علمه إلى حد عظيم، فذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة، فكأن فرعون قال ذلك أبتداء - كما في سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله، يقوله بعضكم لبعض إعلاماً بأنهم على غاية الطواعية له خوفاً على رئاستهم تحقيقاً لقوله تعالى {فاستخف قومه فأطاعوه} [الزخرف: 54] واختير هنا إسناده إليهم، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليه السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده - على ما يزعم - بما يقتضي أن يكون لهم عليه أمر، فلذا كان إسناد القول إليه أحسن، لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر، وخضوع عنقه أضخم وأكبر.

110

ولما خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة إلى المتابعة بادعاء أنه ساحر؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم فيهم قومه الذين كانوا عبيداً لهم ويزيحوهم من ديارهم التي هي لأشباحهم مثل أشباحهم لأرواحهم بقوله: {يريد أن يخرجكم} أي أيها القبط {من أرضكم} أي هذه التي أثلها لكم آباؤكم وبها قوامكم؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم، أسقط قولهم في الموضع الآخر {بسحره} إفهاماً لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره إشارة إلى تغاليهم في الفسق بعلمهم

أنه محق وليس بساحر. ولما كان المقصود بهذا الكلام استعطاف المخاطبين، استعطفوهم بعد أن أوقفوهم، ثم خوفوهم بما سببوا عن الخطاب السابق من قولهم: {فماذا تأمرون*} أي تقولون في هذه المشورة أيها السادة ليمتثل. ولما كان كأنه قيل: فعلى أيّ شيء استقر رأيهم؟ فقيل: على تاخير الأمر إلى حشر السحرة للمعارضة، أخبر تعالى، دلالة على أن أصل قول الملأ منه، أنهم أقبلوا عليه مخاطبين له ملفتين من أبلغهم عنه تعظيماً له مسندين الأمر إليه بقوله: {قالوا} أي الملأ لفرعون بعدما استقر في أذهانهم ما نصبوه إليه من الإرادة {أرجه} أي موسى عليه السلام {وأخاه} أي أخرهما تنفيساً لنا من هذا الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما {وأرسل في المدائن} أي من ملك مصر {حاشرين*} يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل فج عميق، والحشر: الجمع بكره {يأتوك بكل} ولما كانت دلالة السياق على رغب فرعون أقل مما في الشعراء لما اقتضاه الحال في كل منهما، قرأ الجمهور: {ساحر عليم*} أي بالغ العلم في السحر، وفي قراءة حمزه والكسائي {سحار} زيادة مبالغة أيضاً لما

رأوا من قلق فرعون في الجملة، وهذا يدل على أن السحرة كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة، ويدل على أن في طبع الناس المعارضة، فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة، وإذا تعذرت صحت الدعوى. ولما كان التقدير: فأخر أمرهما وأرسل كما قالوا، فجمعوا من وجدوه منهم، عطف عليه قوله: {وجاء السحرة فرعون} ولما تشوف السامع إلى خبرهم، قال مجيباً له استئنافاً: {قالوا} أي لفرعون عندما حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم مفهمين له أنهم غالبون، لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم، سائقين للكلام في قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدباً معه في طلب الإكرام: {إن لنا لأجراً} وأكدوا طلباً لإخراج الوعد على حال التكذيب {إن كنا نحن} أي خاصة {الغالبين*} ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم {قال} أي فرعون {نعم} أي لكم أجر مؤكد الخبر به، وزاد بيان التأكيد بما زادهم به رغبة في قوله: {وإنكم} أي زيادة على ذلك {لمن المقربين*} أي عندي في الحضرة. ولما فرغوا من محاورته، تشوف السامع إلى قولهم لموسى عليه السلام، فاستأنف قوله جواباً: {قالوا} بادئين باسمه {يا موسى} مخيرين له أدباً معه كما هي عادة عقلاء الأخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم أن قصدهم الإلقاء أولاً، وذلك قولهم: {إما أن تلقي} أي أنت أولاً

ما تريد أن تلقيه للمغالبة في إظهار صحة دعواك {وإما أن نكون نحن} أي خاصة {الملقين*} أي لما معنا أولاً. ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر هذا النظم عن حقيقة معناه من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر وإقحام الفصل، وكان واثقاً من الله تعالى بما وعده به جارياً مع مراده، لا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر؛ أجابهم إلى سؤالهم. وهو أوقع في ازدراء شأنهم، فاستأنف سبحانه الخبر عنه بقوله: {قال ألقوا} أي أنتم أيها السحرة ما تريدون إلقاءه، وهو أمر تعجيز. ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما أفهمه العطف بالفاء في قوله: {فلما ألقوا} أي ما أعدوه للسحر {سحروا أعين الناس} أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا إليها ما لا على بعض، وبعثوا جماعة ينادون: أيها الناس احذروا {واسترهبوهم} أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد راغب فيها طالب لها غاية الطلب. ولما قيل ذلك، كان ربما ظن أنهم خافوا مما لا يخاف من مثله، فقال تعالى مبيناً أنهم معذورون في خوفهم: {وجاءو بسحر عظيم*} قال صاحب كتاب الزينة: والسحر على وجوه كثيرة، منه الأخذ بالعين،

ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه غير ذلك، وأصله مأخوذ من التعلل بالباطل وقلب الأمر عن وجهه كما ذكرنا من لغة العرب. ولما تناهى الأمر واشتد التشوف إلى ما صنغ موسى عليه السلام، قال معلماً عنه عطفاً على {وجاءو} : {وأوحينا} أي مظهرين لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه {إلى موسى أن ألق عصاك} أي فألقاها {فإذا هي} من حين إلقائه لها {تلقف} أي تلتقم التقاماً حقيقياً شديداً سريعاً جداً بما دل عليه حذف التاء، ودل على كثرة ما صنعوا بقوله: {ما يأفكون*} أي يجددون حين إلقائهم في تزويره وقلبه عن وجهه، فابتلعت ما كان ملء الوادي من العصيّ والحبال، ثم أخذها موسى عليه السلام فإذا هي كما كانت لم يزد شيء من مقدارها على ما كانت عليه، وفي هذا السياق المعلم بتثبت موسى السلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء إليه بيان لأدبه عليه السلام في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع مرسله سبحانه إلى بروز أوامره الشريفة.

118

ولما علم أن ما صنعوه إنما هم خيال، وما صنعه موسى عليه السلام أثبت من الجبال، سبب معقباً قوله: {فوقع الحق} أي الذي لا شيء أثبت منه، فالواقع يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها

لأمتعتهم فالإخبار عنه صدق، وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له، فالإخبار عن تحرك ما ألقوه كذب. ولما أخبر عن ثبات الحق، أتبعه زوال الباطل فقال: {وبطل} بحيث عدم أصلاً ورأساً {ما كانوا يعملون*} فدل بكان والمضارع على أنهم - مع بطلان ما عملوا - نسوا علمهم بحيث إنه أسند عليهم باب العمل بعد أن كان لهم به ملكة كملكة ما هو كالجبلة - والله أعلم؛ ثم سبب عن هذا قوله: {فغلبوا هنالك} أي عند هذا الأمر العظيم العالي الرتبه {وانقلبوا} أي جزاء على قلبهم لتلك الحقائق عن وجوهها حال كونهم {صاغرين*} أي بعد أن كانوا - عند أنفسهم ومن يقول بقولهم وهوالأغلب - عالين، ولا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله على وجه لا يكون فيه حيلة. ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير، لأنه اللائق بالعبيد، قاد كثيراً منهم إلى السعادة الأبدية، فلذلك قال: {وألقي السحرة} أي ألقاهم ملقى الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين عرفوا أن ما فعله موسى عليه السلام أمر سماوي، صدق الله تعالى به موسى عليه السلام في أنه رسوله، ولم يتأخروا بعد ذلك أصلاً حتى كأنهم خروا من غير اختيار {ساجدين*} شكراً لله تعالى وانسلاخاً عن الكفر ودليلاً على أقصى غايات الخضوع، فعل الله ذلك بهم حتى

تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم. ولما كانوا بمعرض التشوف العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم، أخبر عن ذلك سبحانه بقوله: {قالوا} أي حال إلقائهم للسجود {آمنّا} أي كلنا {برب العالمين*} أي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به؛ ثم خصوا من هداهم الله على أيديهما تصريحاً بالمراد وتشريفاً لهما فقالوا: {رب موسى} ثم أزالوا الشبهة بحذافيرها - لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى عليه السلام أنه المراد - بقولهم: {وهارون*} وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب للإيمان عند من ظهرت له، ولو أن الرسول غير مرسل إليه. ولما صرحوا بالذي آمنوا به تصريحاً منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على قومه، شرع في تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافاً لهم عن المبادرة إلى الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما، فاستأنف الخبر عنه سبحانه بقوله مصرحاً باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه السورة لأن مقصود السورة الإنذار، وهو أحسن الناس بالمناداة عليه في ذلك المقام، وقصته مسوفة لبيان فسق الأكثر، وهو أفسق أهل ذلك العصر: {قال فرعون} منكراً عليهم موبخاً لهم بقوله: {آمنتم} أي صدقتم {به} أي بموسى تصديقاً آمنه من رجوعكم

عنه، ومن أخبر أراد الاستفهام، وأوهم فرعون من فهم عنهم من القبط إرادة الإيمان لأجل ما رأوا من دلائل صدق موسى عليه السلام واقتداء بالسحرة بقوله: {قبل أن آذن لكم} ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم فيه من إذنه، فلما ظن أنهم وقفوا خيلهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلاً ورأساً بقوله مؤكداً نفياً لما على قوله من لواتح الكذب: {إن هذا لمكر} أي عظيم جداً، وطول الكلام تبييناً لما أرادوا وتنسية لخاطر الإيمان فقال: {مكرتموه في المدينة} أي على ميعاد بينكم وبين موسى، وحيلة احتلتموها قبل اجتماعكم، وليس إيمانكم لأن صدقه ظهر لكم؛ ثم علل بما يتعلق به فكرهم وتشوش قلوبهم فقال: {لتخرجوا} أي أنتم وموسى عليه السلام {منها أهلها} وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل. ولما استتب له ما أراد من دقيق المكر، شرع في تهديدهم بما يمنع غيرهم وربما ردهم، فقال مسبباً عن ذلك: {فسوف تعلمون*} أي بوعد لا خلف فيه ما أفعل بكم من عذاب لا يحتمل، ثم فسر ما أجمل من هذا الوعيد بقوله: {لأقطعن أيديكم} أي اليمنى مثلاً {وأرجلكم} أي اليسرى، ولذلك فسره بقوله: {من خلاف} أي يخالف الطرف -

الذي تقطع منه اليد - الطرف الذي تقطع منه الرجل. ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار، فذكر فيها ما وقع لموسى عليه السلام والسحرة على وجه يهول ذكر ما كان من أمر فرعون على وجه يقرب من ذلك، فعبر بحرف التراخي لأن فيه - مع الإطناب الذييكون شاغلاً لأصحابه عما أدهشهم مما رأوه - تعظيماً لأمر الصلب. فيكون أرهب للسحرة ولمن تزلزل بهم من قومه فقال: {ثم لأصلبنكم} أي أعلقنكم ممدودة أيديكم لتصيروا على هيئة الصليب، أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم {أجمعين*} أي لا أترك منكم أحداً لأجعلكم نكالاً لغيركم.

125

ولما كان حالاً يشوق النفوس إلى جوابهم، استأنفه بقوله: {قالوا} أي أجمعون، لم يرتع منهم إنسان ولا تزلزل عما منحه الله به من رتبة الإيمان {إنا إلى ربنا} أي الذي ما زال يحسن إلينا بنعمه الظاهرة والباطنة حتى جعل آخر ذلك أعظم النعم، لا إلى غيره {منقلبون*} أي بالموت انقلاباً ثابتاً لا انفكاك لنا عنه إن صلبتنا أو تركتنا، لا طمع لنا في البقاء في الدنيا، فنحن لا نبالي - بعد علمنا بأنا على حالة السعداء - بالموت على أيّ حالة كان، أو المراد أنا ننقلب إذا قتلتنا إلى من يحسن إلينا بما منه الانتقام منك، ولذلك اتبعوه بقولهم: {وما تنقم} أي تنكر {منا} أي فعلك ذلك بنا وتعيب علينا {إلا أن آمنا}

أي إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان {بآيات ربنا} أي التي عظمت بكونها صادرة عنه ولم يزل محسناً إلينا فوجب علينا شكره {لما} أي حين {جاءتنا} لم نتأخر عن معرفة الصدق المصدَّق، وهذا يوجب الإكرام لا الانتقام؛ ثم آذنوه بأنهم مقدمون على كل ما عساه أن يفعل به فقالوا: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا القادر على خلاصنا {أفرغ} أي صب صباً غامراً {علينا} أي فيما تهددنا به هذا الذي قويته علينا {صبراً} أي كثيراً تغمرنا به كما يغمر الماء من يفرغ عليه حتى لا يروعنا ما يخوفنا به {وتوفنا} أي اقبض أرواحنا وافية حال كوننا {مسلمين*} أي عريقين في الانقياد بالظاهر والباطن بدلائل الحق، والظاهر أن الله تعالى أجابهم فيما سألوه تلويحاً بذكر الرب فلم يقدره عليهم لقوله تعالى {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] ولم يات في خبر يعتمد أنه قتلهم، وسيأتي في آخر الحديد، عن تاريخ ابن عبد الحكم ما هو صريح في خلاصهم. ولما قنع فرعون في ذلك الوقت الذي بهرت قومه تلك المعجزة الظاهرة بالانفصال على هذا الوجه الذي لم يدع فيه حيلة إلا خيل بها، وخلص موسى عليه السلام بقومه متمكناً منهم بعض التمكن، وكان السياق

لبيان أن أكثر الخلق فاسق، أخبر تعالى بما قال قوم فرعون بعدما رأوا من المعجز القاهر دليلاً على ذلك، فقال عاطفاً على {وألقي السحرة ساجدين} وما بعده، أو على قول فرعون: {وقال الملأ} أي الأشراف {من قوم فرعون} أي ظانين أن فرعون متمكن مما يريد بموسى عليه السلام من الأذى منكرين لما وصل إليه الحال من أمر موسى عليه السلام حين فعل ما فعل وآمن به السحرة، وما عمل فرعون شيئاً، لا قتله ولا حبسه، لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ولا يعترف به لقومه {أتذر موسى وقومه} . ولما كان ما كان في أول مجلس من إيمان السحرة جديراً بأن يجر إليه أمثاله، سموه فساداً وجعلوه مقصوداً لفرعون إحماء له واستغضاباً فقالوا: {ليفسدوا} أي يوقعوا الفساد وهو تغيير الدين {في الأرض} أي التي هي الأرض كلها، وهي أرضنا هذه، أو الأرض كلها، لكون مثل هذا الفعل جديراً برد أهل الأرض كلهم عن عقائدهم {ويذرك وآلهتك} قيل: كان أمر قومه أن يعبدوا الأصنام تقرباً إليه، وقال الإمام: الأقرب أنه كان دهرياً منكراً لوجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأنه المخدوم في العالم للخلق أو لتلك الطائفة والمربي لهم؛ ثم قال: وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ويعبدها على ما هو دين عبدة الكواكب انتهى. ولذلك قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، - هكذا قيل،

وهو ظاهر عبارة التوارة الآتية في آية القمل، ولكن إرادته غير ملائمة لهذه المعادلة، بل الظاهر أنه كان سمى أمراءة آلهة، وسمى لكل أمير قوماً يتألهونه أي يطيعونه، فإنه نقل عنهم أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلهاً كما سيأتي عن عبارة التوارة، فحيث وقعت الموازنة بين موسى عليه السلام وقومه وبين فرعون وقومه، عبر بالآلهة تعظيماً لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبود، ليس وراءه منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه، وموسى عليه السلام ليس بإله ولا في قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون! وحيث نفي الإلهية عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازاً، فجعلوه حقيقة وصاروا يفعلون ما يختص به الآلهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31] فكفروا بادعاء الربوبية بمعنى العبودية، ونفي المعبود الحق بدليل آية {ما عملت} ، والحاصل أنهم عيروه بالرضى بأن يكون رئيساً على القبط وموسى عليه السلام رئيساً على بني إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة

أكفاء للقبط. ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى عليه السلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ذلك فقال مستأنفاً: {قال} أي فرعون {سنقتل} أي تقتيلاً كثيراً {أبناءهم} أي كما كنا نفعل {ونستحيي نساءهم} أي نبقيهم أحياء إذلالاً لهم وأمناً من غائلتهم في المستقبل {وإنا فوقهم} أي الآن {قاهرون*} ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظر لئلا تتوهم العامة أنه المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة، موهماً بهذا أن تركه لأذى موسى عليه السلام لعدم التفاته؟ إليه، لايعجزه شيء عنه. ولما كان هذا أمراً يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموا من رائحة الفرج، استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى عليه السلام قائلاً: {قال موسى لقومه} أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من الأمور لو اجتمعت قلوبهم {استعينوا} أي ألصقوا طلب العون {بالله} الذي لا أعظم منه بما يرضيه من العبادة {واصبروا} ثم علل ذلك بأنه فعال لما يريد، ولا اعتراض عليه ولا مفر من حكمه فقال:

{إن الأرض} أي كلها مصر وغيرها {لله} أي الذي لا أمر لأحد معه، كرره تذكيراً بالعظمة وتصريحاً وتبركاً؛ ثم استأنف قوله: {يورثها من يشاء من عباده} . ولما أخبر أن نسبة الكل إليه واحدة، أخبر بما يرفع بعضهم على بعض فقال: {والعاقبة} أي والحال أن آخر الأمر وإن حصل بلاء {للمتقين*} أي الذين يقون أنفسهم سخط الله بعمل ما يرضيه فلا عبرة بما ترون في العاجل فإنه قد يكون استدراجاً.

129

ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم، أشار تعالى أن قلقهم كان وصل إلى حد لا صبر معه بقوله مستأنفاً: {قالوا} ولما كان الموجع هو الأذى، لا كونه من معين، بنوا للمفعول قولهم: {أوذينا} أي بالقتل والاستعباد. ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان، أثبتوا الجارّ فقالوا: {من قبل أن تأتينا} أي كما تعلم {ومن بعد ما جئتنا} أي فما الذي أفادنا مجيئك {قال} مسلياً لهم وداعياً ومرجياً بما رمز إليه من قبل {عسى ربكم} أي الذي أحسن إلى آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم {أن يهلك عدوكم} فلا يهولنكم ما ترون {ويستخلفكم} أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين، لا يحكم عليكم غيركم {في الأرض} أي جنسها إن كنتم متقين؛ ثم سبب عن الاستخلاف قوله مذكراً لهم محذراً من

سطواته سبحانه: {فينظر} أي وأنتم خلفاء متمكنون {كيف تعملون*} أي يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إيقاعكم للأعمال، ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداتكم. ولما رجاهم موسى عليه السلام بذلك، أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به، فذكر مقدماته فقال: {ولقد} أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد {أخذنا} أي قهرنا {آل فرعون} ولينّا عريكتهم وسهلنا شكيمتهم {بالسنين} أي بالقحط والجوع، فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام؛ ولما كانت السنة تطلق على نقص الحبوب، صرح بالثمار فقال، {ونقص من الثمرات} أي بالعاهات إن كان الماء كثيراً، أو السنة للبادية والنقص للحاضرة {لعلهم يذكرون*} أي ليكون حالهم حال من يرجو ناظره أن يتذكر في نفسه ولو بأدنى وجوه التذكر - بما أشار إليه الإدغام، فإن الضر يزيل الشماخة التي هي مظنة الوقوف مع الحظوظ ويوجب للإنسان الرقة فيقول: هذا إنما حصل لي بسبب تكذيبي لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ولا غيره. ولما لم يتذكروا ولا لانوا، سبب عن أخذهم قوله معرفاً بغباوتهم

معبراً في الخير بأداة التحقيق إشارة إلى أنه أغلب من الشر، حثاً على الشكر: {فإذا} أي فما تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا {جاءتهم الحسنة} أي الحالة الكاملة التي يحبونها من الخصب وغيره، وعرفها بعد تحقيقها إشارة إلى إكمالها {قالوا لنا هذه} أي نحن حقيقون بها، ودل على أن الخير أكثر من غيره بقوله بأداة الشك مع التنكير: {وإن تصبهم سيئة} أي حالة يكرهونها. ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا يلحق بني إسرائيل منها شيء، فكان إظهارهم للتطير بهم ظاهراً في ردهم عليهم وتكذيبهم فيه، أشار سبحانه بإدغام التاء إلى أنهم كانوا إنما يدسونه إلى من يمكنهم اختداعه من الجهلة والأغبياء على وجه الحلية والخفاء، بخلاف ما في يس فقال: {يطيروا} أي يتشاءموا {بموسى ومن معه} أي بأن يقولوا: ما حصل لنا هذا السوء إلا بشؤمهم، وهو تفعل من الطير، وهو تعمد قصد الطير لأن يطير للتفاؤل به خير أو شر، وأصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ميامنهم إلى جهة مياسرهم قالوا: بارح، أي مشؤوم، من البرح وهو الشدة، فإذا طار من جهة اليسار إلى جهة اليمين عدوه مباركاً، قالوا: من لي بالسانح بعد البارح، أي بالمبارك بعد المشؤوم، وعرف أن المراد هنا التشاؤم لاقترانه بالسيئة. ولما كذبوا في الموضعين، قال مستأنفاً على وجه التأكيد:

{ألا إنما طائرهم} أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير والشر فلا يزداد ولا ينقص {عند الله} أي الملك الذي لا أمر لغيره وقد قدر كل شيء، فلا يقدر على المجيء به غيره أصلاً {ولكن أكثرهم لا يعلمون*} أي لا علم لهم أصلاً فهم لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلاً في ذلك، فلذلك تراهم يضيفون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها. ولما كان هذا الذي قالوه يدل على سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل العلاج، أتبعه ما هو شر منه، وهو أنهم جزموا بأنه كلما أتاهم شيء في المستقبل قابلوه بالكفر فقال: {وقالوا مهما} هي مركبة من «ما» مرتين: الأولى الشرطية والثانية تأكيد. قلبت ألف الأولى هاء استثقالاً، قيل: مه هي الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية، أي كف عنك ما أنت فيه. ثم استأنفوا «ما» {تأتنا به} أي في أيّ وقت وعلى أيّ حالة كان؛ ثم بينوا المأتي به بقولهم: {من آية} أي علامة على صدقك، وهذا على زعمه، ولذلك عللوه بقولهم: {لتسحرنا} أي لتخيل على عقولنا {بها} وتلفتنا عما نحن عليه إلى ما تريد فنحن نسميها سحراً وأنت تسميها آية؛ ثم أجابوا الشرط بقولهم: {فما نحن} أي كلنا {لك} أي خاصة {بمؤمنين*} أي من أن نكذبك.

133

ولما بارزوا بهذه العظمية، استحقوا النكال فسبب عن ذلك قوله:

{فأرسلنا عليهم} أي عذاباً لهم - لما يفهمه حرف الاستعلاء {الطوفان} أي الرعد والبرق والنار مع المطر والبرد الكُبار الذي يقتل البقر فما دونها، والظلمة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها؛ ولما كان ذلك ربما أخصبت به الأرض، أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال: {والجراد} . ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى شيئاً، أخبر بما يستمر لأزقاً في الأرض حتى لا يدع بها شيئاً فقال: {والقمل} قال في القاموس: القمل كالسكر: صغار الذر والدبى الذي لا أجنحة له - وهو أصغر الجراد أو شيء صغير بجناح أحمر، وشيء يشبه الحلم خبيث الرائحة أو دواب صغار كالقردان يعني القراد. وقال البخاري في بني إسرائيل من صحيحه: القمل: الحمنان يشبه صغار الحلم. ولما ربما كان عندهم شيء مخزوناً لم يصل إليه ذلك، أخبر بما يسقط نفسه في الأكل فيفسده أو ينقصه فقال: {والضفادع} فإنها عمت جميع أماكنهم، وكانت تتساقط في أطعمتهم، وربما وثبت إلى أفواههم حين يفتحونها للأكل. ولم تم ما يضر بالماكل، أتبعه ما أفسد المشرب فقال: {والدم} فإن مياههم انقلبت كلها دماً منتناً، وعم الدم الشجر والحجارة وجميع

الأرض في حق القبط، وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك. ولما ذكر تعالى هذه الآيات العظيمة، نبه على عظمتها بذكر حالها فقال: {آيات} أي علامات على صدقه عظميات {مفصلات} أي يتبع بعضها بعضاً، وبين كل واحدة وأختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية الظهور، وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره. ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب، سبب عنها قوله: {فاستكبروا} مبيناً أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر والطغيان {وكانوا قوماً مجرمين*} أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما يحاولونه. ولما كان هذا في الحقيقة نقضاً لما أخذه الله على العباد بعهد العقل، أتبعه نقضاً حقيقياً، فقال مبيناً لحالهم عند كل آية، ولعله عبر بما يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق: {ولما وقع عليهم الرجز} يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب {قالوا يا موسى ادع لنا ربك} أي المحسن إليك، ولم يسمحوا كبراً وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا: ربنا {بما عهد عندك} أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافاً

أو تعليلاً: {لئن كشفت عنا الرجز} أي العذاب الذي اضطربت قلوبنا وجميع أحولنا له {لنؤمنن لك} أي لنجعلنك آمناً من التكذيب بإيقاع التصديق، ويكون ذلك خالصاً لأجلك وخاصاً بك {ولنرسلن معك} أي في صحبتك، لا نجس أحداً منكم عن الآخر {بني إسرائيل*} أي كما سألت؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله: {فلما كشفنا} أي بعظمتنا {عنهم الرجز} كرره تصريحاً وتهويلاً، ومددنا الكشف {إلى أجل} أي حد من الزمان {هم بالغوه} أي في علمنا {إذا هم} أي بضمائرهم التي تجري ظواهرهم على حسبها {ينكثون*} . ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه، سبب عنه قوله: {فانتقمنا منهم} أي انتقاماً ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به، بل انتقام إهلاك عبرة لوصولهم بعد كشف جميع الشبه إلى مخص العناد؛ ثم فسره بقوله: {فأغرقناهم} بما لنا من العظمة {في اليم} أي في البحر الذي يقصد لمنافعة {بأنهم} أي بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلينا، ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل عناداً بقوله: {وكانوا} أي جبلة وطبعاً {عنها غافلين*} أي يكون حالهم بعدها كحالهم قبلها، فكأنها لم تأتهم أصلاً فاستحقوا الأخذ لوقوع العلم بأن الآيات لا تفيدهم. ولما أخبر عن إهلاكهم، عطف عليه ما صنع ببني إسرائيل فقال:

{وأورثنا} أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة {القوم} ولما اشار بهذه العبارة - التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ويقومون به - إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون، أتبعه ما يدل عليه فقال: {الذين كانوا يستضعفون} أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم قد تمكنت عظمته في القلوب التي الوهم غالب عليها، وهم بنو إسرائيل {مشارق الأرض} أي الكاملة لبركاتها {ومغاربها} أي أرض الشام من الفرات إلى بحر سوف: الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله - كما مضى نقله في المائدة عن التوارة، يعني حكمنا بإيراثهم ذلك وأنجزناه لأبناء الذين خرجوا من مصر بعد إهلاكهم في التيه؛ ثم وصفها تغبطاً بها بقوله: {التي باركنا فيها} أي في أرضها بالمياه والأشجار والثمار والخصب، وفي أرزاقها بالكثرة والطيب، وفي رجالها بالعلم والنبوة وفي طباعهم بالاستقامة، وفي عزائمهم بالنجدة والشجاعة والمكارم، وفي جميع أحوالهم بأنه لا يبغيهم ظالم إلا عوجل بالنقمة {وتمت} أي وجدت صحتها لوجود مضمونها في عالم الشهادة وظهوره من ستور الغيب {كلمت ربك} أي المحسن إليك بإنزال هذه الأنباء على هذه الوجوه المفيدة مع إعجازها لغاية العلم والحكمة {الحسنى} مستعلية {على بني إسرائيل*}

أي التي هي أحسن الكلام وهي وعده سبحانه لهم بالخلاص من العبودية وإيراثهم مساكن آبائهم كما كانوا يسمعون من أسلافهم، وإذا استعلت عليهم منعت أعداءهم من الوصول إليهم {بما صبروا} أي بسبب صبرهم على الاستعباد وذبح الأولاد وما حصل بعد ذلك من طويل الأنكاد {ودمرنا} أي أهلكنا إهلاكاً عظمياً جعل يدمره كالرماد، لا خير فيه أصلاً {ما كان يصنع} أي صنعاً بغاية الإقبال عليه حتى كأنهم خلقوا لهم {فرعون وقومه} أي من الصنائع الهائلة المعجبة لكل من يراها أو يسمع بها مع أنهم قد مرنوا عليها فصارت أسهل شيء عندهم {وما كانوا} أي بما هو كالجبلة والطبع {يعرشون*} أي من الجنان والقصور العالية الأركان، وكفى بهذه الآية حاثة على الصبر وضامنة على كل حائز للأجر بالتفريج عن المظلوم ونصره وإهلاك الظلوم وقهره. شرح ما يحتاج إلى شرحه هنا من التوراة الموجودة الان بين أظهر اليهود، قال مترجماً في الأصحاح الثالث من السفر الثاني ما نصه: وقال الرب لموسى في مدين: انطلق راجعاً إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد هلكوا جميعاً، فانطلق موسى بامرأته وبينه وحملهم

على حماره وأخذ بيده عصا الرب، وقال الرب الموسى: انظر كل آية أجريتها على يدك فاصنعها أمام فرعون وأنا أقسي قلبه فلا يرسل الشعب وقل لفرعون: هكذا يقول الرب: ابني بكري إسرائيل، أرسل ليعبدني، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكري، فلما صار موسى في الطريق في المبيت لقيه ملاك الرب فأخذت صفورا حجراً من حجارة المروة فحشت غرلة ابنها وأخذت برجليه - وفي نسخة السبعين: ووقعت عند رجليه - وقالت: إن اليوم عرس الدم - تعني الختان، فقال الرب لهارون: اخرج فتلق أخاك في القفر، فخرج فلقيه في جبل الله في حوريب فعانقه وقبله، فأخبر موسى هارون بجميع قول الرب الذي أرسله فيه وما أمره من الآيات، وانطلق موسى وهارون، فجمع أشياخ بني إسرائيل، فقص عليهم جميع ما قال الرب لموسى، وحرج جرائح وآيات قدام الشعب - وفي نسخة السبعين: فجمعا مشايخ بني إسرائيل وتكلم هارون بجميع الكلام الذي كلم الله به موسى وعمل الآيات قدام الشعب - فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم، وجثا الشعب وسجدوا للرب، ومن بعد هذه الآيات والخطوب دخل موسى وهارون

وقالا لفرعون: هكذا يقول الله رب إسرائيل: أرسل شعبي يحجون إلى القفر - وفي نسخة السبعين: ليعبدوني في البرية - عوض: يحجون إلى القفر، فقال فرعون: ومن هو الرب حتى أطيعه؟ لا أعرف الرب ولا أرسل بني إسرائيل، وقالا له: الرب إله العبرانيين اعتلن لنا، فننطلق مسيرة ثلاثة أيام القفر ونذبح الذبائح لله ربنا لكيلا ينزل بنا الحزن والوباء - وفي نسخة السبعين: لئلا يفاجئنا موت أو قتل - قال فرعون: ما بالكما تبطلان الشعب من أعمالهم؟ فأمر فرعون ولاة الشعب وكتبتهم وقال لهم: لا تعودوا أن تعطوا الشعب تبناً لضرب اللبن كما كنتم تعطونهم، بل هم ينطلقون فيجمعون لأنفسهم التبن، وخذوهم بحساب اللبن على ما كنتم تأخذونهم به أمس وأول من أمس - ونسخة السبعين: في كل يوم لا تنقصوهم شيئاً من عملهم لأنهم بطروا لذلك يصيحون فيقولون: ننطلق فنذبح للرب إلهنا - فليشتد العمل على الرجال - ونسخة السبعين - فليتضاعف عمل هؤلاء القوم - حتى يهتموا به ولا يهتموا بكلام الباطل، فخرج ولاة الشعب وكتبتهم يما قال فرعون،

فتقرق الشعب في جميع أرض مصر في جميع التبن، وجعل ولاتهم يلحون عليهم ويقولون: ارفعوا إلينا العمل كما كنتم ترفعون من قبل حيث كنتم تعطون التبن، فزادت كتبة بني إسرائيل وعوقبوا من الذين ولوهم عليهم وقالوا: لم لم ترفعوا إلينا حساب اللبن كما كنتم ترفعون، فأتى كتبة بني إسرائيل فشكوا إلى فرعون وقالوا: ما بال عبيدك يصنع بهم هذا الصنيع؟ فقال فرعون: أنتم قوم بطرون، تقولون: ننطلق لنذبح لربنا، فسار - أي الكتبة - في بني إسرائيل وقالوا لهم: لا تنقصوا من لبنكم شيئاً، بل ارفعوا إلينا كما كنتم ترفعون كل يوم، فلقوا موسى وهارون وهما واقفان أمامهم - وفي نسخة السبعين: وهما يجيئان نحوهم إذ خرجوا من بين يدي فرعون - فقالوا لهما: الله يحكم بيننا وبينكما لأنكما حرضتما علينا فرعون وعبيده حتى ضيق علينا بأن يضع السلاح فينا فيقتلنا، فرجع موسى إلى الرب وقال: يارب! لم أسأت بشعبك وأضررت به؟ لأني ساعة أن أتيت فرعون فذكرت اسمك أساء بهذا الشعب وشق عليهم وأنت تخلص شعبك، فقال الرب لموسى: الآن ترى ما أصنع بفرعون لأنه سيرسلهم - وفي نسخة السبعين: وسوف ترى ما أصنع

بفرعون وكيف يرسلهم بيد منيعة وبذراع عظيمة يخرجهم من أرض مصر! أنا الرب الذي اعتلنت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسميت بإله المواعيد ولم أعلمهم اسم الرب - وفي نسخة السبعين: واسمي الرب فلم أظهره لهم - وأثبت عهدي أيضاً ووعدتهم أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي سكنوها؛ وقد سمعت ضجيج بني إسرائيل من تعبد أهل مصر، وأنجيكم من أعمالهم واخلصكم بيد منيعة وذراع عالية وبأحكام عظيمة، وأختصكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً، وتعرفون أني أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من تعبد المصريين وأقبل بكم إلى الأرض التي رفعت يدي لأعطيها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأجعلها لكم ميرثاً إلى الدهر، أنا الرب! فقال موسى لبني إسرائيل هذه الأقاويل فلم يسمعوا من موسى ولم يطيعوه من شدة حزنهم واستيقاد نفوسهم من الكد الشديد، وكلم الرب موسى وقال له: انطلق إلى فرعون ملك مصر وقل له فيرسل بني إسرائيل - من أرض مصر، فقال موسى للرب: إن بني إسرائيل لا يسمعوني ولا يطيعوني، وأنا أرتّ المنطق ثقيل اللسان فكيف يطيعني فرعون ويسمع مني! فقال الرب لموسى: انظر، إني قد جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبياً عليك، أنت تقضي

جميع ما آمرك به، وهارون أخوك يقول لفرعون - وفي نسخة السبعين: وهارون أخوك يكون لك نبياً وأنت تتكلم بجميع ما آمرك به وهارون أخوك يكلم فرعون - ليرسل بني إسرائيل من أرضه وأنا أقسي قلب فرعون فأكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، فلا يطيعكما فرعون ولا يسمع منكما فأمد يدي على مصر وأخرج جميع جنودي وشعبي بني إسرائيل من أرض مصر بالأحكام العظام، فيعرف أهل مصر أني أنا الرب، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب وانتهيا إلى أمره، وكان قد أتى على موسى ثمانون سنة، وكان ابن ثلاث وثمانين سنة إذ كلما فرعون، فقال الرب لموسى وهارون، إن قال لكما فرعون: أظهرا لي آية وجريحة، قل لهارون: خذ عصاك وألقها بين يدي فرعون فتكون تنيناً عظيماً، فأتى موسى وهارون إلى فرعون فصنعا كما أمرهما الرب، فألقى عصاه - وفي نسخة السبعين: فألقى هارون عصاه - بين يدي فرعون وأمام أمرائه- وفي نسخة السبعين: وعبيده - فصارت تنيناً عظيماً، فدعا فرعون بالحكماء والسحرة، فصنع سحرة مصر أيضاً بسحرهم كذلك، فألقى كل امرىء منهم عصاه فصارت تنيناً فابتلعت عصا هارون عصيهم، فقسا قلب فرعون وأبى أن يرسلهم كما قال الرب، وقال الرب لموسى: إن قلب فرعون قد قسا وأبى أن يرسل الشعب، انطلق إلى فرعون بالغداة، هو ذا يخرج ليغتسل على شاطىء البحر، وخذ العصا التي تحولت في يدك ثعباناً

وقل: وإن الرب إله العبرانيين أرسلني إليك، يقول لك: أرسل شعبي حتى يعبدني في البرية لأنك حتى الآن لا تسمع ولا تطيع، هكذا يقول الرب: بهذا تعلم أني أنا الرب، هأنذا أضرب ماء النهر بعصاي فيصير دماً، وتموت الحيتان التي في النهر وينتن - وفي نسخة السبعين: ولا يقدر أهل مصر أن يشربوا الماء من هذا النهر - وقال الرب لموسى: مر هارون أن يأخذ عصاه، وارفع يدك على ماء المصريين على أنهارهم وعلى غدرانهم وعلى آجامهم وعلى دواليب مياههم - وفي نسخة السبعين: وقال الرب لموسى: قل لهارون: خذ عصاك ومد يدك على ماء مصر وعلى أنهارها وآجامها ونقارها وعلى كل مائها المستنقع - فيتحول دماً، فيصير الدم في جميع أهل مصر في الأرض والخسب والحجارة، فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب، فرفع هارون العصا التي في يده فضرب بها ماء النهر وفرعون وعبيده ينظرون، فتحول ماء النهر فصار دماً، وماتت الحيتان التي بالنهر، ففسد ماء النهر وأنتن، ولم يقدر أهل مصر على شرب الماء من الدم، فصار الدم في جميع أرض مصر وقسا قلب فرعون فلم يطعهما كالذي قال الرب، فانصرف فرعون فدخل منزله ولم يفكر في شيء من ذلك وتهاون به، وكملت سبعة أيام من بعد ما ضرب الرب النهر، وقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول

الرب: أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله فإني أضرب جميع حدودك بالضفادع فتدب الضفادع فتصعد فتدخل إلى بيتك وقيطونك وفي مبيتك وعلى مضجعك وأسرتك في بيوت عبيدك وشعبك ومخادعك وبيوت طعامك، وتدب الضفادع عليك وعلى جميع شعبك، وقال الرب لموسى: قل لهارون أخيك أن مد يدك بعصاك على الأنهار وعلى الدواليب وعلى الآجام فأصعد الضفادع على أرض مصر، فرفع هارون يده على مياه المصريين فأصعد الضفادع فغشيت أرض مصر، فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما: صليا بين يدي الرب فتنصرف الضفادع عني وعن شعبي حتى أرسل الشعب فيذبحوا بين يدي الرب، فقال موسى لفرعون: سل وقتاً أصلي عليك فيه وعلى عبيدك وشعبك فتنصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة السبعين: عنك وعن قومك وعن بيوتك - فقال له غداً فقال له موسى: سيكون كما سألت فتعلم أنه لا إله غير إلهنا، فيصرف الضفادع عنك وعن بيتك - وفي نسخة السبعين: بيوتك وعن عبيدك وعن شعبك ما خلا الضفادع التي في النهر - فخرج موسى وهارون من بين يدي فرعون، فصلى موسى بين يدي الرب فاستجاب الرب لموسى، فماتت الضفادع في الدور والبيوت والرياض

فجمعوها أنابير أنابير فأصلّت الأرض وأجنت - وفي نسخة السبعين: فجمعوها صبباً صبباً فأنتنت الأض - فرأى فرعون الفرج والراحة وجفا قلبه فلم يطعهما كالذي قال الرب، فقال الرب لموسى: مر هارون فيرفع عصاه ليضرب ثرى الأرض فيكون القمل في جميع أرض مصر، ففعل ذلك فدب القمل في الناس والبهائم وصار جميع ثرى الأرض قملاً في جميع أرض مصر، فصنع مثل ذلك السحرة بسحرهم فلم يقدروا أن يصرفوا القمل في الناس والبهائم، فقالت السحرة لفرعون: إن هذا فعل رب العالمين، فقسا قلب فرعون ولم يطعهما كما قال الرب، فقال الرب لموسى: أدلج باكراً وقف بين يدي فرعون، وهو ذا يخرج يغتسل - وفي نسخة السبعين: فإنه يخرج إلى الماء - فقل له: هكذا يقول الرب: أرسل شعبي فيعبدوني، فإن أنت أبيت فهأنذا مرسل - وفي نسخة السبعين: فإني مرسل - عليك وعلى شعبك وعلى أهل بيتك هوام وحشرة من كل جنس فتمتلىء - وفي نسخة: ذباب الكلب فتمتلىء - بيوت المصريين من الهوام والحشرة مثل ثرى الأرض التي هم عليها، وأميز في ذلك اليوم أرض جاسان التي يسكنها شعبي، فلا يكون فيها من الهوام والحشرة شيء لتعلم أني أنا الرب، وأميز بين شعبي وشعبك، وتكون هذه الآية غداً،

وفعل الرب كذلك وأنزل الهوام على بيت - وفي نسخة: بيوت - فرعون وعبيده وعلى جميع أرض مصر، ففسدت الأرض بالهوام، فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما: انطلقوا فاذبحوا الذبائح لله ربكم في هذه الأرض، فقال موسى: لا يحسن بنا أن نفعل ذلك لأنا إنما نذبح للرب إلهنا من نجاسة المصريين وبدعهم، فإن نحن ذبحنا أمام آلهة المصريين رجمونا، بل ننطلق مسيرة ثلاثة أيام في القفر فنذبح هنالك للرب إلهنا على ما يأمرنا ويقول لنا، فقال فرعون: أنا أرسلكم فتذبحوا الذبائح للرب إلهكم في البرية، ولكن لا تنطلقوا فتتوانوا، بل صلوا عليّ أيضاً - وفي نسخة السبعين: ولكن لاتبعدوا وصلوا عليّ أيضاً إلى ربكم - فقال موسى لفرعون: هأنذا أخرج من بين يديك فأصلي بين يدي الرب، فيصرف الهوام والحشرة عن فرعون وعن عبيده وعن شعبه غداً، ولكن لا يعود فرعون أن يكذب في قوله ويأبى أن يرسل الشعب ليذبحوا الذبائح، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فقبل الرب صلاة موسى وصرف الهوام فلم يوجد منها ولا واحد، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضاً ولم يرسل الشعب، فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: أرسل شعبي حتى يعبدوني، فإن أبيت أن ترسله - وفي نسخة السبعين: وتمسكت به، فإن

يد الرب تضرب ماشيتك التي في القفر من الخيول والحمير والبقر والغنم، فيقع فيها الوباء العظيم الصعب الشديد، ويميز الرب بين دواب بني إسرائيل وبين بهائم أهل مصر، فلا يموت من بهائم آل إسرائيل ولا واحد، ووقت الرب وقتاً ليكمل فيه هذا القول على الأرض، فأكمل الرب هذا الأمر من غد ذلك اليوم، فماتت جميع بهائم المصريين ولم يمت من دواب بني إسرائيل ولا واحد، وأرسل فرعون فإذا أنه لم يمت من دواب بني إسرائيل ولا دابة، فقسا قلب فرعون بعد هذا أيضاً فأبى أن يرسل الشعب، فقال الرب لموسى وهارون: خذا في حقيبتكما من رماد الأتون فيذره موسى إزاء السماء نحو فرعون، فيكون العجاج في أرض مصر، فيضرب الناس والبهائم جميعاً قروح ناتية رخوة في أرض مصر كلها، فأخذا رماد الأخدود ووقفا بين يدي فرعون فذره موسى نحو السماء أمام فرعون فظهرت قروح ناتية رخوة، فاستعلت في الناس والبهائم، فلم يقدر السحرة على الوقوف بين يدي موسى من كثرة القروح التي ظهرت في السحرة وفي جميع أهل مصر، فقسى الرب قلب فرعون فلم يسمع لهما ولم يطعهما كالذي قال الرب لموسى، فقال الرب لموسى: أدلج باكراً وقف بين يدي فرعون وقل له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين:

أرسل شعبي فيعبدوني وإلا فأنا مرسل في هذا الوقت ضربتي على قلبك وعلى عبيدك وعلى شعبك لتعلم أنه لا إله غيري على الأرض كلها، لأني مجمع من الآن أن أمد يدي فأضربك وشعبك بالوباء، وتبيد عن جديد الأرض، وإنما بغيتك بهذا الأمر لأظهر لك عزي وقدري ولينادي باسمي في الأرض كلها، وأنت حتى الآن تتمسك بالشعب وتأبى أن ترسله، وغداً في هذا الوقت أهبط البرد العظيم الشديد ما لم يكن - وفي نسخة السبعين: الذي لم يكن مثله - بمصر منذ اليوم الذي أسست فيه قواعدها إلى يوم الناس هذا، والآن أرسل فأدخل جميع دوابك وكل مالك في الحقل لأن كل بهيمة أو إنسان يلقى في الحقل ولا يدخل البيت يهبط عليهم البرد فيموتون، وكل من خاف كلمة الله من عبيد فرعون نقل عبيده وبهائمه إلى البيوت، والذي لم يفكر في كلمة الله وتهاون بها ترك دوابه وعبيده في الحقل، وقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء يهبط البرد على جميع أرض مصر على الناس والبهائم وجميع الحقول - وفي نسخة السبعين: على الناس والدواب وجميع نبات الصحراء - فرفع موسى عصاه نحو السماء فأرجفهم الرب بالرعد والبرد، وجعلت النار تضطرم على الأرض، فأهبط الرب البرد وكان البرد يهبط والنار تضطرم في البرد، وكان شديداًعظيماً، ولم يكن مثله في جميع أرض مصر منذ اليوم الذي سكنها بنو البشر، فضرب البرد جميع أرض مصر لكل من

كان في الحقل من الناس والبهائم، وأهلك الرب جميع عشب الحقل وحطم جميع أشجار الغياض، فأما أرض جاسان التي كانت آل إسرائيل يسكنونها فلم يهبط عليها البرد، فأرسل فرعون فدعا موسى وهارون فقال لهما: قد خطئت في هذه المرة أيضاً، والرب بار وأنا وشعبي منافقون - وفي نسخة السبعين: إني قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار- فصليا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة فيصرف عنا الرجفة والرعد والبرد فأرسلكم فلا تعودوا أن تتأخروا - وفي نسخة السبعين: وأنا أرسلكم ولا أعود أن أوخركم - فقال موسى لفرعون: إذا ما خرجت من القرية أبسط يدي للرب فيصرف عنكم صوت الرعد والرجفة، ولا يعود البرد يهبط أيضاً لكي تعلم أن الأرض وما عليها لله. وأنا أعلم أنك وعبيدك إلى الآن لم ترهبوا الله ولم تخافوا عقابه، وقد هلك الكتان والشعير - وفي نسخة السبعين: وضرب البرد الشعير والكتان - لأن الشعير كان قد بدأ أن يسبل، والكتان قد بدأ أن يبزر، فأما زرع الحنطة والكثيب فلم يهلك لأنه كان متأخراً، فلما جاء موسى من القرية من بين يدي فرعون بسط - وفي نسخة السبعين: فأما زرع الحنطة والذرة فإنه لم يضرهما لأنهما كانا لقسا، وخرج موسى من عند فرعون خارج المدينة فبسط - يديه بين يدي الله نحو السماء فصرف عنهم الرعد والبرد، وانقطع المطر عن

الأرض، فرأى فرعون أن القطر والبرد والرعد قد انقطع وسكن فعاد وخطأ وقسا قلب فرعون وعبيده - وفي نسخة السبعين: وقسا قلبه وقلب عبيده وجفا - ولم يرسل بني إسرائيل كرسالة الرب - وفي نسخة السبعين: على ما تكلم به الرب على يد موسى - فقال الرب لموسى: انطلق إلى فرعون لأني أنا الذي أقسي قلبه وقلوب عبيده، فأظهر هذه الآيات لتجر بنيك وبني بنيك بما صنعت بأهل مصر من الآيات الكثيرة التي أظهرت، فيعلموا أني أنا الرب، فأتى موسى وهارون إلى فرعون وقالا له: هكذا يقول الرب إله العبرانيين: حتى متى تأبى أن تخافني وترهبني! أرسل شعبي ليعبدوني، فإن أبيت أن ترسل شعبي فهأنذا محدر على جميع تخومك الجراد - وفي نسخة السبعين: فإني أجلب عليك غداً هذا الوقت جراداً عظيماً على جميع حدودك - فيغطي عين الأرض فلا يقدر إنسان على النظر إلى الأرض، فمهما أبقى لكم البرد أكله، ويأكل جميع الشجر التي تنبت لكم في الحقل، ويمتلىء منه بيوتك وبيوت عبيدك وبيوت جميع المصريين ما لم ير مثله آباؤك وأجدادك من اليوم الذي أسست الأرض إلى يوم الناس هذا، ورجعا من بين يدي فرعون فقالفرعون لعبيده: حتى متى يكون لنا هذه العثرة! يرسل القوم فيعبدون - وفي نسخة السبعين: فقال عبيد فرعون لفرعون: حتى متى يكون

لنا هذا البلاء! أرسل القوم فيعبدوا - الرب إلههم أما تعلم - وفي نسخة السبعين: أو ما عملت - أن مصر قد خربت، فردوا موسى وهارون إلى فرعون فقال لهم: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، ولكم من منكم ينطلق؟ فقال له موسى: إنا ننطلق بشباننا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وبغنمنا وبقرنا، لأنه عيد لنا للرب، فقال لهما: ليكن كما قلتما، والله يصحبكما إذا ما أرسلتكم وحشمكم، لعله أن يعرض لكم في الطريق آفة، ولكن ليس هكذا، انطلقوا الآن معاشر الرجال! اعبدوا بين يدي الرب لأنكم إنما تطلبون بذلك الراحة، فأخرجوهما من بين يدي فرعون، فقال الرب لموسى: ارفع يدك على أرض مصر فيأتي الجراد فيصعد على أرض مصر فيأكل عشب الحقل وجميع ما نجا من البرد، فرفع موسى عصاه على ارض مصر، فأهبَّ الرب على الأرض ريح السموم جميع ذلك اليوم - وفي نسخة السبعين: والرب جلب ريحاً قبلية على الأرض نهار ذلك اليوم - وتلك الليلة، فلما كان بالغداة احتملت ريح السموم الجراد، فصعد الجراد - وفي نسخة السبعين أخذت الريح القبلية الجراد وأصعدته - على جميع أرض مصر، فسقط على جميع تخوم أرض المصريين، وكان منيعاً عظيماً جداً، ولم يكن مثل ذلك الجراد فيما خلا ولا يكون مثله فيما بعده، فغطى جميع عين الأرض فأظلمت الأرض، وأكل جميع عشب الحقل وجميع الشجر التي نجت من البرد، ولم يبق في الشجر غصن ولا ورق ولا في

الحقل عشب في جميع أرض مصر، فاستعجل فرعون ودعا موسى وهارون وقال لهما: قد خطئت بين يدي الله إلهكما، والآن اعفوا عن ذنبي وجهلي هذه المرة، وصليا بين يدي الرب إلهكم فيصرف عني هذه الآفة والموت، فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب، فعاد الرب بريح السموم عاصفاً فاحتملت الجراد فقذفت به في بحر سوف - وفي نسخة السبعين: فغير الرب تلك الريح بريح من البحر شديدة فأخذت الجراد وألقته في البحر الأحمر - ولم يبق في جميع تخوم المصريين شيء من الجراد، فقسى الرب قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل، فقال الرب لموسى: ارفع يدك إلى السماء فليكن الدجى والحنادس على جميع أرض مصر فتذلهم الظلمة، فرفع موسى يده إلى السماء فكانت الظلمة والدجى - وفي نسخة السبعين: فصارت ظلمة وزوبعة - على جميع أرض مصر، ولم ير المرء منهم صاحبه ثلاثة أيام، فأما جميع بني إسرائيل فكان لهم الضياء والنور في مساكنهم، فدعا فرعون موسى فقال له: انطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم، فأما بقركم وغنمكم فدعوها هاهنا، وأما حاشيتكم فانطلقوا بها معكم، فقال موسى لفرعون: وأنت أيضاً تعطينا من الذبائح فنذبح لله ربنا، وبهائمنا أيضاً تنطلق بها معنا، ولا يبقى منها هاهنا ظلف على الأرض لأنا إنما نأخذ من مالنا لنذبح بين يدي الرب إلهنا، ولسنا نعلم بماذا نعبد الله إذا بلغنا هناك، فقسى الرب قلب فرعون وأبى أن يرسلهم،

فقال فرعون لموسى: اخرج من بين يدي واحذر أن تتراءى لي أيضاً لأن اليوم الذي تتراءى لي بين يديّ تموت فيه، قال له موسى: ما أحسن قولك! لست بعائد أن أرى وجهك، قال الرب لموسى: إني أعود أيضاً فانزل بفرعون والمصريبن ضربة واحدة، وعند ذلك أرسلكم من هاهنا، فإذا أرسلتكم فاخرجوا كلكم، وأمر الشعب وقال لهم: ليستعر المرء منكم من صاحبه والمرأة من جارتها حلي ذهب وفضة - وفي نسخة السبعين: آنية الفضة وآنية الذهب - والكسوة، وجعل الرب للشعب في قلوب المصريين محبة ورحمة، وموسى كانت له هيبة وكرامة عظيمة في جميع أرض مصر - وفي نسخة السبعين: عند المصريين وعند فرعون وعند جميع عبيده - فقال موسى: هكذا يقول الرب: إني خارج نصف الليل فأجوز في أرض مصر فأتوفى جميع أبكار مصر بكر فرعون الجالس على منبره إلى بكر الأمة التي في بيت الرجل، وتموت جميع أبكار البهائم فتسمع الولولة العظيمة والصراخ والأنين الفظيع ما لم يسمع مثله أيضاً- وفي نسخة السبعين: ولا يعود أيضاً أن يكون مثلها- فأما آل إسرائيل فلا يصاب منهم ولا الناس ولا البهائم ولا الكلب بلسانه- وفي نسخة السبعين: ولا يعوي من جميع بني إسرائيل كلب بلسانه - ليعلموا أن الرب ميز بين المصريين وآل إسرائيل، فهبط جميع عبيدك هؤلاء فيسجدون لي ويقولون: اخرج أنت وجميع الشعب معك، وعند

ذلك أخرج، فخرج موسى من بين يدي فرعون بغضب شديد، فقال الرب لموسى: إن فرعون لا يطيعكما، ذلك أني مكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر، وإن موسى وهارون جرحا هذه الجرائح وأظهرا هذه الآيات كلها بين يدي فرعون، فقسى الرب - وفي نسخة السبعين: وأقسى الرب - قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل عن أرضه، وقال الرب لموسى وهارون بأرض مصر: هذا الشهر- أي نيسان - يكون لكم رأس الشهور، ويكون هذا أول شهور السنة، قل لجميع جماعة بني إسرائيل في عشر من هذا الشهر فليأخذ الرجل منهم حملاً- وفي نسخة السبعين: خروفاً - لبيته وحملاً لآل أبيه، وإن كان آل البيت قليلاً لا يحتاجون إلى حمل فليشرك هو وجاره القريب إلى بيته على عدة الناس، وعدوا كل امرىء منهم على قدر أكله من الحمل، حملاً بلا عيب فيه ذكراً بيناً، يكون الحمل حويلاً من الخراف والجدي وتأخذونه، ويكون محفوظاً لكم حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، ويذبحه كل جماعة من كنيسة بني إسرائيل أصيلاً، ويأخذون من دمه ويضعونه على القائمين والعتبة من البيت الذي تأكلون فيه، أي علامة - للملائكة الذين يؤمرون بقتل أبكار المصريين، وتأكلون اللحم في هذه الليلة مشوياً بفطير، ولا تأكلوا منه نيئاً ولا مطبوخاً بالماء،

ولاتبقوا منه شيئاً لغد، ولا تكسروا منه عظماً، وما فضل منه إلى غد فأحرقوه بالنار، وكلوه وأنتم قيام وقد شددتم أو ساطكم ونعالكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم وكلوه بعجلة، فإنه فصح للرب، وأنا فإني أعبر في أرض مصر في هذه الليلة وأضرب كل بكر بأرض مصر من الناس والبهائم، وأعمل نقمة من جميع آلهة المصريين، أنا الرب! ويكون لكم هذا اليوم ذكراً وتعيدونه عيداً للرب لدهوركم إلى الأبد وتعيدونه سبعة أيام، وتأكلون فطيراً وتعزلون الخمير من بيوتكم من أول يوم، وكل من يأكل خميراً فإن تلك النفس تبيد من إسرائيل من اليوم الأول إلى اليوم السابع، وكل عمل يعمل فلا تعملوه فيها، واحفظوا هذه الوصية، ففي هذا اليوم خرج عسكركم من مصر، فاجعلوا هذا اليوم لدهوركم سنة، فإذا بدأ اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من العشيّ كلوا فطيراً إلى يوم إحدى وعشرين من الشهر إلى العشاء، ولا يوجد خمير في بيوتكم سبعة أيام، وكل من يأكل مخمراً فإن تلك النفس تبيد من جماعة بني إسرائيل من الملة والذمة ومن سكان الأرض، ما كان خميراً فلا تأكلوه وكلوا فطيراً في جميع مساكنكم، فدعا موسى جميع أشياخ بني إسرائيل وقال لهم: عجلوا فخذوا غنماً لقبائلكم واذبحوا الفصح

وخذوا حزمة من ريحان الأدبان واغمسوها بدم الحمل ورشوا على معاقم أبوابكم ومعاضدها - وفي نسخة السبعين: على العتبة وكلا القائمين - من الدم الذي في الإناء، ولا يخرج أحد منكم من باب بيته إلى غدوة - وفي نسخة السبعين: إلى الصباح - فتحفظون هذه السنة والوصية أنتم وبنوكم إلى الأبد، وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الرب كما وعدكم فاحفظوا هذا العمل، وإذا سأل بنوكم فقالوا لكم: ما هذا الفعل؟ فقولوا لهم: هذه ذبيحة فصح الرب إذ أفصح على بيوت بني إسرائيل بمصر إذ قتل المصريين وخلص بيوتنا، فركع الشعب كله ساجداً لله وانطلق بنو إسرائيل فصنعوا كما أمر الله موسى وهارون، وفي بيوت بني إسرائيل فلما كان عند نصف الليل قتل الرب أبكار أرض مصر- وفي نسخة السبعين: كل بكر بأرض مصر - من بكر فرعون الجالس على منبره - وفي نسخة السبعين: على كرسيه - وحتى بكر السبي المحبوس في السجن وجميع أبكار البهائم فوثب فرعون في تلك الليلة هو وجميع عبيده وكل أرض مصر - وفي نسخة السبعين: وجميع المصريين - وكانت ولولة عظيمة في جميع أرض مصر لأنه لم يوجد بيت لم يكن فيه ميت، فدعا فرعون بوسى وهارون في تلك الليلة وقال لهما: انهضا فاخرجا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل أيضاً وانطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب كقولكما، وسوقوا غنمكم

وبقركم أيضاً كما قلتما، وانطلقوا وصلوا عليّ أيضاً وادعوا لي، فألح المصريون على الشعب ليخرجوهم عن الأرض مسرعين لأنهم قالوا: إنا جميعاً سنموت، فحمل الشعب عجينهم قبل أن يختمر، والبارد من فطيرهم مشدوداً في عمائمهم ملقى أعناقهم، وصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى، واستعاروا من المصريين حلي ذهب وفضة وكسوة - وفي نسخة السبعين: آنية الفضة والذهب والكسوة - وجعل الرب للشعب في أعين المصريين محبة ورحمة فأعاروهم، فحربوا المصريين، وظعن بنو إسرائيل من رعمسيس - وعلى حاشية نسخة السبعين أنها عين شمس - يطلبون ساخوت ستمائة ألف رجل سوى الحشم والعيال، وصعد معهم من الغرباء أيضاً من كل خلط ومن البقر والغنم والماشية كثيراً جداً، فاختبزوا العجين الذي أخرجوه معهم من مصر رغفاً - وفي نسخة السبعين: فرانيّ - فطيراً لم يختبزوه - وفي نسخة السبعين: لم يختمر- وذلك لأن المصريين أخرجوهم فلم يقدروا أن يلبثوا، ولم يتزودوا زاداً للطريق أيضاً، وكان مسكن بني إسرائيل في أرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة، في هذا اليوم خرج جميع جنود الرب من أرض مصر- وفي نسخة السبعين: ليلاً - كان الرب وقت في سابق علمه حفظ تلك الليلة التي خرجوا فيها من مصر، وكانت هذه الليلة محفوظة معروفة لدى الرب لهلاك أبكار مصر ولإخراج جميع بني إسرائيل ليكون ذكر ذلك في جميع أحقابهم وخلوفهم، وقال الرب لموسى وهارون: هذه

سنة الفصح، لا يأكل منه غريب، وكل عبد لرجل اشتراه إذا ختنه عند ذلك فأطعمه الفصح، والأجير والساكن فلا يأكل منه، في بيت واحد فليؤكل - وفي نسخة السبعين: وكل عبد لرجل اشتراه فليختتن ثم يأكل منه، الملجىء والأجير لا يأكلان منه، وليؤكل في بيت واحد - ولا تخرجوا من اللحم خارجاً من البيت شيئاً ولا تكسروا فيه عظماً، وإذا سكن معكم غريب فختن كل ذكر في بيته عند ذلك فليقترب - وفي نسخة السبعين، وليختن منهم كل ذكر ثم يدنون - من بعد ذلك إلى أكل الفصح، وليكن عند ذلك بمنزلة أهل الأرض، ولا يأكل منه أغرل، ولتكن سنة واحدة لأهل الأرض والغرباء الذين يسكنون معكم، وصنع جميع بني إسرائيل كما أمر موسى وهارون، وفي هذا اليوم أخرج الرب بني إسرائيل من أرض مصر وجميع جنودهم، وقال الرب لموسى: طهر لي كل ذكر ذكر ويفتح كل رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم يكونون لي، فقال موسى للشعب: اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق، لأن الرب أخرجكم من هاهنا بيد منيعة - إلى آخر ما مضى في سورة البقرة؛ ثم ذكر في الخامس علة الفصح فقال: احفظوا شهر البهار فاعملوا فصحاً لله ربكم لأنه إنما أخرجكم من أرض مصر في

شهر البهار ليلاً، فاذبحوا فصحاً لله ربكم من البقر والغنم في الموضع الذي يختار الله ربكم، فلأ تأكلوا فيه خميراً بل كلوا فطيراً سبعة أيام خبزاً يدل على التواضع لأنه إنما خرجتم من أرض مصر بعجلة لتذكروا اليوم الذي أخرجتم فيه من مصر كل أيام حياتكم، ولا يرى الخمير في حدودكم سبعة أيام، ولا يحل لكم أن تأكلوا الفصح في قرية من القرى التى يعطيكم الله ربكم، ولكن في الموضع الذي يختار الله ربكم أن يصير فيه اسمه ففيه اذبحوا الفصح، ويذبح عند غروب الشمس في الوقت الذي خرجتم من أرض مصر، ثم قال: وأحصوا سبعة سوابيع من بعد عيد الفصح، ثم اعملوا عيد السوابيع وائتوا بخواص غلاتكم للرب، كما بارك لكم الله ربكم في الموضع الذي يختار الرب أن تصيروا اسمه فيه واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر، فاحفظوا هذه السنن كلها واعملوا بها، واعملوا عيد المظال سبعة أيام إذا ما دخلتم بيادركم وخزنتم معاصركم ليبارك الله ربكم في جميع غلاتكم وفي كل عمل أيديكم، وتكونوا فرحين، ويروى ذكركم أمام الله ربكم في الموضع الذي يختار ثلاث مرات في السنة: عيد الفطر وعيد السوابيع وعيد المظال - انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إضافة - الابن في قوله:

ابني بكري، وهو مؤوّل بأنه يكرمه إكرام الولد، وإطلاق الإله على غير الله سبحانه مراد به الحاكم، ولا يجوز هذا الإطلاق عندنا.

138

ولما انقضى ما أراهم سبحانه من الأفعال الهائلة التي استخلصهم بها من ذلك الجبار، شرع يذكر ما قابلوه به من الجهل به سبحانه وما قابلهم به من الحلم، ثم ما أحل بهم بعد طول المهلة من ضرب الذلة والمسخ بصورة القردة، فقال عاطفاً على قوله {فأغرقناهم في اليم} أو قوله {ثم بعثنا من بعدهم موسى} : {وجاوزنا} أي قطعنا بما لنا من العظمة - وساقه على طريق المفاعلة تعظيماً له، روي أن جوازهم كان يوم عاشوراء، وأن موسى عليه السلام صامه شكراً لله تعالى على إنجائهم وإهلاك عدوهم {ببني إسرائيل} بعد الآيات التي شاهدوها {البحر} وإنما جعلته معطوفاً على أول القصة لأن هذه القصص كلها بيان لأن في الناس السيىء الجوهر الذي لايغنيه الآيات كما مضى عند قوله: {والبلد الطيب} [الأعراف: 58] وبيان قوله {أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} [الأعراف: 94] إلى آخرها، ويدل على ذلك - مع ما ابتدئت به القصص - ختمها بقوله {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 176] وقوله: {ولقد ذرأنا لجهنم} [الأعراف: 179] وحسن موقعها بعد قوله: {وتمت كلمت ربك الحسنى} [الأعراف: 137]

لأنه لما قيل {بما صبروا} تشوفت النفس إلى فعلهم حال الرخاء هل شكروا؟ فبين أن كثيراً منهم كفروا تصديقاً لقوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102] وما شاكله، وما أحسن تعقيب ذلك - بقوله: {فأتوا} أي مروا- بفاء التعقيب {على قوم} أي ذوي قوة، قيل: كانوا من لخم {يعكفون} أي يدورون ويتحلقون ملازمين مواظبين {على أصنام لهم} أي لا قوة فيها ولا نفع، فهم في عكوفهم عليها مثل في الغباوة، وقيل: إنها كانت تماثيل بقر، وكان ذلك أول أمر العجل. ولما أخبر سبحانه بذلك، علم السامع أنهم بين أمرين: إما شكر وإما كفر، فتشوف إلى ما كان منهم، فأجاب سبحانه سؤاله بقوله: {قالوا} أي لم يلبث ذكرهم لما أراهم سبحانه من عظمته وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ريثما أمنوا من عدوهم بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلهاً غيره بقولهم: {يا موسى} سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة اعتماداً على ما عمهم من بره وحلمه غير متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من الله وقسمه {اجعل لنا إلهاً} أي شيئاً نراه ونطوف به تقيداً بالوهم {كما لهم آلهة} وهذا منهم قول من لا يعد الإله - الذي فعل معهم هذه الأفاعيل - شيئاً، ولا يستحضره بوجه.

ولما كان هذا منهم عظيماً، استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه السلام لهم ما هم بقوله: {قال إنكم قوم} أي ذوو قيام في شهوات النفوس، وقال: {تجهلون*} مضارعاً إشعاراً بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة، لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل، واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل سياق منها لأمر لم يسبق مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السلام وفرعون - عليه اللعنة والملام - هذا الاستدلال الوجودي على قوله {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف: 102] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود، واستمر سبحانه في هذا الاستدلال إلى آخر السورة، وما أنسب {وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: 172] الآية، لقوله {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102] وذكر في أول التي تليها تنازعهم في الأنفال تحذيراً لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه، هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسراءيل في البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم، لأن ذلك في سياق خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة: 28] وما شاكله من الاستعطاف بتعداد النعم ودفع النقم - والله أعلم.

ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم، علل هذا الإنكار بقوله: {إن هؤلاء} أي القوم {متبر ما هم فيه} أي مكسر مفتت مهلك على وجه المبالغة، وإذا فسد الظرف فسد المظروف، وإليه الإشارة بجعل «هؤلاء» اسماً لإن، وإيلائه خبر الجمله الواقعه خبراً مقدماً على مبتدئه. ولما كان الشيء قد يهلك في الدنيا أو في الاخرة - وهو حق، أعملهم بأن هذا الهلاك إنما هو الهلاك عند الله أعلم من كونه في الدنيا أو في الآخرة لبطلان ما هم فيه، فقال معبراً بالاسمية إشارة إلى أنه الآن كذلك، وإن رئي بخلافه: {وباطل} أي مضمحل زائل {ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يعملون*} أي مواظبين عليه من الأصنام والعكوف وجميع أعمالهم لأجله، لا وزن لشيء منها أصلاً ولا اعتبار، وفيه إشارة إلى أن العبادة لا تنبغي إلا للباقي الذي لا يجوز عليه التغير، فإذا كان كذلك كان العمل له أيضاً ثابتاً باقياً لا يجوز عليه البطلان، وفي تعقيبها لتدمير آل فرعون إشارة إلى موجب ذلك، وأن كل من كان على مثل حالهم من عبادة غير الله كانت عاقبته الدمار. ولما كان هذا استدلالاً على أن مثل هذه الأصنام التي مروا عليها لا تصلح لأن تعبد، كان ذلك غير كاف لهم لما - تقرر من جهلهلم، فربما ظنوا أن غيرها مما سوى الله تجوز عبادته، فكأنه قيل: هذا لا يكفي جواباً لمثل هؤلاء فهل قال لهم غير ذلك؟ فقيل: نعم! {قال} منكراً معجباً

{أغير الله} أي الذي له جميع العظمة، فهو المستحق للعبادة {أبغيكم} أي أطلب لكم {إلهاً} فأنكر أن يتأله غيره، وحصر الأمر فيه ثم بينه بقوله: {وهو} أي والحال أنه هو وحده {فضلكم} دون غيركم ممن هو في زمانكم أو قبله {على العالمين*} أي لو لم يكن لوجوب اختصاصهم له بالعبادة سبب سوى اختصاصه لهم بالتفصيل على سائر عباده الذين بلغهم علمهم ممن هو أقوى منهم حالاً وأكثر عدداً وأموالاً لكان كافياً. ولما أثبت أن الإلهية لا تصلح لغيره، وأن غيره لم يكن يقدر على تفضيلهم، وكان المقام للعظمة، وكان كأنه قيل إيذاناً بغلظ أكبادهم وقله فطنتهم وسوء مقابلتهم للمنعم: اذكروا ذلك، أي تفضيله لكم باصطفاء آبائكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وما تقدم له عندهم وعند أولادهم من النعم لا سيما يوسف عليه السلام الذي حكمه في جميع الأرض التي استذلكم أهلها؛ عطف عليه إشارة إليه قوله التفاتاً إلى مظهر العظمة تذكيراً بعظمة مدخوله: {وإذ} أي واذكروا إذ {أنجيناكم} أي على ما نحن عليه من العظمة التي أنتم لها عارفون، ولها في - كل وقت في تلك الآيات مشاهدون {من آل فرعون} وما أفضنا عليكم بعد الإنجاء من النعم الجسام وأريناكم من الآيات العظام تعرفوا أنا فضلناكم

على جميع الأنام، ثم استأنف بيان ما أنجاهم منه بقوله: {يسومونكم} أي ينزلون بكم دائماً {سوء العذاب} . ولما كان السياق - كما مضى - لبيان إسراعهم في الكفر وشدة علوتهم في قوتهم وجلافتهم، وكان مقصود السورة إنذار المعرضين وتحذيرهم من القوارع التي أحلها بالماضين، بين سوء العذاب عادلاً في بيانه عن التذبيح - لأنه لا يكون عند الانذباح، وهو في الأصل لمطلق الشق - إلى التعبير بالقتل لأنه أدل على الإماتة وأهز، لأنه قد يكون على هيئة شديدة بشعة كالتقطيع والنخس والخبط وغير ذلك مع أنه لا بد فيه من تفويت ذلك فقال: {يقتلون} أي تقتيلاً كثيراً - {أبناءكم} ودل على حقيقة القتل بقوله: {ويستحيون} . ولما كان المعنى أنهم لا يعرضون للإناث صغاراً ولا كباراً، وكان إنكار ما يكون إبقاء النساء بلا رجال لما يخشى من الضياع والعار، وكان مظنة العار أكبر - عبر عنهن بقولة: {نساءكم} وتنبيهاً على أن قتل الأبناء إنما هو للخوف من صيرورتهم رجالاً لئلا يسلبهم واحد منهم أعلمهم به كهانهم ملكهم؛ وأشار إلى شدة ذلك بقوله: {وفي ذلكم} أي الأمر الصعب المهول {بلاء} أي اختبار لكم ولهم {من ربكم} أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء، فأنه أخفى عنهم الذي قصدوا القتل لأجله، وأنقذكم به بعد أن رباه عند الذي هو مجتهد في ذبحه {عظيم} .

142

ولما ذكرهم بنعمة إنجاء الأبدان، أتبعها التذكير بأكبر منها إذ كانت لحفظ الأديان وصيانة جوهرة الإيمان بما نصب لهم من الشرع في التوراة، فقال معجباً من حالهم إذ كان في الإنعام عليهم بنصب الشرع الهادي لهم من الضلال واختصاص نبيهم بمزيد القرب بالمناجاة، وهم في اتخاذ إله سواه، لا نفع فيه أصلاً، ولا يرضى قلب أو عقل أن يعبده، عاطفاً له على ما سبق تعجيبه به منهم في قوله: {وجاوزنا ببني إسرائيل} [الأعراف: 138] {وواعدنا} أي على ما لنا من باهر العظمة {موسى ثلاثين} أي مناجاة ثلاثين {ليلة} أي عقبها {وأتممناها} أي المواعدة {بعشر} أي ليال، وذلك لأنه لما مضت ثلاثون ليلة، وهو شهر ذي العقدة فيما قيل، وكان موسى عليه السلام قد صامها ليلها ونهارها، أدرك من فمه خلوفاً فاستاك، فأعلمه الله أنه قد أفسد ريح فمه، وأمره بصيام عشرة أيام أخرى وهي عشر ذي الحجة ليرجع ما أزاله من ذلك، وذلك لأن موسى عليه السلام كان وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك سبحانه عدوهم، أتاهم بكتاب من عنده فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله عدوهم سأل موسى عليه السلام الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوماً ثم أمره بالعشر. ولما كان من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية، وتكون مفصلة إلى عشرين ثم عشر، أزال هذا الاحتمال - بقوله: {فتم ميقات ربه}

أي الذي قدره في الأزل لأن يناجيه بعده - بالفاء {أربعين} ولما كانت العشر غير صريحة في الليالي، قال: {ليلة} فانتفى أن تكون ساعات مثلاً، وعبر بالميقات لأنه ما قدر فيه عمل من الأعمال، وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان مقدراً أم لا، وعبر بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه والرحمة له، والميقات هو الأربعون - قاله الفارسي في الحجة، وقدر انتصاب أربعين ب «معدوداً هذا العدد» كما تقول: تم القوم عشرين، أي معدودين هذا العدد وأجمل سبحانه الأربعين في البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام والمتّ إليهم بالإحسان والإكرام، ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان وأمكن في نزوعهم عن الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] {كيف تكفرون بالله} [البقرة: 28] وما اكتنفها أولاً وآخراً من قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} [البقرة: 40] الآيتين المبدوء بها والمختوم بها، وفصل هنا الأربعين إلى ثلاثين وعشر، لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم على خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات، ولا أغنى عنهم شيئاً تواتر النعم والآيات، كما كان ذلك في قصص الأمم الخالية والقرون الماضية ممن ذكر في هذه الصورة استدلالاً - كما تقدم - على أن المفسد أكثر

من المصلح - إلى غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها} [الأعراف: 94] إلى آخره، وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيباً لقومه لما وقع لهم من العقاب الأليم، والفصل بين الساقين يدق إلا عن أولي البصائر - والله أعلم، فيكون المراد بتفصيل الأربعين هنا بيان أن إبطاء موسى عليه السلام عما علموه من المعياد إنما كان لعشرة أيام، فارتكبوا فيها هذه الجريمة التي هي أعظم الجرائم، وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم وعراقتهم في السفه بقوله عاطفاً على {واعدنا} : {وقال موسى} أي لما واعدناه {لأخيه} ثم بينه تصريحاً باسمه فقال: {هارون اخلفني} أي كن خليفتي فيهم تفعل ما كنت أفعل، وأكد الارتسام بما يجده له بقوله: {في قومي} وأشار إلى حثه على الاجتهاد بقوله: {وأصلح} أي كن على ما أنت عليه من إيقاع الإصلاح. ولما كان عالماً بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبرأ من السوء غير أن عنده ليناً قال: {ولا تتبع} أي تكلف نفسك غير ما طبعت عليه بأن تتبع {سبيل المفسدين*} أي استصلاحاً لهم وخوفاً من تنفيرهم، فاختلفوا عن الطريق كما تفرس فيهم موسى عليه السلام ولم يذكروا عاقبة فلا هم خافوا بطش من بطش بمن كان يسومهم سوء العذاب، ولا هم سمعوا لأخيه في الصلاح، ولا هم انتظروا عشرة أيام، فلا أخف منهم أحلاماً ولا أشد على المعاصي إقداماً.

ولما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه، شرح أمره حال المواعدة وحالهم بعد غيبته فقال: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي عند أول الوقت الذي قدرناه للمناجاة؛ ولما كان مقام الجلال مهولاً لا يستطاع وعي الكلام معه، التفت إلى مقام الإكرام فقال: {وكلمه} أي من غير واسطه {ربه} أي المحسن إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان، والذي سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض لا جوهر، وليس كمثله شيء، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سبحانه كلمه في جميع الميقات وكتب له الألواح، وقيل: إنما كلمه في أول الأربعين، والأول أولى. ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف، وكانت الرؤية جائزة، اشتاق إلى الرؤية شوقاً لم يتمالك معه لما استحلاه من لذاذة الخطاب فسألها لعمله أنها جائزة {قال} مسقطاً الأداة كعادة أهل القرب - {رب أرني} أي ذاتك الأقداس بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكناً من النظر، وهو معنى قول الحبر ابن عباس: أعطني وحقق أنها رؤية العين بقوله في جواب الأمر - {أنظر} أي أصوب تحديق العين وأشار إلى عظمته سبحانه وعلو شأنه

علو العظمة لا المسافة - بالتعدية بحرف النهاية بعد أن أشار بحذف أداة النداء إلى غاية القرب بالإحسان - فقال: {إليك} أي فأراك. ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا {قال} نافياً المقصود، وهو الرؤية لا مقدمتها، وهو النظر الذي هو التحديق بالعين {لن تراني} ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث لو يقل: لن أرى، أو لن يراني أحد؛ ثم زاد ذلك بياناً بتعليقه بممكن فقال: {ولكن انظر إلى الجبل} إشارة جبل بعهده، وهو أعظم جبل هناك، وزاد في الإشارة إلى الرؤية بالتعبير بأداة الشك وإتباعها بأمر ممكن فقال -: {فإن استقر مكانه} أي وجد قراره وجوداً تاماً، وأشار إلى بعد الرؤية أيضاً وجلالة المطلوب منها بقوله: {فسوف تراني} أي بوعد لا خلف فيه {فلما تجلى ربه} أي المحسن إليه بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه وخصوصيته، ولو عبر بعلى مثلاً لكان أمر آخر فقال -: {للجبل} أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته {جعله دكاً} أي مدكوكاً، والدك والدق أخوان {وخر} أي وقع {موسى صعقاً} أي مغشياً عليه مع صوت هائل، فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن، ولكنك تعرفه بمثال أريكه وهو الجبل، فإن الفاني - كما نقل عن الإمام مالك - لا ينبغي له أن يرى

الباقي - {فلما أفاق} أي من غشيته {قال سبحانك} أي تنزيهاً لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه {تبت إليك} أي من ذلك {وأنا أول المؤمنين*} أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ما تضمنته هذه الآيات، فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن شرط الإيمان أن يكون بالغيب، فقد ورد في نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيتان: إحداهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله {وأنا أول المسلمين} [المائدة: 163] والثانية تومي إلى عدمها وهي {آمن الرسول} [البقرة: 285] إلى قوله: {كل آمن بالله} [البقرة: 285]- والله أعلم -، وكل هذا تبكيت على قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع لهم عن ذلك، وتنبيه لهم على أن الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جداً عن ذوي الأجسام لما يعلم سبحانه من أنهم سيكررون عبادة الأصنام، فأثبت للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم سبيل تعريضاً بالعجل، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} الآية. ولما منعه الرؤية بعد طلبه إياها، وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال، تشوف السامع إلى ما قوبل به من الإكرام، فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه به تسلية له عما منعه وأمراً بشكره بقوله: {قال يا موسى}

مذكراً له نعمه في سياق دال على عظيم قدرها وإيجاب شكرها مسقطاً عنه مظهر العظمة تأنيساً له ورفقاً به - {إني اصطفيتك} أي اخترتك اختياراً بالغاً كما يختار ما يصفى من الشيء عن كل دنس {على الناس} أي الذين في زمانك {رسالاتي} أي الآيات المستكثرة التي أظهرتها وأظهرها على يديك من أسفار التوارة وغيرها {وبكلامي} أي من غير واسطة وكأنه أعاد حرف الجر للتنبيه على ذلك، كما اصطفى محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الناس عامة في كل زمان برسالته العامة وبكلامه المعجز وبتكليمه من غير واسطة في السماء التي قدست دائماً ونزهت عن التدنيس بمعصية. ولما كان ذلك مقتضياً لغاية الإقبال والنشاط، سبب عنه قوله: {فخذ ما آتيتك} آي مخصصاً لك به {وكن من الشاكرين*} أي العريقين في صفة الشكر المجبولين عليها.

145

ولما انقضى ما أنسه سبحانه به لفت الكلام - في الإخبار لنا عن عظيم ما آتاه - لي مظهر العظمة، فقال مفصلاً لتلك الرسالة ومبيناً بعض ما كان من الكلام {وكتبنا} أي بعظمتنا {له في الألواح} عرفها لعظمتها تنبيهاً على أنها لجلالة ما اختصت به كأنها المختصة بهذا الاسم، وأعظم من هذا جعل قلب النبي الأمي لوحاً قابلاً لما يلقى إليه جامعاً لعلوم الأولين والآخرين {من كل شيء} أي يحتاجه بنو إسرائيل، وذلك هو العشر الآيات التي نسبتها إلى التوارة نسبة الفاتحة إلى القران، ففيها

أصوال الدين وأصول الأحكام والتذكير بالنعم والأمر بالزهد والورع ولزوم محاسن الأعمال والبعد عن مساويها، ولذا قال مبدلاً: {موعظة وتفصيلاً} أي على وجازتها بما كانت سبباً {لكل شيء} أي لأنها - مع كونها أمهات وجوامع - مفصلة ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها. ولما كان هذا هكذا، تسبب عنه حتماً قوله تعالى التفاتاً إلى خطاب موسى عليه السلام بخطاب التأنيس إشارة إلى أن التزام التكاليف صعب: {فخذها} أي الألواح {بقوة} أي بجد وعزيمة في العلم والعمل {وأمر قومك} أي الأقوياء على محاولة ما يراد {يأخذوا بأحسنها} كأنه سبحانه أطلق لموسى عليه السلام الأخذ بكل ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من المجاوزة، ولذلك قال له {بقوة} وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جداً مانعاً لهم من الوصول إلى القبيح، وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. ولما كان كأنه قيل: وهل يترك الأحسن أحد؟ فقيل: نعم، الفاسق يتركه، بل ويتجاوز الحسن إلى القبيح، بل وإلى أقبح القبيح، ومن تركه أهلكته وإن جل آله وعظمت جنوده وأمواله، قال كالتعليل لذلك: {سأوريكم دار الفاسقين*} أي الذين يخرجون عن أوامري إلى ما أنهاهم عنه فأنصركم عليهم وأمكنكم بفسقهم من رقابهم وأموالهم من

الكنعانيين والحاثانيين وغيرهم من سكان الأراضي المقدسه لتعلموا أن من أغصبني وترك أمري أمكنت منه، وإنما ذكر الدار لئلا تغرهم منعتها إذا استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام أسوارها، وإذا تأملت ما سيأتي في شرح هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا المعنى، وكذا ما ذكر من التوراة عند قوله في المائدة {قل هو أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله} [المائدة: 60] وفي هذه الجملة المختصرة بشارة يإتمام الوعد بنصرتهم عليهم بطاعتهم ونذارة على تقدير معصيتهم، فكأنه قيل: إن أخذوا بالأحسن أريتهم دار الفاسقين، وأتممت عليهم النعمة ما دامو على الشكر، وإن لم يأخذوا أهلكتهم كما أهلك الفاسقين من بين أيديهم، فحذرهم لئلا يفعلوا أفعالهم إذا استقرت بهم الدار، وزالت عنهم الأكدار، ويؤيد كون المراد القدس لا مصر قراءة من قرأ: سأورثكم - من الإرث، لأنها هي المقصودة بإخراجهم من مصر وبعث موسى عليه السلام، ولا ينفي ذلك احتمال مصر أيضاً - والله أعلم. ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: وكيف يختار عاقل ذلك؟ فكيف بمن رأى الآيات وشاهد المعجزات؟ فقال: {سأصرف عن آياتي} أي المسموعة والمرئية على عظمتها بما أشارت إليه الإضافة بالصرف عن فهمها واتباعها والقدرة على الطعن فيها بما يؤثر في إبطالها

{الذين يتكبرون} أي يطلبون الكبر بما ليس لهم ويعملون قواهم فيه {في الأرض} أي جنسها الذي أمرت بالتواضع فيه. ولما كان من رفعه الله بصفة فاضلة فوضع نفسه موضعها ولم يهنها نظراً لما أنعم الله به عليه ومنحه إياه ربما سمى ذلك كبراً، وربما سمى طلبه لتلك الأخلاق التي توجب رفعته تكبراً، وليس كذلك وإن وافقه في الصورة، لمفارقته له في المعنى فإنه صيانة النفس عن الذل، وهو إنزال النفس دون منزلتها صنعة لا تواضعاً، والكبر رد الحق واحتقار الناس، ففي التقييد هنا إشارة خفية لإثبات العزة بالحق والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الصنعة وقوفاً على شرط العزم المنصوب على متن نار الكبر؛ قال الإمام السهروردي: ولا يؤيد في ذلك ويثبت عليه إلا أقدام العلماء الراسخين - قال تعالى احترازاً عنه ومدخلاً كل كبر خلا عن الحق الكامل: {بغير الحق} أي إنما يختار غير الأحسن من يختاره بقضائي الذي لا يرد وأمري العالي على أمر كل ذي جد فأزين لمن علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد حتى يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل مليحة، فينصرفون عن الآيات ويعمون عن الدلالات الواضحات. ولما أخبر بتكبرهم في الحال، عطف عليه فعلهم في المآل فقال: {وإن يروا كل آية} أي مرئية أو مسموعة {لا يؤمنوا بها} أي لتكبرهم

عن الحق {وإن يروا سبيل} أي طريق {الرشد} أي الصلاح والصواب الذي هو أهل للسلوك {لا يتخذوه سبيلاً} أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد، بل إن سلكوه فعن غير قصد {وإن يروا سبيل الغي} أي الضلال {يتخذوه سبيلاً} أي بغاية الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه. ولما كان هذا محل عجب، أجاب من يسأل عنه بقوله: {ذلك} أي الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرشاد {بأنهم} أي بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة {وكانوا عنها} أي خاصة جبلة وطبعاً {غافلين*} أي كان دأبهم وديدنهم معاملتهم لها بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فهم لذلك يصرون على ما يقع منهم. ولما ذكر أحوال المتكبرين الذين أداهم كبرهم إلى التكذيب في الدنيا، ذكر أحوالهم في الآخرة فقال: {والذين} أي كذبوا بها والحال أن الذين {كذبوا بآياتنا} أي فلم يعتبروا عظمتها {ولقاء الآخرة} أي ولقائهم إياها أو لقائهم ما وعدوا به فيها، اللازم من التكذيب بالآيات الحامل التصديق بها على معالي الأخلاق {حبطت} أي فسدت فسقطت {أعمالهم} والآية من الاحتباك: إثبات الغفلة أولاً يدل على إرادتها ثانياً، واللقاء ثانياً يدل على إرادته أولاً.

ولما كان كأنه قيل: لم بطلت؟ قيل: {هل يجزون إلا ما} أي جزاء ما {كانوا يعملون} أي بإبطال أعمالهم وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب أنهم أبطلوا الآيات والآخرة بتكذيبهم بها، أي عدوها باطلة، والجزاء من جنس العمل، والحاصل أنهم لما عموا عن الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا انقادوا مع ما دلت عقولهم عليه من أمرها، بل سدوا باب الفكر فيها؛ زادهم الله عمى فختم على مداركهم، فصارت لاينتفع بها فصاروا لا يعون، وهذه الآيات أعظم زاجر عن التكبر، فإنها بينت أنه يوجب الكفر والإصرار عليه والوهن في جميع الأمور، ولما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من ارتكابه، أعقبه تعالى مبيناً ومصوراً ومحققاً لوقوعه ومقرراً قوله عطفاً على {فأتوا على قوم يعكفون} [الأعراف: 138] مبيناً لإسراعهم في الكفر: {واتخذ} أي بغاية الرغبة {قوم موسى} أي باتخاذ السامري ورضاهم، ولم يعتبروا شيئاً مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم ير مثلها {من بعده} أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة الأيام التي أتممنا بها الأربعين {من حليهم} أي التي كانت معهم من مالهم ومما استعاروه من القبط {عجلاً} ولما كان العجل اسماً لولد البقر، بين أنه إنما يشبه صورته فقط، فقال مبدلاً منه: {جسداً} . ولما كان الإخبار بأنه جسد مفهماً لأنه خال مما يشبه الناشىء

عن الروح، قال {له خوار} أي صوت كصوت البقر، والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى من قوم كان معهم حلي أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر الكفرة فكان جديراً بالبغض لكونه من آثار الظالمين الأعداء فاعتقدوا انه بالصوغ صار إلهاً وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه، ونبيهم الذي هداهم الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها. ولما لم يكن في الكلام نص باتخاذه إلهاً، دل على ذلك بالإنكار عليهم في قوله: {ألم يروا} أي الذين اتخذوا إلهاً {أنه لا يكلمهم} أي كما كلم الله موسى عليه السلام {ولا يهديهم سبيلاً} كما هداهم الله تعالى إلى سبيل النجاة، منها سلوكهم في البحر الذي كان سبباً لإهلاك عدوهم كما كان سبباً لنجاتهم؛ قال أبو حيان: سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإلهية لأن انتقاء التكليم يستلزم انتفاء العلم، وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتفاء القدرة، وانتفاء هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي الأوصاف. ولما كان هذا أمراً عظيماً جداً مستبعد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم بينهم ولا سيما وقد أراهم من النعم والآيات ما ملأت أنواره الآفاق، كان جديراً بالتأكيد فقال تعالى: {اتخذوه} أي بغاية الجد والنشاط والشهوة {وكانوا} أي جلبة وطبعاً مع ما أثبت لهم من الأنوار

{ظالمين*} أي حالهم حال من يمشي في الظلام، أو أن المقصود أن الظلم وصف لهم لازم، فلا بدع إذا فعلوا أمثال ذلك.

149

ولما كان هذا في سياق {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} فأنتج أن من كذب على هذه الصفة أهلك، فانتظر السامع الإخبار بتعجيل هلاكهم، أخبر بأنه منعهم من ذلك وحرسهم المبادرة بالتوبة، ولما اشتد من تشوف السامع إليه، قدمه على سببه وهو رجوع موسى عليه السلام إليهم وإنكاره عليهم، ولأن السياق في ذكر إسراعهم في الفسق لم يذكر قبول توبتهم كما في البقرة؛ ولما كان من المعلوم أنهم تبين لهم عن قرب سوء مرتكبهم لكون نبيهم فيهم، عبر بما أفهم أن التقدير: فسقط في إيديهم، وعطف عليه قوله سائقاً مساق ما هو معروف: {ولما سقط} أي سقطت أسنانهم {في أيديهم} بعضها ندماً سقوطاً كأنه بغير اختيار لما غلب فيه من الوجد والأسف الذي أزال تأملهم ولذلك بناه للمفعول {ورأوا أنهم قد ضلوا} أي عن الطريق الواضح {قالوا} توبة ورجوعاً إلى الله كما قال أبوهم آدم عليه السلام {لئن لم يرحمنا ربنا} أي الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فكيف غضبه ويديم إحسانه {ويغفر لنا} أي يمحو ذنوبنا عيناً وأثراً لئلا ينتقم منا في المستقبل {لنكونن من الخاسرين*} أي فينتقم من بذنوبنا. ولما أخبر بالسبب في تأخير الانتقام عنهم مع مساواتهم لمن أوقعت

بهم النقمة في موجب الانتقام، أخبر سبحانه بحال موسى عليه السلام معهم عند رجوعه إليهم من الغضب لله والتبكيت لمن خالفه مع ما اشتمل عليه من الرحمة والتواضع فقال: {ولما رجع موسى} أي من المناجاة {إلى قومه غضبان} أي في حال رجوعه لما أخبره الله تعالى عنهم من عبادة العجل {أسفاً} أي شديد الغضب والحزن {قال بئسما} أي خلافة خلافتكم التي {خلفتموني} أي قمتم مقامي وفعلتم مقامي وفعلتم خلفي. ولما كان هذا ربما أوهم أنهم فعلوه من روائه وهو حاضر في طرف العسكر، قال: {من بعدي} أي حيث عبدتم غير الله أيها العبدة، وحيث لم تكفوهم أيها الموحدون بعد ذهابي إلى الجبل للمواعدة الإلهية وبعد ما سمعتم مني من التوحيد لله تعالى وإفراده عن خلقه بالعبادة ونفي الشركاء عنه، وقد رأيتم حين كففتكم وزجرتكم عن عبادة غيره حين قلتم {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلف ولا يخالفوه في شيء. ولما كان قد أمرهم ان لا يحدثوا حدثاً حتى يعود إليهم، أنكر عليهم عدم انتظاره فقال: {أعجلتم} قال الصغاني في المجمع: سبقتم، وقال غيره: عجل عن الأمر - إذا تركه غير تام، ويضمن معنى سبق، فالمعنى:

سابقين {أمر ربكم} أي ميعاد الذي ما زال محسناً إليكم، أي فعلتم هذا قبل بلوغ أمر الموعد الذي زاد فيه ربي وهو العشرة الأيام برجوعي إليكم إلى حده، فظننتم أني مت فغيرتم كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها، قال الإمام أبو عبد القزاز أيضاً: عجلتم: سبقتم، ومنه تقول: عجلت فلاناً سبقته، وأسنده ابن التياني إلى الأصمعي {وألقى الألواح} أي التي فيها التوراة غضباً لله وإرهاباً لقومه، ودل هذا على أن الغضب بلغ منه حداً لم يتمالك معه، وذلك في الله تعالى {وأخذ برأس أخيه} أي بشعره {يجره إليه} أي بناء على أنه قصر وإعلاماً لهم بأن الغضب من هذا الفعل قد بلغ منه مبلغاً يجل عن الوصف، لأنه اجتثاث للدين من أصله. ولما كان هارون عليه السلام غير مقصر في نهيهم، أخذ في إعلام موسى عليه السلام بذلك مخصصاً الأم وإن كان شقيقه - تذكيراً له بالرحم الموجبه للعطف والرقة ولا سيما وهي مؤمنه وقد قاست فيه المخاوف، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله: {قال ابن أم} وحذف أداة النداء وياء الإضافة لما يقتضيه الحال من الإيجاز، وفتح الجمهور الميم تشبيهاً له بخمسة عشر وعلى حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة، وكسر الميم ابن عامر وحمزه والكسائي وأبو بكر عن عاصم بتقدير حذف ياء الإضافة تخفيفاً {إن القوم} أي عبدة العجل الذين

يعرف قيامهم في الأمور التي يريدونها {استضعفوني} أي عدوني ضعيفاً وأوجدوا ضعفي بإرهابهم لي {وكادوا يقتلونني} أي قاربوا ذلك لإنكاري ما فعلوه فسقط عني الوجوب. ولما تسبب عن ذلك إطلاقه، خاف أن يمنعه الغضب من ثبات ذلك في ذهنه وتقرره في قلبه فقال: {فلا تشمت بي الأعداء} أي لا تسرهم بما تفعل بي فأكون ملوماً منهم ومنك؛ ولما استعطفه بالتذكير بالشماتة التي هي شماتة به أيضاً، أتبعه ضرراً يخصه فقال: {ولا تجعلني} أي بمؤاخذتك لي {مع القوم الظالمين*} أي فتقطعن بعدّك لي معهم وجعلي في زمرتهم عمن أحبه من الصالحين، وتصلني بمن أبغضه من الفاسدين الذين فعلوا فعل من هو في الظلام، فوضعوا العبادة في غير موضعها من غير شبهة ولا لبس أصلاً. ولما تبين له ما هو اللائق بمنصب أخيه الشريف من أنه لم يقصر في دعائهم إلى الله ولا ونى في نهيهم عن الضلال، ورأى أن ما ظهر من الغضب مرهب لقومه وازع لهم عما ارتكبوا، دعاء له ولنفسه مع الاعتراف بالعجز وأنه لا يسع أحداً إلا العفو، وساق سبحانه ذلك مساق الجواب لسؤال بقوله: {قال رب} أي أيها المحسن إليَّ {اغفر لي} أي ما حملني عليه الغضب لك من إيقاعي بأخي {ولأخي} أي في كونه لما يبلغ ما كنت أريده منه من جهادهم. ولما دعا بمحو التقصير، أتبعه الإكرام فقال: {وأدخلنا} أي

أنا وأخي وكل من انتظم معنا {في رحمتك} لتكون غامرة لنا محيطة بنا؛ ولما كان التقدير: فأنت خير الغافرين، عطف عليه {وأنت أرحم الراحمين*} أي لأنك تنعم بما لا يحصره الجد ولا يحصيه العد من غير نفع يصل إليك ولا أذى يلحقك بفعل ذلك ولا تركه.

152

ولما كان له ولأخيه وهما معصومان من الذنوب، طوى ما يتعلق بالمغفرة وذكر متعلق الرحمة بخلاف ما يأتي في السؤال له وللسبعين من قومه فإنه عكس فيه ذلك؛ ولما صحت براءة الخليفة، وأشير إلى أنه مع ذلك فقير إلى المغفرة، التفتت النفس إلى حال المفسدين فقال مخبراً عن ذلك: {إن الذين اتخذوا العجل} أي رغبوا رغبة تامه في أخذهم إلهاً مع المخالفة لما ركز في الفطرة الأولى ودعاهم إليه الكليم عليه السلام {سينالهم} أي بوعد لا خلف فيه {غضب} أي عقوبة فيها طرد أو إبعاد، ولعله ما أمروا به من قتل أنفسهم، واشار إلى انه فيه رفق بهم وحسن تربية لتوبة من يبقى منهم بقوله: {من ربهم} أي الذي لا محسن إليهم غيره، يلحقهم في الدنيا ويتبعهم في الآخرة {وذلة في الحياة الدنيا} أي جزاء لهم على افترائهم وكذلك من رضي فعلهم ولا سيما إن كان من أولادهم كقريظة والنضير وأهل خيبر {وكذلك} أي ومثل جزائهم {نجزي المفترين*} أي المعتمدين للكذب، وهذا نص في أن كل مفتر ذليل، كما هو المشاهد - وإن أظهر الجراءة بعضهم.

ولما ذكر المصرين علىلمعصية، عطف عليه التائبين ترغباً في مثل حالهم فقال: {والذين عملوا السيئات} عبر بالعمل إشارة إلى بالعفو وإن أقدموا عليها على علم، وجمع إعلاماً بأنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم وكثر وإن طال زمانه، ولذلك عطف بأداة البعد فقال: {ثم تابوا} وحقق الأمر ونفى المجاز بقوله: {من بعدها} ثم ذكر الأساس الذي لا يقبل عمل لم يبن عليه على وجه يفهم أنه لا فرق بين أن يكون في السيئات ردة أو لا فقال: {وآمنوا} ثم أجاب المبتدأ بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بقبول توبة التائبين لما سيرك من ذلك لأنك بهم رؤوف رحيم {من بعدها} أي التوبة {لغفور} أي محاء لذنوب التائبين عيناً وأثراً وإن عظمت وكثرت {رحيم*} أي فاعل بهم فعل الرحيم من البر والإكرام واللطف والإنعام، وكأن المصرين هم الذين قتلوا لما أمرهم موسى عليه السلام بقتل أنفسهم، فلما أهلك المصرّ وتاب الباقي، وصحت براءة أخية وبقاؤه على رتبته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد في أمر الله، زال موجب الغضب فأخبر سبحانه عما يعقبه فقال: {ولما سكت} أي كف، شبه الغضب بمتكلم كان يحث موسى عليه السلام ويغريه على ما يوجبه ويقتضيه، فلما شفى غيظه سكن وقطع كلامه فخلفه ضده وهوالرضى {عن موسى الغضب} وهو غليان القلب بما يتأذى به النفس {أخذ الألواح} أي التي جاء

بها من عند الله بعدما ألقاها {وفي} أي والحال أنه في {نسختها} أي الأمر المكتوب فيها، فعلة بمعنى مفعولة، وعن ابن عباس أنه لما ألقاها صام - مثل ما كان صام للمناجاة - أربعين يوماً أخرى، فردت عليه في لوحين مكان ما تكسر. {هدى} أي شيء موضح للمقاصد {ورحمة} أي سبب للإكرام {للذين هم لربهم} أي لا لغيره {يرهبون*} أي هم أهل لأن يخافوا خوفاً عظيماً مقطعاً للقلوب موجباً للهرب ويستمرون على ذلك. شرح ما في هذه الآيات من عند قوله {سأوريكم دار الفاسقين} من البدائع من التوراة - قال المترجم في السفر الخامس منها بعد أن بكتهم ببعض ما فعلوه مما أوجب لهم الغضب والعقوبة بالتيه وحثهم على لزوم أمر الله لينصرهم: وأما الوصايا التي آمركم بها اليوم فاحفظوها واعملوا بها لتحيوا وتكثروا وترثوا الأرض التي أقسم الله لآبائكم فتذكروا كل الطريق الذي سيركم الله ربكم فيه، ودبركم منذ أربعين سنة في البرية ليواضعكم ويجربكم وليعلم ما في قلوبكم هل تحفظون وصاياه أم لا، فواضعكم وأجاعكم وأطعمكم منّاً لم تعرفوه أنتم ولا آباؤكم ليبين لكم أنه ليس إنما يعيش الإنسان بالخبز فقط، بل إنما يعيش بما يخرج من فم الله، ولم تبل ثيابكم ولم تجف أقدامكم منذ أربعين سنة، احفظوا وصايا الله ربكم وسيروا في

طرقة واتقوه، لأن الله ربكم هو الذي يدخلكم إلى الأرض المخصبة، أرض كثيرة الأدوية والينابيع والعيون التي تجري في الصحارى والجبال، أرض الحنطة والشعير، فيها الكروم والتين والرمان والزيتون والدهن والعسل، أرض لاتحتاجون فيها ولا تأكلون خبزكم بالفقر، ولا يعوزكم فيها شيء، أرض حجارتها حديد تستخرجون النحاس من جبالها، فاحتفظوا، لا تنسوا الله ربكم، واحفظوا وصاياه وشرائعه التي آمركم بها اليوم، لا تبطروا، فإذا أكلتم وشبعتم وبنيتم بيوتاً وسكنتموها وكثر غنمكم وبقركم وكثرت أموالكم فتعظم قلوبكم وتنسوا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وأنقذكم من العبودية ودبركم في البرية المرهوبة العظيمة حيث الحيات الحردات والعقارب وفي مواضع العطش وحيث لم يكن لكم ماء، أخرج لكم من ماء الظران، وأطعمكم منّاً لم يعرفه آبائكم ليواضعكم ويجربكم ويحسن إليكم آخر ذلك، وانظروا، لا تقولوا في قلوبكم إنا إنما استفدنا هذه الأموال بقوتنا وعزة قلوبنا، ولكن اذكروا الله ربكم الذي قواكم أن تستفيدوا هذه الأموال ليثبت العهد الذي أقسم لآبائكم، وإن أنتم نسيتم الله ربكم وتبعتم آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لها أشهدت عليكم اليوم فأعلمتكم أنكم تهلكون هلاك سوء، كما أهلكت الشعوب التي أباد الرب بين أيديكم كذلك تهلكون، اسمعوا يا بني إسرائيل!

بل أنتم تجوزون اليوم نهر الأردن وتنطلقون لتمتلكوا الشعوب التي هي أقوى وأعظم منكم وتظفروا بالقرى الكبار المشيدة إلى السماء وبشعب كبير عظيم بني الجبابرة، وقد علمتم وسمعتم أنه ما يقدر إنسان أن يقوم بين يدي الجبابرة، وتعلمون يومكم هذا أن الله ربكم يجوز أمامكم وهو نار محرقة، وهو يهلكهم ويهزمهم أمامكم، ولا تقولوا في قلوبكم إنه إنما أدخلنا الرب ليرث هذه الأرض من أجل برنا، لأنه إنما يهلك الرب هذه الشعوب من أجل خطاياهم، وليثبت الأقوال التي وعد بها آباءكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاعلموا أنه ليس من أجل بركم يورثكم الله هذه الأرض المخصبة، لأنكم صلاب الرقاب، اذكروا ولا تنسوا أنكم أسخطتم الله ربكم في البرية منذ يوم خرجتم من أرض مصر حتى انتهيتم إلى هذه البلاد، ولم تزالوا مسخطين لله ربكم ونحوريت أيضاً أغضبتم الرب، وغضب الرب عليكم وأراد هلاككم حيث صعدت إلى الجبل وأخذت لوحي العهد الذي عاهدكم الرب، ومكثت في الجبل أربعين يوماً بلياليها لم أذق خبزاً ولم أشرب ماء، وأعطاني الرب لوحين من حجارة مكتوب عليهما بأصبع الله، وكانت كل الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل يوم الجمعة ومن بعد الأربعين، وأعطاني

لوحي العهد، قال لي الرب: قم فانزل من هاهنا سريعاً، لأن شعبك الذي أخرجته من أرض مصر قد فسدوا ومالوا عن الطريق الذي أمرتهم عاجلاً، وعملوا لهم إلهاً مسبوكاً، وقال لي الرب: رأيت هذا الشعب فإذا هو شعب قاسي القلب، فدعني الآن حتى أهلكهم وأبيد أسماءهم من تحت السماء وأصيرك مدبراً لشعب أعظم وأعز منهم، وأقبلت فنزلت من الجبل والجبل يشتعل ناراً ولوحا العهد بيدي، ورأيت أنكم أذنبتم أمام الله ربكم سريعاً، وعمدت إلى لوحي الحجارة فرميت بهما من يدي وكسرتهما قدامكم، وصليت أمام الرب كما صليت أولاً أربعين يوماً بلياليها، لم أذق طعاماً ولم أشرب شراباً من أجل جميع الخطايا التي ارتكبتم وما عملتم من الشر بين يدي الرب وأغضبتموه: لأني فرقت وخفت غضب الله وزجره أنه أراد إهلاككم، واستجاب الله لي في ذلك الزمان، وأما عجل خطاياكم الذي عملتموه فأخذته وأحرقته بالنار وسحقته وطحنته جداً حتى صار مثل التراب وطرحت ترابه في الوادي الذي ينزل في الجبل، وبالحريق والبلايا وبقبور أصحاب الشهوة، أغضبتم الرب، وإذ أرسلكم ربكم من رقام الحي وقال لكم: اصعدوا ورثوا الأرض التي أعطيكم، اجتنبتم

قول الرب وأغضبتموه ولم تؤمنوا به ولم تسمعوا قوله، ولم تزالوا لله مسخطين منذ يوم عرفتكم، وصليت أمام الرب أربعين يوماً بلياليها، لأن الرب أمر بهلاككم، وقلت في صلاتي، يارب! لا تهلك شعبك وميراثك الذي خلصته بعظمتك وأخرجتهم من أرض مصر بيد عزيزة، ولكن اذكر عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولا تنظر إلى معصية هذا الشعب وإثمه وخطاياه، لئلا يقول سكان تلك الأرض التي أخرجتهم منها: إن الرب لم يقو أن يدخلهم الأرض التي قال لهم، وإنما أخرجهم من عندنا لبغضه لهم ليضلهم في البرية، وهو شعبك وميراثك الذي أخرجتهم بقوتك العظيمة وذراعك العزيزة، فقال لي الرب في ذلك الزمان أن أنقر لوحين من حجارة مثل اللوحين الأولين واصعد إلى الجبل إليّ واعمل تابوتاً من خشب الشمشاد - وفي نسخة: السنط - ونقرت اللوحين من الحجارة مثل اللوحين الأولين وصعدت إلى الجبل واللوحان في يدي، وكتب على اللوحين الكتاب الأول، وهي العشر الآيات التي كلمكم الرب بها من الجبل من النار يوم الجماعة، ودفعها الرب إليّ فأقبلت نازلاً من الجبل ووضعت اللوحين في التابوت الذي عملت وتركتهما فيه كما فيه أمر الرب، وارتحل بنو إسرائيل من ثروات بني يعقان وموسار، وتوفي هارون هناك، وصار أليعازر ابنه حبراً مكانه، وارتحلوا من هناك إلى جدجد، ومن جدجد إلى يطبت أرض مسايل الماء، في ذلك الزمان أفرز الرب سبط لاوي ليحملوا تابوت عهد الرب، وأن

يقوموا أمام الرب ويخدموه وأن يبركوا باسم الرب إلى اليوم، ولذلك ليس لبني لاوي حصة مع بني إسرائيل في ميراثهم، لأن ميراثهم لله ربهم كما قال لهم، وأنا قمت بين يدي الرب في الجبل مثل الأيام الأولى أربعين يوماً بلياليها، واستجاب لي الرب في ذلك الزمان أيضاً، ولم يخذلكم الله ربكم ولم يفسدكم، وقال لي الرب: قم فارتحل وسر أمام الشعب ليدخلوا ويرثوا الأرض التي أقسمت لآبائهم أن أعطيهم، والآن يابني إسرائيل ما الذي يطلب الله ربكم منكم! ما يطلب الآن إلا أن تتقوا الله ربكم من كل قلوبكم وتسيروا في طرقه وتحبوه، وأن تعبدوا الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم، وأن تحفظوا وصايا الله ربكم التي آمركم بها اليوم ليحسن إليكم لأن السماء وسماء السماء هما لله ربكم والأرض وجميع ما فيها، وبآبائكم وحدهم سر الرب وأحبهم وانتخب نسلهم من بعدهم وفضلهم على جميع الشعوب كاليوم، اختتنوا غلفة قلوبكم، ولا تقسوا رقابكم أيضاً، لأن الله ربكم هو إله الآلهة ورب الأرباب، إله عظيم جبار مرهوب لا يحابي ولا يرتشي، ينصف للأيتام والأرامل، ويحب الذي يقبل إليه برزقه طعاماً وكسوة، فأحبوا الذين يقبلون إليه واذكروا أنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، فاتقوا الله ربكم واتبعوه واعبدوه

وأقسموا باسمه، لأنه إلهكم ومريحكم، وهو الذي أكمل لديكم العجائب التي رأت أعينكم، واعلموا أنه إنما أنزل آبائكم إلى مصر سبعين رجلاً، والآن فقد كثركم الله ربكم مثل نجوم السماء، أحبوا الله ربكم واحفظوا سننه وأحكامه كل الأيام، واعلموا يومكم هذا أنه ليس لبنيكم الذين لم يعاينوا ولم يعلموا ما رب الرب وعظمته ويده المنيعة وذراعه العظيمة وآياته وأعماله التي عمل بمصر وبفرعون ملك مصر وكل أرضه وما صنع بأجناد ملك مصر وما فعل بالخيل والمراكب وفرسانها الذين قلب عليهم ماء بحر سوف حيث خرجوا في طلبكم وأهلكهم الرب إلى اليوم وجميع ما صنع بكم في البرية حيث انتهيتم إلى هذه البلاد وما صنع بداثان وأبيرم ابني أليب بن روبيل اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهما وبيتهما، وخيامهم وكل شيء هو لهم إذ كانوا قياماً على أرجلهم بين يدي جميع بني إسرائيل، ولكن قد رأت أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي عمل، فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها نسلهم - وستأتي تتمته إن شاء الله تعالى عند {ولقد بوأنا بني إسرائيل

مبوأ صدق} [يونس: 93] ، وفيه من المتشابه قوله: فم الله، وإصبع الله، والأول - لكونه لا يجوز إطلاقه في شرعنا - مؤوّل بالكلام، والثاني بالقدرة.

155

ولما فرغ سبحانه من ذكر الوعد بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه السلام فيما يهديهم إلى صراط الله، وذكر سعيهم فيما أضلهم عن الطريق باتخاذهم العجل، وكان ختام ذلك ما بدا من موسى عليه السلام من الشفقة على أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند الفراغ مما يجب من الغضب لله، رد الكلام على ذكر شيء فعله في الميقات مرادٍ به عصمتُهم في صراط الله بنقلهم - بمشاركته في سماعهم لكلام الله - من علم اليقين إلى عين اليقين بل حق اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم، ليكون إخبارهم عما رأوا مؤيداً لما يخبر به، فيكون ذلك سبباً لحفظهم من مثل ما وقعوا فيه من عبادة العجل، ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت، فقال: {واختار} أي اجتهد في أخذ الخيار {موسى قومه} ثم أبدل منهم قوله: {سبعين رجلاً} إشارة إلى أن من عداهم عدم، لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي أراده، وهو نحو ما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما «الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة» ثم ذكر علة الاختيار فقال: {لميقاتنا} أي فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد من عظمتنا في الوقت الذي حددناه له، ودنا بهم من الحضرة

الخطابية في الجبل هو وهارون عليهما السلام، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون عليه السلام، كل ذلك عن أمر الله له، وفي هذا الكلام عطف على قوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} [الأعراف: 142] فيكون الميقات هو الأول وهو ظلاهر التوارة كما مر بيانه في البقرة، ويجوز أن يكون عطفاً على قوله {واتخذ قوم موسى} [الأعراف: 148] أو على قوله {أخذ الألواح} [الأعراف: 154] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول، ويؤيده ما نقل من أن هارون عليه السلام كان معهم، وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب بعضهم الرؤية جاعليها شرطاً لإيمانهم فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال الجبارين فنقص أكثرهم، فأخذتهم الرجفة فماتوا، فخشي موسى عليه السلام أن يتهمه بنو إسرائيل في موتهم كنفس واحدة {فلما أخذتهم} أي أخذ قهر وغلبة {الرجفة} أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة، فزلزلت قلوبهم فأماتتهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا {أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة} [النساء: 153] وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء، فالظاهر أن سبب الرجفة ما رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام الذي تغشى الجبل والقتار والبروق وأصوات القرون وغير ذلك بحيث كادت الرجفة - وهي رعدة - تفرق أوصالهم بعضها من بعض {قال} أي موسى تملقاً لربه سبحانه

{رب} أي أيها المحسن إليّ {لو شئت أهلكتهم} أي أمتّهم. ولما لم يكن إهلاكهم مستغرقاً للماضي، أدخل الجارفقال: {من قبل وإياي} أي قدرتك عليّ وعليهم قبل أن نقترب من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا كقدرتك علينا حين تشرفنا بها، وقد أسبلت علينا ذيل عفوك وأسبغت علينا نعمتك ونحن في غيرالحضرة فلم تهلكنا، فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط القرب والأنس أولى. ثم لما كان الحال مقتضياً لأن يقال: ألم تر إلى ما اجترؤوا عليه، وكان كأنه قال: إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء، دل على ذلك بقوله استعطافاً: {أتهلكنا} وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجفتهم كانت بسبب أنهم لم ينهوا عن عبادة العجل مع أنهم لم يرضوا بذلك. وكأن موسى عليه السلام عبر بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز أنه كما أهلك هؤلاء يهلك غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلاً حتى يعمهم الهلاك {بما فعل السفهاء منا} فكأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضي أنه إن لم يشملهم العفو أن يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو عمن قصر بالسكوت، وعلى تقدير كون الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيكون موسى عليه السلام خاف أن يكون إهلاكهم فتنة لبني إسرائيل وسبباً لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة أيام

الثلاثين في الميقات الأول سبباً لاتخاذهم العجل، ويجوز حينئذ أن يراد بفعل السفهاء اتخاذ العجل، ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما. ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين، قال معرضاً بالسؤال في العفو عن الجميع: {إن هي} أي الفتنة التي أوقعها السفهاء {إلا فتنتك} أي ابتلاؤك واختبارك {تضل بها من تشاء} أي تظهر في عالم الشهادة من ضلاله ما كان معلوماً لك في عالم الغيب {وتهدي من تشاء} أي تظهر ما في علمك من ذلك. ولما أثبت أن الكل بيده، استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: {أنت} أي وحدك {ولينا} أي نعتقد أنه لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك، وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر، بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء، ونحن على بصيرة من أن افعالك لا تعلل بالأغراض، وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرنا، ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك. ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي لهم غيره، وكان من شأن الولي جلب النفع ودفع الضر، سبب عن كونه الولي وحده قوله بادئاً بدفع الضرر: {فاغفر لنا} أي امح ذنوبنا {وارحمنا} أي ارفعنا؛ ولما كان التقدير: فأنت خير الراحمين، عطف عليه قوله: {وأنت خير الغافرين*}

أي لأن غيرك يتجاوز عن الذنب للثناء أو الثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه، وأنت منزه عن ذلك، وكأنه أحسن العفو عنهم فقال عاطفاً على سؤاله فيه: {واكتب لنا} أي في مدة إحيائك لنا {في هذه الدنيا} أي الحاضرة والدنية {حسنة} أي عيشة راضية طيبة {وفي} الحياة {الآخرة} أي كذلك؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنا هدنا} أي تبنا {إليك} أي عما لا يليق بجنابك كما أمرتنا أن نخبر ما عساه يقع منا بالمبادرة إلى التوبة، فبدأ بذكر عزة الربوبية وثنى بذلة العبودية وهما أقوى أسباب السعادة، وهذا تلقين لهم وتعليم وتحذير من مثل ما وقعوا فيه وحث على التسليم، وكأنه لما كان ذنبهم الجهر بما لا يليق به سبحانه من طلب الرؤية، عبر بهذا اللفظ أو ما يدل على معناه تنبيهاً لهم على أن اسمهم يدل على التوبة والرجوع إلى الحق والصيرورة إلى الصلاح واللين والضعف في الصوت والاستكانة في الكلام والسكوت عما لا يليق، وأن يهودا الذي أخذ اسمه من ذلك إنما سموا به ونسبوا إليه تفاؤلاً لهم ليتبادروا إلى التوبة. ولما كان في كلامه عليه السلام إنكار إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ذلك إنما كان على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه تعالى وله أن يفعل ما يشاء بدليل قوله {ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} [الأعراف: 155] استأنف سبحانه الإخبار عن الجواب عن كلامه على وجه منبه للجماهير على أن له التصرف المطلق بقوله:

{قال عذابي} أي انتقامي الذي يزيل كل عذوبه عمن وقع به {أصيب به} أي في الدنيا والآخرة {من أشاء} أي أذنب أو لم يذنب {ورحمتي} أي إنعامي وإكرامي. ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من العدم فهو إكرام في الجملة، قال: {وسعت كل شيء} أي هذا شأنها وصفتها في نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما عساه أن يبلغ، وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيح «إن رحمتي سبقت - وفي رواية: غلبت - غضبي» سواء قلنا: إن السبق بمعنى الغلبة، أو قلنا إنه على بابه، إما الأول فلأن تعلق الرحمة أكثر، لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به الرحمة بإيجاد وإفاضة الرزق عليه، ولا عكس كالحيونات العجم والجمادات وأهل السعادة من المؤمنين والملائكة والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى. ولما أعلم أن رحمته واسعة وقدرته شاملة، وكان ذلك موسعاً للطمع، سبب عن ذلك قوله ذاكراً شرط إتمام تلك الرحمة ترهيباً لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط: {فسأكتبها} أي أخص بدوامها بوعد لا خلف فيه لأجل تمكني بتمام القدرة مما أريد مبتوتاً أمرها بالكتابة {للذين يتقون} أي يوجد لهم هذا الوصف الحامل على كل خير ولا يخلّ بوسعها أن أمنع دوامها بعد الإيجاد من غيرهم، فإن الكل لو دخلوا فيها دائماً ما ضاقت بهم، فهي في نفسها واسعة ولكني أفعل ما أشاء.

ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به، أتبعه النظر إلى الخلائق فقال: {ويؤتون الزكاة} ولعله خصها لأن فرضها كان في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق كما أن صفات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم باتباعه كذلك؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجاً لمن يوجد منه ذانك الوصفان في الجملة على غير جهة العموم: {والذين هم بآياتنا} أي كلها {يؤمنون} أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقاً لذلك بالأكارن، فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض.

157

ولما كان اليهود ربما ادعوا ذلك مكابرة، وأضح غاية الإيضاح بقوله: {الذين يتبعون} أي بغاية جهدهم {الرسول} ولما كان هذا الوصف وحده غير مبين للمراد ولا صريح في الرسالة عن الله ولا في كونه من البشر، قال: {النبي} أي الذي يأتيه الوحي من الله فبدأ بالأشراف وثنى بما خصه برسالة الله وكونه من الآدميين لا من الملائكة. ولما لم يتم المراد، قال مبيناً لأعظم المعجزات، وهي أن علمه بغير معلم من البشر: {الأمي} أي الذي هو مع ذلك العلم المحيط على صفة الأم، وأمة العرب لا يكتب ولا يقرأ ولا يخالط العلماء العلماء للتعليم منهم بل لتعليمهم، فانطبق الوصف على الموصوف مع التنويه

بجلالة الأوصاف والتشويق إلى الموصوف، ولم يعطف لئلا يوهم تعداد الموصوف - والمعنى أني لا أغفر لأحد من بني إسرائيل ولا من غيرهم إلا إن اتبع محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه، وتارة يخرج منة القوة إلى الفعل ممن لحق زمانه دعوته، فمن علم الله منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك، وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ولا ريب يتعلل في أمره بعلة، ولذلك أتبعه بقوله: {الذي يجدونه} أي علماء بني إسرائيل؛ ولما اشتد تشوف بذكر الوجدان، قال: {مكتوباً} ثم قرب الأمر بقوله: {عندهم} ثم بين أنه مما لا يدخله شك بقوله: {في التوراة والإنجيل} أي اللذين يعلمون أنهما من عند الله بصفته البينة كما تقدم بيانه عما عللوا عن تبديله منهما في البقرة {وإذا ابتلى إبراهيم ربه} [البقرة: 124] وفي آل عمران عند {إن الله اصطفى آدم ونوحاً} [آل عمران: 33] وفي النساء عند {ما قتلوه يقيناً} [النساء: 157] وفي التوارة أيضاً من ذلك في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب ولا يوجد فيكم من يطلب تعليم العرافين، ثم قال: لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم، يل يقيم لكم نبياً من إخوتكم مثلي،

فأطيعوا ذلك النبي كما طلبتم إلى الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: لا تسمع صوت الله ربنا ولا تعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ما أحسن ما تكلموا، إني سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي في فيه ويقول لهم ما آمره به، والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه - انتهى. هكذا رأيته مترجماً في بعض نسخ التوارة، ثم رأيت السموأل بن يحيى المغربي ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان من أكابر علمائهم بل العلماء فقال: نبياً أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، بع فليؤمنوا - انتهى. وهو يعني أن يكون هذا النبي محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه من بني إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقله لا تعلق لها بشريعة قبلها ولا توقف لها عليها، وذلك أن في العبارة كلمتين: مثل وإخوة، وحقيقة الأخ ابن أحد الأبوين، وهو لا يتأتى في أحد من أنبيائهم، فأقرب المجاز إلى حقيقته الحمل على أخي الأب، وهو إسماعيل عليه السلام، والشائع في الاستعمال في نحو ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال: من أنفسهم، لا من إخوتهم، وحقيقة المثل المشارك في أخص الصفات،

وأخص صفات موسى عليه السلام الرسالة والكتاب بشريعة مستقلة، ولم يأت منهم بعده من هو بهذه الصفة، لأن عيسى عليه السلام لم ينسخ من شريعة موسى عليه السلام إلا بعض الأحكام، وعلى تقدير دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا النص لوجهين: أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا بواسطة أمه، فحق العبارة فيه: من بني أخواتهم - جمع أخت، وإذا أريد آباء أمه كان المجاز فيهم أبعد من المجاز في بني إسماعيل لما تقدم، ولا ينتقل إلى الأبعد إلا بقرينة تصرف عن الأقرب - والله أعلم. وقال السمؤال بن يحيى أحد أحبارهم في سبب إسلامه: إن اليهود يقولون: إن هذه البشارة نزلت في حق سموأل أحد أنبيائهم الذين بعد موسى لأنه كان مثل موسى عليه السلام في أنه من سبط لاوي، وقال: إنه رأى سموأل عليه السلام في المنام وأنه دفع إليه كتاباً فوجد فيه هذه البشارة فقال له: هنيئاً لك يا نبي الله ما خصك الله به! فنظر مغضباً وقال: أوإياي أراد الله بهذا يا ذكي! ما أفادتك إذن البراهين الهندسية، فقلت: يا نبي الله! فمن أراد الله بهذا؟ قال: الذي أراد في قوله: هوفيع ميهار فاران، وتفسيره إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران، فعرفت أنه يعني المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه المبعوث من جبال فاران وهي جبال مكة، ثم قال: أو ما علمت ان الله لم يبعثني بنسخ شيء من التوارة، وإنما بعثني أذكرهم بها وأحيي شرائعها

وأخلصهم من أهل فلسطين، قلت: بلى يانبي الله! قال: فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ دينهم ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال أو يرميا أو حزقيل؟ قلت: لا لعمري! فأخذ الكتاب من يدي وانصرف مغضباً فارتعبت لغضبه وازدجرت لموعظته واستيقظت مذعوراً. وقال في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود: إن الله يطلق الإخوة على غير بني إسرائيل كما قال في بني العيص بن إسحاق عليه السلام في الجزء الأول من السفر الخامس ما تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص فإذا كانوا بنو العيص إخوة لبني إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم عليهم السلام، قال: وفي الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة في ذكر البشارة لإبراهيم عليه السلام ما تفسيره: وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، ها قد باركت فيه وأثمره وأكثره جداً جداً وقال: إن جداً جداً بلسان العبراني مفسر «بماد ماد» وهاتان الكلمتان إذا عددنا حروفها بحساب الجمل كان اثنتين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعني فتعين أن يكون مراداً بها لأنها في البشارة بتكثير إسماعيل عليه السلام، وليس في

أولاده من كثره الله به وعدد اسمه هذا العدد غير محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزاً، لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته من التوراة كما عملوا في غيره - انتهى. وفي آخرة فصول التوراة: دعا موسى عبد الله لبني إسرائيل قبل وفاته قال: أتى ربنا من سيناء وشرق لنا من جبل ساعير وظهر لنا من جبل - وفي نسخة: جبال فاران، معه ربوات الأطهار على يمينه، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره - وهم يتبعون آثارك ويتناقلون كلماتك. وفي نسخة بدل: معه ربوات الأطهار - إلى آخره: وأتى من ربوات القدس بشريعة نوره من يمينه لهم، واصطفى أيضاً شعباً فجميع خواصه في طاعتك وهم يقفون آثارك وسيتناقلون كلماتك انتهى. فالذي ظهر من جبال فاران هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنهم معترفون أنها مكة، ومعه ربوات، أي جماعات الأطهار، وأمته حببت إلى الشعوب، لأن كلاًّ من فريقي أهل الكتاب يقدمهم على الفريق الآخر، ولم يقبل أحد جميع كلام موسى عليه السلام ويتبع جميع آثاره في بشارته ممن يأتي بعد غيرهم - هذا وأما الإنجيل فالبشائر فيه أكثر وقد تقدم كثير منها، وهي تكاد أن تكون صريحة في سورة النساء في قصة رفعه عليه السلام،

ومما فيه أيضاً ما في إنجيل متى وغيره وأغلب السياق له: كثيراً أولون يصيرون آخرين وآخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنساناً رب بيت حرج بالغداة يستأجر فعلة الكرمه فشارط الأكرة على دينار واحد في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج في ثالث ساعة فأبصر آخرين قياماً في السوق بطالين، فقال لهم: امضوا أنتم إلى كرمي وأنا أعطيكم ما تستحقون، فمضوا، وخرج أيضاً في الساعة السادسة والتاسعة فصنع كذلك، وخرج في الحادية عشرة فوجد آخرين قياماً، فقال لهم: ما قيامكم كل النهار بطالين؟ فقالوا له: لم يستأجرنا أحد، فقال لهم: امضوا أنتم بسرعة إلى الكرم وأنا أعطيكم ما تستحقون، فلما كان المساء قال رب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأخرة وابدأ بهم من الآخرين إلى الأولين، فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة فأخذوا دينار كل واحد، فجاء الأولون فظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا دينار كل واحد، لما أخذوا تعمقوا على رب البيت وقالوا إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعة واحدة، جعلتهم أسوتنا ونحن حملنا ثقل النهار وحرّه! فقال لواحد منهم: ياصاحب! ما ظلمتك، ألست بدينار شارطتك، خذ شيئك وامض، أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما لي أن أفعل ما أردت بمالي؟ وأن عينك شريرة، كذلك يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين، ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين،

وقال: ودخل إلى الهيكل فجاء إليه رؤساء النكهة وشيوخ الشعب وقالوا له وهو يعلم: بأيّ سلطان تفعل هذا؟ ومن اعطاك هذا السلطان؟ أجاب يسوع وقال لهم: أنا أسألكم عن كلمة واحدة، فإن أنتم قلتم لي قلت لكم بأي سلطان أفعل هذا، معمودية يوحنا من أين هي؟ من السماء أو من الناس؟ ففكروا في نفوسهم قائلين: إن قلنا: من السماء قال لنا: لماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، خفنا من الجمع، وقال لوقا: وإن قلنا من الناس فإن جميع الشعب يرجمنا لأنهم قد تيقنوا أن يوحنا نبي؛ وقال متى: لأن يوحنا كان عندهم مثل نبي؛ وقال مرقس: لأن جميعهم كان يقول: إن يوحنا نبي؛ قال متى: فقالوا: لا نعلم، فقال: ولا أنا أيضاً أعلمكم بأي سلطان أفعل هذا. قال مرقس: وبدأ يكلمهم بأمثال قائلاً؛ قال متى: ماذا تظنون بإنسان كان له ابنان فجاء إلى الأول فقال له: يابني! اذهب اليوم واعمل في الكرم، فأجاب وقال: ما أريد - وبعد ذلك ندم ومضى، جاء الى الثاني وقال له مثل هذا فأجاب وقال: نعم يارب! أنا امضي - ولم يمض، من منهما فعل إرادة الأب؟ فقالوا له: الأول، فقال لهم يسوع: الحق أقوال لكم! إن العشارين والزنا يسبقونكم إلى ملكوت الله، جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا به، والعشارون والزناة آمنوا به، فأما أنتم فرأيتم ذلك ولم تندموا أخيراً لتؤمنوا به. اسمعوا مثلاً آخر: إنسان رب بيت غرس كرماً وأحاط

به سياجاً وحفر فيه معصرة وبنى فيه برجاً ودفعه إلى فعلة وسافر - قال لوقا: زماناً كثيراً - فلما قرب زمان الثمار أرسل عبيده إلى الفعلة ليأخذوا ثمرته، فأخذ الفعلة عبيده، ضربوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً، فأرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين فصنعوا بهم كذلك، وفي الآخرة أرسل إليهم ابنه وقال: لعلهم يستحيون من ابني، فلما رأى الفعلة الابن قالوا: هذا هو الوارث تعالوا نقلته ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه، فإذا جاء رب البيت ماذا يفعل بهؤلائك الفعلة؟ قالوا له: يهلكهم ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ليعطوه ثمرته في حينه، قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي رذله البناؤون صار رأس الزاوية، هذا كان من قبل الرب وهو عجب في أعيننا، من هذا أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمم يصنعون ثمرتها، ومن سقط على هذا الحجر ترضض، ومن سقط عليه طحنه. فلما سمع رؤساء الكهنة والفريسيين امثاله علموا انه يقول من أجلهم، فهموا أن يمسكوه وخافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي. وقال أيضاً: يشبه ملكوت السماء رجلاً صنع عرساً لابنه، فأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس، فلم يريدوا أن ياتوا، ثم أرسل عبيداً آخرين وقال: قولوا المدعوين: إن طعامي معد، وعجولي المعلوفة قد ذبحت وكل شيء معد، فتعالوا إلى العرس، فتكاسلوا

وذهبوا فمنهم إلى حقله ومنهم إلى تجارته والبقية أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم، فلما بلغ الملك غضب وأرسل جنده وأهلك هؤلائك القتلة وأحرق مدينتهم؛ حينئذ قال لعبيده: أما العرس فمستعد، والمدعوون فغير مستحقين، اذهبوا إلى مسالك الطريق وكل من وجدتموه ادعوه إلى العرس، فخرج أولئك العبيد إلى الطرق فجمعوا كل من وجدوا أشراراً وصالحين، فامتلأ العرس من المتكئين، فلما دخل الملك لينظر إلى المتكئين رأى هناك رجلاً ليس عليه ثياث العرس فقال: يا هذا! كيف دخلت هاهنا وليس عليك ثياب العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام: شدوا يديه ورجليه وأخرجوه إلى الظلمة البرانية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين. وعبارة لوقا عن ذلك: إنسان صنع وليمه عظيمة ودعا كثيراً فأرسل عبده يقول للمدعوين يأتون فهو ذا كل شيء معد، فبدؤوا بأجمعهم يستعفون، فالأول قال: قد اشتريت كرماً والضرورة تدعوني إلى الخروج ونظره، فأسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: قد اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماض أجربها، أسألك أن تعفيني فما أجيء، وقال آخر: قد تزوجت امرأة، لأجل ذلك ماأقدر أجي، فأتى العبد وأخبره سيده، فحينئذ غضب رب البيت وقال لعبده: اخرج

مسرعاً إلى الطريق وشوارع المدينة وادع المساكين والعور والعميان والمقعدين، اخرج الى الطريق والسياجات وألح عليهم حتى يدخلوا ويمتلىء بيتي ولا أجد من هؤلائك يذوق لي عشاء. وقال يوحنا: الحق أقول لكم! إن من لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يتسور من موضع آخر فإن ذلك لص، الذي يدخل من الباب هو راعي الخراف، والبواب يفتح له، والخراف تسمع له، وكباشه تتبعه لأنها تعرف صوته، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف، فأما الآخر الذي ليس براع وليست الخراف له، فإذا راى الذئب قد أقبل يدع الخراف ويهرب، فيأتي الذئب ويخطف ويبدد الخراف، وإنما يهرب الأجير لأنه مستأجر وليس يشفق على الخراف، أنا الراعي الصالح، ولي كباش أخر ليست من هذا القطيع، فينبغي لي أن آتي بهم أيضاً، فتكون الرعية واحدة، فوقع أيضاً بين اليهود خلف من أجل هذا القول وقال كثير منهم: إن به شيطاناً قد جن، فما استماعكم منه! وقال آخرون: إن هذا ليس كلام مجنون. وفي أوائل السيرة الهشامية: قال ابن إسحاق:

وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل من صفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لمن يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزوني وأيضاً للرب، ولكن لابد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجاناً - أي باطلاً، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس، هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس، هذا الذي من عند الرب خرج، فهو شهيد علي وأنتم أيضاً لأنكم قديماً كنتم معي، هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا. فالمنحمنا بالسريانية محمد، وهو بالرومية البارقليطس - انتهى. ولما دل سبحانه عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأوصافه في نفسه وفي الكتب الإلهيه، دل عليه بشريعته فقال: {يأمرهم بالمعروف} أي بكل ما يعرفونه من التوراة والإنجيل وما يعرفونه فيهما أنه ينسخ شرعهم ويأتي من عند الله بهذا المذكور {وينهاهم عن المنكر} أي عن كل ما ينكرونه فيهما، فثبتت بذلك رسالته، فأنه لكونه أمياً لا يعرف المعروف والمنكر فيهما إلا وهو صادق عن علام الغيوب، ثم شرع

بعد ثبوت رسالته يبين لهم ما في رسالته من المنة عليهم بالتخفيف عنهم بإباحة ما كانوا قد حملوا ثقل تحريمه، فكانوا لا يزالون يعصون الله بانتهاك حرماته والإعراض عن تبعاته فقال: {ويحل لهم الطيبات} أي التي كانت حرمت عليهم عقوبة لهم كالشحوم {ويحرم عليهم} وعبر بصيغة الجموع إشارة إلى أن الخبيث أكثر من الطيب في كل مائي الأصل فقال: {الخبائث} أي كل ما يستخبثه الطبع السليم أو يؤدي إلى الخبث كالخمر المؤدية إلى الإسكار والرشى المؤدية إلى النار بعد قبيح العار {ويضع عنهم إصرهم} أي ثقلهم الذي كان حمل عليهم فجعلهم لثقلة كالمحبوس الممنوع من الحركة {والأغلال التي كانت عليهم} أي جميع ما حملوه من الأثقال التي هي لثقلها وكراهة النفوس لها كالغل الذي يجمع اليد إلى العنق فيذهب القوة {فالذين آمنوا به} أي أوجدوا بسببه الأمان من التكذيب بشيء من آيات الله {وعزروه} أي منعوه من كل من يريده بسوء وقووا يده تقوية عظيمة على كل من يكيده: قال في القاموس: والتعزير: ضرب دون الحد أو هو أشد الضرب، والتفخيم والتعظيم ضد، والإعانة كالعزر والتقوية والنصر- انتهى. وقال عبد الحق: العزر: المنع، تقول: عزرت فلاناً عن كذا، أي منعته - انتهى. فالمادة كلها تدور على هذا المعنى والضرب واضح فيه التعظيم وما في معناه منع من يكيده {ونصروه} أي أيدوه

وقمعوا مخالفة {واتبعوا النور} أي الوحي من القرآن والسنة {الذي أنزل معه} أي مصاحباً إنزاله إرساله، سمي نوراً لأنه يجعل المقتدي به ببيان طريق الحق كالماشي في ضوء النهار {أولئك هم} أي خاصة {المفلحون*} أي الفائزون بكل مأمول. ولما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى عليه السلام وبيان مناقبه العظام ومآثره الجسام، كان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصباً وأعظمهم رتبة، فساق سبحانه هذه الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي بين أن أعلاهم مراتب وأزكاهم مناقب الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة أو فعلاً، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل اهتماماً به وتعجيلاً له مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته ويوضح أكمليته بقصته مع قومه في مبدإ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورتي الأنفال وبراءة بكمالها. ذكر شيء من الآصار التي كانت عليهم وخففت عنهم لو دخلوا في الإسلام ببركته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير ما أسلفته في آخر البقرة عند قوله تعالى {ولا تحمل علينا إصراً} [البقرة: 286] وفي المائدة عند قوله تعالى {وليحكم أهل الإنجيل} [المائدة: 47] قال في السفر الثاني من التوراة: وقال الرب لموسى: اعمد فخذ طيباً - إلى أن قال: وليكن معجوناً طيباً للقدس ودقه واسحقه وبخر منه قدام تابوت الشهادة في قبة الزمان

لأواعدك إلى هناك، ويكون عندكم طهراً مخصوصاً، وأيما رجل اتخذ مثله ليتبخر به فليهلك ذلك الرجل من شعبه؛ وقال في الثالث: ثم كلم الرب موسى قال له؛ كلم هارون وبنيه وجماعة بني إسرائيل وقل لهم؛ هذا ما أمرني به الرب ان أخبركم، أي رجل من بني إسرائيل يذبح في محلة بني إسرائيل أو يذبح خارجاً من العسكر ولا يجيء بقربانه إلى باب قبة الزمان ليقربه يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً؛ وكلم الرب موسى وقال له: كلم هارون وقل له: من كان عيب من نسلك - أي من الأحبار - في جميع الأحقاب لا يدنو من مقدسي، لا يقرب قربانا ً مثل الرجل الأعراج والأعمى والأفطس والأصمع الأذن أو رجل مسكور اليد أو رجل قيصر أو منحن أو رجل قد أشتر حاجباه أو أجهر العين أو من في عينه بياض أو أبرص أو أحدب أو رجل له خصية واحدة، أي رجل كان فيه عيب من نسل هارون الكاهن لا يدنو من المذبح ليقرب قربان الرب لأن فيه عيباً؛ وقال في السفر الرابع وهو من الحجج على أن التوراة لم تنزل جملة: وكلم الرب موسى في برية سيناء في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الأول وقال: تعمل بنو إسرائيل الفصح في وقته في أربعة عشر يوماً من هذا الشهر - إلى أن قال: وعملوا الفصح، والقوم الذين تنجسوا بأنفس الناس لم يقدروا أن يعملوا الفصح فقالوا: قد تنجسنا بأنفس الناس، أي مسسنا ميتاً، فهل يحرم علينا عمل الفصح؟ فقال لهم موسى:

قوموا في مواضعكم حتى تسمعوا ما يأمر الرب فيكم، وكلم الرب موسى وقال له: قل لهم: الرجل إذا تنجس منكم لميت أو كان في مكان بعيد يعمل فصحاً للرب في أربعة عشر يوماً من الشهر الثاني، ومن كان زكياً ولم يكن مسافراً ولم يعمل الفصح في وقته تهلك تلك النفس من بين بني إسرائيل، وقال قبل ذلك: وكلم الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل أن يخرجوا من عسكرهم كل من به برص أو سلس وكل من كان نجساً بنفسه ذكراً كان أو أنثى، يخرجونهم خارج العسكر، ولا تنجسوا عساكركم لأني نازل بينكم؛ ثم ذكر: الرجل إذا غار على امرأته واتهمها، إنه يأتي الكاهن فيقيمها ويلقنها لعناً، فإذا قالته كتبه وأخذ ماء مقدساً في وعاء فخار ووضع فيه من الترب الذي أسفل المذبح وسقاه لها، فإن كانت خانت انتفخ بطنها وفسد فخذاها وتصير لعنة في شعبها، وإن كانت لم تخن تطهرت وولت ذكراً، ثم أمرهم بذبح بقرة وإحراقها حتى تصير رماداً، ويغسل الحبر الذي ذبحها ثيابه ويديه، فكل من يقترب إلى ميت أو ميتة يكون نجساً سبعة أيام، وينضح عليه من ذلك الماء في اليوم الثالث واليوم السابع ويتطهر، وإن لم يرش عليه كذلك فلا يتطهر، وكل من دنا من إنسان ميت ولا ينضح عليه من ذلك الماء فقد نجس جناب الرب، فلتهملك تلك النفس لأنه لم ينضح عليه من ماء الرش شيء، فلذلك يكون نجساً ولا يفارقه نجاسته، وهذه

سنة الإنسان إذا مات في قبة الزمان، فكل من كان هناك في القبة وكل من يدخلها يكون نجساً سبعة أيام، وكل وعاء يكون مكشوفاً غير مغطى نجساً، وكل من دنا من قتيل أو يمس عظم إنسان أو يدخل القبر يكون نجساً سبعة أيام ويؤخذ للمنتخس من رماد البقرة ويصيب في وعاء ماء عذب وينضح منه - على كيفية ذكرها - ليكون زكياً، ومن تنجس ولم يرش عليه من ذلك الماء تهلك نفسه من جماعتها، ومن دنا من ماء الرش يكون نجساً إلى الليل، ومن اقترب إلى ذلك الذي تنجس يكون نجساً إلى الليل - ثم قال: ثم كلم الرب موسى وقال له: مر بني إسرائيل وقل لهم: قرابتي يكون محفوظة في أوقاتها - ثم ذكر له كثيراً من أمر القرابين، ثم ذكر من أوقاتها يوم السبت ورؤوس الشهور، ثم قال: وفي أربع عشرة ليلة من الشهر الأول هو فصح الرب، ويوم خمسة عشر اتخذوه عيداً، وكلوا الفطير سبعة أيام، وصيّروا أول يوم من السبعة مميزاً مطهراً لا تعملوا فيه عملاً، واليوم السابع يكون مميزاً مطهراً لا تعملوا فيه عملاً وأول يوم من الشهر السابع يكون مختصاً مطهراً، لا تعملوا فيه عملاً

مما يعمل، بل صيروه يوماً يهتف فيه بالقرون، وقربوا ذبائح كاملة - ثم وصفها وكذا غيره من الأيام ثم قال: وكذلك فافعلوا في أول الشهر أبداً، وفي عشر من الشهر السابع اجعلوه يوماً مختصاً، مطهراًَ لا تعملوا فيه عملاً، ولكن قربوا، ويوم خمسة عشر من هذا الشهر السابع، ويكون مدعواً، لا تعملوا فيه عملاً، بل اتخذوه عيداً للرب سبعة أيام؛ ثم قال: حتى إذا كان اليوم الثامن فاحتفلوا بأجمعكم، ولا تعملوا شيئاً مما يعمل، وقربوا قرابين كاملة - وأطال في ذلك جداً على كيفيات حفظها فضلاً عن العلم بها في غاية المشقة؛ ثم قال قربوا للرب في أيام أعيادكم غير نذوركم وغير خواصكم التي تختصون للرب؛ ثم قال مخاطباً للمجاهدين في مدين: وأما أنتم فانزلوا خارجاً من العسكر سبعة أيام، كل من قتل نفساً أو مس قتيلاً ينضح عليه من ماء التطهير في الثالث والسابع - وأمرهم بأشياء من الآصار ثم قال: وتطهروا بالماء في اليوم السابع، ثم بعد ذلك تدخلون العسكر؛ ثم قال في الخامس: هذه السنن والأحكام التي يجب عليكم أن تعملوها وتحفظوها في الأرض التي يعطيكم الله ربكم ميراثاً كل أيام حياتكم، خربوا كل البلدان التي ترثونها، والآلهة التي عبدها أهلها فيها على الجبال

الرفيعة والآكام وتحت كل شجرة كبيرة تظل، واستأصلوا مذابحهم وكسروا أنصابهم، وأحرقوا أصنامهم المصنوعة وأوثانهم المنحوته، ولا تصنعوا أنتم مثل ما صنع أولئك في عبادتكم الله ربكم، ولكن المواضع التي يختار الله ربكم أن تصيِّروا اسمه فيها من جميع قبائلكم، وافحصوا عن محلته، وانطلقوا بجمعكم بقرابينكم الكاملة، كلوا هناك أمام الله ربكم أنتم وأهاليكم، ولا تعملوا كما يعمل هاهنا اليوم أي قبل الوصول إلى أرض الميراث؛ ثم قال: انظروا لا تقربوا قرابينكم في المواضع التي تريدون، لكن في المواضع الذي يختار الرب، في حد سبط من أسباطكم؛ ثم قال: وإذا بنيت بيتاً جديداً فحجر على البيت لئلا يقع إنسان من فوقه فليلزمك دمه، ولا تزرعن في حرثك خلطاً لئلا تفسد غلة زرعك وكرمك، لا تحرث بالثور والحمار جميعاً، ولا تنسج ثوباً من قطن وصوف جميعاً، اعمل خيوطاً في أربعة أطراف ردائك الذي تلبس؛ ثم قال: وإن وجد رجل فتاة عذراء لم تملك، فيظفر بها ويضاجعها ويوجد، يدفع إلى أبيها خمسين مثقالاً من فضة، وتصير امرأته لأنه فضحها، ولا يقدر أن يطلقها حتى يموت. ولا يدخل

ولد الزنا إلى بيت الرب، ولا يدخل نسله من بعده إلى عشرة أحقاب، ولا يدخل عماني ولا مؤابيّ إلى بيت الرب، ولا يدخل نسلهما من بعدهما إلى عشرة أحقاب، لأنهم لم يضيفوكم ولم يعشوكم بالخبز والماء حيث خرجتم من أرض مصر، ولأنهم اكتروا بلعام بن بعور من فتورام من بين النهرين - وهي حران - ليلعنكم، ولم يحب الرب أن يسمع قول بلعام بن بعور، وقلب الله لعنه إلى الدعاء، لأن الله ربكم أحبكم، فلا تريدوا لهم الخير أيام حياتكم، لا تدفعوا الأدومي عنكم لأنه أخوكم، ولا تبعدوا المصري أيضاً لأنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، وإن كان في معسكركم رجل أصابته جنابة، يخرج خارج العسكر، ولا يجلس بين أصحابه في العسكر، وإذا كان العشيّ فليستحم بالماء، وإذا غابت الشمس وأمسى يدخل العسكر، وليكن لكم موضع معروف خارج العسكر تخرجون إليه إلى الخلاء، ويكون على سلاحكم وتد من حديد، فإذا جلستم للخلاء احفروا موضعاً للخلاء وغطوا رجيعكم، لأن الله ربكم معكم في العسكر لينقذكم ويدفع عنكم أعداءكم، فليكن عسكركم مطهراً

مزكياً لئلا يرى فيكم أمراً قبيحاً، فيرتفع عنكم ولا يصحبكم؛ ثم قال: وإن سكن أخوان جميعاً ومات أحدهما ولم يخلف ولداً، لا تتزوج امرأته من رجل غريب، ولكن يتزوج بها وارثه ويقيم زرعاً، وأول ولد تلد ينسب إلى أخيه الذي مات، ويقال إنه ابن ذلك الذي مات ولم يخلف ولداً، لئلا يبيد اسمه من بني إسرائيل، وإن لم يعجب الرجل أن يتزوج امرأة أخيه، ترتفع امرأة أخيه إلى المشيخة فيدعونه، فإن ثبت على قوله تتقدم إليه المرأة بين يدي المشيخة وتخلع خفيه من قدميه وتبصق في وجهه وتقول: كذلك يصنع بالرجل الذي لا يحب أن يبني بيتاً لأخيه، ويدعى اسمه بين بني إسرائيل: صاحب خلع الخفين، وإن شاجر الرجل صاحبه فدنت امرأة أحدهما لتخلص زوجها من الذي يقاتله، فتمد يدها إلى مذاكير الرجل، يقطع يدها ولا يشفق عليها ولا يترحم - انتهى. وكل هذه الآصار على النصارى أيضاً ما لم يرد في الإنجيل نسخها.

158

ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حثاً على الإيمان به وإيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر؛ أمره سبحانه أن

يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرّح بما أخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقاً لعموم رسالته وشمول دعوته فقال: {قل} وأتى بأداة البعد لأنه محلها {يا أيها الناس} وقد مضى في الأنعام أن اشتقاقهم من النوس، وأن الإمام السبكي قال: إن ذلك يقتضي دخول الجن والكملائكة فيهم. وتقدم عند {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} في هذه السورة ما ينفع هنا {إني رسول الله} أي الذي له جميع الملك {إليكم جميعاً} أي لا فرق بين أدركني ومن تأخر عني أو تقدم عليّ في أن الكل يشترط عليهم الإيمان بي والاتباع لي؛ وهذا المراد بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه الذراع فنهش منها فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» وللدرامي في أوائل مسنده عن جابر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر» وللترمذي في المناقب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال؛ «أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» وقال: حديث حسن غريب، وله في المناقب أيضاً عن أبي

بن كعب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» وقال: حسن صحيح غريب؛ وللترمذي والدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألا! وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامه تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامه ولا فخر، وانا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» وللترمذي وقال: حسن - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامه ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» الفخر: ادعاء العظمة والكبر والشرف، أي لا أقوله تبجحاً، ولكن شكراً وتحديثاً بالنعمة؛ وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم قبل موته وبعده، اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماماً، ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماماً، وأما يوم الجمع الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه ويؤمنون بالرسالة، وما أحال بعض الكابر على بعض إلا علماً منهم بأن الختام يكون به. ليكون أظهر للاعتراف بأمانته والانقياد لطاعته، لأن المحيل على المحيل

على الشيء محيل على ذلك الشيء، ولو أحال أحد ممن قبل عيسى عليه السلام لطرقه احتمال، والحاصل أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى الخلق كافة، فيظهر سر هذه الآية {الذين يتبعون الرسول} والله الموفق. ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات الدال على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى للجن والملائكة، أيد ذلك بقوله: {الذي له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} أي فلا بدع أن يرسله إلى جميع من فيهما، بل وما فيهما. ولما كان مما بالغه في الدنيا أنه ربما في مملكة الملك من يناظره أو يقرب منه من ولي عهد أو نحوه، فربما رد بعض أمره في صورة نصح أو غيره؛ نفى ذلك بقوله مبيناً تمام ملكه: {لا إله إلا هو} أي فالكل منقادون لأمره خاضعون له، لأنه لا موجود بالفعل ولا بالإمكان من يصلح للإلهية سواه؛ ثم علل ذلك بقوله {يحيي ويميت} أي له هاتان الصفتان مختصاً بهما، ومن كان كذلك كان منفرداً بما ذكر، وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أول الفرقان مع ما مضى في أوائل الأنعام، لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهم السلام في عموم الدعوة. ولما تقرر أنه لا منازع له، تسبب عن ذلك توجيه الأمر بالانقياد

لرسوله فقال: {فآمنوا بالله} أي لما ثبت له من العظمة والإحاطة بأوصاف الكمال وبكل شيء فإن الإيمان به أساس لا ينبني شيء من الذين إلا عليه. ولما كان أقرب الفروع الأصلية إليه الرسالة قال: {ورسوله} أي لأنه رسوله؛ ثم وصفه بما دل على قربه فقال: {النبي} أي الذي يخبره بما يريد من الأمور العظيمة غيباً وشهادة، ويعليه عن كل مخلوق بإخباره بإرساله؛ ولما كان علوه على كل عالم - مع أنه ثم يتعلم من آدمي - أدل شيء على صدقه قال: {الأمي} أي الذي هو - مع كونه لا يحسن كتابة ولا قراءة، بل هو على الفطرة الأولى السليمة التي لم يخالطها هوى، ولا دنسها حظ ولا شهوة - بحيث يؤم ويقصد للاقتداء به، لما حوى من علوم الدنيا والآخرة والتخلق باوصاف الكمال. ولما أشارة بهذه الصفة إلى أن سبب الإيمان الخلاص من الهوى بالكون على الفطره الأولى، قال منبهاً على وجوب الإيمان به، لكونه أول فاعل لما يدعو إليه: {الذي يؤمن بالله} أي لأجل ما يقتضية ذاته سبحانه من التعبد له لما له من العظمة، فكلما تجدد له علم من علوم الذات بحسب ترقيه في رتب الكمال من رتبة كاملة إلى أكمل منها إلى ما لا نهاية له، جدد له إيماناً بحسبه، لا تعتريه غفلة ولا يخالطه سهو

ولا شائبة فتور {وكلماته} كذلك أيضاً، كلما تجدد له علم بصفة منها جدد لها إيماناً، ومنها المعجزات التي جرت على يديه، كل واحدة منها كلمة لأن ظهوره بالكلمة، كما سمى عيسى عليه السلام كلمة لذلك. ولما تقرر أنه امتثل ما أمر به، فثبتت بذلك رسالته، استحق أن يكون قدوة فقال: {واتبعوه} أي في كل ما يقول ويفعل مما ينهى عنه أو يأمر به أو يأذن فيه {لعلكم تهتدون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى له حصول ما سأل في الفاتحة من الاهتداء، أي خلق الهداية في القلب مع دوامه. ولما كثر عد مثالب إسرائيل، وختم بتخصيص المتبع لهذا النبي الكريم بالهداية والرحمة المسببة عنها، وكان فيهم المستقيم على ما شرعه له ربه، المتمسك بما لزمه أهل طاعته وحزبه، سواء كان من صفات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيرها، مع الإذعان لذلك كله؛ نبه عليه عائداً إلى تتميم أخبارهم، ثم ما وقع في أيام موسى عليه السلام وبعدها من شرارهم، تعزية لهذا النبي الكريم وتسلية، وتطييباً لنفسه الزكية وتأسية، وهو مع ما بعده من أدله {سأصرف عن آياتي} [الأعراف: 146] فقال تعالى عاطفاً على {واتخذ قوم موسى من بعده} [الأعراف: 148] {ومن قوم موسى أمة} أي قوم يستحقون أن يؤموا لأنهم لا يتكبرون في الأرض بغير الحق، بل

{يهدون} أي يوقعون الهداية وهي البيان {بالحق وبه} أي خاصه {يعدلون*} أي يجعلون القضايا المختلفة المتنازع فيها معادلة ليقع الرضى بها، لا يقع منهم جور في شيء منها، ومنهم الذين اتبعوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله عنهما.

160

ولما مدحهم، شرع يذكرهم شيئاً مما أسبغ عليهم من النعم لأجل هؤلاء المهتدين من التكثير بعد القلة والإعزاز بعد الذلة بجعلهم ممن يؤم استعطافاً لغيرهم، ويذكر بعض عقوباتهم ترهيباً فقال: {وقطعناهم} أي فرقنا بينهم بالأشخاص بعد أن كانوا ماء واحداً من شخص واحد، وهو إسرائيل عليه السلام؛ وصرح بالكثرة بعد أن لوح بها بالتقطيع بقوله: {اثنتي عشرة} وميزه - موضع المفرد الذي هو مميز العشرة - بالجمع للإشارة إلى أن كل سبط يشتمل لكثرته على عدة قبائل بقوله: {أسباطاً} والسبط - بالكسر: ولد الولد، والقبيلة من اليهود، وهذه المادة تدور على الكثرة والبسط؛ وبين عظمتهم وكثرة انتشارهم وتشعبهم بقوله: {أمماً} أي هم أهل لأن يقصدهم الناس لما لهم من الكثرة والقوة والدين، أو أن كل أمة منهم تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى من غيرهم ديناً.

ولما وصفهم بهذه الكثرة، وكان ذلك مجرى لذكر الإنعام عليهم بالكفاية في الأكل والشرب، ذكر نعمة خارقة للعادة في الماء، وبدأ به لأنه الأصل في الحياة، وهي من نوع تقسيمهم من نفس واحدة مشيرة إلى ظلمهم وإسراعهم في المروق فقال: {وأوحينا إلى موسى إذ} أي حين {استسقاه قومه} أي طلبوا منه برية لا ماء بها أن يسقيهم، وذلك في التيه، والتعبير بالقوم إشارة إلى تبكيتهم بكونهم أهل قوة ولم يتأسوا بموسى عليه السلام في الصبر إلى أن يأتي الله الذي أمرهم بهذا المسير بالفرج، بل طلبوا منه ذلك على الوجه المذكور في البقرة من إظهار القلق والدمدمة {أن اضرب بعصاك} أي التي جعلناها لك آية وضربت بها البحر فانفلق {الحجر} أي أيّ حجر أردته من هذا الجنس؛ وبين سبحانه سرعة امتثال موسى عليه السلام وسرعة التأثير عن ضربه بحذف: فضربه، وقوله مشيراً إليه: {فانبجست} أي فانشقت وظهرت ونبعت، وذلك كاف في تعنيفهم وذمهم على كفرهم بعد المن به، وهذا السياق الذي هو لبيان إسراعهم في المروق هو لا ينافي أن يكون على وجه الانفجار، ويكون التعنيف حينئذ أشد {منه اثنتا عشرة عيناً} على عدد الأسباط، وأشار إلى شدة تمايزها بقوله؛ {قد علم كل أناس} أي من الأسباط {مشربهم} ولما لم يتقدم للأكل ذكر ولا كان هذا سياق الامتنان، لم يذكر ما أتم هذه الاية به في البقرة.

ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء، أتبعه تبريدها بالظل فقال: {وظللنا} أي في التيه {عليهم الغمام} أي لئلا يتأذوا بالشمس؛ ولما أتم تبريد الأكباد، أتبعه غذاء الأجساد فقال: {وأنزلنا عليهم المن} أي خبراً {والسلوى} أي إداماً؛ وقال السمؤال بن يحيى: وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية، يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله عز وجل أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض. ولما ذكر عظمته في ذلك، ذكر نتيجته فقال: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم تعالجوه نوع معالجة، ودل على أنهم قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم والعدوان بقوله عطفاً على ما تقديره: فعدلوا عن الطبيات المأذون فيها، وأكلوا الخبائث التي حرمناها عليهم بالاصطياد يوم السبت - كما يأتي - وفعلوا غير ذلك من المحرمات، فظلملوا أنفسهم بذلك: {وما ظلمونا} أي بشيء مما قابلوا فيه الإحسان بالكفران {ولكن كانوا} أي دائماً جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون*} وهو - مع كونه من أدلة {سأصرف عن آياتي} الآية - دليل على صحة وصف هذا الرسول بالنبي، فإن من علم هذه الدقائق من أخبارهم مع كونه أمياً ولم يخالط أحداً من أحبارهم،

كان صادقاً عن علام الغيوب من غير مؤيد وكذا ما بعده. ولما ذكر ما حباهم في القفار، أتبعه إنعامه عليهم عند الوصول إلى الدار فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في غاية الظلم كأصحاب السبت فيتوقعوا مثل عذابهم، واذكر لهم ما لم تكن حاضره ولا أخذته عنهم، وهو وقت إذ، وعدل عن الإكرام بالخطاب ونو العظمة، لأن السياق للأسراع في الكفر فقال: {قيل لهم اسكنوا} أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة، ولا يسمى ساكناً إلا بعد التوطن بخلاف الدخول، فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أيّ وجه كان {هذه القرية} . فهو دليل آخر على الأمرين: الصرف والصدق؛ وعبر هنا بالمجهول في {قيل} إعراضاً عن تلذيذهم بالخطاب إيذاناً بأن هذا السياق للغضب عليهم بتساقطهم في الكفر وإعراضهم عن الشكر، من أيّ قائل كان وبأيّ صيغة ورد القول وعلى أيّ حالة كان، وإظهاراً للعظمة حيث كانت، أدنى إشارة منه كافية في سكناهم في البلاد واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة حتى قالوا {إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها} [المائدة: 24] . ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة

من التعقيب وهو الاستعطاف، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع، وهي لا تنافي تلك، فقال: {وكلوا منها} أي القرية {حيث شئتم} وأسقط الرغد لذلك، وقدم {وقولوا حطة} ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعراً بعظيم ما تحملوه من الآثام، إيذاناً بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة المقام. ولما أمروا بالحطة قولاً، أمروا أن يشفعوها بفعل، لتحط عنهم ذنوبهم، ولا ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة، لأن الواو لا ترتب، فقال: {وادخلوا الباب} أي باب بيت المقدس حال كونكم {سجداً نغفر لكم} ولما كان السياق هنا لبيان إسراعهم في الكفر، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله: {خطاياكم} في قراءة أبي عمرو، وأما قراءة ابن عامر {خطيتكم} بالإفراد وقراءة غيرهما {خطياتكم} جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوة تعالى، وكذا بناء {نغفر} للمجهول تأنيثاً وتذكيراً، كل ذلك ترجيه لهم واستعطافاً إلى التوبة، ولذلك ساق سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه قال: هذا الرجاء قد حصل، فهل مع مع المغفرة من كرامة؟ فقال: {سنزيد} أي بوعد لا خلف فيه عن قريب، وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة {المحسنين*} أي العريقين في هذا الوصف،

وللسياق الذي وصفت قيد قوله: {فبدل الذين ظلموا} بقوله: {منهم} لئلا يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم {قولاً غير الذي} . ولما كان من المعلوم أن القائل من له إلزامهم، بناه للمجهول فقال: {قيل لهم} وقال: {فأرسلنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} بالإضمار تهويلاً لاحتمال العموم بالعذاب {رجزاً من السماء} ولفظُ الظلم - في قوله: {بما كانوا يظلمون*} بما يقتضيه من أنهم لا ينفكون عن الكون في الظلام إما مطلقاً وإما مع تجديد فعل فعل من هو فيه - أهول من لفظ الفسق المقتضي لتجديد الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه، كما أن لفظ الإرسال المعدي ب {على} كذلك بالنسبة إلى لفظ الإنزال. ولما فرغ من هتك أستارهم فيما عملوه أيام موسى عليه السلام وما يليها، أتبعه خزياً آخر أشد مما قبله، كان بعد ذلك بمدة لا يعلمه أحد إلا من جهتهم أو من الله، وإذا انتفى الأول ثبت الثاني، فقال: {وسئلهم} أي بني إسرائيل مبكتاً لهم ومقرراً {عن القرية} أي البلد الجامع {التي كانت حاضرة البحر} أي على شاطئه وهي أيلة، ولعله عبر بالسؤال، ولم يقل: وإذ تعدو القرية التي - إلى آخره، ونحو ذلك، لأن كراهتهم للإطلاع على هذه الفضيحة أشد مما مضى، وهي دليل على الصرف والصدق. ولما كان السؤال عن خبر أهل القرية قال

مبدلاً بدل اشتمال من القرية {إذ} أي حين {يعدون} أي يجوزون الحد الذي أمرهم الله به {في السبت إذ} أي العدو حين {تأتيهم} وزاد في التبكيت بالإشارة إلى المسارعة في الكفر بالإضافة في قوله: {حيتانهم} إيماء إلى أنها مخلوقة لهم، فلو صبروا نالوها وهم مطيعون، كما في حديث جابر رضي الله عنه رفعه «بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن صبر خرج إليه، وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما قدر له» {يوم سبتهم} أي الذي يعظمونه بترك الاشتغال فيه بشيء غير العبادة {شرعاً} أي قريبة مشرفة لهم ظاهرة على وجه الماء بكثرة، جمع شارعة وشارع أي دان {ويوم لا يسبتون} أي لا يكون سبت، ولعله عبربهذا إشارة إلى أنهم لو عظموا الأحد على أنه سبت جاءتهم فيه، وهو من: سبتت اليهود - إذا عظمت سبتها {لا تأتيهم} أي ابتلاء من الله لهم، ولو أنهم صبروا أزال الله هذه العادة فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ولما كان هذا بلاء عظيماً، قال مجيباً لسؤال من كأنه قال لشدة ما بهره من هذا الأمر: هل وقع مثل هذا؟ مشيراً إلى أنه وقع، ولم يكتف به، بل وقع لهم أمثاله لإظهار ما في عالم الغيب منهم إلى عالم الشهادة: {كذلك} أي مثل هذا البلاء العظيم {نبلوهم} أي نجدد اختبارهم كل قليل {بما} أي سبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفسقون*} أي يجددون في علمنا من الفسق، وهو الخروج مما هو

أهل للتوطن من الطاعات.

164

ولما أخبر أن الفسق ديدنهم، أكده بقوله عطفاً على {إذ يعدون} [الأعراف: 163] {وإذ} أي واسألهم عن خبرهم حين {قالت أمة منهم} أي جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا لأمة أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ تخويفاً للموعوظين بما يتجاوزون به {لم تعظون قوماً} أي معتمدين على قوتهم {الله} أي الذي له الملك كله {مهلكهم} أي لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ {أو معذبهم عذاباً شديداً} أي بعظيم ما يرتكبونه وتماديهم فيه {قالوا} أي الأمة الأخرى من الواعظين: وعظنا {معذرة إلى ربكم} أي المحسن إليكم بالحفظ عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول: فعلنا في أمرهم جهدنا، هذا إن لم يرجعوا {ولعلهم يتقون*} أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه. ولما تراجعوا بهذا الكلام ليكون زاجراً للعاصين فلم يرجعوا، أخبر أنه صدق ظنهم بإيقاع الأمرين معاً: العذاب الشديد والإهلاك فقال: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي فعلوا في إعراضهم عنه فعل الناسي وتركوه ترك المنسيّ، وهو أن الله لا يهملهم كما أن الإنسان لا يمكن أن يهمل

أحداً تحت يده، ليفعل ما يشاء من غير اعتراض {أنجينا} أي بعظمتنا {الذين ينهون} أي استمروا على النهي {عن السوء} أي الحرام {وأخذنا} أي أخذ غلبة وقهر {الذين ظلموا} أي بالعدو في السبت {بعذاب بئيس*} أي شديد جداً {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفسقون*} أي بسبب استمرارهم على تجديد الفسق. ولما ذكر ما هددهم بهمن العذاب الشديد، أتبعه الهلاك فقال: {فلما عتوا} أي تكبروا جلافة ويبساً عن الانتهاء {عن ما نهوا عنه} أي بعد الأخذ بالعذاب الشديد، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عناداً وتكبراً بغاية الوقاحة وعدم المبالاة، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب، من عتا يعتو عتواً - إذا أقبل على الآثام، فهو عات، قال عبد الحق في كتابة الواعي: وقيل إذا أقدم على كل أموره، ومنه هذه الآية، وقيل: العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي، وقيل: المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه، ومنه قوله سبحانه {فعتوا عن أمر ربهم} [الذاريات: 44] أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر - انتهى. وحقيقته: جاوزوا الأمر إلى النهي، أو جاوزوا الائتمار بأمره، والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة {قلنا لهم} أي بما لنا من القدرة العظيمة {كونوا قردة} أي في صورة القردة حال كونكم {خاسئين*} أي صاغرين مطرودين

بعدين عن الرحمة كما يبعد الكلب. ولما تبين بما مضى من جرأتهم على المعاصي وإسراعهم فيها استحقاقهم لدوام الخزي والصغار، أخبر أنه فعل بهم ذلك على وجه موجب للقطع بأنهم مرتبكون في الضلال، مرتكبون سيىء الأعمال، ما دام عليهم ذلك النكال، فقال: {وإذ} وهو عطف على {وسئلهم} أي واذكر لهم حين {تأذن} أي أعلم إعلاماً عظيماً جهراً معتنى به {ربك} أي المربي لك والممهد لأدلة شريعتك والناصر لك على من خالفك. ولما كان ما قيل جارياً مجرى القسم، تلقى بلامه، فكان كأنه قيل: تاذن مقسماً بعزته وعظمته وعلمه وقدرته: {ليبعثن} أي من مكان بعيد، وأفهم أنه بعث عذاب بأداة الاستعلاء المفهمة لأن المعنى: ليسلطن {عليهم} أي اليهود، ومد زمان التسليط فقال: {إلى يوم القيامة} الذي هو الفيصل الأعظم {من يسومهم} أي ينزل بهم دائماً {سوء العذاب} بالإذلال والاستصغار وضرب الجزية والاحتقار، وكذا فعل سبحانه فقد سلط عليهم الأمم ومزقهم في الأرض كل ممزق من حين أنكروا رسالة المسيح عليه السلام، كما أتاهم به الوعد الصادق في التوارة، وترجمة ذلك موجودة بين أيديهم الآن في قوله في آخر السفر الأول: لا يزول القضيب من آل يهودا، لا يعدم سبط يهودا ملكاً مسلطاً واتخاذه نبياً مرسلاً ختى يأتي الذي له الملك - وفي نسخة:

الكل - وإياه تنتظر الشعوب، يربط بالحلبة جحشه؛ وقال السمؤال في أوائل كتابه غاية المقصود: نقول لهم: فليس في التوارة التي في أيديكم ما تفسيره: لا يزول الملك من آل يهودا والراسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح فلا يقدرون على جحده، فنقول لهم: إذاً علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح ثم انقضى ملككم - انتهى. ومن أيام رسالة المسيح سلط الله عليهم الأمم ومزقهم في الأرض، فكانوا مرة تحت حكم البابليين، وأخرى تحت أيدي المجوس، وكرة تحت قهر الروم من بني العيص، وأخرى في أسر غيرهم إلى أن أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضرب عليهم الجزية هو وأمته من بعده. ولما كان السياق للعذاب وموجباته، علل ذلك مؤكداً بقوله: {إن ربك} أي المحسن إليك بإذلال أعدائك الذين هم أشد الأمم لك ولمن آمن بك عداوة {لسريع العقاب} أي يعذب عقب الذنب بالانتقام باطناً بالنكته السوداء في القلب، وظاهراً - إن أراد - بما يريد، وهذا بخلاف ما في الأنعام فإنه في سياق الإنعام بجعلهم خلائف. ولما رهب، رغب بقوله: {وإنه لغفور} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً لمن تاب وآمن {رحيم*} أي مكرم منعم بالتوفيق لما يرضاه ثم بما يكون سبباً له من الإعلاء في الدينا والآخرة.

168

ذكر شيء مما هددوا به التوارة على العصيان والبغي والعدوان غير ما تقدم في المائدة عند {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60] وغيرها من الايات - قال في السفر الخامس: وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتق الله ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها، ويبتلي نسلك من بعدك وتدوم عليك، ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين الشعوب، وتعبدون هنالك الآلهة الأخرى التي عملت من الحجارة والخشب، ولا تسكنون أيضاً بين تلك الشعوب، ولكن يصير الله قلوبكم هناك فزعة مرتجفة بالغداة تقولون: متى نمسي؟ وبالعشيّ تقولون: متى نصبح؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى ارض مصر في الوف في الطريق الذي قال الرب: لا تعودوا أن تروه، وتباعون هناك عبيداً وإماء، ولا يكون من يشتريكم - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض مؤاب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب؛ ثم دعا موسى جميع بني إسرائيل وقال لهم: قد رأيتم ما صنع الله بأرض مصر بفرعون

وجميع عبيده وكل شعبه والبلايا العظيمه التي رأت أعينكم والآيات والأعاجيب التي شهدتموها، ولم يعطكم الرب قلوباً تفهم وتعلم، ولا أعيناً تبصر ولا آذاناً تسمع إلى يومنا هذا، ودبركم في البرية أربعين سنة، لم تبل ثيابكم عليكم ولم تخلق خفافكم أيضاً ولم تأكلوا خبزاً، لتعلموا أني أنا الله ربكم، وأنا الذي أتيت بكم إلى هذه البلاد، فاحفظوا وصايا هذه التوارة واعملوا بها وأتموا جميع الأعمال في طاعة الله وأكملوها، لأنكم قد عرفتم جميعاً أن كنا سكاناً بأرض مصر وجزنا بين الشعوب، ورأيتم نجاستهم وأصنامهم، لعل فيكم اليوم رجلاً أو امرأة أو قبيلة أو سبطاً يميل قلبه عن عبادة الله ربنا ويطلب عبادة آلهة تلك الشعوب، فيسمع هذا العهد فيقول: يكون لي السلام فاتبع مسرة قلبي، هذا لا يريد الرب أن يغفر له، ولكن هناك يشتد غضب الرب وزجره عليه وينزل به كل اللعن الذي في هذا الكتاب، ويستأصل الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب من جميع أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين يقومون من بعدكم والغرباء، وينظرون إلى ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله بها ويقول الشعب: لماذا صنع الرب هكذا؟ ولماذا اشتد غصبة على هذا الشعب العظيم؟ ويقولون: لأنهم تركوا عهد الله إله آبائهم، فاشتد غضب الرب على هذه الأمة وأمر أن ينزل بها كل اللعن الذي كتب في هذا

الكتاب، ويجليهم الرب عن بلادهم بغضب وزجر شديد ويبعدهم إلى أرض غريبة كما ترى اليوم، فأما الخفايا والسرائر فهي لله ربنا، والأمور الظاهرة المكشوفة هي لنا. ولما أخبر سبحانه بالتأذن، كان كأنه قيل: فأسرعنا في عقابهم بذنوبهم وبعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي، فعطف عليه قوله: {وقطعناهم} أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب بما لنا من العظمة تقطيعاً كثيراً بأن أكثرناًُ تفريقهم {في الأرض} حال كونهم {أمماً} يتبع بعضهم بعضاً، فصار في كل بلدة قليل منهم ليست لهم شوكة ولا يدفعون عن أنفسهم ظلماً. ولما كان كأنه قيل: فهل أطبقوا بعد هذا العذاب على الخير؟ قيل: لا، بل فرقتهم الأديان نحو فرقة الأبدان {منهم الصالحون} أي الذين ثبتوا على دينهم إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالاً لدعوة كتابهم {ومنهم دون ذلك} أي بالفسق تارة وبالكفر أخرى {وبلوناهم} أي عاملناهم معاملة المبتلى ليظهر للناس ما نحن به منهم عالمون {بالحسنات} أي النعم {والسيئات} أي النقم {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن غيه رغبة أو رهبة. ولما كان العذاب الذي وقع التأذن بسببه ممتداً إلى يوم القيامه،

تسبب عنه قوله: {فخلف} أي نشأ، ولما كانوا غير مستغرقين لزمان البعد، أتى بالجار فقال: {من بعدهم خلف} أي قوم هم أسوأ حالاً منهم {ورثوا الكتاب} أي الذي هو نعمة، وهو التوراة، فكان لهم نقمة لشهادته عليهم بقبح أفعالهم، لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤونه ولا يعملون بما فيه؛ قال ابن فارس: والخلف ما جاء من بعد، أي سواء كان محركاً أو ساكناً، وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين: ويقال:؛ خلف سوء - أي بالسكون - وخلَف صدق، وقال الزبيدي في مختصر العين: والخلف: خلف السوء بعد أبيه، والخلَف: الصالح، وقال ابن القطاع في الأفعال: وخَلَفَ خَلَفُ سوء: صاروا بعد قوم صالحين، وخَلَف سوء، قال الأخفش: هما سواء، أي بالسكون، منهم من يسكن ومنهم من يحرك فيهما جميعاً، ومنهم من يقول: خلف صدق - أي بالتحريك - وخلف سوء - أي بالسكون - يريد بذلك الفرق بينهما، وكل إذا أضاف، يعني فإذا لم يضف كان السكون - للفساد، والتحريك للصلاح؛ وقال في القاموس: خلف نقيض قدام، والقرن بعد القرن، ومنه: هؤلاء خلف سوء، والرديء من القول، وبالتحريك الولد الصالح، فإذا كان فاسداً أسكنت اللام، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر، يقال: هو خلف صدق من أبيه - إذا قام مقامه،

أو الخلف بالسكون وبالتحريك سواء، الليث: خلف للاشرار خاصة، وبالتحريك ضده. والمادة ترجع إلى الخلف الذي هو نقيض قدام، كما بنيت ذلك في فن المضطرب من حاشيتي على شرح ألفية العراقي. ولما كان المظنون بمن يرث الكتاب الخير، فكان كأنه قيل: ما فعلوه من الخير فيما ورثوه؟ قال مستأنفاً: {يأخذون} أو يجددون الأخذ دائماً، وحقر ما أخذوه بالإعلام بأنه مما يعرض ولا يثبت بل هو زائل فقال: {عرض} وزاده حقارة بإشارة الحاضر فقال {هذا} وصرح بالمراد بقوله: {الأدنى} أي من الوجودين، وهو الدنيا {ويقولون} أي دائماً من غير توبة. ولما كان النافع الغفران من غير نظر إلى معين، بنوا للمفعول قولهم: {سيغفر لنا} أي من غير شك، فأقدموا على السوء وقطعوا بوقوع ما يبعد وقوعه في المستقبل حكماً على من يحكم ولا يحكم عليه، وصرح بما افهمه ذلك من إصرارهم معجباً منهم في جزمهم بالمغفرة مع ذلك بقوله: {وإن} أي والحال أنه إن {يأتهم عرض مثله} أي في الدناءة والخسة - والحرمة كالرشى {يأخذوه} . ولما كان هذا عظيماً، أنكر عليهم مشدداً - للنكير بقوله

مستأنفاً: {ألم يؤخذ عليهم} بناه للمفعول إشارة إلى أن العهد يجب الوفاء به على كل حال، ثم عظمه بقوله: {ميثاق الكتاب} أي الميثاق المؤكد في التوارة {أن لا يقولوا} أي قولاً من الأقوال وإن قل {على الله} أي الذي له الكمال العظمة {إلا الحق} أي المعلوم ثباته، وليس من المعلوم ثباته إثبات المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب. ولما كان ربما وقع في الوهم أنه أخذ على أسلافهم ولم يعلم هؤلاء به، نفى ذلك بقوله: {ودرسوا ما فيه} أي ما في ذلك الميثاق بتكرير القراءة للحفظ {والدار الأخرة} أي فعلوا ما تقدم من مجانبة التقوى والحال أن الآخرة {خير} أي مما يأخذون {للذين يتقون} أي وهم يعلمون ذلك بإخبار كتابهم، ولذلك أنكر عليهم بقولة: {أفلا تعقلون*} أي حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدلاً مما يسعدهم ويبقى، وعلى قراءة نافع وابن عامر وحفص بالخطاب يكون المراد الإعلام بتناهي الغضب.

170

ولما بين ما للمفسدين من كونهم قالوا على الله غير الحق فلا يغفر لهم، بين ما للصالحين المذكورين في قوله {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] فقال عاطفاً على تقديره: أولئك حبطت أعمالهم فيما

درسوا من الكتاب، ولا يغفر لهم ما أتوا من الفساد: {والذين يمسكون} أي يمسكون إمساكاً شديداً يتجدد على كل وجه الا ستمرار، وهو إشارة إلى إن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد {بالكتاب} أي فلا يقولون على الله إلا الحق، ومن جملة تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك الكتاب عند إتيان الناسخ لأنه ناطق بذلك - والله الموفق. ولما كان من تمسيكهم بالكتاب عند نزول هذا الكلام انتقالهم عن دينهم إلى الإسلام كما وقع الأمر به في المواضع التي تقدم بيانها، عبر عن إقامة الصلاة المعهودة لهم بلفظ الماضي دون المضارع لئلا يجعلوه حجة في الثبات على دينهم. فيفيد ضد المراد فقال: {وأقاموا الصلاة} وخصها إشارة إلى أن الأولين توكوها كما صرح به في آية مريم، وتنويهاً بشأنها بياناً لأنها من أعظم شعائر الدين، ولما كان التقدير إخباراً عن المبتدإ: سنؤتيهم أجورهم لإصلاحهم، وضع موضعه للتعميم قوله: {إنا لا نضيع} أي بوجه من الوجوه {أجر المصلحين*} . ولما ذكر الكتاب أنه رهبهم من مخالفته ورغبهم في مؤالفته، وكان عذاب الآخرة مستقبلاً وغائباً، وكان ما هذا شأنه يؤثر في الجامدين، أمره أن يذكرهم بترهيب دنيوي مضى إيقاعه بهم، ليأخذوا مواثيق الكتاب لغاية الجد مع أنه لا يعلمه إلا علماؤهم، فيكون

علم الأمي له من أعلام نبوته الظاهرة فقال: {وإذ} أي اذكر لهم هذا، فإن لمن يتعظوا اذكر لهم إذ {نتقنا} أي قلعنا ورفعنا، وأتى بنون العظمة لزيادة الترهيب {الجبل} عرفه لمعرفتهم به، وعبر لدلالة لفظه على الصعوبة والشدة دون الطور - كما في البقرة - لأن السياق لبيان نكدهم بإسراعهم في المعاصي الدالة على غلظ القلب. ولما كان مستغرقاً لجميع الجهة الموازية لعساكرهم، حذف الجار فقال: {فوقهم} ثم بين أنه كان أكبر منهم بقوله: {كأنه ظلة} أي سقف، وحقق أنه صار عليهم موازياً لهم من جهة الفوق كالسقف بقوله: {وظنوا} هو على حقيقته {أنه واقع} ولما كان ما تقدم قد حقق العلو، لم يحتج إلى حرف الاستعلاء، فقال مشيراً إلى السرعة واللصوق: {بهم} أي إن لم يأخذوا عهود التوارة، قالوا: ولما رأوا ذلك خر كل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، وصار ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فزعاً من سقوطه، وهي سنة لهم في سجودهم إلى الآن، يقولون: هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما كان كأنه قيل: فقالوا: أخذنا يارب عهودك، قال مشيراً إلى عظمته ليشتد إقبالهم عليه إشارة إلى أنه علة رفع الجبل: {خذوا ما آتيناكم} أي بعظمتنا، فهو جدير بالإقبال عليه وإن يعتقد فيه الكمال، وأكد ذلك بقوله: {بقوة} أي عزم عظيم على احتمال

مشاقه؛ ولما كان الأخذ للشيء بقوة ربما نسيه في وقت، قال: {واذكروا ما فيه} أي من الأوامر والنواهي وغيرهما - فلا تنسوه {لعلكم تتقون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى تقواه، فدل سبحانه بهذا على تأكيد المواثيق عليهم في أخذ جميع ما في الكتاب الذي من جملته ألا تقولوا على الله إلا الحق ولا تكتموا شيئاً منه، قالوا: ولما قرأ موسى عليه السلام الألواح وفيها كتاب الله لم يبق على الأرض شجر ولا جبل ولا حجر إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهودياً يسمع التوارة إلا اهتز وأنقض رأسه. ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على هذه الهيئة القاهرة الملجئة القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق في كثير من فصول الكتاب، وكان ذلك كله خاصاً بهم؛ أمره أن يذكر لهم أنه ركب لهم في عموم هذا النوع الآدمي من العقول ونصب من الأدلة الموضحة للأمر إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه والمتهاون به لكان تعذيبه جارياً على المناهج ملائماً للعقول، ولكنه لسبق رحمته وغلبة رأفته لم يؤاخذ بذلك حتى ضم إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب، وأكثر فيها من المواثيق، وزاد في الكشف والبيان، وإلى ذلك الإشارة باسم الرب، فكأن من عنده علم أشد ملامة من الجاهل، فقال: {وإذ} أي واذكر لهم إذ {أخذ} أي خلق بقوله وقدرته {ربك} أي المحسن

إليك بالتمهيد لرسالتك كما يؤخذ القمل بالمشط من الرأس. ولما كان السياق لأخذ المواثيق والأخذ بقوة، ذكر أخذ الذرية من أقوى نوعي الآدمي، وهم الذكور فقال: {من بني آدم} وذكر أنه جعلها من أمتن الأعضاء فقال: {من ظهورهم} كل واحد من ظهر أبيه {ذريتهم} إشارة إلى أنه أكد عليهم المواثيق وشددها لهم وأمرهم - بالقوة في أمرها، أعطاهم من القوة في التركيب والمزاج ما يكونون به مطيعين لذلك، فهو تكليف بما في الوسع، وجعل لهم عقولاً عند من قال: هو على حقيقته كنملة سليمان عليه الصلاة والسلام {وأشهدهم على أنفسهم} أي أوضح لهم من البراهين من الإنعام بالعقول مع خلق السماوات والأرض وما فيهما على هذا المنوال الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم والقدرة، ومن إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات ما كانوا كالشهود بأنه لا رب غيره؛ وقد ذكر معنى هذا الإمام حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من باب العلم من الإحياء فإنه قال معنى هذه الآية: والمراد إقرار نفوسهم، لا إقرار الألسنة، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث

وجدت الألسنة والأشخاص؛ ثم ذكر أن النفوس فطرت على معرفة الأشياء على ما هي عليه لقرب الاستعداد للإدراك. ولما تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره، وأنه رب فلا أرأف منه ولا أرحم، كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفاً من سطوته ورجاء لرحمته، فكانوا بذلك بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به، فلذلك قال: {ألست بربكم} أي المحسن إليكم بالخلق والتربية بالرزق وغيره {قالوا بلى شهدنا} أي كان علمنا بذلك علماً شهودياً، وذلك لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه الجواب إلا ذلك فكأنهم قالوه؛ فهو - والله أعلم - من وادي قوله تعالى {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً} [الرعد: 15]- الآية و {لله يسجد ما في السماوات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} [النحل: 49] . ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ قيل: دلالة على أن المتقدم إنما هو على طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد، فعله كراهة {أن تقولوا يوم القيامة} أي إن لم ينصب لهم الأدلة {إنا كنا عن هذا} أي وحدانيتك وربوبيتك {غافلين*} أي لعدم الأدلة فلذلك أشركنا {أو تقولوا} أي لو لم نرسل إليهم الرسل {إنما أشرك آباؤنا من قبل} أي من قبل أن نوجد

{وكنا ذرية من بعدهم} فلم نعرف لنا مربياً غيرهم فكنا لهم تبعاً فشغلنا اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه، فيتسبب عن ذلك إنكارهم في قولهم: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون*} أي من آبائنا؛ قال أبو حيان: والمعنى أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان: إحدهما «كنا غافلين» والأخرى «كنا تبعاً لأسلافنا» فكيف والذنب إنما هو لمن طرّق لنا وأضلنا - انتهى. ومما يؤيد معنى التمثيل حديث أنس في الصحيح «يقول الله لأهون أهل النار عذاباً: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك شيئاً، فأبيت إلا الشرك» وذلك لأن التصريح بالآباء ينافي كون الإقرار على حقيقته، والأخذ وهو في الصلب إنما هو بنصب الأدلة وتقرير الحق على وجه مهيىء للاستدلال بتركيب العقل على القانون الموصل إلى المقصود عند التخلي من الحظوظ والشوائب، وهذا الذي وقع تأويل الآية به لا يعارضه حديث الاستنطاق في عالم الذر على تقدير صحته، فإنه روي من طرق كثيرة جداً ذكرتها في كتابي سر الروح، منها في الموطأ ومسند أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي وأبي يعلى الموصلي ومستدرك الحاكم وكتاب المائتين لأبي عثمان

الصابوني عن صحابة وتابعين مرفوعاً وموقوفاً - منهم عمر وأبيّ بن كعب وأبو هريرة وحكيم بن حزام وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي العالية رحمهم الله، وإنما كان لا يعارضه لأن في بعض طرقه عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه سبحانه قال بعد أن استنطقهم: «فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، فلا تشركوا بي شيئاً، فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، فقالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك» فالاستنطاق في الحديث على بابه، عبرة لأبينا آدم عليه السلام ومن حضر ذلك من الخلق، وإيقافاً لهم على بديع قدرته وعظيم علمه، وإشهاد ما أشهد من المخلوقات بمعنى أنه نصب فيها من الأدلة ما يكون إقامة الحجة به عليهم بالنقض إن أشركوا كشهادة الشاهد الذي لا يرد، وليس في شيء من الروايات ما ينافي هذا؛ والحاصل أنه أخذ علينا عهدان: أحدهما حالي تهدى إليه العقول، وهو نصب الأدلة، والآخر مقالي أخبرت به الرسل، كل ذلك للإعلام بمزيد الاعتناء بهذا النوع البشري لما له من الشرف الكريم ويراد به من

الأمر العظيم - والله الموفق.

174

ولما كان كأنه قيل تبيهاً على جلالة هذه الآيات: انظر كيف فصلنا هذه الآيات هذه التفاصيل الفائقة وأبرزناها في هذه الأساليب الرائقة، قال: {وكذلك} أي ومثل ذلك التفصيل البديع الجليل الرفيع {نفصل الآيات} أي كلها لئلا يواقعوا ما لا يليق بجانبنا جهلاً لعدم الدليل {ولعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن الضلال إلى ما تدعو إليه الهداة من الكمال عن قرب إن حصلت غفلة فواقعوه، وذلك من أدلة {والذي خبث لا يخرج إلا نكداً} [الأعراف: 58] و {ما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102] و {سأصرف عن آياتي} [الأعراف: 146] . ولما ذكر لهم ما أخذ عليهم في كتابهم من الميثاق الخاص الذي انسلخوا منه، واتبعه الميثاق العام الذي قطع بع الأعذار، أتبعهما بيان ما يعرفونه من حال من انسلخ من الآيات، فأسقطه الله من ديوان السعداء، فأمره صلىلله عليه وسلم أن يتلو عليهم، لأنه - مع الوفاء بتبكيتهم - من أدلة نبوته الموجبة عليهم اتباعه، فذكره ما وقع له في نبذ العهد والانسلاخ من الميثاق بعد أن كان قد أعطى الآيات وأفرغ عليه من الروح فقال: {واتل} أي اقرأ شيئاً بعد شيء {عليهم} أي اليهود وسائر الكفار الخلق كلهم {نبأ الذي} وعظم ما أعطاه بمظهر العظمة ولفظ الإيتاء بعد ما عظم خبره بلفظ الإنباء فقال: {آتيناه} .

ولما كان تعالى قد أعطاه من إجابة الدعاء وصحة الرؤيا وغير ذلك مما شاء سبحانه أمراً عظيماً بحيث دله تعالى دلالة لا شك فيها، وكانت الآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة وإن كان بعضها أقوى من بعض، قال تعالى: {آياتنا} وهو بلعام من غير شك للسباق واللحاق، وقيل: وهو رجل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين فرشاه فتبع دينه فافتتن به الناس، وقيل: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي قال فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «آمن شعره وكفر قلبه» قاله عبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم، وقيل: هو أبو عامر الراهب الذي سماه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفاسق، وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنكروه. ولما كان الذي جرأهم على عظمته سبحانه ما أنعم عليهم به من إعطاء الكتاب ظناً منهم أنه لا يشقيهم بعد ذلك، رهبهم ببيان أن الذي سبب له هذا الشقاء هو إيتاء الآيات فقال: {فانسلخ منها} أي فارقها بالكيلة كما تنسلخ الحية من قشرها، وذلك بسبب أنه لما كان مجاب الدعوة سأله ملك زمانه الدعاء على موسى وقومه فامتنع فلم يزل يرغبه حتى خالف أمر الله اتباعاً لهوى نفسه، فتمكن من الشيطان وأشار عليه أن يرسل إليهم النساء مزينات ويأمرهن أن لا يمتنعن من أحد، فأشقاه الله، وهذا معنى {فأتبعه الشيطان} أي فأدركه مكره فصار قريناً له

{فكان} أي فتسبب عن إدراك الشيطان له أن كان {من الغاوين*} أي الضالين الراكبين هوى نفوسهم، وعبر في هذه القصة بقوله: {اتل} دون {وأسألهم عن} [الأعراف: 163] نحو ما مضى في القرية، لأن هذا الخبر مما يحبون ذكره لأن سلخه من الآيات كان لأجلهم، فهو شرف لهم، فلو سألهم عنه لبادروا إلى الإخبار به ولم يتلعثموه فلا تكون تلاوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك لما أنزل في شأنه واقعاً موقع ما لو أخبرهم به قبل، ولعل المقصود الأعظم من هذه الآية والتي قبلها الاستدلال على كذب دعواهم في قولهم {سيغفر لنا} [الأعراف: 169] بما هم قائلون به، فيكون من باب الإلزام، وكأنه قيل: أنتم قائلون بأن من أشرك لا يغفر له لتركه ما نصب له من الأدلة حتى إنكم لتقولون {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] لذلك، فما لكم توسعون المغفرة لكم في ترك ما أخذ عليكم به الميثاق الخاص وقد ضيقتموها على غيركم في ترك ما أخذ عليهم به الميثاق العام؟ ما ذلك إلا مجرد هوى، فإن قلتم: الأمر في أصل التوحيد أعظم فلا يقاس عليه، قيل لكم؛ أليس المعبود قد حرم الجميع؟ وعلى التنزل فمن المسطور في كتابكم أمر بلعام وأنه ضل، وقد كان أعظم من أحباركم، فإنا آتيناه الآيات من غير واسطة رسول، وكان سبب هلاكه - كما تعلمون - وخروجه من ربقة الدين وإحلاله دمه مشورته على ملك زمانه بأن يرسل

النساء إلى عسكر بني إسرائيل متزينات غير ممتنعات ممن أرادهن، وذلك من الفروع التي هي أخف من باب الأموال، فقد بحتم كذبكم في قولكم {سيغفر لنا} وأنكم لم تتبعوا فيه إلا الهوى كما تبعه بلعام فانظروا ما فعل به. ولما كان هذا السياق موهماً لمن لم يرسخ قدمه في الإيمان أن الشيطان له تأثير مستقل في الإغواء، نفى ذلك غيره على هذا المقام في مظهر العظمة فقال: {ولو شئنا} أي أن نرفعه بها على ما لنا من العظمة التي من دنا ساحتها بغير إذن محق {لرفعناه} أي في المنزلة رفعة دائمة {بها} أي الآيات حتى لا يزال عاملاً بها. ولما علق الأمر بالمشيئة تنبيهاً على أنها هي السبب الحقيقي وإن ما لم يشأه سبحانه لا يكون، وكان التقدير: ولكنا لم نشأ ذلك وشئنا له الكفر فأخلدناه - إلى آخره، عبر عنه تعليماً للأدب في إسناد الخير إلى الله والشر إلى غيره وإن كان الكل خلقه حفظاً - لعقول الضعفاء من إيهام نقص أو إدخال لبس بقوله مسنداً نقصه إليه: {ولكنه أخلد} أي فعل فعل من أوقع الخلد - وهو الدوام - وأوجده {إلى الأرض} أي رمى بنفسه إلى الدنيا رمياً، تهالكاً على ما فيها من الملاذ الحيوانية والشهوات النفسانية {واتبع} أي اتباعاً شديداً

{هواه} فأعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات مقدماً لداعي نفسه على داعي روحه، لأن القلب الذي هو نتيجتهما في عالم الأمر له وجهان: وجه إلى الروح العلوي الروحاني الذي هو الأب، وله الذكورة المناسبة للعلو؛ ووجه إلى النفس التي هي الروح الحيواني التي هي الأم ولها المناسبة للأرض بالأنوثة وبأن أصلها من التراب الذي له الرسوب بوضع الجبلة فالتقدير: فحط نفسه حطّاً عظيماً، لأنا لم نشأ رفعه بما أعطيناه من الآيات، وإنما جعلناه وبالاً عليه، فلا يغتر أحد بما أوتي من المعارف، وما حاز من المفاخر واللطائف، فإن العبرة بالخواتيم، ولنا بعد ذلك أن نفعل ما نشاء. ولما كان هذا حاله، تسبب عنه أن قال تعالى: {فمثله} أي مع ما أوتي من العلم في اتباعه لمجرد هواه من غير دليل بعد الأمر بمخالفة الهوى {كمثل الكلب} أي في حال دوام اللهث. ولما كان كأنه قيل: مثله في أيّ أحواله؟ قال: في كونه {إن تحمل عليه} أي لتضربه {يلهث أو تتركه يلهث} فإن أوجب لك الحمل عليه ظن أن لهثه لما حاول من ذلك التعب ردك عنه لهثه في الدعة، فتعلم حينئذ أنه ليس له سبب إلا اتباع الهوى، فتابع الهوى مثل الكلب كما بين، ومثال هذا المنسلخ الجاهل الذي لا يتصور أن يتبع غير الهوى، لأنه يتبع الهوى مع إيتاء الآيات فبعد الانسلاخ منها أولى، فقد وضح تشبيه مثله بمثل الكلب، لا تشبيه مثله بالكلب؛ وهذه القصة تدل على

أن من كانت نعم الله في حقه أكثر، كان بعده عن الله إذا أعرض عنه أعظم وأكبر. ولما تقرر المثلان، وكان كل منهما منطبقاً على حالة كل مكذب، كانت النتيجة قوله: {ذلك} أي كل من المثلين {مثل القوم} أي الأقوياء ما يحاولونه {الذين كذبوا بآياتنا} أي في أن تركهم لها إنما هو بمجرد الهوى، لأن لها من الظهور والعظمة بنسبتها إلينا ما لا يخفي على من له أدنى بصيرة {فاقصص القصص} أي فأخبر الإخبار العظيم الذي تتبعت به مواقع الوقائع وآثار الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبساً على كل من يسمع لك من اليهود وغيرهم، وهو مصدر قص الشيء - إذا تبع أثره واستقصى في ذلك {لعلهم يتفكرون*} أي ليكون حالهم حال من يرجى تفكره في هذه الآيات، فيعلمون أنه لا يأتي بمثلها من غير معلم من الناس إلا نبي فيردهم ذلك إلى الصواب حذراً من مثل حال هذا. ولما ظهر بهذا أن مثل الكلب الذي اكتسب من ممثوله من السوء والقذارة ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى مثل المكذبين بالآيات، أنتج ذلك قوله تأكيداً لذمهم وزجرهم: {ساء مثلاً القوم} أي مثل القوم {الذين كذبوا بآياتنا} أي فلو لم يكن عليهم درك في فعلهم أن لا تنزل هذا المثل عليهم لكان أعظم زاجراً له أدنى مروءة، لأنهم نزلوا عما

لمن يتبعها من العظمة إلى ما ظهر بهذا المثل من الخسة، فكيف وهم يضرون أنفسهم بذلك ولا يضرون إلا إياها، وذلك معنى قوله: {وأنفسهم} أي خاصة {كانوا يظلمون*} أي كان ذلك في طبعهم جبلة لهم، لا يقدر غير الله على تغييره. ولما كان ذلك محل عجب ممن يميل عن المنهج بعد إيضاحه هذا الإيضاح الشافي، قال جواباً لمن كأنه قال: فما لهم لا يؤمنون؟ مفصلاً لقوله {ولو شئنا لرفعناه بها} [الأعراف: 176] : {من يهد الله} أي يخلق الهداية في قلبه الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه {فهو المهتدي} أي لا غيره. ولما كان في سياق الاستدلال على أن أكثر الخلق هالك بالفسق ونقض العهد، وحد {المهتدي} [الأعراف: 177] نظراً إلى لفظ {من} وجمع الضال نظراً إلى معناها فقال: {ومن يضلل فأولئك هم} أي البعداء البغضاء خاصة لا غيرهم {الخاسرون*} إذ لا فعل لغيره أصلاً، والآية من فذلكة ما مضى، وما أحسن ختمها بالخسران في وعظ من ترك الآخرة بإقباله على أرباح الدنيا وأعرضها الفانية، ثم تعقيبها بذرء جهنم الذين لا أخسر منهم. ذكر قصة بلعام من التوراة - قال في السفر الرابع منها بعد أن ساق قتالهم لسيحون ملك الأمورانيين: وفرق المؤابيون من الشعب

فرقاً شديداً لأنهم رأوه شعباً عظيماً، فاضطرب المؤابيون ورجفت قلوبهم خوفاً من بني إسرائيل، وقال ملك مؤاب لأشياخ مدين: اعلموا أن هذا الجمع يرتعي حرثنا، ولا يدع أحداً إلا أهلكه، ويرتعي كل من حولنا كما يرتعي الثور عشب الأرض، وكان ملك المؤابيين في ذلك الزمان بالاق بن صفور، فأرسل رسلاً إلى بلعام بن بعور العراف المعبر للأحلام الذي كان ينزل على شاطىء النهر قريباً من أرض بني عمون ليدعوه إليه فيستعين به: أخبرك أنه قد خرج شعب من أرض مصر، فغشى وجه الأرض كلها، وقد نزلوا جبالنا، فأطلب إليك أن تأتي وتلعن هذا الشعب لأنه أقوى وأعز منا، لعلنا نقدر أن نحاربه ونهلكه عن جديد الأرض، لأني عارف أن الذي تباركه هو مبارك، والذي تلعنه هو ملعون، وانطلق أشياخ مؤاب وأشياخ مدين ومعهم هدايا وجوائز، فأتوا بلعام فقالوا له قول بالاق، فقال لهم: بيتوا هاهنا ليلتكم هذه فأخبركم بما يقول الرب، فأقام أشراف مؤاب عند بلعام، فأتى ملك الله بلعام وقال له: من القوم الذين أتوك؟ قال بلعام للملاك: بالاق بن صفور ملك مؤاب أرسل إلي وقال: قد خرج شعب من أرض مصر فملأ وجه الأرض، فأقبل إلينا حتى تلعنه، لعلي أقدر أن أجاهده وأهلكه، وقال الملاك لبلعام: لا تنطلق مع القوم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك، فقال بلعام بكرة لعظماء

بالاق: انطلقوا إلى صاحبكم، لأن الرب لم يحب أن يدعني أنطلق معكم، ونهض عظماء مؤاب فأتوا بالاق وقالوا له: لم يهو بلعام إتيانك معنا، فعاد بالاق أيضاً فأرسل رسلاً أعظم وأكرم من الأولين، فأتوا بلعام وقالوا له: هكذا يقول بالاق بن صفور: لا تمتنع أن تأتيني لأني سأعظمك وأكرمك جداً، وما قلت لي من شيء فعلت، وأقبل إلينا لتلعن لي - هذا الشعب، فرد بلعام على رسل بالاق قائلاً: لو أن بالاق أعطاني ملء بيته ذهباً وفضة لم أقدر أن أتعدى قول ربي وإلهي، ولا أحيد عن قول صغير ولا كبير من أقواله، فعرجوا أنتم أيضاً عندنا ليلتكم هذه حتى أنظر ما يخبروني ملاك الله من أمركم، فنزل وحي الله على بلعام ليلاً، وقال له: إن كان هؤلاء القوم إنما أتوك ليدعوك فقم فانطلق معهم، ولكن إياك أن تعمل إلا ما أقول فنهض بلعام بكرة وأسرج أتانه وانطلق مع عظماء مؤاب، فقال ملاك الرب في الطريق ليكون له لدداً، فرأت الأتان ملاك الله قائماً في الطريق مخترطاً سيفه ممسكه في يده، فحادت عن الطريق وسارت في الحرث، فضربها بلعام ليردها إلى الطريق، فقام ملاك الرب في طريق ضيق بين كرمين فرأت الأتانة ملك الرب فزحمت الحائط وضغطت رجل بلعام في

الحائط، فعاد يضربها أيضاً، ثم عاد ملاك الرب وقام في موضع ضيق حيث ليس لها موضع تحيد منه يمنة ولا يسره، فبصرت بملاك الرب وربضت تحت بلعام، فاشتد غضب بلعام وضرب الأتان بالعصا، وفتح الرب فم الأتان وقالت لبلعام: ما الذي صنعت بك حتى ضربتني ثلاث مرات؟ قال بلعام: لأنك زريت بي، ولو أنه كان في يدي سيف كنت قد قتلتك الآن، فقالت: ألست أتانتك التي تركبني منذ صباك إلى اليوم؟ هل صنعت مثل هذا الصنع قط؟ قال لها: لا وجلّى الرب عن بصر بلعام فرأى ملك الله قائماً في الطريق مخترطاً سيفه ممسكه بيده، فجثا وخر على وجهه ساجداً، فقال له ملاك الرب: ما بالك ضربت أتانك ثلاث مرات أنا الذي خرجت لأكون لك لداداً، لأنك أخذت في طريق خلافاً لأمري، فلما رأتني الأتان حادت عني ثلاث مرات، ولو أنها لم تحد عني كنت قتلتك وأبقيت عليها، قال بلعام لملاك الرب: أسأت وأجرمت، لم أعلم أنك قائم بإزائي في الطريق، فالآن إن كان انطلاقي مما تكرهه رجعت، قال ملاك الرب لبلعام: انطلق مع القوم وإياك أن تفعل شيئاً إلا ما أقول لك! فانطلق بلعام، فسمع بالاق فخرج ليتلقاه وقال بالاق: لم تأتني؟ قال: قد أتيتك الآن، لعلك تظن أني أقدر أن أقول شيئاً إلا القول الذي

يجريه الله على لساني به أنطق، فلما كان الغد عمد بالاق إلى بلعام وأصعده إلى بيت بعل الصنم، فرأى من هناك أقاصي منازل شعب إسرائيل، وقال بلعام لبالاق: ابني لي هاهنا سبعة مذابح، وهيىء لي سبعة ثيران وسبعة كباش، وفعل بالاق كما قال له بلعام، ورفع بالاق الكباش والثيران على المذبح قرباناً، وقال بلعام لبالاق: قم هاهنا عند قرابينك حتى أنطلق أنا، لعل الرب يوحي إليّ ما أهواه، وأنا مظهر لك ما يوحي به، فانطلق فظهر الله وألهمه قولاً وقال له: انطلق إلى بالاق وقل له هذا القول، فأتاه وهو قائم عند قرابينه وجميع قواد مؤاب معه، ورفع بلعام صوته بأمثال